أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - خليل محمد إبراهيم - بين التجديد والتطوير فك اشتباك






المزيد.....

بين التجديد والتطوير فك اشتباك


خليل محمد إبراهيم
(Khleel Muhammed Ibraheem)


الحوار المتمدن-العدد: 4157 - 2013 / 7 / 18 - 16:20
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


بين التجديد والتطوير
فك اشتباك
دكتور خليل محمد إبراهيم
أديب، باحث ومفكر

لعل المفكرين الجادين في العربية، لا يُعانون من شيء؛ أكثر من معاناتهم من ضبط المصطلح، فكثيرا ما تتداخل المصطلحات التي تحتاج إلى تحديد، وقليلا ما تجد مَن يفكُّ الاشتباك في ما بينها، فهي متقاربة أحيانا؛ مما يجعلها متداخلة في أذهان الكتاب والمتلقين، وهذه مسألة واضحة؛ ناقشْت جانبا منها وأنا أتحدث في أطروحتي المعنونة:- (ملامح قصصية في الرسائل الأدبية النثرية الأندلسية بين القرنين الخامس والثامن الهجريين.)
وقد اضطررْتُ لفك اشتباكات بين مجموعة من المصطلحات، ومارسْت مثل هذا الأمر هنا أو هناك وآخر ما فككْتُ الاشتباك فيه موضوع:- (نفثات دم من قلب مقروح)/ الذي ارتجلْته في جلسة اتحاد الأدباء الاستذكارية، لثورة تموز في ذكراها الخامسة والخمسين، حيث ناقشْت الفرق بين الثورة والانقلاب- وأنا/ في هذا المقام- أتحمل مسؤولية كبيرة؛ هي مسؤولية تحديد الاشتباك، بين التجديد والتطوير، بغية فكِّه، وهي مشكلة لأن المفكرين/ في كثير من الأحيان- نظروا إليهما بمعنى واحد أو بمعنيين متقاربين، وهما متداخلان، ففي أحيان كثيرة؛ يتداخل التطوّر والتجديد؛ إلى درجة؛ يصعب التفريق في ما بينهما، خصوصا في الجوانب الحيوية والاجتماعية، فلا شيء يستطيع التجدد، بلا تطورات تتنوّع، حتى تبلغ ما يمكن تسميته ب(القفزة الوراثية)/ التي يمكن عدّها شكلا من أشكال التجديد- ولكي نبدأ فك الاشتباك بين التجديد والتطور، لا بأس من النظر إليهما لغويا، فعلامَ تدلّ كلمة (جدد)؟
المؤكد أن لها معاني عديدة، قد نعرض لبعضها، لكن المعنى الأول المتبادر إلى الذهن هو:- (الجِدّةُ) عكس القِدَم، فالقديم بالٍ، وهو محتاج إلى ترك الطريق للجديد، فحين تكون لديك بدلة قديمة قد تهرّأتْ فأنت محتاج إلى تبديلها، ببدلة جديدة، قد تكون بحجمها، ولونها، وترتيبها، لكنها ليست هي، ومع ذلك، فهل يُعقل أن تستبدل بدلة بأخرى، وتكونان بالمواصفات نفسها؟!
ألا تحبُّ تغيير قماشها ولونها، وترتيبها، ونوعية أزرارها، وفتحاتها، وما إلى ذلك؟!
فأنت/ إذن، وأنت تستبدل بدلتك القديمة، ببدلة جديدة- تفكّر في تغييرات كبيرة، لذا، فأنت مجدد، وإلا، كفاك تركيب زر مقطوع، أو رتق فتق مفتوق، أو تعريض ضيق، أو تضييق عريض، فإذا حققت لك هذه الإصلاحات/ أو بعضها- المطلوب، فما لك تستبدلها؟!
فأنت/ برضاك بالإصلاح- مطوِّر، فهذا هو التطوير، وذاك هو الجديد؛ شيء مختلف عن القديم، لكنه مفيد للمستفيد، بطريقة قد تكون أفضل أو أسوأ، فقد كان شيوخك يكتبون بالقلم الخشبيِّ مئات السنين، فكانوا يبْرونه/ بالموسى أو بالسكين الجارحة- ويضعون نبلته في محبرة قابلة للسقوط والكسر والتلويث، فلما اكتشفوا القلم الحبر؛ صار وضعهم أفضل، فقلما عاد قلم الحبر يُلوّث الأيدي والملابس، ولم يعُد محتاجا إلى جارح/ من موسى أو سكين- لكن المحبرة، بقيت مشكلة، وهذا القلم؛ لا يستطيع أن يكتب أكثر من نسخة واحدة من الورق، فلما توصلوا إلى ما سمّوه:- (قلم الكوبية)/ الذي إذا ما استعملته للكتابة، فوضعْتَ بين كل ورقتين؛ نسخة من الكاربون/ بطريقة خاصة- أخرج لك عددا من النسخ التي كلما كانتْ في البداية؛ كانتْ أفضل، لكن التي تكون نسخة أولى؛ تكون مشوّهة غالبا، لِشدةِ الضغط عليها، وظهر (القلم الجاف)/ الذي لا يحتاج إلى محبرة لأن حبره فيه وهو لا يلوّث اليد والجيب، ولا يخاف من سقوط محبرته، لعدم وجودها- وما إلى ذلك، فماذا يمكننا أن نسمّيَ ما طرأ على أنواع الأقلام؟!
إذا نظرْنا إليها شكلا، وطريقة استعمال، وجدْنا أنها متقاربة، لكن؛ في كل قلم من هذه الأقلام؛ ميزة ليست في صاحبه، قد تكون أفضل لشخص ما ، وقد لا تكون، لكنها مختلفة النفع، لاختلاف المستفيدين، فماذا يمكننا أن نسمي ما طرأ على هذه الأقلام؟!
ألا نستطيع تسميته ب(التطوّر)، لأن الشكل وطريقة الاستعمال باقيان؟!
لننتقل إلى الآلة الكاتبة؛ أليست آلة كاتبة؟!
الجواب:- (نعم)
لكن هل فيها قلم بالمعنى المتعارف عليه؟!
الجواب:- (كلا)
فكيف تكتب إذن؟!
إنها تكتب بطريقة أخرى، لا علاقة لها، بطريقة الكتابة بالقلم، فلكي تكتب بالقلم، فلا يكفي أن يكون في يدك قلم/ من أي شكل كان- لكن ينبغي لك أمران آخران أولهما:- أن تُجيد رسم الحروف، بمستوى مُعين.
ثانيهما:- أن تجيد ترتيب الحروف، لتجميع الكلمات أو الأرقام، لترتيب المسائل الرياضية مثلا، فهل تحتاج هذين الأمرين في الآلة الكاتبة؟!
أنت/ مع الآلة الكاتبة- لا تحتاج إجادة رسم الحروف للطباعة، فالحروف مرسومة فيها، لكنك تحتاج شيئا آخر هو القدرة على ترتيب الحروف، إذن، فهناك مشترك بين الآلة الكاتبة والقلم هو ترتيب الحروف، أما رسمها، فلا تحتاجه الآلة الكاتبة، لكن هل تعفيك الآلة الكاتبة عن ضرورة معرفة أماكن الأزرار التي ينبغي لك الضرب عليها، لاستخراج كلمات معينة؟!
إذن، فأنت محتاج إلى تعلم شيء جديد، لا يعرفه الكاتب بالقلم، لكي تجيد الطباعة، ألا وهو أماكن الحروف، ومن ثمة، فأنت محتاج إلى معرفة كيفية استعمال الشريط الذي يقع عليه الضرب، ليخرج الحروف، من حيث الألوان والأساليب والتبديل، فإذا لم تعرف هذه الأشياء، فلعلك تضيع مع الآلة الكاتبة؛ هنا سؤال:- هل يمكن القول أن الآلة الكاتبة؛ عبارة عن قلم مطوّر؟!
هنا نفهم الفرق بين التطوير والتجديد، فتنوّع الأقلام؛ كان تطويرا؛ ناتجا عن شعور بنقص في هذا القلم؛ يكمله القلم الآخر، بيد أن طريقة الكتابة؛ تبقى واحدة، لكن الآلة الكاتبة، ليست قلما بشكل من الأشكال، إنما هي بديل لجميع الأقلام، وهي تستعمل للكتابة الأدقّ، والأفضل، وهي متشابهة الحروف، أيا ما كان الكاتب، لذلك، لا يكون الخطأ في رسم الحرف، وإنما يكون في طباعة الحرف نفسه، فكل الكتاب؛ يطبعون (الباء)/ مثلا- بطريقة واحدة، حتى إذا أخطأ الطابعي، فقد يضرب حرف (الياء) بدل (الباء) لذلك، فهي تجديد،، فبدونها، كم هم الكتاب/ بالقلم- الذين ورطوا الناس، لأنهم كتبوا أسماءهم خطأا/ من حيث الرسم- فكتب مثلا:- (خشيف) بدل (خشف)؟!
وكم اشتغلت المحاكم والدوائر، بأخطاء من هذا النوع أوقعها كتاب بالقلم، ثم لم تجد مَن يُصححها؟!
وكم اشتغل العلماء، بمشكلتي (التصحيف) و(التحريف) في المخطوطات القديمة؟!
وكم ضاعتْ أفكار قيمة فيها لهذين السببين؟!
وانظر إلى كتب (المؤتلف والمختلف)، أو كتب (التصحيف والتحريف)/ في التراث العربي- تجد عجبا، لا يقع في الطباعة، لكن يقع بأشكال أخرى؛ ناتجة عن سوء كتابة المؤلف أو ضعف قدرة الطبّاع، أما لو كان المؤلف دقيقا، والطبّاع متمكنا، فيوشك الخطأ ألا يقع.
هنا نتساءل:- هل يُعد الكومبيوتر؛ تطويرا للآلة الكاتبة؟ أم يُعد تجديدا لها؟
المؤكد أن طريقة الكتابة/ بالحاسوب- عبارة عن تطوير، لما كان عليه الحال؛ في الآلة الكاتبة، لكن الأشياء الأخرى مثل تصحيح المطبوع وخزنه، ونوعية الخزن وكميته، والجهة التي يمكنه الانتقال منها، أو إليها، والقدرة على استعادة هذا المخزون، ووضعه على أقراص مرنة أو مدمجة، أو حفظ الأفلام وما إلى ذلك مما لم تكُن الآلة الكاتبة قادرة عليه؛ مما يُعد تجديدا، لكن الحواسيب الأولى؛ هي غير الحواسيب الحالية، شكلا وأداءً، ومع ذلك، فهي تطويرات للحواسيب الأولى، لأن الأصل فيها واحد.
هنا قد يقول قائل:- (ما هذه الجولة الطويلة/ التي قد تكون مملة- بين أدوات الكتابة)؟!
والجواب عن هذا السؤال المهم هو أنني وجدْتُ أن هذه المسألة؛ توشك أن تكون معروفة للجميع، لذلك؛ يسهل توضيح الفرق بين التجديد والتطوير؛ فيها/ ومن خلالها- وبالتالي؛ يمكن فكُّ الاشتباك، أو التنبه للتداخل المحتمل، والمتوقع بينهما، فكيف يمكن التطوير في الفكر؟!
حينما نستعمل الفكر نفسه، ضمن قواعده المنهجية؛ مجتهدين لحل مشكلة ما، فنحن مطوّرون، أما إذا غيّرْنا الفكر أو قواعده المنهجية، أو الفكر وقواعده المنهجية معن، فنحن مجددون، لذلك، لم ينزعج خصوم (طه حسين)، لأنه ناقش الأدب الجاهلي شاكا فيه، فكثيرون هم الذين ناقشوه وشكوا فيه من المسلمين، لكن اعتراضهم الحقيقي/ الذي لم يكشفوا عنه، ربما لأنهم لم يكتشفوه- إنما كان منهجه (الديكارتي)، وما توصّل/ من خلاله- إليه من نتائج مبهرة؛ مثل هذا يُقال عن الخلاف بين المتزمتين الدينيين، والاشتراكيين، فالمتزمتون دينيا؛ يقرّون بوجود الفقر، وضرورة التخلص منه، وإلا ما تحدثوا عن المخلّص الذي يأتي في آخر الزمان، فما اختلافهم مع الاشتراكيين؟!
إنه اختلاف في المنهج والفكر، فالاشتراكيون الحقيقيون؛ ينظرون إلى المسائل؛ نظرة علمية، ويقرّون بنقصهم، وضرورة التطوير الفكري والمنهجي الدائم في فكرهم، في حين يرى المتزمتون دينيا أنهم كاملون؛ على الرغم من أن دينهم يرفض ما يرون في أنفسهم من الكمال، فربهم هو الكامل/ في فكرهم- لكنهم يتصوّرون أنفسهم الكاملين، وهكذا، فقد تكون القضية واحدة/ ولتكن قضية الفقر وكيفية التعامل معها- لكن الاختلاف؛ إنما هو في المنهج، والفكر نفسه، فهم منتظرون للمخلِّص أيا كان شكل الانتظار، أو المخلِّص، أو الانتظار والمخلِّص معا، إلى أنهم يتمسكون بمنطق (أرسطو) الصوري؛ مع ما جرى عليه من تطويرات.
أما الاشتراكيون، فهم عاملون من أجل تحقيق قضيتهم؛ استنادا إلى المادية الديالكتيكية.
وهكذا يبدو الفرق واضحا بين (التطوير) و(التجديد)؛ هنا نحتاج إلى قضية فكرية نطرحها للنقاش كي نرى/ من خلالها- الفرق بين (التطور) و(التجديد)، ولنأخذ على ذلك فكرة إسلامية بسيطة واضحة، فمن المعروف أن النساء والرجال؛ مختلطون في الأسواق/ بل وفي المساجد- صحيح أن الإسلام؛ يحثُّ المرأة على عدم الاختلاط، لكنه لا يمنعها منه، وأفضل مثال على ذلك ما يجري في الحج، فالنساء والرجال؛ مختلطون/ أثناء الطواف- في (الكعبة) المشرفة، والصلاة في مقام سيدنا (إبراهيم) (ع) والسعي بين (الصفا) و(المروة) والوجود في (عرفة)، و(مزدلفة)، و(منى)، وما إلى ذلك من مواقع الحج، كما كُنَّ مختلطات بالرجال؛ في المسجد النبوي الشريف، وواضح/ هنا- أن هذا من تيسير الإسلام، وعفو ربه ونبيه، فإذا نظرْنا لما يجري الآن؛ تساءلْنا:- مَن الأكثر فقها؟!
أهم أفقه أم الله تعالى ورسوله (صلعم)؟!
الله تعالى ورسوله (صلعم) أباحا الاختلاط؛ في هذه الأماكن، فما لهم يُغيْرون على هذا الحال، فيُغيّرونه في المسجد النبوي الشريف، بحيث تكون أوقات للرجال، وأخرى للنساء؟!
من أين جاؤوا بهذا؟!
وهل كان كل فقهاء المسلمين/ من عهد رسول الله (صلعم) إلى أن غيّروا سنّة نبيهم (ع)- كفارا؟! أم كانوا غير مدركين لمقاصد الشريعة، ولم يفهمها قبلهم أحد، حتى جاؤوا، فغيّروا وبدلوا؟!
مثل هذا يُقال في أضرحة الأئمة الكرام/ الذين قسموا كل ضريح من أضرحتهم قسمين، وجعلوا للرجال قسما وللنساء قسما- فخالفوا ما كان عليه أولوهم، وخالفوا المقصود من ذلك، فكأنهم كانوا يُعلّمون زوار الأضرحة؛ كيفية الطواف حول (الكعبة) الشريفة، وقد فاتهم هذا، الآن؛ هل يُعدُّ هذا تطويرا للإسلام؟! أم هو تجديد فيه؟!
ولا تناقشني في ما إذا كان هذا تقدميا أو رجعيا، فلنحصر جهدنا في هذه القضية/ قضية (التطوير) و(التجديد)- المؤكد أنه تطوير/ رضينا بذلك أم رفضناه- لأنه ناتج اجتهاد ضمن الفكر الإسلامي؛ معتمد على منطقه (الأرسطو طاليسي)، ولا يمكن/ لهذا- أن يكون تجديدا.
وهناك قضية طالما تكلموا فيها هي قضية تعطيل بعض الأحكام، وأنكروا التعطيل، وحرموه، فلننظر أهم على صواب أم هم مخطئون؟
قبل كل شيء؛ هناك أحكام إسلامية؛ ثابتة/ بالقرآن الكريم- عطّلها (عمر بن الخطاب) (رض) وأنا لا أريد عرض كل ما عطله، لكن أذكر بأشياء منها:- أن (عمر) عطّل حكم إعطاء سهم المؤلفة قلوبهم/ المنصوص عليه في قوله تعالى:- (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) ، لأنه رأى أن الإسلام قد قوي، وهو في غير حاجة إلى استرضائهم، ففيمَ يبقي لهم هذا السهم؟!
ولا أعلم أحدا أنكر عليه، ثم أنه اختلف مع (عبد الرحمن بن عوف) (رض) يوم طالبه بتوزيع أرض (العراق) على المقاتلة، بعد أخذ الخمس منها، لكنه رفض، واستمرَّ النقاش بينه وبين (ابن عوف) حتى صلاة الفجر؛ حين أرسل إلى (علي) (ع)، ليحكم بينهما، فأفتى بألا توزع الأرض على المقاتلة، بل تبقى في أيدي أهلها، وتؤخذ العشور منهم، فلما سئل عن السبب، أخبرهم أنها لو أخذت من أهلها، وتسلمها المقاتلون، لخربت الأرض، لأن العرب لا تجيد الزراعة، ثم ستتقاتل على النهرين، وكانت تتقاتل على بئر ماء، ثم من أين لكم تلبية حاجات الجيوش إلى المال؟!
وأسقط في يد (عبد الرحمن)، وكان ذلك تعطيلا لقوله تعالى:- (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ، ثم أنه أراد تعطيل مهر المرأة الكبير، فأنكرت عليه امرأة؛ استنادا إلى قوله تعالى:- (وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً* وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً) ، وهناك أحكام أخرى كثيرة؛ عطّلها (عمر) (رض) منها ما وافقه عليه الصحابة، ومنها ما خالفوه حوله، وليس هنا مجال بحث هذا الأمر، إذن، فتعطيل الأحكام، لمقصد من المقاصد الشرعية؛ ممكن، وقد سبق القرآن إلى ذلك، وفي علم الناسخ والمنسوخ؛ ما يكفي للدلالة على التعطيل.
ولنترك العهد القديم ونتساءل:- هل يوجد تعطيل لحكم أو أكثر من الأحكام الشرعية/ في الوقت الحاضر- متفق على تعطيله أم لا؟
والجواب عن هذا؛ أن هناك أحكاما شرعية كثيرة؛ معطلة، حتى في الدول التي تدعي أنه يحكمها الإسلام، وأهم تلك الأحكام المعطلة؛ أحكام الرق، فأين الرق، حتى لا تتعطل أحكامه؟!
إذن، فمسألة حرمة تعطيل الأحكام؛ مسألة متروكة، لأن هناك مَن مارسها في القديم، وهناك مَن مارسها في الحديث، فبقي التزمت وعدم الدقة، ثم مَن قال إن إيقاف (الحدود)؛ تعطيل لشرع الله؟!
يقال أن مشكلة (قطع اليد)؛ لم تعرض فعلا إلا في زمن (المعتصم)، حيث ظهر لصٌّ ينطبق عليه الحد، فقرروا قطع يده، واختلفوا في ذلك، وقد حلَّ لهم الإمام (محمد الجواد) هذه المعضلة، وبغض النظر عمّن حلَّ المسألة وكيف، ترى ألم يسرق سارق قبل هذا الذي قرر القاضي قطع يده؟!
حينما نستفتي أحداث التاريخ والذاكرة الشعبية، سنجد لصوصا، وقطاع طرق، فلماذا لم يُقِم أحد على هؤلاء اللصوص الحد؟!
الجواب:- أن الحد لا يُقام إلا إذا توفّرت موجبات؛ يمكن تسميتها/ بلغة القانون الحديث- القيام بالجريمة، دون سبب مسوغ؛ مع سبق الإصرار والترصد، وهو ما منع (عمر) (رض) من إقامة الحد على اللصوص؛ في عام (الرمادة)، فما تمكنت الأمة؛ من إشباع أبنائها، فاحتمل بعضهم، ولم يحتمل البعض الآخر، فسرق، فأنت تعاقبه، لكنك لا تصل معه إلى الحد الأقصى، وهو ما لم يعترض أحد من الصحابة/ على حد علمي- عليه، فالنقاشات الجارية، والتي ستجري/ في هذا المقام- والتي جرتْ من قبل؛ يغلب أنها قائمة على عدم معرفة، وسوء خبرة، أو إخفاء للعلم، فلو تعلم الإنسان، ثم أظهر علمه طلبا للحق، لتغيّر حاله؛ هنا أتساءل:- تعطيل الحد/ لهذا السبب الشرعي أو الاجتماعي أو ذاك- أهو تطوير للدين الإسلامي أم تجديد له؟!
المؤكد أنه تطوير، لأن التجديد يعني إلغاء أساسيات الإسلام، كأن ينكر وجود الله تعالى أو ينكر الحشر أو ينكر ضرورة من ضرورات الدين، أما ما سوى ذلك، فهو تطوير، ولننظر مثالا على هذه القضية، ففي القرن التاسع عشر؛ ظهرت الفكرة البابية، فراحوا يتحدّثون عن مذهب جديد في الإسلام، أو فرقة جديدة من فرق الشيعة/ هذا مبدأ الأمر- فقد يتفقون في هذه الأمور أو يختلفون، لكنهم متفقون على الأسس، فلما ذهبوا إلى أنه ظهر نبي منهم/ رضينا ذلك أم رفضناه- خرجوا على الإسلام، لأنهم بدؤوا ما يمكن أن يسمى تجديدا، فقد راحوا يُغيرون المبادئ والأحكام، فصار دين جديد، لا فرقة في مذهب، ولا مذهب في دين، وهكذا نفهم الفرق قريبا من الوضوح، بين (التطور) و(التجديد)، وهو ما قلما تنبه له أحد، فاستعملوا (التطوير) بدل (التجديد) والعكس بالعكس، وهو ما آمل أن يكون قد اتضح؛ هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فلو شئْتم مناقشة هذا الأمر/ أمر (التطوير) و(التجديد)- في الاشتراكية، ما بَعُد ذلك.
- (التوبة:60)
- جمع (عُشْر)، وهي الضريبة التي تأخذها الدولة، من نتاج المزارعين غير المسلمين، فقد كان (الخراج)؛ ضريبة على زراعة المسلم.
- (الأنفال:41)
- (النساء:20، 21)، وهو يعني أن النساء كُنَّ موجودات في المساجد مع الرجال، وإلا فكيف عرفت ما قال؟!
وكيف أنكرت عليه؟!





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,652,802,648
- بلوى فوق بلوى
- نفثات دم من قلب مقروح
- خواطر في ذكرى ثورة الرابع عشر من تموز المجيدة
- الفكر بين التطور والتجدد
- الفوضى الخلاقة
- بلادنا بين الواقع والطموح
- رشفة من مجد تموز المنير
- المسلمون الحانثون
- جولة في ذاكرة مسفر
- على أعتاب انتخابات مجالس المحافظات في العراق الحبيب


المزيد.....




- مقتل 15 شخصا إثر هجوم لـ -بوكو حرام- شمال شرق نيجيريا
- الانتهاكات الاسرائيلية.. مسيحيو قطاع غزة ضحية جديدة
- رئيس طائفة الكاثوليك برام الله يكشف: هؤلاء فتحوا المجال للاح ...
- البريطانيون المسلمون -يخافون على مستقبلهم- تحت حكم المحافظين ...
- التوحيد الاسلامي: المقاومة الاسلامية والوطنية هي التي حمت لب ...
- هذه الراقصة تعيد إحياء رقصة صوفية قديمة في شوارع القاهرة
- الصفا الإسلامي يخرج مجموعة من طلبة كلية الشريعة الإسلامية في ...
- أوزيل ينتقد الصين وصمت الأمة الإسلامية إزاء مسلمي الأويغور.. ...
- قائد بحرية حرس الثورة الاسلامية: حرس الثورة يجري قريبا مناور ...
- انتخابات بريطانيا.. إسرائيل والأوساط اليهودية ترحب بهزيمة كو ...


المزيد.....

- العلمانية في شعر أحمد شوقي / صلاح الدين محسن
- ارتعاشات تنويرية - ودعوة لعهد تنويري جديد / صلاح الدين محسن
- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - خليل محمد إبراهيم - بين التجديد والتطوير فك اشتباك