أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - فالح عبد الجبار - علي الوردي وعلم الاجتماع






















المزيد.....

علي الوردي وعلم الاجتماع



فالح عبد الجبار
الحوار المتمدن-العدد: 1255 - 2005 / 7 / 14 - 13:23
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


تأملات في رحلة معرفية


للكتابة عن علي الوردي مذاق خاص، فهي كتابة عن المجتمع وعن الشخص في آن . ولد الوردي عشية تأسيس الدولة الحديثة، ورحل عشية أفول الجمهورية الرابعة. وتاريخه الشخصي هو، بمعنى من المعاني، تاريخ العراق الحديث. اما استجاباته الفكرية فهي جزء جوهري من تحولات هذه الحقبة.
والبحث في كتابات الوردي (من وعاظ السلاطين – 1954 – الى لمحات اجتماعية – الجزء السادس 1976) يشكل رحلة فكرية متشعبة. فهذا البحث هو تأمل في علم الاجتماع (او بعض اوجهه)، وهو ايضا تأمل في تاملات الوردي في هذا العلم، تواشجا او تنافرا. وأجد في سيرة الوردي الفكرية منابع شتى حافزة على التفكر، اجتزيء منها، لاغراض تركيز البحث ليس الا، العلاقة بين عالم الاجتماع (السوسيولوجي) وعلم الاجتماع (السوسيولوجيا)، وبتحديد ادق نظريات ومناهج علم الاجتماع. اما نظرية الوردي، خلدونية الأرومة، فستندرج هنا كعنصر ثانوي رغم موقعها المركزي في افكاره ونتاجاته. وسبب هذا الاجراء انني كتبت عن ذلك مبحثا وجيزا مستقلا يقوم على التحليل المقارن بين الوردي وابن خلدون
المبحث الحالي اذن يتركز في الجانب النظري، وهو مسعى لتحليل المصادر النظرية لمنهجية الوردي، التي أراها خلائط من نقائض ذات ثراء خاص، تعتمد مزيجا نظريا انتقائيا هو الآخر.
وتحسبا لأي لبس او ابهام، اقول ان نقائض الفكرة، فهما وتطبيقا، هي دليل عافية فكرية بنظري، كما ان المزيج الانتقائي هو برهان حيوية خاصة، لانه ما من نظرية واحدة تلم بكل جوانب واقع مركب.
اما الباحث عن فكر بلا نقائض، ومناهج بلا تلاقح، فلن يجد مسرته إلا في مقابر التاريخ، حيث السكون المطبق.
ما هي النقائض في منهجية الوردي، وما هو الخلائط الانتقائية، التي يعتمدها؟ الأجابة عن هذين السؤالين تدوران في النقاط الآتية:
اولا – ان مجرد اشتغال الوردي بعلم الاجتماع يبدو، كنقطة انطلاق، في تضاد صارخ مع البيئة الاجتماعية التي ينشط فيها.
واذا صدقنا قولة اوغست كونت (1789 – 1857) من ان علم الاجتماع، هدا الفرع المعرفي الجديد، الذي اسهم هو في تأسيسه، لم يظهر الا بعد انتقال البشرية من المرحلة اللاهوتية، الى الميتافيزيقية، ليصل اخيرا الى المرحلة الوضعية (مرحلة الدراسة العلمية المجردة للوقائع المتاحة امام الحس)، اي فلسفى العصر الصناعي، عصر المدن الكبرى، والعلوم الحديثة، والدول المركزية قومية الطابع، فان ظهور علي الوردي نفسه كعالم اجتماع، في عراق اربعينات القرن المنصرم، في رقعة متأخرة تعيش في عالم ما قبل – وضعي، يشكل تناقضا في التعريف، او استثناء خارقا ان جاز القول.
ثانيا – اعتمادا على ما تقدم، ولد الوردي في عصر انتقالي، يتفكك فيه المجتمع الزراعي المتجزيء قبائل وطوائف، منتقلا الى مجتمع حديث يندمج في أمة ودولة، رغم ان هذه العملية تبدو، من منظار الجمهورية الخامسة، وكأنها تبدأ من جديد.
وولد الوردي ايضا في حقبة تفكك المراتب القديمة من حرف وصنايع، وسادة واشراف ومشايخ، وبروز الطبقات الحديثة.
هدا الوضع الانتقالي اورثه حساسية مرهفة لادراك ديناميكيات التغيير، رغم وجود ميل معاكس عنده (لا شعوري، او مجتمعي ان استعرنا لغته) الى القبول بالسكون او الثبات المجتمعي (القول بوجود "طبيعة" ثابتة للمجتمع العراقي، او "طبيعة" بشرية... الخ).
ثالثا – لما كان الوردي يشخص في المجتمع العراقي ثلاث مشكلات اساسية (صراع البداوة والحضارة،. التناشز الاجتماعي بين الاثنين، تفتت الوعي الجمعي وانغلاقه) فانه يعتمد في معالجته هذه الاوجه على ما يلي:
أ – نظرية ابن خلدون، مفسرة على اساس المنهج التجريبي – الوضعي (بيكون – كونت).
ب – المدرسة السوسيولودية الاميركية، (جورج هربرت ميد – 1863 – 1931) مؤسس مدرسة "التفاعل الرمزي" Symbolic Interactionفي الجماعات الصغيرة .
ج – المدرسة التاريخية الالمانية (كارل مانهايم وفرديناند كون).
هناك عناصر اخرى مستمدة من علم النفس الاجتماعي في جناحه الاميركي.

رابعا – رغم تكرار الوردي بأنه يعتمد ابن خلدون فان قراءته لهذا الاخير تعيد بناء النظرية
الخلدونية بل تقلبها رأسا على عقب. فصراع البداوة والحضارة الخلدوني يقوم بين نمطين متضادين (ومتفاعلين) من التنطيم الاجتماعي (المدن والبوادي)، اما عند الوردي فهو ازدواج قيمي داخل المدينة، اولا، وضمن الدولة الحديثة ثانيا. وهو، عند الوردي، نتاج صراع الحضارة العراقية مع محيطها البدوي (الجزيرة العربية)، اولا، ثم هو، صراع بين العراق والحضارة الغربية الوافدة ثانيا،
إثر غزو العراق في الحرب العالمية الاولى. لكن الاهم في عملية قلب ابن خلدون رأسا على عقب (وهو قلب ضروري) ان "منطق" ابن خلدون، كما يرى الوردي، ينفصل عن المنطق الاوسطي، الميتافيزيقي، اي القائل بوجود جواهر ثابتة، وكليات عقلية مسبقة. والوردي هنا يقرأ ابن خلدون او يعيد قراءته انطلاقا من المنهج التجريبي (فرانسيس بيكون) والمنهج الوضعي (اوغست كونت) الذي يشكل، من نواح معينة، امتدادا للتجريبية. هذا المزيج الانتقائي، فريد، املته ضروراته الموضوع المدروس.
خامسا – يرى الوردي في علم الاجتماع منهجا لدراسى "الثقافة الاجتماعية" Culture محللا اوجه الثقافة الروحية والمادية (القيم ونمط العيش)، معتمدا على مؤسس علم الاجتماع الاميركي (جورج ميد)، ومتجاوزا اياه في أن، بخروجه على حدود الثقافة الروحية (التفاعل الرمزي) الى رحاب الثقافة المادية ايضا. وهو في هذا يقترب من ماكس فيبر (1864 – 1920).
وان علاقته بعلم الاجتماع الاميركي الذي تأسس متأخرا عن نظيره الاوربي بنحو سبعة عقود، اورثته نزعة وصفية للاحداث والوقائع، تنسجم ونفور المدارس الاميركية في النصف الاول من القرن العشرين، من اية مراجع نظرية كبرى تحدد ماهية المجتمع وماهية علم الاجتماع (تغير هذا الحال في اميركا بعد هجرة الالمان هربا من النازية).
كما ان هذه العلاقة بعلم الاجتماع الاميركي افادته في ملاحظة الفوارق العميقة بين علم الاجتماع الاوربي الذي يضرب جذوره في منظومات فلسفية – لغوية معروفة (الوضعية، الماركسية، البنيوية)، وعلم الاجتماع الاميركي المتحرر نسبيا من هذه الجذور (حتى الفلسفة البراغماتية الاميركية تشبه علم اجتماعها).
سادسا – لكن هذه العلاقة الغنية والنقدية بعلم الاجتماع بجناحيه الاميركي – الاوربي دفعته الى الاعتقاد بوجود خصوصية لكل مجتمع تحتم انشاء علم اجتماع خاص بذلك المجتمع. هذا المنحى الى الخصوصية لم يكن فقط وليد "ضغط" منهجي بل ايضا ثمرة مؤثرات سياسية: صعود الناصرية بمنحاها العروبي، وصعود التيارات القومية العربية (البعث وغيره) الداعية الى انشاء علم اجتماع عربي، كان بحسب الوردي، وعظيا لا علميا.
لكن مبدأ الخصوصية الذي جاهر به الوردي (ولم يطبقه اصلا في كتاباته) وهم ايديولوجي. فلكل مجتمع خصوصيته، ولكل مجتمع عموميته. وما من مجتمع يشبه غيره بحذافيره، بل ما من مجتمع يشبه نفسه قبل قرن، او قرنين، إلا في حدود ضيقة، ثفالة قابلة للحذف.
حقا لقد انحبست نظريات علم الاجتماع في اطر قومية (فرنسا، المانيا، انجلترا، اميركا) خلال جل القرن العشرين، لكنها سرعان ما انفتحت على بعضها البعض في اواخر القرن المنصرم لتولد خلائط خصبة في سياق من التحليل والتركيب.
سابعا – استمد الوردي من المدرسة الالمانية (كارل مانهايم) مفاهيم اساسية لتفسير تنوع انماط المعرفة حبيسة التنظيمات الاجتماعية، مثلما استمد من مانهايم قواعد نظرية لدراسة الدولة الحديثة. الأهم في ذلك هو اعتماد مبدأ النسبية المعرفية الذي يشكل اليوم اساس فكر ما بعد الحداثة.
اما فرديناند تونيس فقد استمد الوردي منه (على نحو غير مباشر – اعتمادا على ماكايفر صاحب مفهوم التناشز الثقافي والتصادم الثقافي) افكار التمايز والتضاد بين المجتمع التقليدي والمجتمع الحديث (الصناعي). الاول، حسب تونيس، منظم في جماعات، والثاني منظم في مجتمع كبير. في الاول ثمة علائق حسية مباشرة، واحساس بالمكان (الجغرافي والاجتماعي)، والانتماء، واعتماد تقاليد ثابتة، تسيطر فيها العائلة والكنيسة (الدين). اما في الثاني فتسود العلائق اللاشخصية، والمصالح الاقتصادية، والتنافس على الموارد، في حراك متصل، متغير يربأ بالثبات. لكن الوردي حبس التضاد بين الحداثة والتقليد في قفص البداوة والحضارة الخلدونية، علما ان حضارة ابن خلدون شأن بداوته تنتمي الى العالم ما قبل الحديث.
ثامنا – اخيرا ابتدع الوردي في هذه الرحلة طريقا ثالثا للخروج من اسار الفكر القومي المتزمت، او قواعد الفكر اليساري في صيغته المتحجرة. ولم يكن من باب المصادفة ان يدعو الى مجتمع يعتمد الليبرالية السياسية.
كان يحرص على تفرده في مجتمع يبغض الفردية، وينفتح على كل النظريات في مجتمع يحول النظرية الى معتقد ديني، ويمضي في البحث وسط مؤسسات علمية خاضعة لجبروت الدولة، ومجردة من حرية التفكير والبحث الطليق.
هذا وحده اعجاز!






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,390,623,587
- برلماناتنا وبرلماناتهم
- تجاوز الخوف من الماضي
- العراق: دولة دينية، دولة مدنية...؟
- الأضحية والضحية - أقانيم في ثقافة التعارض
- المشروطة أم المستبدة؟
- الأفندية والملائية بين قرنين
- كرنفال الديموقراطية: حقيقة الأشياء أم مظاهرها
- العراق: مصادر العنف ومآله
- نحن والغرب من إدوارد سعيد إلى محمد عبده
- تأملات في العنف, لا سيما عنف أولئك الذين يفجّرون العراق
- في انتظار البرابرة... في وداع البرابرة
- تأملات في الماركسية
- التوتاليتارية، الكلمة الغائبة الحاضرة
- عراق غامض المآلات مُقلق, لكن البعث... لن يعود
- العراق حيال مسألة الفصام بين الأمة والدولة
- من يقف وراء الهجمات على الأمريكيين في العراق؟
- القتال، التمرد او التلاشي
- بين الحزب والقبائل والعشائر التوازن الهش للنظام العراقي
- مزيفو النقود
- إيضاح لا بد منه في بيان الملاكمة المأجورة


المزيد.....


- سارتر في القاهرة / سوسن بشير
- ماهية الخير والشر في الفلسفة / صاحب الربيعي
- الثقافة الدستورية لدى سكان مدينة بغداد – دراسة ميدانية / فارس كمال نظمي
- الكتاب المقدس: حول أصل اللغة و أختلافها / باقر جاسم محمد
- أرسطو: حول الاستعارة / باقر جاسم محمد
- صراع الجسد والنفس والمجتمع..رؤية نفسية / اسعد الامارة
- تعريف اللاشعور.. رحلة إلى بلاد العجائب / عماد البابلي
- الخصوصية والهوية الثقافية / عزيز مشواط
- عالم ما بعد الموت...حقيقة أم وهم ؟؟ - الجزء الثاني / وليد مهدي
- طرائف من سيرة الفلاسفة / صاحب الربيعي


المزيد.....

- مليشيات بزيّ قوات الأمن تُعدم 23 عراقياً بينهم أطفال
- قوات الدرك الأردنية تفرق بالغاز محتجي معان
- تنظيم -داعش- يتوعد بهلاك الطلاب العراقيين انتقاماً للزي الجه ...
- تنبأ بزراعة أجزاء إلكترونية في الدماغ البشري لمضاعفة قدراته ...
- تركيا ستجري أول إنتخابات رئاسية مباشرة في تاريخها يوم 10 أغس ...
- هل قصف المالكي الفلوجة بالبراميل المتفجرة
- اردوغان يقدم عزاء غير مسبوق لأحفاد الأرمن الذين قتلوا على يد ...
- مصر.. مقتل مسلحين بغارات جوية في سيناء
- الاعتداء على المعتقل السياسي الصحراوي يحي محمد الحافظ
- ضحايا ومداهمات للمنازل بمدينة السمارة المحتلة


المزيد.....

- المادية الديالكتيكية لجماعة من الأساتذة السوفييت / جماعة من الأساتذة السوفييت
- إشكالية المثقف عند غرامشي / رسالة ماجستير في الفلسفة ،لحيدر علي محمد باشراف الاستاذ مدني صالح
- موجز تاريخ الفلسفة / جماعة من الاساتذة السوفيت
- عصر الحكمة / طارق أحمد حسن
- المنهجية العلمية في التثقيف الذاتي / د. عبدالقادر الشيخلي
- نقد العقل الوضعي دراسة في الازمة المنهجية لفكر زكي نجيب محمو ... / د عاطف احمد
- جذور الابداع لدي کل الناس / د نوري جعفر
- صورة الكون / د. محمد عباللطيف مطلب
- الفلسفة المتوسطية / مزوار محمد سعيد
- التراث الفلسفي وإشكالية قراءته / علال كوزة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - فالح عبد الجبار - علي الوردي وعلم الاجتماع