أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - مازن حنا - ثورة أكتوبر وفلسفة التاريخ 1-2















المزيد.....

ثورة أكتوبر وفلسفة التاريخ 1-2


مازن حنا

الحوار المتمدن-العدد: 3955 - 2012 / 12 / 28 - 01:03
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    




في كل ثورة أو انتفاضة لا بد من استذكار ثورة أكتوبر، لمعرفة ماهية عدالة وقوة وصواب الثورة القائمة، فلعل الشعوب في يوم تنهض وتتمكن من كسر شوكة التبعية للنظام الرأسمالي الساعب لاستعباد الشعوب.

- د. مازن حنا


تفصلنا خمسة أعوام عن الذكرى المئوية لثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى، أي ما يقارب قرنا من الزمان والحديث عنها لا ينضب ولا ينقطع إذ ما زالت هذه الثورة العظيمة تحظى بالاهتمام المتزايد من قبل جميع المناضلين في جميع بقاع الأرض، كما تحظى بالاهتمام من قبل الاعداء أيضا لأنها شكلت منعطفا كبيرا في تاريخ العالم ومثالا يُحتذى.

ونحن إذ نستعيد الذكرى هذه الأيام فإننا لا نتحدث عن التاريخ ودروس الماضي ولا نقف على الأطلال بعد انهيار الدولة التي أنجبتها الثورة، مع علمنا أن البعض قد فعل، ومن رحم الشيوعيين أنفسهم، وفي واقع الحال فإننا في كل مرة ندرس ثورة أكتوبر نجد الجديد، واليوم عندما نتحدث عن التاريخ فإننا لن نتناوله بوصفه الماضي من الزمان، بل عن فلسفته وما يحمله من دروس وعبر من أحداث الماضي وترانيم متجددة من الحاضر، وصور عن المستقبل، فثورة أكتوبر لم تكن حدث الماضي الذي قضى وانتهى بل هي بتفاعلاتها وآثارها ودروسها حديث الحاضر وحلم المستقبل والهدف الذي تسعى إليه الشعوب لتتقلد مصيرها بيدها.

الناس هي التي تصنع التاريخ

فلسفة التاريخ أي قضية معنى التاريخ وهل له أسباب وتحكمه قوانين وبأي اتجاه يسير اذ تهتم بالمعنى العام والاتجاه العام كعملية طبيعية لا تتطلب تدخلا غيبياً، إنما يصنعها الناس بأنفسهم على أساس الظروف المادية الموضوعية بعيداً عن النزعات الذاتية والاختيار العشوائي تبين مكان ودور وأهمية ثورة أكتوبر العالمية وأساسها العلمي الذي تحدث عنه ماركس وأنجلز ولينين. فالثورة لم تأت بعكس التاريخ أو بلَّي عنقه بل جاءت استجابة لتطور هذا التاريخ ومساره، حيث التاريخ كما نؤكد مرة اخرى ليس مجموعة احداث فوضوية، بل له مغزى ومعنى وصيرورة كانت ثورة أكتوبر حلقة من أهم حلقاته عبر الزمان.

قبل الماركسية كانت فلسفة التاريخ تقف على أرضية هشة، وعلى رأسها حيث الأفكار تغير العالم، وتعددت مدارسها ومنها مدرسة الملاحم القديمة التي تعزو الفعل التاريخي للأبطال العباقرة كما في أساطير العالم القديم، بدءا بمدارس الخلق ومرورا بقصص الأبطال والملوك والانبياء العباقرة، وكذلك المدرسة اللاهوتية التي طورها القديس أغسطين، والتي تفسر التاريخ بالمشيئة الإلهية، وفيها يصبح التاريخ فترة من الزمن تتحقق فيها خطة الرب في خلاص البشرية. وقبل ابن خلدون كانت هذه المدرسة ولازالت حتى اليوم هي المدرسة السائدة في تفسير التاريخ، تاريخ الطبري مثلاً.

وفي العصور الوسطى أصبح موضوع التاريخ هو الإنسان وأعمال البشر، التي لم تعد تقرأ فقط بل وجادل المفكرون معرفة الدوافع خلفها. وقد كان لابن خلدون موقفا رائداً من ذلك في نظرية العمران. كما ظهرت فلسفات أخرى تفسر التاريخ بالجغرافيا والمناخ والسيكولوجيا حيث ركزت الأخيرة على نظرية “روح العصر” وما على الإنسان سوى مساعدة الزمان على توليد الأفكار الموجودة منذ الأزل ونشرها.

كان هذا كله قبل الماركسية .. أما ماركس منذ وضع فلسفة للتاريخ تعتمد التفسير الاقتصادي، حيث الأفكار والوعي هي انعكاس للعالم المادي الموضوعي، وللعامل الاقتصادي دور كبير فيه مثل مسألة الملكية، وطريقة انتاج وتوزيع الثروات المادية، وتقسيم الثروة واستهلاكها، وصراع الطبقات كمحرك للتاريخ، حيث تحدد هذه العوامل الاقتصادية والمادية مظاهر الحياة الدينية والخلقية والفلسفية والعلمية والأدبية والفنية وغيرها.

وهكذا فإن التاريخ يصنعه الناس في ظروف مادية مستقلة عن وعيهم وإراداتهم ورغباتهم، وإن قوانين التاريخ تعمل في نشاط الناس أنفسهم دون تدخل غيبي.

نضج الظرف الموضوعي لقيام ثورة أكتوبر

ذات أكتوبر قبل خمسة وتسعين عاما، اكتملت استجابة للتاريخ بكل العناصر الموضوعية والذاتية للثورة، فاندلعت لتبين صحة التفسير المادي في أفضل صورة لإنجاز العمل التاريخي من قبل الجماهير الشعبية.

وبعد لا يزال هناك من يؤكد بأن الثورة كانت مغامرة، ولكن ماركس عندما تحدث عن الثورات كقاطرات للتاريخ تقود من مرحلة تاريخية لتطور المجتمع إلى مرحلة أخرى، تشق طريق البشرية إلى الأمام، وتشكل في حد ذاتها طفرة في التطور الاجتماعي، إذ تحقق الانتقال إلى العلاقات والأنظمة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الجديدة لم يكن يقصد المغامرة وتحقيق النزعات الذاتية، بل قصد فعلياً الاستجابة للمقدمات المادية للنظام الاجتماعي الجديد والأرضية، التي تشكلت بفعل النضال الشعبي والظروف الموضوعية للثورة، التي تتحقق هذه المقدمات بواسطتها في أنظمة وعلاقات جديدة تتماشى مع التطور الاجتماعي، وبالدرجة الأولى تطور القوى المنتجة، التي تدخل خلال مرحلة معينة في تناقض مع علاقات الانتاج القائمة التي تكبح تطورهاـ وتتطلب إعادة تنظيم جذرية للحياة الاجتماعية كلها.

وهذه هي ميزات الثورة الاجتماعية عن انقلابات القمة التي لاتمس الأسس الاقتصادية والسياسية والأخلاقية للنظام الاجتماعي القائم حتى لو أسماها البعض بالثورات. وقد تحققت في ثورة أكتوبر كل الظروف المادية والموضوعية للثورة كما تحقق فيها الوضع الثوري الذي تعتبر هذه الثورة النموذج الأمثل له حتى الآن، حيث توفرت كل تجليات الصراع الطبقي كمحرك للتاريخ في تفجره وبروزه على سطح الأحداث والظواهر في ممارسة ثورية أسس لها الحزب والفكر اللينيني بتطويره نظرية الحزب ونظرية الثورة الاشتراكية.

الربيع العربي في مرآة ثورة أكتوبر

ترى بالمناسبة، هل ما جرى في العالم العربي على مدى العامين الماضيين باستثناء ليبيا وسوريا كان تحقيقا لثورة اجتماعية، وإن كانت كذلك فلم لم تصل إلى نهاياتها المنطقية؟

لا بد من القول في البداية أن جوهر الأحداث مهما تباينت في سطح الظواهر، ومهما تباينت الشعارات التي حملها الحراك الشعبي هنا أو هناك، في هذا القطر أو ذاك يظل جوهرا طبقياً. فتحت شعارات “الشعب يريد اسقاط النظام” أو “إصلاحه”، محاربة الفساد واستعادة الدولة للمال المنهوب، وتحت راية المطالبة بالحرية والديمقراطية يكمن الجوهر الطبقي. وخاصة أن الحراك المطلبي في تزايد وتململ، فيما الطبقة العاملة آخذة في الارتفاع. إن النضال من أجل اسقاط الأنظمة القمعية والطائفية وإسقاط التبعية التي تكبل الأوطان هو نضال من اجل المجتمع وانعتاقه بكل طبقاته وفئاته الشعبية، نضال من أجل التحرر من الإمبريالية، وضد البرجوازية الكومبرادورية الرثة الحاكمة، والرجعيات المسيطرة.

إذن كانت هناك أسباب موضوعية وعوامل اقتصادية واجتماعية وسياسية مواتية خاصة بعد استفحال كل مؤشرات تردي مستويات المعيشة وتنامي البطالة واتساع قاعدة الفقر والجوع والمرض. ولكن الواقع أشار أيضا إلى ضعف العامل الذاتي الحاسم أو انعدامه، وهو الحزب الطبقي لقيادة هذا النضال، رغم الاستعداد الشعبي والجماهيري الكبير أي أن الأزمة من فوق لم يقابلها وجود من يستثمر الأزمة من الأسفل أيضا ويوجهها.

لقد بين الحراك الشعبي والثورات، ان شئتم وبكل وضوح، أنه لا يمكن فصل السياسي عن الاقتصادي الاجتماعي، أو فصل العامل الذاتي عن الظروف الموضوعية التي أدت إليه، وبات من الواضح أن انفجار الأوضاع في تونس ومصر تحديداً كان حصيلة تراكم في الاحتقان الشعبي العائد للوضع الاقتصادي المتردي، الذي فاقم الأزمات وساعد على توطيد مؤسسة الفساد وتعميق التبعية، وتردي الوضع السياسي الذي أنتجته هذه التبعية للقوى الإمبريالية.

إضافة إلى مهادنة العدو الصهيوني، التي وصلت حد العجز الكامل عن تنظيم المواجهة (باستثناء المقاومة اللبنانية) أو التصدي للقوى الامبريالية إن لم تكن الخيانة العظمى. إنه رد فعل موضوعي على واقع موضوعي، واقع مأزوم على كافة الصعد، بل هو رفض لهذا الواقع، إنه صرخة شعوب لم تعد تحتمل الجور والظلم والإهانة، كما انه واقع يعبر عن وصول تراكمات الأزمة إلى نقطة حرجة لم يعد ينفع فيها أو معها السكوت. ولكنه ظل واقعا يعبر عن الأزمة، ولم يتحول إلى ثورة عليها مكتملة العناصر، بفعل الانقلاب العسكري المضاد.

بين ثورات أوروبا وثورة أكتوبر

وإذ تتشارك الثورات الاجتماعية بالكثير من السمات، إلا أنها تختلف عن بعضها البعض من حيث؛ طبيعتها الاجتماعية وقواها المحركة وأهدافها وسماتها وآلية ظهورها وتكتيكها واستراتيجيتها. وقد كانت الثورات التي سبقت ثورة أكتوبر الاشتراكية ثورات كبيرة أيضا تحقق فلسفة التاريخ، حيث ساعدت الثورات البرجوازية على انهيار الاقطاعية وترسيخ الرأسمالية باعتبارها نظاما اجتماعيا أكثر تقدمية، إلا أنها ما كان بوسعها أن تؤدي إلى ما آلت إليه ثورة أكتوبر، لاختلاف طبيعة المهام وطبيعة القيادة، وطبيعة الظروف الذاتية والموضوعية.

لقد شهدنا على مدار العقدين الأخيرين كتابات كثيرة حول ثورة أكتوبر، وصفها البعض بخطأ تاريخي وقفزة إلى المجهول، وإن لينين قد تصرف بعكس ما تقوله الماركسية، فالثورة لم تكن قد نضجت بعد بل جاءت قسرا وغصبا عن التاريخ، وقلص البعض من اهميتها كظاهرة روسية بحتة مثلها مثل اللينينية كظاهرة محلية في روسيا لا أهمية عالية لها.

كما رأينا دراسات تتحدث عن خطأ العنف الثوري وخطيئة الالتزام بدكتاتورية البروليتاريا مقابل الطريق السلمي الديمقراطي للثورة، وعن طريق الديمقراطية البرلمانية وتطور الرأسمالية السلمي لتتحول إلى الاشتراكية. وأعيدت الى الاعتبار مقولات متهافتة حول ماركس الليبرالي كما شرحه كاوتسكي أو الثورة الدائمة لتروتسكي، وتم نسيان لينين صاحب الثورة وتجاهل دوره كليا او الرد عليه قياسا بما آل اليه الاتحاد السوفييتي، وليس قياساً على نجاح تلك الثورة المجيدة التي غيرت وجه التاريخ، فكل ثورة لاحقة ستأتي إنما تأتي على أرضية جديدة مهدتها ثورة أكتوبر قبل قرن من الزمان.

إن الفهم الماركسي للثورة لا يعتبر الثورة عنفاً ضد التاريخ بل هي نتاج التطور التاريخي، يحققها الناس بأيديهم، إلا أنهم يعملون في ظروف معينة وبتوفر مقدمات مادية معينة موجودة موضوعياً أي خارج وعيهم، تنشأ في سياق التطور التاريخي.

الكاتسكيون الجدد من الديمقراطيين الاشتراكيين واليساريين الاجتماعيين ومن اشباه الشيوعيين، الذين لا يحملون من الشيوعية سوى الاسم، يطالبون بالديمقراطية الخالصة كطريق لاحداث التغيير وبتطبيق اللعبة الديمقراطية متناسين ماقاله عنها ماركس، بانها الديمقراطية البرلمانية التي يتم البت فيها كل ثلاث إلى ست سنوات في مسألة معرفة أي عضو من الطبقة المسيطرة يجب أن يمثل ويقمع الشعب في البرلمان حيث يكمن الجوهر الحقيقي للديمقراطية البرلمانية والديمقراطية البرجوازية.

ولكن الحديث عن الديمقراطية في ظروف التخلف والحكم الأوتوقراطي أو الجمهوري الرث شبه الأوتوقراطي هو حديث ليبرالي، لأنه يستحيل في إطار أصول لعبة الكتل البرلمانية تحقيق إرادة الأغلبية، إرادة الجماهير، والقضاء على سلطة رأس المال، كما لا يمكن للبروليتاريا أن تحقق اي عمل من خلال البرلمان سوى بعض الاصلاحات هذا إن استطاعت.

بطبيعة الحال، هذا الكلام، ليس دعوة لمقاطعة اللعبة البرلمانية، ولكن الخوض فيها يحتاج إلى ظروف ملموسة يمكن من خلالها تحقيق الاصلاحات، وإلا فهي تبقى في جوهرها ديكور زائف للحريات، وباختصار فإن البرلمان تكيف مع آلية عمل الدولة المرتبطة براس المال، الدولة البرجوازية، ولذلك فهو ضعيف كقوة محركة لأي تغيير إذ يقف عائقا ومحبطا للجمالية أمام مطالب التغيير فهو يبقى محافظاً في جوهره. ويشكل في أفضل حالاته موصلا فعالا للأماني السياسية ليس إلا.

يعني ذلك أن طريق البرلمان ليس هو طريق التغيير المعول عليها، وإنّ دخول البرلمان يجب أن يعني لنا إيجاد منبر جديد لتوسيع حدود الصراع الطبقي، لا من أجل التعاون مع البرجوازية حيث يفهم الكثير عندنا العكس في أوساط اليسار إذ بات أقصى طموح هو المطالبة بالإصلاح لا التغيير، وبالتعاون مع البرجوازية وتحت قيادتها، لا الانقضاض عليها وخاصة عبر وضع تشريعات وقوانين مقبولة لصالحها. ولكن ماركس لم يكن عدمياً أو طوباوياً، كما لم يكن لينين كذلك ايضا، بل عرفا أين يمكن الاستفادة من البرلمانية البرجوازية غير الموجودة بالمناسبة في أوضاعنا وأحوال بلادنا. فقد عرف أنه من السهل صنع التاريخ إذا كان النضال لا يقوم إلا ضمن ظروف تؤدي حتماً إلى النجاح على حسب قول ماركس في رسالة له إلى كوغلمان.

ثم إن ماركس عندما تحدث عن العنف الثوري فإنه لا يضعه مقابل الانقلاب السلمي، فالثورة عمل عنفي أيا كان الطريق الذي تتحقق فيه الثورة مسلحاً كان أم سلمياً، لأن الأساس في أي ثورة اشتراكية هو السلطة عبر تحطيم آلة الدولة البرجوازية واستبدالها بدولة من طراز جديد.

وإن نجاح الثورة في الظروف الملموسة يتوقف على الدور الحاسم والأعمال الحازمة، إنه عنف ثوري ضد الرجعية وهجومها المعادي للثورة سواء أكان ذلك عير التخريب والإرهاب أو الثورة المضادة المسلحة.

وقد استوعب الحزب البلشفي الدرس كله وبقيادة لينين، الذي طور نظرية الامبريالية ونظرية الثورة ونظرية الدولة، أنجز ثورة عظيمة اعتبرت أعظم ثورة أنجزتها البشرية حتى يومنا هذا، فقد انجزت ولأول مرة في التاريخ المهمة الديمقراطية للثورة حتى نهايتها بإقامة دولة جديدة وتحطيم آلة الدولة القديمة وإقامة مجتمع خال من الطبقات، وقد كان هذا الدرس الديمقراطي هو الدرس الاول.

بشكل عام إن الثورة أي ثورة، هي عمل ديمقراطي بامتياز بالمفهوم العلمي للكلمة حيث الديمقراطية هي تحقيق إرادة الأغلبية، تحقيق إرادة الجماهير. ولكن المسألة في ثورة أكتوبر تحمل أهمية خاصة، فالثورة الديمقراطية والتغيير الديمقراطي كان كاملاً، إذ ان الانجاز كان في اتجاه تسليم السلطة لصانعي الثورة من الكادحين، ولأول مرة في التاريخ. في الثورات التي سبقت كان الكادحون أيضا وقودا للثورة، ومحركها الأساسي، ولكن السلطة آلت إلى الغير، ففي الثورة البرجوازية الفرنسية كان الكادحون هم من أنجح الثورة، وهم من هاجم فرساي وسجن الباستيل وأسقطوا الملكية. ولكن البرجوازية الصاعدة هي من استلم السلطة، فأنجزت المهمة التقدمية المناطة بها، وهي القضاء على الاقطاع ثم توقفت عند هذا الحد، إذ لم يكن من مهامها إلغاء استغلال الإنسان للإنسان. ولذلك انتقل نير الاستغلال من يد الاقطاع ليد الرأسمالية ليبق على رقاب المستضعفين، مع ما صاحب ذلك من همجية وبطش ووحشية وإراقة دماء.

وحدها ثورة أكتوبر أوصلت إلى السلطة صانعي الثورة ونشطاءها من العمال والفلاحين والكادحين وحققت مقاصد التاريخ وأنجزب المهمة الديمقراطية كاملة والمتمثلة في إلغاء الاستغلال وتحقيق العدل الاجتماعي والعدل السياسي عبر إنجاز مهمة السلطة وإعلان الديمقراطية الاشتراكية ـــ ديمقراطية الأغلبية الحقيقية أي ديكتاتورية البروليتاريا.

أما في مسألة السلطة فقد حققت ثورة أكتوبر مالم تنجز قبلها من الثورات في إيجاد سلطة شعبية، بعد أن نجحت في تحطيم آلة الدولة البرجوازية لأول مرة في التاريخ، واستبدالها بآلة جديدة لدولة جديدة. ولابد من التركيز هنا على أن سلطة السوفييتات كانت إبداعاً شعبياً جماهيريا خالصا، وليس تصميماً لسلطة اسقطت على الجماهير من كوادر الحزب البلشفي، ولكنه تم بمشاركتهم وتشجيعهم، وقد كانت السوفييتات، التي أنتجتها الجماهير قبل الثورة، هي من استلم السلطة فعلياً، بعد ان أعلن الحزب الشيوعي بقيادة لينين انتصار الثورة عشية اجتماع مجلس السوفييتات، حيث ذهب لينين ليعلن من هناك الانتصار واستلام السلطة.

لقد كانت الثورة مدعوة للقضاء على أي عنف كان ولإيجاد طراز أعلى للديمقراطية، ولذلك كان لا بد ان تكون الديمقراطية في البداية قسرية، وتمارس العنف الثوري، إذ لا يمكن للثورة البروليتارية أن تنجح دون تحطيم آلة الدولة البرجوازية بالعنف والاستعاضة عنها بآلة جديدة، فمغزى العنف هو تخليص المجتمع من ديكتاتورية رأس المال. وهنا استفادت الثورة من دروس كومونة باريس كما حددها ماركس وبإبداع لينين في مسألة السلطة التي فصّلها في كتابه “الدولة والثورة”.

لقد كانت قضية العنف الثوري درسا مفيدا من دروس الثورة، حيث لم تكن الثورة علما فقط ولكنها فن أيضا ويحتاج إلى قيادة ناجحة تعرف متى تُحْجِم ومتى تمارس العنف. فهي تمارس العنف متى يحقق إرادة التاريخ وفلسفته، ولكنها تحجم عن العنف إذا كان ضد التاريخ عبر محاولات دفعه بصورة مفتعلة، فالعنف هو قابلة التاريخ حيث لا يؤدي إلى النتيجة المطلوبة إلا اذا نضج الجنين وهذا ما ميز الثورة عن النزعات الثورية البرجوازية الصغيرة.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,274,310,111





- الشعبية تندد باعتقال الأمن الوقائي لطلاب ببيرزيت على خلفية س ...
- -مستقبل الولد و البلد صنع الأم-
- الجبهة الشعبية: الانتصار للأسرى أولوية وطنية عاجلة
- إصابة عشرات الفلسطينيين في مواجهات مع جيش العدو الصهيوني بقط ...
- لقاء -الجبهة الديمقراطية- و -الشيوعي اللبناني-: المشروع الا ...
- إصابة عشرات الفلسطينيين في مواجهات مع الجيش الإسرائيلي بقطاع ...
- الجلسة الافتتاحية للمؤتمر الخامس لشبيبة النهج الديمقراطي بال ...
- فورين بوليسي: اليمين المتطرف يختبئ داخل غرف الإنترنت المظلم ...
- الحراكات الشعبية ومسؤولية القوى الديمقراطية بالدارالبيضاء
- هل سيوحد حزب العمال الكردستاني موقفي بغداد وأنقرة


المزيد.....

- “ثوري قبل أي شيء آخر”: ماركس ومسألة الاستراتيجية / مايكل براي
- تنبّأ «البيان الشيوعي» بأزمتنا الحاليّة ودلَنا على طريق الخل ... / يانيس فاروفاكيس
- حوار مع جورج لابيكا...في العلم والتاريخ من أجل تغيير العالم / حسان خالد شاتيلا)
- سيرة ذاتية للأمل: مقدمة الطبعة العربية من كتاب ليون تروتسكي ... / أشرف عمر
- منظمة / موقع 30 عشت
- موضوعات حول خط الجماهير من أجل أسلوب ماركسي لينيني للعمل ا ... / الشرارة
- وحدانية التطور الرأسمالي والعلاقات الدولية / لطفي حاتم
- ماركس والشرق الأوسط 1/2 / جلبير الأشقر
- أجل .. ماركس كان على حق ! / رضا الظاهر
- خطاب هوغو تشافيز / فيدل كاسترو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - مازن حنا - ثورة أكتوبر وفلسفة التاريخ 1-2