أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الفتاح المطلبي - شطرنج - قصة قصيرة















المزيد.....

شطرنج - قصة قصيرة


عبد الفتاح المطلبي
الحوار المتمدن-العدد: 3953 - 2012 / 12 / 26 - 20:23
المحور: الادب والفن
    


شطرنج
قصة قصيرة
عبد الفتاح المطلبي
أسندَ ظهرَهُ لحائطِ المنزل المتهالكِ ماداً بصرَهُ نحو مدخلِ الزقاق المختنق بعفونة ِ مجارٍ مكشوفة ٍ حين دلفـَتِ الدوريةُ الأمريكية للزقاق تتقدمها عربتان من نوع همر ثم جنود سود وبيض ومجندات شقر ، توقفت العربتان أمام منزلٍ اكتسحتْ نصفه إحدى قذائف العالم الحرّ، تكلموا مع البنت التي اتشحت بالسواد معلنة قطيعةً ناجزة مع الألوان جميعا ، بدت أفكارهُ وهو ينظرُإليهم مثل جدار ضاق ذرعاً بميلانه فراحَ يتداعى حجراً حجرا مُغيبة ًَ ما يراه ،و كأنها انقلبت على أعقابها فجاست عبر دواخلهِ وجدَ كيانَهُ حاضراً دائماً على حدود رقعة مربعة تزدحم عليها المربعات السود والبيض منذ يوم أتى بها لصفهم معلم المدرسة ليريهم لعبةَ الشطرنج ، الآن رغم أعوامه الثلاثين راح يراقب المربعات السود والبيض التي تشكل أحواز أولئك الجنود والرقعةُ هذه المرة تحت أقدامه ، لعبة قديمة تعرفونها جيدا، لعبة ملوك هي لعبة الشطرنج ذلك إن الإنسان في كل الأحوال ميّالٌ إلى سماع أخبارهم، حكايات الفقراء مليئة بالملوك ، وحتى الملوك ذاتهم لديهم الرغبة ذاتها بسماع حكايات بعضهم البعض ، ولابد من شهرزادٍ حكاءَةٍ ولو كانت تفعل ذلك مضطرة ، كذلك هذه البنت ستتكلم مضطرة مع الجنود السود والبيض ، واستمرت أفكارهُ تتداعى ، ليست هناك لعبة شطرنج بدون ملوك وليس هناك من ملوك دون جند ، دأب الجميع على ولعهم بالتميز والحماس فلكي لا يقتل الجندي رفيقه عليه أن يتشح بلون مغاير للون عدوه ، هذه هي الحقيقة كما في اللعبة القديمة ، جنود سود وجنود بيض ، لكن جنود اليوم تصنع ملابسهم شركة واحدة كلهم يلبسون اللون ذاته الموالون والأعداء ، لون يشبه برازهم المشوب ببقع بنية أورمادية أحيانا ، هذه معضلة تم حلها على الرقعة ، الرقعة ذاتها ، القديمة القابلة للتجدد تغير ألوانها من أجلهم أحياناً، وتذكرَ أنه لم يكن يوما ميالا للعبة الشطرنج فقد بدت صعبة ً منذ الصف الثاني الإبتدائي إذا جهد المعلمُ في شرح قواعدها ، وكان عذره أنهُ يكره الملوك ، أي نوع منهم لم يكن أحداً منهم طيباً في قصص جدته في ليالي الشتاء الطويلةِ ، هل رأيت لعبة شطرنج بدون ملوك يضحون بجنودهم بسخاء باسم اللعبة وسلطتها المقدسة ، الأوطان ذاتها لم تعد تعير بالاً لمعناها واكتفت بميزة الرقعة والرقعة كانت دائماً ميداناً للعبةٍ ما ، لعبة الشطرنج لم تكن يوما لعبة الفقراء فالفقراء مشغولون بسغبهم وأحلامهم المزمنة،تشغلهم هموم كثيرة ، تلك اللعبة كانت دائما للملوك المولعين بإفساد القرى ، دائما تبدأ اللعبة برصف قطع من الحديد البارد بلون داكن كالسواد ، ترفعُ راياتٍ ألوانها في كل الأحوال الأحمر وقليل من الأبيض ، الأحمر يلعلع بصراحة مطلقة ويمسخ وجود الأبيض الذي ينبطح دائما تحت قدمي الأحمر المزمجر وحين تعلو الزمجرةُ ينتحي الأبيض جانبا متخذا الحافات مكانا له ، لونٌ مندحرٌ دائما ذلك الأبيض ، لون يعلن عن خسارات متواصلة ، الحجة بسيطة وواهية ، يتحجج اللون الأبيض بالوقار وادعاء الأبوة للجميع مؤمِلاً الجميع بقوس قزح بعد المطر ، كانَ ينظر للرقعة و يُفكر بذلك و يتسائل هل هي محنة ؟ أم هو قدر ثابت وعلينا أن نتقبله أم أنه محض صدفة هذا الذي يجري ، تتقدم القطع الحديدية السود من الجانبين لا يفصل بينهما إلا نحنُ ، نحن الذين عولنا دائما على الأبيض ووقاره ، نحن الذين في منتصف الرقعة ندعي أحيانا أننا مجرد نظّارة لا غير، ننتظر المطر لأجل قوس قزح ربما افتروه علينا ككثيرٍ من مفتريات هذا العالم الحر ، نراقب تقدم الملوك ونظن أنهم يتقدمون نحو بعضهم ، ربما لمحق بعضهم أو لعقد اتفاق ما بتقاسمنا ونحن على الشريط الأخضر الوسطي من الرقعة ، والويل لمن لا يُفكر بغير ذلك وحين نتيقن أن الجنود أحالوا دنيانا إلى رماد أو هشيم نقول بعد لأيٍ وبنبرة يشوبها الوهن (( وجعلوا أعزة أهلها أذلة)) ، ومن البديهي أنهم يعرفون أننا في الوسط على الشريط الأخضر ومن البديهي أيضا أن في أي منطقةٍ خضراءَ يوجد قطيع ، لم يعد لنا الأخضر أخضرا بل تحرك الجنود على جانبي الرقعة من شمالنا وغربنا وشرقنا فأحالوا الأخضر إلى حصيد يابس ، القطيع إذا جاع يأكل دريساً هكذا قيل حين برروا أفعالهم وحين كثُرَ ثُغاء القطيع ، ظننا الأبيضَ و الأسودَ عدوين على الرقعة ، خدعتنا المربعات السود والبيض ورغم أن الذين ابتكروا اللعبة قد أوهمونا بقضية الفصل بين السُلطات ، سلطات الأسود والأبيض بخطوط غير واضحة وما أباحوا كل شيء دفعة واحدة ، قال بعضهم الأبيض في المربع الأبيض لا يصح ان يكون على الآخر الأسود ، كان علينا أن نتقن اللعبة حسبَ شروطها المبتكرة حديثاً التي نادى بها الملوك الجدد لكننا انشغلنا بانتظار مطرٍ وقوس قزح ولم نتقن شطرنج الأمم الحرة لكثرة أنواع الجنود و ألوانهم ، أتراكا وبدواً أعرابا ويهود وأكراد وفرساً رغم أن الجميع أكدوا على تعلمه والغريب أنهم جميعا يخفون آلهةَ حلوى في جيوبهم من ملوك العالم الحر ، كانت حجتنا أن في اللعبة ملوكا وأنا عن نفسي أمقت الملوك وهاكم التاريخ اقرأوه لا يوجد أثر لنعال ملك جاس في ديار غيره إلا انبعثت منه رائحة فساد ونتانة تزكم الأنوف ولو كانت أنوف قطعان ، ونحن في الوسط تماما ، وكانت ضمائرنا نائمة بحجة أننا نراقب الوضع مستمتعين بمنظر ملكين متحاربين ، ولم نحسب أن الجميع سودا وبيضا يلتقون فوق حقلنا الأخضر وإنهم جميعا ينتمون إلى بعضهم وما جاءوا إلا لأزالة وهمنا الأخضر وليعلموننا أن الحقول الخضراء لابد أن تتحول إلى هشيم يوما و إن القطعان تفرح بربيعها ولو كان أخضره مزيفا ، متأخرين اختبئنا عندما تحركت الفيلة و أطلقت القلاع مدافعها والبحر صواريخه ولم يكن بعد ذلك إلا الهشيم الأصفر من هنا من هذه النقطة بدأت البنت تحكي قصتها عندما سألها عما حصل بعد ذهاب الدورية فقالت: الخراف عندنا شذت عن القطيع وكانت لا تألف الحضائر، راحت تمرح في مراعيها غير مدركة أبدا انها تسمن لغاية ما ، أما نحنُ الذين نشاطرالقطيع المرح وما تجود به ضروعه فإننا بعيدون جدا عن الملوك وجنودهم كانت نظرتنا إليهم بريئة لا ترقى إلى نظرات لملوك، كان لنا آبائنا ، أنا مثلا قبل سقوط صاروخ قادم من البحر وقبل أن يجعلنا الملوك أذلة كنت قد التقطت صورا مع أبي عندما كان يأخذني معه إلى حديقة الأمة ببغداد وفي الأعياد ، تصاوير كثيرة هي ملكي ولكن ليس بها إلا نخيل الحديقة وأبي و انا وشجيرات ورد قليلة ، في المساءآت عندما يأتي من العمل كنا نتجادل حول موقع هذه الشجيرة أو تلك مُشيرين إلى الصورة هل هي على يمين الحديقة أم على يسارها وعندما لا نتوصل لاتفاق ، يضمني بقوة إلى صدره ويقبل خدي ، كان ذلك قبل عشر سنين في 2003 والآن أنا عمري ثلاث عشرة سنة في الصف الأول المتوسط ، جائنا اليوم الأمريكان بعيون زرقاء وخضراء وقدموا لي هدية بعدما علموا أن أبي قضى هنا في بيتنا بشضية تحركت على رقعة الشطرنج و إن أمي أصبحت معوقة ، كانوا يحملون هدايا للجميع ويحصون الخراف التي قتلتها دواب البحر ، أعطوني حاسوبا أمريكيا عليه رسم تفاحة عندها تذكرت تفاحة ً تلقتها حواء يوما ما هدية أيضا تقولُ ذلك المعلمةُ ، قالت المجندة لرفيقها المترجم قل لها إن الشعب الأمريكي يهديك هذا الحاسوب وماسحا ضوئيا لتخزني أباك في الحاسوب ، هكذا فهمتها بلسان المجندة الأمريكية ربما خانني التعبير فأنا لازلت صغيرة قال المترجم إنها قصدتْ لتحفظي صورة أبيك في الحاسوب وكرسيا ذا عجلات لأمي المعوقة التي استقرت الشضية في عمودها الفقري ، قالت المجندةُ طوبى للفقراء وطوبى للشعوب الحرة التي لم تنسَ ضحاياها ، سيكون أبوك معك دائما ستجدينه بنقرة زر حاسوب ، عندها تذكرت أبي وبكيت .





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,840,508,981
- حلول
- مقهى بوحي
- سُبل مقفلة
- جُنَّ خيطُ الريح
- أعداء المثقف أعداء الثقافة
- الأقزام- قصة قصيرة
- أنابيب فارغة-قصة قصيرة
- حكاية- قصة قصيرة
- قابيل- تهويمات
- ثمن الحرية البخس
- أمانٍ عاريات
- وادي السلام
- شجرةٌ في البرية
- حدث ذات يوم-قصة قصيرة
- قطط و أحلام
- نظرةٌ إنطباعيةٌ
- رجع قريب
- الشبيه
- يوم إستثنائي-قصة قصبرة
- طفوّ قصة قصيرة


المزيد.....




- بنعبد القادر يقود وفدا مغربيا في القمة العالمية للحكومة المن ...
- الملك فيليبي السادس: علاقاتنا مع المغرب استراتيجية بفضل صداق ...
- الميثاق الأممي للهجرة يشيد بالمرصد الإفريقي الذي اقترحه جلال ...
- -هوتيل ترانسلفانيا 3- يحتل صدارة إيرادات السينما
- أثرياء يقفون وراء صعود الهند وازدهار اقتصادها
- فنانون من تايلاند يبدعون لوحة ضخمة مكرسة لـ-صبية الكهف-
- أصدر الشاعر السوري، صالح دياب، كتاباً بعنوان «الشعر السوري ا ...
- صدر حديثًا كتاب بعنوان -ابن رشد بين الشريعة والحكمة-، للدكتو ...
- جورج كلوني يحقق دخلا قياسيا خلال العام الماضي
- نص”كلاكيت تانى مرة”أهداء الى روح العامل” يوسف رشوان”بقلم الش ...


المزيد.....

- تنمية المجتمع من خلال مسرح الهناجر / د. هويدا صالح
- عناقيد الأدب: أنثولوجيا الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- هل مات بريخت ؟ / مروة التجاني
- دراسات يسيرة في رحاب السيرة / دكتور السيد إبراهيم أحمد
- رواية بهار / عامر حميو
- رواية رمال حارة جدا / عامر حميو
- الشك المنهجي لدى فلاسفة اليونان / عامر عبد زيد
- من القصص الإنسانية / نادية خلوف
- قصاصات / خلدون النبواني
- في المنهجيات الحديثة لنقد الشعر.. اهتزاز العقلنة / عبد الكريم راضي جعفر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الفتاح المطلبي - شطرنج - قصة قصيرة