أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - رويدة سالم - اسلاميون الافاضل تعالوا نتقصى ملابسات مقتل عثمان بن عفان بين الدين والسياسة















المزيد.....



اسلاميون الافاضل تعالوا نتقصى ملابسات مقتل عثمان بن عفان بين الدين والسياسة


رويدة سالم
الحوار المتمدن-العدد: 3963 - 2013 / 1 / 5 - 15:29
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


مقتل عثمان بين الدين والسياسة
ينطلق اسلاميونا في سعيهم لإثبات جدوى منظومتهم الفكرية المعاصرة والتي تعتمد الحكم بالشريعة نصا وسيرة عبر اختيار الحكام بالشورى من سيرة النبي والخلفاء الراشدين باعتبارهم المعصومون الذين يمثلون قدوة وسلفا صالحا يجب السير على خطاهم في سبيل ارساء دولة الاسلام معتبرين انهم اكثر من احترم اسس الدين وعمل بما جاء فيه غاضين الطرف عن تجاوزاتهم في حق الاخر المختلف او تجديدهم في العقيدة بما لم يعمل به نبيهم وبما اقتضته الضرورة حسب تغير ظرفهم الموضوعي محاولين بشتى السبل البحث عن تبريرات لتجاوز هناتهم او اخطائهم في حق الصحابة والمسلمين عامة.
لئن كان حكم ابي بكر قصيرا جدا تلخص في اخماد الردة وتأسيس الدولة بأسلوب لم يشذ فيه عن خلفه كثيرا وكانت خلافته على حد تعبير عمر فلتة وقى الله شرها المسلمين - عن البخاري عن ابن عباس الجزء السادس 2505- لم يتم فيها الرجوع إلى رأي عامة المسلمين وإنما بادر إليها عمر لعلمه بأحقية أبي بكر بالخلافة فارضا امامته على المهاجرين والأنصار الذين بايع بعضهم مكرها وأنكرها اخرون يذكر منهم التاريخ الاسلامي على وجه الخصوص سعد بن عبادة الذي قتل في ظروف غامضة وبايعه عليها بعد حادثة السقيفة والجدال الذي دار فيها عليّ بن ابي طالب والزبير واعتذروا عن التخلف أول الأمر
وكان وصول عمر للسلطة بالتفويض المباشر من ابي بكر دون اي مشاركة في الاختيار من طرف المسلمين "قال أبو جعفر: عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، قال دعا أبو بكر عثمان خالياً، فقال اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما عهد أبو بكر بن قحافة إلى المسلمين: أما بعد. قال: ثم أغمي عليه، فذهب عنه، فكتب عثمان: أما بعد؛ فإني استخلفت عليكم عمر بن الخطاب، ولم آلكم خيراً منه، ثم أفاق أبو بكر، فقال: إقرأ عليه، فقرأ عليه، فكبر أبو بكر، وقال: أراك خفت أن يختلف الناس إن افتُلِتَتْ نفسي من غشيتي! قال: نعم، قال: جزاك الله خيراً عن الإسلام وأهله، وأقرها أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ من هذا الموضع. الطبري3/429" وقد خصصنا لنقد سياسته وتجديده العقائدي بحثا مطولا في الروابط التالية :
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=295943
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=296066
فإن عثمان ثالث الخلفاء تم له الامر عبر شورى وقع الاختيار فيها بين ستة من المرشحين من طرف عمر واشترك فيها عامة وخاصة المسلمين واستمرت لأيام أكد في جولتها الختامية المرشح عثمان انه سيعمل بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخليفتين من بعده في حين قال عليّ أنه سيعمل بمبلغ علمه وطاقته فخسر المناظرة وفاز بها عثمان.

عمل عثمان في حكمه بالنص وسيرة سلفه ومثلهم تماما جدد وأضاف لقواعد الدين ما رآه مناسبا حسب تطور المجتمع في عهده وهو بعض ما انتقده الصحابة وجادلوه فيه.
لماذا اذا بعد تأكيده على العمل بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة من سبقه وبعد ان وافق عليه كل المسلمين على هذا الشرط واجتمعوا على شرعية امامته قاموا بالثورة عليه وقتلوه غيلة ومثلوا بجثته ؟
هل ان قتلته هم ثوار من اهل الدين قراء القرآن والمحاربون تحت رايته والملتزمون به ضد زوغ الحاكم الذي ابتعد عن الاسس العقائدية التي يؤمنون بها وخالف نصهم المقدس ولم يقبل بإصلاح اخطاءه والتراجع عنها بعد ان اعترف بها في حادثة حصاره الاول فقرروا قتله وساند المقتل بعض الصحابة وأبناء الصحابة بسبب ما تعرضوا له من ضيم او من انتقاص من عطاءاتهم مقدمين دعمهم وفتاوى تبيح دمه في صراع عادي على الامتيازات والسيادة ام ان القتلة الذين تسببوا في انفلات المسلمين في حرب دموية طاحنة قتلت الالاف كما يبرر المتعصبون لعثمان هم انصار اليهودي الذي سعى الى افساد اسس الدين وبث الفتنة وتشتيت صف المسلمين بالتنسيق مع اكثر من 20 خارج عن الصف الاسلامي من الغلاة رغم ان الغلو في عليّ والتشيع له لم يكن قد ظهر بعد من بينهم على سبيل الذكر "مالك بن الحارث الأشتر النخعي و محمد بن أبي بكر الصديق و محمد بن أبي حذيفة و عمير بن ضابئ؟
_ هذا اليهودي "عبد الله بن سبأ المعروف بابن السوداء الشخصية الاشكالية التي أورد خبرها فقط سيف بن عمر التميمي المؤدلج جدا الذي جرحه محدثو السنة من امثال النسائي والبيهقي وغيرهما واعترف الطبري انه اخذه عنه حصرا خبره في حين اشار اليعقوبي المتهم بالتشيع ان ابن سبأ هو عمار بن ياسر استنادا للخبر الذي أورده في تاريخه 2/171 "كان عمار قد صلى على ابن مسعود من قبل ولم يؤذن به عثمان ، فساءه ذلك واشتد غضبه على عمار ، وقال : « ويلي على ابن السوداء ! أما لقد كنت به عليما " ونعلم عداوة عمار لعثمان وإنكاره منذ البدء لاختياره خليفة للمسلمين بدلا عن عليّ إذ يذكر الطبري 2/423 أنه قال للمقداد بن الأسود " إن أردت ألا يختلف المسلمون فبايع عليا... قال ابن أبي سرح: إن أردت ألا تختلف قريش فبايع عثمان... فشتم عمار ابن أبي سرح وقال... إن الله عز وجل أكرمنا بنبيه، وأعزنا بدينه، فأني تصرفون هذا الأمر عن أهل بيت نبيكم! فقال رجل من بني مخزوم: لقد عدوت طولاك يا بن سمية؛ وما أنت وتأمير قريش لأنفسها" كما انه في سنة 35 لما ارسله عثمان لتقصي اخبار القالة في مصر انظم للثائرين فيها 2/470 " فلم يفجأهم إلا كتاب من عبد الله ابن سعد بن أبي سرح يخبرهم أن عمارا قد استماله قوم بمصر، وقد انقطعوا إليه"

حسب الطبري نشا نقد عثمان في صفوف الصحابة وزوجات الرسول الذين يعتبرون انفسهم المؤتمنين على ميراث الدعوة المحمدية. حيث نجد على سبيل المثال :
-فعاب ذلك غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؛ وتكلم في ذلك من يريد أن يكثرعليه-الطبري 436/2
- لما كانت سنة أربع وثلاثين كتب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضهم إلى بعض: أن اقدموا، فإن كنتم تريدون الجهاد فعندنا الجهاد وكثر الناس علىعثمان، ونالوا منه أقبح ما نيل من أحد، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرون ويسمعون؛ ليس فيهم أحد ينهي ولا يذب إلا نفير؛ منهم زيد بن ثابت، وأبو أسيد الساعدي، وكعب بن مالك، وحسان بن ثابت.2/468
- لما رأى الناس ما صنع عثمان كتب من بالمدينة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى من بالآفاق منهم - وكانوا قد تفرقوا في الثغور: إنكم إنما خرجتم أن تجاهدوا في سبيل الله عز وجل، تطلبون دين محمد صلى الله عليه وسلم؛ فإن دين محمد قد أفسد من خلفكم وترك، فهلموا فأقيموا دين محمد صلى الله عليه وسلم. فأقبلوا من كل أفق حتى قتلوه. (2/483)
- فلما جاء معاوية الكتاب تربص به، وكره إظهار مخالفة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وقد علم اجتماعهم(2/484)
- اقتلوا نعثلاً فقد كفر – فتوى قالتها عائشة ذكرها الطبري في قول ابن أم كلاب 3/27 :" فوالله إن أول من أمال حرفه لأنت! ولقد كنت تقولين: اقتلوا نعثلا فقد كفر؛ قالت: إنهم استتابوه ثم قتلوه، وقد قلت وقالوا، وقولي الأخير خير من قولي الأول"- وذكرها كل من ابن الأثير في كامله وابن الأثير صاحب النهاية وابن منظور في لسان العرب والزبيدي في تاج العروس وسبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص وابن قتيبة في الإمامة والسياسة وغيرهم.

كما نجد في الامامة والسياسة 1/35 أن المقداد ـ هو وتسعة نفر من الصحابة ـ وجهوا الى عثمان كتاباً يحتوي على سرد بعض الأمور التي خالف بها سنّة رسول الله وسنّة صاحبيه وتعاهدوا ليدفعن الكتاب في يد عثمان ! ومضى عمار بن ياسر بالكتاب ، فكان الرد أن ضُرب وفتقت بطنه ـ كما يقول ابن قتيبة ـ.
وفي أنساب الأشراف صفحه 145 و 146 عن أبي مخنف والواقدي: أنکر الناس علي عثمان إعطاءه سعيدَ بن العاص مائةَ ألف درهم، فکلّمه عليٌّ والزبير وطلحة وسعد وعبد الرحمن بن عوف في ذلک فقال: إنَّ له قرابةً ورَحِماً قالوا: أفما کان لأبي بکر وعمر قرابة وذَوُو رحم؟ فقال: إنّ أبا بکر وعمر کانا يحتسبان في منع قرابتهما، وأنا أحتسبُ في إعطاء قرابتي

وجاء في صحيح مسلم ج 4/53-69 عن همام بن الحارث قال : إن رجلاً جعل يمدح عثمان فعمد المقداد فجثا على ركبتيه ـ وكان رجلاً ضخماً ـ فجعل يحثو في وجهه الحصباء ، فقال له عثمان : ما شأنك ؟ قال : إن رسول الله قال : إذا رأيت المداحين فاحثوا في وجوههم التراب"

بدأ هذا النقد مع التجديد الذي قام به عثمان سواء على المستوى العقائدي او الفعل السياسي ثم تعمق وتجذر مع تجاوزاته في حق الصحابة من اصل متواضع وغير قرشي – عمار بن ياسر وابن مسعود وابو ذر الغفاري الذين عاشوا بين المدينة والأمصار ناشرين نقدهم حيثما حلوا. مثل الثلاثة في روايات الطبري حسب سيرهم وتقييم كل من عرفهم الوجه الحقيقي للإسلام وقد ساهم موقف عثمان منهم وعقابه لهم بجمع المتعاطفين معهم في الامصار.
1) ابن مسعود الذي كان خازنا لبيت مال الكوفة بعد ان قال له عثمان " انما انت خازن لنا" اعتزل منصبه وبدا يعلم الاسلام الذي اخذه عن المصدر مباشرة مدرجا في تعاليمه نقدا مبطنا لعثمان وسياساته واتهمه عثمان بترويج فكرة تحليل دمه (انساب الاشراف)
2) ابو ذر المغرق في طوباويته التقشفية والقائل " يا معشر الأغنياء، واسوا الفقراء. بشر الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله بمكاو من نار تكوى بها جباهم وجنوبهم وظهورهم " تشدد في نقد التبذير والبذخ الذي سلكه معاوية وعثمان وبطانته فكان رد عثمان على رسالة معاوية المتذمرة من دعوته للعدل اعلانا على قطيعة فكرية بين الحاكم والمتمسكين بالمبادئ الروحية المبنية على مساواة قرآنية بين المسلمين واذانا بالفتنة المرتقبة " إن الفتنة قد أخرجت خطمها وعينيها، فلم يبق إلا أن تثب. فلا تنكأ الفرح، وجهز أبا ذر إلي، وابعث معه دليلا وزوده، وارفق به " ثم نفيه الذي تختلف المصادر في كونه اختيارا او مفروضا من طرف عثمان احد المطاعن الرئيسية والتي عمقها دفنه من طرف نفر من اهل الكوفة يضم الاشتر وجرير البجلي مع ما رافق ذلك من عزلة عاش فيها ايامه الاخيرة
3) عمار كان واليا لعمر على الكوفة سنة 22 هـ قبل ان يعزل من منصبه لأنه حسب قول :جرير: هو والله غير كاف ولا مجز ولا عالم بالسياسة." لكنه في عهد عثمان لم يتمتع بأي امتياز مادي او سيادي كصحابي قديم من اهل السابقة والدين. يذكر الطبري أنه رفض علانية بيعة عثمان في حادثة الشورى ودعى الى خلافة علي. لما اسرف عثمان في الاخذ من بيت المال لهباته وشؤونه الخاصة واخذ مالا ومجوهرات حلى بها اهله حسب رواية كتاب الانساب اظهر الناس الطعن عليه فخطب وقال" لنأخذنَّ حاجتنا من هذا الفيئ وإن رغِمتْ أنوف أقوام" فرد عمار "والله أن أنفي أول راغمٍ من ذلك" ويذكر اليعقوبي انه تعرض للضرب جراء قوله ذاك ويؤكد الخبر المحب الطبري في رياضه النظرة حيث يقول أن عثمان "أمر غلمانه فضربوه حتى وقع لجنبه وأغمي عليه، وزعموا أنه قام بنفسه فوطيء بطنه، ومذاكيره حتى أصابه الفتق وأغمي عليه" كما أن واقعة الضرب يتكرر ذكرها عند الطبري إذ يذكر ان عثمان ضربه لكلام بينه وبين عباس بن عتبة بن أبي لهب وفي خبر ثان يسأل فيه مسروق بن الأجدع عمارا قائلا:" يا أبا اليقظان، علام قتلتم عثمان رضي الله عنه؟ قال: على شتم أعراضنا وضرب أبشارنا." يجمع الكتبة على ان العلاقة بين الاثنين كانت سيئة وموقف عمار المعادي لعثمان جعله حسب الطبري لما ارتحل الى مصر سواء منفيا او مرسلا في مهمة من طرف عثمان يستقر بها ويؤجج الشعور بالحقد على الخليفة مكونا حوله اللبنة الاولى التي ستساهم في الثورة على عثمان وقتله.

ان قبلنا حسب روايات الطبري للأحداث ان سلوك عثمان ازاء هؤلاء الصحابة السابقين سلوك سياسي يروم الحفاظ على الدولة الناشئة فقد مثل مما لا شك فيه من وجهة نظر هؤلاء الصحابة ومناصريهم والمتعاطفين معهم تطاولا على سابقتهم وحقهم في ريادة الامة كأئمة طبيعيين بعد رحيل المؤسس ممزقا اواصر التكافل بين الصحابة ومثيرا حفيظة بقية الصحابة وأمهات المؤمنين.
في تلك المرحلة المبكرة من الاسلام وحسب الطبري دوما كان المسلمون متواجدين بالمدينة حيث تمركزت ارستقراطية الصحابة المحاطة بهالة السابقة النورانية والتي امتلأت بموجات من المهاجرين البدو من الحجاز وفي الامصار حيث يتواجد المحاربون العرب وتتمركز القوة الحربية الفاعلة ميدانيا
- الكوفة حيث تواجد ابن مسعود الاب الروحي لمدرسة الفقه والحديث اللاحقة والتي كان يوجد فيها اهل الايام الفاتحين الاوائل سنة 12 هـ واهل القادسية الذين جابهوا الجيش الفارسي واقتحموا المدائن وكانت تجمع المجد العسكري الى جانب ثروة الارض
- والبصرة التي استوطنها مهاجرون من شرق الجزيرة بلا مجد حربي ولا ثروات لكنها مع الوالي ابن عامر صارت منافسة للكوفة بعد القضاء على آخر القوات الساسانية
- ومصر التي ستقدم قتلة عثمان والتي كانت حركة الثورة فيها مستوردة من المدينة دون اي بعد ديني
- والشام مركز سلطة معاوية والخاضع تماما له في حين تبدو مكة والطائف ومدن اليمن وبقية الجزيرة غائبة تماما عن اي حراك سياسي في المشهد العام
لئن بقي نقد المحسوبية محصورا في المدينة في وسط الصحابة كعلي وعبد الرحمان ابن عوف الذي كان السبب المباشر في وصول عثمان للحكم وحسم الشورى لصالحه وأبناء الصحابة كمحمد بن ابي بكر ومحمد ابن حذيفة الى جانب الصحابة من اصل غير قرشي الذين جردوا من الامتيازات التي منحهم اياها السبق في الاسلام وعمر خلال خلافته فقد قام بالثورة على عثمان اهل الامصار الذين اعلنوا عند قدومهم للمدينة سنة 34 هـ أنهم يرفضون جور ولاء عثمان وسياسته في العطاء نقرأ لدى الطبري " وكتبوا عليه شرطا - قال: وأخذ عليهم ألا يشقوا عصا، ولا يفارقوا جماعة ما قام لهم بشرطهم - أو كما أخذوا عليه - قال: فقال لهم: ما تريدون؟ قالوا: نريد ألا يأخذ أهل المدينة عطاء، فإنما هذا لامال لمن قاتل عليه ولهؤلاء الشيوخ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فرضوا بذلك، وأقبلوا معه إلى المدينة راضين." وهو ما يبرز الهدف الاساسي من حراكهم الشعبي الذي يبدو مضطربا في البداية مترددا وان كان مسلحا فهم محاربون بالدرجة الاولى لكنه ذو بعد سياسي بين تبرزه الاحداث التي ادت الى الثورة والمقتل

بدأ الامر في الكوفة مع استغلال جريمة حق عام لإطلاق حوادث سنة 30 هـ .قام شبان من بنهم زهير بن جندب الازدي ومورع الاسدي وشبيل بن ابي الازدي بجريمة قتل في دولة لم يتعلم اهلها بعد التخلي عن طلب الثأر والامتثال لراية الدولة المركزية وتقبل قوانينها المدنية. قام ذووا هؤلاء الشباب من اهل الايام والقادسية والقراء شديدي النفوذ والسطوة والذي يضمون جندب الخير بينهم بفضح سكر الوليد ونزع خاتمه وابلاغ عثمان بتجاوزاته - الأشتر وأبو خشة الغفاري وجندب بن عبد الله وأبو مصعب بن جثامة - وبالتالي بعزله. هذا العزل ومن بعده طرد سعيد وتولية الاشعري يمثلان اللبنة الاساسية في الثورات اللاحقة والتي ستسمر لقرن في الكوفة. . يقول سيف ان السبب هو عداوة شخصية مع الوليد لكن تقرير ابن سعيد يظهر أن البعد السياسي والاجتماعي هو السبب الفعلي حيث يقول "ان اهل الكوفة قد اضطرب امرهم وغُلب اهل الشرف منهم والبيوتات والسابقة والقدمة". الطبري
سلك سعيد سياسة عمر معتمدا على اهل القادسية والايام والقراء الذين تسببوا في عزل الوليد ونجح في الحفاظ على الاستقرار ل3سنوات لكنه كان استقرارا ظاهريا. لو سلمنا ان تعيين اهل القادسية الذين ضاعفت الهجرات المتأخرة من قواتهم لانها منحتهم جحافل قبلية تتحرك فقط بالتكافل القبلي كقادة عسكريين في فتح خراسان واذريبيجان وتقليدهم المناصب عمال وولاة في ملحقات الكوفة خلق تمايزا اجتماعا متمثلا في تفوقهم في الامتيازات والوجاهة على "اهل السابقة والقدمة" اي القراء زعماء العشائر الصغيرة او الاجزاء من عشائر الذين ظلوا دون نفوذ يذكر على الجمهور الكوفي فمن البديهي التسليم ان هذا التفاوت لم يخلق ازمة مجتمعية في الكوفة في حين مثلت سياسة تبادل الاراضي التي مكنت قرشيين كطلحة ابن عبيد الله والأشعث ومروان بن الحكم بمال كان له أعطاه إياه عثمان من الاثراء على حساب الكوفيين العرب السبب الفعلي للثورة الكوفية على عثمان اذ انها جعلتهم يدركون بوضوح كبير سيطرة القرشيين عليهم لا السياسية فقط بل والاقتصادية ايضا ويؤكد ذلك ما ذكره كل من الطبري والواقدي من تداعيات قول سعيد " انما هذا بستان قريش" ليرد الاشتر زعيم القرء " اتدعي ان السواد الذي افاؤء الله علينا باسيافنا لك ولقومك".
هذه الثورة مثل فيها القراء المحرضين الاوائل في الكوفة ضد السلطة المركزية في المدينة وبدأت حسب الطبري لما "أرسل سعيد إلى وجوه الناس من أهل الأيام والقادسية، فقال: انتم وجوه من وراءكم، والوجه ينبيء عن الجسد؛ فأبلغونا حاجة ذي الحاجة وخلة ذي الخلة. وأدخل معهم من يحتمل من اللواحق والروادف؛ وخلص بالقراء والمتسمتين في سمره، فكأنما كانت الكوفة يبسا شملته نار؛ فانقطع إلى ذلك الضرب ضربهم، وفشت القالة والإذاعة"
في اسباب القالة والاذاعة التي سرت في الكوفة ضد عثمان وواليه سعيد نجد روايتين مختلفتين الاولى عن سيف يقول فيها ان الأشتر وابن ذي الحبكة وجندب وصعصعة وابن الكواء وكميل بن زياد وعمير بن ضائي قاموا " بضرب عبد الرحمان بن خنيس ووالده حتى غشى عليهما لأن الشاب "الحدث" على حد وصف سيف تمنى لو كان ما كان لآل كسرى على جانب الفرات الذي يلي الكوفة للوالي مما اثار بني أسد "فجاءوا وفيهم طليحة فأحاطو بالقصر، وركبت القبائل، فعاذوا بسعيد، وقالوا: أفلتنا وخلصنا" ثم طالب اشراف الكوفة وصلحاؤهم من عثمان نفيهم فسيرهم الى الشام.
في الرواية الثانية لمحمد بن عمر عن شيبان، عن مجالد، عن الشعبي الطبري -2/460- ونجد نفس الخبر في انساب الاشراف طلب سعيد الوالي من عثمان نفيهم لأنه في ليلة سمر وعنده وجوه أهل الكوفة ومن بينهم مالك بن كعب الأرجي وثايت بن قيس بن منقع والأسود بن يزيد وعلقمة بن قيس النخعيان وكميل بن زياد النخعي وصعصعة بن صوحان ومالك الأشتر في رجال قال "إنما هذا السواد بستان لقريش؛ فقال الأشتر: أتزعم أن السواد الذي أفاءه الله علينا بأسيافنا بستان لك ولقومك... وتكلم معه القوم" ثم قاموا بضرب امير شرطته حتى اغمي عليه فمنعهم سعيد من ارتياد مجلسه "فجعلوا يجلسون في مجالسهم وبيوتهم يشتموون عثمان وسعيدا؛ واجتمع الناس إليهم؛ حتى كثر من يختلف إليهم." فكتب سعيد إلى عثمان يخبره بذلك، ويقول: إن رهطا من أهل الكوفة ... يؤلبون ويجتمعون على عيبك وعيبي والطعن في ديننا وقد خشيت إن ثبت أمرهم أن يكثروا فكتب عثمان إلى سعيد: أن سيرهم إلى معاوية فسيرهم."

بالعودة لجريمة الحق العام وحادثة سعيد والمنفيين نلحظ أن النزعة القبلية لم تكن من طرف المحرضيين بل من طرف الامويين – النظام القائم وممثليه ليبرز ان الامر لا يتعلق فقط بمحسوبية عثمان بل اساسا بالرؤية الاموية للريادة القرشية وحق الامويين في القيادة والسيطرة والإثراء على حساب عموم المسلمين والتي استمرت لهم منذ عهد ابي بكر فابن مسعود وسعد مدمجون في القرشيين بروابط الولاء
يذكر سيف ان المنفيين الى الشام اهتزوا نفسيا بسبب اذلال عبد الرحمان بن الوليد لكنه يهمل ذكر ان قراء آخرين من بينهم عمرو بن الحمق الخزاعي وسليمان بن صرد كتبوا رسالة جماعية غير موقعة يرد ذكرها في انساب الاشراف وكتاب ابن الاعثم الفتوح في حق "اهل الورع والفضل والعفاف" وكتب ووقع ايضا كعب بن عبيدة رسالة بذات المضمون لعثمان مما يدحض رواية سيف ويظهر ان للقراء وزنا هاما في الكوفة وان الاشتر وبقية المجموعة المرافقة له لها من يسنادها ويدعم رؤاها ونقدها لعثمان وسياسته وولاته.
ويظهر من خلال تتبع اخبار الطبري ان هناك بعدا سياسيا ودينيا في الكوفة يحرك المحرضين والرافضين لسلطة القرشيين وامتيازات الامويين على بقية القبائل العربية على عكس مصر التي ظهرت فيها حركة احتجاجية مستورة من المدينة.
في سنة 33 قام الاشتر وجماعته من القراء بطرد سعيد الوالي الاموي وتعيين الاشعري والي البصرة في عهد عمر مكانه يساعده حذيفة بن اليمان ووافق عثمان على قرارهم الذي يمثل اللبنة الاولى في التقليد الثوري الكوفي الذي سيستمر فيما بعد ضد الامويين وحكمهم في الشام.
كان القراء الكوفيون الملتزمين دينيا وخصوصا بالقرآن حسب الطبري وتعاليمه منقسمين الى صنفين. صنف يهيمن عليه الجانب الحركي كالقادة الاشتر وصعصعة بن صوجان ويزيد بن قيس
وصنف يهتم بالجانب الديني ويختفون من المشهد السياسي فيما بعد مثل الاسود بن يزيد علقمة بن القيس ومسروق وكعب بن عبيدة.
سعى كتبة التاريخ الاسلامي لصناعة جذور قديمة للقراء في التاريخ الدعوي الاسلامي تعود الى عهد الرسول ذاته ثم في حروب الردة كان مقتل سبعين منهم السبب المباشر الذي دفع ابا بكر الى جمع القرآن جمعا اوليا نجد صداه فيما ذكره البخارى فى صحيحه أن عمر بن الخطاب قال لأبى بكر : ان القتل قد اشتد يوم اليمامة بالناس , وانى أخشى أن يضيع شىء من القرآن بموت القراء , وانى أرى أن تجمع القرآن فى كتاب واحد.

اكتسب القراء اهمية ومكانة بين عموم المسلمين حسب الطبري وبقية كتبة السير مع قرار عمر بجعل قارئ من الصحابة يتلو سورة الانفال للتعبئة النفسية للحروب ليمثل القران اختراقا للاوعي المقاتلة ويخلق لديهم احساسا قرآنيا شديدا وهو ما نجد ذكره في احدى روايات الطبري حيث يذكر " لما صلى سعد الظهر أمر الغلام الذي كان ألزمه عمر إياه - وكان من القراء - أن يقرأ سورة الجهاد، وكان المسلمون يتعلمونها كلهم، فقرأ على الكتيبة الذين يلونه سورة الجهاد، فقرئت في كل كتبية، فهشت قلوب الناس وعيونهم وعرفوا السكينة مع قراءتها."2/276 كما يُذكر في ذات السياق في انساب الاشراف قول المقاتلة لعثمان " قد شاركناك في قراءته" مما يعني حقهم في تطبيق حدوده على كل من يتجاوز احكامه ومما يعني بالتالي ان عمرا وضع الجهاد تحت راية القرآن وبالتالي اخضع كل شؤون الحياة والسياسة له وبذلك خلق طبقة من القراء تعتمده كمرجع وحيد في اصلاح امور الناس السياسية والاجتماعية وتحتكم اليه في كل جزئية وبذلك استنادا لقول الطبري في قتلة عثمان "انما قتله (عثمان) اصحاب محمد وقراء الناس واصحاب محمد هم اصحاب الدين" يصبح من التجني الطعن فيهم واتهامهم بمخالفة الدين والقران في ثورتهم على عثمان ومشاركتهم في قتله لأنهم لم يخالفوا نصهم المقدس بل سعوا الى تطبيقه على من خالفه وابتعد عن تعاليمه وان كان الخليفة.
شارك في الثورة ضد عثمان كل المسلمين – اهل المدينة من الصحابة والمهاجرين والأنصار من جهة وأهل الامصار الكبرى مصر والبصرة والكوفة من جهة ثانية - اما مباشرة بالقتل او بالمشاركة في الحصار او بسلبية في حدود التحريض او تفرجيه او استنكارية او توسيطيا او دفاعيا قبل ترك عثمان لمصيره في مواجهة قتلته.
حوت كل فرقة من الفرق الثلاث التي اجمعت في ذي خشب والاعوص وذي المروة بين 600 شخص وألف على اقصى تقدير رغم ان هذا العدد يتغير من رواية الى اخرى ليتقلص الى حد 500 شخص فقط متواجدين في مكان واحد ذي خشب (الطبري (2/474) (2/484) ) مقارنة بمجموع المقاتلة الذي يعادل 200 الف مقاتل. كانت هذه الفرق خاضعة لقادة ورؤساء مجموعات حفظت النصوص اسماءهم وكانت في مسيرتها الى المدينة منظمة واحتجاجية ولم تكن غايتها القتل (المناظرة بين عثمان والمحتجين عليه 2/477 ورضاهم بقوله الذي أغضب الناس في المدينة "ألا إنه لا مال لكم عندنا، إنما هذا المال لمن قاتل عليه ولهؤلاء الشيوخ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ").
من الجانب المصري نجد عند الطبري تسعة قادة من بينهم عبد الرحمان بن عديس البلوي من القبائل العربية المستقرة بمصر منذ بدايات الفتح شهد البيعة تحت الشجرة وكنانة بن بشير النجيبي من كندة وعمرو بن بديل بن الورقاء الخزاعي وسواد بن حمران السكوني وعروة بن شييم الليثي.
من الجانب الكوفي مثل الاشتر الى جانب عمرو بن الحمق الخزاعي، العنصرين الوحيدين الذين لهما فاعلية وحضور البقية تتناساهم الروايات ولا يعودون للظهور مجددا
من الجانب البصري نجد خمس اسماء من بينها حكيم بن جبلة العبدي القائد الفعلي واميرهم حرقوص بن زهير السعدي
لكن اهل البصرة وأهل الكوفة يعتزلون الصراع ويختفون من المسرح بعد الحصار الاول ولا يعودون للتواجد إلا مع حادثة انتخاب عليّ خليفة وفرضه بالقوة على الزبير وطلحة ليبقى المصريون الفاعلين الوحيدين في المقتل (2/489)" وأقبل المصريون حتى نزلوا بالأسواف، فحصروا عثمان، وقدم حكيم بن جبلة من البصرة في ركب، وقدم الأشتر في أهل الكوفة، فتوافوا بالمدينة، فاعتزل الأشتر؛ فاعتزل حكيم بن جبلة، وكان ابن عديس وأصحابه هم الذين يحصرون عثمان، فكانوا خمسمائة، فأقاموا على حصاره تسعة وأربعين يوما، حتى قتل يوم الجمعة لثمان عشرة ليلة مضت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين."

نقدهم له انطلق من خلفية سياسية تمثلت في الاستبداد بالسلطة اذ ان أهم المطاعن عند الكوفيين تمثلت في ان عثمان نفى وطرد أفضلهم وعند المصريين تمثلت في ان الوالي اهان وجلد وطالبوا بعزله. هذا النقد السياسي مبني مما لا شك فيه على خلفية عقائدية انحرف عن تعاليمها وابتدع امورا لا تتفق مع اسسها التي عرفوها مع نبيهم وخليفتيه فكانت مطالبةُ عثمان بإصلاح اخطائه او -ان يرجع خلافتنا الينا" الطبري- هي اعتراف من طرفهم بسلطته وبدور الامة في ارجاع حاكمها الى الحقيقة المستند حتما لخبرة مكتسبة بالاحتكاك بالحضارات المحيطة اساسا وبالتجربة العمرية لكن عثمان كان يرى ان الامامة مطلقة وان لا حق للمحكوم في مراجعة الحاكم مهما اخطأ وجار على رعيته بل تجاوز في الاستخفاف بمطالبهم في اجتماعه بوزرائه ونصحائه وأهل ثقته على حد تعبيره (معاوية بن أبي سفيان وعبد الله بن سعد بن أبي سرح وسعيد بن العاص وإلى عمرو بن العاص بن وائل السهمي وإلى عبد الله بن عامر والذين طالبه جبلة ابن عمرو الساعدي (2/482) بتركهم لأنهم سبب فساد حكمه وتألب المسلمين عليه قائلا له "مروان تخيرته! ومعاوية تخيرته! وعبد الله بن عامر بن كريز تخيرته! وعبد الله بن سعد تخيرته! منهم من نزل القرآن بدمه، وأباح رسول الله صلى الله عليه وسلم دمه") إذ طالبهم بالبحث عن ايسر السبل لتخليصه من ضغط المحتجين الخارجين علي سلطته وإضعاف شوكتهم. (2/466-467)

تلخص نقدهم له في صيغة "غيرت وبدلت" يعني ادانة انحرفه عن الشريعة القرآنية فقهيا بالقران ذاته حيث انهم قراء وبمخالفة مسار وسيرة السابقين سياسيا وطالبوه باصلاح اخطائه. – يقول الطبري في هذا الخصوص (2/466) "إجتمع ناس من المسلمين، فتذاكروا أعمال عثمان وما صنع، فاجتمع رأيهم على أن يبعثوا إليه رجلا يكلمه، ويخبره بإحداثه، فأرسلوا إليه ... عامر بن عبد قيس (وأبو عبد الله ، أبو عمرو التميمي العنبري البصري هذا حسب سير اعلام النبلاء راو للحديث وقدوة وولي وزاهد) فأتاه، فدخل عليه، فقال له: إن ناسا من المسلمين اجتمعوا فنظروا في أعمالك. فوجدوك قد ركبت أموراعظاما، فاتق الله عز وجل وتب إليه، وانزع عنها. قال له عثمان: انظر إلى هذا، فإن الناس يزعمون أنه قارىء. ثم هو يجيء فيكلمني في المحقرات، فو الله ما يدري أين الله! قال عامر: أنا لا أدري أين الله! قال: نعم، والله ما تدري أين الله؛ قال عامر: بلى والله إني لأدري أن الله بالمرصاد لك."
ونقرأ أيضا أن اهل مصر كتبوا إليه (2/484) ": بسم الله الرحمن الرحيم؛ أما بعد، فاعلم أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم؛ فالله الله! ثم الله الله! فإنك على دنيا فاستتم إليها معها آخرة، ولا تلبس نصيبك من الآخرة؛ فلا تسوغ لك الدنيا. واعلم أنا والله لله نغضب، وفي الله نرضى؛ وإنا لن نضعسيوفنا عن عواتقنا حتى تأتينا منك توبة مصرحة، أو ضلالة مجلحة مبلجة؛ فهذه مقالتنا لك، وقضيتنا إليك، والله عذيرنا منك. والسلام.
وكتب أهل المدينة إلى عثمان يدعونه إلى التوبة، ويحتجون ويقسمون له بالله لا يمسكون عنه أبدا حتى يقتلوه، أو يعطيهم ما يلزمه من حق الله."
قبلوا بوعد التغيير الذي قدمه والذي يعني اعترافه ورغبته في اصلاح اخطاءه في الخطبة الموضوعة لاحقا من طرف الكتبة والتي يرويها الواقدي ورحلوا مطمئنين للوعود المقدمة لكن الامور سرعان ما ساءت فعدة روايات تظهر تردد عثمان في تنفيذ وعوده وتمسكه باطلاقية سلطة الدولة وقراراتها فهو يصر انه لن ينزع سربالا سربله له الله وتظهر أخرى تأثير شخصية مروان بن الحكم التي تسود محيطه على قراراته لتزيد الوضع تعقيدا كلما لاح انفراج وتضاعف حنق المعترضين على تجاوزات عثمان بصورة متصاعدة.
اثناء الحصار سارت الامور ببطء وبالتدريج وضمت مناوشات ومظاهر مروءة ومبارزات وشعر وفجأة كان القتل كحدث عرضي لم تتدخل فيه الجماهير بل قام به ثلاثة من الرؤساء المصريين وكوفي واحد اعتبر في بعض الروايات مصريا.
لا نعلم على وجه التحديد اين تلاشى المدافعون عن الدار فجأة إذ تناساهم الكتبة ليصوروا لنا الباب مفتوحا وغير محمي تماما لكن لا يدخل منه احد ويتسلل القتلة كاللصوص متسلقين دارا مجاورة ليظهر القتل كعمل فردي لا جماهيري رغم ذلك توتر الوضع وتسارعت الازمة بدء بالنهب الذي تلى المقتل حتى ترك حارسا بوابة بيت المال المفاتيح ولاذا بالفرار ثم بيعة عليّ بن ابي طالب ومبايعة طلحة والزبير طوعا او قسرا حسب الروايات الكثيرة والمختلفة ليأتي بعد ذلك رغبة علي في اقالة ولاة عثمان وتسييره عماله ورسله الى الشام والكوفة والبصرة ومصر واستخفاف معاوية بالخليفة الجديد وأوامره ورسله وتعليقه لقميص عثمان بمنبر دمشق ليُتوّجَ الوضع السريع الانحدار بظهور ثلاثي الجمل متقلدا النص المقدس والسلاح بحثا عن الثأر بعد تولي علي خلافة المسلمين بفترة لا تتجاوز بضعة اشهر لما سمح عليّ لطلحة والزبير بالعمرة واللحاق بعائشة في مكة (3/20) ليسيل الدم حال بلغوهم البصرة غزيرا ويقتل البصريون وينتقل عليّ الى الكوفة ويدخل معهم ثم مع معاوية في صراع مميت لإثبات امامته والدفاع عنها غير مكترث بالدماء التي تراق في سبيل ذلك.
لنا ان نسأل في هذه المرحلة : اذا كان انفلات العنف ليمثل حربا اهلية بغاية تحقيق القصاص القرآني لجريمة قتل ينحصر القتلة فيها في ثلاثة من المصريين ورابع كوفي فلماذا تحول الصراع الى البصرة في حين أن البصريين اشتركوا في الحصار لكنهم لم يشتركوا في القتل ؟
هل ان الانتقال الى البصرة والدعوة للقصاص كان بدافع واعز ديني قوي أخطأ في تحديد المتهم الفعلي وبذلك يسقط القول بأنهم يدافعون في سبيل ارساء الحق وتصبح عائشة وطلحة والزبير من القتلة المجرمين الذين قتلوا اناسا ابرياء بغير وجه حق أم كان رغبة في الوصول الى السلطة من طرف ثنائي كان يرى نفسه اهلا لها اكثر من عليّ ويثق بدعم ام المؤمنين التي لها مع الخليفة الجديد عداوة قديمة تعمقت مع الزمن توازي تأثيرها على عموم المسلمين وله في البصرة سند قادر على توفير المقاتلة للقضاء على غريمهم في الحكم اذ كان فيها لعبد الله بن عامر صنائع وللزبير هوى ومعونة (3/24)؟

ينقل ثلاثي الجمل ساحة الصراع للبصرة ويطالبون بقتل من شارك في قتل عثمان بسبب لعبة السياسة القائمة على المصالح الخاصة والرغبة في الرئاسة مهما يكن الثمن المدفوع في سبيلها ولأن العراق في ذلك العهد كان يمثل الجزء الذي لم يخضع بعد تماما لسلطة القرشيين وكان من الضرورة القصوى القضاء على عليّ الخليفة الذي اثبت في كل قراراته منذ ان تقلد الخلافة عجزه عن تسير مقاليد دولته والذي يقف سدا امام آمالهم وطموحهم في السيادة خادمين في حربهم مصالحهم السياسية على حساب عامة التابعين لهم الذين اشركوهم في الصراع بتأثير الخطاب الديني ومكانة عائشة زوجة محمد كراوية للحديث ومرجع ديني اساسي يرجع اليه حتى الصحابة في امور دينهم ودنياهم.
بهذا فقط يمكن ان نبرر مسيرهم الى البصرة والسيطرة عليها والقتل الذي قاموا به بحق البصريين المخالفين لهم تحت دعوى اشتراكهم في مقتل عثمان وحربهم مع الكوفيين في حين ان القتلة مصريين وكان الاصح ان يتوجهوا لمصر للبدء بأخذ الثأر من القتلة الفعليين ثم لو قارنا مقتل عثمان بمقتل اي امبراطور او ملك في كل ممالك ذاك العصر لبدى لنا جليا ان الحرب الاهلية الواسعة النطاق التي مات بسببها الالاف كانت مبنية اساسا على اختلافات سياسية تلحفت بالشرعية الدينية ولم يكن فيها الصراع نتاج مجرد نزعة دينية متعلقة بمسألة الامامة وشرعية الامام وتطبيق القصاص.

نقطة اخرى تثير التساؤل تتمثل في عودة المتصارعين على السيادة للمصحف ثم في مرحلة لاحقة رفع المتقاتلين له في حربهم الاهلية في هذا المجتمع حديث العهد بالتدوين.
كيف يُجمع الكل على العودة لقرآن عثمان للمناظرة او للمطالبة بالقصاص له او الدفاع عن براءة قتلته وتدعيم شرعية مخالفيه ثم يرفعوه في مناسبة أخرى في حين ان المعترضين على جمع عثمان له وتغييره فيه كثر حسب ما ورد في كتاب المصاحف ولا يزال بعض الرافضين له والمعترضين على نسخة عثمان على قيد الحياة حسب المدونين في تلك الفترة من التاريخ الاسلامي هذا ان سلمنا جدلا بوجود مصاحف بالفعل لترفع واستبعدنا فكرة ان العودة للمصحف ورفعه ما هي إلا اضافة لاحقة من طرف الكتبة العباسيين بعد ان اعيد جمعه وتدوينه في زمن الحجاج وفرض بحد السيف على كل الرقاب الرافضة له وصار حقيقة واقعة حاولوا ايجاد جذور تاريخية لها في صراعات المسلمين الاولى؟
يبقى السؤال الاهم وهو هل رواية ابو مخنف والمدائني والواقدي للتاريخ الاسلامي باعتبارهم الاوائل من بين مدونيه تستند لحقائق تاريخية فعلية ام هي املاء من العباسيين وجمع لقصص متفرقة لا من الحجاز فقط بل ومن المجتمعات الاخرى وخاصة الفارسية التي عاش فيها المدونون والتي علقت بالذاكرة الشعبية لعرب العراق خاصة وان الامويين قد كانوا فرضوا حضرا ورقابة صارمة لحوالي قرن من الزمان على كل ما يتعلق ويرتبط بالسياسة مما جعل الزمن الفاصل بين الاحداث وروايتها كبيرا والأخبار متعددة ومتضاربة ومتناقضة احيانا ؟

الخلاصة

مسألة الامامة وبالتالي الاستحقاق السياسي كانت في صميم الصراع اكثر من مقتل عثمان والقتال لم يكن من اجل العدالة بل تنازعه جانبان على حدي نقيض : الاول من اجل تثبيت وتدعيم سلطة الخليفة الجديد عليّ والثاني من اجل انتزاع هذه السلطة بقيادة الرافضين لإمامته والذين يرون انهم الاحق بها
عثمان قتله أولا القرآن ان سلمنا بوجود قرآن مجموع في عهده لأنه خالف شرائعه التي تمسك بها اصحاب محمد كما يقول الطبري اي اهل الله والدين وثانيا قتله تمسكه بالحكم رغم عجزه عن القيام به بحنكة وصرامة كسابقه بسبب اغراقه في المحسوبية والظلم والتعدي على حق بقية الشيوخ في القيادة وعدم ارغبة في الاصلاح وثالثا قتلته على وجه سواء المصالح السياسية المتضاربة لأنصاره بما فيهم معاوية وأعدائه الذين يتوقون لتولي امور المسلمين بعد ان اقصاهم عثمان من العمل السياسي واهمل حقهم في قيادة المسلمين كأئمة طبيعيين عاشوا مع محمد وحاربوا معه واخذوا عنه امتياز السابقة بمساعدة كل أولئك الذين حرمهم عثمان من امتيازاتهم -عائشة نموذجا-
عثمان رغم رفقته لمحمد النبي ان صحت الاخبار التي نقلها لنا كتبة التاريخ الاسلامي فشل في تحقيق العدل وأثار حنق الصحابة ثم عموم المجموعة الخاضعة لسلطته وبالتالي لا يمكن ان يكون بأي حال مثالا ورمزا وسلفا صالحا يسير الخلف على خطاه فدولة الاسلام التي ينادي بها اسلاميونا اليوم باحثين لها عن جذور تاريخية بين الخلفاء الراشدين لم يكن لها اي وجود فعلي منضبط في اي فترة من التاريخ الاسلامي اذ تخللتها دوما الصراعات والجدال والقتل والفتن وابلغ دليل على ذلك تجاوزاته الدينية والسياسية التي انكرها عليه اهل زمانه لأنه حسب تعبير عائشة قد "غير وبدل" مما تسببت في الثورة عليه وأدى بفتوى صريحة من عائشة الى مقتله الذي استحقه فعليا لجرمه المشهود مثيرا بمقتله الفتن والفرقة التي كانت كامنة تبحث عن متنفس بين جماعته والمستمرة الى اليوم في صراع هوسي بين انصاره من السنة وأشقاءهم الاعداء من الشيعة الى جانب كل الفرق الاخرى التي ولدت عبر الزمن ليتواصل التناحر والتكفير وكل يدعي انه الوحيد المصيب وصاحب الجنة والبقية في الدرك الاسفل من النار.
دعاوى مسلمي اليوم للعودة للشريعة وتطبيق الدين وبناء دولة الاسلام والوعد بالسير على خطى سلفهم الصالح الرمز يجرنا للتيه في وهم يحاولون اغراقنا في دوامته لنفقد كل حرية رأي وتعبير ومعتقد في مجتمعات متعددة الاثنيات والديانات والانتماءات الفكرية فقد اثبت هذا النظام الاسلامي اكثر من مرة عبر تاريخه الذي نقله لنا الكتبة العباسيون بكل تهافته وأخطاء حكامه والاضطرابات والصراعات التي تخللته، اثبت فشله منذ البدء وحتى في اولى مراحله الجنينية قبل نشوء الدولة بمفهومها الواسع لما احتك الديني بالدنيوي ليثبتا انهما لا يمكن ان يتكاملا الا بالظلم والتعدي والاستبداد والذي لن نقبل به في عصرنا المختلف فكريا واجتماعيا اختلافا جذريا عن عصر ما قبل 14 قرنا ثم كيف سيقدر اسلاميونا اليوم على الالتزام بالشريعة والإمامة في مجتمعات بألوان الطيف يتمسك فيها كل فصيل بحريته وكرامته بعيدا عن كل تهميش وإقصاء مع ما اكتسبناه من ثقافة احترام حقوق الانسان وحق الشعوب بكل اثنياتها ومعتقدات مكوناتها في تقرير المصير والمشاركة في العمل السياسي الذي يقصي فيه الاسلام غير المسلمين ويمنع اتباعه من موالاتهم او تمكينهم من مراكز القيادة.


دمتم بخير





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,797,219,607
- صلوات في هيكل حب .. السجدة الاولى
- عثمان بن عفان حاكم ظالم ام سلف صالح
- حضور الغياب .. وقفة سياسية
- بحث في سيرة عثمان من منظور اسلامي
- الخلافة الراشدة عثمان وعلي والفتنة الكبرى - سياسة بلوس ديني
- صفحات من تونس- دخول الاسلام الى افريقية جزء 2
- صفحات من تونس- دخول الاسلام لافريقية
- صفحات من تونس- تاريخ شعب
- الخلافة الراشدة -- عمر بن الخطاب 2
- الخلافة الراشدة -- عمر بن الخطاب 1
- حضور الغياب.. صفحات مصرية
- حضور الغياب.. وريقات عراقية
- الخلافة الراشدة
- حظور الغياب: أنيس مرة أخرى
- السياسة المحمدية. جزء ثاني
- السياسة المحمدية : الزنا الحلال بين الدين والسياسة
- الزنا الحلال بين الدين والسياسة (الجزء الثالث)
- الزنا الحلال بين الدين والسياسة (الجزء الثاني)
- الزنا الحلال بين الدين والسياسة (الجزء الاول)
- النص التشريعي الاسلامي بعيدا عن وهم القداسة: الحديث النبوى 2


المزيد.....




- مصر تحدد موقفها من التصالح مع -الإخوان المسلمين-
- من هو فرنسيس المسيحي الذي انتخبه الشيعة في الجنوب
- مسؤولون فلسطينيون: صورة السفير الأمريكي تظهر حجم الخطر الذي ...
- السجناء المسلمون في آلاسكا...الجوع أو لحم الخنزير خلال رمضان ...
- السجناء المسلمون في آلاسكا...الجوع أو لحم الخنزير خلال رمضان ...
- بعد سيطرة الحكومة عليها في -حملة الفساد-... مجموعة بن لادن ا ...
- إعادة هيكلة مجموعة -بن لادن السعودية-
- مصادر: مجموعة بن لادن ستغير اسمها
- من هو الجهادي الفرنسي البارز في تنظيم -الدولة الإسلامية- الذ ...
- شاهد آذان المغرب و إفطار رمضاني في معبد يهودي ببلجيكا


المزيد.....

- حول تجربتي الدينية – جون رولز / مريم علي السيد
- المؤسسات الدينية في إسرائيل جدل الدين والسياسة / محمد عمارة تقي الدين
- الهرمنيوطيقا .. ومحاولة فهم النص الديني / حارث رسمي الهيتي
- كتاب(ما هو الدين؟ / حيدر حسين سويري
- علم نفس إنجيلي جديد / ماجد هاشم كيلاني
- مراد وهبة كاهن أم فيلسوف؟ / سامح عسكر
- الضحك على الذقون باسم البدعة في الدين / مولود مدي
- فصول من تاريخ الكذب على الرسول / مولود مدي
- تفكيك شيفرة حزب الله / محمد علي مقلد
- اماطة اللثام عن البدايات المبكرة للاسلام / شريف عبد الرزاق


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - رويدة سالم - اسلاميون الافاضل تعالوا نتقصى ملابسات مقتل عثمان بن عفان بين الدين والسياسة