أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عُقبة فالح طه - التراث: هل هو نتاج فكر الحداثة؟















المزيد.....


التراث: هل هو نتاج فكر الحداثة؟


عُقبة فالح طه

الحوار المتمدن-العدد: 3955 - 2012 / 12 / 28 - 10:21
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


التراث: هل هو نتاج فكر الحداثة؟

التراث وإشكالية المفهوم

لعل أول ما ينبغي الإشارة إليه هنا هو أن تداول كلمة "تراث"، في اللغة العربية، لم يعرف في أي عصر من عصور التاريخ العربي من الازدهار ما عرفه في هذا القرن، بل يمكن القول، منذ البداية، حسبما يوضح لنا محمد عابد الجابري في كتابه "التراث والحداثة: دراسات ومناقشات"أن المضامين التي تحملها هذه الكلمة في أذهاننا اليوم، نحن عرب القرن العشرين، لم تكن تحملها في أي وقت مضى، هذا من جهة، ومن جهة أخرى يمكن أن نلاحظ أن " الإشباع" الذي يتميز به مفهوم " التراث " في خطابنا العربي المعاصر يجعله غير قابل للنقل، بكل شحناته الوجدانية ومضامينه الأيديولوجية، إلى أية لغة أخرى معاصرة.
ورغم أن كلمة تراث لم ترد في القرآن إلا مرة واحدة، في سورة (الفجر) " وَتأكُلونَ الترُّاثَ أكْلاً لمّا" ، كما أن كلمة " تراث" أو أي كلمة أخرى من مشتقاتها لم تستخدم قديما بمعنى الموروث الثقافي الفكري، وهو الاستخدام الذي نعطيه لكلمة " تراث" في الخطاب العربي المعاصر، بينما كانت هذه الكلمة قديما تحيل إلى ما معناه "المال"، هذا في الخطاب العربي القديم، خطاب ما قبل اليقظة العربية الحديثة التي عرفتها الأقطار العربية منذ بداية القرن التاسع عشر، أما بالنسبة للغات الأجنبية المعاصرة التي " تستورد" منها منذ بدء يقظتنا الحديثة تلك المصطلحات والمفاهيم الجديدة إلى لغتنا وفكرنا، ترجمة وتعريبا، وهي الفرنسية والإنجليزية بصورة خاصة، فإن كلمتي (Heritage ) و( Patrimoine ) لا تحملان المضامين نفسها التي نُحملها نحن اليوم لكلمتنا العربية"التراث"، ويضيف الجابري أن معناها لا يكاد يتعدى حدود المعنى القديم للكلمة، والذي يحيل أساسا إلى تركة الهالك إلى أبنائه، إذن فكلمة "تراث" في الخطاب العربي الحديث والمعاصر اكتست معنى مختلفا مباينا، إن لم يكن مناقضا لمعنى مرادفه" الميراث" في الاصطلاح القديم، "فالتراث" اليوم يشير إلى المشترك بين العرب من قيم روحية وفكرية، كما أن التراث لا ينظر إليه اليوم على أنه بقايا الماضي بل تمام الثقافة وكلّيتها، إن التراث في الوعي العربي المعاصر لا يعني فقط " حاصل الممكنات التي لم تتحقق"، بل ما كان ينبغي أن يكون ومن هنا اندماج المعرفي والأيديولوجي والوجداني في مفهوم التراث، كما يوظف في الخطاب العربي الحديث والمعاصر، لذا فإن استخدام لفظ" تراث" بهذا المعنى يحمل معنى "نهضوي" وهو من جملة المفاهيم الموظفة في الخطاب النهضوي العربي الحديث والمعاصر.

التنظير للتراث في الخطاب العربي الحديث والمعاصر

يرى ميشيل عفلق في كتابه " في سبيل البعث" أن التشبّع بالتراث لا يعني مطلقا العبودية للماضي والتقاليد، ولا يعني فتور روح الابتكار والتجديد، بل على العكس تماما، حيث يرى عفلق أن الذين يفتقرون إلى روح الابتكار والتجديد هم الذين لا يفهمون روح الأمة وماضيها، ويرى أن تراث الأمة يدفعنا للمستقبل فلا نكون حائرين.
فيما يرى الجابري في كتابه " التراث والحداثة: دراسات ومناقشات " أن " التراث" قد وظف في الخطاب النهضوي العربي الحديث توظيفا مضاعفا: فمن جهة كانت الدعوة إلى الأخذ من " التراث" والرجوع إلى " الأصول"
ميكانيزماً نهضوياً، عرفته اليقظة العربية الحديثة كما عرفته جميع اليقظات النهضوية المماثلة التي عرفها التاريخ، ميكانيزما قوامه الانطلاق في العملية النهضوية، من الانتظام في " تراث" والعودة إلى " أصول" للارتكاز عليها في نقد الحاضر

والماضي القريب وللقفز بالتالي إلى المستقبل، لا بل إنه وبالدرجة الأولى من أجل تدعيم الحاضر ، ومن أجل تدعيم الوجود والثبات، ما يعني أن "التراث" والاحتفال به هو نتاج حداثة حاضرة جعلت منه سيدا وحكما على اللحظة الراهنة.كما أن التوظيف الأيديولوجي لمفهوم التراث، والفهم التراثي للتراث، والفهم الخارجي (الاستشراقوي) للتراث من أبرز العناصر الذاتوية التي تدخل في تشكيل وحضور" التراث" كمفهوم أيديولوجي في ساحة الفكرة العربية الراهنة، وهو الجانب الفكري في الخطاب النهضوي العربي الحديث والمعاصر من أدب وفن وفلسفة وتصوف.

الحداثة تعيد إنتاج التراث

يعتقد برهان غليون في كتابه " اغتيال العقل: محنة الثقافة العربية بين السلفية والتبعية" أن محاولات بناء النهضة العربية على مرجعية أجنبية لا بد أن تبوء بالفشل، فلا يمكن لجماعة أن تؤسس أطرها المرجعية على أطر مرجعية لأمة أخرى، وهذا ما يعطي التراث قيمته، ويمكّن من نشوء بذور الذاتية في كل مجتمع أو يكون قاعدتها الأولى.
يخطئ أنصار فكر الحداثة إن ظنوا أن إجهاض البنى الثقافية التقليدية ومقاومتها يفتح أمامهم الطريق لتعميم الحضارة وتطويرها، بل إن العكس هو الصحيح إذا عن وجود هذه الثقافة يشكل ثقلا نوعيا يمنع هذه الجماعة من التحول إلى ورقة في مهب الريح ويسلحها بقوة فعالة للموازنة بين الخبرة التاريخية والوافد الجديد وكسر طابعه العدواني كما أن الحضارة لا تتحقق خارج إطار الزمان والمكان.
كما يخطئ أنصار الحداثة إن اعتقدوا أن نزعة المقاومة هذه مرتبطة بوجود التيار الأصولي ونابعة منه، أو من قوة القيم التي يتغنى بها، والأحكام التي يسنها، فالعرب والمسلمون لم ينتظروا نمو الفكرة القومية العربية أو الإسلامية حتى يشنوا كفاحهم ضد الغزو الأجنبي وآثاره، بل العكس إذ إن نمو الأفكار القومية ناتج عن وجود استعمار واستجابة للمقاومة وتدعيم لها.
كما يخطئ الأصوليون عندما يفسرون حركة الارتداد عن مفاهيم الحداثة على أنها نداء جماعي من أجل إقامة الدولة الدينية، فليس لمطلب الهوية ذاته علاقة بتقليد الماضي ولا استعادة التراث، وهو لا يعني مطابقة الحاضر للماضي، ولا مطابقة الشخصية العربية اليوم للشخصية الماضية، وهذا لا يقود إلى أزمة هوية، فحسب بل بقدر ما يؤكد الشعور بالغربة عن الواقع، ويزيد من العزلة عن التاريخ ويزيد من الهامشية، فيما يرى عزيز العظمة في كتابه " العلمانية من منظور مختلف" أن الأصالة والتراث لا يزالان يشكلان مدخلا للأيديولوجيا الإسلامية إلى مكامن القومية العربية، وإلى تضاعيف الأيديولوجيات الليبرالية الماركسية، فيما يرى الجابري في كتابه" إشكالية الأصالة والمعاصرة" أن ضرورات الخطاب العربي تؤكد ضمنيا على الارتباط العميق بالتراث.

الرأسمالية كمنتج للتراث الفردي:

يرى حسين مروّة في كتابه " النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية" أن اتجاه التعامل مع التراث اتخذ اتجاهات جديدة وعديدة، حيث اتخذ الموقف البرجوازي من التراث موقفا يتجاهل طابعه الاجتماعي ليؤكد جوانبه الذاتية، وكونه إنجازا فرديا أبدعته مواهب النخبة بمعزل عن علاقاتها بالواقع الاجتماعي والتاريخي وبالقوى البشرية المنتجة، ودور هذه القوى في إنتاج الأساس المادي لمنجزات التراث، لقد صاغت البرجوازية الاستعمارية مثلا تراثا جديدا للشعوب الآسيوية والأفريقية تجاهلت فيه الصلات المتبادلة بين التراث القومي لهذه الشعوب، كما كان يسلط الضوء على الأشكال الغيبية وحدها من التراث .

"عصرنة " التراث :

إن موضوعة " عصرنة" التراث تختلف جذريا عن موضوعتنا القائلة باستخدام المنهجية العلمية المعاصرة في إنتاج معرفة جديدة عن التراث، إن الفرق الحاسم بين الموضوعين يقوم أولا على إسقاط الماضي على الحاضر في الموضوعة البرجوازية – مثلا- أي حصر مفهوم الحاضر في كونه امتدادا صرفا للماضي، أي تماثل الحاضر مع الماضي تماثلا كاملا على العكس من الطرح الآخر الذي يرى أن العلاقة بينهما هي علاقة تطور تاريخي يتشكل محتواه من وحدة التقطع بين التغيرات الكمية والتغيرات الكيفية في مجرى الحركة الدائمة للتاريخ ويقوم ثانيا على الفرق بين أن تنتهي موضوعة عصرنة التراث إلى القول بأن نأخذ على الأقدمين وجهات النظر بعد تجريدها من مشكلاتهم الخاصة التي جعلوها موضع البحث أو ننظر إلى الأمور بمثل ما نظروا.

استيعاب التراث بشكل جديد:

يرى حسين مروة أن هناك محاولات لحل مشكلة الموقف من التراث لتحقيق غرضين هما: استيعاب التراث بشكل جديد، وكيفية توظيف هذا الاستيعاب في مجال تحرير الفكر العربي الحاضر من سيطرة التبعية للفكر الاستعماري وللأيديولوجيات البرجوازية بتداخلهما التاريخي في بنية الاجتماعية العربية المعاصرة.
كما يرى مروة إن توظيف معرفتنا للتراث يساعدنا على الخروج بقضية التراث من كونها قضية الماضي لذاته، أو لكونها إسقاط للماضي على الحاضر، إلى كونها قضية الحاضر نفسه وذلك من خلال رؤية الحاضر في حركة صيرورة تتفاعل في داخلها منجزات الماضي وممكنات المستقبل تفاعلا ديناميا تطوريا صاعدا رغم التقطع الحادث في حركة الصيرورة هذه، لكن التراث حسب مروة ليس الاحتكام إلى معايير الأقدمين، لأن مشكلاتهم تختلف عن مشكلاتنا وظروفهم التاريخية تختلف عن ظروفنا المعاصرة ولأن معايير احتكامهم للأمور تختلف عن معايير احتكامنا.

بين التراث والفكر العالمي المعاصر

إن الفصل بين الفكر الشرقي والفكر الغربي فصل تعسفي لا علمي في رأي الجابري، لأن الطابع العالمي للتراث العربي الإسلامي والطابع العالمي للفكر الأوروبي المعاصر يجعلان طرح الأصالة في مقابل المعاصرة بمثابة وضع الفكر الإنساني في مقابل نفسه تحت تأطيرات واهية قومية أو دينية و" حضارية" مزعومة، كما أن الذين يضعون الأصالة في مقابل المعاصرة يفهمون من الكلمتين شيئا آخر غير معناهما الحقيقي. وهكذا فإن موقفنا من التراث ومن الفكر العالمي المعاصر، يجب أن يكون موقفا واحدا يحدده ويوجهه الموقع الذي نحتله في حلبة الصراع كشعوب تناضل من أجل تركيز شخصيتها وبناء حاضرها ومستقبلها في اتجاه التطور التاريخي العام، وأن يكون الحديث عن الماضي والمستقبل صادر عن رؤية واعية أن الماضي والمستقبل هما كالحاضر.

صورة التراث من وجهات عديدة

إن صورة التراث -كما يراها حسين مروّة- تتكشف في ضوء الرؤية الثورية العلمية وأيديولوجية هذه الرؤية، أي أيديولوجية القوى الأساسية في حركة التحرر العربية، فإنها الصورة النابضة بحركة التاريخ نفس، والذي أبدع للمجتمع العربي – الإسلامي تراثه الفكري عن السمات العامة لهذه الصورة هي سمات الفكر في علاقاته الموضوعية غير المباشرة مع حركة هذا المجتمع بعينه، غننا نرى في هذه الصورة حضور القوى البشرية الفاعلة والصانعة للتاريخ، كما نرى في هذه الصورة الواقعية للتراث ملامح في صورة الحاضر كذلك، لأن الحاضر كائن في صورة التراث بوجهين متلازمين: أولهما،وجه يمثله المنهج العلمي الذي أضاء الصورة التراثية في حقلها التاريخي، وثانيهما، وجهه المتمثل في الأيديولوجية الثورية القائمة في الأساس الاجتماعي لهذا المنهج، فإذا كانت المناهج السلفية تضع اهتمامها كله في إبراز السمات الخاصة بالجانب الغيبي والمثالي من صورة التراث، أي إذا كانت هذه المناهج تنظر إليه نظرة وحيدة الجانب، فهل المنهج العلمي(المادي التاريخي) يضع اهتمامه كله في إبراز السمات الخاصة بالجانب الآخر، الجانب المادي، من صورة التراث أي أنه يقع فيما تقع فيه المناهج السلفية من خطأ النظرة الوحيدة الجانب؟

حداثة التراث
يتساءل محمد أركون في كتابه " من فيصل التفرقة إلى فصل المقال" ماذا يعني ظهور الإسلام في القرن السادس الميلادي؟ إنه يعني إدخال الشعوب العربي و(من ورائها الشعوب الإسلامية) في الحداثة السائدة آنذاك، أي في الديانات التوحيدية، وكان العرب ينتظرون الرجل الذي سوف يدخلهم في الحداثة الروحية والعقلية، والذي يخرجهم من ورطتهم ومن تناحرهم المستمر، ويخلع على وجودهم معنى ويدخلهم في حركة التاريخ.
وحيث أن محمد أركون يعتبر أن الحداثة لم تقدم بديلا رمزيا عن البديل الرمزي للأديان، وأن كل ما فعلته الحداثة هو أنها حذفت هذا البعد واعتبرته غير ضروري، ويكفي برأيها إسعاد الإنسان ماديا واستهلاكيا، ولكن هذا لا يكفي في رأي أركون، ورغم أن أركون لا يدعو إلى دين جديد يتجاوز الأديان السابقة إلا أنه لم يجب على هذا السؤال.

مفهوم النهضة: ما بين الحداثة والتراث

يعتقد برهان غليون في كتابه " اغتيال العقل: محنة الثقافة العربية بين السلفية والتبعية" أن ضعف موقف التراثيين في النقاش حول علاقة الثقافة العربية بالنهضة نابع من نجاح خصومهم الحداثيين في جرهم إلى المناقشة على أرضية إشكاليتهم نفسها، وهي النهضة والتقدم ، ولذلك لا نستغرب أن تلتقي مفاهيم التراثيين والتحديثيين لقاء كاملا في تحديد مفهوم النهضة ووسائل تحقيقها العلمية والتقنية، وطالما بقيت أهداف التقدم هي السائدة في المجتمع، يميل الوعي إلى أخذ أفكار ومواقف التحديثيين، فإذا برزت ظروف أكدت أو أشعرت بأن إمكانية هذا التقدم ضاقت أو لم تعد موجودة، صعدت مسألة التراث والهوية إلى السطح من جديد.
وهكذا بقدر ما يبدو موقف التراثيين خاليا من أي جواب، يختلف عن جواب خصومهم، فيما يتعلق بالنهضة، يبدو موقف الحداثيين خاليا أيضا من أي جواب على مسألة الهوية إذا لم يأخذوا بموقف خصومهم التراثيين، فهناك شبه اتفاق بين الجميع أن العلم هو أساس التقدم، ومن هذا الاتفاق غير المعلن تنبع المواقف المختلفة من الحضارة المتمثلة في العلم ومن الهوية المتمثلة في الإسلام فالمغالون من التراثيين يرفضون العلم والحضارة باعتبارهما نفيا للدين والهوية، والمغالون في الحداثة يرفضون الهوية باعتبارها هراء ولارتباطها بالدين ، فيما ظهر تيار ثالث توفيقي بين الهوية والحضارة يرى في تفسير الدين تفسيرا تقدميا أساسا لربطه بالعلم، وترجمة العلم في لغة العرب وتراثهم ومصدرا لتدعيم الحضارة ودفع عجلة التغيير.

عن مبادئ الحداثة

يرى محمد الشيخ في كتابه " فلسفة الحداثة في فكر هيغل " أن مبادئ الحداثة ثلاثة: فأولها " العاقلية" ، بهذا المبدأ عُرفت وإليه نُسبت، حتى سُوّي بينهما، حتى قيل " الحداثة عقلانية"، أما ثاني مبادئ الحداثة فهو " الحرية"، فلئن هي حققت الحداثة " العقلانية" بالنظر إلى الطبيعة، فإنها حققت الحرية في اعتبار المجتمع قانونا وسياسة وخلقا، وثالث مبادئ الحداثة "الاعتبارية"، فالحداثة بذلك أعادت للإنسان ثقته بفكره وعقله وذاته.

من الحداثة إلى النهضة

لقد أنتج محمد علي باشا فكر الحداثة ومفكريها دون أن يكون هو نفسه حداثيا أو عصريا، لا في سلوكه ولا في قيمه، بل كان مثالا للاستبداد والسلطة المطلقة الأبوية، ولم ينتظر محمد علي باشا مفكري الحداثة ومنظريها في مصر حتى يشرع في تحديث الجيش والتعليم وبناء الصناعة، بل هو المستبد نفسه من أرسل البعثات العلمية للخارج وأعاد توزيع الأرض والصناعات، ولقد كان مثله السلطان مراد الرابع الذي أراد القضاء على الانكشارية وبناء جيش جديد يحارب على النمط الغربي.
إن "أيديولوجية الحداثة" -كما يراها برهان غليون- في كتابه" اغتيال العقل: محنة الثقافة العربية بين السلفية والتبعية" نشأت لتساعد المجتمع على عقلنة هذه الحركة، لكن الحداثة في العالم العربي تحولت إلى أيديولوجية فئة اجتماعية وأصبحت تحدد إطار و إستراتيجية صراعها مع الفئات الأخرى، فلم تعد تهتم بالنهضة وشروطها وإنما أصبحت تدافع عن مشروعية الحداثة، أو بمعنى آخر تدافع عن مشروعية وجود الفئة الاجتماعية المتماهية معها والنظام الاجتماعي –السياسي الذي يتيحها، فأصبحت معاصرة هذه الفئة للحضارة هي أيضا بديل معاصرة المجتمع لها وعائقا أمام تطور الحداثة نفسها، أي أمام النهضة.وبذلك فإن أيديولوجية الحداثة لا تعني الحداثة، وأن الدفاع عن قيم الثقافة الغربية العصرية لا يعني التمسك ضرورة بهذه القيم بل يعني الدعوى لنظام يتنافى كليا مع تحقيق مثل هذه القيم، ويغطي هذا الصراع الناشئ بين أطراف النخبة العربية بشقيها الحديث النابع من العصرنة ذاتها، والقديم المعبر عن بنى ما قبل الاستعمار .

بين الحداثة والتاريخ

يوضح جابر عصفور في كتابه" هوامش على دفتر التنوير" أن العلاقة بين الحداثة والتاريخ تقوم على مفارقة لافتة، تجعل الحداثة متصلة بالتاريخ ومنفصلة عنه في وقت واحد، إذ إن إبداع الحداثة متغلغل في شبكة علاقات اللحظة التاريخية التي ينبع منها، ويغوص في جذر تناقضاتها وصراعاتها، كي يلتقط أعمق ما في هذه اللحظة التاريخية من دلالة، وإنه لمن المؤكد أن هناك حداثات بعدد اللحظات التاريخية التي أنتجت الحداثة في كل منها بشروط مغايرة وخصوصية مباينة ، إن الحداثة هي فن السؤال الذي لا يقنع بجواب، وإن مهمة الحداثي مبتدعا وناقدا، هي اقتيادنا إلى المتاعب، وتدمير الإذعان المطمئن لعالمنا.
في حين يرى الجابري أنه ورغم اتفاق الجميع بأن " التراث" هو إنتاج فترة زمنية تقع في الماضي، وتفصلها عن الحاضر مسافة زمنية ما، تشكلت خلالها هوّة حضارية فصلتنا وما زالت تفصلنا عن الحضارة المعاصرة، إلا أن حضور التراث كمفهوم "نهضوي" في الساحة الأيديولوجية العربية المعاصرة، يحكمه التناقض بين مكوناته الذاتوية، ومكوناته الموضوعية داخل الوعي العربي الراهن: التناقض بين ثقل حضوره الأيديولوجي على الوعي العربي وانغماس هذا الأخير فيه، وبين بعده الموضوعي التاريخي عن اللحظة الحضارية المعاصرة التي يحلم هذا الوعي بالانخراط الواعي فيها، إن هذا يعني أنه "تراث" غير معاصر لنفسه، غير معاصر لأهله.
لكن الجابري يضيف أن اللحظة النهضوية الراهنة في تاريخنا الحديث مازالت لحظة نهضوية، وما زلنا نحلم بالنهضة، والنهضة لا تنطلق من فراغ بل لا بد فيها من انتظام في تراث. فلا بد إذن من شرط تاريخي لقيام الحداثة، ولا بد من مرجعية تراثية تستند إليها فلا حداثة من فراغ.
وبالعودة إلى جابر عصفور فإن الحداثة تموت من خارجها إذا افتقدت شرطها التاريخي، وتموت من داخلها عندما تفتقد وعيها الضدي أي حين تتحول من جذرية رفضه إلى المهادنة المصالحة التي تفقده حديثه، و تموت الحداثة من داخلها أيضا إذا حين تفقد تلهّب السؤال وتمرّد الشك، وروح المغامرة ولذعة السخرية وعافية التجدد.وإذا كانت الحداثة ضد كل مشروع ينطوي على مطلقات يقينية فإنها كانت النقيض الدائم في الوطن العربي للمشروعات الدينية في اتباعيتها، والنقيض الدائم للشيوعية في دوغماتيتها، وظلت على تصادم مع المشروع القومي في تسلطيته، فقد ظلت الحداثة على عداء مع هذه المشروعات الثلاث، من هنا نرى أن حوار الحداثة مع غيرها من المشروعات المطروحة في الواقع العربي يبدأ من المنطقة التي تتقاطع فيها الحداثة مع هذا المشروع أو ذاك، من حيث رفضه ما عليه الواقع العربي من إتباع وتبعية في آن، ومن حيث ما يقترحه هذا المشروع أو ذاك من آفاق جديدة تغني عن السؤال، وما ينطوي عليه هذا المشروع أو ذاك من وعي باللحظة التاريخية البينية التي تخلق الحداثة، من هنا يمكن لنا أن نفهم كيف أن التراث هو نتاج فكر الحداثة.

المراجع:

1) أركون، محمد. من فيصل التفرقة إلى فصل المقال: أين هو المفكر الإسلامي المعاصر؟. بيروت: دار الساقي، 1993.
2) أركون، محمد. نزعة الأنسنة في الفكر العربي: جيل مسكويه والتوحيدي(ترجمة هاشم صالح).بيروت: دار الساقي، 1997، ط1، ص 32.
3) الجابري ، محمد عابد. التراث والحداثة: دراسات ومناقشات.بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1991.
4) ربضي، سليمان (وآخرون). الفكر العربي الحديث والمعاصر 332. جامعة بير زيت: دائرة الفلسفة والدراسات الثقافية، 1996.
5) الشيخ، محمد. فلسفة الحداثة في فكر هيغل.بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2008.
6) عصفور، جابر. هوامش على دفتر التنوير.بيروت: المركز الثقافي العربي، 1994.
7) عفلق، ميشيل. في سبيل البعث. بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 1978، ط20.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,562,452,900
- العلمانية: ما بين الدين والمبادئ التي تقوم عليها السيطرة
- جينيالوجيا المثقف العربي وعلاقته بالسلطة
- وحدة وحدة وطنية ..إسلام ومسيحيّة: -شعار مشبوه-


المزيد.....




- المتظاهرون يقطعون الطرق المؤدية إلى مطار بيروت الدولي
- وزير الخارجية اللبناني يدعو أنصاره لعدم المشاركة في الاحتجاج ...
- لعشاق المأكولات الحارة.. ما هو سر صلصة السيراتشا؟
- بالصور.. الآلاف في مظاهرات تطالب بـ-إسقاط النظام- في لبنان
- أفغانستان: انفجار داخل مسجد بشرق البلاد يوقع عشرات القتلى
- كيف يجب حفظ الخبز!
- وزارة التموين المصرية: احتياطي مصر الاستراتيجي من القمح يكفي ...
- وزارة التموين المصرية: احتياطي مصر الاستراتيجي من القمح يكفي ...
- المبعوث الاممي: بوادر حل الازمة اليمنية هشة وتحتاج إلى العنا ...
- منها الجنسي.. 7 أنواع للتنمر على الأطفال


المزيد.....

- نقد الاقتصاد السياسي، الطبعة السادسة / محمد عادل زكى
- التاريخ المقارن / محسن ريري
- ملكيه الأرض فى القرن الثامن عشر على ضوء مشاهدات علماء الحملة ... / سعيد العليمى
- إملشيل، الذاكرة الجماعية / باسو وجبور، لحسن ايت الفقيه
- أوراق في الاستشراق / عبد الكريم بولعيون
- إشكالية الخطاب وأبعاده التداولية في التراث العربي واللسانيات ... / زهير عزيز
- سلسلة وثائق من الشرق الادنى القديم(1): القوائم الملكية والتا ... / د. اسامة عدنان يحيى
- التجذر بدل الاقتلاع عند سيمون فايل / زهير الخويلدي
- كتاب الدولة السودانية : النشأة والخصائص / تاج السر عثمان
- العقل الفلسفي بين التكوين والبنية / زهير الخويلدي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عُقبة فالح طه - التراث: هل هو نتاج فكر الحداثة؟