أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - فهد سليمان - مؤتمر الحوار الوطني الثالث















المزيد.....


مؤتمر الحوار الوطني الثالث


فهد سليمان

الحوار المتمدن-العدد: 1185 - 2005 / 5 / 2 - 13:03
المحور: القضية الفلسطينية
    


فهد سليمان
عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين

(1)
بعد محطتين حواريتين استضافتهما القاهرة في مطلع ونهاية العام 2003 أسهمتا في تقريب المواقف بين القوى المشاركة دون بلوغ مستوى الإتفاق السياسي ، أتت المحطة الحوارية الثالثة لتحقق إختراقاً سياسياً ملموساً عكسه " إعلان القاهرة " . وكان لهذا الإنجاز الوطني الهام مقدمات تؤشر إليه، وتمثلت بشكل رئيسي بالآتي :
1 – قرار حركة حماس بالتهدئة الذي سبق قمة شرم الشيخ (8/2) وتلاها . والتهدئة ، التي أعلنتها لاحقاً اجنحة عسكرية أخرى ، تعني وقفاً لإطلاق النار معلق على شروط تفترض من بين أمور أخرى ، مقابلته بالمثل من الجانب الاسرائيلي . وإذا استعدنا حقيقة أن التهدئة ( أو وقف إطلاق النار ) شكلت واحدة من أبرز القضايا التي سبق إدراجها على جدول أعمال الجولتين الاولى والثانية من الحوار الوطني في القاهرة ، دون التمكن من إقرارها ، لاتضحت أهمية ان تكون التهدئة مجازة وطنياً قبل الشروع باعمال المؤتمر الذي ، بعد الحسم المبدأي لهذه المسألة ، لم يعد مطالباً سوى بالاتفاق على الإطار السياسي والزمني للتهدئة .. التوصل إلى هذا لم يكن بالأمر اليسير ، كما اتضح لاحقاً في مجرى وقائع الحوار ، لكنه على الأرجح لم يكن ممكن التحقيق ضمن مؤتمر الحوار لو لم يسبق التوافق المبدأي والإقدام العملي على التهدئة قبل المؤتمر ، البحث بأسس تثبيت التهدئة بغرض استثمارها وطنياً ، أثناء إنعقاد المؤتمر وبنتيجة أعماله .
2 – قبل إنعقاد مؤتمر الحوار جاء إعلان حماس المدوي – لكن المتوقع – بخوض إنتخابات المجلس التشريعي المقرة في العام الجاري. هذا القرار ( 12/3 ) يمهد سياسياً ، ولا يعني أقل – من الناحية العملية – من مشاركة حركة حماس في المؤسسات السياسية للسلطة الفلسطينية ، وكذلك في المستوى السياسي لمنظمة التحرير باعتبار عضوية المجلس التشريعي تقود تلقائياً إلى اكتساب عضوية المجلس الوطني لمنظمة التحرير ( ومن ثم المجلس المركزي الخ .. ) .
قرار حماس هذا قرار مفصلي لأنه يحسم مسألة الإطار الواحد للحركة الفلسطينية ، فحماس وتيار الإسلام السياسي عموماً الذي نشأ وتطور خارج منظمة التحرير ومؤسساتها السياسية .. حماس كانت تنظر إلى هذه المسألة من احدى الزاويتين التاليتين : إما من زاوية التوحد بين إطارين متمايزين أي جسمين منفصلين : م.ت.ف. من جهة ، وتيار الإسلام السياسي من جهة أخرى، ما يقتضي بلورة ميثاق آخر ( وليس فقط استعادة الميثاق الذي الغته عملياً دورة المجلس الوطني الفلسطيني في نيسان 1996 ) وبرنامج سياسي جديد وصيغة مشاركة تحدد حصتها مسبقاً في المؤسسة الوطنية الجامعة ، أو من زاوية التعاون والتنسيق والتفاعل بين جسمين متجاورين ، لكن متمايزين تقوم على رأسهما قيادة فوق قيادة منظمة التحرير .
الآن ، وبعد اتخاذ هذا القرار ، باتت حماس تجد موقعها في المؤسسة السياسية القائمة : منظمة التحرير ومن ضمنها وبجانبها السلطة الفلسطينية ، دون أن تفترض الإتفاق المسبق على البعد الميثاقي أو السياسي أو التنظيمي لانتمائها إلى الاطار الوطني المؤسسي الواحد . ومن هنا فقد تم حسم مبدأي لمسألة مركزية بقيت دونها الجولتان الحواريتان الأولى والثانية في القاهرة .
3 – منذ استشهاد الرئيس ياسر عرفات تسارعت خطوات إعادة تشكيل النظام السياسي على مستوى السلطة الفلسطينية بواسطة الإنتخابات ، فشهدنا إنتخابات الرئاسة ( 9/1 ) ، والمرحلة الأولى من المجالس المحلية ( 23/12 في الضفة و 27/1 في القطاع ) ، والمطروح بسقف 17/7 استكمال الإنتخابات المحلية والمجلس التشريعي .
من هنا احتدام النقاش حول قانون إنتخابات المجلس التشريعي بخاصة وآخر – وإن بشكل أقل – للمجالس المحلية، باعتبار أن هذين القانونين يشكلان الناظم الموجه للعملية الإنتخابية والقاعدة المعتمدة التي تؤثر إلى حدود بعيدة جداً بنتائجها : فإما تمثيلاً صادقاً للحساسيات السياسية في المجتمع أو مصادرة على تمثيل ضيق يقصي معظم القوى الحيّة ( بصرف النظر عن حجومها، وهي ليست قليلة على أية حال ) ويبدد أصوات غالبية المقترعين ، فيقتصر التمثيل على ما دون الـ 50% منهم أي على الأقلية ( كما في انتخابات التشريعي عام 96 حيث تم هدر اصوات 57% من المقترعين فلم يرسلوا نائباً واحداً إلى التشريعي ) .
وفي قلب التجاذب على تعديل القانون الإنتخابي يقع إعتماد أو مدى إعماد التمثيل النسبي. الحوار النشط والمتفاعل الدائر حول هذا العنوان بين مختلف القوى السياسية وسائر مؤسسات المجتمع المدني بلور إتجاهاً راجحاً يتبنى النظام المختلط وقاعدته المناصفة في انتخابات التشريعي . وهو أمر لم يجد طريقه بعد إلى المجلس التشريعي القائم الذي لم يتجاوز استعداده اشتمال النسبية لثلث المقاعد بديلاً من نصفها وكإضافة على العدد الحالي ( أي بإضافة 44 مقعداً على الـ 88 ، فيصبح إجمالي عدد المقاعد 132 ) .
وضمن أجواء هذا النقاش المحتدم شكلت نتائج المرحلة الأولى من الإنتخابات المحلية في قطاع غزة
( 27/1 ) التي شملت 10 من أصل 25 بلدية صدمة بالنسبة لحزب السلطة ، حركة فتح عندما فازت حماس باغلبية 7 من أصل 10 مجالس بلدية ، ما أدى إلى تعزيز القناعة بعدالة فضلاً عن فائدة وجدوى إعتماد مبدأ التمثيل النسبي من زاوية درء مخاطر السقوط المؤلم في الانتخابات كاحتمال قائم بالفعل وليس كافتراض فحسب .

(2)
إندرج مؤتمر الحوار الثالث في سياق سياسي عام من أبرز سماته تعاظم الإهتمام دولياً باجندة الانتخابات الفلسطينية ، إلى جانب إمتلاك الحكومة الاسرائيلية ، للمرة الأولى منذ اندلاع الإنتفاضة ، لمشروع سياسي مطروح للتنفيذ بدءاً من 20 تموز القادم وهو خطة " فك الإرتباط " . هذه الخطة تستوجب ، من منظور الحكومة الاسرائيلية ، اشاعة تهدئة نسبية في المناطق الفلسطينية المحتلة لتمرير الانسحاب من غزة بيسر بديلاً من الخروج تحت النار الذي يصور إنحسار الإحتلال والاستيطان كهزيمة ( كما حصل في 25 أيار 2000 في جنوب لبنان ) ، ويعقّد على الحكومة الاسرائيلية احتواء حركة الرفض في أوساط المستوطنين وبعض الأحزاب بما في ذلك داخل الليكود نفسه .
وبهذا المعنى فإن التهدئة من الجانب الفلسطيني تتقاطع مع سعيٍ اسرائيلي لتوفير الظرف الانسب لتطبيق خطة " فك الإرتباط " ، كما أن المسار الإنتخابي الفلسطيني يلتقي مع مناخ دولي يحث على استكمال باقي محطاته ( "خارطة الطريق " تلحظ إنتخابات التشريعي كاستحقاق ) . لذلك فإن ما سبق الحوار من مقدمات
( التهدئة ، قرار حماس بخوض انتخابات التشريعي ، الانتخابات كاستحقاق ضمن الأجندة الوطنية ) ضبط هذه المقدمات في إطار الحوار بنسق منسجم مع عناوين السياق السياسي العام.
هذا لا يعني ان مؤتمر الحوار أتى لينقل هذه المقدمات إلى الإعلان الصادر عنه كما تنقل السلعة الجاهزة من المستودع الى مكان العرض والتسويق ، بقدر ما يؤكد الحقيقة التالية : بفعل دور بعض القوى في المؤتمر، والديناميكية والحس المبادر والقدرة على اتخاذ القرار الحاسم في اللحظة المطلوبة التي تحلت بها بعض الأطراف، أمكن تحويل هذه المقدمات إلى مهمات وتوجهات مترابطة ذات مضمون متقدم جرى تركيزها في " إعلان القاهرة " الصادر عن أعمال مؤتمر الحوار ..
ولمزيد من التوضيح نقول : ثمة فارق نوعي بين النص على " دعم العملية الديمقراطية بجوانبها المختلفة وفقاً لقانون إنتخابي يتم التوافق عليه " كما ورد في الصيغة المقترحة من رئيس السلطة وحماس والجهاد ، وبين ربط هذا الإستحقاق ( كما رست عليه صيغة " إعلان القاهرة " بالنتيجة وبفعل الإعتراض الذي تشكل بمبادرة نشطة من الجبهة الديمقراطية ) بتوصية واضحة لاعتماد قانون إنتخابي يعتمد مبدأ التمثيل النسبي . والمسافة بين النصين والصيغتين التي كان لا بد من إجتيازها في مجرى الحوار وتجاذباته هي المسافة اللازمة لتحويل الانتخابات من محطة تعيد إنتاج القطبية ( الاحادية أوالثنائية .. لا فارق ! ) إلى منصة انطلاق لتأطير التعددية الحقيقية التي تعبر بصدق عن مختلف الإتجاهات السياسية في المجتمع.
نتائج الحوار لم تقتصر على نقل مقدماته من خانة إلى اخرى ، وهي لا تلخص بهذه المقدمات وإن تحركت على قوسها . مؤتمر الحوار تمثّل القضايا الذي سبقته ، وحّد نسيجها ، ربط بين جزئياتها وارتقى بها الى مستوى المقاربة الأشمل لعناوين تشكل جزءاً هاماً من اجندة العمل الوطني ، واعاد انتاجها بمضمون متقدم وبرؤية مستقبلية تطويرية للحركة الفلسطينية تفتح على أفق وإمكانية حقيقية لوضعها على سكة التخلص من عدد من مشكلاتها الرئيسية وتساعدها على التقدم نحو إنجاز الحقوق الوطنية . هذا ما يمكن الخلوص إليه من خلال مراجعة نتائج الحوار فيما شكل جدول أعماله ، أي قضيتي التهدئة وترتيب البيت الفلسطيني .

(3)
المدخل الى برنامج العام 2005 فلسطينياً هو التهدئة على خلفية المساهمة بتوفير شروط الخروج الاسرائيلي من قطاع غزة بأقل درجة ممكنة من الترجيعات الانتقامية، إلى جانب استكمال انتخاب المجالس المحلية وانجاز إنتخابات التشريعية وبرنامج الإصلاحات في المجالات كافة، وبدء التحضير لانعقاد دورة المجلس الوطني الفلسطيني المستحقة منذ سنوات..
هذه العناوين كانت تحوم في الجو عشية وعند إفتتاح مؤتمر الحوار . وطالما انحصر الأمر بالصياغات العامة لهذه العناوين لم يكن مقدراً ان ينشأ خلاف حولها بين مختلف القوى أو خروج ذي شأن عن توجهات السلطة . بينما كان معروفاً ان الخلافات سوف تتبدى بوضوح عند الانتقال للبحث بالأسس التي تقدم عليها العناوين المذكورة ، أي على تحديد مضمون وآليات التوافق الوطني حول المهمات المباشرة في الشهور المقبلة : هل يعيد انتاج الوضع القائم بنواقصه المعروفة أم يفتح على تجاوزها نحو الترقي والتطوير ..
على هذا بالتحديد انصبت نقاشات مؤتمر الحوار . لكن قبلها كان لا بد من حسم اسلوب المقاربة : هل ننتقل من المهام المطروحة حتى نهاية العام إلى جولة أفق لما يلي تحضيراً لمفاوضات الوضع الدائم مع تجاوز ما يتصل بترتيبات البيت الفلسطيني باعتبار ان هنالك توجهات معتمدة بهذا الخصوص والعمل جار بها ولا داعي لتناول ما يتخطاها . وكان هذا هو الرأي الذي عبّر عنه رئيس السلطة الفلسطينية .. أم نجمَع في البحث المتداخل بين المهام الوطنية حتى نهاية العام 2005 والشأن الداخلي والعلاقات البينية ، ولا نتوقف مطولاً أمام ما يتجاوز ذلك إنطلاقاً من قراءة مفادها ان الجانب الاسرائيلي ليس بوارد استئناف العملية السياسية في المدى المرئي . وكان هذا هو الرأي الذي عبّر عنه بوضوح عدد من المتداخلين والتقى مع المزاج الأغلبي الذي ساد المؤتمرين ، فتم إقرار جدول اعمال بنقطة واحدة وبعنوانين متكاملين: المهام المباشرة والترتيبات الداخلية .
إن الإشتباك الحواري في الكلمات الإفتتاحية وإقرار جدول الأعمال حددا بوضوح وجهة المؤتمر بالإعلان السياسي الذي توّج أعماله . لكن هل يعني ذلك ان النقاش الإفتتاحي أرسى الحوار على معادلة التهدئة مقابل الترتيبات الداخلية ، حيث ثبات الأولى يقود الى التقدم في الثانية ، وما تقدمه المعارضة في الحد الأول تلقى مقابله في الحد الثاني ..
هذا الكلام يفتقد إلى الدقة ، ونقطة ضعفة تكمن في أنه يضع الأمور بصيغة تبادلية تشي بتوليفة بين مصالح متناقضة ، وذلك بمعزل عن إبراز أين تكمن ، في كل هذا، المصلحة الوطنية الجامعة التي تملي على الجميع سلطة ومعارضة الحرص على الأمرين معاً: التهدئة والترتيبات الداخلية . ولعل الادق ضمن الخصوصية الفلسطينية حيث أولوية المشتركات الوطنية ووحدة الصف ، على خلفية استيعاب الوضع الذي سيسود في الشهور القادمة ، ان ثبات التهدئة يسّهل التقدم في الترتيبات الداخلية التي تحصِّن بدورها التهدئة وتوظفها في المراكمة الوطنية تحضيراً لمواجهة التحديات الكبرى المقبلة علينا حتماً مع مطلع العام 2006.

(4)
1 – يقف قرار التهدئة – من حيث المبدأ – على تقاطع طرق، ولكل من يسلك أي من هذه الطرق خلفية وتقدير وفي ذهنه تصور لهدف : فثمة من يعتبرها وقفاً مستقراً لإطلاق النار يغلق ما أسماه الرئيس محمود عباس مرحلة " عسكرة الإنتفاضة " ويضع الحالة الفلسطينية على أبواب استئناف المفاوضات التي يفترض أن تقوم على التهدئة أولاَ دون ان يتزامن معها بالضرورة ما يقابلها من جانب الإحتلال ، لكن ضمن تقدير أنه سيصعب عليه المضي في العدوان في ظل الإلتزام الفلسطيني بالتهدئة لانه سيستدرج ضغوطات خارجية لا يملك أن يتجاهلها . وعليه يجب ان تكون التهدئة مفتوحة زمنياً : قبل المفاوضات حتى تنجز شروط استئنافها ، وبعد بدء المفاوضات لضمان استمرارها .
وثمة من يعتقد أن التهدئة هي بمثابة وقف مؤقت لعمليات المقاومة تمليها إعتبارات
" الوقفة التعبوية " لإعادة تنظيم الصفوف وتمرير الاستحقاقات الداهمة ومنها الخروج لاسرائيلي من غزة . من هنا المطالبة بوضع سقف زمني للتهدئة وربط استمرار الإلتزام بها بتلبية سلسلة من الشروط ( بدءاً من وقف العدوان بكل اشكاله إلى التهويد والاستيطان وبناء الجدار مروراً بالإفراج عن جميع الاسرى والمعتقلين وإنحسار الإحتلال حتى خط 28/9/2000 ) .. شروط من المعروف مسبقاً أن انتزاعها يتجاوز التأثير الاستنزافي الضاغط لعمليات المقاومة بمستواها الحالي ، فتصبح وظيفة وضع الشروط – كون العدو لم يستجب لها– إبقاء البوابة مفتوحة أمام استئناف العمليات بعد إنقضاء المهلة الزمنية ، ولا يخلو الأمر – في الوقت عينه – من بعد تنظيمي محض يتمثل بإشاعة طمأنة داخلية لاستيعاب حالة تنظيمية معبأة بمفهوم المقاومة ( المسلحة ) المستمرة .
وثمة من يجد، أخيراً ، أن التهدئة هي استحقاق لا محيد عنه في الظرف السياسي الحالي وستكون بشكل إعلان فلسطيني أحادي وليس بنتيجة مفاوضات مع العدو ، مستظلة بما صدر عن قمة شرم الشيخ الأقليمية
( مصر ، الأردن ، فلسطين واسرائيل) وبحدود ما صدر عنها أي بسقفها . وتجدر الإشارة أنه جرى الإعلان في القمة المذكورة عن وقف متبادل لإطلاق النار بعد أن رفض شارون إقتراحاً مصرياً يقضي بصدور بيان أو إعلان عن القمة تجنباً لطابعة الأكثر إلزاماً ، فتم إعتماد اسلوب الإعلانات المتوازية بين الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي الذي أنتج – حتى بهذا الأسلوب – صيغة اسرائيلية أقل التزاماً من الصيغة الفلسطينية كونها تفترض التهدئة من الجانب الفلسطيني أولاً ..
ويجد اصحاب هذا الرأي أن ما التزمت به اسرائيل في قمة شرم الشيخ هو قرار تكتيكي، ودافعه الرئيسي تمرير قطوع الإنسحاب من غزة لأنها لن تتوقف عن العدوان سواء باساليبه النارية أو العنفية أو بأشكاله الأخرى ( جدار ، استيطان ، تهويد ، غلق مناطق ، إعتقالات ..).وعليه فالتهدئة التي تقبل بها اسرائيل الآن ستكون تهدئة نسبية وهشة مرشحة للنكوص عنها ، وبالتالي لاداعي لسقفها بزمن ، فهذا ما علمته تجربة وقف اطلاق النار في 29/6/2003 التي لم تستغرق أكثر من 51 يوماً بفعل الإنتهاكات المتمادية لقوات الإحتلال .
2 – توصل مؤتمر الحوار الوطني إلى صيغة عملية ومتوازنة تلبي المطلوب وطنياً حيث وضعت التهدئة في إطار برنامج العام 2005 ، ما يعني ربط التهدئة بالمهام المطروحة ، فيصبح مداها الزمني محكوماً أيضاً بانجاز هذه المهام ( الانسحاب من غزة ، استكمال ترتيب البيت الفلسطيني .. ) ، ويضعنا مع مطلع العام القادم أمام إحتمال التمديد للتهدئة في إطار صياغة مهام لاحقة وعنوانها مفاوضات الوضع الدائم ، كما يضعنا بالمستوى ذاته أمام إحتمال رفع وتيرة التصدي لمحاولات اسرائيل فرض المزيد من خطوات الأمر الواقع الاحتلالي الاستيطاني على الضفة الغربية بما فيها القدس وإدارة الظهر للحقوق الوطنية وتحدي قرارات الشرعية الدولية .
بكلام آخر ، هذه الصيغة تخرج التهدئة من إطارها الزمني المحض لتضعها في إطار سياسي/زمني متداخل يفترض تقدماً في خانة المهام الوطنية ، كما تضعها في اطارها التبادلي القائم على " وقف كافة أشكال العدوان على أرضنا وشعبنا أينما وجد ، وكذلك الافراج عن جميع المعتقلين " ، آخذين بالاعتبار ان الجزئية الأولى بديهية فلا يمكن أن تصمد التهدئة مع استمرار العدوان ، والجزئية الثانية استحقاق فلسطيني ضاغط لانه يمثل قضية متعلقة بالحقوق وبالكرامة الوطنية فضلاً عن بعدها الإنساني المقيم في كل بيت فلسطيني .
وعليه لا تعود التهدئة مفتوحة على الزمن إنتظاراً لمفاوضات قد تأتي أو لا تأتي . وفي الوقت نفسه فهي ليست مسقوفة باليوم ي الذي يرسم مسبقاً الحدود الفاصلة بين حالتين . التهدئة تحوّلت، في ضوء ما سبق ، إلى محور للتقدم على مسار الإنجازات الوطنية ، ينظمه إطار سياسي/زمني معياره ما يتحقق وطنياً بالانجاز وبالأفق في آن معاً .

(5)
الإعلان عن " استمرار المناخ الحالي للتهدئة " على قاعدة تبادلية ، ولو في إمتداد أعمال قمة شرم الشيخ ( الذي لم يصدر عنها بيان أو إعلان مشترك ) ، ينطوي على قدر معيّن من الإفتراضية باعتباره قراراً فلسطينياً وليس إعلاناً مشتركاً . وهذه نقطة رخوة في "إعلان القاهرة " لا ينبغي أن تغيب عن البال وقد لا تجعل التهدئة تصمد أمام رياح التصعيد الاسرائيلي. وبالمقابل فإن ما قرره إعلان القاهرة من خطوات لترتيب البيت الفلسطيني والإنتقال بها إلى الحيّز العملي لا يرتبط سوى بنوعية القرار الفلسطيني ، أي بجدية إلتزامه فضلاً عن الموازين الداخلية التي تحركه .
هذه الملاحظة الاستباقية ضرورية لتحريك ما تقرر بخصوص الترتيبات الداخلية على مستوى المهام المطروحة للتنفيذ وليس للتصنيف ضمن التوجهات المبدأية المنفلتة من أي ضابط زمني . ذلك أن ما أنجزه مؤتمر الحوار هو تطور مفصلي على مستوى العلاقات الفلسطينية الداخلية وفي صياغة الإطار الوطني الواحد . وسيتحوّل إلى حدث تاريخي يضعنا على أبواب مرحلة جديدة في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية إذا ما قيّض لما تقرر أن يشق طريقه إلى الحياة . ولعل أبرز ما انجزه مؤتمر الحوار في هذا المضمار يتمثل بما يلي :
1 – صياغة واضحة لأهداف النضال الوطني تلتقي مع تحديدات البرنامج المرحلي إلى أبعد حدود ، بل تصبح مطابقة لها باضافتين على ما ورد في الفقرة 1 من الإعلان : " حدود 4 حزيران 67 " إلى " اقامة الدولة الفلسطينية كاملة السيادة وعاصمتها القدس " من جهة، والقرار 194 إلى "ضمان حق عودة اللاجئين إلى ديارهم وممتلكاتهم " من جهة أخرى. علماً أن النص الصريح على " حدود 4 حزيران " لا يحصن الموقف الفلسطيني بل يزيد إنكشافه على مخاطر ما يسمى " بالدولة ذات الحدود المؤقتة " وهي التسمية الأخرى للحكم الذاتي الموسع على نصف مساحة الضفة الغربية بدون حدود ولا سيادة ولا قدس ..
2 – حسم مسألة الإطار الوطني الجامع والواحد مجسداً بمنظمة التحرير بوصفها " الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني " . وبهذا تكون حماس قطعت المسافة الحاسمة بين الصياغات الفضفاضة التي اعتمدتها حتى الان : م.ت.ف. ممثل الشعب الفلسطيني ، م.ت.ف. إنجاز تاريخي للشعب الفلسطيني .. إلى الصياغة المحددة التي تحصر التمثيل بجسم واحد وهو م.ت.ف. باعتبارها تضم جميع القوى والفصائل الفلسطينية .
3 – تجنبت صياغة هذه الفقرة من الإعلان بوعي التحديد الذي يمكن ان تشكل مادة للتباين المسبق على غرار : " إعادة بناء م.ت.ف. على أسس جديدة " المستخدم من الاتجاهات الاسلامية الذي ينطوي على أبعاد ميثاقية وبرنامجية سياسية وتكوينية تنظيمية .. وإعتمدت بالمقابل صيغة " تفعيل وتطوير م.ت.ف. وفق أسس يتم التراضي عليها " ، ما يجعل كل ما يندرج تحت هذه العناوين نتيجة ومحصلة لتوافق وطني في سياق استكمال الانتماء الى المؤسسة الجامعة وليس شرطاً مسبقاً لدخولها .
4 – تشكيل لجنة يدعوها رئيس اللجنة التنفيذية للاجتماع تتولى " تحديد أسس تفعيل وتطوير م.ت.ف. " من المستوى الأول: رئيس المجلس الوطني ، اعضاء اللجنة التنفيذية ، الامناء العامين لجميع الفصائل ، وشخصيات وطنية مستقلة . أي ما يتجاوز ، عملياً ، المهمة المنوطة عادة بهذه الهيئة في التحضير لانعقاد المجلس الوطني ، بحيث تشمل معالجة الوضع المؤسسي بكل تفاصيله في منظمة التحرير .
5 – تقرر في إطار " استكمال الإصلاحات الشاملة في كافة المجالات دعم العملية الديمقراطية بجوانبها المختلفة " .. " تعديل قانون الإنتخابات التشريعية باعتماد المناصفة في النظام المختلط " و " وتعديل قانون الإنتخابات للمجالس المحلية باعتماد التمثيل النسبي " . إن تقديم ما سبق بصيغة التوصية إلى المجلس التشريعي مراعاة للشكل ، لا يضعف المضمون ، ذلك ان صفة الإلزام المعنوي والعملي لما يصدر عن اجتماع ينعقد على هذا المستوى لا تخفى على أحد .

(6)
ثمة رأي لا يمكن تجاهله، يقدّر بأن التوافق الوطني على إعلان القاهرة الذي تلاه الوزير عمر سليمان في دلالة سياسية واضحة ، لا يعني بالضرورة أنه سيجد طريقه إلى التطبيق السريع أو حتى إلى التطبيق ببعض بنوده ، فهنالك سوابق عديدة في تاريخ التوافقات الوطنية تدعو باقله إلى التحفظ . ومن هذه السوابق ، على سبيل المثال ، إتفاق عدن - الجزائر ( تموز 84 ) بين فتح والتحالف الديمقراطي ( ديمقراطية ، شعبية، حزب شيوعي ، جبهة التحرير الفلسطينية ) وبرعاية بلدين عربيين ، وهو الإتفاق الذي اجهض تطبيقه تراجع قيادة فتح عنه .
غير أن هذا الرأي على وجاهته لا يلغي واقع أن الإتفاق الذي يُستشهد به قد زرع ما تحول بعد ثلاث سنوات إلى حصاد وفير بانعقاد المجلس الوطني التوحيدي ( نيسان 87 ) الذي أقر معظم ما انطوى عليه برنامج وآليات وثيقة عدن – الجزائر . مع التأكيد ، بالطبع ، أن الظرف الحالي لصعوبته الشديدة ، لا يسمح بترف الزرع بأفق الحصاد بعد سنوات . وفي كل الأحوال ، التطورات المتدافعة تضع جميع القوى أمام استحقاقات ، ومنها ما يملي الإسراع بتعديل قانون الإنتخابات المحلية والتشريعية التي ستنعقد بسقف 17/7 . أما المجلس الوطني فمن الخطأ ان يتأخر إنعقاده عن نهاية العام استعجالاً للتأطير المؤسسي لقرار الحركة الاسلامية بأخذ موقعها الطبيعي ، والذي طال إنتظاره ، في الإطار الوطني الجامع ، فضلاً عن الاستحقاقات الأخرى ..
لذلك لا بد من تضافر الجهود لجبه الصعوبات التي ستعترض سبيل "إعلان القاهرة" بصف وطني موحد بالاستفادة من الدور المصري والعربي عموماً ، والشروع فوراً بوضع التصورات والآليات التي تحول عناوين "إعلان القاهرة" إلى أوراق عمل ملموسة تستحث المسار الوطني العام صوب الانجاز .
لقد علمت التجربة أن المبادرات الوطنية الكبيرة التي تواكبها خطوات جريئة تكسر الاستعصاءات التي تعترض سبيل العملية الوطنية : فدخول فصائل المقاومة عام 68 إلى م.ت.ف. جدد إنطلاقتها بعد ان كانت مهددة بالغرق . والنقاط العشر ( حزيران 74 ) سلحّت م.ت.ف. بالبرنامج الذي وحّد الشعب تحت راياته وفتح أبواب العالم أمام قضية فلسطين . والمجلس الوطني التوحيدي في نيسان 87 أسس لانطلاقة الانتفاضة الكبرى في كانون الأول من نفس العام . وإعلان الاستقلال ( تشرين الثاني 1988 ) جلب إعتراف أكثر من مئة دولة في العالم بدولة فلسطين ..
إعلان القاهرة يمتلك – من حيث المبدأ – مقومات المبادرات الوطنية الكبرى شرط تجنيبه مناورات بعض الأوساط المتنفذة في السلطة الفلسطينية لإختزاله بقرار التهدئة ليس إلا، وتزويده بالآليات التي تنقله سريعاً وبكل فقراته ودونما إجتزاء إلى حيّز التطبيق ، لانه سيضعنا أمام حالة فلسطينية موحدة بإطارها الجبهوي الائتلافي في م.ت.ف. ، ومؤسسات سياسية منتخبة للسلطة الفلسطينية تعبّر بصدق عن القوى الحيّة في المجتمع ، وإصلاح ديمقراطي يوفر مقومات الصمود لمجتمعنا الفلسطيني، ومؤسسات منتشرة في كل مكان تعبيء طاقات الشعب في المعترك الوطني #





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,518,992,522
- الحوار الفلسطيني في القاهرة .. تقدم نسبي وبالإتجاه الصحيح
- الوحدة الوطنية والمشاركة في القرار الوطني
- الانتفاضة و المقاومة متلازمان و لا فصل بينهما
- الانتفاضة في عامها الثالث استراتيجية استنزاف الاحتلال
- الانتفاضة في عامها الثالث استراتيجية استنزاف الاحتلال
- حملـة «السور الواقـي» بين النتائج ومتطلبات الصمود الفلسطيني


المزيد.....




- وزير دفاع أمريكا الأسبق لـCNN: إيران ليست سوريا.. وهذه مخاطر ...
- ألا يجب أن تقود السعودية الرد على إيران؟ نائب أمريكي يجيب CN ...
- روسيا تنهي الحرب في سوريا والولايات المتحدة تشعلها مع إيران ...
- لماذا يتحمّل الدولار ديون الولايات المتحدة العملاقة؟
- الهجمات على أرامكو.. أدلة دامغة
- قبل نتائج انتخابات الكنيست.. نتنياهو يستقطب المتدينين لمنع ا ...
- ما الذي ينتظر الشيخ العودة؟.. إدارة السجن تتصل بعائلته وينقل ...
- كيف أثر هجوم -أرامكو- على أسواق النفط العالمية؟ 
- المبعوث الأميركي إلى أفغانستان يَمثُل أمام الكونغرس
- نتنياهو: علينا أن نمنع إقامة حكومة تتكئ على الأحزاب العربية ...


المزيد.....

- اقتصاد قطاع غزة تحت الحصار والانقسام الحلقة الرابعة: القطاع ... / غازي الصوراني
- اقتصاد قطاع غزة تحت الحصار والانقسام الحلقة الرابعة: القطاع ... / غازي الصوراني
- اقتصاد قطاع غزة تحت الحصار والانقسام الحلقة الثالثة: السكان ... / غازي الصوراني
- اقتصاد قطاع غزة تحت الحصار والانقسام الحلقة الثانية: اقتصاد ... / غازي الصوراني
- اقتصاد قطاع غزة تحت الحصار والانقسام الحلقة الأولى : نظرة عا ... / غازي الصوراني
- وثائق مؤتمرات الجبهة بوصلة للرفاق للمرحلة الراهنة والمستقبل / غازي الصوراني
- حزب العمال الشيوعى المصرى - ضد كل أشكال تصفية القضية الفلسطي ... / سعيد العليمى
- على هامش -ورشة المنامة- -السلام الاقتصادي-: خلفياته، مضامينه ... / ماهر الشريف
- تونى كليف ضد القضية الفلسطينية ؟ / سعيد العليمى
- كتاب - أزمة المشروع الوطني الفلسطيني / نايف حواتمة


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - فهد سليمان - مؤتمر الحوار الوطني الثالث