أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رويدة سالم - نبش في تاريخ منسي - الكاهنة - رواية ج2















المزيد.....



نبش في تاريخ منسي - الكاهنة - رواية ج2


رويدة سالم
الحوار المتمدن-العدد: 4168 - 2013 / 7 / 29 - 12:36
المحور: الادب والفن
    


****

صباح الجمعة قام باكرا على غير عادته. رتب الاوراق المبعثرة على المكتب. أغلق جهاز الكمبيوتر ووضع فوقه بعناية أم واق من الغبار. بعد أن كنس الدكان ورشه بالماء، طوى الحصيرة المنشورة في الشمس على جدار ام بلال ثم وضع الكراسي الثلاث التي كانت امام الباب فوق طاولة الطعام في الركن المخفي دوما خلف الستارة السميكة المرسوم على حواشيها ازهارا ربيعية والتي تقسم الدكان الى غرفة معيشة ونوم ومحل للعمل. هذه الستارة التي تحمل بعضا من عطرها وذكرى مرسومة بنور ووجع في اعماق القلب.
اغتسل ولبس بدلته الوحيدة التي بدأت تميل الى اللون الرمادي الباهت ثم تعطر كمن يذهب الى موعد مع حبيبة. وقف امام المرآة المعلقة علي الجدار العاري ومشط شعره. نظر الى لحيته التي صارت تبدو كثة.
- منذ متى لم أحلقها ؟ سأل نفسه.
بعد برهة صمت همس :
- لست أدري.
ألقى نظرة على كل المكان. ابتسم برضا. كل شيء نضيف ومرتب كما في نهاية كل اسبوع.
سمع صوته يدندن :
العين تنحب من فراق غزالي
حتى لذيذ الــــنوم ما يحلالي
آه...العين تنحب
بدى له صوته غريبا كرجع صدى، باهتا بلا معنى فتوقف. تنهد وانحنى على قفته. تحسس محتوياتها بأصابعه. لم ينسى شيئا. حملها وخرج.
أغلق الباب ووضع المفتاح في مكانه المعتاد تحت حجر على حافة النافذة المطلة على الطريق العام. كانت ام بلال ترقبه كعادتها. حيته ككل مرة وقدمت له كسرة خبز ساخنة ملفوفة بعناية في منديل نضيف. لم يرفع عيونه. شكرها وهو يخفي الهدية في القفة ثم انطلق مهرولا. بقِيَّت العجوز واقفة في مكانها تتأمله يبتعد الى أن اختفى.
سار باتجاه شجرة الصنوبر قرب الوادي. لما وصل، جلس عند الجذع. أخذ نايا وعزف. تردد في الفضاء لحن حزين. سكن الكون مستمعا لأنينه. العصافير التي اعتادته بقيت على الاغصان. بعد برهة مأخوذة باللحن بدأت تشدو.
بدت للمتأمل، قرية عين الكرمة خاضعة لقدرها، مستسلمة في سكون. عند طرفها الغربي حيث الجبل قطعان منتشرة ترعى يحرسها أطفال محرومون في أسمال بالية. فكر أنهم جوعى أكيد ينتظرون المساء للعودة للدار.
بعد بضع ساعات، بُعَيْدَ الظهيرة، وقف ونفض الغبار الذي التصق ببذلته. حمل القفة وبخطوات سريعة انساب عبر الوادي. سار بين الاحراش. الرمال الجافة وارتفاع الحرارة أصدرت لهبا شعر به يلفح ساقيه ويرتفع الى وجهه ويجعله يتعرق. هنا كان يجلس لما تزور أمه أختها في الربيع. تراءى له الصبي المنغلق على ذاته كمتوحد في ذلك الزمن التائه في منعرجات الذاكرة. كان كلما يسيل الماء غزيرا لعدة شهور يصطاد سمكا صغيرا يشويه على النار ليسكن جوعه.
أغرق في التفكر ثم بعد برهة تساءل :
- أين ذهبت تلك الاسماك ولماذا جف النهر ؟ أهي الطبيعة أو الله الغاضب من البشر أم الانسان الذي شوه الحياة فلم يعد لها من معنى ؟
ردد كلمة "الحياة" مرات عدة. فجأة خُيِّلَ اليه ان يسمع صدى صوتها :
- نعيش ملئ حواسنا او نموت. لا ألوان اخرى تقدر على الصمود.
- العيش ؟ حبيبتي نحن نعيش، هذا صحيح لكننا لا نحيا. الحياة هي ادراك واع لما يحيط بنا ونحن فقدنا الادراك. من أفقدنا ذلك السحر والرغبة الفطرية في الصراع ؟ استسلمنا ولا نعلم ان كان قدرنا ان نستسلم أم نحن من اخترنا ذلك وصرنا عبيدا لعجزنا ونقمنا على قدرنا لأننا في تيهنا نسينا أننا السبب فبحثنا عن مشذب نعلق عليه فشلنا وخيباتنا.
هل نملك ان نغير التاريخ بعد أن أقصانا من رحابه لنصنع ولادة جيدة ؟
وهذه الولادات المتفسخة المنثورة في كل مكان من سيعيدها الى وضعها الجنيني لتكمل النمو وتولد سلمية ؟

سار عدة كيلومترات قاصدا المنابع الجافة. لقد أخرجت كل ما بأحشائها لصناعة حياة ثم كفت لما غرقت في اللاجدوى واللامعنى. تساءل :
- لماذا تغير وجه الاشياء كثيرا عما كان عليه في عهد ديهيا الاحلام المسروقة ؟
بعد لحظة استغراق رفع بصره. عانق الافق وقال بصوت حانق :
- لماذا يلح عليَّ البحث عن اجابات لا جدوى منها في هذا التاريخ المكتوب خارج المنطقة والذي صاغه السلاح والكتبة والمدونون كما شاءت أهواء سلاطين الشرق والغرب ؟

عندما بلغ الجبل قفز خارج الجرف الذي صار أعمق - ربما هيئ له أنه صار أعمق لأنه صار يشعر أن أنفاسه تتقطع وأنه يغرق في ذاته أكثر- شعر أكثر من أي وقت بحاجة لرفيق. تلفّتَ حواليه بحثا عن عين يشعر أنها ترقبه لكنه لا يدرك موضعها.
حرك يديه كمن يهش ذبابا يحاصره. طرد فكرة أنه مراقب وواصل السير نحو مكان مخفي وراء الصخور. حام طويلا، حول صخرة ملساء صقلتها المياه في زمن آفل، بتبتل متعبد يطوف حول مكان مقدس. انحنى قليلا وخط رسوما غامضة على الارض كشامان يستدعي أرواحا غير مرئية. بعد أن أنهى طقوسه الغريبة، فرش لحافا على التراب مباشرة ثم وضع فوقه القفة والجاكت التي نزعها بحركة آلية وبأناة كبيرة. بعد ذلك جمع بعض الحطب وأخرج كانونا وأشعل بعض العيدان. ارتفع اللهب في حين بدأ الظلام يتسلل مانحا الوادي والجبل ظلالا مريبة.
فتش في صرة عن بعض الحشيش ولف سيجارة. أشعلها وشرع يدخن في لامبالاة.
ارتفع صوته رويدا كاسرا السكون الذي يلف المكان :
العين تنحب من فراق غزالي
حتى لذيذ الــــنوم ما يحلالي
آه...العين تنحب
بدى اللحن متناغما آتيا من اعماق مجهولة يتردد صداه في كل الجبل.
فجأة توقف. وقف وأشار بإصبعه الى الوادي كمن يرى مراقبه المتواري رغم الظلمة.
- أنت أيها المختبئ هناك تعالى.
صدر الامر بصوت استغربه هو ذاته. لأول مرة في حياته، شعر أنه يقدر أن يتكلم بنبرة آمرة قوية متمكنة.
هل كان يكلم خيالات صنعها الحشيش في عقله أم أن الحشيش منحه قدرة على الاحساس بتنفس يحاول جاهدا أن يبقى منتظما هادئا رغم الاثارة والرهبة التي يبثها المكان في أشد النفوس رباطة جأش ؟
ازاء السكون الذي اكتفى بترديد صدى أمره تقدم خطوات من حافة الوادي وبنفس النبرة الواثقة قال :
- تعالى. تقدم. اني أراك فلتتقدم أيها الباحث عن أسرار مخفية بين صفحات متآكلة لتاريخ منسي.

****

تقدمت منه. ارتسمت على أساريره ابتسامة المنتصر. دون أن يضيف كلمة سار امامي. تبعته. جمع حاجياته وتقدم من الصخرة الملساء. أزاحها بخفة كمن يرفع ريشة ويرميها في الهواء لتتدحرج بعيدا مصدرة خشخشة خفيفة. فغر فمي. لقد تَكَشَّفَ أمامي على ضوء القمر الباهت باب مغارة.
وقف عند الباب ودون أن ينظر لي قال ": اليوم أمنحك كل المعرفة التي تتوقين لكشفها على أن تمنحيني القلم. أنا الكاتب العمومي القادم من زمن البشر المهزومين.
أنا منذ الان الكاتب وأنت الشاهدة على حقيقة تتجلى لأول مرة. تخترق الزمن والتاريخ وتظهر رغم ظلمة الليل لتشع مع طلوع شمس ستولد ذات فجر."

- هل تمتلك أيها القارئ غير الانصياع الغير مشروط في خضم الاثارة التي يمنحها اكتشاف الاسرار المدفونة ؟ -

انصعت دون تردد. تبعته بإرادة شبه مشلولة.
عند مدخل المغارة شعرت بالغثيان لرائحة عفونة المكان. تماسكت وتقدمت خطوات. كدت أقع بسبب لزوجة الارضية وكان يتقدم شامخا كمن يسير على زرابي حريرية لمدخل قصر شامخ.
كان المكان قصره الذي قبل ان يفتح ابوابه لأول مرة امام غريب دون تردد. شعرت في اعماقي ببعض الحسد. كان سعيدا كملك مُتوَّجٍ يجتاز بوابات قصره الذهبي.
ما نفع القصور التي نسكنها ان لم نكن من يشيدها وان من أوهام ؟
لكن في عصر الهزائم هل لا نزال نمتلك القدرة على صناعة عالم جميل وان من أوهام ؟
فقدنا حتى حقنا في الاوهام في عالم قتل الحلم وصار مسخا يغرقنا في رتابته ولا معناه. نلتقط ما يلقى على موائده في وحشية ورغبة في اكتفاء لا نصله أبدا أو ننكفئ على أنفسنا في تبتل صوفي يفقدنا الرغبة في الحياة ويجعلنا أسرى عالم ماورائيٍّ ننشده لكننا غير واثقين من أحقيتنا في نيله.
سرت وراءه زمنا لا أعرف كم طال. كنت اسير متعثرة الخطو كمن يعبر بحرا متلاطما نحو ضفة يفصلنا عنها تاريخ بأكمله.
على ضوء الشمعة التي كانت بيده رأيت رسوما على الجدران لبشر وحيوانات وكائنات لم أتمكن من تحديدها. كان بعضها باهتا فقد الوانه وبعضها يكاد يتخلص من الصمغ الذي يثبته في مكانه لينطلق راكضا في الغابات المحيطة بالجبل. رأيت كتابات لم أعي بأي لغة كتبت وان كان أحد ما قد فك طلاسمها.
في بعض الاركان اصطدمت وأنا أتقدم وجلة متحسسة طريقي مستندة دوما على الجدار الصخري برزم من مخطوطات بليت صفحاتها وتآكلها السوس والرطوبة لا يعلم إلا الله وكتبتها ما تحويه أوراقها من أسرار غيبتها الالهة او صناع التاريخ. في مرحلة ما من تقدمنا صعقتني روائح حارقة. دمعت عيوني وصارت الرؤية أكثر ضبابة. لم أعد أرى تقريبا لكن حاستي الشم والسمع صارتا اكثر رهافة. جاهدت بكل قوتي لأتقدم اكثر فارتطمت بنتوء صخري وسقطت في بركة وحل. اعتصرت قلبي رائحة دخان حرائق لم تخمد ونتانة بترول خام وصدى عظام تسحق وسببت لي ألاما بأحشائي جعلتني اتقيأ مادة صفراء كريهة. عج المكان حولي فجأة بصلصلة خيول ووقع سيوف وأزيز طائرات ورصاص ونواح مكتوم. فركت عيوني لكني لم ارى شيئا.
هل كانت هذه المغارة التي اقحمني فيها الكاتب العمومي وفضولي القاتل مناجم ومصانع تكرير محروقات وجرائم في تاريخ لم أقرأه ؟
تمالكت نفسي ووقفت بعناء وتقدمت. استندت على الجدار الصخري وسرت ملتصقة به بكل جسدي متمسكة بكل نتوء فيه. على بعد مسافة قصيرة منى كان الكاتب يتقدم أمامي دوما دون أن يدرك ما يعتريني. رغم الضباب الذي يلف كل المكان حولي، رأيته يزيح أشياء لا أقدر على تحديدها من طريقي لكي لا أقع، ينتظرني حينا ثم يحث الخطو أحيانا غير عابئ بي كلما أبديت حماسة وجِدا في المسير وإصرارا أكبر.
كنت انهج لكني لم اجرؤ على طلب بعض الراحة - على كل المكان لم يكن ليشجع أحدا على التوقف – كان مليء ببرك لزجة كريهة الرائحة. كدت أنزلق وأسقط مرات عديدة فيها . أكثر ما كان يرعبني هو ان تغوص يدي في تلك المادة المقرفة. حاولت تحديد ماهيتها لكني لم انجح. ربما هي دم لم يتخثر أو بترول تسرب من بعض الانابيب الصدئة الغير مرئية او بكل بساطة هي خلاصة ما تركه البشر من أثر على مرِّ تاريخهم.
- يوما ما لما أنشر تقريري عن المكان وغرائبه سيأتي المحققون وأنصار حقوق الانسان وأهل الله وحماة عروشه على اختلاف مذاهبهم من كل ارجاء الكوكب ويبحثون وينقبون عن الجناة.
ربما سيتنصرون للمظلومين وينجدون المحتضرين.
ربما لن يأتوا إلا بحثا عن الثروة الكامنة بين الصخور كعادة بني الانسان لاستنزاف أكبر للبشر والأرض والحياة.
على كل حال من اكترث على مدى التاريخ الذي تعلمنا في مدارسنا الحكومية لناس يموتون هدرا ؟
فجأة لفحت وجهي نسمة باردة. ضوء خافت تسرب من شق ما بين الصخور. صار الطريق سالكا اكثر ورأيت بابا حديديا كبيرا. قال الكاتب :
- لقد وصلنا أخيرا.
وقف أمامه وعالجه بقوة ثم دفعه فانفتح مصدرا صريرا حادا أثار القشعريرة في كامل جسدي. عندما دخلنا ارتعدت فرائصي. كنت وجلة وخائفة من مواجهة اشياء غير معلومة. الغرفة التي وجدتني فيها بعد كل تلك المشقة لم تكن مريحة. كانت كبيرة علقت بأعلى جدرانها شمعدانات تحمل شموعا كثيرة وعلق على كل جدرانها رفوف مصنوعة من الخشب رصفت فوقها كتب من كل حجم ولون وفي وسطها طاولة فوقها كتاب مفتوح. وقف الكاتب قبالته وتصفحه لبعض الوقت. كان بيده دواة وقلما. تلمسه بحنو ثم نظر لي وابتسم.
لأول مرة منذ تسللت لمراقبته، أرى في عيونه لهبا وفرحا طفوليًّا. ازاء حيرتي البادية وضع يديه على أول صفحة في الكتاب وقال مهدأ من روعي :
- لا تخافي سيدتي. نحن آمنون هنا. أحتاج الليلة رفقتك وأبجدياتك. ما كان ينقصني دوما هو الكلمات التي خذلتني دوما لأنها فقدت سحرها في متاهات اللغة المستهلكة. اللغة الفاقدة للمعنى في خضم تفاهة الواقع. لم تكن طيعة أبدا لذلك لم أقدر يوما على أسرها. كانت تفر مني كلما حاولت تلمس أبجدياتها. أبجدياتك ستمنحني المفتاح القادر على تقليب صفحات ظلت صامتة دوما. لا تجزعي لما سترين فالأطياف تمتلك الحياة التي نمنحها اياها. اني أهبك عالما تتوقين لمعانقته وتاريخا لم ينبشه غيري وآخذ ابجدياتك ثمنا. تماما كجنية البحر التي حبا لأميرها تنازلت للساحرة عن صوتها الرخيم رغم احساس مبهم بأنها ستفقده في آخر الحكاية. تعالى نتقاسم كل ما لم يقل بعد. كل ما لم يمهل الزمن العشاق لقوله وما لم يسمح مدونو التاريخ بخطه.

****

أراكي تحاولين الكلام لكني اعلمي أنك لن تقدري. منذ الان صرتي خرساء للأبد. سأتكلم نيابة عنك. أقرا ما يرتسم في عيونك وما يجول بخاطرك. أستشف الرغبة المجنونة التي تتنازعك بين توق للفرار من مواجهة أشد كوابيسك رعبا بحثا عن سلام كنت تنعمين به في تتبع الحياة البائسة للبشر العائشين على الهامش وهوس بالمستحيل وما بين السطور والحقيقة الصادمة الغير منتظرة التي تسعين وراءها بهوس المسكونين بالشهرة والسبق الصحفي والجوائز العالمية. هذه الحقيقة المثيرة للجدل التي تدركين أنك لن تمتلكيها كاملة أبدا لكنها تغريك بالمحاولة.
لن آخذك بعيدا مع بدايات ادراك الانسان لكينونته وبحثه عن فهم للكون من حوله. أنا اليوم الربان وأنا من يختار البدايات. سنبدأ مع أول سطر من تاريخ قررت أنا الكاتب المجهول أنه بداية نهاية تاريخنا الفعلي.
تأملي هذه الصورة هنا. إنها أول حرف.
ديهيا.
صاحبة المقام. ديهيا الحكاية. السيدة المبجلة. القديسة. ملكتي. الحرف الاول في أبجديات لا تنتهي.
الكلمة التي تولد من رحمها كلمات تختزل توق الانسان وطموحه وهبله وهزائمه. الكلمة التي تجمع الكرامة والإباء والشرف والخيانة والذل والعهر على وجه سواء.
الكلمة التي صنعت الامجاد وأنقذت المظلوم ووجهت التائه لكنها أيضا ظللت الافراد والجماعات وقتلت الابرياء واستعبدت الانسان.
بين الحرية والعبودية تولد أمال وتزهق أخرى. يولد الكلم على ثغر محاربين من نور ويذوي كأزهار عطشى في صيف قائظ لما يتسربل به حراس الظلمات والنوايا.
ديهيا كانت شعاعا أخاذا طمره صناع التاريخ. غيبوه ليغرقوننا في عتمة العبودية.
أكره العبودية لكني اعشق الركوع عند عتبة باب ديهيا الاسطورة لأنها تمنحني أجنحة أحلق بها بعيدا لأقول ما لم يقدر الانسان أبدا على البوح به. سيكون كلامي كما أردته دوما بعضا منها. سيكون نثرا لينا حنونا حينا كموسيقى تنساب من ناي عاشق مغرم قاسيا قاطعا أحيانا كسكين شحذه جزار قاس لقطع وريد الحياة البسيطة المسالمة التي اعتزلت أروقة السلاطين وفضلت التيه في البرية.
احب ان اعبر عن ديهيا نثرا لأنها رمز للحرية وأنا العاشق المتيم لا اقبل الخضوع لأي قيد يحصي كلماتي ويجعلها منصاعا لنسق فني معين وخط سير محدد.
سأكتب ديهيا نثرا لأنه الوحيد القادر على استبطان شطحات صوفية ممزوجة بعبق فكر رصين ورتابة حياة بسيطة ووهم ادراك مطلق للوجود وتقلبات البشر.
سأحول الكلمات التي هي بعض منها الى مشاهد متتالية تتحرك ببطء وبساطة كما في الرسوم المتحركة تصاحبها الحان سرمدية الايقاع وجنوح خيال حر واستدراكات لا تحد فخذي مكانك واستعدي للمشاهدة.
عرضي سيكون مختلفا.
يقولون ان الموسيقى هي البياض القابع بين النوتات وأن الكلمات ليست هي الحاملة للمعنى بل الفراغات بينها فانظري جيدا الي كل الفراغات في الصفحات المكتوبة واقرئي ما لم يكتب.
تتبعي البياض والصمت في عمق كلماتي وتأملي صوري المرسومة في ذاكرة مهدورة واستمعي لموسيقاي المنبعثة من العدم تنساب كخرير ماء جدول صاف.
أتدركينها ؟
أأدركتها ؟
أترينها الان تستيقظ مبتسمة لترسم الحكاية ؟
انظري مليا هنا وهناك وفي هذا القفر في عمق المخطوطة. بين سطرين ونقطة وبياض.

****

قبيل تباشير الفجر الاولى كعادتها كل بداية سنة أمازيغية جديدة لبست درعها وامتطت صهوة فرسها الاشهب. رافقها في هذه الرحلة التي اعتزمت الملكة فيها زيارة كل بلاد افريقية ونوميديا ابناءها الثلاث وبعض الفرسان والفارسات من القبائل المتحالفة معها. طافوا المدينة الساكنة وعبروا كل الطرقات الداخلية والأحياء. كان الكل نياما في هدوء وسكينة وقد صارت الاحداث الجسام التي هزت البلاد والدم الذي سال في السواقي مجرد ذكرى مزعجة. الربيع سيينع للمرة الخامسة على الروابي ولن يبقيَّ شيءً يذكر من بقايا الجريمة المنظمة في سبيل سلطان يرى أنه التاريخ - البدء والنهاية.
عندما بلغوا بوابات الحصن كانت الشمس لمَّا تشرق بعد. فتح الحرس البوابة الكبرى وشيعوهم بنظراتهم الواثقة الى ان ابتعدوا. ساروا متمايلين على وقع خبب جيادهم. عبروا الأرياف والفيافي المحيطة بالقلعة. سلام لذيذ كان يعم الارجاء وقد بدأت الشمس تتسلل الى المضارب موقظة الناس والحيوانات الكسلى في اواخر هذا الشتاء الذي كان مطيرا.
في المراعي التي بدأت تكتسي حلة خضراء نضرة مخضبة بقطرات الندى الصباحي العذب بدأت خيام البدو تضج حياة وقطعان الماشية والأبقار تنساب نحو المراعي في سكينة ساحرة.
- أيتها الالهة المبجلة جلت اسماءك على اختلافها وتنوعها احمي شعبك المسالم الذي ينحني لك كل يوم في كل المعابد حبا وإخلاصا. قالت بصوت عال خاشع.
طارت عصافير ملونة مزقزقة. حلقت حولها ثم ابتعدت شادية. شعرت أنها رسالة من الهة تمازغا مجتمعة ردا على ابتهالاتها المخلصة. أجالت النظر حولها وفي أعماقها شعرت بالسكينة.
رددت وعدها الدائم للأرض والسماء والماء : "ستحافظ على سلامة البلاد الممتدة من بحر بوسيدون الى كل جبال الأوراس المقدسة كما سبق وفعلت. لن تخذل شعبها وستصمد رغم عتمة الظلمات القادمة من الشرق. ستبقى بلادها سالمة صامدة في وجه الغزاة والطامعين."
عندما بلغوا تبسة طاقت نفس الفارس امناي لمغادرة القافلة والتوجه نحو حيدرة حيث نومنسا الحبيبة.
لاحظت ديهيا شوق العاشق في شروده الذي لم يقدر على مغالبته. اقتربت منه ولاطفته كأم رؤوم.
- سيزهر الفل والياسمين في ارجاء بلادنا قريبا يا ولدي وسيكون عرسك اجمل الاعراس. سيباركه كل الارباب ويحتفي به كل اهل تمازغا.
غمرته الثقة في المستقبل وملأت نفسه السكينة. ود لو يقبل يديها شكرا وامتنانا.
التفت الى الفرسان وقالت لهم :
- لنسر على بركة الهتنا المقدسة نحو الجنوب كما اتفقنا بإجماع الاغلبية في اجتماعنا الاخير. نطوف كل الواحات والقلاع والحصون ونبث الامل في قلوب القبائل من بني امنا المتناثرة هناك. الروم ومن والاهم صاروا افارقة مثلنا وعليهم ان يدعمونا في حربنا المقدسة الاخيرة التي أشعر ان اوانها قد آن. عليهم أن يقبلوا بشروط الانتماء الى الارض الطاهرة التي وضعناها ماداموا قد قطعوا صلاتهم ببيزنطة واستقلوا عنها وتمسكوا بالبقاء في بلادنا. عليهم ان يحترموا قداسة الوطن ولا يوالون غيره ويدفعون في سبيل حريته كل ثمين ليعيشوا في ربوعنا التي تسع العالم طالما كان محبا ومسالما ومتعاونا.
- أتعتقدون انهم سيدعموننا في حربنا ضد كل مستعمر جديد وسيقفون معنا ضد هذا الغزو العربي الذي يتهدد الحدود ؟ سأل هانبيال رفاقه لما حطوا الرحال للراحة بعد مسير يوم كامل. بعد لحظة صمت ولما لم يتلقى اجابة اضاف:
- اعرف كما يعرف الكل ان قادة الحاميات والقلاع منذ اكثر من قرن اندمجوا في المدن التي اشرفوا عليها وارتبطوا بالأرض وانفصلوا نهائيا عن بيزنطة. الم يكن سلوك جريجوار ضد هجمات العدو من الشرق واستهتاره بسلطة بيزنطة تتويجا للاستقلال الذي ارادوه. عليهم ان ينظموا لنا في حربنا القادمة لكن هل تعتقدون انهم سيفعلون متخلين بذلك عن مصالحهم التي ستحميها مداهنة العدو وكسب وده وتسهيل الطرق عليه للقضاء علينا ؟
اردف ايدير
- منذ أمد بعيد يعيش رجال الكنائس الافريقية ايضا في خلاف جذري مع القسطنطينية رغم المداهنة التي يبدونها في مراسلاتهم للملك ويعودون في كل قضاياهم الكبرى للبابا في روما. كبار الملاك بدورهم لا يهتمون إلا لضياعهم وقصورهم. اصحاب المهن الصغرى والموظفين والعملة في المدن يبغون السلام والأمان أيا يكن السيد الذي يحكم البلاد. المهمشون والمفقرون الذين سلبت املاكهم ولم تعد لهم رغم كل مراسيم الملك سيجيستيان منذ اكثر من مائة سنة يعيشون على الحدود منتظرين الفرصة للعودة من جديد لأراضيهم او مدنهم ولو كان الواسطة لذلك الشيطان بحد ذاته. هل سيعنيهم شيء اكثر من حماية مصالحهم وتحقيق مأربهم ؟ أنا في الحقيقة لا اثق إلا بمن يحمل السلاح ويقف عند الحدود مستعدا للحرب.
أطرق تيلا ثم أضاف مُؤَمِنًا على حديث رفيقه :
- تعلمون ان كل افريقية واغلب مدن نوميديا مسيحية ومرومنة وتعرفون ان كبار الملاك الافارقة والمر ومنين والروم كلهم يأتمرون بآمر الكنسية وخاضعون لها تماما لأنها تحمي مصالحهم في زواج كاثوليكي صارم بين اصحاب المال ورجال الدين كل يحمي الثاني. لا أعتقد انه لو فرضنا عليهم بالقوة الانضمام للجيش وحمل السلاح سيقبلون بصدر رحب المشاركة في الدفاع عن حمى الوطن ؟
لن يهتموا لمن يؤول الامر الاهم بالنسبة لهم هو من يحمي مكتسباتهم فقط. ربما لو هددت مصالحهم سيلتجئون للعدو معلنين الولاء التام مقابل عهود امان تحمي المكاسب ؟
- من بقي ليؤمن بالوطن وأمجاده ويدافع عن حماه اذا ؟ الدوناتيون الثائرون الأبديين والطوارق الذين يجوبون الصحراء الكبرى ونحن ممن تمسك بالانتماء لهذه الربوع ... أنكفي ؟ سأل ماكسن بحيرة بادية.
ربت سيروس اليوناني على كتفه وقال موجها الحديث للكل :
- ثق أننا نكفي وزيادة. وسترى كيف ستدور عجلة التاريخ لصالح الشرفاء الاحرار لأنهم اصحاب قضايا عادلة.
- اتفق معك سيروس. نحن سننتصر لأننا مسالمون لم نعتدي على احد بل دافعنا دوما عن ارضنا من تهديد همج يعرف العالم ما فعلوه ببلادنا منذ وطئوها اول مرة : سلبوا ونهبوا وسبوا وقتلوا حتى الاطفال. أيوجد بالكون أكثر فضاعة من هذه المعاصي وهل يوجد بالأكوان كلها رب يرضى بهذه الهمجية ؟ ان وجد فانا أعلن على الملء أني أول من يكفر به وسأحاربه وأتباعه حتى أقوض عرشه. قال امساكول معلقا.
ابتسم أفران وطلب من رفاقه الانصات اليه بتمعن ليوضح وجهة نظره :
- أنظروا الي حال الكهنة ورجال الدين في كل ارجاء البلاد. كلهم يتناحرون من اجل اثبات عظمة ارباب هي الاقدر على اثبات جدارتها بالعبادة وينسون الخطر الذي يتهدد وطنا لن تذود عنه إلا الدماء. قومنا من عبدة عناصر الطبيعة يدافعون عن تميز اربابهم ويخربون معابد من خالفهم. الدوناتيون يصارعون من اجل عدالة اجتماعية اكبر ويحشدون الاتباع ممن آمن بمذهبهم العقائدي وبعدالة قضيتهم. الاريوسيون يرفضون ان تهان مقدساتهم. ينشرون سرا مذهبهم ولا يترددون في مناظرة مخالفيهم جهرا ليثبتوا صحة افكار لن تجدي في صراعنا ضد اعداء الوطن. رجال الكنائس والأبرشيات المتناثرة في المدن وفي القرى يتصارعون على السيادة ويرفضون تميز كنسية قرطاجنة. هل تعلمون كم صار في بلادنا من معبد لأرباب الطبيعة وكنيس يهودي وكنيسة مسيحية ؟
عقب ادير الافريني :
- عددها لا يحصى صديقي. المسيحية الاكثر انتشارا في افريقية وبعض مدن نوميديا الكبرى وقلاعها على سبيل المثال مقسمة الى عدد كبير من الكنائس الجهوية. كل واحدة منها تجمع حولها اهل مقاطعتها وتُجَيِّشُهم حسب رؤاها ؟ كثرت الاديان والمذاهب والشيع وكل يعتقد انه على سبيل الحق سائر. هذا الصراع الديني يضعف الصفوف. لذا اعتقد انه علينا ان نكسب رجال الدين في صفنا بتخفيف الشروط عليهم وعدم مس مكتسباتهم المادية. هم سيدفعون كل اتباعهم دون استثناء الاغنياء منهم والفقراء لدعمنا بالرجال والسلاح في حربنا ضد العرب.
- نحن لا نداهن أحدا ابدا. لا نشتري ذمما ولا نقدم وعودا كاذبة. نحن رجال فعل نبني مستقبلا حرا لوطننا فان ارادوا الحرية والاستقرار فعليهم دعمنا وإلا فلا حاجة لنا بهم. بإرادتنا سنحمي الوطن ونذود عن حماه. علقَّ تاشفين بنبرة قوية واثقة.
داعب ميس شعر تاشفين بمودة وقال مطمئنا الجميع بكل ثقة المحارب من نور :
- أقر أن كل كلامكم جميعا صحيح وان المصالح المادية والصراع الديني يمثلان اكبر عثرة وأنهم لن يخدموا تماسك الوطن وسيعطلون كل عمل من اجل حمايته لكن لتعلموا اننا كما قال تاشفين لا نحتاج لمساندة من يمن على الوطن بمساعدته ومن يعلي مصالحه على مصالح البلاد ثم نحن لسنا وحدنا فمعنا كل من ستثور الدماء الحرة بعروقه ويعلم ان الوطن يسع الكل مهما اختلفت الالوان وتنوعت خطوط اللوحة وان حربنا مقدسة لأنها في سبيل الارض وحريتها لا في سبيل مذهب ولا دين.
قطع حوارهم صوت الملكة الهادئ :
- ارى يا اولادي أنكم فخر كل تمازغا بكل ما حبتكم به الالهة من عقل رصين وقدرة على تحليل الواقع وملابساته بحكمة. أنى لنا ان نخسر اية حرب ونحن نجمع بين صفوفنا محاربين يرومون البناء ولا يؤمنون بالمستحيل ولا يعلون المصالح على ما يخدم شعبهم ؟ بالإيمان بعدالة قضيتنا وعدالة الالهة جميعا سواء كانت في الارض او في السموات وبالصمود تمسكا بالحرية ستَدحرون الظلمات القادمة من الشرق لتشع الشمس من جديد بكل قوتها وتغمر بلادنا بنورها ودفئها الابدي.

كانت سيدة قوية وان خطت سنواتها الستين على جبينها بعض التجاعيد. جميلة قوية البنية رغم العمر. شعرها الاحمر المخضب بالحناء مرسل في ضفيرتين طويلتين حريريتين على كتفيها. مليتها (ئراط مازيغ) القرمزية تعكس كل الوان الطيف الذي يلون مع كل بزوغ شمس كل البلاد التي استعادت بعد لأي أمانها وسلامها. عيونها صافية كماء الانهار والوديان التي تروي بسخاء أم رءوم أراضي افريقية ونوميديا الخصبة.
سنسميها منذ الان "أفرونوميديا".
أيعجبك الاسم ؟

ألا ترينها في هذا البياض من النص في أواخر الصفحة المائة من المخطوطة تنظر اليهم وتتأمل المدى وابتسامة ثقة وتحد تعلو وجهها ؟
أنظري اليها منتصبة بإباء فوق حصانها والرأس مرفوع، تتقدم مع الكوكبة التي ترافقها في بداية هذه السنة الوليدة عبر المدن والجبال والبيوت الجميلة ومضارب الخيام والحقول والغابات بخطوات واثقة.
بسمتها تختزل كل حنان الامومة وعطفها. قلبها يفيض حبا ورغبة في السلام. ذراعاها المصقولتان والقويتان تمنحانها قوة وتبثان رهبة في قلب من يراها. تمسك اللجام بيدها اليسرى ويدها اليمنى موضوعه بحكم العادة على سيف في غمده ينثر الامان على كل من يراها تمر قرب مخيمه او قلعته مهما تكن حصانتها في وجه اعداء الوطن.
بعد ان تناقشوا طويلا حول افضل السياسات في التعامل مع كل اطياف البلاد الدينية والاجتماعية والاقتصادية بدؤوا مسيرتهم بالطواف على كل الكنائس ودور العبادة وكلموا كل الكهنة ورجال الدين وصالحوا بينهم وأخذوا منهم الوعود والمواثيق بألا يعتدي احدهم على الاخر وبان يعبد كل ربه في معابده بكل حرية دون ان يفرض عقيدته على غيره فالإلهة هي الاقدر على نشر اديانها ولم تمنح تفويضا لأحد ليتكلم بلسانها. ازاء دعوتهم للمصالحة الوطنية وعدهم عبدة الطبيعة والمسيحيون واليهود بالمساندة في وجه الوباء الذي يلوح في الافق ليهد مضجع الجميع دون استثناء. اقنعتهم الملكة ان النار اذ اجتاحت غابة تلتهم كل ما يقع بطريقها دون تمييز لأخضر او يابس وان العدو من الشرق لم يفي بوعوده في الماضي ولن يفعل في اي وقت فغاية ما يهمه هو ما سيغنمه سواء ممن سيقف بوجهه او من سيداهنه ويواليه اذ حالما يقضي وطره سيقتل كالعنكبوتة السوداء خله.
زاروا بعد ذلك كبار الملاك الذين ابدوا كل الاستعداد للمساندة ثم توجهوا نحو العشائر والقبائل للبحث عن عدد اكبر من الجند.
عبروا منطقة الجريد وتوقفوا بتورس تمغزة امام القلعة الرومانية التي فتحت ابوابها لاستقبالهم وأعربت عن ولاءها لهم ثم اتجهوا جنوبا حتى بلغوا الصحراء حيث التقوا قبائل الطوارق. قضوا الليل ساهرين حول النار يتبادلون الاخبار عن الاخطار التي تتهدد الوطن وعن الدعم التام للزرق في الحرب التي تستشعرها الملكة رغم انه لم يبد بعد في الافق اي بادرة معلنة عن اقترابها.
بعد ساعات غفوة قليلة انطلق الركب من جديد مصحوبا بثلة من الشباب الطارقي. على الحدود الشرقية لافريقية، ارسلت الملكة مجموعة من عشرة شبان اقوياء نحو مشارف انطابلس لتقصي اخبار العدو وواصلت التقدم بركبها الى عشائر زناتة في شبه جزيرة جكتيس. استقبلوها بحفاوة وأكدوا استعدادهم للذود عن حمى البلاد, قبل المغادرة امرت كتيبة صغيرة بالإقامة في برج زنكاريس ثم اتجهت نحو أثوب وتكاباس حيث بقي في كل محطة ثلة من المحاربين لتدريب المتطوعين وحراسة الحدود.
كانت الحياة في كل المناطق التي عبروها رغم بساطتها تشع رخاء وأمنا جعل الامل يكبر في قلب امناي رغم الخوف من تهديد الغزو الذي شعرت الملكة انه قد اضحى وشيكا.
ساروا لأيام طويلة دون كلل اجتمعوا خلالها بأغلب القبائل والعروش وأهالي المدن والقوى. اكتسبوا في جولتهم الطويلة تلك اليقين بتلاحم الشعب الامازيغي مهما اختلفت قناعاته العقائدية ومواطن اقامته وأساليب عيشه وملأتهم الثقة في مستقبل تعم فيه الحرية والاستقلال.
بلغوا بعد مسير ثلاث اسابيع مدينة الملك الامازيغي الابي سيفاكس. أخذوا الوعود من اهل المدن والقلاع والعشائر بالدعم او الحياد في اي حرب تستهدف الوطن ومضوا نحن بقية مدن الساحل حتى تدرموت. التقوا في طريقهم بقادة القلاع وحكام المدن وشيوخ القبائل. في لبدة تمزيانت حطوا الرحال للراحة.
كانوا مرهقين رغم لطافة الطقس فانغمسوا في نوم عميق.
في الليل افاق امناي على صوت الملكة المرعوب يناديه ان يفيق بسرعة. هب من فراشه واقفا شارعا سيفه في الهواء. كان نفس الحلم الذي قض منذ مدة نوم الملكة. الظلمات القادمة من الشرق تخنقها وتشعرها بالخوف.
في تلك المرحلة من رحلة الملكة طلبت من بعض الشبان المرافقين لها الاتجاه كل الى منطقة من الوطن الحبيب للدعوة للاستعداد لحرب لا مناص منها وتدريب المتطوعين. اتجه كل الى وجهته على جناح السرعة نحو وسط البلاد وشمالها الغربي وقصد أمناي الغرب نحو مرماجنة في حين واصلت القافلة مسيرها نحو بوتافاوت.

****

عندما بلغ مرماجنة ترجل أمناي الشاوي عن حصانه. سار بين الاشجار المزهرة سعيدا لقرب موعد لقاء الحبيبة يشد الخطو ليصل قبل الغروب. سحره المكان بجماله الاخاذ وأسكرته رائحة الازهار والتربة التي عانقت مطرا خفيفا خلال النهار رطب الجو وجعله شاعريا. في طريقه قطف ريحانا وزنبقا ليهديها لعمته مارن الحنونة أم نومنسا.
كان فتى في العشرينات من العمر. قوي البنية جميل ممشوق القوام. عيونه صافية ووجه المستدير يشع سعادة وطمأنينة. شعره حليق وكتفيه عريضين. كان يلبس عمامة ويلتحف برنسا ابيضا وسلهاما وحول وسطه شد خنجره الذي لا يفارقه.
تـأمل عن بعد قصر والد نومنسا الهوارية القائم بين مساحات شاسعة من الحقول الشاسعة والغابات الكثيفة. كان الفصل ربيعا وقد اكتست الجبال بالبياض الناصع للثلوج التي تساقطت طوال الشتاء المنصرم.
لما اقترب من مضارب قبيلة هوارة التقى صديقة يوباسن ابن سيد القبيلة وفارسها المغوار. كان ينتظره طوال اليوم مع جمع من شباب هوارة. وجوههم تنضح بالبشر والأمان. تبادلوا التحية بحرارة واتجهوا نحو بيت يوبا الكبير.
هناك كان ينتظره شيوخ القبيلة وأعيانها. ما ان جلس حتى بادروه بأسئلة كثيرة عن احوال الاهل والملكة وتكهناتها. كانت الاخبار غير مطمئنة. صحيح أن الحرب قد وضعت اوزارها والغزاة يعتصمون ببرقة لكن الملكة تطلب منهم بصرامة العودة للتدريب لأنها رأت في الافق الشرقي ظلاما يمتد حتى يغمر البلاد وهي تخشى من عودة الالام ثانية.
قال يوبا الكبير مطمئنا :
- أتخشون خيانة اهالي قمونية (القيروان) ؟ بينهم امازيغ لم ينسوا حلاوة الانتماء للأرض ثم انتم تدركون ان الملكة كانت بعيدة النظر في سياستها الرحيمة لما اطلقت سراح الاسرى العرب ولم تسئ معاملة من بقي منهم وأنصارهم في المدينة لهذا ليس علينا ان نخشى خيانتهم لقضيتنا ومساندتهم لأعدائنا وإضعافهم لصفوفنا من الداخل. لقد اثر بهم حنو الملكة وعدالتها ولن يخونوننا.
- لكن الحذر واجب وعليه يجب ان نراقب كل تحركات الموالين للغزاة من الشرق وعلى كل امازيغي وامازيغية في كل اطراف البلاد ان يكون مستعدا لأي حادث غير منتظر. علق اخوه.
- سينصرنا اربابنا كلهم ساتورن وكايليستيس و ارباب الطبيعة المقدسة على اختلافهم. اربابنا التي نسجد لها في معابدها ذات الاعمدة والجدران الراقية وفي كل تلك الساحات الواسعة المرصعة بالفسيفساء الجملية المحيطة بها ابتهالا كل صباح جديد. اخواننا المسيحيون يبتهلون عند مذابح كنائسهم واصدقاءنا اليهود يصلون في كنيسهم بخشوع. سيحافظ كل الارباب على شعبهم جلت اسماءهم. يا اهل العشيرة منذ عهد ملكنا اكسل العظيم اخرجتم تماثيلكم المخفية في المغارات فلتعبدوها بحرية وترجوها الدعم والنصرة فلن يكسرها بعد اليوم أحد.
- الى ساحة التدريب أذا ايها الاحرار. سيكون اليوم طويلا لكن شمسنا لن تغرب ابدا بعد ان اشرقت بملء قوتها. الظلمات ستدحر وسيعود لنا الامان والرخاء والاستقرار. ردد بصوت حماسي اماياس الكاهن. نحن ايضا المسيحيون المخلصون لربنا الممجد كل ابراشياتنا مفتوحة للدعاء والصلوات. ربنا غاضب من الطغاة ابناء امنا الذين جلبوا لنا بسبب خطاياهم هذا العقاب الرباني الذي يجسده الغزاة من الشرق لكنه سيرحم المخلصين له ولن ياخذهم بجريرة من فسق. ربنا رب الاتقياء والمستضعفين والمظلومين سيقف في صفوف كل اهل تمازغا المؤمنين به وكل الاحرار المخلصين للوطن ووحدته مهما اختلفت اديانهم.

شعروا بالفخر أن تكون ديهيا العظيمة سيدة الامازيغ جميعا ملكتهم. في سنوات الجمر حاربوا كلهم في صفوف اكسل العظيم ثم في صفوفها من بعده. اليوم وبعد مرور اكثر من اربع سنوات من السلم والرخاء عليهم ان يتأهبوا للحرب ثانية وستكون الجولة الاخيرة التي تنهي كل الالام وترمي الاعداء في بحر بوسيدون ليبتلعهم للأبد. سيعود السلم ويفرحوا بالاستقرار الذي طالما افتقدوه واكتشفوا عذوبته لمدة عشر سنوات خلال حكم إكسل ثم حكم ديهيا رغم أن بعض العكر قد افسد مذاقه في حادثة غزو حسان العربي الاولى وما سببته من خراب.
مهما تكن المخاطر التي تخشاها الملكة عاد لشعبهم عزه القديم ولن يؤثر به اي عدو. مهما يكن عصف الرياح هم واثقون من الانتصار ما داموا قد اجتمعوا في صف واحد رجالا ونساء متساندين متعاضدين من اجل صلاح البلاد.

****

في المساء بعد ان تناولوا متجمعين حول قصاع كبيرة من الخشب والفخار كسكسا شهيا مصحوبا بالاغو [ لبن ] وشربوا الاساي [ نبات طبيعي يستعمل قبل ظهور الشاي] عزف يوبانسن على قصبته [تاغانيمت] وغنت الصبايا طويلا.
في ذلك المساء كانت نومنسا التي رافقت والدها لاجتماع شيوخ القبيلة وأعيانها احلى الصبايا بمليتها المزركشة الجميلة المصنوعة يدويا من قماش حريري و المطرزة بخيط الحنة [ ثسفيفث ] وحليها الفضي المزين بالمرجان والعقيق والفيروز.

في الليل عندما آوى كل الى فراشه، اختلى بيوباسن بأمناي وتحدثا عن مشاغلها الخاصة وحبيبتيها. بعد ان خلد الكل للنوم اخبر ابن يوبا الكبير صديقة ان عمته والكاهن أماياس قد تمكنا من اقناع سيفاو والد نومنسا بضرورة اتمام الزواج وانه وافق على اتمام مراسم العرس في الصيف بعد موسم الحصاد.
رغم الخطر الذي تتوقعه الملكة شعر أمناي انه يمتلك كل الدنيا وانه اسعد الناس حظا.
اخيرا ستكون حبيبته له وسيأخذها الى مدينته سيرتا لفترة قصيرة ثم سينتقلان للعيش في مـاسـكولا تيـبـريـا حيث سيفتتح محلا لصناعة المجوهرات وسيعيشان في فرح لا ينقطع. سيمنحها اجمل ما يمكن ان ينتج خياله المرهف ويوفر لها حياة رخاء تحسدها عليها كل النساء. سينجبان ابناء كثيرين يغمرانهم بحبهم وحنانهم.
كم سيكون المستقبل جميلا وكم سيسعدان.
- هل يجب ان ننتظر الحصاد ؟ حقول سيفاو شاسعة جدا ورغم كل الخماسة اللذين يعملون فيها هي تحتاج الكثير من العملة الاضافيين ومن الوقت لينتهي الحصاد. ياااه لو يمر الزمن سريعا.
-لا تستعجل أمناي لا نعلم ما تخفي الاقدار. ينتابني القلق لتكهنات الملكة واخشى أن يؤجل العرس ثانية. قال يوباسن
-ألا يكفينا خوفا من الاعداء ؟ سيكون المستقبل لنا نصنعه كما نشاء. نحن نمتلك الارادة والرغبة في الصراع لينعم كل شعبنا بالسلام والأمان. سيأتي موسم الحصاد ولن يحصل أي شيء يعكر صفونا وسأتزوج نومنسا وسأترك ساحات التدريب الى الابد لأبقى بجوارها احميها وأمنحها كل ما تتمناه.
لم يقدر ان يغفو. تقلب في فراشه كثيرا. تنازعته الرغبة في الوثوق بالمستقبل وبنصيبه من السعادة والخوف من توقعات الملكة.
مع بزور اولى خيوط الفجر غلبه النعاس فنام. حاول أهل بيت يوبا الكبير في الصبح ان لا يثيروا اية ضوضاء لكن نور الشمس تسلل الى غرفته فاستفاق مستبشرا بيوم جديد.
كان الشباب والكهول في الساحة الكبرى يستعدون لبدأ التدريب. أشرف عليهم بنفسه وبعد الظهيرة عندما خلدوا للراحة رافق يوباسن في جولة في ربوع امادر. توجها الى النهر الذي ينساب قرب قصر نومنسا ليستحما. عندما بلغاه تناهت الى سمعهم ضحكات الصبايا. كانت بعض نسوة الخماسة اللاتي رافقتهن العمة مارن الطيبة أتين لجلب الماء. حولهن كانت الصبايا تتراشقن بالماء. راقباهن يلعبن في الماء الصافي في حين تثرثر امهاتهن عند الحافة ويغنين والجرار الملئي متراصة عند الجانب الصخري. رأتهما تالا وماسيليا فهمستا في اذن صديقتهما التي احمرت خجلا. نادتهما العمة مارن فاقتربا منهن. لما وقفا أمامها أحنيا رأسيهما احتراما. رحبت بهما وشكرت ادبهما ثم ضمت أمناي لصدرها وهمست في اذنه.
- يا ابن اخي الحبيب لقد صرت بطلا تتحدث به الركبان. يسعدنا انا وزوجي ان تكون صهرنا وابننا الحبيب. ستحمي طفلتنا وتحبها دوما.
- أعدك عمتي.
- هيا بنا نعد الى القصر. قالت مارن
لكن يوباسن اعتذر لأنه يريد الذهاب للصيد والحبيبان فضلا البقاء قرب النهر.
انحصر كل الكون في ابتسامة وهمسات نومنسا الحبيبة. نسي الملكة والأعداء والخطر الذي يهدد سلامة البلاد. تأملته الصبية بعيون خجلة. كانت رقيقة كنسمة صباحية وصوتها ملائكي عذب كقطرة عسل. طويلة مكتملة الانوثة رغم سنواتها الخمس عشر بيضاء البشرة كالثلج الذي يكلل قمم جبال المنطقة. شعرها قمحي طويل منساب كالحرير على كتفيها. عيونها عسلية ناعسة حالمة. اخبرته انها انتظرته كل ليالي الشتاء قرب الموقد. حلمت به في كل ليالي الشوق التي احتضنت فيها صورته التي رسمتها بإتقان على وشاح قطني نسجته بيديها لتهديه له يوم لقاءهما. اخبرته انها صارحت اباها لما استشارها في امر العرس انها موافقة لأنها تحبه ولن تحب ابدا غيره. احتضنها بشغف وحب وطبع على وجنتيها قبلة. احمرت خجلا وارتجف كل جسدها الغض. تناجيا طويلا حتى الغروب. مر الزمن سريعا دون ان يشعرا بوقعه.
عندما بلغا القصر تذكر أنه نسي الهدية المخبئة بجرابه. قبل وجنتيها الموردتين ثم في أجمل ركن في الحديقة الكبرى اشهد السماء والطيور المزقزقة والأشجار والنبات وشجيرات الليمون التي غرستها حبيبته بيديها وقد بدأت تتفتح اولى ازهارها انه سيحبها دوما وسيحميها دوما. وخزا كل منهما سبابته وبقطرات الدم التي سالت كتبا عهد الحب الابدي. غمرهما فرح بلا حدود. قال لها :
- ستكونين زوجتي وحبيبتي وعشيقتي امام البشر والإلهة. سنكون جسدا واحدا بروح واحدة تجمعنا الحياة ولن يفرقنا حتى الموت.
- سأكون مخلصة لك أكثر من نفسك وساحبك وأجلك كرب مقدس لن يختل ايماني به ابدا.
امسك يديها وألبسها المقياس -amkyas- الذي ازداد جمالا لما عانق معصمها ثم البسها الاقراط والافزيم التي صنعها بكل شوق الاحبة وبراعة العشاق لما يتعلق الامر بهدية للمعشوق.
قطعت عليهما العمة مارن التي ظلت تراقبها طوال النهار بغبطة وفرح خلوتهما لتذكرهما بوجوب الدخول للبيت لتناول العشاء.
في ذلك الوقت كان يوباسن قد وصل محملا بأرانب برية سمينة.
مرت الايام سريعا قضاها امناي ويوباسن في تدريب الشبان على المناورة والمهاجمة السريعة وحرب الشوارع وفي كل مساء كان يسرع الى قصر حبيبته حيث يلعبان كأطفال في الحديقة الكبيرى بين الاشجار ويتنزهان قرب النهر والجداول ويستمعان لغناء العصافير الشادية على الاغصان التي اكتست اوراقا ناعمة وظهرت على اغصانها براعم ندية. نعما بسعادة الحب الغامرة وتبادلا وعود الوفاء الابدي.
أن اوان الرحيل اخيرا فأقام يوبا الكبير على شرفه حفل عشاء فاخر وبعد ان ودع الجميع زار عمته مارن ونومنسا. كان سيفاو غائبا فحملهما هدية له وعلى وعد بلقاء قريب قبل حبيبته ووالدتها ورحل مع يوباسن الذي سمح له يوبا الكبير بمرافقته لسيرتا.
طوال الطريق لم يفارق طيفها خياله. تحدث عنها وعن المستقبل لصديقه. سرد احلامه وأمانيه. سيكون المستقبل اجمل وسينعم بقربها مهما تكن العوائق. افترقا عند اقترابهما من هضبة ثازبنت مقر جيش الملكة. واصل يوباسن مسيره نحو سيرتا حيث كانت له اشغال عاجلة هناك في حين عرج أمناي نحو المعسكر لمقابلة الملكة. عندما التقى بها قدم لها تقريره حول كل المناطق التي زارها وحدثها عن استعداد كل القبائل للدفاع عن افرونوميديا. أخبرها ان اهل قمونية من العرب والمستعربين لم يُبْدُوا عداء ولا شوقا لعودة حسان ابن النعمان وان كل القبائل الامازيغية التي تسكن معهم المدينة متحمسة للدفاع عن بلادها وللحفاظ عن استقلالها.
لم تكن الملكة كما عهدها. لم تفرح للأخبار التي قدمها لها. اخبرته ان بعض الحراس وجدوا رسائل مخفية في ارغفة خبز وفي سروج احصنة مرسلة لقائد الغزاة حسان وأنها تحمل كل التفاصيل عن عدد الجيش ومواقعه وعن خطط الحرب والاستعدادات وأسماء القبائل المساندة لهم. لا يعلم احد عدد الرسائل التي مرت دون ان تكتشف وان كانت قد بلغت الغزاة من الشرق ام انها لا تزال في الطريق اليهم وكيف يمكن كشفها.
- اتعلمون من الخائن سيدتي ؟ سنعذبه الى ان يعترف بخيانته ثم نقتله ليكون عبرة ؟
- أأقتل على شبهة، أنا الملكة التي لا تقتل إلا في ساحة الوغى ؟ أقسم اني سافعل ان امتلكت الدليل. قيل انه خالد العبسي. تملص من العودة مع بقية الرهائن الذين أسرناهم في حربنا الاولى مع الغزاة. قال انه عبد اذله أسياده وأقسم بشرفه أنه يفضل البقاء بيننا على العودة اليهم. لو حمل السيف ضدنا وانحاز للعدو سنحاربه ونفتك به أما وهو بين ظهرانينا وقد قدم كل وعود الولاء والانتماء للأرض الطيبة فهو منا الى ان نتأكد أنه خائن.
- لكن بما ان الشكوك تحوم حوله سيدتي يجب أن يقتل ؟ ألم يقم بطلنا الامازيغي فيرموس بقتل اخيه سماك لما اكتشف أنه جاسوس وحليف للرومان ولأنه كان منشغلا بالمقاومة الشرسة التي دامت سنتين وسحق فيها جيوش العدو لم ينتبه الى أن روما كانت تغذي عبر الوعود أطماع السيادة على كل افرونوميديا في نفس أخيه جيلدون إلا لما باعه هذا الضيق الافق للعدو ليمثلوا به ويقتلونه أشنع قتلة ؟
- لهذا أمرت ان يوضع في السجن تحت حراسة مشددة. طوال الخمس سنوات التي مرت أظهر أنه منا وأنه لن يغدر بنا. عاملني معاملة الابن البار مثلكم جميعا. لم ألحظ ولم يلحظ عليه احد يوما اعلاء لانتماء لهوية أخرى أو تقصيرا في حب وطننا. لم تكن له عبادات غريبة عما يمارسه كثيرون من بني شعبنا. سننظر في أمر عقابه لما نصل الى دليل ثابت على خيانته. سنكون أكثر شرا من الغزاة من الشرق ان نحن قتلناه على أساس اتهام ربما يكون كاذبا.
- كل السبل لحماية الوطن مباحة سيدتي.
- ما دام البلاد تضم رجال من أمثالك أمناي سيسلم الوطن من كل شر فلا تخشى شيئا. سيعم السلام من جديد. تأهب للسعي وراء الرسائل المهربة. اجلبها لي كلها وتثبت من اسم مرسلها. تقصى أخبار العدو المتربص بنا. انهم ككل الغزاة الذين انتهكوا بلادنا يسعون وراء ثرواتنا وسنحرمهم منها. "إن الاعراب لا يريدون من بلادنا إلا الذهب والفضة والمعدن، ونحن تكفينا منها المزارع والمراعي ". أمرت رجالنا بأن يقوموا بتخريب الطريق الذي اعتاد الغزاة القدوم الينا عبره بين انطابلس وتكاباس حيث سيجدوننا بانتظارهم. شددت عليهم أن لا يخربوا إلا طريق العدو فقط. أمرتهم ايضا أن لا يمسوا حقلا ولا مزرعة ولا مدينة بأذى. أن يكتفوا فقط بوضع العراقيل ويطمروا الابار ويحرقوا كل الأكمات ويهدوا القلاع الغير محمية والتي يمكن أن يتخفى وراءها الغزاة. لما يرون النيران المشتعلة سيعتقدون أن كل افريقية تحترق وليس من رجاء منها بعد اليوم فلا يعودوا اليها. لقد أرسلت من يقوم بذلك أما أنت فاذهب في مهمتك وأسرع ترعاك كل آلهة ايمازيغن.
فكر امناي ان الملكة ربما تكون مخطئة وقد خدعتها فراستها وقدراتها الحربية فهذه الاستراتيجية لا تنفع أبدا مع أهل الصحارى القاحلة الذين اعتادوا العيش في العراء والخراب وأنها لا تنفع مع الذئاب البشرية التي لا تشبع مهما أكلت الا لما تنهي فريستها تماما لكنه لم يجرأ على البوح بأفكاره فاكتفى بالقول :
- وهل سَتُجْدِي هذه السياسة مع الاعراب ملكتي ؟
- قرأت التاريخ جيدا ولدي وأعلم أي السياسات أجدى لحماية الوطن. ألم يقم ثائرون عظماء حفظت الحكايات أسماءهم الخالدة في قلوبنا بحرق وتخريب القلاع والمدن وانتصروا في حروبهم ضد الرومان الغزاة وردوهم خائبين وحموا حمى البلاد من السلب والنهب الذي يبدو انه قدرها وقدر أهلها التعس منذ فجر التاريخ ؟
أتذكر تاكفاريناس البطل الذي زرع الدمار في ديار الرومان وبث في صفوفهم الخوف والرعب وأرسل القائد المبجل مازيبا ليعمل السيف بعصاباته في الاعداء والموالين لهم من الخونة فأشعل النيران في الحقول في مواسم الحصاد ليمنع جني المحاصيل ويمنع ابناء امنا من بيعها للعدو وبذلك أضر كبير الضرر باقتصاده ووجه له ضربة قاسمة ؟
أتذكر ايضا مملكة يوداس وحليفه انطالاس في حروبهم ضد قوات سولومون البيزنطي. لقد قاما بحرق المدن التي توجد في الطرق القريبة من الثكنات العسكرية والتي يتحصن فيها العدو وبذلك تحقق النصر ؟
نحن سنصنع حريقا صغيرا يوحي بنيران أعظم ترهب العدو لكن لا تخرب وطنا. سننجح بدورنا ولن يسلبونا أرضنا ولن يستعبدنا بعد اليوم أحد أبدا.
- أخشى خيانة أبناء أمنا ملكتي. يذكر التاريخ أن كل من مروا بأراضينا كان شعارهم الاوحد " ينبغي أن تحارب الأمازيغيين بإخوانهم الأمازيغيين " فكان لهم في مواقع كثيرة نصر بعد نصر بدعم العبيد العتقاء من حاشيات الملوك الامازيغ صغار النفوس وصار بسب خياناتهم كثير من أبناء شعبنا أرقاء أذلاء. تعلمين ما فعله هلال بن ثروان اللواتي الذي ساعد الاعداء منذ خمس سنوات في حصار ثم تخريب قرطاجنة " حتى صارت كالأمس الغابر " ثم قاد هؤلاء المجرمون من ابناء ارضنا جند حسان الى صطفورة غرب قرطاجنة وساعدوهم في تقتيل الأمازيغ ومن معهم من البزنطيين وسحقهم سحقا. هؤلاء الغزاة من الشرق أشد وحشية من أي عدو وطئ أرضنا. بدعم الخونة ومشاركتهم حمل حسان العربي غدرا "عليهم اعنة خيله فما ترك من بلادهم موضعا إلا وطئه"
هل من أمل في ان تتغير النفوس وتنتصر الكرامة الوطنية فلا تبيع بثمن بخس أغلى ما حبتنا به الارباب : الوطن ؟
- سيشارك في المقاومة معنا كما فعلو دوما في كل الثورات التي سجلها تاريخنا المجيد كل الامازيغيين الاحرار مهما اختلفت اتجاهاتهم ومذاهبهم الاجتماعية والدينية وكما طردوا الرومان والوندال والبيزنطيون سيقفون صفا واحدا في وجه الغزاة من الشرق وسننتصر . ثق بالمستقبل ولدي.
خالجت نفس الملكة كل مخاوف امناي منذ زمن بعيد لكنها كملكة يجب ان تزرع الامل وان كان سرابا في نفوس تواقة للحرية والكرامة. أشاحت بوجهها لكي لا يقرأ في عيونها انكسارا بدى واضحا. علمت ان الوطن صار يحوي عشرات هلال اللواتي من أغلب العشائر الامازيغية وأن بعض الروم وكبار الملاك قد ساروا نحو برقة لمساندة الغازي من اجل تأمين وضمان المصالح.
أمرته دون أن تلتفت اليه :
- أسرع بني فالوقت يداهنا ولم يبقى الكثير على المعركة الكبرى. سر على بركة الالهة ونحن سنكون في اثرك. موعدنا في تاكاباس لما تجمع ما تقدر عليه من معلومات عندما تبلغ انطابلس عد بأكبر سرعة ممكنة.
بدل مواصلة الطريق نحو سيرتا حيث كان من المفترض أن يطلب من أهله الاستعداد للعرس وتجهيز البيت الزوجي انطلق نحو مشارف انطابلس ليتقصى اخبار العدو. طوى الارض طيا دون ان يرتاح. يجب ان تنتهي هذه الحرب سريعا ويطرد الغزاة من جديد ليعود لنومنسا الحبيبة.


يتبع
دمتم بخير





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,923,339,420
- نبش في تاريخ منسي ديهيا - رواية
- صلوات في هيكل حب - السجدة الثانية
- اسلاميون الافاضل تعالوا نتقصى ملابسات مقتل عثمان بن عفان بين ...
- صلوات في هيكل حب .. السجدة الاولى
- عثمان بن عفان حاكم ظالم ام سلف صالح
- حضور الغياب .. وقفة سياسية
- بحث في سيرة عثمان من منظور اسلامي
- الخلافة الراشدة عثمان وعلي والفتنة الكبرى - سياسة بلوس ديني
- صفحات من تونس- دخول الاسلام الى افريقية جزء 2
- صفحات من تونس- دخول الاسلام لافريقية
- صفحات من تونس- تاريخ شعب
- الخلافة الراشدة -- عمر بن الخطاب 2
- الخلافة الراشدة -- عمر بن الخطاب 1
- حضور الغياب.. صفحات مصرية
- حضور الغياب.. وريقات عراقية
- الخلافة الراشدة
- حظور الغياب: أنيس مرة أخرى
- السياسة المحمدية. جزء ثاني
- السياسة المحمدية : الزنا الحلال بين الدين والسياسة
- الزنا الحلال بين الدين والسياسة (الجزء الثالث)


المزيد.....




- -نحب الحياة-.. سوري يُحوّل صواريخ الأسد لأعمال فنية
- العثماني يمثل الملك في تنصيب الرئيس المالي بوبكر كيتا
- تقرير اللجنة 24 الأممية يكرس شرعية المنتخبين من الصحراء المغ ...
- تفاعل تركي مع فيلم -لا تتركني- ومآسي اللاجئين
- أخنوش: التجمع منخرط في الرؤية الملكية لمعالجة الخلل في القطا ...
- حفل توقيع ديوان -مزاج سيادتي- للشاعر أحمد حداد
- 6 روايات الى القائمة القصيرة لجائزة «مان بوكر»
- حفل توقيع كتاب «حكاية مصرية.. بين تحدى الوجود وإرادة الصمود» ...
- وفاة سمير خفاجي منتج -مدرسة المشاغبين-
- تعرف على أبرز أفلام مهرجان الجونة السينمائي ليوم السبت


المزيد.....

- النكتة الجنسية والأنساق الثقافية: فضح المستور و انتهاك المحظ ... / أحمد محمد زغب
- أغانٍ إلى حفيدتي الملكة مارجو الديوان / أفنان القاسم
- رواية عروس البحر والشياطين / إيمى الأشقر
- -كولاج- المطربة والرقيب: مشاهد وروايات / أحمد جرادات
- اعترافات أهل القمة / ملهم الملائكة
- رجل مشحون بالندم / محمد عبيدو
- موطئ حلم / صلاح حمه أمين
- تنمية المجتمع من خلال مسرح الهناجر / د. هويدا صالح
- عناقيد الأدب: أنثولوجيا الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- هل مات بريخت ؟ / مروة التجاني


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رويدة سالم - نبش في تاريخ منسي - الكاهنة - رواية ج2