أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالله حبه - المنابت الفلسفية لفن محمود صبري















المزيد.....

المنابت الفلسفية لفن محمود صبري


عبدالله حبه
الحوار المتمدن-العدد: 3699 - 2012 / 4 / 15 - 19:15
المحور: الادب والفن
    



محمود صبري (1927 – 2012) في سنوات شبابه
جاء رحيل الفنان العراقي الكبير محمود صبري (1927 – 2012) في فترة بدا لي، حين تحدثت معه قبل عشرة ايام من الوفاة، ان يد المنون لن تطاله بهذه السرعة. فقد اتفقت معه على اقامة معرض لأعماله في موسكو بمبادرة من البروفيسور فيتالي ناؤمكين مدير معهد الاستشراق. كما بحثت معه موضوع نشر ألبوم لوحاته الكامل الذي أقوم بإعداده منذ فترة واطلعته على اجزاء منه. ووضعت هدفا لي ان يكون الكتاب- الألبوم دراسة شاملة عن عمله كفنان ومفكر أولا وآخرا، تاركا موضوع نشر المواد المتعلقة بنشاطه الوطني في رسم اللوحات ذات المضمون الاجتماعي والثوري ومقالاته السياسية الى آخرين.أن كل ما كتب عن جواد سليم وخالد الرحال وفائق حسن ومحمد غني حكمت ومحمود صبري وغيرهم من رعيل الرواد لا يرقى الى مستوى البحث والنقد الجاد . وغالبا ما تتسم هذه الكتابات بانطباعات شخصية ذات صبغة عاطفية . وأنا لا اضع نفسي في عداد النقاد الفنيين المحترفين ، واعتقد بأنه لا يوجد لدينا نقاد محترفون في الفن التشكيلي ، لكنني اريد الاستفادة مما تلقيته من اساتذتي في معهد (غيتيس) في دراسة علم الجمال لسد بعض الفراغ في الكتابة عن فنان عبقري انجبته أرض وادي الرافدين مثل آخرين من الرواد الذين وضعوا أسس المدرسة الفنية العراقية ذات المكانة المتألقة في الفن التشكيلي على الصعيدين الاقليمي والعالمي.
• * *
ألتقيت الفنان محمود صبري في شقته في "ميدين هيد" بضواحي لندن مرة، ودار الحديث كالعادة عن واقع الفن التشكيلي العراقي واتجاهات الفن عموما في العالم. واستغرق الحديث ساعات طويلة في المساء وفي صباح اليوم التالي ودار النقاش حول كل شئ بصدد الفن التشكيلي والمسرح والسينما وواقع الثقافة العالمية بعد زحف طرازها الاستهلاكي بتأثير العولمة وفقدان القيم الجمالية القديمة وعدم ظهور البديل اللائق الذي سيحل محلها. وقد طمأنني محمود بلهجته الهادئة المعروفة بأن عملية تطور الثقافة تمضي في مسيرتها الطبيعية ولن يبقى في الثقافة إلا الجيد والخالد كما كانت الحال على مدى العصور.
وفيما بعد راجعت تسجيلات اقوال محمود صبري في سياق الحديث عن الفن فوجدت لحيرتي ان كافة افكاره كانت تمضي في مجرى آخر غير الفن، او بعبارة أخرى اوسع نطاقا من الفن. فالمسألة ليست مقتصرة على الخطوط والمساحات اللونية التي تجسد فكرة ما في اللوحة، بل على كون الفن يجسد كالعلم حقيقة موضوعية ومعرفية. وأشار محمود فيما أشار الى دور الفنانين القدامى، في أكد وسومر وآشور وبابل في العراق وفي عصر الفراعنة في مصر، والى دور الفلاسفة اليونانيين من فيثاغورس واقليدس وسقراط وافلاطون وارسطو وافلوطين ، وكذلك اصحاب الفكر والعلم العرب من الجاحظ والفارابي وابن رشد الى ابن الهيثم والخوارزمي، في تشكيل هذه الحقيقة الموضوعية. وكلها تنصب

لوحة للفنان محمود صبري
في تعادل الانسان والعلاقات الاجتماعية. فالبشر – حسب مفاهيم كارل ماركس - في تعاملهم الانتاجي مع الطبيعة ينتجون علاقة مع الطبيعة تنطبق مع فهم معين لها، وينتجون علاقات اجتماعية فيما بينهم. ووظف محمود صبري هذه المفاهيم في اعداد رؤيته حول نوعية الانتاج في العالم المعاصر وظهور علاقة جديدة هي تعادل الكتلة والطاقة. وقد فسر الفنان موقفه هذا كله في بيانه حول "واقعية الكم" والذي حاول فيه اعطاء صورة تشكيلية لفهم الانسان المعاصر لعمليات الطبيعة الاساسية. وقد ادركت يومئذ ان محمود اتخذ الفن كوسيلة للبحث عن هذه الحقيقة ، ولم يجعل الفن ابدا غايته النهائية. ولهذا بالذات دعا في المرحلة الاخيرة من ابداعه الى وجوب دعم الفن بالعلم ، وهو بالذات ما نادى به ليوناردو دافينشي في زمانه. وسلاح الفنان الذي هو وسيط بين الطبيعة والبشر يجب ان يمتلك عناصر ثلاثة هي المهارة والمعرفة(العلم) والخيال. وقد عمل محمود على تطويع هذه العناصر واستخدامها في ابداعه.
ان علاقة الفن بالواقع قد شغلت جميع الفلاسفة من اجل معالجة مسألة الأهمية المعرفية للفن. ومن هنا برز اهتمام محمود صبري بدراسة الفلسفة وعلم الاجتماع. وكانت هناك كتب كثيرة في شقته خاصة بالفلسفة وعلم الاجتماع ، كما كان يرتاد مكتبة اللغات الاجنبية في موسكو بحثا عن هذا الصنف من الكتب. وأذكر انني حين ودعته لدى مغادرته موسكو اعطاني كتابا باللغة الانجليزية حول علاقة تطور الفكر بالفلسفة ونصحني بمطالعته. وعندما قرأته فيما بعد صعقت لكونه تضمن نقدا شديدا لمنهج كارل ماركس الفلسفي بأعتباره يركز على دور العامل الاقتصادي ويتجاهل العامل الاجتماعي اي تطور المجتمع اللاحق في المرحلة الانتاجية مستقبلا. وادركت ايامذاك ان الفنان محمود صبري يرفض الجمود العقائدي بكافة اشكاله فالفكر في حالة تغير مستمرة وعمل الفنان الابداعي هو نتيجة تراكم المعارف في ذهنه ثم تشكيلها في خياله. والفن التشكيلي برأيه ليس فن النخبة بل فن جماهيري مرتبط بالمجتمع. وإن العملية الابداعية في جوهرها هي محاولة لمحاكاة الطبيعة وفي النتيجة خلق طبيعة ثانية. وهنا تكمن وحدة العلم والفن. لأن المادة وحدها لم تعد تعطي تفسيرا للكون فهناك الطاقة ايضا التي تعطي تفسيرها للكون. وفي المرحلة المعاصرة لم تعد هناك فروق بين فنون الشعوب، والسمات المحلية لم تعد ذات تأثير في العملية الابداعية بحكم وجود الانترنت والتلفزيون ووسائل الاتصال الاخرى.

بلاد النهرين في لوحة للفنان محمود صبري
انني لدى متابعتي لفن محمود صبري وشخصيته الابداعية منذ الخمسينيات، حين ألتقيته لأول مرة في بغداد في بيت خالد القصاب، وفيما بعد بفي موسكو على مدى ثلاث سنوات، وفي اللقاءات القليلة في براغ ولندن وجدت نفسي امام فيلسوف أكثر من فنان. واتذكر قوله مرة : "ليست مقاييس الجمال كانت دافعي الرئيسي في عمل اللوحة، بل مقاييس التركيب الطبيعي للكون التي هي أساس كل ما هو موجود. وواجب الرسام رسم التفاعلات الجارية في الطبيعة وليس نتاجات هذه التفاعلات التي تشاهد ظاهريا". وكان محمود يدخل في نقاشات وجدل حاد احيانا مع الفنانين العراقيين حول غاية الفن في ايام الجمعة التي كانوا يقضونها في الجادرية في اوساط الفلاحين من اجل رسم الطبيعة ولاسيما النخيل، وكان النقاش يتركز خلالها حول وظيفة الفن. ويشير المعمار رفعت الجادرجي في ذكرياته الى النقاش بين محمود صبري وجواد سليم عن علاقة الفنان بالسياسة وتأكيد الاول مع د. قتيبة الشيخ نوري على ان الفنان العراقي سيجد نفسه مضطرا لان يمارس دورا سياسيا سواء شاء أم أبى. فهو جزء من هذا المجتمع ويجب ان يشارك في الحركة التقدمية والثورية فيه. ولهذا جعل محمود موضوع الانسان الاساس في لوحاته بخلاف زملائه الآخرين في جماعة "الرواد". ولذا لا توجد بين اعماله مناظر طبيعية وستيل لايف (طبيعة جامدة) وبورتريه لشخص معين. بل ان ابطال لوحاته هم الفلاحون الفقراء والمومسات التعيسات (في الانتظار) وبسطاء الناس في السوق والمتظاهرون وجنازة الشهيد وموت الطفل. حقا انه رسم فيما بعد تخطيطات لقادة الحزب الشيوعي العراقي بعد انقلاب شباط 1963 نشرت في الصحافة، بيد انها استخدمت لاحقا كجزء من لوحاته الجدارية الكبيرة. وكانت هذه الاعمال اكثر من لوحات بورتريه بما تضمنته من تعابير عن الالم والغضب. لكن محمود أعاد مرة قول د. علي الوردي " ان السياسة ما دخلت في شئ إلا افسدته" ، ويجب عدم تحويل الفن الى اداة لخدمة السياسة. اذ ان هدف السياسة هو الاستيلاء على السلطة اما هدف الفن فهو معرفي. لذ يبقى للفن دور رفع الانسان الى مرتبة معرفية أرقى بكشف سلبيات المجتمع وايجابياته ودفعه الى تغيير واقعه.
ويبدو واضحا من مقالات وكتابات محمود صبري خلال فترات مختلفة ولاسيما كتابه " الفن والانسان" ان هذا الفنان الفيلسوف قد تجاوز مفاهيم باومجارتن وكانط وهيجل وفنكلمن وغيرهم في علم الجمال بصفته نظرية النشاط الجمالي للأنسان في سياق عملية الحياة الاجتماعية. وبرأيه ان هذا النشاط يمثل ملكة خاصة عامة عند الانسان في اظهار روابط الطبيعة بالمجتمع. وكان الفنان سابقا يرمي الى ربط تقييم الفنون بالمعرفة الحسية، باعتبار ذلك مرحلة وسط بين الاحساس المطلق والمعرفة الكاملة. ولهذا ركز الفنان على دراسة الاشكال الفنية وليس مضمونها. وقد كتب لي محمود صبري في رسالة من براغ بتأريخ 28/1/1974 لدى انتقاله الى اسلوب "واقعية الكم" يقول:" شكري الجزيل للألبومين اللذين ارسلتهما لي مع عادل (المقصود أخي عادل حبه – ع.ح. ) . أرى ان بتروف- فودكين يلقى أخيرا العناية التي يستحقها بجدارة. ان رؤية تصاويره أعادتني مرة أخرى الى جو بداية الستينيات في موسكو . بالنسبة لي لقد تغير او تطور عملي تدريجيا خلال هذه الفترة نحو طريق جديد او وجهة نظر جديدة في الفن .. وجهة النظر الجديدة هذه اسميها ( واقعية الكم ). الكراسان المرفقان (بالعربي والانكليزي) يوضحان أسسها العامة...والنص الانكليزي أدق. لهذا يمكن الاستناد اليه بأعتباره النص الاساسي.. كما تلاحظ انني اضع الفنون السابقة على الرف. كل هذه الفنون كانت تعبيرا عن ادراك سطحي بدائي للأشياء والعالم – ادراك على مستوى السحر والاسطورة والدين ( وكذلك المشاعر المرتبطة به). انها الآن جزء من التأريخ (او ما قبل التأريخ) الانساني. وكما يصنع الانسان الآن تأريخه الجديد ( في حقل الاقتصاد والاجتماع والسياسة) بتجاوز التأريخ القديم، فإنه بالمثل يصنع تأريخه الجديد(في حقل الفن) – اي الفن الجديد – بتجاوز فنه القديم. ان ما ينطبق على حقول المجتمع الأخرى ينطبق على الفن أيضا. ان عالم اليوم هو عالم جديد يتطلب فنا جديدا. الانسان يبني الآن حياته المادية على أساس علمي – استنادا الى فكر علمي ورؤية علمية ، وعواطف ومشاعر جديدة ترتبط بها. انه يغير الطبيعة والمجتمع على مستوى عميق جوهري لم يصل اليه الانسان من قبل، هذه الحقيقة تنعكس في ذهنه – وبالتالي فأنها لا بد ان تجد تعبيرها – كصور – في الفن. الفن الجديد الذي يعبر عن هذه الحقيقة الجديدة (هذا التعامل العلمي العميق بين الانسان والطبيعة وبين الانسان والانسان) لابد وان يكون بالضرورة مختلفا عن الفنون السابقة . فهو يعطينا صورة لعمق الاشياء وليس لمظاهرها الخارجية . وهو يرسم هذه الصورة مستخدما وحدات بلاستيكية مشتقة من هذه الاعماق ( اي بالضبط كما كانت الفنون السابقة تستخدم وحدات بلاستيكية مشتقة من مظاهر الاشياء). هذا ببساطة هو أساس واقعية الكم . وانا اؤكد أساس ، اذا ان الشكل الحالي لواقعية الكم هو الشكل البدائي البسيط جدا للفن الجديد للانسان العلمي الجديد – الفن الذي يصور اعماق الاشياء والعالم – أو ما أسميه بفن العمليات."
ولا مناص من الاشارة الى تطور مفاهيم محمود صبري حول الجمال في الفن.ان هذا الامر كما يبدو لي كان مرتبطا بأسلوب حياته المتسم بالانعزال وحياة الزهد والتأمل. فالانسان الذي رفض التهافت على الشهرة وكسب المال وحياة البذخ وحتى تخلى عن الحياة العائلية الهادئة كان يمضي جل وقته في العمل والمطالعة. وكان ذا طاقة عجيبة في العمل فمثلا اراد ان يرسم قبضة يد ، فكان يرسم قبضته نفسه عشرات المرات باوضاع مختلفة خلال عدة أيام حتى يصل الى مبتغاه في رسمها لكي يضيفها كجزء من لوحة كبيرة. وما زالت اتذكر شقته الصغيرة بموسكو حيث ينطلق دوما بهدوء صدى موسيقى باخ وهندل او الانشوة الحماسية لسفيريدوف " الى اليسار..الى اليسار" عندما كنت احيانا ازوره مع الصديق الراحل غائب طعمة فرمان لشرب الشاي الثقيل وتناول ساندويتشات الجبن المحمصة في الفرن وهي كل طعامه. ان حياة الانعزال والتأمل هذه في شقته مارست دورا كبيرا في تطور تفكير الفنان وانعكست في ابداعه لاحقا. فالانسان حين يعمل وحيدا لا يجد ما يعكر مسار تفكيره وتأملاته. وقد سمعت هذا الكلام مرة حين كنت في معهد الفنون الجميلة أراقب جواد سليم لدى عمل تمثال نصفي لعازف العود المعروف سلمان شكر . فقد توقف جواد عن العمل فجأة وقال لسلمان: شكرا.. يجب علي ان ابقى مع كتلة الطين هذه وحيدا. وفعلا انجز جواد فيما بعد بعيدا عن الانظار والمتطفلين تمثالا رائعا لعازف العود.
وقد تبينت من الحوارات مع محمود صبري انه على معرفة جيدة بالدراسات الاكاديمية في علم الجمال نظرا لكثرة مطالعاته في هذا المضمار، بالرغم من كونه لم يحصل على دراسة فنية اكاديمية. وكان يرتاد في المعهد بموسكو دروس التخطيط ورسم الموديل العاري. لقد اعتبره حتى الاصدقاء في جماعة "الرواد" مجرد هاو مثل قتيبة الشيخ نوري وخالد القصاب وآخرين. وقد تفرغ محمود الى الفن نهائيا بعد مجيئه الى موسكو في عام 1960 بتشجيع من شهيد الحركة الوطنية سلام عادل الذي كان من هواة الفن أيضا، وعمل من اجل تنظيم بعثته التطبيقية في معهد سوريكوف للفنون التشكيلية بموسكو التي افادته كثيرا

لوحة بريشة الفنان محمود صبري
في تطوير قدراته في احتراف فن الرسم. لذا نراه في المجال النظري لم يأخذ بمقولة افلاطون حول الفن الواردة في " الحوار" بأنه " لهو غير مؤذ" وسحر وجنون وهذيان ... ولا بد من الانتقال من جمال الاجسام الى جمال النفوس ( أو الارواح) اي " الصور" العقلية". ورغم اقترابه من مقولة ارسطو حول الفن باعتباره "محاكاة للطبيعة كما تتجلى وتظهر لكن وفقا لمعيار عقلي، وكذلك هو وسيلة للتطهر من الانفعالات الضارة ونوعا من الدواء النفسي" ، فان محمود بقي مواليا لفكرة ان الجمال هو "الصورة " العقلية. وبرأيه ان الحكم على الجمال هو حكم ذاتي يتغير من انسان الى آخر. والحكم المتعلق بالذوق لا يعتبر موضوعيا. ومن هذه الناحية اقترب من رأي كانط بأن الجمال هو (قانون بدون قانون)، ولو ان الجمال لا يوجد بدون الابداع الفني الذي له قواعده وقوانينه. وعمد لاحقا الى الانتقال في الحوار الى علم الجمال الهيجلي الذي يرفض ان يكون الفن الشكل الاسمى للتعبير عن الروح (او العقل). ولابد من الرجوع الى التأمل الفكري في اعطاء التقييم الجمالي. وكما يقول هيجل في كتابه "علم الجمال" فان الجميل هو " المطلق في الوجود الحسي"، وان المضمون الروحي ينفذ في الوجود الحسي ، والفن هو عرض الصورة المثالية (الفكرة) بشكل محسوس . والجمال في الفن هو الجميل الذي يبدعه الانسان. وبرأي محمود صبري ان هيجل على حق حين قال ان الجمال في الفن أسمى من الجمال في الطبيعة، ويجب الانطلاق من كل ماهو موجود معقول ، والطبيعة تمثل احد مظاهر العقل. اذا فمحاكاة الطبيعة ليست هدف الفن الحقيقي ، ولكل نتاج فني موقف ذاتي من جانب الانسان يتناسب مع ذوقه. لذا فان مهمة الفن ليست محاكاة الطبيعة شكليا، بل استثارة المشاعر الخاصة للفرد لا عبر التجربة الواقعية بل عن طريق الخيال والوهم. فمن الممكن بواسطة الفن استثارة مشاعر الكراهية والتعاطف والقلق والخوف والغضب او المحبة والاعجاب. والجمال يصبو الى تحقيق الوحدة بين التصور العقلي للشئ وبين وجوده الواقعي، والتطابق بين المفهوم العقلي والوجود الفعلي. وإن الهدف الاسمى للفن هو اشاعة الانتظام والتماثل والانسجام. وينطبق هذا على جميع اصناف الفنون.
ويرفض محمود الدعوة للعودة الى القيم القديمة في الفن والفكر عموما. كما يرفض الفن التشكيلي الوصفي الحديث. وقال لي في الحوار ان الفنان الروسي فاسيلي كاندينسكي رائد الفن التجريدي نبذ الطبيعة كأساس في الفن. وأنا فنان واقعي ويبقى ارتباطي بالطبيعة. والفنان لا يمكن ان يبدع بدون الاستناد الى الطبيعة كمصدر للالهام وليس لتقليد الجوانب الشكلية لها دون اعتبار للقيم الوظائفية المتمثلة بالحركة والتطور. فالطبيعة ليست كمية ساكنة ثابتة بل متغيرة ومتطورة بإستمرار. والمقصود بالامر الطبيعة المرئية والمحسوسة والطبيعة غير المرئية وغير المحسوسة. ولهذا اعتبر محمود تجارب الفنان الفقيد شاكر حسن آل سعيد في مجال التجريد مرحلة تجاوزها الفن المعاصر وفقدت مصداقيتها شأنها شأن المرحلة الطبيعية للقرن التاسع عشر التي بدأت مع جيوتو وانتهت مع الانطباعيين وآخرهم بول سيزان.
ويعترف محمود صبري بأنه تأثر كثيرا بالفن الغربي مثل غيره من الفناني العراقيين من ابناء جيله ، كما تأثر بالفنانين المكسيكيين وبالايقونات الروسية في توزيع المجاميع وانتقاء الالوان وبساطة الاشكال. وبالرغم من انه مارس الفن منذ فترة اليفاع، فإنه لم يصبح فنانا محترفا فعلا الا بعد مجيئه الى موسكو، وكان قد اقترب من سن الاربعين عاما. اما التأثر بالفنون القديمة للحضارات العراقية المندثرة فهو ضئيل لأن الفنان العراقي القديم كان يرمي الى تحقيق اهداف غير اهداف الانسان العراقي المعاصر. اما تقليد القديم كما هو فلا نفع منه. ولابد من تنوع المدارس الفنية فهذا أمر يمليه تطور المجتمع البشري المتحرك نفسه وضرورة كشف جوهر الطبيعة في العمل الفني.
موسكو - 15/ 4/2012





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,796,188,188
- المخرج السينمائي الروسي الكسندر سوكوروف
- لغز بولغاكوف
- مأساة مكسيم غوركي
- يوسف العاني موليير العراق
- محمود صبري - فنان ومفكر
- بريماكوف يتحدث عن الماركسية - اللينينة و-الثورات العربية-


المزيد.....




- اللص الفنان!
- الصين تشتري فيلمين روائيين روسيين في كان الفرنسية
- تكريم ممثلة الأفلام الإباحية ستورمي دانيلز لـ -شجاعتها-
- علم النفس التحليلي
- فرنسا تُصدر كتاب -اللغة العربية لغة عالمية-!
- -لا تهكلو للهم-.. ناصيف زيتون يواسي تيم حسن في الهيبة!
- باعة الكتب القديمة بتونس.. نوادر ومآسٍ
- المواطنة... من الوطنية إلى العولمة
- البرلمان الأوروبي يرفض مشروع قرار معادي للمغرب
- أحوال القرية المصرية في رواية -حكايات آل الغنيمي- لمنير عتيب ...


المزيد.....

- دراسات يسيرة في رحاب السيرة / دكتور السيد إبراهيم أحمد
- رواية بهار / عامر حميو
- رواية رمال حارة جدا / عامر حميو
- الشك المنهجي لدى فلاسفة اليونان / عامر عبد زيد
- من القصص الإنسانية / نادية خلوف
- قصاصات / خلدون النبواني
- في المنهجيات الحديثة لنقد الشعر.. اهتزاز العقلنة / عبد الكريم راضي جعفر
- المجموعة القصصية(في اسطبلات الحمير / حيدر حسين سويري
- دراسات نقدية في التصميم الداخلي / فاتن عباس الآسدي
- لا تأت ِ يا ربيع - كاملة / منير الكلداني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالله حبه - المنابت الفلسفية لفن محمود صبري