أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - ماهر الشريف - تاريخ فلسطين العثماني - الحلقة الثانية - فلسطين في العهد العثماني المبكر















المزيد.....



تاريخ فلسطين العثماني - الحلقة الثانية - فلسطين في العهد العثماني المبكر


ماهر الشريف
الحوار المتمدن-العدد: 4124 - 2013 / 6 / 15 - 11:00
المحور: القضية الفلسطينية
    


تاريخ فلسطين العثماني

الحلقة الثانية

من عهد ظاهر العمر إلى الاحتلال المصري

عانت الدولة العثمانية، في القرن الثامن عشر، من تراجع قوتها في الخارج ومن ضعف سلطتها في الداخل، الأمر الذي أدّى إلى ظهور أسر محلية حاكمة في عدد من الولايات العربية في بلاد الشام، مثل آل العظم في الشام، وآل شهاب في لبنان، والزيادنة في فلسطين.

ينتسب الزيادنة إلى زيدان، ويُعتقد أنهم بدو وأشراف من الحجاز، استقروا، بعد تجوال، في منطقة طبرية، وبرزوا في الإدارة العثمانية كملتزمين للأموال الميرية منذ أواخر القرن السابع عشر. ويُعتبر عمر بن صالح المؤسس الفعلي لسلطتهم ، وذلك بعد أن عيّنه الأمير بشير الأول الشهابي، أمير جبل لبنان، ملتزماً في منطقة صفد، وكان ذلك في حدود سنة 1703.

وبحسب عادل مناع، ترتبط بداية حكم آل زيدان في الجليل " بتراجع مكانة المعنيين ونفوذهم في المنطقة، وانقطاع السلالة المعنية وانتهاء حكمها بعد وفاة الأمير أحمد المعني، أمير الشوف، سنة 1697، من دون أن يخلف أولاداً ذكوراً "، كما ترتبط بصعود نجم الأمير بشير بن حسين الشهابي، أمير راشيا وابن أخت الأمير أحمد المعني (مناع، تاريخ فلسطين في أواخر العهد العثماني...، ص 47-49).
وبعد وفاة عمر بن صالح، أخذ ابنه ظاهر العمر في توطيد سلطته في منطقة صفد-طبرية منذ أوائل الثلاثينيات من القرن الثامن عشر.

وانقسم عهده، بحسب عبد الكريم رافق، إلى ثلاث فترات: الأولى شهدت توطيد سلطته ومقاومة حملات والي دمشق ضده حتى عام 1743؛ والثانية حين بلغت سلطته الأوج بين عامَي 1743 و 1760؛ والثالثة بدأت بعد عام 1760، وشهدت اشتداد ثورات أبنائه عليه، ومحاولات والي الشام عثمان باشا الكرجي إخضاعه، ثم تحالفه مع علي بك الكبير (المصري) واحتلالهما دمشق في عام 1771، وانتهت هذه الفترة بمقتله في عام 1775، وبانهيار إمارة الزيادنة العربية في فلسطين بعد أن دامت قرابة ثلاثة أرباع القرن كان لها خلالها دور هام في جعل منطقة الجليل مركز الثقل السياسي والاقتصادي لا في فلسطين فحسب، بل في بلاد الشام الجنوبية ككل (رافق، فلسطين في عهد العثمانيين، 1، ص 709 وص 717).

الفترة الأولى في عهد ظاهر العمر
عندما توفي الشيخ عمر بن صالح منح والي صيدا ابنه ظاهر العمر التزام الضرائب في قريتي الدامون وعرّابة، فعمل، منذ ثلاثينيات القرن الثامن عشر، على تقوية سلطته وتوسيع المناطق الخاضعة له ومدّ نفوذه إلى انحاء لواء صفد كافة، وصار يطمح إلى توحيد الجليل تحت سلطة أسرته، مستغلاً ضعف ولاة ولايتي دمشق وصيدا وانهماك الدولة العثمانية في حروبها المستمرة مع روسيا في تلك الفترة. كذلك تحالف ظاهر العمر مع القبائل العربية في المنطقة مثل بني صخر وبني صقر والسردية وتزوج منهم كي يرسخ تحالفه معهم (غنايم، لواء عكا في عهد التنظيمات العثمانية، ص 21-22).

وعندما سعى ظاهر العمر إلى التوسع في المناطق المجاورة والخاضعة لمشايخ جبل نابلس، مثل الناصرة ومرج ابن عامر واللجون، وقع الصدام بينه وبين مشايخ جبل نابلس، الذين كانوا على علاقة وطيدة بالباب العالي، حيث اصطدم مع آل جرار، فهزمهم وقتل زعيمهم الشيخ إبراهيم في سنة 1735. وباستيلاء ظاهر العمر على الناصرة، حرم شيوخ وتجار جبل نابلس " من سوق هام كانت تتوارد إليه البضائع من الشام وعكا "، كما حرمهم أيضاً " من العوائد التي كانوا يتقاضونها " (السامري، ظاهر العمر وحكام جبل نابلس، ص 15- 23؛ دوماني، إعادة اكتشاف فلسطين...، ص 54).

وقد اشتكى مشايخ جبل نابلس ظاهراً إلى والي دمشق سليمان باشا العظم، الذي قام، بالتعاون مع والي صيدا، بشن ثلاث حملات على مناطق نفوذ ظاهر العمر، وبخاصة منطقة طبرية، ما بين عامَي 1737 و 1743، كان نصيبها كلها الفشل. وكان هذا الفشل انتصاراً لظاهر العمر الذي استمر في توسيع المناطق الخاضعة له، وذلك إلى أن منحه والي صيدا التزام مدينة عكا، فمدّ التزامه ليشمل مدينة يافا التابعة لوالي الشام الجديد، أسعد باشا العظم، الذي منحه كذلك التزام مدينة حيفا، كما ضم ظاهر العمر إليه مناطق أخرى في نابلس وبلاد حارثة وجبل عجلون (غنايم، لواء عكا في عهد التنظيمات العثمانية، ص 22-23؛ السامري، ظاهر العمر وحكام جبل نابلس، ص 15-19).

الفترة الثانية في عهد ظاهر العمر
تحسن الوضع الاقتصادي في فلسطين، في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، بعد نجاح ظاهر العمر بمد سلطته على معظم النصف الشمالي من فلسطين ومنه الساحل، وتنشيطه الاقتصاد المحلي والدولي مستفيداً من الاهتمام المتزايد للتجار الفرنسيين بفلسطين (رافق، فلسطين في عهد العثمانيين، 1، ص 778-779).

فقد اهتم ظاهر العمر بتأمين العدل والأمن والازدهار الاقتصادي، كما قام بتجنيد المحاربين من الفلاحين وأخذ يؤسس جيشاً نظامياً خاصاً، كانت نواته " فرقة عسكرية من المغاربة بقيادة أحمد آغا الدنكزلي ". وأخذت عكا تتطور بسرعة منذ أواخر الأربعينات تحت حكمه، حيث شجع الهجرة إليها، و" قام بنقل بعض سكان قبرص من الروم الأرثوذكس إلى المدينة وضواحيها ومنحهم الأراضي من أجل تطويرها وزراعتها "، كما قَدِم إلى عكا عدد كبير من المهاجرين من قرى الجليل ومن صيدا وجبل لبنان، وكان معظمهم من المسيحيين، " الذين استفادوا من سياسة التسامح الديني التي اتّبعها ظاهر العمر مع غير المسلمين من أهل الذمة ".

وقد نشط التجار الفرنسيون وغيرهم وازدادت جاليتهم في عكا حتى أصبحت هذه المدينة مركزاً تجارياً لقوافل التجارة من دمشق ولبنان من جهة، وللتجارة الدولية مع أوروبا من جهة أخرى. وهكذا ساهم ظاهر العمر في عملية ربط اقتصاد الجليل، في تلك الفترة المبكرة، بالاقتصاد الرأسمالي العالمي، وخصوصاً بفرنسا. وكان القطن أهم المحاصيل المصدرة من عكا، كما كانت تجارتها تشمل، أحياناً، القمح والأرز. وقد وفرت الأموال الطائلة التي جمعها ظاهر العمر، جراء احتكار التجارة والاستيلاء على أموال الالتزام، ما يكفي للقيام بالمشاريع العمرانية الكثيرة في اللواء، فأعاد بناء سور طبرية وقلعتها، وهدم حيفا القديمة وأعاد بناءها من جديد إلى الجنوب الشرقي من المدينة القديمة، وأحاطها بسور جعل له بوابتين، كما أعاد بناء سور عكا وحصنّه بالأبراج. وكان من الطبيعي أن تنعكس عمليات الإعمار وتطوير المدينة تجارياً على عدد السكان " الذين قدرتهم المصادر الفرنسية في أوائل السبعينات بثلاثة أضعاف عدد سكان صيدا، أي أكثر من عشرين ألفاً ". وعلى الرغم من أن صيدا ظلت رسمياً عاصمة الولاية، فإن عكا أصبحت أهم مركز اقتصادي وإداري وأقوى معقل عسكري (مناع، تاريخ فلسطين في أواخر العهد العثماني...، ص 51-55؛ رافق، فلسطين في عهد العثمانيين، 1، ص 818؛ غنايم، لواء عكا في عهد التنظيمات العثمانية، ص 23-24).

الفترة الثالثة في عهد ظاهر العمر
سعت الدولة العثمانية إلى كبح جماح توسع ظاهر العمر، مستغلة تمرد بعض أبنائه عليه ومحاولة والي الشام عثمان باشا الكرجي استعادة بعض المناطق التي سيطر عليها. وقد لجأ ظاهر العمر إلى التحالف مع علي بك الكبير، الذي " وصل إلى منصب حاكم مصر سنة 1760"، وكان " يطمح إلى استعادة حكم المماليك على المنطقة التي حكموها منذ قدوم العثمانيين سنة 1516-1517 ".

وشنّ ظاهر العمر وعلي بك الكبير حرباً ضد عدوهما المشترك عثمان باشا والي دمشق، حيث خرجت العساكر المصرية " يقودها إسماعيل بك في أواخر رجب 1148/تشرين الثاني 1770 "، واجتازت شبه جزيرة سيناء وتغلبت على عربان الوحيدات، ثم أخضعت مدينتي غزة والرملة، و" احتلت، بالتعاون مع قوات ظاهر العمر، مدينة يافا في أوائل سنة 1771، وذلك إلى أن توقف زحفها على أبواب دمشق ". ووصلت تعزيزات جديدة من مصر " يقودها محمد بك أبو الذهب الذي عيّن لقيادة الحملة بدلاً من إسماعيل بك "، وهزمت هذه التعزيزات القوات المدافعة عن دمشق " بالقرب من سعسع على مشارف دمشق في 19 صفر 1185/ 3 حزيران 1771 "، ونجحت في احتلال دمشق بعد ذلك بأيام.

لكن أبو الذهب انسحب فجأة من دمشق إلى البلاد المصرية، بعد أن وعده العثمانيون بتعيينه حاكماً على مصر، حيث نجح بالفعل في عزل سيده، علي بك الكبير، ونصّب نفسه حاكماً على البلد. فلجأ علي بك إلى حليفه ظاهر العمر، حيث طلب الاثنان مساعدة الأسطول الروسي في البحر الأبيض المتوسط ، و" تقدمت السفن الروسية إلى شواطئ لبنان وقامت بقصف مدينة بيروت في 18 حزيران 1772 وأنزلت القوات فيها " ، لكن الأسطول الروسي لم يشكّل " عامل ردع كافياً" ضد الدولة العثمانية، التي قررت، بالتعاون مع أبو الذهب، تصفية حكم ظاهر العمر.

وقد زحفت القوات المصرية بالفعل نحو فلسطين، حيث أخضعت غزة، في مطلع نيسان 1775، ثم الرملة، ونجحت في احتلال يافا بعد حصار دام 48 يوماً، وبعد أن ارتكبت مجازر بشعة ضد سكانها، ثم احتلت مدينة حيفا. وأمام الانتصارات المتلاحقة للقوات المصرية، قرر ظاهر العمر إخلاء عاصمته عكا والالتجاء إلى الجبال في منطقة صفد، لكن القوات المصرية لم تواصل تقدمها، حيث اضطرت إلى التراجع والانسحاب من فلسطين بعد " وفاة أبو الذهب بالحمى في العاشر من حزيران 1775 "، الأمر الذي دفع الحكومة العثمانية، في مطلع آب 1775، إلى إرسال أسطول بحري ليستكمل مهمة القضاء على ظاهر العمر.

ووفقاً لعدد من الروايات التاريخية، انفضّ رجال ظاهر العمر من حوله، عندما راحت سفن الأسطول العثماني تدك أسوار المدينة، مما دفعه إلى الفرار، وبخاصة بعد أن رفض الجنود المغاربة القتال معه. وبمقتل ظاهر العمر في أواخر آب 1775، على يد أحد هؤلاء الجنود المغاربة، انتهى حكم الزيادنة في فلسطين (مناع، تاريخ فلسطين في أواخر العهد العثماني...، ص 59-62 و 70- 71؛ رافق، فلسطين في عهد العثمانيين، 1، ص 709-717؛ بازيلي، سورية وفلسطين تحت الحكم العثماني، ص 51-59 و ص 63-68).

وفي هذه الفترة الثالثة من عهد ظاهر العمر، تدهورالوضع الاقتصادي نتيجة الاضطرابات السياسية التي عمّت فلسطين، والغزوات الخارجية التي دهمتها، بالإضافة إلى النكبات الطبيعية التي أصابتها، كانتشار الجراد والقحط والطاعون (رافق، فلسطين في عهد العثمانيين، 1، ص 821).

عهد أحمد باشا الجزار (1775-1804)
بعد رحيل ظاهر العمر ونهاية دولة الزيادنة، راح يبرز نجم مغامر عسكري من أصل مملوكي هو أحمد آغا الجزار، الذي كان مملوكاً بشناقي الأصل (من البوسنة)، بدأ سيرته في استانبول، ثم انتقل، في سنة 1755-1756، إلى مصر حيث عمل في خدمة علي بك الكبير، ونال رتبة البكوية فيها، ثم لجأ مع مماليكه إلى بلاد الشام ودخل في خدمة العثمانيين. وأصبح حاكم عكا بعد أن سقطت في أيدي الأسطول العثماني سنة 1775، ثم أعطي ولاية صيدا في 11 آذار 1776، ولكنه أبقى مركزه في عكا المحصنة تحصيناً قوياً. وقد تميّز حكم الجزار، الذي ولّي على ولايتي صيدا ودمشق بشكل متقطع بين 1775 وحتى وفاته في عام 1804، بسيطرته على القوى المحلية في فلسطين وجبل لبنان، وتحديه للعثمانيين، والإثراء على حساب الشعب والدولة، ثم بمقاومته حملة نابليون بدعم من الانكليز (رافق، فلسطين في عهد العثمانيين، 1، ص 718-719؛ مناع، تاريخ فلسطين في أواخر العهد العثماني...، ص 77-78).

وكان الجزار قد نجح سنة 1776 في التخلص من القوات المحلية التي وطدت سيطرتها على الجليل بزعامة الزيادنة. وبعد أن أحكم سلطته على ولاية صيدا، تطلع إلى حكم ولاية الشام وعيّن، بالفعل، والياً على الشام أول مرة في سنة 1785، ثم تكرر هذا التعيين أربع مرات متفرقة خلال أكثر من سبع سنوات. لكن حكمه في دمشق تميّز بالظلم وملاحقة الأهالي، وبابتزاز الأموال وفرض الغرامات وما إلى ذلك من الأساليب التي اتّبعها في حكمه عكا وبقية أنحاء ولاية صيدا. وكان الجزّار قد استطاع، منذ سنة 1784، أن يفرض احتكاراً أشد صرامة على بيع القطن والحبوب وشرائهما، كما أفلح، في سنة 1790، في فك قبضة التجار الفرنسيين عن تجارة القطن، وطردهم إلى صيدا (دوماني، إعادة اكتشاف فلسطين...، ص 123-124).

وقد أضاف خلال فترة ولايته الطويلة الكثير من الإنشاءات في عكا، وعلى رأسها الجامع المسمى باسمه، وعمل، بهدف تحصين المدينة، على إنشاء الأبراج والبوابات الضخمة فيها، كما التفت إلى بناء جيش قوي، ضم الكثيرين من المماليك والمرتزقة من البشناق والأرناؤوط والتركمان والمغاربة. وسعى أكثر من مرة إلى إخضاع جبال فلسطين الوسطى لنفوذه السياسي وقمع ثورات الأسر المحلية فيها، كما فعل في جبل لبنان، لكنه لم ينجح في هذه المهمة الصعبة، وظلت الزعامات المحلية في جبال نابلس والقدس قوية، مثل عائلة جرار وعائلة طوقان. أما سنجق غزة ويافا والرملة فقد بقي يعاني، أيام الجزّار، جراء عدم الاستقرار وتعديات الحكام والعربان (مناع، تاريخ فلسطين في أواخر العهد العثماني...، ص 79-87).

الجزّار يصد الحملة الفرنسية
في 8 كانون الثاني 1799، زحف الجيش الفرنسي من مصر، وهدفه احتلال بلاد الشام. وبعد احتلاله العريش، استولى على غزة ثم على اسدود والرملة. وفي 27 شباط 1799، وصل إلى يافا وفرض حصاراً عليها، وراح يقصف أسوارها إلى أن نجح في اقتحامها في 7 آذار، وقام بارتكاب مذبحة كبيرة فيها ذهب ضحيتها ما بين 1500 و 2000 نسمة. ثم ارتكب مذبحة أخرى في المدينة، ذهب ضحيتها مئات الأسرى، الذين كان معظمهم من المغاربة والألبان والأرناؤوط . وبعد هاتين المجزرتين والتأخر في دفن القتلى، راح وباء الطاعون القاتل ينتشر في أوساط الجنود الفرنسيين، فمات منهم المئات في الأيام الأولى لانتشاره، كما مات عدد كبير من سكان المدينة (سعيد، يافا من الغزو النابليوني إلى حملة إبراهيم باشا، ص 5-19).

وبعد سيطرته على حيفا، توجّه الجيش الفرنسي نحو عكا، التي كانت محاطة بأسوار وأبراج وخندق عميق، ويستند المحاصرون فيها إلى دعم سفينتين انكليزيتين. وقد باءت بالفشل كل محاولات الفرنسيين الاستيلاء على عكا، وتكبدوا خسائر فادحة خلال حصارهم لها، واضطروا إلى الانسحاب منها والعودة أدراجهم إلى مصر، ليلة 20 أيار 1799، بعد حصار دام أربعة وستين يوماً. وهكذا، استمر الجيش الفرنسي في فلسطين نحو أربعة أشهر (رافق، فلسطين في عهد العثمانيين، 1، ص 719-727؛ سعيد، يافا من الغزو النابليوني إلى حملة إبراهيم باشا، ص 19-20).

وقد أدّى الجزار دوراً مهماً بوقوفه أمام زحف نابليون على عكا وإفشال حملته سنة 1799. وكانت الحكومة العثمانية قد عيّنته، ابتداءً من 9 كانون الثاني 1799، حاكماً على طرابلس ومقاطعة يافا وغزة، وحاكماً على ولاية دمشق، فأصبح، بذلك، والياً رسمياً على ثلاث من أربع ولايات بلاد الشام وأقوى شخصية في هذه المنطقة (مناع، تاريخ فلسطين في أواخر العهد العثماني...، ص 94).

التنافس بين الجزّار وأبو المرق
وبعد نجاحه في صد الحملة الفرنسية، واجّه الجزار منافسة شديدة من محمد باشا أبو المرق، الذي عيّنته الحكومة العثماننية متصرفاً لألوية القدس وغزة ويافا مدى الحياة (مالكانة) ومنحته لقب باشا، فقرر أن يقضي على نفوذه، وأرسل بالفعل جيشاً لمحاصرته في يافا، حيث استمر حصار المدينة نحو عام، من 29 أيار 1802 إلى 7 آذار 1803، فرّ، في نهايته، أبو المرق من يافا ودخلت قوات الجزار المدينة. وبعد وفاة هذا الأخير في محرم 1219/أيار 1804، أعادت الحكومة العثمانية تعيين أبو المرق كمتسلم على سنجق غزة-يافا، و" أعطته منحة مالية وتسهيلات ضريبية لتمويل جيش لمحاربة الوهابيين في الحجاز ".

لكنه استغل هذا الأمر " من أجل تطوير التجارةعبر ميناء يافا وضمان استقرار الوضع الاقتصادي فيها، ومن أجل تقوية أسوار يافا وحصونها، تحضيراً لإعلان التمرد والاستقلال عن ولاية صيدا ". وللرد على تقاعس أبو المرق عن تنظيم الحملة على الحجاز، أمرت الحكومة العثمانية سليمان باشا، والي صيدا، بالقضاء عليه، ونجح الجيش الذي أرسله سليمان باشا، سنة 1807، بالفعل في احتلال يافا، واضطر أبو المرق إلى الفرار والذهاب إلى المنفى (مناع، تاريخ فلسطين في أواخر العهد العثماني...، ص 99-103؛ سعيد، يافا من الغزو النابليوني إلى حملة إبراهيم باشا، ص 26-28 و ص 34-35).


خلفاء الجزار: عهد سليمان باشا (1804-1819)
خلف الجزار في حكم عكا وولاية صيدا مملوكه سليمان باشا، الذي شهدت فترة ولايته قيام ثورات محلية ضد السلطة العثمانية، الممثلة بوالي صيدا ووالي دمشق المسؤولين عن حكم صناجق فلسطين، كما شهدت حدوث كوارث طبيعية كانت لها آثارها الاقتصادية المدمرة على البلاد (رافق، فلسطين في عهد العثمانيين، 2، ص 851-874).

وبعكس سابقه الجزار، لم يخالف سليمان باشا أوامر الدولة، وأقام حكمه على العدل والإنصاف فعُرف بسليمان باشا العادل. وفي الفترة 1810-1812، عيّن سليمان باشا والياً على دمشق، إضافة إلى ولاية صيدا التي أعطي حكمها مدى الحياة (ملكانة). وقد اتّخذ سليمان باشا مجموعة تدابير سياسية وضريبية في إطار اللامركزية، وعمد، من أجل تخفيض نفقاته والحد من مخاطر التمرد، إلى تقليص آلة الجزار العسكرية الهائلة، وإلى تخفيف سيطرته السياسية على توابع عكا. وترافقت اللامركزية السياسية مع تخفيف التحكم في جمع وبيع القطن والحبوب وسواهما من السلع التجارية، ولم يعد التجار يتعرضون لمصادرة أموالهم بصورة منتظمة مثلما كان شأنهم أيام أحمد باشا الجزار (دوماني، إعادة اكتشاف فلسطين...، ص 125).

وفي عهده انتزع لواء غزة ويافا نهائياً من ولاة دمشق، وأصبح تابعاً لوالي صيدا، وهو " ما جعل العلاقات الاقتصادية والسياسية بين جميع أنحاء فلسطين شيئاً طبيعياً لمصلحة الأطراف كافة "، وأدّى إلى " توطيد العلاقات بين أفراد النخبة الحاكمة في ألوية جبال فلسطين الوسطى والمدن الساحلية من عكا شمالاً حتى غزة جنوباً " كما أصبح لواء نابلس والقدس، في تلك الفترة، تابعين لحكمه رسمياً، فعيّن موسى بك طوقان متسلماً على لواء نابلس، وكنج أحمد آغا متسلماً في القدس. وفي سنة 1812، عزل سليمان باشا كنج أحمد آغا وعيّن مكانه عبد الكريم آغا متسلماً على لواء القدس، وظل هذا الأخير في الحكم مدة طويلة نسبياً (1812-1818)، الأمر الذي جعل القدس تحظى باستقرار نسبي على مستوى الحكم والإدارة بلا قلاقل ولا اضطرابات (مناع، تاريخ فلسطين في أواخر العهد العثماني...، ص 106-108؛ مناع، لواء القدس في أواسط العهد العثماني، ص 29-31).

أما يافا، فقد حكمها، في عهد سليمان باشا، محمد آغا أبو نبوت (1807-1819)، الذي كان أحد مماليك الجزار، ويبدو أنه كان شركسياً أو جورجياً، وعيّنه سليمان باشا في سنة 1807متسلماً على لواء غزة ويافا.

وقد علقت به كنية أبو نبوت (أبو العصا) بسبب قسوته الشديدة. وساهم أبو نبوت كثيراً في تطوير المدينة عمرانياً وسكانياً، وفي ازدهارها اقتصادياً، حيث بنى في سنة 1810 جامعاً كبيراً عُرف باسمه، وأنشأ السبيل المحمودي وبئراً جديدة قرب الجامع الكبير، كما أقام مدرسة في جوار الجامع فيها مكتبة وعيّن لها علماء وطلبة ورتّب لهم ما يكفي لمعيشتهم ، كما أوقف عليها الطواحين السبع الكائنة في "أرض المر" على نهر العوجا شمالي يافا. كذلك اهتم بتحصين المدينة ورمّم أبراجها وأسوارها (سعيد، يافا من الغزو النابليوني إلى حملة إبراهيم باشا، ص 25 و ص 55-57؛ مناع، ، تاريخ فلسطين في أواخر العهد العثماني...، ص 119- 123).

وسعى أبو نبوت، بعد أن وطّد سلطته، إلى فصل سنجق غزة-يافا عن ولاية صيدا، إلا أن سليمان باشا تنبّه للأمر، وعيّن ابن أخيه، مصطفى بك، متسلماً على يافا، وأصدر أمراً إلى أبو نبوت يقضي بفصل يافا عن نطاق سلطته، و" دخل مصطفى بك يافا بالفعل في 10 آذار 1819". أما أبو نبوت، الذي أدرك ان سلطته لن تعمر طويلاً في غزة، نتيجة فصل يافا عن سنجق غزة-يافا، فقد بعث إلى والي مصر محمد علي باشا طالباً السماح له ولعائلته بالمجيء إلى مصر، فاستجاب محمد علي لطلبه واستقبله بحفاوة (سعيد، يافا من الغزو النابليوني إلى حملة إبراهيم باشا، ص 73-75 و ص 83-84).

فلسطين في عهد عبد الله باشا (1819-1831)
توفي سليمان باشا، والي صيدا، في 4 أيلول 1819، وعيّن عبد الله باشا، ابن علي باشا الخازندار كتخدا الوالي، خلفاً له، وكان لا يزال شاباً غراً قليل التجربة يبلغ من العمر 22 سنة. وبينما اشتُهر سلفه سليمان باشا بالعدل والمعاملة الحسنة للأهالي، كانت تصرفات عبد الله باشا "أقرب إلى تصرفات الجزار "، كما تسببت سياساته في دخوله في نزاعات وحروب مع السلطة المركزية ومع الولاة في سورية، وفي النهاية مع والي مصر، محمد علي باشا، الذي قضى على حكمه (سعيد، يافا من الغزو النابليوني إلى حملة إبراهيم باشا، ص 89-91).

وكان عبد الله باشا قد نجح، وبناءّ على طلب السلطان العثماني، في إنهاء الثورة التي شهدتها منطقة القدس ما بين 1825-1826 ضد والي دمشق مصطفى باشا، الذي فرض على الأهالي ضرائب باهظة. فكافأته الدولة على خدمته هذه بإضافة ولاية طرابلس، سنة 1827، إلى حكمه فضلاً عن ولاية صيدا، كما ضمت له بعد ثلاث سنوات ألوية جنين ونابلس والقدس، وعيّنته مسؤولاً عن قافلة الحج الشامي (مناع، تاريخ فلسطين في أواخر العهد العثماني...، ص 123-131).

وكان الهدف من هذه التعيينات تعزيز مركز عبد الله باشا في ألوية فلسطين الجنوبية، كي يكون قادراً على صد هجوم مرتقب يشنه محمد علي، حاكم مصر، على جنوب فلسطين وسورية (سعيد، يافا من الغزو النابليوني إلى حملة إبراهيم باشا، ص 113-114). ففي 2 تشرين الثاني 1831، صدرت أوامر إلى حملتين عسكريتين مصريتين بالتوجه إلى سورية، واحدة براً والأخرى بحراً، ووصلت القوات المصرية إلى يافا في 9 تشرين الثاني 1831، ثم دخلت حيفا في 17 تشرين الثاني، لكنها لم تتمكن من احتلال عكا، بعد حصار طويل، سوى في 27 أيار 1832، منهيةً بذلك حكم عبد الله باشا.

لواء القدس ولواء نابلس في عهد خلفاء الجزار
كان الصدر الأعظم في إستنبول هو الذي يعيّن حكام الولايات عادة، الذين كانوا بدورهم يعيّنون متسلمي الألوية التابعة لولاياتهم. وكان متسلم لواء القدس يتمتع بحرية واسعة في إدارة شؤون اللواء إذا نجح في تحقيق أمرين أساسيين هما: " جباية الضرائب والأموال المطلوبة لخزينة والي الشام، وتأمين تعاون أبناء النخبة المحلية "، من العلماء والأشراف (أفنديات) (مناع، لواء القدس في أواسط العهد العثماني، ص55- 56). وكان لواء القدس يشتمل على ثلاث عشر ناحية، كانت مدينة الخليل عاصمة أكبرها. وكان يقف على رأس هذه النواحي مشايخ محليون يُعيّنون من ولاة الشام ويتمتعون بمكانة اقتصادية وسياسية مهمة (مناع، لواء القدس في أواسط العهد العثماني، ص 77-78).

وبحسب بعض المصادر، كان يوجد في أوائل القرن التاسع عشر ديوان أو مجلس للشورى يعمل إلى جانب متسلم لواء القدس، ويناقش المسائل المهمة المتعلقة بشؤون الإدارة. وكان هذا المجلس يضم عادة القاضي الشرعي الحنفي، ومفتي الحنفية، ونقيب الأشراف، كما كان يضم أحياناً عدداً من العلماء والأعيان وضباط الفرق العسكرية وعلى رأسهم الآلاي بك وآغا الانكشارية. كما كان المتسلم يعتمد على العاملين في الجهاز الإداري، ومن أبرزهم الكاتب، الذي كان يقوم بتحرير الأوامر والمراسلات، والصرّاف، الذي كان يهتم بالمداخيل والمصاريف، والمحتسب، الذي كان يساهم في حفظ الأمن والأسعار والاستقرار في القدس وأسواقها، والترجمان (مناع، لواء القدس في أواسط العهد العثماني، ص 69 و ص 72-76).

وكانت تضمن الأمن في لواء القدس، في أوائل القرن التاسع عشر، عدة فرق عسكرية، رابطت في المدينة وقلعتها، من أبرزها الانكشارية، وهي فرقة مشاة رابط أفرادها في المدينة وتمّ تجنيدهم في الأصل من أبناء الشعوب البلقانية، ثم صار ينضم إليها، منذ القرن السابع عشر، مسلمون من سكان الولايات، الذين عُرفوا باليرليان (أو اليرلية).

وكان آغا الانكشارية في إستنبول هو المسؤول عن تعيين ضباط الفرقة في القدس. وقد عُيّن أحد أفراد عائلة العفيفي المقدسية، وهو محمد آغا العفيفي، قائداً لفرقة الإنكشارية في القدس سنة 1809، وذلك بهدف استمالة أهالي المدينة. كما خدم جنود وضباط محليون في الفرقة نفسها من عائلات محلية، مثل عائلات الجاعوني والحموري والنمري ومراد والقطب وغيرها (مناع، لواء القدس في أواسط العهد العثماني، ص 100-103). أما في قلعة القدس، فقد رابطت فرق خاصة كان على رأسها قائد يدعى "الدزدار"، الذي كان مسؤولاً كذلك عن العتاد والسلاح المخزونين فيها وعن السجن ونزلائه.

وقد تولى منصب قائد القلعة بعض أبناء العائلات المقدسية، مثل عائلة العسلي (مناع، لواء القدس في أواسط العهد العثماني، ص 105-106). وتشير المصادر إلى وجود فرق عسكرية أخرى، مثل فرقة التفكجية التي تم تجنيد بعض عناصرها ليكون حرساً خاصاً لحكام القدس وللسرايا، وكان معظم جنود هذه الفرقة من المغاربة، ويقف على رأسهم قائد يدعى "سر تفكجيان".

ويبدو أن مكانة هذه الفرقة قد تعززت في القدس بعد صدور الأمر السلطاني بإلغاء الإنكشارية سنة 1826 (مناع، لواء القدس في أواسط العهد العثماني، ص 118). كما كان فرسان السباهية، أصحاب الإقطاعات من نوعي "الزعامت" و "التيمار"، جزءاً مهماً من الجهاز العسكري، ويقف على رأسهم "الميرالاي" أو "آلاي بك" (مناع، لواء القدس في أواسط العهد العثماني، ص 119-123).

وكان القاضي الحنفي في المحكمة الشرعية هو المسؤول عن تطبيق الشريعة والقانون وإقامة العدل بين الناس، وكانت سلطته مستقلة عن الحكام والعساكر. وكان قضاة القدس في أغلبيتهم الساحقة من غير المحليين. وقد شمل جهاز المحكمة الشرعية، إلى جانب القاضي الحنفي، عدداً كبيراً من المساعدين، كان أبرزهم المفتي الحنفي، ونواب القاضي، أو نواب الشرع، في المدن، ونقيب الأشراف ومفتي الشافعية.

وقد نجحت عائلات مقدسية بعينها، مثل عائلة الحسيني، في احتلال وظيفة الإفتاء ونقلها بين أبناء العائلة بالوراثة، حيث كان آل الحسيني يحتكرون، في أوائل القرن التاسع عشر، ثلاث وظائف مهمة هي وظيفة الإفتاء، ونقابة الإشراف ومشيخة الحرم القدسي (مناع، لواء القدس في أواسط العهد العثماني، ص 133-136 و ص 165-167).

وقد وقف آل الحسيني على رأس عائلات النخبة المقدسية من علماء وأعيان، منذ نهاية القرن الثامن عشر على الأقل. وبالإضافة إلى وظائف الإفتاء ونقابة الأشراف ومشيخة الحرم، تقلد أبناء هذه العائلة وظائف مهمة أخرى في التدريس وتولي أوقاف عامة، مثل وقف النبي موسى، وتنظيم الموسم والزيارة لهذا المقام سنوياً (مناع، لواء القدس في أواسط العهد العثماني، ص 191-200). كما احتل آل الخالدي، الملقبون بالديري سابقاً، مكانة مهمة بين علماء القدس وأعيانها خلال أجيال متتالية. وكان مصدر نفوذ أبناء هذه العائلة عملهم في المحكمة الشرعية، كتاباً ورؤساء لكتاب المحكمة (باشكاتب) ونواباً للشرع (مناع، لواء القدس في أواسط العهد العثماني، ص 200-206). وبالإضافة إلى هاتين العائلتين، برز في القدس دور مهم لعائلات أخرى عريقة الوجود في المدينة، ولأخرى حديثة الصعود تقلدت وظائف علمية وإدارية، مثل عائلات آل جار الله (أبو اللطف)، والجماعي (الخطيب)، والعلمي، والدجاني، وأبو السعود، والإمام، والبديري، والشهابي، وجودة، ونسيبة، وقطينة، والدقاق، والنشاشيبي، وغيرها (مناع، لواء القدس في أواسط العهد العثماني، ص 206-208).

وكان لواء القدس يضم نحو 60000 نسمة، منهم سكان المدينة نفسها وهم 10000 نسمة تقريباً، بينما سكن الباقي الخليل وقرى النواحي المتعددة، والتي كان عددها نحو 150 قرية. وكان سكان قرى لواء القدس في أغلبيتهم العظمى من المسلمين، وقليلهم من المسيحيين، الذين تجمعوا في قريتين كبيرتين هما رام الله وبيت لحم، بينما سكن اليهود في المدينة نفسها، ولم يكن لهم أي وجود في ريف اللواء قط حتى أوائل القرن التاسع عشر (مناع، لواء القدس في أواسط العهد العثماني، ص 240-242).

ويبدو من المصادر المتوافرة أن ثلاث عائلات رئيسية أدت دوراً مهماً في نواحي لواء القدس في مطلع القرن التاسع عشر، وتوارثت زعامتها في مناطقها عدة أجيال، ونجحت في بسط نفوذها حتى إلى خارج حدود نواحيها. أما هذه العائلات الثلاث فهي: آل أبو غوش، مشايخ ناحية بني مالك وزعماء صف اليمن في جبل القدس، وكانت قرية العنب على طريق يافا-القدس معقلهم؛ وآل السمحان، مشايخ ناحية بني حارث وزعماء صف القيس في جبل القدس، وكانت قرية رأس كركر معقلهم؛ وآل العمرو، مشايخ ناحية جبل الخليل وزعماء صف القيس في تلك المنطقة، وكانت قرية دورا معقلهم . وبالإضافة إلى هذه العائلات الرئيسية، كان هناك عائلات مشايخ مهمة في النواحي الأخرى التابعة للواء القدس، مثل عائلة اللحام في ناحية العرقوب، وعائلة عريقات من أبو ديس في ناحية الوادية، وعائلة البرغوثي ومعقلهم في دير غسانة في ناحية بني زيد، وعائلة العزة وعائلة العملة في جبل الخليل، وغيرها من العائلات (مناع، لواء القدس في أواسط العهد العثماني، ص 244-245).

وقد ملأ مشايخ النواحي والقرى البعيدة عن أسوار مدينة القدس الفراغ الأمني الناشئ من خلال ميليشيات فلاحية نظّموها، وسرعان ما تحوّلت إلى ما يشبه الجيوش. ولم يكتفِ هؤلاء المشايخ بدور الوسيط بين الدولة والأهالي، بل قاموا بأنفسهم بالسيطرة على العديد من صلاحيات الحكم والإدارة. وصار لهم دور مهم في حفظ أمن الطرقات وتأمين عابري السبيل وحمايتهم، كما صاروا يجبون ضرائب من عابري السبيل، أهمها ضريبة الغفر، في مقابل حمايتهم على تلك الطرقات. وشيئاً فشيئاً، صار مشايخ النواحي والقرى جزءاً من بنية الإدارة المحلية، يتولون مهمة جباية الضرائب من الأهالي أو التزامها، في مقابل حصولهم رسمياً على نسبة 3 في المئة من مجموع الضرائب التي يجبونها من ناحيتهم.

وعندما كانت مصالح أهالي الريف الحيوية تصطدم بسياسة الدولة، كان المشايخ يقفون، غالباً، على رأس ميليشياتهم من الفلاحين لصد عساكر الولاة والمتسلمين (مناع، لواء القدس في أواسط العهد العثماني، ص 257-263). وقد توطن بعض عائلات مشايخ النواحي في المدن، وصاروا جزءاً عضوياً من نخبتها الاجتماعية السياسية. ففي نابلس، توطن آل جرار، وقاسم الأحمد، وعبد الهادي، والجيوسي والبرقاوي، وتسلموا أحياناً وظائف عالية بما فيها وظيفة المتسلم، وبات هناك تداخل بينهم وبين عائلات النخبة النابلسية، مثل طوقان والنمر، التي كانت صاحبة إقطاعات ومصالح اقتصادية متشعبة في المناطق الريفية. وفي القدس، تعاون آل الحسيني مع مشايخ آل أبو غوش، المسيطرين على طريق القدس-يافا، كما أقاموا علاقات تعاون مع مشايخ النواحي الأخرى في جبال القدس والخليل (مناع، لواء القدس في أواسط العهد العثماني، ص 280-285).

أما في لواء نابلس، فقد برز عدد من عائلات الأمراء أو الآغوات والبكوات الذين تنافسوا فيما بينهم على تولي حكم اللواء، وتوزعوا على فريقين، ترأس أحدهما آل جرار والنمر، بينما تزعم الفريق الثاني آل طوقان. وإذا كان آل طوقان قد نافسوا آل جرار في شأن متسلمية نابلس، بل احتكروها عدة أعوام أيام حكم موسى بك طوقان، فإن آل جرار حافظوا على تقلد منصب متسلمية لواء جنين (اللجون سابقاً)، التابع أيضاً لولاية الشام، واحتكروه بلا منازع تقريباً، بعد أن ورثوا، خلال القرن الثامن عشر، مكانة آل طراباي في تلك المنطقة (مناع، لواء القدس في أواسط العهد العثماني، ص 58-59).

وتمتع سكان جبل نابلس، منذ القرن الثامن عشر، بقدر كبير من الحكم الذاتي، تحت مظلة الحكم العثماني. فبينما اكتفى أبناء النخبة المحلية في القدس بتقلد المناصب العلمية والدينية، وتركوا لولاة الشام تعيين المتسلمين من رجالهم ومعاونيهم، شغل أبناء العائلات المحلية في نابلس، بالإضافة إلى منصب متسلم اللواء، معظم الوظائف العسكرية والإدارية، إضافة إلى العلماء في المحكمة الشرعية (مناع، لواء القدس في أواسط العهد العثماني، ص 58-59).

المصادر
بازيلي، قسطنطين، سورية وفلسطين تحت الحكم العثماني، ترجمة طارق معصراني، موسكو، دار التقدم، 1989.

دوماني، بشارة، إعادة اكتشاف فلسطين. أهالي جبل نابلس 1700-1900، بيروت، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2002 (الطبعة الثانية).

رافق، عبد الكريم، "فلسطين في عهد العثمانيين (1): من مطلع القرن العاشر الهجري/السادس عشر الميلادي إلى مطلع القرن الثالث عشر الهجري/التاسع عشر الميلادي [1516-1800]"، في: الموسوعة الفلسطينية، القسم الثاني (الدراسات الخاصة، المجلد الثاني)، بيروت، 1990، ص 695-848.

رافق، عبد الكريم، "فلسطين في عهد العثمانيين (2): من مطلع القرن الثالث عشر الهجري/التاسع عشر الميلادي إلى العام 1326 هجري/1918 ميلادي"؛ في: الموسوعة الفلسطينية، القسم الثاني (الدراسات الخاصة)، المجلد الثاني، بيروت، 1990، ص 849-990.

السامري، إبراهيم الدنفي، ظاهر العُمر وحكام جبل نابلس 1185-1187 هجري-1771-1773 ميلادي، مخطوطة حقّقها وبوّبها وشرحها موسى أبو ديّة، نابلس، جامعة النجاح الوطنية-قسم التاريخ والآثار، نيسان 1986.

سعيد، حسن إبراهيم، يافا من الغزو النابليوني إلى حملة إبراهيم باشا (1799-1831)، بيروت، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2008 (طبعة ثانية منقحة).

صافي، خالد محمد، الحكم المصري في فلسطين 1831-1840، بيروت، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2010.

العكاوي، م، ظاهر العمر الزيداني، لبنان، مطبعة القديس بولس، [من دون تاريخ].

غنايم، زهير غنايم عبد اللطيف، لواء عكا في عهد التنظيمات العثمانية 1281-1337 هجري- 1864-1918 ميلادي، بيروت، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2005 (الطبعة الثانية).

مناع، عادل، تاريخ فلسطين في أواخر العهد العثماني 1700-1918 (قراءة جديدة)، بيروت، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2003 (الطبعة الثانية).

مناع، عادل، لواء القدس في أواسط العهد العثماني: الإدارة والمجتمع منذ اواسط القرن الثامن عشر حتى حملة محمد علي باشا سنة 1831، بيروت، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2008.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- تاريخ فلسطين العثماني - الحلقة الأولى - فلسطين في العهد العث ...
- الشيوعيون العرب والنضال ضد الفاشية والنازية
- من تاريخ الصحافة الشيوعية العربية في فلسطين
- قرن على الصراع العربي - الصهيوني: هل هناك أفق للسلام؟
- عصبة التحرر الوطني في فلسطين (1943-1948): تجربة تنظيم شيوعي ...
- مساهمة في النقاش حول اليسار ومستقبله
- لا تزال فلسطين همّاً فكرياً عربياً؟
- تحرر المرأة في خطاب عصر النهضة
- صادق جلال العظم- فيلسوف ماركسي منفتح على العلم وتطوّره
- جديد- بنيامين نتنياهو في سياق مواقفه وتوجهاته -القديمة-
- رواد الحداثة المجتمعية والدعوة الوطنية في بلاد الشام
- النكبة ومعناها في مرآة العقل النقدي
- تجاوز الموقف الملتبس من العلمانية أحد مداخل تجديد الفكر القو ...
- تطور مفهوم الجهاد في الفكر الإسلامي
- أضواء على تجربة اليسار في فنزويلا
- بورتو أليغري: محطة جديدة على طريق أنسنة العولمة - فلنتفاعل م ...
- ما هي آفاق الدعوة إلى تجديد الفكر الإسلامي؟


المزيد.....




- -داعش- أعدم 128 شخصا في القريتين السورية
- واشنطن تدعو قائد الجيش الإندونيسي إليها وتغلق الباب في وجهه! ...
- روحاني ينتقد موقف الدول الأوروبية ويكشف ما فعلته خلال الحرب ...
- كلب ماكرون يقضي حاجته في الإليزيه (فيديو)
- قتيل وستة جرحى في حوادث إطلاق نار قرب منجم في إندونيسيا
- مجزرة جديدة.. داعش يعدم عشرات المدنيين وسط سورية
- حركة التغيير الكردية تدعو إلى استقالة بارزاني
- قتيل وستة جرحى في حوادث إطلاق نار قرب منجم في إندونيسيا
- عائدو الروهينغا.. مصادرة الأرض ونهب المحاصيل
- حروب أميركا التي لا تنتهي


المزيد.....

- ملامح التحول والتغير في البنية الاجتماعية في الضفة الغربية و ... / غازي الصوراني
- كتاب التطور الفلسفي لمفهوم الأخلاق وراهنيته في المجتمع الفلس ... / غازي الصوراني
- التطور الفلسفي لمفهوم الأخلاق وراهنيته في المجتمع الفلسطيني / غازي الصوراني
- مخيم شاتيلا : الجراح والكفاح / محمود عبدالله كلّم
- الصديقان العزيزان أ.د ناجي صادق شراب و أ.د أسامة محمد أبو نح ... / غازي الصوراني
- نقد الصهيونية / عبد الرحمان النوضة
- هزيمة حزيران 1967 وتطوّر حركة المقاومة الفلسطينية / ماهر الشريف
- لا… إسرائيل ليست ديمقراطية / إيلان بابيه
- في الذكرى الخامسة والثلاثين لتأسيس حزب الشعب الفلسطيني / نعيم ناصر
- لماذا كان الفشل حصيلة صراعنا، على مدى خمسين عام، مع الاحتلال ... / نعيم الأشهب


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - ماهر الشريف - تاريخ فلسطين العثماني - الحلقة الثانية - فلسطين في العهد العثماني المبكر