أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم - ماجد خمرة - حركة الاحتجاج في اسرائيل، أمن المعقول ؟















المزيد.....


حركة الاحتجاج في اسرائيل، أمن المعقول ؟


ماجد خمرة

الحوار المتمدن-العدد: 4013 - 2013 / 2 / 24 - 22:40
المحور: اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم
    


وجهة نظر/ عوضا عن الدراسة
ان مرور سنة ونيف على ما يسمى بحركة او حركات الاحتجاج الاسرائيلية ، كانت كفيلة بزيادة المراهنات المدعومة بالمعطيات الكمية والنوعية سواء التأكيد او النفي لما هو متبع عند التحليل الاقتصادي- السياسي للظواهر. فالحديث عن حركة الاحتجاج الاسرائيلية التي بدأت كظاهرة احتجاج الخيام او احتجاج السكن ومن ثم الاحتجاج الاجتماعي يجب ان لا تتخطى المعقول والمنطق العلمي للبحث وصولا الى تجيير الدلالات والمؤشرات لصالح الاحكام المسبقة بغض النظر عن الوجهة الايديولوجية والانتمائية. الادبيات الاسرائيلية في اللغة العبرية لم تبخل على مختلف انحيازاتها الفكرية بالتحليل من خلال وسائل الاعلام ولا سيما الشبكات الاجتماعية من خلال الالكترونيات والمواقع في الانترنيت ، حيث قامت قيادة هذه الحركة باستخدام موقعا رسميا يدعى " العدل الاجتماعي . احتجاج السكن ، الموقع الرسمي للنضال " متخذين من الحرف الاول من الشهر يوليو" J" والرقم 14 علامة العنوان " J14" للدلالة على بدء الاحتجاجات في 14 يوليو 2011 . ويستشف من المنشورات الاسرائيلية انه بقدر ما يحاول الاحتجاجيون التأكيد من خلال المعطيات على الفجوات الاقتصادية اتي وصلت اليها البلاد جراء السياسات الاقتصادية لحكومة نتنياهو بقدر ما يؤكد ممثلو المؤسسات الحاكمة على انجازاتهم بتخطي الازمة العالمية او تخفيف حدة وطأتها على أقل تقدير . وبقدر معين تتخبط الافكار داخل الحركة من داعم ومن معارض.
قبل البدء في عملية تحليل ظاهرة هذه الحركة وجب علينا تحديد " الخلية " المركزية التي تتمحور بها جميع المتناقضات، التي بدونها لا يمكن الوصول الى ظاهرة الحركة الاحتجاجية . إذن لا بد من التوقف عند ما يسمى " الفئات الوسطى " في اسرائيل التي تحولت الى طبقة وسطى بحسب مطانس شحادة ( عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ، 13/9/2012 ) في هذا السياق يتحدث مطانس عن " انه لم تكن هناك اسباب اقتصادية قوية للبدء في عملية احتجاج جماعية ، وان الاحتجاجات لا تطال الفئات الفقيرة المسحوقة لان نسبتها من المجتمع اليهودي قليلة للغاية ، بل هي احتجاجات لطبقة وسطى تواجه تآكل في القدرة الشرائية بسبب ارتفاع اسعار السلع والمنتجات وارتفاع اسعار السكن، وبسبب سياسة الضرائب الحالية. وهو ما يوصلنا الى السبب التالي لغياب احتجاج في السنوات السابقة ، كون الفئات الوسطى الحالية تحولت الى طبقة وسطى بفضل السياسات الاقتصادية الليبرالية وعولمة الاقتصاد الاسرائيلي وتحول المركز الإسرائيلي الى مدينة معولمة . "
ان طبيعة اسرائيل غير الطبيعية الناجمة عن جوهرها واسباب ظهورها تصعب دائما مسألة التعريفات وملائمتها لطابعها، فخذ على سبيل المثال انها وصفت في السبعينيات كدولة اشتراكية نظرا لمدى تدخل الدولة في الشؤون الاقتصادية تعاملا مع المبادئ النيوكينزية ووصفت بدولة نامية نظرا لحجم الديون الخارجية للقطاع العام ( مجمل التزامات الحكومة الاسرائيلية ، البنك المركزي – بنك اسرائيل والمؤسسات القومية تجاه من هم ليسوا من مواطني الدولة ) التي بلغت في نهاية العام 2011 حوالي 29 مليارد دولار أو ما يعادل 22 الف دولار للفرد الواحد من الديون العامة في الربع الاول من العام 2012 . نضيف الى ذلك تعدد القطاعات آنذاك ( الحكومي – الهستدروتي- الخاص ). ووصفت بالدولة المتطورة نظرا لتبوئها مركز الصدارة في الصناعات الإلكترونية والهايتك ، الاختراعات وانجازات عالية المستوى في الصناعة العسكرية ذات النتائج المثبتة في الحروب. طبعا هذه الاوصاف تعرضت الى تغيرات معينة لا سيما في عصر العولمة . ان تعددية التصنيفات تتعقد أكثر عند مراجعة المشهد الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الداخلي. فلتحديد الفئات الوسطى او الطبقات الوسطى (استخدام مصطلح الفئات او الطبقة الوسطى في هذا السياق سيّان بحكم التجرد ) كما يحلو لأقطاب حركة الاحتجاج القول. نشير بان هنالك عدة تعريفات تتلائم مع متغيرات كالدخل والاملاك والمهنة وغيره من مؤشرات الوضعية الاجتماعية-الاقتصادية.
ومن احدى التعريفات هي تلك التي تأخذ بعين الاعتبار الاستقطاب الحاصل بالمداخيل وبالتالي فالطبقة الوسطى هي تلك الفئة من السكان المتواجدة بين طرفي النقيض من المداخيل للأغنياء والفقراء. ولهذا الهدف حُدد سلم خماسيّ حيث يكون %60 من السكان ضمن الطبقة الوسطى. هذه هي نسبة ثابتة وما يتغير في داخلها هو مدى حجم الموارد الاقتصادية اتي تملكها .
وفي تعريف آخر يجري التحديد وفق مستوى الدخل ( الدخل الصافي واحيانا غير الصافي حسب حجم الاسر ) مقارنة بالدخل الوسيط الذي يحدد بدوره خطّ الفقر . هذا ما قام به بنك اسرائيل ( تقرير بنك اسرائيل 2011 – إشكاليات في سياسة الرفاه الاجتماعي ) ، حيث قسم السكان لأربعة مستويات حسب الدخل الصافي للعائلة. مستوى منخفض- دخل أقل بـ %75 من الدخل الوسيط, مستوى وسطي من %125- %75 من الدخل الوسيط, مستوى وسطي عالي من %200 -%125 ، مستوى عالي اكثر من %200.
وللتدقيق اكثر فالطبقة الوسطى تضم الاسر ذات الدخل غير الصافي الذي يتراوح بين %125- %75 من الدخل الوسيط، وهو الامر المعتمد دوليا. هنا علينا أن نشير للفرق بين متوسط الدخل الذي تستخدمه وتفضله دائرة الاحصاء المركزيّة والدخل الوسيط. يحاول الاقتصاديون استخدام الدخل الوسيط الذي هو عبارة عن معدّل الوسيط الاحصائي ( بعبارة اخرى هو خط دخل يفصل نصف الاجيرين ممن يتقاضون من تحته ونصفهم الاخر- من فوقه). قدّر هذا الخط بحوالي 6000 شاقل غير صافي شهريا في العام 2010.
الاحصائيات الحاليّة تشير بأن نصف المستخدمين يتقاضون أقل من 5812 شاقل غير صافي في الشهر وان أجر %75 من العاملين هو أقل من 10243 شاقل في الشهر. حوالي %25 من العاملين يتقاضون أجرا أقل من 3451 شاقل غير صافي في الشهر، أي أقل من أجر الحد الادنى القانوني- 4100 شاقل غير صافي في الشهر. فوفق هذه المعطيات فان مداخيل الطبقة الوسطى تحسب بين الدخل المنخفض لـ %25 من العاملين وبين دخل الـ %75 منهم وبالتالي فهذه الطبقة يتقاضى اعضاءها اجرا ما بين 3451 شاقل و 10243 شاقل غير صافي شهريا.
تجدر الاشارة ان دائرة الاحصاء المركزيّة تعلن كل شهر عن معدل متوسط الاجر المحسوب حسابيا والذي يتراوح في هذه الايام ما قيمة 8,000 شاقل غير صافي الامر الذي يتأثر كثيرا من الاجور العالية جدا، وبالتالي فان الاواسط الاكاديميّة ومؤسسات اقتصاديّة معينة تطالب باحتساب معدل الوسيط الاحصائي الذي يعادل 6,000 شاقل, لان هذا المعدّل فيما لو اعتمد رسميا حتما سيؤكد مدى تقارب الطبقة الوسطى للفئات الضعيفة في المجتمع الاسرائيلي.
وبالمقابل يرى عدد من الباحثين كالدكتورة كارنيت فلوج – نائبة عميد بنك اسرائيل بانه حسب المعطيات والمؤشرات لم تطرأ اية تغيرات على المستوى الاقتصادي لهذه الفئات فمن خلال بحث أجرته في هذا الخصوص تحت عنوان " من أنت ايتها الطبقة الوسطى في اسرائيل ؟ " ( إصدار المركز الاسرائيلي للديمقراطية – آذار 2012 ) تؤكد كارنيت من خلال مقارنة معطيات 2010/2011 وسنة 1997 بان تركيبة الدخل لهذه الفئات لم تتغير على مدار 15 عام. فتركيبة مداخيلهم بقيت تتراوح بين %85 - %88 من العمل ، %5 -%9 من المخصصات والدعم و %6 - %7 مداخيل من مصادر مختلفة ( واردات من رؤوس اموال ، صناديق الاستكمال والتقاعد ) وعليه تتساءل عن سبب الاحتجاج !
أما الدكتور دانيال جوطليف – نائب مدير عام مؤسسة " التأمين الوطني " في مقابلة معه أجرتها صحيفة " كلكاليست " ( الاقتصادي ) في نيسان 2011 يؤكد بأن " في الواقع فان الطبقة الوسطى في اسرائيل قد تناثرت واختفت " . لعل الجديد والمثير لدى جوطليف هو تقسيمه للطبقات مستخدما مصطلحين اساسيين : الاغتراب والتماهي. ففي حالة تباعد معدل الدخل لطبقة ما من معدل دخل طبقة أخرى يكون الاغتراب. وعلى هذا المنطق يتحدد التماهي. فمدى تقارب المداخيل المتأتية من العمل ورأس المال للأفراد بقدر ما سيتبادلون الاحساس بالتماهي والتضامن والشعور بالانتماء للطبقة الواحدة.
ومن نتائج بحثه التأكيد على تعمق الاستقطاب الاجتماعي. ففي العام 1997 وفق مقولتي الاغتراب والتماهي كانت في اسرائيل أربع طبقات – الدنيا ، المتوسطة-المنخفضة ، المتوسطة-العليا ، العليا. وفي العام 1998 انقسم المجتمع الإسرائيلي الى ثلاث طبقات : الدنيا ، الوسطى والعليا. استمر هذا التوجه حتى العام 2007 حيث برزت الهوّة بين الطبقات الثلاث.
وفي العام 2008 تحديدا انقسم المجتمع وفق الاغتراب والتماهي الى طبقتين : الدنيا والعليا وبهذا تكون الطبقة الوسطى زالت عن الوجود. وفي هذا المنطق تتجلى سياسة " افقار الفقراء وإثراء الاغنياء " في اعلى اشكال ظهورها. يبقى السؤال مفتوحا بالنسبة لمدى ثبات المجتمع متعدد الطبقات ، يكثر به التماهي ويقل الاغتراب ام ثنائي الاستقطاب يتعمق به الاغتراب؟
طبعا جوطليف كغيره يقدم حلولا بزيادة تدخل الدولة وزيادة الميزانيات للخدمات العامة كتحسين بدل البطالة وغيره. الا انه يقدم نظرة مستقبلية متشائمة كقوله " اذا ما استمرينا في هذا المسار، لن نعرف ماذا سيحصل. وفي العشر سنوات القادمة سينفجر الوضع. اليوم في الدول العربية وغدا عندنا. سيحصل شيء يقضم ظهر الجماهير. لا نستطيع التنبؤ كيف ومتى ولكن عندما يتمّ الأمر، عندها لن يهمّ أحد ما هي الدوافع الاولية ".

من الواضح احصائيا وتعريفيا ان الطبقة الوسطى هي التي تتحمل الاعباء من فوق ومن تحت. ومن الواضح ايضا انها هي الحامل الاساسي لأعباء الضريبة وهي المستهلك النوعي الاكثر أهمية للاقتصاد وللخدمات العامة كالتربية والتعليم والحياة الترفيهية والثقافيّة وهي المقلد الاساسي للحياة اليوميّة الجارية في الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربيّة. فقد دخلت هذه الفئات في دوامة المستوى المعيشيّ وتناقضها مع الكيفية المعيشية ضاربة عرض الحائط مقولة المستوى لتنعم بأحضان الكيف البرجوازي كما تراه في الافلام بل قل كما تعيشه انصاف عائلاتهم في الخارج ولا سيّما أمريكا.
هذه الفئات الوسطى التي ازداد حجمها بعد السبعينات عقب دخول بعض من فئات الشغيلة –الاجيرة الى اوساطها جراء الانقلاب السياسي الاقتصادي في العام 1977 وصعود حزب الليكود بقيادة مناحيم بيغن, هذه الفئات توهمت بالمخارج المالية التي اغدقت عليها السياسة الاقتصاديّة الجديدة وعلقت في براثن وفكيّ الحريّة الاقتصاديّة وذاقت الطعم اللذيذ لمنهج الحياة المرفهة مقابل الاقتراض الذي اتاحته البنوك التجاريّة المراقبة عن طريق الحكومة والبنك المركزي- بنك اسرائيل لا تستطيع العودة الى حياتها اليوميّة التي كانت قبل العام 1977. ان دخول هذه الفئات قد زاد من الوزن النوعي الاحصائي لعدد الفئات الوسطى. نسوق هذه الظاهرة التي تتجاهلها المعطيات الرسميّة وحتى التحليلات الاكاديمية للاقتصاد الاسرائيلي. ان التحديد بان حوالي %60 من الاسر الاسرائيليّة (يشمل العرب والحراديم) هي اللب الكمّي للطبقة الوسطى يبدو مبالغا, لكن عندما نأخذ بعين الاعتبار التطور الاقتصادي الاسرائيلي وتحديدا فترة دخول تلك الفئات لهذه الاوساط نستطيع ان نفهم أو نتفهم حجم هذه الطبقة. وبتقديري فان الفئات الدخيلة الناجمة عن الانقلاب السياسي الاقتصادي من العام 1977 تتراوح نسبتها بين ال %20 وحتى %25.

الفئات الوسطى او حسب المصطلحات الاسرائيليّة وحتى الفلسطينيّة الطبقة الوسطى ما هي سوى ما يمكن تسميته بالمجموعات المدينية (من مدينة) المتوسطة وبهذا التعريف نكون قد نفينا الفئات القرويّة. مصطلح القرية اقتصاديا في اسرائيل على ما اعتقد غير قائم. واذا دار الحديث حول الكيبوتسات فالمسألة غير واردة. فتسمية القرية (كفار) في العرف الاسرائيلي الصهيوني هو تسمية اسمية لا تعبر عن الجوهر الاقتصادي الاجتماعي، عن التواجد الفعلي- للمجموعة السكانيّة. فكفار "بلوم " على سبيل المثال هو ليس بقرية بالعرف الفلسطيني او حتى الدولي اذ انه عبارة عن مجمع اقتصادي– سياحي وكفارسابا هي مدينة حسب كل المواصفات. مفهوم القرية في اسرائيل يشير الى القرية العربية.
ولهذا السبب فقد أوجدت دائرة الاحصاء المركزيّة تعريفا اضافيا للطبقة الوسطى وذلك وفق تقسيم السلطات المحليّة لعشرة عناقيد وفق 14 متغيرا ديموغرافيا اقتصاديا واجتماعيا. هذا التقسيم لا يذهب بعيدا عن نسبة الـ 60% ليشير الى 68% من الاسر التي تعيش ببلدات تخص الطبقي الوسطى من الناحية الاجتماعيّة والاقتصاديّة.
وللمزيد من الفهم المنهجيّ للمقدمات الاجتماعيّة – السياسية والاقتصادي لتشكل هذه الفئات يجب التطرق الى مراحل التطور الاقتصادي لإسرائيل وتحديده بتجرد الى مرحلتين. الاول منها منذ قيامها وحتى العام 1977 حيث تميز الفكر الاقتصادي الاسرائيلي باللون الكينزيانيّ ممزوجا بالفكر الصهيوني – الاشتراكي الذي يمتد جذوره الى القرن التاسع عشر في اوروبا.
تميزت هذه الفترة بتدخل الحكومة الفعلي بكل العمليات الاقتصاديّة وتصاعد تشكل المجمع العسكري الصناعي في ﺁن. أي تمازج التنظيم الاقتصادي الحكومي مع قوة الاحتكارات. وعرّفت هذه المرحلة على الاقل في بدايتها بالأعجوبة الإسرائيلية. في مرحلة هذه الاعجوبة حرصت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة والتي اتسمت بالتجانس الايديولوجي (ما عدا حرب حزيران 1967- حكومة الوحدة القومية) في المجال الاقتصادي على ايجاد التوازنات في كافة المجالات وتطوير ما يسمى بدولة الرفاه الاجتماعي متأثرة ليس فقط بالجذور لما يسمى " الصهيونية الاشتراكيّة "، بل ومن انجازات الدول الاشتراكيّة والاتحاد السوفياتي سابقا. حينها حرصت على "تأحيد" الانماط الحياتيّة لكافة فئات السكان من اليهود وخلق "الاسرائيلي الجديد" كجزء من نموذج خاص يُعرض على باقي دول العالم. فكان تدخل الدولة في الحياة الاقتصاديّة واضحا للعيان ومن جملته تدعيم ما يسمّى "الجماهير الشعبيّة"، لذلك أوجدت مؤسسة بالغة الاهميّة, أشبه بالصناديق الاجتماعية (في الدول الاشتراكيّة سابقا) هي مؤسسة " التأمين الوطني " التي تأسست رسميا في العام 1954 وما زالت تعمل الى يومنا هذا. لا نريد الدخول في تفاصيل هذه المؤسسة بقدر ما يتعلق الامر بفهم المقدمات التاريخيّة والاقتصاديّة لنشوء حركات الاحتجاج من زاوية التناقض بين دولة الرفاه الاجتماعي أو دولة المعونة الاجتماعيّة.

مؤسسة "التأمين الوطني" لعبت دورها التاريخي في هذه الفترة حيث حرصت على تقديم المساعدات المالية وفق الاحتياجات بعد احتساب دخل الاسرة الواحدة، ودفعت بدل البطالة وفق معادلات حسابيّة، مخصصات الاطفال (بغض النظر عن المداخيل الأسريّة) والشيخوخة، الارامل، عائلات احادية الوالدين، نفقات الولادة، دفن الموتى والعديد من الامور الحياتيّة. طبعا كانت موارد هذه المخصصات من المدفوعات الشهرية للأجيرين وارباب العمل.
ما يميّز هذه الفترة، أي لغاية العام 1977 هو بروز الجانب الرفاهي أكثر من الجانب الاعانيّ، الامر الذي خلق فئات شعبيّة تتأرجح بين الوسطية والفئات الادنى منها. كل ذلك كان يجري تحت عيون الدولة المراقبة والمنظمة والمسيّرة والخالقة للظروف والظواهر خلافا للادعاء بأن أحداث جدية قد صاغت طابع الدولة.

أما المرحلة الثانيّة فهي مرحلة ما يسمى بالانقلاب من العام 1977 حين صعد حزب الليكود الى الحكم ليقضي على كل سميّ بدولة الرفاه الاجتماعي وبالقضاء المدروس حسب الامكانيات لكل علامات ادارة الاقتصاد الحكومي .حتى النقابات العامة (الهستدروت) لم تنجُ من هذه الضربات. فكان المخطّط لهذا الانقلاب ميلتون فريدمان الذي جاء خصيصا لإسرائيل ليرسم لها المسار النيوليبرالي المحافظ ووضع لها الخطط المفصلة والشروط التي ستؤدي حتما للخروج من دوامة تدخل الدولة في الحياة الاقتصاديّة ومنها لَبْرلة الليرة الاسرائيليّة وما نجم عن ذلك من تعويمها، الغاء قسم كبير من السوبسيديا الحكومية للمواد والخدمات الاساسية، استفحال الغلاء، وباختصار فتح الابواب أمام اقتصاد السوق وابقاء الدولة لتلعب دور المحافظ على أصول لعبة السوق والتدخل أحيانا لصالح الاحتكارات الكبيرة.

من جملة هذه الضربات كانت تقييد الاحكام على مؤسسة "التأمين الوطني" بحجة القضاء على الفئات الطفيليّة التي فضلت العيش على الاعالة من دون البحث عن العمل على الرغم من ارتفاع معدلات البطالة بدءا من هذه المرحلة. وبالتالي فقد تحولت دولة الرفاة الاجتماعي الى دولة الاعالة للمعدمين.
من الواضح ان مدة 35 عام من اتخاذ التدابير النيوليبرالية قد تركت بصماتها في تعميق الهوّة الاجتماعيّة الاقتصاديّة في المجتمع الاسرائيلي خالقة بذلك طبقتين غير كلاسيكيتين تتحددان وفق مؤشرات معقدة قد ندخلها لكن لن نعرف كيف نخرج منها، الا اذا قررنا ان المداخيل هي الحّد الفاصل.
ان الحركات الاحتجاجيّة في اسرائيل على مختلف انواعها، جوهرها، مبادريها ومركباتها الاجتماعيّة الاقتصاديّة وحتى السياسيّة لا يمكن تجاهل مدى تأثيرها على متخذي القرارات في الحكومة الاسرائيليّة. ففي موقع الانترنيت 24/7/12 لحركة الاحتجاج, يقول أحد الناشطين "لا يكفي أن تكون محقا وان تتألم لكل ضائقة- عليك العمل بحكمة. ان احتجاج 2011 نجح بتغيير سلم الاولويات في اسرائيل خاصة ان من قام بالاحتجاج هو الطبقة الوسطى والتي بدت وكأنها محصّنة من أي مشكلة" .
ان ما يؤكده هذا الناشط وعن طريقه سائر النشطاء هو تغيير سلم الاولويات، وهذا فعلا ما تمّ تنفيذه منقوصا ولا يفي بكل المطالب التي قامت على اساسها هذه الحركة.
مهندسو السياسات الاسرائيلية كانوا رسموا مساحات للحيّز الحياتي لكل مجموعة من مواطني الدولة من العرب والحراديم والمتدينين والاشكناز والسفارديم والمهاجرين وحتى الجمعيات غير الحكوميّة. هذا الحيّز الحياتيّ المرسوم والمحدد يسمح للمجموعة اللعب في ساحتها، من الاحتجاج الصامت وحتى الصاخب شريطة أن لا يتعدى الحدود الحمراء التي وُضعت مسبقا.
فحيّز حركات الاحتجاجات استطاع ان يحدث تغيرا ولو طفيفا حتى في نوعية مصطلحات الخطاب العام التي غابت عن القاموس الاسرائيلي كالاستغلال والانانيّة، الرأسمالية الخنزيريّة، الأوليكاريخيه وغيرها وحتى الرجوع الى كارل ماركس احيانا. هذا الحيّز والذي أفرز احزابا سياسيّة في الماضي وفي الحاضر باعتبارها وسطيّة وتعنى بشؤون فئات الطبقة الوسطى لن يشكل الضمانة المستقبليّة لا في السياسة ولا في الاقتصاد. فالحصانة الاقتصاديّة في اسرائيل وعلى رغم مرورها بالأزمات الدوريّة للرأسمالية الاحتكاريّة ما زالت تمسك في زمام الامور السياسيّة تعاملا مع تغليب السياسي على الاقتصادي في الحالة الاسرائيليّة.
خلاصة:
بما اننا حاولنا تحديد ماهية هذا الاحتجاج وبالأساس حامله – الطبقة الوسطى- ليس من الواضح تماما بان هذا الحامل هو من سيقود فيما بعد مجمل معطيات الحياة الاقتصاديّة الاجتماعيّة والسياسيّة . فالأحزاب السياسيّة التي قامت لتمثل هذه الطبقة كانت وما زالت ظاهرة عابرة تذروها الرياح والامزجة السياسيّة لكنها ليست اعتباطيّة. بل كحاصل لدراسة واصرار اصحاب رؤوس الاموال الكبيرة جدا والمدعومة من داخل وخارج الحكومات المتعاقبة في اسرائيل. فاذا كان الخطاب الأمني- القومجي هو السائد والمتنفذ في الأجواء الاسرائيلية وهو أشبه بالمسلمات جاءت هذه الاحتجاجات لتزاحمه على حيّز معين من خلال خطاب اجتماعيّ لا يمكن تجاهله.
فمن منظور المستقبل المبني على اساس الحاضر المتولد من تجربة الماضي ستشكل هذه الحركة على علاتها مدماكا تراكميا مضافا الى من سبقها من احتجاجات حتى لو اختلفت الاشكال والظروف وجوهر كل حركة احتجاجيّة . لعل التغيرات والتراكمات الكميّة ستحدث تغيرا نوعيا تحمد عواقبه.
د. ماجد خمرة





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,328,997,353
- شيء ما من الماركسية على تخوم الأول من أيار
- هل ما زلنا ماركسيين؟!
- ملاحظات لما بعد المؤتمر ال 25 للحزب الشيوعي الاسرائيلي


المزيد.....




- بعد كلمته قوية ضد إيران.. تحركات واسعة لنائب وزير دفاع السعو ...
- الغارديان: -السودانية ذات الثوب الأبيض أيقونة ولكن الحقيقة ل ...
- العقوبات الأمريكية على إيران: إلى أي مدى تؤثر على أسعار النف ...
- المجلس العسكري الانتقالي بالسودان ينظر في استقالة ثلاثة من أ ...
- انطلاق القمة بين بوتين وكيم في فلاديفوستوك الروسية
- الدرع الصاروخي الأمريكي... أهدافه لم تعد خافية
- -ناسا- تنتهي من بناء -مستكشف المريخ-!
- محافظ إقليم بريموريه يدعو كيم لحفل غداء
- تاريخ العلاقات بين موسكو وبيونغ يانغ
- بومبيو: مرتكبو الهجمات الإرهابية في سريلانكا استلهموا أيديو ...


المزيد.....

- قائمة اليسار الثوري العالمي / الصوت الشيوعي
- رحيل عام مئوية كارل ماركس الثانية / يسار 2018 .. مخاطر ونجاح ... / رشيد غويلب
- قضايا فكرية - 2- / الحزب الشيوعي السوداني
- المنظمات غير الحكومية في خدمة الامبريالية / عالية محمد الروسان
- صعود وسقوط التنمية العربية..قراءة في أطروحات علي القادري / مجدى عبد الهادى
- أهمية مفهوم الكونية في فكر اليسار - فيفيك شِبير ترجمة حنان ق ... / حنان قصبي
- ما يمكن القيام به في أوقات العجز* / دعونا ندخل مدرسة لينين / رشيد غويلب
- أناركيون / مازن كم الماز
- مناقشات بشأن استراتيجية اليسار/ يسار الوسط ..الوحدة المطلوبة ... / رشيد غويلب
- قراءة وكالة المخابرات المركزية للنظرية الفرنسية / علي عامر


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم - ماجد خمرة - حركة الاحتجاج في اسرائيل، أمن المعقول ؟