أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - محمود حلمى - نظره عقليه فى إعادة تعريف مُصطلح الإنسانيه ( علم النفس التطورى من منظور فلسفى )















المزيد.....



نظره عقليه فى إعادة تعريف مُصطلح الإنسانيه ( علم النفس التطورى من منظور فلسفى )


محمود حلمى

الحوار المتمدن-العدد: 4166 - 2013 / 7 / 27 - 02:27
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


نظرة عقليه فى إعادة تعريف مُصطلح الإنسانيه

تصدير :

كثيراً ما يتمُ استخدامُ مُصطلحَ الإنسانيه كأسلوبِ ردعٍ لأفعالٍ و سلوكياتٍ مُتطرفه فى نظرِ الكثيرين ، و هو ما دفعنى إلى محاولة تبين ما إذا كان ذلك الربطُ سليماً أم لا. و لعلى قد توصلت إلى نتيجه أراها متناسقه كثيراً فى تكويـنها و تُقدم أجوبه قويه على كثيرٍ من الأسئله التى تُعبرُ عن مشكلاتٍ اجتماعيه فى الحاضر. و يُمكن تلخيصُ هذه النتيجه فى تشبيه بسيط و هو ؛

" الإنسانيه نباتٌ له جذرٌ متجانسُ التركيب خفىٌّ عن عينىّ ناظريه ، ينمو مع الزمن ، فيُنتج فروعاً متعدده تنتهى بثمارٍ مُتباينة الأشكال حسنةُ المَظهر فى عيون الناظرين "

قبل أن أستطردُ فى تفصيلِ كُل جُزءٍ من هذا التعريف ، أريدُ أنْ أرسمَ قاعدةً بسيطةً ستدعمُ كثيراً النتيجةَ النهائيه التى سأقوم بتقديمها رداً على مُشكلةٍ عصرية ، هذه القاعده هى ؛

" كُل من خلا من مضمون الإنسانيه التالى تفصيله ، لا يُمكن التعامل معه كإنسان ، لأنه يخلو من جوهرِ الإنسانِ نفسُه و بالتالى تنعدمُ فيه صفةُ الإنسان " ( 1 )

تفصيل 1 : تقديم

إنّ الإنسانيه تتكونُ من شقين اثنين ؛ أولهما الشكلُ التشريحىّ العام للإنسان ، و ثانيهما الصفاتُ و الغرائزُ المتوافقه مع هذا الشكل ، و لكىّ نصفَ الكائنَ الحىّ بأنّه إنسان لابدّ و أن يجمعَ بين هذين الشقيّن فى تكوينه. فمن الخطأ أن نقولَ على كلِ من له شكل الإنسان الخارجىّ دون أن يتسمَ بالغرائز و الصفات التى تتوافقُ مع هذا الشكل ، أنّه إنسان و يتمتع بحقوق الإنسان ، و كذلك من الخطأ أنْ نقولَ على من له غرائز الإنسان دون شكله التشريحى أنه إنسان. بل لابدَ من الجمع بين الشقين كى نستطيعَ أن نصفَ الكائنَ الحىّ بالإنسانيّه.

و هنا يلزم التنويه و لفت الانتباه إلى مقطعٍ غاية فى الأهميّه فى التفصيل السابق ألا و هو ( الصفات المتوافقه و الشكل التشريحى الحالىّ ) ، و هنا أريدُ أن أؤكد بشكلٍ أكثر دقه على كلمه بعينها و هى ( الحالىّ ) ، فهى تحملُ معنى ضمنى بأن النظْمَ العامَ لهذه الغرائز الآن مختلفٌ تماماً عن النظْم العام لهذه الغرائز فى مرحله سابقه من تاريخِنا الحيوىّ ، كما تحملُ معنى ضمنياً بأن الشكلَ التشريحىّ الحالى مختلفٌ تماماً عن الشكلِ التشريحىّ فى مراحل سابقه من تاريخنا الحيوىّ ، و هى حقائق سأتولى تفصيلها فى فقراتٍ تاليه من هذا الكتاب.

و ما سأقومُ بفعِله فى هذا الكتاب ، هو عرضٌ لشكلِ الإنسان التشريحىّ و صفاتِه المتوافقه معه فى مراحل تطورنا المُختلفه ، حتى نصلَ نهاية إلى الشكل التشريحىّ الحالى و ما ينبغى أن يتوافقَ معه من صفات ، كىّ نخلُصَ من ذلك إلى وصفٍ للغرائزَ و الصفات و الأفكار التى لابدَ أن تتوافر فيمن نستطيعُ أنْ نسميه بالإنسانِ الحالىّ ، و من ثمَ استخدامُ هذا الوصف ِ الصِفَتىّ فى تصنيفِ المُتسمين بالشكلِ التشريحىّ الإنسانىّ الحالىّ إلى ؛ إنسان و أشباه الإنسان.

تفصيل 2 : الجذور

نقصدُ بالجذورِ تلك المرحله الأولى لنشأة الإنسانيه و هذه المرحله هى نفسُها المرحله الأولى لنشأة الحياة ذاتها. لأنه كما المعروفُ ، فإنّ الأحياءَ جميعاً قد نشأت عن أصلٍ بسيطٍ واحد ، أخذَ فى التشعبِ و التطور فى أشكالٍ مختلفه فرضتها البيئه المُحيطه عن طريقِ تفضيل بقاء طفرات عشوائيه-تطوريه- مُعينه تُنتجُ صفاتاً تشريحيه مُعينه تُحققُ أكبرَ توافقٍ ممكنُ مع البيئه المُحيطه بالكائن الحىّ و بالتالى فإنّ عمليةَ التطور غيرُ عشوائيه بالمره و إنما تخضع لمعيار دقيق ثابت و هو مقومات البقاء فى البيئة. و حيثُ أن هناك تنوعٌ بيئىّ عظيم بين مناطق الأرض المُختلفه ، فإنه من المنطقىّ أن تكونَ الطفراتَ الباقيّه مُختلفه بين بيئة و أخرى و بالتالى اختلاف الشكل التشريحى للأحياء بين بيئة و أخرى مما أنتج على المدى الزمنىّ الطويل تنوعاً ضخماً من الأحياء لم يبقَ منه الآن سوى أقل من 1% من حجمه الأضخم فى مراحل أرضيّه سابقه . فما أريدُ قوله هنا ، أنه إذا نظرنا إلى شجرة الحياه ، فإننا نجدُ الإنسانَ و من معه من قاطنى الأرض من أحياءٍ الآن ، مُمَثلينَ فى الأفرعِ النهائية تماماً لهذه الشجره ، و لكنهم جميعاً يرجعونَ إلى نفسِِ الأصلِ و الأساسِ الواحد المُشترك ، و بالتالى فإنّ أصولَنا تمتدُ إلى ذلك الأصلِ الأول. و بالتالى من المنطقى ، أن نبدأ بالحديثِ عن هذا الأصل الأول لنعرفَ التعريف الأول للإنسانيه الذى هو بالطبع تعريفُ أولِ جزىءٍ حىّ علىْ الأرضِ ، فما هو هذا الأساسُ الأول ؟

إنّ أوّل أشكال الحياة على الأرض كان فى أغلبِ الظن جزيئاً غير ذاتىّ التغذيّه ، موجودٌ ضمن حساءٍ عُضوىّ طافٍ على مياه المُحيطات ، كان نشاطه الحيوىّ يتضمنُ تدميرَ غيره من الجزيئات كى يستطيعَ أنْ يستخلصَ منها ما يلزمَهُ من طاقةٍ تُتيحُ له عملية الانقسام و التضاعف مما يضمنُ بقاءَه . الجُزيئاتُ التى اتسمت بتلك المَقدره كان لها أفضلية البقاء بين جُزيئاتٍ أخرى لم تستطعْ تأمينَ احتياجتِها للبقاء. و هذا يعنى أنّ الصفةَ الأساسيّه لهذه الجزيئات هى العُنف ( عن طريقِ تدميرِ غيرها من الجزيئات ) و الجنس ( عن طريق استخدام الطاقه فى عملية الانقسام ) ، و لو دققنا النظر لوجدنا أن الجنسَ هو مُحركُ العُنف ، لأنه لولا الحاجه إلى الانقسام و تأمين البقاء لما كانت هناك حاجه للقضاء على باقى الجزيئات و استخلاصِ الطاقة ، و الجنسُ نفسه ينطوى على معنى أكثر عُمقاً و هو البقاء ، إذن نستطيعُ أن نقول أنّ الصفةَ الأولى للحياة أو الغريزة الأقدم على الإطلاق كانت البقاء عن طريق الجنس الذى يتمُ عن طريقِ العُنف و الصراع. فلو أردنا تعريفاً للإنسانيه فى هذه المرحله و الذى هو نَفسه تعريف أصل الحياه ، فإن التعريف سيكونُ كالتالى :

" الإنسانيه هى القضاءُ علىْ كُلِ مُختلفٍ لا يصلحُ للحياة من أجلِ الاستمرار و البقاء " (2)

و لأنّ جوهرَ التطورِ يعنى نقلَ الصفاتِ القادره على البقاء من جيلٍ إلى آخر ، فإننا كبشر و كأحياء الآن لا نستطيعُ أن نتجرد من اصولنا و نُنكر الجنسَ كُمحرك أوّل لكل أفعالنا بشكلٍ خفىّ و لأفعال غيرنا من الكائناتِ بشكلٍ جلىّ ، و سأتناول توضيح هذه المُفارقه بين ( خفىّ و جلىّ ) فى فقرات تاليه ، و لكن أهمُ المُهم الآن هو أنْ يُدرك كُلُ امرءٍ أن الجنس يُحرك كُلَ أفعاله لأن لا سبيل للبقاء سوى الجنس. و يجب أن نلفت النظر إلى أنّ الجنس سيظلُ بالضروره أساساً لكل تعريفٍ لاحق للإنسانيه.

و بناءاً على ما سبقَ نستطيعُ أن نقولَ أنْ الإنسانيه نباتُ له جذرٌ متجانسُ التركيب ( هو السعىُ إلى البقاء عن طريق تأمين متطلبات العمليه الجنسيه ) و هو الجزءُ الأولُ من التعريف العام للإنسانيه المذكورُ فى التصدير.

تفصيل 3 : النمو عبر الزمن

على الرغمِ من أهمية الطفرات فى عملية التطورِ ، إلا أنّى لا أعتقد أنها محوريه فى شكل المُنتج التطورىّ على الرغم من دورِها المباشر فى إكساب الكائنِ الحىّ صفةً ما ، ذلك أنّ بقاءَ الطفره مرهونٌ فى المقام الأولِ بالانتقاء البيئىّ ، و بالتالى فإنّ الانتقاء البيئىّ – الانتخاب الطبيعىّ – يُمكن اعتباره المحركَ الأول لعملية التطور و ليس الطفرات ، و بالتالى فإنّ عملية التطور لها نظام و دقة الانتخابِ الطبيعىّ و ليس لها عشوائية الطفرات.

و لتوضيحِ ذلكَ بمثال ، نستطيعُ أنْ نقولَ أن هناك كائناً ما يعيشُ فى بيئةٍ لا يُمكن فيها الحصولَ على الغذاءِ إلا عن طريقِ التسلقِ ، و كما هو معروف فإن الطفرات تحدثُ باستمرار فى أمشاج و أجنة الأحياء و كُلما ازداد صغر الكائن الحىّ كلما زاد فيه معدل حدوث الطفرات . و لذلك دعنا نقولُ أنْ فى أحد الأجيال ، حدثَ فى النسلِ الناتج عدد مائة طفرة مُختلفه تُنتجُ صفاتٍ مُختلفه بمعدل طفره واحده فى كل فرد من مائه من النسل الناتج ، بعضُها يعملُ على زيادةِ قوة تراكيبَ كالمخالبِ و بعضُها يعملُ على إطالةِ الأقدامِ مثلاً و البعضُ الآخر يُنتجُ قِصراً فى المخالب و الأقدام . سنجد أنْ فى ذلك النسل الطافر الناتج منْ يمتلكُ صفاتٍ أكثر قدرةً على التسلقِ و من ثم الحصولِ على الغذاء و بالتالى سيبقى ، اما من يمتلك الصفاتِ التى لا تدعمُ التسلقَ فلنْ يستطيعَ الحصولَ على الغذاءِ و بالتالى سيموت. و هنا يُقال أن الطبيعه انتخبت بقاء الصفات التى تعمل على التكيفِ مع البيئة و أنهت الصفات السيئه التى لا تستطيعُ التكيف مع البيئة ، و كلمة سيئه هنا لا تعنى سيئه فى المُطلق ، و لكن سيئة بالنسبه لهذه البيئه ، اما فى بيئة أخرى فربما تكون هذه الصفات التى أطلقنا عليها سيئه أقدر على البقاء من تلكَ الصفاتِ التى أطلقنا عليها جيده فى المره الأولى. و بالتالى فإنّ شكلَ الأحياء منوطٌ بشكلِ البيئه و لهذا فإنّ هناك تنوعٌ ضخم من الأحياء على الأرض لوجود تنوع ضخم من الظروف البيئيه بين منطقه أرضيّه و أخرى بل و داخل نفس المنطقه تبعاً لحجم الكائن الحىّ مثلاً . أجد الآن أنه من البديهىّ أن تستنتج أن الطفره العشوائيه ليس لها دور محورى فى التطور ذلك لأن هناك آله ذات نظام و تركيب دقيق تقوم بانتقاء الطفرات عن طريق برنامج قوى يُسمى الانتخابَ الطبيعىّ .

ما أردتُ إيضاحَه فى هذا الجزءِ ، هو أنّ الجزيئاتَ البسيطه التى مَثّلت بداية الحياه لم تظل على حالتها الأولى بل أخذت فى التطور و اكتساب تراكيب عضويه ماديه جديده انعكست على هيئة تعديل أو تطوير أو إضافة وظيفه ما فى الكائن الحىّ. فمعَ مُضىّ الزمن و تراكم الطفرات تزدادُ كمية التغيرات التكيُفيه المورفولوجيه فى الكائن الحىّ البسيط حتى تصلَ إلى مرحله متقدمه من ذلك التغير الشكلىّ مما يدفعنا إلى اعتبار هذه المرحله المُتقدمه تمثيلاً لكائن حى جديد متطور عن أسلافه.

و هنا يجبُ لفت الانتباه إلى حقيقة فى غاية الأهميه ، و هى أن عملية التطور مُرتبطه باكتساب المزيد من الوظائف المباشره ليقومَ بها الكائن الحى عن طريق التركيب العُضوىّ الجديد الذى تم اكتسابه عن طريق التطور ، و لهذا الأمر تأثيرٌ قوىّ على إمكانية تعريف أهداف الكائن الحىّ و الإشارة إلى أنواع غرائزه فى هذه المرحله من التطور. و قبلَ أن نستطرد فى ذلك الأمر ، يجب أن تُدرك أننا نتحدث الآن – فى هذا التفصيل - لا عن أشكال حيويه فى غاية التعقيد كالإنسان أو غيره من الكائنات التى تحتل الأفرع النهائيه لشجرة التطور و كذلك فإننا لا نتحدث عن أشكال حيويه فى غاية البساطه كالجزيئات الحيويه الأولى ، بل نتحدث عن مرحلةِ ما خلاليه فى هذا المدى الطويل بين البساطه و التعقيد ، فنحن لا نتحدث عن الماضى السحيق الأول و كذلك لا نتحدث عن الحاضر و لكن نتحدث عن مرحلة ما بينهما و هى أقرب إلى البدايه ( الماضى ) من النهايه أو الحاضر. و للتبسيط نقولُ أن الطفرات التطوريه أدت إلى تحول الجزيئات البسيطه إلى خلايا بسيطه التركيب. و هنا نطرح السؤال ، ما هو تأثيرُ ذلك التحول البسيط على غرائزَ الكائنِ الحىّ ؟

سنعقدُ الآن مُقارنه بسيطه بين الأفعال و السلوك و دوافعها فى كلٍ من ، الشكل الأول للحياه الذى سبقَ تفسيره فى التفصيل السابق، و الشكل التالى للحياه الذى تحدثنا عنه فى هذا التفصيل الثالث و هو شكلٌ حيوىّ لا يبعُد الكثير عن الشكل الأول فى الفضاء الوراثى الضخم كما سبق التوضيح.

الشكل الأول للحياه :
كما سبق الإيضاح ، فإن هذا الشكل يتسمُ بـ " البساطه المُفرطه " لدرجه نستطيعُ معها أن نقولَ أن الغرائز الدفينه تتساوى مباشرةً مع الأفعال الظاهره دونَ وجود لأىّ تعتيم سلوكى على الغريزه الأولى . فالجنسُ كما سبق التنويه كان تقريباً الغريزه الوحيده ، و كان السلوك الوحيد للكائن الحى حينئذٍ هو التضاعف و كانت الرغبه الوحيده للكائن الحىّ حينئذٍ هى التضاعف ، أى أن الكائن الحى لم يؤدِ من الأفعال ما قد يُعطى انطباعاً أن هناك مُحركات أخرى لسلوكه سوى الجنس ، بل كان الإيحاء الوحيد لسلوكه هو أنه نابعٌ عن الرغبه فى الجنس ، أى أنّ السلوك يُعبر مباشرةً و دون وجود حلقات سلوكيه و فعليه وسطيه عن ما يُحرك السلوك أو عن الغرائز الدفينه ، أى أنّ الغريزه كانت فى ابسط أشكالها و لم تتطور هى الأخرى.

الشكل التالى للحياه :

هنا كما سبقَ التوضيح ، نجد أن عملية التطور المورفولوجى قد بدأت فى العمل و انعكست آثارُها على هيئة تراكيبَ عضويه جديده أو مُعدله و بالتالى القُدره على القيام بوظائف مُختلفه. لا نستطيعُ أن نُنكر دور هذا التطور المورفولوجى على سلوك الأحياء ، و من الإنصاف و المنطق أن نعتقد أن السلوك و الغرائز تتطور هى الأخرى بالتزامن مع تطور الماده الحيويه ، و لذلك فإن للسلوك فضاءاً وراثياً موازياً لذلك الفضاء التابع للمورفولوجيا التطوريه. و مع تطور الشكل التشريحىّ للحياه ، يحدث تطور موازى فى السلوك و الغرائز. فالانتقال من جزيئات حيويه بسيطه إلى أشكال خلويه بسيطه ربما يكون مُصَاحباً بالتغيرات الآتيه :

- أولاً التغير فى النمط العام للـفعل أو السلوك و دلالته ، فبعد أن كانت الأفعال تنحصرُ فقط فى الإشباع المباشر الغير مُسلسل للغريزه ، أصبحت الأفعال الآن مُتسعة المجال لتشمل الفعل المُصاحب للتركيب الُعضوى الجديد المترتب على التطور المورفولوجى التلقائى . و بالتالى فإن الفعل المُباشر لإشباع الغريزه أصبح واحداً من كم أكبر من الأفعال كُلٌ منها يؤدى غرضاً ما ، و ذلك بعد أن كان ذلك الفعل هو النشاط الوحيد للكائن الحىّ . و بعبارةٍ أخرى نستطيعُ أن نقولَ أن الفعل الذى يُشبع الغريزه مباشرة و هو الجنس ، أصبح الآن تائهاً وسط مجموعه أكبر من الأفعال ، و بالتالى فإن المراقب لهذه المرحله الحيويه التطوريه قد ينخدع بشكل الغريزه ، و قد ينخدع بالدلاله الغريزيه للسلوك ، فيظن أن هد ف الوظيفه الجديده المُكتسبه يقع ضمن غرائز الكائن الحىّ الدفينه أىّ يزداد توارى الغريزه الأصليه وهى البقاء ، عن أنظار المُراقبين. فعلى سبيل المثال ، و كما قلت فإن حديثنا فى هذه الفقره يدور حول كائنات أحاديه الخليه بسيطه ، نجد أنه مع ذلك الانتقال البسيط فى الفراغ الوراثى من جزيئيات حيويه بسيطه إلى خليه بسيطه التركيب ، يكونُ مُصاحباً بتغير فى نمط الأفعال ، فنجد أن الخليه الحيه الآن أصبحت مصنعاً ضخماً للكثير و الكثير من الوظائف كالتنفس عن طريق الأكسده أو الحركه عن طريق الأهداب أو تكوين آليات دفاع و ردع ضد الغازيات الأخرى و غيرها من الأفعال المختلفه ، و بالتالى أصبح الانقسام الخلوىّ حادثاً عارضاً فى تاريخ الكائن الحىّ بعد أن كان هو الحدث الأهم و الشغلُ الشاغل فى مسألة البقاء ، و بالتالى فإن المُلاحِظ قد يظنُ أن أفعالاً مثل الحركه بالأهداب تُعبر عن غريزة راسخه فى الكائن الحىّ و لكنّ ذلك ليس حقيقياً بطبيعة الحال.

- ثانياً : التغير فى تصنيف الغرائز ، فكما سبق التوضيح ، نجد أن مجال الفعل عند الكائن الحى يزداد فى التوسع كلما خطى التطور مزيداً من الخُطوات فى الفضاء الوراثى التطورى ، و الآن و مع ذلك التطور البسيط فإننا نستطيع تقسيم الغرائز نتيجة إضافة مزيد من الأفعال المُباشره للكائن الحىّ إلى قسمين :

- الغريزه الظاهريه ، و هى الهدف من الفعل المباشر الجديد المُكتسب تطورياً ، و هى مُجرد إيحاء خادع لا يُعبر عن غريزه أصيله أصليّه فى الكائن الحىّ . فعلى سبيل المثال إفراز إنزيمات و مواد كيميائيه للدفاع عن الخليه ، قد يُعطى إيحاء أن الدفاع عن النفس غريزه فى الكائن الحىّ. و لكنّ الدفاع عن النفس على الرغم من تعبيره المباشر عن التطبيق الفعلى لغريزه البقاء ، لا نستطيع أن نصفه بالغريزه الحقيقيه لأنّ ذلك الدفاع عن النفس تم اكتسابُه عن طريق التطور لا من أجل فعل الدفاع عن النفس ، بل من أجل تأمين بقاء الكائن الحى حتى يقومَ باتمام العديد من الوظائف الخلاليه لخلق المقومات اللازمه لحدوث عملية انقسام الخليه التى تُعبر عن الطريقه الجنسيه فى خلودِ الجينات. و بالتالى فإنّ الدفاع عن النفس لم ينشأ إلا لخدمه غريزة الجنس، لذلك لا نستطيعُ أنْ نُطلقَ عليه اسم الغريزه الحقيقيه.

- الغريزه الدفينه ( الحقيقيه ) ، و هى الهدف من الفعل الأول للكائن الحىّ ، و هى غريزه نقيّه ، و لكن على الرغم من نقاءها نجد أنها تائهه وسط مجموعه من الغرائز الظاهريه ، فالبقاء عن طريق الجنس و الجنس عن طريق العنف هما التمثيل الوحيد للغريزه النقيه فى الكائن الحى فى شتى المراحل التطوريه. و هذه الغريزه هى ما تقود التطور نفسه ، و هى التى تتحكمُ أيضاً فى الغرائز الظاهريه و سلوك الكائن الحىّ . فـعلى سبيل المثال ، تقوم الكائنات الأحاديه الخليه التى نتحدثُ عنها فى هذا التفصيل ، بكمٍ كبير من الأفعال ذات هدف ظاهرى مُعين مثلاً عملية امتصاص المواد الغذائيه من البيئه لتحقيق هدف ظاهرى و هو إمداد الخليه بمصدر للطاقه ثم تكسير هذه المواد المُعقده إلى أشكل ابسط لإشباع هدفٍ ظاهرىٍّ ما و هو توفير مقومات بناء البروتينات المُختلفه فيظنُ المُلاحظ أن هذه الخلايا مُسيّره لتقوم بهذه الأفعال و بالتالى يعتبر الهدف من هذه الأعمال مُندرجاً ضمن غرائز الكائن الحىّ ، و لكن كل هذه العمليات تهدفُ فى النهايه إلى توفير مقومات العمليه الجنسيه و هى الانقسام الخلوى حتى تنتقل الماده الوراثيه إلى جيل جديد ، فالأمر يبدو كما لو أن الجين يسعى دائماً إلى الخلود عن طريق الانتقال من جيل إلى آخر و لذلك نجد أنه يوجه سلوك الكائن الحى للقيام بأفعال تُحقق هذا الغرض الحقيقىّ من الحياة ، فما الكائن الحىّ إلا آلة بناها الجين من خلال عملية التطور طوال بلايين السنين ليتكيف مع البيئه و يستطيع تأمين عملية الجنس التى تُحقق انتقال الجين من جيل إلى أخر. و بالتالى فإن الجنس يبقى مُحركاً أساسياً لأفعال و سلوك الكائن الحىّ على الرغم من أنه يتوارى بالتدريج مع تقدم التطور نتيجة إحاطته بكم كبير من الوظائف الجديده التى تُعطى انطباعاً خاطئاً بوجود غرائز أخرى وصفناها بالغرائز الظاهريه.

و لتلخيصَ ما سبق ، يُمكنُ القولُ أن مُحركات السلوك الحقيقيه التى أشرنا إليها بالغرائز الدفينه ، تتوارى عن الأنظار بمرور الزمن و كنتيجة منطقيه لعملية التطور. و بعد أن كانت هذه المُحركات السلوكية تحتلُ ظاهرَ و باطنَ الأمور ، ينحسرُ دورُها ليشملَ بواطنَ الأمورِِ فقط بشكلٍ نقىّ و تُتركُ ظواهرَ الفعلَ خاضعةً للغريزه الظاهريه ( التطوريه ). و لكنّ الغريزه الظاهريه نفسها تخضعُ إلى الغريزه الحقيقيه بشكلٍ خفىّ ، و لذلك نستطيعُ أن نقولَ أنّ الغرائز الحقيقيه تتحكمُ فى الأفعال الظاهريه أيضاً و لكن بشكلٍ غير نقىّ. و حيثُ أنّ الإنسان – و كما سبقت الإشاره – تمتدُ أصوله إلى أصولِ الحياة ذاتها ، فإنّ الإنسانيه – التى هى جوهر سلوك الإنسان – تمتدُ أيضاً إلى ذلك الأصل. و حيثُ أنّ أصل الإنسان يتطورُ هو الآخر فى عملية مُذهله و أقرب إلى السحر فى جمالها ، فإنّ الإنسانيه تتطور هى الأخرى مع تطورِ الماده. و من ثمَ فإنّ للإنسانيه تعريفاتٌ شتى عبر الزمن كما للإنسانِ أشكالٌ متعدده عبر الزمن. و قد قمت بتوضيح ذلك التعريف فى التفصيلِ السابق ، و بالتالى كيفُ نستطيعُ أنْ نُعرفَ الإنسانيه وفقاً لمُعطيات و متغيرات التفصيل الحالى ؟

لا أستطيعُ إلا أن أقولَ :

" إن جوهرَ الإنسانيه يأخذُ فى التوارى ظاهرياً أمام كم هائل من الأهداف الجديده المتزامنه مع التطور " ( 3)

و لكن لا بدَ من الإشاره إلى فكره محوريه، و هى أنّ الإنسانيه فى هذه المرحله لا تعنى أن يمتلكَ الكائن الحىّ الغريزه الدفينه الحقيقيه فقط، بل لا بدَ من امتلاك الغرائز الظاهريه أيضاً، لأنّ الغرائز الظاهريه هى مُنتَج و جوهر العمليه التطوريه. أما أولئك العالقون فى الغريزه الدفينه فقط العاجزون عن مسايرة عملية التطور و الترقى فلا يمكن أن نُطلق عليهم صفة الانسانيه فى هذه المرحله على الرغمِ من امتلاكهم جزءاً حقيقياً منها ، فهم متأخرون عن الركب الإنسانىّ إنْ صح التعبير. و بالتالى لا يجوز النظر إليهم على أنهم جزءاً من الإنسانيه الآن ، على الرغمِ من أنهم قد مثلوا الإنسانيه فى مراحل سابقه.

أعتقد أن هذا التفصيل استطاعَ إلى حدٍ ما أن يُفسرَ جزءاً مُهماً من التعريف العام للإنسانيه ، و هذا الجزءُ هو نمو نبات الإنسانيه الذى نُشير به إلى تطور الأحياء عبر الزمن و أثرُ ذلك على شكل الغرائز. فمن الواضح أن الوجه القبيح للإنسانيه و هو البقاء أياً كان الثمن يأخذُ فى الاختفاء تدريجياً عن الظاهر العام ، و لكنّه يظلُ مُتحكماً فى كلِ كبيره و صغيره من حياة الكائن الحىّ ، فلو كان هناك هدفٌ من الوجودِ حقاً ، فهو هدفٌ غير نبيل وفقاً لمفاهيمِ هذا العصر.

تفصيل 4 : الإنسانُ المُعاصر

بالطبع لن أتحدث عن كل مرحله وسيطه فى تاريخ تطور الإنسان ، فعملٌ كهذا لا يستوعبه مقال بل ربما يكونُ موضوعاً لكتابٍ كامل يتطلبُ بحثاً مُضنياً و حقائقَ مؤكده تماماً . و لذلك دعنا نجرى بالزمنِ كثيراً و نتجاوز كل هذه الحلقات الوسطيه فى تطور الإنسان حتى نصلَ إلى بدايات ظهور الأسلاف الحديثه للإنسان المُعاصر على سطحِ هذا الكوكب. و قد آثرتُ ذلك الأمر أيضاً لأن ما سيطرأ على الغريزه من تغيرات خلال هذه المراحل الوسطيه الكثيره التى أهملتها سيتبع نفس القاعده التى سبق تفسيرها فى التفصيل الثالث ، أى أن جوهر الإنسانيه أو الغرائز الحقيقيه سيزداد تواريها أمام كم هائل من أهداف الوظائف المباشره ( الغرائز الظاهريه ) التى يعمل التطور على زيادتها مع مرور الوقت عن طريق زيادة التعقيد التركيبى للكائن الحىّ. و بالطبع سيكونُ لعامل الانتقال من الفرديه إلى حياة القطيع بين أفراد هذه المراحل الوسطيه تأثيراً بالغاً على نمط السلوك بين أفراد القطيع نفسه من ناحيه ، و أفراد النوع كله من ناحية أخرى ، و أخيراً بين أفراد القطيع و باقى الأحياء بشكلٍ عام ، و لكنى لن أتطرق إلى تفسير هذه التغيرات فى تلك الحلقات الوسطيه و سأكتفى بتوضيحها بدءاً من الأسلاف الحديثه للإنسان المُعاصر و بيان أثر ذلك على نمط سلوك الإنسان و العلاقات الاجتماعيه المختلفه.

الفكره الأولى : الشكل التشريحى للإنسان المُعاصر

أثناء الانقسام الجنينى ، تلعب الجينات دوراً أساسياً فى تميز الخلايا و توزيعها و بالتالى تتحكم فى الشكل التشريحىّ للجنين الناتج الذى يؤثر بدوره على الوظائف و الصفات الحيويه المختلفه. و يحدث ذلك عن طريق كود دقيق مُذهل تحمله الجينات يتمُ ترجمته نهايةً إلى بروتينات مُختلفه تتحكم فى كل ما يخص الخليه بما فيها تلك البروتينات التى تؤثر على انقسام الخليه اما سلباً أو إيجاباً ، و من ثم قدرتها على التحكم فى كيفية انقسام و تميز الجنين وفقاً لهذا الكود الرائع. و بالتالى من البديهى أن نتوقع ، أن أى تغير فى الكود الجينى يترتب عليه تغير فى نوع البروتين الناتج عن ترجمة الجين مما يترتب عليه تغير فى العمليات المختلفه التى يُنظمها ذلك البروتين ، و من ثم تغير الصفه التى يدخل ذلك البروتين فى إظهارها و التعبير عنها و هو ما نسميه نهاية تغير الشكل التشريحىّ للمُنتَج الجينىّ.

التغير فى الكود الجينى شىء أبسط ما يوصف به أنه دائم الحدوث فى أجنة الأحياء ، و يوصف ذلك التغير بالـطفره ، و التى تنقسم إلى ثلاثة أقسام رئيسيه :
* طفره مُتعادله : و هى طفره لا يترتب على حدوثها أى تغير فى المُنتج الجينى ، و من ثم الشكل التشريحى للجنين الناتج.

* طفره ضاره : و هى الطفره التى تُحدِث خللاً ما فتؤدى إلى تكوين بروتينات معيبه لا تستطيع أن تؤدى وظيفتها بكفاءه مما يترتب عليه خلل فى تركيب الجنين الناتج و إضرار بالوظيفه الطبيعيه التى كان من المفترض أن يؤديها البروتين سليم التركيب.

* الطفره التطوريه : و هى نادرة الحدوث ، و يترتب على حدوثها اكتساب صفة جديده قادرة على التكيف بشكل أفضل مع البيئه ، و عادةً لا تؤدى الطفره التطوريه الواحده إلى تغير كبير فى صفات و تركيب الكائن الحىّ و لكن تراكم هذه الطفرات التطوريه هو ما يُنتِج على المدى الزمنى الطويل اختلافاً محورياً بين الأجيال المُتتابعه مما قد يؤدى إلى انقسام نوع مُعين من الأحياء إلى نوعين مُختلفين أو ترقى نوع مُعين إلى نوعٍ آخر.

العامل الأساسى فى ذلك التصنيف الطفرى و هو العامل الذى يُحدد ما اذا كانت الطفره تطوريه أم لا ، هو مقومات البقاء فى البيئه . ذلك أن الطفره التى تُحقق مزيداً من التكيف مع البيئه و تُزيد من فُرص بقاء الكائن الحىّ إلى سن التزاوج و نقل الجينات تُوصف بأنها طفره تطوريه ، لأنها أضافت صفه جيده إلى الكائن الحىّ عملت كلـَبــِنــَه فى صرحه التطورىّ العظيم. أما الطفره الضاره ، فهى تلك التى تُنتج صفة لا تُحقق تكيفاً مع مقومات البقاء فى البيئه ، و من ثم يموتُ حامليها من أفراد. أما الطفره المتعادله ، فهى تلك التى لا تؤثر فى الصفه الناتجه و بالتالى لا تؤثر على إمكانية التكيف مع البيئة لا بالزياده ولا بالنقصان ، و لكن لو حدث صراع بين الطفرات المتعادله أو الأفراد الغير طافرين و الطفرات التطوريه فلا شكَ أنّ الغلبه ستكون لحاملى الطفرات التطوريه ذلك أنهم أكثر قدرةً على البقاء فى البيئه نتيجة امتلاكهم المزيد من الصفات الإيجابيه. تُوصف العمليه السابقه بالانتخاب الطبيعىّ ، و هو تلك القوة التى تُحرك عملية التطور تبعاً لشكل البيئه.

بناءاً على الأساس السابق نستطيع أن نؤمن بسـهوله بإمكانية خلق تراكيب مُعقده بدايةً من أخرى بسيطه عن طريق تراكم تلك الطفرات التطوريه على مدى زمنىّ طويل بالإضافة إلى تأثير قوة الانتخاب الطبيعى. و هذا هو الأساس الذى حوّل الإنسان من جزيئات بدائية بسيطه إلى شكله الضخم المُعاصر عبر أكثر من ثلاثة بلايين عام. و لستُ فى حاجه إلى تفسير نشأة كل تركيب و كل صفه فى الإنسان الحالى بناءاً على تلك القاعده ، فذلك أيضاً لا يتناسب مع محتوى مقال بل يصلح كفره لكتاب كامل و أيضاً يتطلبُ منى كماً عظيماً من المعرفه أفتقده و لكن أسعى بجد إلى تحصيله. و ما يُهمنى هنا هو أن اكونَ قد وضحتُ جوهرَ عملية التطور و من ثمَ إيضاحُ قوتها فى تفسير نشأة الإنسان و غيره من الكائنات ، و تلك القوة لم تُصبح منطقيه فقط بل اصبحت مدعومه الآن بكمٍ هائل من الأدله الجينيه و الحفريه.

و من الجديرِ بالذكر أنّ ، حتى وقتٍ قريب ، سكن الأرض حوالى خمسة فصائل من الإنسان لم يبقَ منها الآن إلا نحنُ ، و لا نستطيعُ حتى الآن أن نبرهنَ أسباب اختفاء الفصائل الأخرى . و لكن وجودها سوياً فى حد ذاته يُثبت فكرة تراكم الطفرات التطوريه و تميز النوع الواحد إلى فصائل مُختلفه عبر الزمن ، فقد عاش الإنسان الحالىّ مع أسلافه و أبناء عمومته فى الوقتِ نفسه . و قد يكون اختفاء تلك الفصائل الأخرى ناتجاً عن تفوق جنسنا بصفاته العقليه و الاجتماعيه عليها ، و سأتناول فيما يلى لمحات بسيطه عن تطورنا عبر تلك الأسلاف المُختلف و ما ترتب على ذلك من تغيرات فى القدرات العقليه و المُعاملات الاجتماعيه ثم أثر كل ذلك على الغريزه و تفسير السلوك كى نتوصل نهاية إلى التعريف المُعاصر للإنسانيه.

الفكره الثانيه : التطور الاجتماعى و الغرائزى للإنسان

لا أريدُ من كتابى هذا أن يخوضَ فى تفاصيلٍ أكاديميه مُمله ، بل أريدُ أنْ أوضحَ فقط ذلك الأساس المنطقىّ القوىّ و تلك الخطوط العريضه فى عملية التطور الاجتماعى للإنسان و أثرُ ذلك على مفاهيم " كالأخلاق " و " الغريزه " و " الإنسانيه ". و لذلك فإنْ جُلَ ما سأقومُ به لن يشملَ ذكر أسماءَ مُمله و تفاصيل دقيقه، بل أريدُ فقط أن أقدمَ الأساس ثم أترك عقل القارىء ليبحث كيفما شاء فى المراجع الأكاديميه المُختلفه، و سأحاول قدر الإمكان أن أرتب أفكارى ترتيباً زمنياً قومياً كى تُحقق الهدف المرجوّ منها عند قراءتها، لذلك ما انت مُقبلٌ عليه حقاً – عزيزى القارىء – أشبه بقصة مُثيره عن تاريخ أجدادك و أسلافك الأوائل.
المرحله الأولى :

تبدأ تلك القصه حينما انتقلت مجموعه من الحيوانات المُتسلقه من منطقة الغابات الكثيفه إلى منطقه حشائش السافانا حيث تختلف الظروف البيئيه تماماً ومن ثم تختلفُ مقوماتُ البقاء و متطلبات الاستمرار. و لذلك كان من البديهىّ أن نستنتج اختلاف أنواع الطفرات التى تعمل منطقة السافانا على انتخابها عن تلك التى تعمل منطقة الغابات على تفضيلها ، و من ثمَ حدث تميز لهذا النوع من الأحياء على المدى الزمنى الطويل نتيجة تراكم الطفرات التطوريه المُختلفه ، فنتج نوعان مُختلفان من الأحياء ، أحدُهما تطور ليُنتجَ الإنسان الحالى عبر سلسله طويله من الحلقات الانتقاليه ، و الأخر تطور ليُنتجَ الشامبنزى الحالى عبر سلسله مُختلفه من الحلقات الانتقاليه. و لذلك فإنّ إشكالية نشأة الإنسان عن قرد مُعاصر ، تحملُ قدراً من السذاجه و الجهل لا بأس به ، فالصوابُ هو أنّ الإنسانَ المُعاصِر و الشامبنزى المُعاصر أبناء عمومه فضلاً عن أن يكون أحدهما سلفاً للآخر. و بالطبع سنخوضُ فى الحديثِ عما حدث للإنسان من الناحيه الاجتماعيه بدءاً من انتقاله إلى منطقة السافانا.

لقد أجبرت تلك البيئه الجديده أسلافنا الأوائل على ابتكار أول ملامح الحياه الاجتماعيه عن طريق أساليب حياتيه أبدعتها ظروفُ البيئه كصيد المُثابره مثلاً، إضافة إلى اكتشاف النار التى عمِلت كملاذ يتجمع حوله أسلافـُنا ليلاً اتقاءاً لخطرِ الحيوانات المُفترسه، و من هنا نستطيعُ أن نقولَ أنّ أولى ملامح الـتعاملات الاجتماعيه قد أخذت فى الظهور. و على الرغمِ من بكورة هذه المرحله ، إلا أنّ نطاقَ الغرائز الظاهريه قد أخذ فى الاتساعِ و التحور متلازماً مع تلك النقله الاجتماعيه البسيطه ، و لكن على الرغم من ذلك ظلت نفس الغرائز الحقيقيه تتحكمُ خِفية فى سلوكِ أسلافِنا، و يُمكن توضيحُ ذلك كالتالى :

- أما عن نشأة الملامح الاجتماعيه ، نستطيعُ أن نقولَ أن البقاء فى مجموعاتٍ يوفر فرصه أقوى للبقاء و مقاومة خطر الحيوانات المُفترسه ، كما يوفرُ فرصه أوفرُ حظاً فى الحصول على الغذاء عن طريق صيد المثابره الذى يتضمن الركض و مطارده الحيوانات حتى يتملكها الإرهاق و من ثمَ قتلها و التغذى عليها و بالتالى من البديهى ان نتوقع ان زياده عدد المجموعه القانصه يؤدى إلى زياده فرص الحصول على الغذاء. و بالتالى من ناحية البقاء، نستطيع أن نعتقد بقلبٍ مُطمئن أن الطبيعه ستنتخبُ أولئك الأفراد الذين يمتلكون المقومات الجينيه التى تُنتجُ سلوكاً يُساعد على نشأة الحياه الاجتماعيه البسيطه. و لعل أبرز مظاهر هذا السلوك الاجتماعى البسيط هو ( الغيريه البسيطه ) أو تبادل المنفعه الاجتماعى بين أفراد الجماعه البشريه أىّ عملاً بمبدأ ( حُك ظهرى و سأحُك ظهرك ) و بالتالى نستطيعُ أن نقولَ أن أولى ملامح التعاون الاجتماعى قد بدأت فى الظهور. و لكن حتى لا نقعُ مرةً أخرى فى خُدعة التطور ، قد يظنُ الرائى هنا أن الملامح الاجتماعيه البسيطه " كالسلام الاجتماعى " هى غريزه حقيقيه تُحركها جينات الإنسان لأنّ السلام الاجتماعى أمر حسن ، و لكن هذا الأمر خاطىء تماماً. ذلك أن السلام الاجتماعى ما هو إلا غريزه ظاهريه نشأت لأنها توفر فرصه أوفر حظاً من حيث البقاء ، و بالتالى فهى بشكل جذرىّ خفىّ تخدم غريزة البقاء المُمثله فى الجنس ، فالصفات التى ينطوى عليها السلام الاجتماعى كالتعاون و الحب لم تبقَ لأنها أفضل من غيرها بشكلٍ مُطلق أو لأنها تعبر عن المرجعيه المُطلقه للفضيله بل بقيت فقط لأنها توفر فرصه جيده للبقاء. و بالتالى و حيثُ أن الأخلاق تستمد وجودها من خلال التفاعل مع الآخرين ، نستطيعُ أن نقول أن جذور الأخلاق قد بدأ التأريخ لها بدايةً من هذه المرحله أىّ أن الأخلاق لم تنشأ كمرجعيه مُطلقه ثابته ، بل نشأت بشكلٍ نسبىّ تبعاً لمقومات البقاء فى البيئه. و لذلك ربما فى بيئه أخرى على كوكبٍ آخر قد نجد نظماً أخلاقياً مٌتطرف فى اختلافه عن النظم الأخلاقى البشرىّ فنجد مثلاً أن فحواه و جوهره هو الصراع المُباشر. و من الجديرُ بالذكر أن تلك الملامح الاجتماعيه البسيطه فى أغلب الظن اقتصر وجودُها على اولئك الأفراد المُهمين فى حياة الفرد نفسه ، أىّ اقتصر وجودها بين أفراد القطيع الناشىء و أخذت فى التقلصِ و الاختفاء كلما تركنا نطاق القطيع. و ذلك يستطيع أن يُفسر وجود العداوه إلى الآن بين الأجناس البشريه المُختلفه ، ذلك أن الغريزه الاجتماعيه حين نشأت فإنها لم تنشأ بين البشرية جمعاء ، بل بين طوائف مُنفصله منها ، و بالتالى فإنّ الغريزه الحقيقيه المُمثله فى ( العنف ) لم يتم تهذيبها بين أفراد النوع بشكل عام عن طريق مجموعة غرائز ظاهريه تنشأ بين أفراد النوع كُلهم ، بل تم تهذيبها فقط بين أفراد القطيع عن طريق نشأة تلك الغرائز الظاهريه المُفيده اجتماعياً فقط بين الفرد و الأفراد الأخرين ذوى النفع المُباشر فى حياته و فُرص بقاءه. و بالتالى فإن غريزة الُعنف الحقيقيه تأخذ اليد الُعليا فيما يتعلق بالمُعاملات خارج نطاق القطيع بينما تأخذ ظواهر السلام الاجتماعى الظاهريه اليد العُليا فيما يتعلق بالتعامل داخل نطاق القطيع. و قد توارثنا هذه الصفات إلى الآن ، و بالتالى فهى تستطيعُ أن تفسر و لو بشكل بسيط سبب الحروب و العُنف الطائفىّ الموجود بزخم بين المُجتمعات البشريه إلى الآن.

- أما عن دور الغرائز الحقيقيه و تأثيرها الخفىّ فى استحداث الغرائز الاجتماعيه الظاهريه ، فكما سبق التوضيح ، نجدُ أن الغرائز الحقيقيه المُمثـَله فى البقاء عن طريق الجنس هى التى تنتخب الصفات الاجتماعيه المُخلتفه و هى المعيار الذى تُختبر على أساسه مُختلف السلوكيات ، و ما يتوافق مع هذا المعيار يوصف بالأخلاق أو الفضيله أو الفطره القويمه إلى أخر هذه المصطلحات و ما لا يتوافق مع هذا المعيار يُوصف بأنّه الجريمه أو الحيادُ عن الفطره أو الاعتلال النفسى. و بالتالى نستطيع أن نستنتج أن لا وجودَ ( للصواب و الخطأ ) أو ( الحق و الباطل ) أو ( الفضيله و الانحلال ) بالطريقه التى طالما اعتقدنا وجودهم بها ، ما هم إلا " وهم " اجتماعى يستمدُ ذكاءه من ذكاء التطور نفسه و يستمد قوته من قوة الطبيعه ذاتها. و على الرغم من الجمال الظاهرى لهذا الوهم ، إلا أنه يخدمُ فى حقيقته غرضاً نراه الآن – و لا أدرى لماذا – غير نبيل و هو الجنس ، و بالتالى فهى شبه صدمه أن نكتشفَ أنّ كثيراً مما ظنناه راسخاً كالوتد فى إنسانيتنا ليس فى حقيقته إلا وهماً يخلو منه جوهر الإنسانيه و يزخرُ به ظاهر الإنسانيه. و لكن على الرغم من حقيقة ذلك الوهم ، إلا أننا لا نستطيعُ أن نغُضَ الطرفُ عنه حين نحكم على إنسانية الكائن الحىّ ، ذلك أن تلك الصفات قد طورتها البشريه نفسها من أجل البقاء و هذا يعنى أن أولئك المتسمون بها هم أكثر تطوراً و رُقياً و قدرةً على البقاء من أولئك غير المتصفين بها ، و بالتالى لا بدَ أن يواكب الكائن الحىّ مسيرة الإنسانيه حتى نستطيع أن نطلق عليه لقب إنسان و لكن فور تخلفه عن اللحاق بالركب الإنسانىّ فلا نملكُ إلا اعتباره مرحله متخلفه من التاريخ التطورىّ لا ينبغى وجودها فى الحاضر بل من الممكن وجودها فى الماضى فقط. و بذلك نستطيعُ أنْ نصبحَ أكثرَ اقتراباً و فهماً للدور الحقيقى الغرائز الحقيقيه فى تسيير حياة الإنسان و تاريخه و التحكم فى أفعاله و رغباته.

المرحله الثانيه :

تقسيمُ التطور الاجتماعى للإنسان إلى مراحل ، يتمُ على أساس مُعين ، و هو التطور العقلى للإنسان ، و على ذلك الأساس قمتُ بتصنيف التطور الاجتماعى. فمن المعروف أن الحلقات الانتقاليه التى تؤدى نهايةً إلى نشأة الإنسان المُعاصر تتسمُ بصفةٍ أساسيّه و هى أنه مع الانتقال باتجاه الإنسان المُعاصر بين تلك الحلقات نجد أن هناك زيادة ملحوظه فى حجم الجمجمه و الذى يُشير بالتبعيه إلى زيادة ملحوظه فى حجم المُخ بالنسبه للجسم ، و من ثمَ زيادة تطور الجهاز العصبى حتى يبلغَ التطورُ ذروته فى الإنسان المُعاصر. و لما كان الجهاز العصبى مسئولاً عن التفاعل مع البيئه و تحليل ذلك التفاعل لإنتاج رد فعل هو سلوك الإنسان نفسه ، فإنّ ذلك التطورُ العصبىّ يلعب دوراً هاماً فى التطور الاجتماعى ذلك أن التطورَ الاجتماعى يعتمدُ بشكلٍ أساسىّ و كلىّ على نوعية السلوك الذى يُنتجهُ الفرد. و عليك أن تعلم أن السلوكَ ما هو إلا المُحصله الكليه لما قد تقوم به فى مواقف مُعينه ، و يخضعُ ذلك إلى دارات عصبيه أو أقواس انعكاسيه مسئوله عن كل سلوك . فما أن تحدث إثاره لداره عصبيه ما ، يتم نقل المعلومات الناتجه عن التفاعل مع البيئه من أعضاء الحس إلى مراكز التحليل العصبى المُختلفه حيث يتمُ إنتاج رد الفعل بشكلٍ فائق السرعه و قد يكون ردُ الفعل ذلك فى صورة حركه أو فعل ما أو تفكير فى أمر ما إلى أخر كل ما قد تقوم به من أنشطه ، فما أنت فى حقيقتك إلا جهاز عصبى يتحكم فى آله عضليه لضمان البقاء. و من الجديرِ بالذكر أن ذلك التركيب العصبى الساحر يخضعُ فى كيفية تركيبه و شكله التشريحى و من ثمَ قدرته النوعيه على التحليل إلى التركيب الجينى للمرء ، ففـى نهاية المطاف نجد أن الجينات هى التى وضعت أساس سلوكك العام. و من الجدير بالذكر أيضاً أن ذلك التركيب الجينى الحالى للإنسان قد نشأ نتيجة الظروف التى فرضتها البيئه على الإنسان عن طريق الانتخاب الطبيعى ، و بالتالى فإن قدراتك و مهاراتك العصبيه الحاليه قد نشأت كى تستطيع حل المشكلات البيئيه المُختلفه بشكل أكثر كفاءه ، و بالتالى فإن الذكاء البشرىّ خيرُ ما يوصف به هو الذكاء الأرضىّ ، ذلك أن الإنسان قد يكون غبىّ تماماً إذا تعامل مع بيئه تتطلب نشأة نوعيه مُختلفه من الدارات العصبيه. و لتلخيص ما سبق ، يُمكن أن نقول أن ظروف البيئه تتحكم فى نوع الطفرات الباقيه و من ثم تتحكم فى نوع الدارات العصبيه السلوكيه الناتجه عن التمثيل البروتينى للجينات التى حبذت البيئه بقاءها ، و هذا يُشير إلى أن كل داره عصبيه حاليه قد نشأت كى تتغلب على عقبه بيئيه معينه واجهت أسلافنا منذ تاريخنا السحيق ، و من ثمَ نستطيعُ أن نقولَ بقلبٍ مُطمئن أن السلوك البشرىّ يخضعُ إلى التطور و يُمكن تفسيره بسهوله اذا ما تتبعنا مراحل تطورنا المُختلفه و تعرفنا على نوع المُشكلات البيئه التى قد تواجهنا فى كل بيئه و على نوعية
الحلول التى قد تتغلب على كُل مشكله و التى يُعبر كلٌ منها عن داره عصبيه موجوده بنا الآن. و هو ما أحاول فعله فى هذا المقال ، و هو أيضا مجالٌ غايه فى الاتساع قد يُصبح موضوعاً لكتابٍ شيق. و لذلك فإن علم النفس يُمكن أن يتم بناءه مره أخرى بناءاً على أساس تطورى ، و أعتقد أن ذلك البناء التطورىّ سيكون أكثر كفاءه من غيره و سيجنبنا كثيراً من عقبات و صعوبات تحليل السلوك بالأساليب الحاليه.

فى هذه المرحله الثانيه من تطورنا الاجتماعى ، سنتحدث عن تلك الحلقات الانتقاليه التى تربط بين السلف الأول السابق الإشاره إليه فى المرحله الأولى و بين الإنسان المُعاصر ، بشىءٍ من الاختصار.

مع زيادة حجم الماده العصبيه و تعقيدها التركيبى ، يزداد تعديل السلوك و يتم إضافة المزيد من الغرائز الظاهريه بينما يزداد توارى الغرائز الحقيقيه شيئاً فشيئا. فالأمرُ يبدو كما لو كُنا ننسى أصولنا مع مرور الوقت. و فى هذه المرحله تأخذ قيم السلام الاجتماعى فى التعاظم بين أفراد القبيله الواحده بينما تقل بالتدريج خارج ذلك النطاق القبلى، و لكن و كما سبق التنويه فإن عدة أجناس من الإنسان قد عاشت سوياً فى نفس الوقت ، و لذلك نستطيع أن نقول أن غريزة العنف ستكون أكثر اتضاحاً تجاه الأجناس الأخرى بينما ستقل بالتدريج بين أفراد الجنس الواحد حتى تتضاءل جداً بين أفراد التجمع الواحد. و هى بالطبع ستكونُ أكثرُ اتضاحاً تجاه الأحياء الأخرى عن الجنس الأخر من نفس النوع البشرى و هكذا ، و هذا يُفسر لما نستطيع الآن أن نقتل حيوان للحصول على غذاء بدمٍ بارد و دون أدنى شعور بالذنب ، بينما نشعر بتأنيب نفسىّ اذا قتلنا إنسان من أجل الحصول على المال مثلاً. فالأمر منوطٌ فى النهايه بالتهذيب الذى يحدث لغريزة العُنف عن طريق الغرائز الظاهريه المُكتسبه عن طريق التطور.

أرغبُ فى الحديثِ هنا ، عن سبب وجود شىء من العنف و العدوانيه و التنافس و النديّه و الغيره بين أفراد القطيع نفسه على الرغم من أن ذلك يتناقض مع مبدأ التبادل المنفعىّ السابق التنويه له ، و لكن سأتحدث هنا بإيجازٍ و باختصار ثم سأتكلمُ بشىء من الاستفاضه عن هذه الأمور فى المرحله التاليه. إن سبب وجود هذه الظواهر ببساطه هو الجنس من خلال العملية المُسماه بالانتخاب الجنسى. فالقاعده هى أنّ الجنس هو المُحرك الأول لسلوك الإنسان ، و أن الإنسان ما هو إلا آله لتمرير الجينات عن طريق الجنس ، و بالتالى فإن العوائق التى تمنع ممارسة الجنس تؤدى إلى نشأة الغضب النفسى المُرتبط باستحداث آليات دفاعيه كالعنف الاجتماعى. أحد تلك العوائق هو الانتخاب الجنسى ، الذى يعنى ضرورة توفر صفات معينه فى الجنس الآخر حتى يختاره الجنس الأول لممارسة الجنس و من ثمَ تمرير الجنيات. فعلى سبيل المثال ، ارتفاع منزلة الفرد فى القطيع مرتبط بزيادة القبول من الجنس الآخر لأن ارتفاع المنزله مرتبطٌ بصفات جيده كالذكاء و الجمال إلى أخره مما يولد غيره من الأفراد الأقل منزلةً تجاه الأفراد الأعلى منزلةً و تلك الغيره قد تتحول إلى حقد اذا ما قوبلت الرغبه فى الجنس بالرفض دائماً و قد تنمو إلى عُنف موجه تجاه الأفراد الذين أحدثوا الغضب النفسى مما يؤدى إلى نشوء الجريمه فى نهاية المطاف ، و أعتقد اننا لو دققنا الآن فى اسباب الجريمه ، فلابدَ أن نجد ارتباطاً من نوعٍ ما بينها و بين الجنس. و على سبيل المثال أيضاً ، يتنافس الذكور من أجل الحصول على قبول النساء بطرقٍ شتى تتوقف على مرحله التطور ، ففى المرحله الثانيه ، نجد أن التنافس قد يكون عن طريق الحصول على المزيد من الطعام مثلاً مما يضمن الحصول على الجنس ، و لكن فى المرحله الثالثه التى سيتم الإشاره إليها سنجد أن التنافس يكون عن طريق تأليف مقطوعه موسيقيه أو روايه جيده او الارتقاء إلى منصب سيادى قوى من أجل جذب الجنس الآخر و على الرغم من احتمالية عدم وجود رغبه مُباشرة من صاحب المقطوعه مثلاً فى الحصول على الجنس إلا أن المُحرك الحقيقى أو الغريزه الحقيقيه موجوده و كائنه و لكنها متواريه حتى عن الفرد نفسه و هذه هى خُدعة التطور الكُبرى ، و لذلك فأنا أعتقد بشده أن التنافس بين الذكور و كذلك بين الإناث و الذى يُدمر قدراً كبيراً من طاقات المجتمع و قدرته على الانتاج يُعزى فى حقيقته إلى قمع الرغبه فى الجنس ، و لذلك فإن أسوأ أعداء المجتمع هو القمع الجنسى و هو الذى يفسر الغضب الاجتماعى و يُهدد أيضاً بانهيار المُجتمع ، لذلك لا بدَ من الحريه الجنسيه.

المرحله الثالثه : الحاضر

هذه المرحله هى بداية التاريخ الحالى ، و قد تنقسم بدورها إلى عدة مراحل فرعيه هى نفسها المراحل التاريخيه المُختلفه كالعصر البرونزى و العصر الزراعى و عصر الثوره الصناعيه الحديثه، و لكل من هذه العصور أثره على سلوك الإنسان و نضجه بشكل عام ، و لن أخوض فى الحديث بالتفصيل عن كل عصر لأن ذلك لا يتناسب كما ذكرت سابقاً مع موضوع مقال بل يصلح أن يكونَ جزءاً من كتاب موسوعى ضخم يتحدث عن تاريخ الحياه على الأرض. و لذلك قررتُ الاكتفاء فى هذه المرحله بالإشاره إلى مُميزاتها الأساسيه ثم الانتقال بعد ذلك إلى تفسير حقيقة بعض الظواهر الاجتماعيه بناءاً على ما سبق الحديث عنه حتى نَخلُص نهاية إلى تعريف للإنسانيه المُعاصره لإتمام تفسير التعريف العام للإنسانيه السابق ذكره فى التقديم العام ، حتى نستخدم كل ذلك كقاعده لتعقيب اقتصادى و سياسى.

يتسمُ الإنسانُ فى هذه المرحله بـزيادة التعقيد العصبى ، و بالتالى تعقد الحياة الاجتماعيه ، كما تتسمُ التجمعات البشريه فى هذه المرحله بكِبر عدد أفرادها و لكل ذلك أثره على سلوك الإنسان. كما تتسم الغرائز فى هذه المرحله ، بالتعاظم الشديد للغرائز الظاهريه التى اتسع نطـاقها جداً الآن ، و يُقابـَل ذلك بالتوارى الشديد للغرائز الحقيقيه ، و لكن على الرغم من ذلك تبقى هذه الغرائز الحقيقيه مُتحكمه بشكلٍ كُلىّ فى سلوك الإنسان الذى يشمل طريقة تفكيره و صفاته الشخصيه و ردود أفعاله. و من المثير للسخريه و الحسره فى الوقت ذاته ، أنّ كثيراً مما ننسبه إلى وجود الشياطين أو الكيانات الشريره هو فى حقيقته نابعٌ عن إنسانيتنا الخالصه المُتمثله فى الغرائز الحقيقيه ، فى حين أنّ كثيراً مما ننسبه إلى وجود كيانات خيّره هو فى حقيقته أيضاً نابعٌ عن ظاهر إنسانيتنا و ليس جوهرها. و لذلك فإنّى فى حالة حيره من تعريف الإنسانيه ، ولا أستطيع الإجابه بشكل حاسم على السؤال القائل ، هل الإنسانيه جيده أم سيئه وفقاً لمفاهيمنا الحاليّه ؟ فلو أجبت بأنّ الإنسانيه جيده ، فهذا يتناقض مع حقيقة غريزة الجنس و العنف التى على الرغم من تأصّيلها للإنسان الحالى فإننا الآن نحكم على هذه الغرائز بالسوء. و لو أجبت بأنّ الإنسانيه سيئه ، فهذا يتناقض مع كثير من الغرائز الظاهريه التى نتسمُ بها. فلا أدرى حقيقةً هل يجبُ علىّ أن أنكر الغرائز الظاهريه الوهميه و اكتفى بالحكم على الإنسانيه بناءاً على الغرائز الحقيقيه ؟ لو فعلت ذلك فإنّى أحكم ضمنياً أن هدفَ الحياه بشكل عام سىء و قميء كما أنى فى هذه الحاله لا أعكس الواقع كاملاً الذى يُشير إلى وجود الخير. و كذلك لا أدرى هل يجبُ علىّ أن أحكم على الإنسانيه وفقاً للغرائز الظاهريه و أغض الطرف عن الغرائز الحقيقيه لأن الغرائز الظاهريه هى التى تؤثر بشكل مباشر فى الواقع بينما تؤثر فيه الغرائز الحقيقيه بشكلٍ غير مباشر ؟ فلو فعلت ذلك فأنا أنكر جزءاً من الواقع أيضاً. و فى حقيقة الأمر ، قد أصبحتُ فى حيرة من أمرى فيما يتعلق بالحكم على الإنسانيه الذى يمتد إلى الحكم على هدف الحياه بشكلٍ عام ، و لا استطيعُ أنْ أصلَ إلى قولٍ فصل فى هذه المسأله. و لكنّ الأقرب إلى الصواب هو أن أحكم بأنّ الإنسانيه خليطٌ من الخير و الشر لأنها مزيجٌ من الغرائز الظاهريه و الحقيقيه فى آنٍ واحد ، و هذا يُفسر إحساسنا بوجود صراع دائم بين الخير و الشر الذى أدى نهاية إلى أن جردنا من أنفسنا كيانات خارجيه مُعبره عن جواهرهذه المُصطلحات و التى هى فى حقيقتها تعبيرٌ أصيل عن أنفسنا و اختلاجِ مكوناتــِنا. و لكن يبقى السؤال ، هل الخير وهم و الشرُ أصل لأن الغرائز الظاهريه وهميه فى حقيقتها فى حين أن الغرائز الحقيقيه هى سبب نشأة الحياه و استمرارها ، أم أن الخير أصل و الشر هو حالة غيابُ الخير لأن الغرائز الظاهريه هى التى نلمسها فى عالمنا المادى و إذا جردنا إنسانيتنا منها ستنكشف الغريزه الحقيقيه المُعبره عما نصفه الآن بالشر هذا يعنى أن فى حالة غياب الغرائز الظاهريه المُعبره عن الخير تطغى الغرائز الحقيقيه المُعبره عما نصفه بالشر. لا أدرى حقيقة كيف أستطيعُ أن أحكمَ على الإنسانيه أو هدف الحياه ، هناك الكثير من الأدله التى تدعم إجابتين متناقضتين على هذا السؤال و الغريبُ فى الأمر هو أنّ كلا الإجابتين مدعومتين بأساسٍ منطقىٍّ قوىّ ، فهل المنطق نفسه خاطىء لأنه متناقض مع ذاته ؟ و هل أسعى حقاً إلى جواب حقيقىّ عن هذه الأسئله أم أنى فقط أميلُ إلى أن أسد هذه الفجوه الفكريه فى شخصيتى ؟ لا أدرى ، و لكن ربما أتوصلُ إلى جوابٍ قريباً.

حقيقة بعض الظواهر الاجتماعيه فى الحياه الإنسانيه :

- الحب : كثيراً ما نعتقدُ أنّ الحبَ غريزه فى الإنسان ، و أن هناك ميل طبيعى عند الإنسان إلى المحبه فى حين أنّ الحيود عن ذلك يمثل تطرف. الأسوأ من ذلك هو أن نعتقد بحقيقة و غموض الحب الرومانسىّ. و لكن الحب الرومانسى تحديداً فى حقيقته وهم إجتماعى يهدف إلى غرض لا نراه حميداً الآن و هو الحصول على الجنس. أعتقدُ أنْ الحب الرومانسى فى حقيقته تعبيرٌ صريحٌ جداً عن الانتخاب الجنسى، فالشعور الحقيقى الذى ينتابك حين تُحب هو الرغبه فى ممارسة الجنس مع الطرف الآخر لامتلاك هذا الطرف المقومات المثاليه التى تُفضلها تركيبتك الجينيه ، لكن هذه الرغبه نابعه عن الغريزه الحقيقه و من ثم فهوى رغبه متواريه لا يستطيع الفرد نفسه أن يدركها لأن تلك الرغبه الجنسيه لا تعبر عن نفسها بنفسِها مباشرةً و لكنها تُعبر عن نفسها بشكل غير مباشر عن طريق عدد ضخم من الغرائز الظاهريه التى تتناقضُ فى جوهرها مع جوهر الغريزه الحقيقيه فالأولى جوهرها الخير و الثانيه فحواها الشر وفقاً لتصنيفنا الحالىّ. لذلك حين تُحب ، لا تتجه إلى شريكك و تطلب منه ممارسة الجنس بشكلٍ مباشر ، بل تتملق حتى تصل إلى ذلك الغرض و يكون ذلك التملق عن طريق أساليب الانتخاب الجنسى ، فعلى سبيل المثال يحرصُ الرجال على حُسن مظرهم و إثبات فرديتهم بالإشاره على تفوقهم فى أمرٍ ما عقلىٍ أو فنىٍ أو أدبىّ لا لشىء إلا للحصول بسهوله على الجنس الآخر و ضمان ممارسة الجنس. فمن المُثير للإعجاب و الدهشه معاً ، أنْ الرجال قد خاضوا الحروب و أبدعوا الموسيقى و تفننوا فى الشعر و اكتشفوا الحقائق العلميه و أنشأوا الحضاره لا لشىء إلا للحصول على رضا النساء ، و كذلك النساء أبدعن التأنق و الزينه و الرقه و الغيره و الرغبه فى إثبات الفرديه لا لشىء إلا للحصول على رضا الرجال ، و ذلك على الرغم من احتمالية عدم إدراك المرء نفسه لتلك الحقيقه لأنها كما قلنا متواريه ولا تعبر عن نفسها بنفسها و لكن عن طريق الغرائز الظاهريه. و بالتالى نقول أن المُحرك الأساسى لسلوك و أفعال و أفكار و ميول و اختيارات الإنسان يبقى هو الجنس. و لا وجود للحب الرومانسى كما نعتقده و بالتالى أجدُ فكرة الحب الأفلاطونى ساذجه إلى أبعد الحدود. أما الحب الغريزى ، فينقسمُ إلى حب الآباء إلى الأبناء و حب الأبناء إلى الآباء ، و هما مختلفان فى حقيقة الأمر. حب الآباء إلى الأبناء نقىّ خالى من الوهم ، لأن جينات الآباء تقودهم إلى تأمين بقاء الأبناء حتى سن التزواج كى تستطيع جينات الأبناء أن تنتقل إلى جيل جديد و هكذا مما يضمن بقاء الجينات الأساسيه خالدةً عبر الأجيال المُختلفه ، و هذا شىء طبيعى لأن أصل الحياه كان عباره عن جينات و ما الأجسام إلا وسائل أبدعتها الجينات لتأمين بقاءها و بالتالى فإن الجينات ترغب دائماً فى البقاء ، فعلى الرغم من فناء الجسد إلا أنّ الجين خالد ما دامت ظروف الأرض ملائمه للحياه. أما حب الأبناء إلى الآباء فهو حب المنفعه ، فتعلق الأبناء بالآباء يكون فى ذورته وقت الصغر و الطفوله المُبكره و هى المرحله التى يعجز فيها الجسد الجديد تماماً عن تأمين بقاءه و بالتالى يحرص على الارتباط بشكلٍ وثيق مع الجين الأم الذى يستطيع الحفاظ عليه ، و مع ازدياد قدرة الجين الابن على البقاء عن طريق زيادة نمو الجسم و المكانه الاجتماعيه نجد أن التعلق بالآباء يأخذ فى التقلص و نجد أن حب الآباء أيضاً يأخذ فى التقلص و هذا يفُسر تعاظم الخلافات بين الآباء و الأبناء بداية من بداية مرحلة البلوغ.

- الأخلاق : كثيراً ما نعتقدُ وجودَ مرجعيه ثابته أو تقسيم ثابت للأمور إلى صواب و خطأ أو فضيله و رذيله. و لكن هذا الأمر غير حقيقى ، فكما قلنا فإنّ الأخلاقَ لا تعبرُ إلا عن الدارات العصبيه التى انتخبت الطبيعه بقاءها و التى تؤدى بدورها إلى سلوكٍ ما أكثر قدرةً على تحقيق التكيف و ضمان البقاء. لذلك أجدُ أن معيار اختيار الأخلاق هو البيئه ، و مع تغير البيئه تختلفُ الأخلاق ، ولا وجود للصواب و الخطأ أو الفضيله و الرذيله ، و ما هذه الأمور إلا محاولات فاشله لتفسير السلوك. أما نطاق الأخلاق ، فهو يتعاظم مع الأفراد الذين نحصل منهم على منفعه مُباشره ، فيكونُ فى ذروته فى الأسره ثم يقل بالتدريج بالاتجاه من الحى إلى العالم كله و يتم استبدال الأخلاق فى هذه الحاله بتغليب غريزة العنف و هذا يُفسر وجود الحروب ، فمن الطبيعى أن يشعر المرء بالذنب حين يقتلُ إنساناً و لكن على الرغم من أن الحروب يقتل فيها البشر بعضهم البعض إلا أن القتله لا يشعرون بأى شفقه أو تأنيب ضمير بعد عملية القتل و يُعزى ذلك إلى غياب الرابطه الاجتماعيه و بالتالى غياب تمثيل الغريزه الظاهريه و بالتالى أن تأخذ غريزه العنف اليد العُليا و يغيب تماماً ما نُشير إليه بالفضيله و هى القيم الاجتماعيه التى حبذت الطبيعه بقاء الأفراد المستعدين جينياً للقيام بسلوكيات تُحقق وجود هذه القيم.

- الإحساس بجمال الطبيعه : يرجعُ ذلك الإحساس إلى أنّ الإنسان نشأ عبر عمليه تراكميه بطيئه هدفها تحقيق التوافق مع الطبيعه عن طريق استحداث تراكيب عضويه تتغلب على مشكله بيئيه ما و يتم ذلك عن طريق الطفرات العشوائيه التى تُنتخب وفقاً لنظام لا عشوائى ، و ليس إلى أن الطبيعه نشأت كى تكون جميله فى عين الإنسان. فالتطورُ يُشير بالضرورة إلى درجه تكيف الكائن الحىّ مع البيئه و بالتالى توافقه مع الطبيعه. فنحن ، فى غالب الظن ، جزءٌ حيوىّ من هذه الطبيعى نستمدُ وجودنا من وجودها ، ولا نستطيع البقاء إذا غابت الطبيعه أو اذا انتقلنا إلى طبيعه مختلفه. و لذلك فإن الطبيعه الأرضيه ليست مُطلقة الجمال و الإبداع ، بل هى نسبية الجمال و الإبداع وفقاً للإنسان و غيره من ساكنى هذه الطبيعه فقط ، لأن الطريقه التى نشأت بها داراتُنا العصبيه كان الغرض منها تحليل مُعطيات هذه الطبيعه ليس إلا و بالتالى هناك توافق غريزىّ بيننا و بين الطبيعه الأرضيه. و لكن لو نظرنا إلى هذه الطبيعه بأعين كائنات فضائيه ، ربما نجدها فى غاية السوء و القُبح و الفوضى و عدم الاتزان و هذا يعنى ان احساسنا بالنظام الكونى ناتج عن ، أن لولا هذا النظام لما وُجدنا أبداً أو بكلماتٍ أخرى لأننا أبناء هذا النظام و نشأنا بناءاً على عمليه تهدف إلى تحقيق التوافق معه ، و لكن نحن لا نتملك كوناً آخر كى نستطيع المقارنه و نحكم بأنّ كوننا و طبيعتنا مليئه بالنظام و الاتزان و خاليه من الفوضى.و لذلك هناك ملاحظتان ، الأولى هى أن الإحساس بجمال الطبيعه يزداد مع زيادة التطور ، أىّ أن أسلافُنا الأوئل لم يروا الطبيعه جميله كما نراها نحن الآن و ذلك يرجع إلى أننا أكثر توافقاً مع الطبيعه لأننا أكثر تطوراً ، اما الثانيه فهى بديهية استخدام الطبيعه فى العلاج النفسى للأسباب المذكوره فوقاً.

- التنافس و النديه و العنف الاجتماعى : قد سبق الإشاره إليه و ربما أتحدث فى ذلك الموضوع بشىءٍ من التفصيل فى أعمال قادمه.

بناءاً على ما سبق نستطيع تعريف الإنسانيه كالآتى :

" حتى نُطلق على الكائن الحىّ صفة الإنسان لابدَ أن يتسم بثلاثة صفات :

1- أن يمتلك الشكل التشريحى العام للإنسان.
2- أن يمتلك الغرائز الحقيقيه و هى الجنس و العنف و هما قاعدة الحياه.
3- أن يمتلك قدراً من الغرائز الظاهريه المتوافقه مع مرحله التطور الاجتماعى الحالى ، و نُشدد هنا على كلمة ( الحالى ) فلو امتلك كائن حى يتحققُ فيه الشرطان الأول و الثانى قدراً من الغرائز الظاهريه متوافقاً مع مرحله تطوريه سابقه ، لا يُمكن أن نُطلق عليه إنساناً وفقاً لمعايير الحاضر ، لذلك فإنّ وجود ذلك الكائن لا ينبغى أن يكونَ فى الحاضر بل فى الماضى و لذلك فإنّ أنسب وصف لهؤلاء هو ( أشباه الإنسان ) ، و لا يمكن أن يتم التعامل معهم كبشر طبيعيون. " ( 4 )

أعتقدُ الآن أنّى قدْ فسرتُ كلَ جُزءٍ من التعريفِ العام للإنسانيّه السابقِ ذكره فى التقديم, فالإنسانيهُ نباتٌ لأنها تنمو و يتغيرُ شكلُها عبر الزمن ، لها جذرٌ هو جذرُ الحياه ذاتها و هو عباره عن الغرائزَ الحقيقيه و هى الجنسُ و العنفُ و لذلك فهو متجانسُ التركيبِ لأنه يخلو من التعقيد السلوكى. و هذا الجذرُ خفىٌّ عن عيون الناظرين لأن الغرائزَ الحقيقه الآن لا تُعبر عن نفسها مُباشرة بل عن طريق الغرائز الظاهريه الحسنة المظهر. و نمو الإنسانيهُ يُنتِجُ ثماراً مُتباينة الأشكال هى الغرائزُ الظاهريه التطوريه المُختلفه ، و هى حسنة المظهر لأنها تُحقق أكبر قدر من التوافق مع عوامل البقاء و لكن على الرغمِ من ذلك فإنّ أساسَها ليس بالنقاءِ و النُبل الذى نعتقدُه.

تفصيل 5 : تعقيب سياسى

- الإخوان المسلمون ، يُغلـّبون مصلحة الجماعه أياً كانت جنسيّة أفرادها على مصلحة الوطن ، لا يحملون أىّ قدر من الانتماء لشعبٍ بعينه بل إنّ كلَ ما يشغلهم هو الوصولُ إلى السلطه أياً كانت الوسيله لفرض نظام فكرىّ قسراً يتضمنُ قمع الحريات مما يؤدى نهاية إلى تفاقم الغضب و انهيار المُجتمع. و لذلك فإنهم على الرغم من امتلاكهم الشكل التشريحى العام للإنسان و كذلك امتلاكهم الغرائز الحقيقيه للإنسان ، إلا أن غرائزهم الظاهريه لا تنمتى إلى هذا العصر، فالإنسانية تسير نحو الحريه إلا أنّ هؤلاء يسيرون نحو القمع و الإرهاب ، و الإنسانيه تسيرُ نحو التلاقى و التواصل و نبذ العنف و الحروب إلا أن هؤلاء يسيرون نحو الاعتزال و المُعاداه ، و كذلك فهم يتبعون منهجاً فكرياً يقود نهايةً إلى معاداة الفطره التى زرعتها فينا الطبيعه. و لذلك فأنا أرى أنه لا يمكن اعتبار أفراد تلك الجماعه أو من سار على سيرتها أو من حمل قدراً و لو ضئيلاً من التعاطف العمدى تجاه تلك الجماعه أو أقرانها مُنتمياً إلى النوع الإنسانىّ. و لذلك فإن الحل الطبيعى هو عزل هذه الجماعه عن الحياة الاجتماعيه و طردهم خارج حدود هذا الوطن ، و لكن حيثُ أن أشباه الإنسان هؤلاء يتمنعون عن ذلك و يهددون بقاء الإنسان فى هذا المجتمع ، فإنّه يتوجب على هذا المجتمع أن ( يقتل) المنتمين إلى تلك الجماعه بشكلٍ خالٍ من أىّ شفقه أو رحمه ، و لا يجبُ أن نمنَ عليهم بقطعٍ من الأرض يُدفنون فيها ، بل يجب أن يُحرقوا حتى يتفحموا لأنهم لا يستحقون الاستحواذ على شبرٍ من أراضِ هذا الوطن الذى لا ينتمون له سواءَ كانوا موتى أو أحياء. و أستندُ فى رأيى هذا إلى القاعده رقم (1 ) المذكوره فى التقديم و القاعده رقم ( 4 ) المذكوره فى التفصيل الرابع.

ختام

قد وضحت فى هذا المقال فصلاً من فلسفتى الشخصيه فى عدة أمور كثيراً ما شغلتنى. و بالطبع ، على الرغم من الطول المُمل للمقال ، إلا أنى اقتصدت فيه كثيراً ، لأننى أتحدثُ فى موضوعٍ يصلحُ كنواه لكتابٍ ضخم و ليس مقال بسيط. و لذلك اكتفيت فقط بوضع خطوط عريضه حول عده مفاهيم و اكتفيت بالإشاره باختصار إلى كلٍ منها على أن أتولى فى مقالاتٍ قاده تفسير بعض هذه الخطوط العريضه فى شىءٍ من الاستفاضه و التفصيل. و قد تعمدتُ أن اُبعِدَ الملل الأكاديمى عن هذا المقال ، لأن تلك المصطلحات الأكاديميه ليست فى نفس أهمية الفكره العامه للأمور التى يستطيعُ المرءُ إن استوعبها أنْ يُشكل فكراً مُميزاً خاصاً به و مُعبراً عن نفسه. و من الواضح فى هذا المقال ، أن علم التطور ، لا يُفسر فقط من أين جئنا ، بل يمتد تأثيره إلى مجالاتٍ أخرى كعلم النفس و علم الاجتماع و علم الجريمه و السياسه و الاقتصاد ، و لذلك لا أجدُ ختاماً أفضل من نبوءة دارون فى كتابه " اصل الأنواع " عن مصير علم التطور و استخدامه كأساس للتحليل النفسى للسلوك ، يقولُ دارون :

" أرى فى المستقبل البعيد مجالات مفتوحه لأبحاث أكثر أهميه. و سيقومُ علم النفس على أساس جديد يتمثل فى ضرورة اكتساب كل قوة عقليه و كل كفاءه بالتدريج "

تشارلز دارون - 1859





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,319,795,923





- استقالة رئيس وزراء مالي وحكومته بسبب تصاعد العنف في البلاد
- جزائريون ينخرطون في مبادرة -السترات البرتقالية- لحماية الاحت ...
- اهتمام مصري بتطور الأوضاع في السودان
- الشرطة الفرنسية تكشف سبب حريق نوتردام
- داعش يعلن قتل وإصابة 69 جنديا في هجمات بنيجيريا
- أمريكا وروسيا لا تؤيدان دعوة لهدنة في ليبيا
- داعش يعلن قتل وإصابة 69 جنديا في هجمات بنيجيريا
- أمريكا وروسيا لا تؤيدان دعوة لهدنة في ليبيا
- جمهورية دونيتسك مستعدة لمد سوريا بالفحم
- بالصورة... عماد مغنية على أنقاض السفارة الأمريكية في بيروت


المزيد.....

- في مفهوم التواصل .. او اشكال التفاعل بين مكونات المادة والطب ... / حميد باجو
- فلسفة مبسطة: تعريفات فلسفية / نبيل عودة
- القدرةُ على استنباط الحكم الشرعي لدى أصحاب الشهادات الجامعية ... / وعد عباس
- العدمية بإعتبارها تحررًا - جياني فاتيمو / وليام العوطة
- ابن رشد والسياسة: قراءة في كتاب الضروري في السياسة لصاحبه اب ... / وليد مسكور
- الفلسفة هي الحل / سامح عسكر
- مجلة الحرية العدد 4 2019 / كتاب العدد
- تأثير الفلسفة العربية والإسلامية في الفكر اليهودي – موسوعة س ... / شهد بن رشيد
- الإله الوهم والوجود والأزلية / سامى لبيب
- الطريق إلى الكائن الثالث / معتز نادر


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - محمود حلمى - نظره عقليه فى إعادة تعريف مُصطلح الإنسانيه ( علم النفس التطورى من منظور فلسفى )