أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - رويدة سالم - الخلافة الراشدة عثمان وعلي والفتنة الكبرى - سياسة بلوس ديني















المزيد.....


الخلافة الراشدة عثمان وعلي والفتنة الكبرى - سياسة بلوس ديني


رويدة سالم
الحوار المتمدن-العدد: 3760 - 2012 / 6 / 16 - 15:43
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


مقدمة
قدمت في اجزاء سابقة رؤيتي فيما يتعلق بخلافة وشخصية ابو بكر وعمر بن الخطاب انطلاقا من شذرات متفرقة في النصوص الاسلامية المعتمدة عند السنة وسأتناول في هذا الجزء خلافة ودور كل من عثمان بن عفان وعلي ابن ابي طالب في التاريخ الاسلامي وفي التاريخ المغاير الذي توصلت اليه من قراءاتي لفترة حرجة في تكوين الدولة والفكر العقائدي الاسلامي والتي يعتبرها الكثيرون صدر الاسلام وأفضل فترات تاريخه على الاطلاق لأنها تمثل الفترة الراشدة التي عايش اصحابها محمدا النبي ونهلوا من معينه ودرسوا على يديه اصول دينهم.
لإن كانت خلافة ابو بكر وعمر واضحة المعالم نسبيا في المصادر الاسلامية فإن الفترة الراشدة الثانية من اغتيال عمر وتولي عثمان وما حدث اثناء فترة حكمه وبعده حتى تنازل الحسن بن عليّ على الخلافة لمعاوية وقيام الدولة الاموية تمثل مرحلة غامضة كثرت فيها الاحداث والانشقاقات في صفوف صحابة محمد من البدريين والأنصار والمهاجرين والأتباع وميلهم من جهة سياسية وعقائدية الى نقيضها كما كثرت في شرحها وتناولها ونقدها التعليلات والروايات حسب الاجندات الفكرية والسياسية لمن نقلها فتضاربت حولها الاخبار حد التناقض. هذا الخلط في الروايات سببته تداعيات سياسة عثمان ومقتله والفتنة الكبرى التي توجت تلك الاحداث لتظهر على اثرها فرق سياسية (السنة والخوارج والشيعة والرافضة) والتي وان اتخذت الرداء الديني ستارا لها مقدمة ما يدعم مواقفها من احاديث منسوبة للنبي إلا انها تنظمت وتسيست وتمذهبت وتعصبت لرؤاها وبدأ بذلك التمايز بادعاء ان كل منها هي الفرقة الناجية الوحيدة ومن سواها على ضلالة لينطلق صراع شرس كللته حروب ذهب ضحيتها ألاف من الناس بدون اي سبب ولا زال شرقنا السعيد يرزح تحت نيرها ويدفع ثمنا باهظا لها ماديا ومعنويا مذكيا تعصبا اعمى وكراهية وعداء لم يتوقفا على مدى التاريخ العربي الاسلامي بتحزب المسلمين لهذا المذهب او ذاك او هذه الفرقة او تلك وتكفيرهم لبعضهم الذي يصل حد تحليل الدم والاغتصاب رغم اصولهم العرقية الغير عربية المختلفة منصهرين في بوتقة الصراع القرشي معتنقين كعقيدة ثابتة انهم عرب الهوى والهوية عرقا وثقافة ولا يزالون يعيشون بذات الحدة على نغم الصراع الشرس بين البيت الاموي والبيت الهاشمي وما تولد عنهما من فرق..
هذا الصراع القرشي الاموي الهاشمي بدأ قبل الظهور المفترض لمحمد النبي بأجيال كثيرة سابقة استمر كامنا غالبا في حياته ليتوج حال رحيله بانقسام صحابته ثم من تبعهم من عامة الناس بين فريقين على طرفي نقيض تحكم تصادمهما العنيف المصالح السياسية اكثر من العقيدة تناولتهما في قضية تولي ابو بكر للخلافة ومن بعده عمر وما استجد في عهد كل منهما من صراع مع المناوئين لشرعية خلافتهما او للتجديد في المسائل العقيدية.
انطلاقا من كتب السير ظهرت بوادر الخلاف بين صحابة محمد خلال حياته في قضية حديث الإفك ممثلان في عليّ الذي ستتهمه عائشة أحد اهم عناصر الحزب المناوئ له في موقعة الجمل بالتستر على قتلة عثمان والذي قال:" يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ يُضَيِّقِ اللَّهُ عَلَيْكَ وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ ، وَسَلِ الْجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ" البخاري- الشهادات2661 –) وثلة من الصحابة الموعودين بالجنة والذين ناصروه في اتهامه لعائشة (البخاري : "وقال عروة أيضا : لم يسم من أهل الإفك أيضا إلا حسان بن ثابت ، ومسطح بن أثاثة ، وحمنة بنت جحش ، في ناس آخرين لا علم لي بهم ، غير أنهم عصبة ، كما قال الله تعالى ، وإن كبر ذلك يقال له : عبد الله بن أبي ابن سلول .") من جهة وأبو بكر وعمر وعثمان وأتباعهما بما في ذلك البيت الاموي الشامي من جهة ثانية.
تبلور هذا الصراع اكثر مع تولي ابو بكر الخلافة التي رفض القول بشرعيتها بنو هاشم من شيعة علي وبعض الانصار استنادا لحق الانصار في الحكم بما انهم دار الاسلام ومن ساهم في انتشاره ونصر رسوله ومن جانب علي قول محمد فيه "لما نزل بغدير خم، اللهم ! من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم ! وال من والاه وعاد من عاداه، فلقيه عمر بعد ذلك فقال له : هنيئا يا ابن أبي طالب ! أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة". وهو من الروايات المتواترة عند أبو شيبة وأحمد بن حنبل والحافظ الشيباني والحافظ الموصلي وابن جرير الطبري والدارقطني وغيرهم."
ونجد في كنز العمال اعتراف عمر نفسه بأحقية علي بالخلافة حين قال لابن عباس:"أما واللّه يا بنى عبد المطلب لقد كان على بن أبى طالب فيكم أولى بهذا الأمر منى ومن أبى بكر." وهو ما يذكره ايضا البيهقي في [ المحاسن والمساوي ] 1 ص 30 مبرزا ايمان بعض الناس بحق عليّ في الولاية " قال الشامي: يا بن عباس ؟ إن قومي جمعوا لي نفقة وأنا رسولهم إليك وأمينهم ولا يسعك أن تردني بغير حاجتي فإن القوم هالكون في أمر علي ففرج عنهم فرج الله عنك. فقال ابن عباس: يا أخا أهل الشام ؟ إن مثل علي في هذه الأمة في فضله وعلمه كمثل العبد الصالح الذي لقيه موسى عليه السلام - ثم ذكر حديث أم سلمة وفيه لعلي فضايل جمة - فقال الشامي يا بن عباس ملأت صدري نورا وحكمة، وفرجت عني فرج الله عنك، أشهد أن عليا رضي الله عنه مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة ."
وفي اعتقادي ما انكار ابو بكر لميراث فاطمة زوجة عليّ إلا بعض مظاهر هذا الصراع والخلافات على السيادة السياسة التي كللت بموته مسموما سواء من طرف يهود لم يرضهم عدله كما يحلوا لأغلب المسلمين القول مبررين كل خلاف او اغتيال سياسي بمؤامرة تحاك ضد تماسك الدولة ورجالاتها من العدو الازلي الذي يتربص بدينهم ( وسنرى انهم من يلقى عليه سبب كل اضطرابات وصراعات وحروب المسلمين اللاحقة)
او من طرف عمر كما يقول نجاح الطائي في كتاب ( اغتيال الخليفة أبي بكر) نقلا عن شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد- ان عبد الله بن عمر قال: إنهما اختلفا وان عمر قال: كان أبو بكر أعق، وهو أحسد قريش كلها. وانه قاله لابنه: أفي غفلة أنت من تقدم احيمق بني تيم علي وظلمه لي. وعن أبو اليقظان عن سلام بن أبي مطيع بأن أبا بكر سم فمات يوم الاثنين في آخره" ليستخلص ان من حل في منصبه بشورى صورية والمستفيد الأول من موته كان عمر بن الخطاب
او حسب المنطق انه أغتيل بعد ان قاد حربا توسعية في الحجاز خلقت له عداوات كثيرة بين اصحاب البلاد لصالح الامويين في الشام بجند ارسلوا له من الشام. هذه الحرب ذكرت فيما بعد في التراث الاسلامي على انها حروب الردة ويرويها حصرا سيف بن عمر الضبي التميمي المتشيع الذي يقول فيه حسين الراضي بطل الوضاعين وأشهر الزنادقة والكذابين في العصر الثاني الهجري.
ما يدعم رأيي هو لو اننا سلمنا برواية سيف واعتبرناها ردة عن اسلام قائم الذات، فالمصادر تذكر ان أهل الجزيرة واليمن وجميع القبائل حول المدينة وبعض من اهلها ومعهم المنافقون المتربصون بالاسلام قد تركوا الاسلام بعد موت محمد فكيف جمع ابو بكر أحد عشر لواء في يوم واحد ليحارب المرتدين ويعيدهم الى الاسلام ومن اين جاء الجند الذين حاربوا المرتدين وكيف طلب دعم اليمن في حين ان اهلها ارتدوا كلهم ومن حارب في اليمن وأعادها لحظيرة الاسلام ثم لماذا لا تذكر المصادر في قتلى اليمن سوى الاسود العنسي الذي قتل في انقلاب في القصر؟
لنخلص الى ان ابا بكر اغتيل من طرف بعض البرجوازية القرشية في المدينة التي تضررت مصالحها من جراء سياسة عمر ومن طرف من اطلق عليهم فيما بعد في المصادر الاسلامية الانصار وبقية قبائل الاعراب أصحاب الارض التي اغتصبت من اهلها لتشكل ما يسمى بالمدينة المنورة - الولاية التابعة للأمويين بعد توسعهم جنوبا - المعارضين للسلطة الاموية التي نصبت ابا بكر واليا بالقوة العسكرية كما دلت عليه حادثة السقيفة والانقسام العنيف بين مؤيد ورافض لولاية ابو بكر والتنابز الذي وقع فيها وبلغ حد التهديد بالقتل ثم اغتيال سعد بن عبادة - أحد "النقباء الاثني عشر"- والمعارض لشرعية خلافة كل من ابي بكر وعمر والذي ظل على رفضه لخلافة الرجلين حتى قتل غيلة في عهد عمر.
في هذا الباب وبالبحث في شذرات متفرقة من تاريخ علاقة الامويين بالأنصار انطلاقا من الكتب السنية الرسمية نجد ما يدعم ما يدعم ما تقدم. اولا أن الاخطل الشاعر العراقي النصراني (كهرطقة مسيحية على حساب تقسيم كنيسة القسطنطينية) عندما هجاهم وصفهم بأنهم يهود كانت هناك موافقة ضمنية على قوله من معاوية الذي لم ينزل عند طلبهم ولم يعاقبه لقوله فيهم بل ظل الاخطل شاعر القصر الاموي المبجل:
لعن الإله بني اليهود عصابة بالجزع بين جلاجل وصرار
قوم إذا هدر العصير رأيتهم حمرا عيونهم كجمـر النـار
ذهبت قريش بالمكارم والعلا واللؤم تحت عمائم الأنصـار
فذروا المعالي لستم من أهلها وخذوا مساحيكم بني النـجار
مما يعني انهم كانوا يهودا أذاهم ما وصفهم به من عيوب كاللؤم والعمل في الفلاحة وشرب الخمر حتى تحمر عيونهم لا قوله فيه انهم يهود.
ثانيا نعلم ان من بين الانصار يوجد فقط 70 من شيعة علي لنسأل ما تفسير عداء بقية الانصار لمعاوية اذا وتهربهم من ملاقاته او الاحتفاء به كما تفعل بقية الاقوام الخاضعة لخلافته بعد تفرق جمع الصحابة ومقتل عليّ لما نقرأ في معجم الطبراني الكبير [ 3861 ] ... عن أنس بن مالك ... قال قدم معاوية فأبطأت الأنصار عن تلقيه فلم يصنع بهم شيئا فقال أبو أيوب صدق الله ورسوله قال النبي صلى الله عليه وسلم ستصيبكم أثرة فاصبروا حتى تلقوني قال معاوية فاصبروا إذن فقال أبو أيوب نصبر كما أمرنا والله لا نفيلكها." وابو ايوب هذا شارك في محاولة فتح القسطنطينية سنة 52 تحت لواء قائد الجيش الاموي يزيد ابن معاوية
وفي تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف للزمخشري - الحديث الحادي والعشرين- روى إسحاق بن راهويه في مسنده أخبرنا عبد الرزاق أنا معمر عن عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب أن معاوية لما قدم المدينة لقيه أبو قتادة الأنصاري – وهو ليس من شيعة علي- فقال معاوية تلقاني الناس كلهم غيركم يا معشر الأنصار فما يمنعكم أن تلقوني قال لم يكن لنا دواب فقال معاوية فأين النواضح قال أبو قتادة عقرناها في طلبك وطلب أبيك يوم بدر ثم قال أبو قتادة إن رسول الله قال لنا ( إنكم ستلقون بعدي أثرة) قال معاوية فما أمركم قال أمرنا أن نصبر حتى نلقاه قال فاصبروا حتى تلقوه فقال عبد الرحمن ابن حسان وهو ليس من شيعة علي ايضا حين بلغه ذلك :
ألا أبلغ معاوية بن حرب أمير الظالمين نثا كلامي
بأنا صابرون فمنظروكم إلى يوم القيامة والخصام
اضافة لقول معاوية لعلي بعد مقتل عثمان ان قريش الشام هم الحكام على الناس.

فيما لو سلمنا بما ورد في كتب التاريخ حول هذه الفترة من تاريخ الحجاز ومن الوجود الفعلي التاريخي لعليّ – نلاحظ ان جذوة الصراع على السلطة في المدينة خمدت في عهد عمر بفضل قوته السياسية التي تذكرها المصادر الاسلامية بدعم من الشام التي اتسعت رقعة المناطق الخاضعة لها ولأن القطبين المتنافسين وقع توافق بينهما حيث قام عمر بمنح عليّ (رمز المعارضة) صلاحيات الرجل الثاني في السلطة - نجد ذكر بعض التفاصيل في التاريخ الكبير للبخاري الذي يذكر أن علي نصح عمر بجعل يوم هجرة محمد وتركه لأرض الشرك تاريخا رسميا وثابتا وفي تاريخ الطبري انه نصحه في امر المسير الى نهاوند للحرب ضد الفرس وفي المنتظم (4/192) بأن عمر استخلفه على المدينة حين خرج إلى ماء صراء وعسكر فيه قبيل القادسية وحين نزل عمر بالجابية في غزوة أجنادين وأيضا حين حج بأزواج النبي سنة ثلاث وعشرين من الهجرة. هذه العلاقة بين الحاكم ومستشاره الخاص تذكرها عائشة حسب ما ورد في الإمامة والرد على الرافضة للأصبهاني: ص-295- حين تقول:" وقد كان على يتابع عمر بن الخطاب، فيما يذهب إليه ويراه، مع كثرة استشارته عليًا، حتى قال على : يشاورني عمر في كذا، فرأيت كذا، ورأي هو كذا، فلم أر إلا متابعة عمر"—
ولبيان مدى قيمة عليّ وابنائه عند عمر يروي الحسين بن علي نقلا عن -الإصابة -1/133:" أن عمر قال لي ذات يوم: أي بنى لو جعلت تأتينا وتغشانا؟ فجئت يومًا وهو خال بمعاوية، وابن عمر بالباب لم يؤذن له، فرجعت فلقيني بعد، فقال: يا بنى لم أرك أتيتنا؟ قلت: جئت وأنت خال بمعاوية فرأيت ابن عمر رجع، فرجعت، فقال: أنت أحق بالإذن من عبد الله بن عمر،م إنما أنت في رءوسنا ما ترى: الله، ثم أنتم، ووضع يده على رأسه. " كما يؤكدها ارسال عثمان لمعارضيه للشام ابو ذر الغفاري نموذجا.
وهنا نسأل أن كنا نعلم ان عمرا كان يلتقي بعماله مرة في السنة في موسم الحج وفقا لما قدمه الطبري 4/82 " حدثني عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء أنه قال: كتب عمر (رض) إلى عماله أن يوافوه بالموسم، فوافوه" فلماذا يخلوا بمعاوية وفيما يتكلمان حتى ان ابنه يمنع من حضور الاجتماع وماهي حقيقة العلاقة التي تجمعه بمعاوية وببني امية خاصة لما نعلم أن عمر لم يكن هو الذي ولى معاوية على دمشق، وإنما الذي ولاه أخوه يزيد بن أبي سفيان وذلك لما فتحت دمشق في عهد عمر "أمر عليها يزيد بن أبي سفيان ولما احتضر يزيد (مات بالطاعون سنة 18 ه‍) استعمل أخاه معاوية، فكأنه من غير أن يستشير عمر فأقره عمر على ذلك". -محمود أبو ريه: شيخ المضيرة-
و في سير الاعلام للذهبي "توفي يزيد في الطاعون سنة ثماني عشرة ولما احتضر ، استعمل أخاه معاوية على عمله ، فأقره عمر على ذلك احتراما ليزيد ، وتنفيذا لتوليته" لماذا احترم يزيدا وهو من أسلم بعد فتح مكة وممن الف الرسول قلبوهم بالمال والعطايا ولم يسمح لغير يزيد من قواده بتولية خليفة له ثم لماذا كان يعزلهم ويغيرهم في اقصى حد بعد سنتين في حين لم يطل الامر معاوية ولم يوجه له عمر ادنى نقد ان كان هو فعلا الخلفية ومعاوية مجرد وال كما تقدمه النصوص الاسلامية؟
لماذا حاسب عمر كل عماله واقتسم معهم مالهم ولم يفعل ذلك ولو لمرة واحدة مع معاوية ابن سفيان رغم انه لم يكن وال صالح وكان سكيرا مسرفا في البذخ كما يتضح ذلك في هذا النص للحاكم في مستدركه:" عن إسحاق بن قبيصة بن ذؤيب عن أبيه - أن عبادة بن الصامت أنكر على معاوية أشياء ثم قال له : لا أساكنك بأرض فرحل إلى المدينة ، فقال له عمر : ما أقدمك إلي ؟! لا يفتح الله أرضا لست فيها أنت وأمثالك ، فانصرف لا إمرة لمعاوية عليك؟
وفي سير أعلام النبلاء ج 2ص 9 -10 نقل الذهبي عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة عن أبيه : أن عبادة بن الصامت مرت عليه قطارة وهو بالشام تحمل الخمر فقال : ما هذه ، أزيت ؟ قيل : لا بل خمر يباع لفلان فأخذ شفرة من السوق فقام إليها فلم يذر فيها راوية إلا بقرها ، وأبو هريرة إذ ذاك بالشام ، فأرسل فلان إلى أبي هريرة ، فقال : ألا تمسك عنا أخاك عبادة ، أما بالغدوات فيغدو إلى السوق يفسد على أهل الذمة متاجرهم ، وأما بالعشي فيقعد في المسجد ليس له عمل إلا شتم أعراضنا وعيبنا." وفلان هذا هو معاوية.
ثم لماذا قتل الخلفاء الاربعة في حين لم يسجل في التاريخ الاسلامي ان الثورات الداخلية بلغت أحدا من حكام بني امية بدأ من يزيد ابن ابي سفيان ثم معاوية ثم يزيد ابن معاوية رغم فساده ومجونه ومن خلفهم على حكم المسلمين كما لم تسجل كتب التاريخ أن بقية الولاة وقواد الجيش في بقية الولايات الاسلامية قتل احدهم غدرا كما لم توجد فتن ولا عصبات نهب ولا قبائل متمردة في المستعمرات قتلت القائمين عليها او الجباة الذين ارهقوا كاهلها بالسبي والسلب والنهب؟
يبدو مما سبق ان عمر كمن سبقه وكعثمان اللاحق به في حكم الحجاز لم يكن سوى واليا للامويين ولمعاوية وان امر تولية خليفة له وان تم عبر الشورى الصورية والتي تطرح الكثير من التساؤلات حول مدى مصداقيتها وحسن نية من امر بها ومن حرك خيوطها الا انه كان مجهزا مسبقا من طرف عرب الشام الحكام الفعليين ومعروف النتائج.
الصراعات الداخلية في المدينة بين الخلفاء ومعارضيهم ظلت كامنة تبحث عن الانبثاق من جديد طيلة خلافة عمر وتوجت بمقتله ثم جاءت الخلافة العثمانية لتبرزها من جديد منذ عقد مجالس الشورى التي سلمت مقاليد الحكم لعثمان على حساب عليّ الذي قدم في خطبته ما يبرز ان الامر لم يكن سلميا كما يريد ان يوهمنا شارحي التاريخ الاسلامي ومدونوه.
لما طُلب من عمر اختيار خليفة له اقترح عليا وعثمان وطلحة وعبد الرحمان صهر عثمان والزبير وجعل ابنه عبد الله مراقبا ثم بعد وفاته اجتمع الستة وقدم كل منهم كلمته وهي في ملخصها تقدم اشفاقهم على الامة من الفرقة وموقف كل منهم من امر الخلافة ومن الاخرين المشاركين فيها.
تلخص موقف الزبير وسعد وطلحة (الذي كان غائبا وناب في الحديث عنه سعد) بالتسليم لعبد الرحمان بن عوف في حق الرأي كما أعفوا انفسهم وتنازلوا عن حق الخلافة أما عثمان وان اظهر التسليم لعبد الرحمان فهو لم يخرج نفسه من الامر في حين كانت كلمة عليّ متوجسة حذرة منذرة بما يمكن ان يؤول اليه الامر قائلا: "نحن أهــل بيت النبوة ، ومعدن الحكمة ، أمان لأهل الأرض ، ونجاة لمــــن طلب ، إن لنا حقّاً إن نُعطــــه أخذناه ، وإن نمنعه نركب أعجاز الإبل."
كما اشار الى ان اختيار عبد الرحمن بن عوف لعثمان لغاية في نفسه بقوله:" ليس هذا بأول يوم تظاهرتم فيه علينا فصبر جميل واللـه المستعان على ما تصفون . واللـه ما ولَّيته الأمر إلاّ ليردَّه عليك
" وهو ما حدث بالفعل ونجد التأكيد عليه في سير اعلام النبلاء ج1 ص88:" عن ابن وهب، حدثنا ابن لهيعة، عن يحيى بن سعيد، عن أبي عبيد ابن عبد الله بن عبد الرحمن بن أزهر، عن أبيه، عن جده أنّ عثمان اشتكى رُعافًا فدعا حُمْران، فقال: اكتب لعبد الرحمن العَهْدَ من بعدي، فكتبَ له، وانطلق حُمْران إلى عبد الرحمن، فقال: البُشرى! قال: وما ذاك؟ قال: إنّ عثمانَ قد كتب لك العهد من بعده. فقام بين القبر والمنبر، فدعا، فقال: اللّهم إنْ كان من تولية عثمان إياي هذا الأمر، فأمتني قبله. فلم يمكث إلّا ستة أشهر حتى قبضه الله."
لكن هذه الشورى المزعومة ان سلمنا انها حدثت فعلا لم تحترم القواعد التي وضعها عمر لأن ابن عوف لم يلتزم بتوجيهات عمر ووسع دائرة الشورى لتشمل الكثيرين من اتباع الامويين ورعاياهم الذين من الطبيعي ان ينتخبوا عثمانا الاموي على حساب عليّ الممثل الرسمي للمعارضة ولأنه لم يكن لابن عمر اي دور استشاري كما امر ابوه في الشورى ولا نفهم لماذا تم استبعاده ان لم يكن وجوده اصلا في مجلس الشورى تجميلا لها وبحثا عن مصداقية غائبة في حدث متخيل تمت كتابته بعد حوالي قرنين ونصف من تاريخ الاحداث الفعلي في فضاء جغرافي بعيد تماما من طرف رواة كالواقدي الاسلمي في بغداد (130هـ 207 هـ) وابن هشام البصري 218ه والطبري من طبرستان 224 هـ - 310هـ نقلا عن مصادر شفاهية تناقلت الاخبار عبر اجيال كثيرة.
الى جانب قرار عمر ذاته والذي نجد صداه في تاريخ اليعقوبي: 2 / 158 و 159: فقال والله يا ابن عباس "إن عليا ابن عمك لأحق الناس به، ولكن قريشا لا تحتمله، ولئن وليهم ليأخذنهم بمر الحق لا يجدون عنده رخصة; ولئن فعل لينكثن بيعته، ثم ليتحاربن. لنسأل ان كان يعلم ان عليا سيحارب"
الى جانب هذا الحديث الذي يؤكد ان عمر كان يعلم من سيكون خليفته في حكم المدينة مسبقا وقبل الشورى: "حدثنا عمرو بن يحيى بن سعيد الأموي عن جده أن سعيد بن العاص أتى عمر يستزيده في داره التي بالبلاط ... فزادني وخط لي برجله فقلت يا أمير المؤمنين زدني فإنه نبتت لي نابتة من ولد وأهل فقال حسبك وأختبيء عندك أن سيلي الأمر بعدي من يصل رحمك ويقضي حاجتك قال فمكث خلافة عمر بن الخطاب حتى استخلف عثمان وأخذها عن شورى ورضى فوصلني وأحسن وقضى حاجتي وأشركني في أمانته قالوا ولم يزل.. الطبقات الكبرى - ابن سعد 5/31
الم يكن عمر يعلم اذا ان ولاية عثمان من بعده ستكون اشد وطأة على المسلمين وستكون سببا في فرقة ابدية بين الاخوة في الدين بدء من اصحاب محمد الى بقية الاتباع في الحجاز وبقية الامصار المستعمرة ثم ألا نفهم من كلامه انه هو من اراد ان يبعده عن الخلافة لأنها ما كانت لترضي الطرف الاموي المسيطر على الساحة السياسية والمتحكم بها هذا ان لم نقبل بأن الفترة الراشدة برمتها ما هي إلا اضافة من طرف العباسيين المؤلفين الفعليين لكل التاريخ الاسلامي للانتقاص من اعدائهم الامويين عرب الشام المؤسسين الفعليين للحضارة الاسلامية حينما كان عرب العراق لا يزالون مشتيين لم ينتظموا بعد في هيئة سياسية وقيادية قادرة على حكم عموم العرب؟.

دمتم بخير





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,054,027,198
- صفحات من تونس- دخول الاسلام الى افريقية جزء 2
- صفحات من تونس- دخول الاسلام لافريقية
- صفحات من تونس- تاريخ شعب
- الخلافة الراشدة -- عمر بن الخطاب 2
- الخلافة الراشدة -- عمر بن الخطاب 1
- حضور الغياب.. صفحات مصرية
- حضور الغياب.. وريقات عراقية
- الخلافة الراشدة
- حظور الغياب: أنيس مرة أخرى
- السياسة المحمدية. جزء ثاني
- السياسة المحمدية : الزنا الحلال بين الدين والسياسة
- الزنا الحلال بين الدين والسياسة (الجزء الثالث)
- الزنا الحلال بين الدين والسياسة (الجزء الثاني)
- الزنا الحلال بين الدين والسياسة (الجزء الاول)
- النص التشريعي الاسلامي بعيدا عن وهم القداسة: الحديث النبوى 2
- النص التشريعي الاسلامي بعيدا عن وهم القداسة: الحديث النبوى
- النص التشريعي الاسلامي بعيدا عن وهم القداسة: القرآن
- الاقليات بين المؤامرة وثقافة الاقصاء في الساحة العربية
- صناعة نبي : نبي رحمة أم مجرم حرب .
- خلعتُكَ يا وطني


المزيد.....




- مرصد الإفتاء المصري: -داعش- يعدم المتراجعين عن أفكاره في دير ...
- العراق.. اغتيال رجل دين دعا المحتجين في البصرة لرفع السلاح
- من هو عبد الله عزام -الأب الروحي للجهاد الأفغاني-؟
- إقرار بعدم السند القانوني للحركة الإسلامية واعتراف بتسبب ذلك ...
- الريسوني يرد على وقوف -علماء المسلمين- بصف قطر وتركيا ودور ا ...
- العراق.. مقتل رجل دين بارز في البصرة
- مقتل 40 شخصا في غارات جوية للتحالف الدولي على تنظيم الدولة ا ...
- تنظيم -الدولة الإسلامية- ينسحب من منطقة تلول الصفا في جنوب ش ...
- أردوغان: تجاوزنا مرحلة تحولت فيها المساجد إلى حظائر
- تعيين وزير يهودي في تونس يثير جدلا بين الأوساط السياسية


المزيد.....

- لماذا الدولة العلمانية؟ / شاهر أحمد نصر
- الإصلاح في الفكر الإسلامي وعوامل الفشل / الحجاري عادل
- سورة الفيل والتّفسير المستحيل! / ناصر بن رجب
- مَكّابِيُّون وليسَ مكّة: الخلفيّة التوراتيّة لسورة الفيل(2) / ناصر بن رجب
- في صيرورة العلمانية... محاولة في الفهم / هاشم نعمة
- البروتستانتية في الغرب والإسلام في الشرق.. كيف يؤثران على ق ... / مولود مدي
- مَكّابِيُّون وليسَ مكّة: الخلفيّة التوراتيّة لسورة الفيل(1) / ناصر بن رجب
- فلسفة عاشوراء..دراسة نقدية / سامح عسكر
- عودة الديني أم توظيف الدين؟ المستفيدون والمتضررون / خميس بن محمد عرفاوي
- لكل نفس بشرية جسدان : الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - رويدة سالم - الخلافة الراشدة عثمان وعلي والفتنة الكبرى - سياسة بلوس ديني