أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أفنان القاسم - أربعون يومًا بانتظار الرئيس






















المزيد.....

أربعون يومًا بانتظار الرئيس



أفنان القاسم
الحوار المتمدن-العدد: 3651 - 2012 / 2 / 27 - 13:10
المحور: الادب والفن
    


الأعمال الكاملة
الروايات (13)


د. أفنان القاسم


أربعون يومًا بانتظار الرئيس


رواية السقوط الفلسطيني
نسخة مزيدة ومنقحة


الطبعة الأولى المطبعة العصرية الجزائر 1992
الطبعة الثانية دار النسر عمان 1995
صدرت الرواية بالفرنسية تحت عنوان "كرنتينا في تونس"
دار لارماطان باريس 2003


إلى ياسر عرفات
عبرة لمن لا يعتبر


إلى الأديب العربي الخاضع للموج...

إن لم يكن باستطاعتك أن تلعن الوثن العربي، أن تحطم كل شيء في مرآتك، وأن تكون من المنبوذين الخلاقين، فعليك أن تصمت، وأن يكون صمتك إلى الأبد، فلسنا بحاجة إليك ولا إلى أدبك!
نريد أديبًا جديدًا وأدبًا جديدًا في زمن جعلوه أقدم الأزمان وأحطها بأمرنا وأولي أمرنا!
هذا أمر القارئ الجديد عليك وأمر أمورنا!
انتهى عهد أولئك الذين يتلاعبون بالكلام، ويلعبون على كل الحبال، باسم التقدمية والديمقراطية والاعتدال أو عرض بنات الخيال!
أتى عهد تدمير التدمير ونسف النسف وإعادة النظر في كل شيء من الذي لا قيمة له إلى كل القيم، فإما أن تكون الكتابة هكذا أو لا تكون!
وان لم يكن باستطاعتك أن تتخذ موقفًا مع هذه الرواية في الجرائد والمجلات ووسائل الإعلام المستنقعات وفي المقاهي والشوارع والجامعات وفي كل مكان محطم يأخذ صورة الواقف على قدميه، في سرك الذي لم يعد سرًا بعد أن انتهت الأسرار، وفي سرتك التي نبت حبلها لتضرب به، وحتى في سريرك، فأنت ضد أدبك والأدب العربي ضد ذاتك وضد أرضك وأمتك وحياتك وأشجار التين ضد وجودك ووجودنا كلنا الذي يعملون على جعله من غير وجود، وجودًا للأشباح والأذلاء المذلين!


إلى القارئ العربي المصارع للموج...

انتمائي إليك وحدك، واليك وحدك سيكون انتمائي، لأنك الوحيد الذي يصارع الموج معي على جذع الوطن المكسور، أنتمي إليك والى الشراع الباحث عنا ولا أنتمي الى أولئك الأدباء السعداء المتخاذلين أو الجرذان ـ لم أنتم إليهم يومًا ـ ولا إلى ذلك الأدب المتناكح أصحابه مع أصحابه ومع السياسيين البائعين المباعين الذين عملوا على إلقائنا في مزبلة الأدب العربي وألقتهم حروب الخليج وظروف التركيع التي تبعتها هم وأدبهم برمته في مزبلة التاريخ.
(مقدمة الطبعة الأولى، المطبعة العصرية ـ الجزائر 1992)

احتراس

وجدتني مضطرًا لأول مرة الى تصدير روايتي هذه بالاحتراس غير التقليدي الذي لم يتواضع عليه كُتّاب الغرب، وهو أن هذه الرواية ليست بنت خيالي الشرقي المجنح، ولذلك فإن أي شبه بين شخصياتها وبين أشخاص واقعيين ليس ابن عرض جنحت إليه عن غير قصد، بل أكاد أقول، توكيدًا للشبهات، إن أي شبه بين تونس هذه الرواية وتونس تلك البلاد ليس محض هذيان نوستالجي.


1
الأيام الأخيرة
تقيأت على قاعدة تمثال المجاهد الأكبر الذي كان بالأمس القريب يعطي ظهره لأكبر شارع في تونس بعد أن أزالوا التمثال بطربوشه الراكب على حصان المادد يده للشيطان، ثم مرّ كلب ضائع، وراح يبول على القاعدة. وفي الناحية الأخرى، سمعت نواحًا لامرأة شابة يشدها رجل كهل من ذراعها، وهي لا تكفّ عن البصاق. لم أتقيأ لحرارة الشمس الشديدة، ولكن لأنني تخيلت وجه أحد القادة الفلسطينيين. زحف قي خيالي الوجه المتربرب الملتمع ببطء اختنقت معه أنفاسي، وأصابني مغص شديد التوت معه أمعائي. كان الضوء قد اسود في عينيّ، ففتحتهما الى أقصاهما، وفغرت فمي كفم حوت ابتلع مدينة، وقذفت أنهارا من القيء سَوراء مالحة وحامضة، وأنا ألتهث، وأتلوى، ثم سقط وجهي في القيء، فشممت رائحة الزيت والمازوت التي تتركها السفن في ميناء حيفا، واستعدت هدوئي في اللحظة التي رفع فيها الكلب ساقه، وأنهى بوله على رأسي.
الأيام الأولى
راح الصوت المتجبر المتغطرس يسألني بعنف يغدو نارَدينَ لغيري: ماذا تريد؟ فماذا أريد غير أن أرى الرئيس؟ وأعاد الصوت المتغطرس المتجبر: ماذا تريد؟ فلم أنبس ببنت شفة، وقد جمدني الصوت بأمره. رحت أبحث في قاموس التأدب الذي أحفظه عن كلمات مجلوة أقولها، فلم أقل سوى: الرئيس يريد أن يراني. ولم أفطن الى الهدوء السابق للعاصفة الذي هيمن على آخر الخط إلا بعد أن فاجأني هذا الرعد: اعطني اسمك واسم فندقك ورقم حجرتك! وأنا أرتعد كشجرة برقوق في قبضة الريح المهلكة. همهمت لا أعرف كيف: ولكني سآتي لرؤية الرئيس! فإذا بقذائف من الصواريخ يطلقها محدثي عليّ دون أن أفهم أسبابها. وبعد أن طلبت توضيحًا، قال لي: لا داعي لتأتي، فتنتظره طوال الليل، ترهق نفسك وجسدك، وهو في اجتماع في إست اجتماع دون أية فائدة، سنبلغه بوجودك، وإذا طلب رؤيتك أرسلنا لك في الحال بمن يأتي بك إليه حتى ولو كان ذلك في الساعة الثانية صباحًا أو الثالثة أو عند آذان الفجر! هل تصلي الفجر؟ قلت: لا أصلي الفجر. قال: النوم خير من الصلاة! وذهب مثل سوط... وهم لن يرسلوا أحدًا، لن يرسلوا ملاكًا ولا شيطاناً، وأنا لن أكون مجنونًا كي أقضي ليلتي كالبوم الغبي منتظرًا قدوم خبر قصيّ كما كنت أفعل، وما كانوا يفعلون، أنام وأنا مفتوح العينين، أقوم وأنا مغمضهما.
الأيام الأولى والأخيرة
عدت إلى فندق الدرجة الأولى الذي أنزل فيه، فرأتني خادمة الغرف التي أطلقت صرخة محيَّرة على منظري، وسألت إذا ما وقعت فريسة لبعض السوقة أو كنت طريدة لبعض رجال الشرطة أو سقطت في أحد مستنقعات حديقة الحيوانات القريبة من شارع الولايات المتحدة الأمريكية، وأنا أبتسم لها بخجل زهرة محطمة. بعد الحمام، وقفت عاريًا وراء النافذة، فأبصرت الكلب على الرصيف يرفع رأسه، وينتظر أن يراني. قلت له انظر ورَ الذي تريد‍، فأخذ ينبح، ويقفز، يريد أن يتسلق فضاء تونس الممزق إليّ. فتحت النافذة، وبصقت عليه.
قال لي أبو مروان بن الحكم، وأنا أبحث عنه في الأرض لقصره دون أن أجده ويجده لي صوته الآمر الحاد النبرة: اقبع في فندقك، وانتظر مكالمة مني، فستلتقي الرئيس اليوم بعد الظهر أو هذا المساء‍، فأين أضعني من غمرة السعادة، في عيبال أم في جرزيم؟ وهطلت عليّ الصور سُوَرًا وأناشيد. كان ذلك أول يوم لوصولي أرض النعيم التي فيها أنعم عليّ أبو مروان بن الحكم بنار باردة وماء زلال وأحلام رأيت فيها النساء عاريات. سألتقي الرئيس إذن اليوم، فأرى ما يريده مني، وفي الغد أعود الى باريس، الى ابنتي دينة الدنيا، وإلى قلمي العنيد، فمشاريع الكتابة لا تنتهي، ووصف حبي لدينة الدنيا ذات العام لا يفوقه وصف لقلم يتيم غير قلمي. كانت سعادتي كبيرة، مشمشًا جفناويّ المذاق، لأن كل شيء سيتم بسرعة، خاصة أن أبا مروان بن الحكم قد دبّل عينيه، وطرّى صوته، وأعاد لي بأخوية إنني سأرى الرئيس اليوم بعد الظهر أو هذا المساء، وكأن الأمر مفروغ منه، وهو من السهولة بحيث لا داعي للقلق بانتظار أن يرن الهاتف رناته الواثقة، أضف الى ذلك ما تضفيه من تين بلعاوي معزتي الخاصة لديه. عندما خرجت من عنده الى شوارع البلفدير كنت أرى أن للأشجار أجنحة، وأحس أن للناس صفات الزهر. خلتني في نابلس، في شارع الشويترة، فقطفت ريحانة، وقدمتها لأول فتاة صادفتها في طريقي. ناداني صوت لين متواضع، فتبعته، وصرت في القدس، في شارع صلاح الدين، فجعت، وتمنيت أن آكل صحن حمص على رصيفه. رأيت الثورة كرزًا وموزًا، ومرارة الهزائم الماضية تحولت الى عنصر أساسي من مباهج العاشق المغتم في حبيبة من الطبيعي أن يمنعها عنه أهلها، فتكون معاناة، وتكون هموم، وتكون قتلى سعيدة أرواحها، قبل أن يتزوجها على الرغم من أنف أبيها وأمها وكل أجدادها. غدت كل تلك الهزائم ثمنًا للانتصار القادم على الموت من أجل بلوغ شأو الجوز‍! ذهبت مباشرة الى الهاتف العمومي، وتلفنت لزوجتي سكر الملح، قلت لها كل شيء على ما يرام، سأقابل الرئيس اليوم بعد الظهر أو هذا المساء، ففرحت، وقالت يا ليتني أكلمه عن أخي أيمن السيوف الذي يختنق في غمد عندي، فقلت أنا وظروفي، وطلبتُ منها أن تكلمني هي في المرة القادمة، لأن المكالمات الدولية على حسابي، أنا الذي أنتظر حسابي.
لم تكن لي رغبة في العشاء، فمن العادة ألا أتعشى إلا لمامًا لصحتي الضعيفة، وليس لأوفر على الرئيس ثمن وجبة عادية ولكن غالية في فندق الدرجة الأولى الذي أنزل فيه. كنت آكل حبة برتقال أو بضع حبات تمر، وأتمشى في شارع الحرية. لم أحلق ذقني، ولم أضع عطرًا في أنفي. كانت رائحة الفُل تهب من مكان لا يمكن لي تحديده، والبارات تفرز رائحة كحول خانقة، فيختلط الفُل بالكحول، والروائح بالعقول، وأنا أنظر الى الناس الماضين في الأضواء المتحركة، وأقول لا أحد يعرفني هنا إلا ذاك الكلب الذي أراد أن يبني صداقته معي على طريقته. التفت من حولي بحثًا عنه، فلم أجده. خفت فجأة، وراح قلبي يدق بعنف، أحسست بنفسي وحيدًا معزولاً منبوذًا مثل الكنيس الوحيد الذي يحرسه دومًا جندي مسلح في شارع الحرية. كانت مملكتي مملكة التائهين الغريبين المنبوذين، فأنا تائه وغريب ومنبوذ، والكل في مملكتي تائه وغريب ومنبوذ. جاءت سيارة إسعاف تولول، فنظرت بين جمع مصطخب الى رجل هرم يشبه أبي رب الخريف، وهو ملقى على الأرض، غائب عن الوعي، شفتاه تتحركان، وكأنهما تهمهمان بسر. حمله رجال أقرب الى رجال المخابرات من رجال الإسعاف، وألقوه في سيارتهم مثل جثة كلب، وذهبوا.
لم يرن الهاتف رناته الواثقة مثلما وعد أبو مروان بن الحكم، وليل تونس المتلألئ قد انطفأ، وبدأ قلقي يجذب الشك في شباكه، فصارت أعصابي على وشك الانهيار لولا العيون النجلاوات للفتيات الجميلات اللاتي كن ينظرن إليّ من التلفزيون الإيطالي. ارتميت على السرير، وسددت النظر إلى الهاتف، والهاتف يسدد النظر إليّ، ونابلس تضحك مني ساخرة. كانت نابلس أجمل من كل الفتيات الإيطاليات، ولكنها بدت ساخرة، شامخة، ومشاكسة. كانت نابلس تريد إخضاعي، وشارع الشويترة فيها يريد إذلالي. حدقت في السقف، وقلت سيرن الهاتف، فلا يمكن لأبي مروان بن الحكم أن ينساني، ولا يمكن للختيار أن يهمل اللقاء بي. أحسستني طريدًا للهاتف الذي راح يكشف لي عن أنيابه الحادة كالنبتة المفترسة كلما نظرت إليه، أو يرفع يديه الى جانبي رأسه كالبهلوان الكاره للهو والتسلية، أو يحرك أصابعه في وجهي، تارة يصفعني، وتارة ينقض على عنقي يريد خنقي. قلت لربما حصل أمر ما ليس في الحسبان، وهو، على أي حال، أول يوم لوصولي أرض الجحيم، وسأكون محظوظًا إن لم ألتقه اليوم أن ألتقيه غدًا، فهذا رئيس، وذاك سفير، وكلاهما أشغاله كثيرة، أشغال النشأة الأولى للخَوْخ.
راح الصوت المتجبر المتغطرس يسألني بحنان لم تصدقه أذناي عما أريد، لم يُسمعني صوت البحر، ولكني تخيلت أن إحدى الحور بين يديه، وهو يشرب من شفتيها القبل والنبيذ، فقلت له: قلت لك مائة ألف مرة إن الرئيس يريد أن يراني، دفع لي تذكرة السفر، وسيدفع لي أربعين يومًا إقامة في أفخم فندق بتونس، والى حد الآن لم يخبره أحد بوجودي أم أنه أُخبِرَ وعدل عن رؤيتي أنا حامل النار، عين الرؤية، والمرافق لجوبيتر؟ أنا الكلمة! انطلق الصوت المتجبر المتغطرس يضحك كأنه حصان يصهل لمتعة سرج ضخم أو لجماع مُعَدّ، ثم قال لي إني ضللت الطريق، فليس هذا المحور محوري، ولا هذا المكان مكاني قبل أن يضيف: سأتركك تسمع الذي يجري هنا، فتفهم إن كنت فاهمًا، وتعرف إن كنت عارفًا، ستفهم، وستعرف! توجه بالهاتف الى جهة فيها بعض المحتفلين، فسمعت كؤوس الشمبانيا تُقرع، وسفافيد اللحم تُبلع، ورؤوس الجمبري تُقطع، القصف قصف، والرعد رعد، والقهقهات قعقعات. سألته: هل أطفأتم الأضواء؟ فأكد ذلك. هل أخذتم في أحضانكم النساء؟ فأكد ذلك. هل تحتفلون بانتحار أحد الشعراء؟ فأكد ذلك. وقال إنها تضحية لأنها في الوقت ذاته موت وميلاد، ونحن نحتفل بعيد ميلاد مروان بن أبي مروان بن الحكم.
أردت أن أسبه وأسبهم كلهم، فانفجر الحجر يضحك في القدس وفي الخليل والدمع يسقط من عينيه، حاولت أن أضحك بدوري لعلني أبكي، فلم يستطع المهرج الفجائعيّ أن يضحكني ويبكيني رغم كل هذا الغائط الذي أسقط فيه، لكني أخذت أضرب السماعة في الحائط حتى حطمتها، ورحت أصرخ صراخ حيوان ذبيح من الوريد الى الوعيد، حتى أن أحدهم في الحجرة المجاورة قد دق عليّ الباب، فوضعت في فمي كتابًا عن الانتفاضة أصدرته دائرة الإعلام الموحد، وعضضته بأسناني مطبقًا عليه من الغلاف إلى الغلاف، ممزقًا تاريخ صغارنا، ملقيًا إياه تحت قدميّ. تعرت تونس في تلك اللحظة، وسارت على أبواب الفلسطينيين الساهرين المحتفلين في أشد لياليهم حلكة، فلم يتركوها للبحر كالحور حرة، بل جعلوها تتهتك، ورموا باللوم على عكا أو رام الله أو بيروت التي شلحوها من بيروت وقالوا إنهم صيّروها غرنيكا. أتصير غرنيكا وبيروت الجنة وجهنم، وعكا كل نسائهم الخائنات، ورام الله قبلة يهوذا؟ نظرت من النافذة في الليل الشديد علني أقع على الكلب الذي شخّ على رأسي، لكني وجدت جنديًا مدججًا يحرس سور الإذاعة، والى جانبه رأيت في علبته المضاءة تمثال امرأة محطمًا.



2


الأيام الأولى
اتصلت بأبي مروان بن الحكم في صباح امرئ محكوم عليه بالإعدام عدة مرات، واحد على الهاتف كان يطلب مني أن أعيد الاتصال، فلم يصل أحد بعد، بينما الساعة كانت تقارب الحادية عشرة عندما تلفنت آخر مرة قبل أن أقع على سكرتيرة، فعرّفتها بنفسي، بأصلي وفصلي، لأبعد عنها الشك فيّ، ألسنا نتعامل مع مؤسسات الثورة، وأنت مشكوك في أمرك إلى أن تُثبت هويتك، إنك من الثورة، وإن كنت تقف على بابها أو نافذتها ككاتب من كتابها. شكوت لها الحبس الذي وضعني فيه أبو مروان بن الحكم وأوجاع الرأس التي سببها لي ذلك الحبس الجميل والانحطاط وعدم النوم. قلت لها إني لم أتحرك خلال أربع وعشرين ساعة خارج جدران حجرتي في الفندق، حجرتي أو زنزانتي، فطلبت مني أن أبقى قابعًا فيها لبعض الوقت أيضًا حتى يأتي أبو مروان بن الحكم، وتخبره بما أخبرتها، وبعد ذلك أن تتصل بي لا أن أتصل بها. كانت لهجة السكرتيرة توحي بالثقة، فارتحت لها مثل إجّاصة، وخضعت لمطلبها، حتى أنني لم أذهب لشرب قهوتي في مطعم الفندق، وقعدت كالتمثال الخزفيّ منتظرًا هاتفها.
انتظرت حتى كللت، وأنا أنفخ، وألعن قدر امرئ وقع في ذلك الحبس الفخم. الإسرائيليون يرمون المنتفضين في سجون أقل ما يقال عنها تحط من أقدار طيورنا ألف مرة أقل اختناقًا، والى حد تلك الساعة لم أتصل إلا بالذي وعد فتوعد. كان عليّ أن أعرِفَ ماذا فعل. أيكون الموعد قد تحدد أم عليّ الاتصال بمن يمكنه الالتقاء بالرئيس غير أبي مروان بن الحكم الذي لا يفارقه إلا لمامًا؟ بقيت حائرًا خائرًا قائمًا قاعدًا، أغوص قي محيط القلق حتى الدماغ. أيكون القلق طريقي الى الخلاص منه ومن كل همومي؟ لكني أبدًا لن أخلص من قلقي الذي كان سر حياتي، والذي سيكون سر موتي، وسيدمغ القلق إقامتي الشيطانية في تونس الى ما لا نهاية! رحت الى النافذة مفكرًا، فرأيت الجندي المدجج يتابع بعينيه إحدى المارات الملتفات بحائك من الحرير الملون. أحسست بالحرير خشنًا كالقنب، وتشوقت لأعشاب واد الباذان الجافة. الرئيس، هل يريد التعرف عليّ؟ هل يريد تكليفي بمهمة؟ أم أن سبب المواجهة هو الإضافة الضئيلة على الراتب التي طلبتها؟ الراتب الذي أبدًا لم أستلمه! منذ عدة شهور حصل تعييني وأنا أبدًا لم أستلم راتبي! أنا هنا لا أشحد كباقي الشحادين الكثيرين، وإنما أطالب بحق لم أحصل عليه، بحق، وليس بصدقة! براتب، وهم الذين اضطروني إلى ذلك كما لم يضطروا أحدًا غيري من المدللين الذين يغرقهم الرئيس بالنقود وبالنفوذ، ليضعفوني، وليخضعوني، وليكسروا شوكة تمردي! أطالب براتب، وجدتني أردد خوفًا من ألا يسمعني برابرة العصر من أهلي، وكل البرابرة منذ عهود التظليم إلى عهود التجهيل والتذليل. أردد جَزَعًا كيلا أكون موضوعًا لمحاكم التفتيش وإسقاط العمالقة. فما الذي يريده مني؟ هل يناقشني في مصير شعبي أم في فاتورة التلفون وإيجار البيت وخمسين دولار زيادة أو نقصان؟ هل يتحول في لحظة واحدة من رئيس قويم الى جامع ضرائب؟ من رئيس رمز الى امرئ عادي؟ من حنش قدير الى جلد حية قشيب؟ وأنا أجتر أسئلتي كجمل نجديّ، قرع الهاتف، فكدت أسقط، وأنا أقفز بخفة الأرنب الرديء قي الرسوم المتحركة. هل أكون غير أرنب رديء في مثل هذا الوضع؟ انتهرني الصوت: لا تقطع! فقلت في صدري: هل أكون مجنونا؟ أقطع عنقي ولا أقطع! انتظرت، أحسستني أدخل في كهف على صورة رحمٍ لم أشأ الخروج منه الى عبث الذي ينتظرني على آخر الخط. قال الصوت: سأصلك بأبي مروان بن الحكم في سيارته المرسيدس المصفحة مما يحتاج الى بعض التكنولوجيا، انتظر!
وانتظرت...
فكرت في عجلات سيارة أبي مروان بن الحكم المنقوشة على أنصابٍ من عندنا، فأمرني الصوت: قل آلو! تكلم! رحت في حركة للضوء فائقة، وراحت الأرض تدور بي حتى غدوت خفيفًا كحشرة، قلت آلو، وتكلمت، فلم تضئ العجلات، ولم تأتني المشاعل، درت برأسي في كل الاتجاهات، فجاءني صوت أبي مروان بن الحكم ملعلعًا آمرًا ناهيًا غامضًا غاضبًا من الشرق ومن الغرب ومن الشمال ومن الجنوب: لم أتصل بك لإهمال، ولكن لأن القائد العام سافر الى المغرب، وسيعود في اليوم ذاته، انتظر في المساء مكالمة مني. سألت: في أية ساعة؟ أجاب: المساء قصير في ليلنا، وأقفل. جمجمت: المساء طويل في أرض الجحيم، وتابعت أطيافًا في الغرفة قلت لها سأنتظر طوال الليل إن لزم الأمر، هذا الذي استطعت فهمه، فسفيرنا يخلط في الكلام، يقدم منه ويؤخر حسب ما يرده من أفكار ليست متسلسلة، إضافة الى أن المرسيدس التي يتكلم منها لم يكن زجاجها عازلاً للصوت، كنت أسمع أصداء وضوضاء، ولربما كان الخط مشبوكًا مع آخر للتجسس عليه. هذا يعني إذن أنني حر حتى المساء، أستطيع الخروج من سجني الفخم الى شوارع تونس المتواضعة المتقاطعة التي بناياتها تبدو أقرب الى علب الكرتون، والاتصال ببعض الأصدقاء، ولكن عليّ أولاً أن أملأ معدتي.
أفطرت أو بالأحرى تغديت في مطعم الفندق على طاولة مغطاة بالمخمل الأحمر أمام شمعة ضاوية في وضح النهار الواقف نبضه. أكلت سلطة تونسية فيها قطع صغيرة من التفاح وطبقًا فرنسيًا ملته أسناني لكثرة ما اعتادت عليه، فمطعم الدرجة الأولى هذا إن تعامل مع السلطة، فهو لا يتعامل مع الكسكسي ولا مع الشوربة. تنسمت ظيانَ جبلٍ لم يكن جميلاً، وتحليت عنبَ سهلٍ لم يكن لذيذًا. بقيت دائخًا لحبس الليلة الماضية والانتظار وعدم النوم، فشربت فنجان قهوة مضاعفًا لم يؤثر فيّ، ثم فطنت إلى الموسيقى الكلاسيكية التي ترد هادئة مع مكيف الهواء، ولحظتذاك قلت لنفسي لن يكون الأمر سهلاً، فلا أحد يضمن بقاء الرئيس بعد عودته، لا أحد يضمن عودته، ولربما غادر الرباط الى مدينة غير تونس لن يعلن عنها إلا بعد وصوله إليها، فالحيطة والحذر أمران واجبان بعد جهنم حمام الشط ومصرع أبي جهاد. تركت المطعم الى مكتب الاستقبال، طلبت صديقي أبا الطيب الذكر الذي ناديته: يا أبا الطيب الذكر‍! كلما ناديت أبا الطيب الذكر تحضرني زهرة اللوتس، أتذكر عمان التي بكى على صدرها. راح أبو الطيب الذكر يرحب بي بصوته الرنان الذي تصاحبه لهثة ولهفة حارّتان. أردت أن أخبره بقدومي، وبما حدث لي في حبس البارحة، لكني وجدته يعرف كل شيء. قلت له سآتي إليك لنتحدث، فطلب إليّ ألا أغادر الفندق، لأن رجلي، يعني الرئيس، في حركة أبدية. قال: امكث فيه، ولا ترفع عينيك عن الهاتف، فالقائد العام لا تعرف الذي يدور في رأسه، ولربما صار إلى تونس عائدًا. قلت: من غير المعقول أن يصير إلى تونس عائدًا وأبو مروان بن الحكم قد أكد لي مغادرته لتونس منذ قليل. أكد: كل شيء معقول معه! أربكني: ماذا؟ قال: الرئيس سره معه، وعليك أن تحتويه! قلت: ولكن... قال: لا تقل لي ولكن، لا تضع فرصتك، لأنها إن جاءتك، وتركتها تفلت منك، فستفلت منك الى الأبد، ستكون فرصتك الوحيدة. أما إذا كنت تسعى إلى هلاكك، فلا تنتظره، واضع فرصتك!
أذهلني، لكني تماسكت، وقلت لديه الحق، وما يقوله عين الصواب، وسأنتظر الرئيس في مكاني دون حراك، فأنهى حديثه معي، وهو يشكو من توعك، ولكن الأمر ليس بذي بال، سيأخذ حبتي أسبرين، وينتهي الأمر. راح يكرر الترحاب بي، ويقول إننا سنأكل ملوخية معًا أول ما أحل مشاكلي، وهو سعيد لأن القائد العام قد أمر بتعييني في مركز التخطيط، فغيري كثير من المناضلين الذين اهترأت نعالهم رائحين غادين دون أن يخرجوا معه بأية نتيجة. قال لي: أحد الذين يحبونك يريد أن يكلمك، وأنا أفكر في أبي الطيب الذكر وأجد فيه عاشقًا لم يعثر عليه كورنيي في مسرحياته، نبرته الحارة المباشرة كانت توثق عرى الصداقة ما بيننا. قلت لنفسي، أبو الطيب الذكر أكثر من يفهمهم، وأنا أُعتبر دخيلاً عليهم. في بيروت كان معهم، وقبل بيروت في عمان كان معهم. أرادوا أن يقتلوه بعد عمان لأنه كتب في نقدهم المرير غير باحث إلا عن تطهير روحه. أيقتلون قلمًا يقول الحقيقة؟ يعتلي السرج؟ يمزق الظلال؟ أعطاني عمر النروجيّ الذي راح بي مرحبًا، قال إنه مشتاق لي جدًا، ولكنه سيغادر تونس اليوم إلى أوسلو، ووعد بدعوتي الى بلاد الجليد، ثم أقفل.
عدت إلى حجرتي دون أن أرفع عيني عن الهاتف، كما قال لي أبو الطيب الذكر. فكرت في تعييني الذي مضت عليه شهور عديدة دون أية فائدة مادية، وتساءلت ماذا عساها تفعل الآن ابنتي دينة الدنيا؟ غدا شوقي إليها كبيرًا، ولكي أذهب لأراها لم يرسل لي بحر تونس مركبًا حتى ولو كان صغيرًا. لأقطع الوقت الذي كان لي، ولأهدّئ قليلاً من بركان نفسي، قلت كل ما حدث لحد الآن شيء طبيعي، فأنت تتعامل مع ثوار، وهؤلاء وقتهم ليس لهم. تأكدت من أنني بعيد عن عالم السوربون حيث كنت أستاذًا بُعد الأرض عن السماء، فها هنا كوكب آخر اسمه كوكب المقاومة، المقاومون هؤلاء خطأهم سيف عادل كصوابهم، وأنا اخترتهم لا لأنهم آخر من تبقى لي بل لأنهم أول من أريد. كانوا لي الحلم العنيد، البؤرة الكونية، نابلس والقدس وخدود غزة السماوية، متى اقتربت منهم أرى نجومها، ومتى ابتعدت عنهم لا أرى الحصى، أُصبح أعمى. كانوا لي أحصنة التاريخ القتيل، وأنا كنت قد صعدت معه في عربة أول ما قال لي قلمي هؤلاء هم أبطالك الملعونون الذين يحيلون الفاجعة الى وردة.
رن الهاتف مدويًا مدمرًا بعد منتصف الليل الذي فقدت فيه حذائي، لم يكن في تونس قمرها، كان في النافذة ليلها، وقد رفعت السماعة، وقلبي يدق بعنف لأنني توقعت خبرًا ليس سارًا، وإذا بصوت أبي مروان بن الحكم يلعلع كالعادة مَلَكًا وسيطًا بيني وبين السماء: عاد الرئيس، توقف في تونس قليلاً ثم غادرها في جولة طويلة بعيدة الى الصين والهند وإندونيسيا، سيفتتح سفارات، وسيقابل رؤساء، وسينفق دولارات، ولا أعرف متى سيعود، اجمع أغراضك وعد الى باريس غدًا. صححته: نحن في الغد. تلعثم: الساعة تشير الى منتصف الليل وخمس دقائق ولكن بالنسبة لي لم يزل اليوم. قلت: واستدعاء الرئيس؟ ما استدعاني إلا لسبب من الأسباب وأنتم من جعلتم أسبابي كثيرة. قال: سيستدعيك من جديد، وما أنا سوى وسيط بسيط. سألت: متى سيكون استدعائي من جديد؟ أجاب أن لا ولاية له إلا على سفارته، والرئيس، هو كل قدرته، الجاعص، الباعص، الجاعل فينا البركات! سألته: ومتى سيعود؟ وفي صدري أقول إنه العائد دومًا، فهو الرائح غير المستقر! صاح: لا أعرف، لا أحد يعرف من غيره. وأنا أفكر أنني خُدعت واستُبيح دمي في ساحة دفعوا إليها الأبطال ليستريحوا! فسألته من جديد: والمهمة؟ وأنا أضحك من نفسي، فأية مهمة يمكن أن تكون لواحد مثلي وقد انتهت كل المهمات؟ قال: لا أعرف، كل المهمات توقفت الى حين عودته. اضطربت، وأنا أفكر في دينة الدنيا، وأنا أفكر في الرئيس سيدًا للذئاب، وأنا أفكر في العجز الذي صرته، وأنا أفكر في كل هذا المصاب، فقلت: والرواتب؟ ولم أقل والفواتير؟ هل أقول له عددها؟ هل أحكي له عن شراسة مطالبيها؟ كرر كالسيف: لا أعرف. قلت: بل عليك أن تعرف! لم يبال بكلامي ولا بلهفتي أو تعذبي. همهمت: أنا معين في التخطيط على أن أقيم في باريس، وإذا عدت إلى باريس بخفي حنين أجروا الحجز على متاعي، فهو قانونهم، وليس قانوننا. نبر كالعرش: لا أهتم! أقنعت نفسي أن هذا ليس أبا مروان بن الحكم وإنما سلسلة من الطقوس معقدة، فصرخت: ورموني في غياهب السجون، ليس لي من صولجان غيركم بعد كل الذي أجريتموه لي. أعاد: لا أهتم! لست أدري لِمَ تخيلت فخذين مستلقيتين في حديقة قصره قرب البحر، فرجوته: أعطني مرتبًا. ولكنّ أذنيّ امتلأتا بأنات الفخذين المستلقيتين لفرج ضخم يدخل فيهما. قال: هو من يعطي، وأنا أحس بالنبرة السلبية التي غلبت على صوته، فعدت أرجو بإباء من سقط على حجر: أعطني مساعدة، والفخذان المستلقيتان قرب البحر في حديقة قصره تنهضان وتتساقطان. قال: هو من يعطي. قلت: أعطني طلقة. قال: هو من يعطي. قلت: أعطني طلقتين. قال: هو من يعطي. قلت: فلتعطني إذن موجة أملأها منيًا وعناقًا. قال: الموج له والمني له والعناق له. قلت: حذار على ابنتك الصغرى، فهم سيعطونها كل شيء غير الذي يعطيه. قال: هو من يعطي كل شيء! وشئت أن ألح على ما لم أعتد عليه، على ما لم يكن أبدًا من أخلاقي، فتلك أحوال الاستثناء أحوالنا، وهذا لسان قتيل أربابهم الذي يلفظ دمه: لتعطني إذن نعلاً أضرب بها وجهي حتى الموت. خلته يضحك لحد الموت، وهو يحاول ألا أسمعه، فكهكه، وكعكع: هو العاطي بعد كل الذين يعطونه، إنهم هم العاطون!
رحت أرتعد، وأردت أن أدمر على رأسه ورأسي العالم، أن أمحو الوجود، لكني تماسكت. أنهى أبو مروان بن الحكم ببضع كلمات غامضة، وأقفل الخط بعد أن ألح على أن أغادر تونس غدًا إلى الشيطان أو غير الشيطان المهم يجب عليّ أن أغادر. قلت لنفسي الخائبة، وأنا أحس بالمهانة حتى العظم أو أني المهانة بعينها في سوق النخاسة، سأغادر إلى الشيطان! سألتقي حتمًا الرئيس عنده، فهو لا بد فاتح لديه سفارة، وسأتمنى على الشيطان أن يتمنى على الرئيس إرسالي إلى هونولولو ليس سفيرًا لا سمح الله، وإنما لأشهد على افتتاح سفارتنا هناك، فيريد الرئيس غير ما يريد، ولا يفتح لي دماغي الذي لم يفتحه أبو مروان بن الحكم فقط بل فلقه نصفين، نصف دخل في الفخذين المستلقيتين، ونصف دخل في المرآة المشروخة.

















3
أحسست بالاختناق، بأظافر وحش من وحوش ما قبل التاريخ تمزق حنجرتي، ولأخلص منها قلت سأكون أول ساندريللا خائنة، أول خائن لزمن نابلس! ارتديت ثيابي، وغادرت الفندق بعد منتصف الليل الى شارع الحرية الذي لم أجد فيه سوى عمالقة الظلام المهيمن والضباب الكثيف. خلتني وحدي أسير على غير هدى، فإذا بخطوات تتبعني، وتطوقني. كانت سيدتنا العذراء مريم، فظننتني أحلم. جذبتني تحت أحد المصابيح المختنقة الضوء، وفكت ثوبها، فرأيت على صدرها وخصرها آثارًا مجرمة لأظافر وأسنان. أردت أن أطلق صرخة استنكار، فأطبقت بكفها على فمي. قالت إنها لا تريد عطفًا من أحد، وحكت لي، قالت إنها فلسطينية، يافاوية، وإنهم اغتصبوها في مطار تونس، لأن اسمها لم يكن في المطار، لم يضعه أبو مروان بن الحكم كما اتفقت كاليغولات منظمة التعبيد مع السلطات التونسية بخصوص كل واحد منا يريد أن يأتيهم لحل مشاكله معهم تحت ذريعة أنهم بذلك سيحمون تونس من الإرهاب والإرهابيين، فكل واحد منا أو من شجرنا يسمحون له بدخول تونس ما هو سوى حَمَل يمكن التضحية به لربهم رب الحدود أخي رب الجنود، وكل واحد منا أو من طيرنا لا يسمحون له بدخولها ما هو سوى إرهابي تبذه قيم المتحضرين القذرين الذين هم منهم! فنحن الفلسطينيين بشرًا وطيرًا وشجرًا كلنا إرهابيون في نظر أنعام منظمتنا إلا حين تسمح لنا بدخول تونس الساحة المفتوحة على الساحة لكل الإرهابيين في العالم الذين يجيئونها كما يجيئون زوجاتهم، وكل مخابرات العالم برجالها وأنعامها ونسائها الأشرف منهن كل نساء بيغال يجيئونها بكل جوازات العالم ولهم من شرطة المطار أكبر احترام وأحر سلام. قالت لي إنها قالت لهم ما هي سوى سائحة، تحمل جواز سفر أمريكي الصنع هذا صحيح، ولكنها من يافا، جاءت لترى تونس الخضراء، وتبحث عن رائحة البرتقال في بساتينها، لا تعرف أبا مروان بن الحكم، حتى أنها ترفض التعرف عليه. لكنهم أوقفوها، واغتصبوها، في الوقت الذي كانت فيه الفرقة الموسيقية للجيش التونسي تعزف للرئيس مودعة "بلادي بلادي بلادي فتح ثورة عالأعادي!" ثم أخذوا دولاراتها مقابل أن يطلقوا سراحها، وقالوا لها: في المرة القادمة لن يشفع لك جواز سفرك الأمريكي، لا ولا دولاراتك الخضراء الأخضر من رب تونس، فأبو مروان بن الحكم خنصر الرئيس قال لنا لا يدخل فلسطيني إلى بيتكم وإن كان أمريكي الجواز يمكن له أن يدعس بنعله على رأسي، فكل فلسطيني إرهابي إلى أن تثبت براءته، وأنا بفخذي قد أثبت براءتي وبدولاراتي.
كانت جائعة، فقلت لا سبيل إلى إطعامك في هذا الوقت المتأخر، الحانوت مُحنِت، والضباب مُضبِب، والظلام مُظلِم، الساعة قد تجاوزت منتصف الليل، وأنا لا يوجد في جيبي فوق هذا دينار واحد من دنانير زين العرب البشعين، مع أنني أنزل في أفخم فندق، وآكل في أغلى مطعم. ارتمت على صدري، ورغبت في تقبيلي، لتأكل بجسدها عندما أعجزها أن تأكل بفمها، لكني أبعدتها، وقلت لها إنهم أفقدوني كل رغبة، وإنني أحس بعجز جنسي. حكيت لها قصتي معهم، فأخذت تضحك، وانقلبت تقهقه. قَطَفَت منثورًا، وراحت تشير إلى سيارة انبثقت من الضباب. رفعت عن فخذيها في أضوائها، فتوقفت. وبعد حديث سريع مع سائقها، أخذت مجلسًا إلى جانبه. قذف سائق السيارة في وجهي نقودًا، وعلى منظري الساذج السارح المرتبك المرتبش المرتعد المرتعب عادت مريم النساء تقهقه، قبل أن تنطلق السيارة بها، وتذوب مثل تونس المعراة في حضن ضباب القدس الملوث، تلك التي انطفأت قناديلها أو تحطمت.












4
في الصباح، قلت أحمل حقيبتي وأذهب، فهل أذهب؟ وإلى أين أذهب؟ لن أعود بالطبع إلى باريس، الموت أهون بكثير، وكل الفواتير التي تنتظرني في باريس، كل ظُلُمات السين، كل سينات النواميس، ومصائب العتريس. سأذهب الى حديقة الحيوانات لأعيش معها ريثما يعود الرئيس من جولته الطويلة في الباكستان والهند والصين، فيأخذني في أحضانه بحرارة كما يفعل مع كل واحد وإن كان قملة أو بطول نملة، ويوقع لي ورقة تخضع الجميع، سأعيش في ثقب من ثقوبها الكثيرة التي رأيت فيها بأم عيني جرذان كبيرة حسبتها فيلة. تذكرت المرأة اليافاوية التي اغتصبها رجال الأمن في المطار، وكأن ذلك قد حصل منذ آلاف الأعوام بعد أن ذاب في الذاكرة ذوبان الماء في الماء: تلك لم تكن مريم العذراء، ربما كانت مريم المجدلية، الخاطئة، الفاسقة، ولكنها حتمًا لم تكن مريم العذراء، لم تكن سوى مومس من مومسات تونس الكثيرات اللاتي جاءوهن من بيروت بعد الخروج لما كن عذارى، فقالوا لهن نحن أقوى الرجال المهزومين، وهذه دولاراتنا التي أُعطينا إياها بسخاء لنكون المنتصرين على قرطاجة، فارتمت بعضهن على بعضهم لما دخلوا عليهن في عقر دارهن أو أخذوا بعضهن إلى فندق سلوى، بعد ذلك، صرن مومسات تونس، وصرنا لتونس نحن الذين دخلناها أبطالاً بصاق جنين!
ولكن لِمَ لا أتصل بالتخطيط؟ ألست محسوبًا على التخطيط كأي عضو سابق في اللجنة التنفيذية؟ هذه هي شكليات منظمة التحرير لأصحابها، أما لغير أصحابها الذين لم يكونوا أعضاء في اللجنة التنفيذية سابقين، وليست لهم أعضاء تنتفخ كالبلالين كلما فقعوا تصريحًا، والذين أنا واحد منهم، فلم ينفذ أبو فادي خروفه لأجل الأئمة والمدروشين مدير المركز بشأني قرار الرئيس: لا رزمة مخضرة ولا صفعة ولا قبلة من التخطيط للذي ضد التخطيط، للفوضوي العنيد، الباحث عن سحر الفوضى قبل أن تغدو متعة وأحلامًا وحواديت. ليدفع الألف وخمسمائة دولار التي يدّعون دفعها لحالاتي المشابهة بانتظار أن يقر الرئيس بالألفين اللذين طلبت، لكنها كانت فرصته الذهبية ليشكك في القرار الأول، وقال لننتظر القرار الثاني، وألقى بنظرة المؤمن المرتاح على عشرات الكتب الصفراء التي يفرشها على طاولته للداخلين والخارجين ذاك الذي كان ماركسي الخميس ومسيحي الأحد، وصار يتحجب بالتشادور! قلت لنفسي لا عجب من واحد يعيش معهم، ويموت معهم، على الرغم من أن إيران لم تعد على الموضة بالقوة التي جاءت بها، وتسعى لأن تلحق بموضة غيرها مما ادعت أنها ضدها.
اتصلت بالتخطيط، فلم أجد أبا فادي خروفه اليتيم. قالت لي السكرتيرة إنه مسافر إلى جهة غير معلومة، بينا جهته للكل معلومة، جهة العمائم والمشانق المحجبة، فطلبت إليها أن تعطيني صديقي حسن الصيت الذي استقبلني ببرود على غير عادته حين سمعته يسأل كجبل من الصنوبر الجاثم في ديسمبر: منذ متى وصلت؟ تماسكت، وأيقنت أني لن يحسن معه أمري، حتى ولو ذبحت على قدميه كل براءتي! قلت إني وصلت منذ يومين، والحقيقة منذ ثلاث ليال، لكني كنت غاضبًا على الليل، فسمعته يسأل: منذ يومين؟ كان لا يلح عليّ بسؤاله بقدر الحاجة الى توثيق عرى الصداقة، أعدت أني وصلت منذ يومين، فهل أحكي له عن قصة إنجابي في يومين لتوأمين ميتين؟ لم أكن بحاجة الى فهم أنه عاتب عليّ لأنني لم أتصل به منذ يومين، أوضحت مدينًا نفسي لست أدري أم مدافعًا عن نفسي: لم أتصل بأحد منذ يومين. وأطلقت آهة المذنب، كنت أحس بالذنب كأي مجرم. سمعته يقول: اتصلت بأبي الطيب الذكر. تفاجأت، وتلعثمت، فنظرت في المرآة، ووجدتني فيها كأي كلب مقيد. تمنيت ألا أخرج من المرآة إلى الأبد، فلا أشعر بالعري المخزي الذي شعرت به. قلت: اتصلت فقط بأبي الطيب الذكر، أما عني، فقد كنت قابعًا طوال الوقت في الفندق منتظرًا أن يدق الهاتف لي دماغي، فأذهب الى لقاء الرئيس. تمنيت ألا يجري تعليقًا، أن يتظاهر بفهمي. تجاهل كلامي، وكشف لي ببروده الدائم عما سيغير مجرى حياتي حين قال بكلمات هامسة لم أكد أسمعها: أمضى لك الرئيس ورقة قبل أن يسافر لصرف الإقامة والتذكرة. انتزعت نفسي من المرآة، وخرجت كالكلب الحر صائحًا: ماذا؟ انتزعت نفسي من طور الاحتجاب الحيواني إلى طور الظهور الحيواني، وأعدت: ماذا؟ وأنا أكاد أطير بجناحين من الجَمَثتِ وعدم الاكتمال، فقد ارتبطت حياتي التي عرفت فيها حياة قذرة فيما بعد كل حياتي بهذه الورقة. سمعته يقول: إذا أردت أحضرت لك صورة عن الورقة أو بالأحرى صورة عن الصورة، فالأصل ليس عندنا، وأنا أقبض على قلبي بقوة لئلا ينفجر بدقاته التي اجتمعت فيها خطواتي في البلفيدير وفي نابلس القديمة. قلت: أريد! آه، كم أريد! أحضرها لي، تعال الآن لو أمكنك. شعرت أنني أظهرت حماسًا زائدًا ورمانًا، فقال بكل برود حَب الملوك: سآتيك على الساعة الرابعة. لم أتمكن من التحكم بحماسي، عادت لي تنهدات الفخذين في حديقة أبي مروان بن الحكم، فتلعثمت: سأنتظرك على أحر من جمر الغضى! الانتظار بكل تلك الحمى، كان ذلك أيام زمان، أيام كان الجمر جمرًا، أيام الطابون وجفنا وبرقة. ودعني، وأقفل دون أن تتبدل لهجته الباردة الجالدة، فكأني أسمعه يقول متهكمًا "ستنتظرني على أحر من جمر الغضى لأنك بحاجة إلي، وأنت لا تتصل إلا عندما تكون لك بي فائدة، هذه هي صداقتك صداقة المصلحة! كنت أفكر بغبطة تفوق غبطة المدنسين العفيفين أن القائد العام لم ينسني، وهو يريد اللقاء بي، وبتوقيعه على صرف التذكرة والإقامة يطلب مني أن أنتظره، إذن سأنتظره. لِمَ لا أنتظره وإقامتي في الفندق مدفوعة سلفًا؟ وتذكرتي التشارتر المحددة المدة يمكن تبديلها بأخرى مفتوحة المدة؟ هذا رئيس يعرف التقدير، يفكر في كل شيء عنك، فلا يتعبك، ولا يجعلك تتعب غيرك.
تلفنت في الحال لأبي مروان بن الحكم كي أعلمه بإرادة الرئيس، فلم أجده ككل مرة أتلفن له فيها، وأعطتني السكرتيرة نائبه "اللقلق الحزين". طلبت إليه أن يخبر أبا مروان بن الحكم الحاكم بأمر الرئيس أن الرئيس قد أمضى لي ورقة لصرف الإقامة، فلن أسافر، وسأبقى بانتظاره. بعد ذلك، ذهبت إلى مطعم الفندق ملكًا من الملوك الطالحين، وتناولت فطورًا يأخذه عشرة من المواطنين الصالحين الذين لا يتناولون فطورًا في حي القصبة. أكلت من كل مشهياته، وكل مطيباته، وكل حلوياته، وشربت عصير البرتقال المر، وعصير الحامض الحلو، وعصير القصب المالح، إضافة إلى أنني طلبت شايًا وقهوة وحليبًا وشوكولاطة. اضطرت كل طلباتي هذه أحد القياديين المخبئ نفسه مع عاهرة الى الالتفات، فعرفت فيه أبا رُهم الذي ما لبث أن أخفى وجهه عني بسرعة كمن لدغه دبور أشقر صحراوي. ولأول مرة منذ نزولي في الفندق ابتسمتُ للنادلة السمراء النحاسية التي يقرأ المرء على صفحة وجهها كل سحر شواطئ تونس، وابتسمت النادلة لي بكل بساطة، من غير براءة.

























5
حملت الورقة التي أمضاها لي الرئيس لصرف إقامتي وتذكرتي، وقلت أذهب الى المالية كي آخذ مقابل تذكرة التشارتر التي اشتريتها من باريس بنصف ثمنها العادي بالمقارنة مع التذاكر المفتوحة التي تعطيها "التونسية" لزبانية منظمة التحرير، فأتمكن من دفع أجرة التاكسي لعند أبي فلان ومن عند أبي علان، وآكل ساندويتش تونسي بالفلفل الحار بدلاً من أطباق مطعم الفندق الفرنسية "العادية" التي يدفعون ثمنها الباهظ بالدولار بينما تنهار على فخذي الدولار كل الأطباق اللاعادية!
أذهبوني إلى مكان المالية السابق في المنزه الخامس، كانت تونس غاضبة عليّ، فضيعتني، لأنني لم أكن مخلصًا لامرأتي مريم العذراء التي تركتهم يغتصبونها في المطار، ولأني لم أدرأ عنها الشر بفخذي، تركت لهم فخذها مَشاعًا. رحت أسأل عن سفارة السودان، فالذي لا يعرف أين المالية من المحتمل أن يعرف أين سفارة السودان القابعة على خصرها. أهلكني التوانسة لأنهم لم يعرفوا في السودان الزنجية علامة ولا حتى يارنغ المنشق. رحت أدور من حول السفارة، ولا أحد يعرف أين السفارة. سألت البشر، وسألت الشجر، وسألت الطير، ولا أحد يعرف عيونًا واسعة وحزينة في قلب الغابة السوداء، حتى أنني لما سألت واحدًا دنيئًا لم يتفضل بالنظر إليّ، وكأنني حشرة لدغت وما أوجعت. جرعت من كأس المهانة غضبي، وألقيتها خائبًا. أهكذا يعامل ضيوفكم الفلسطينيون؟ أعطيته ظهري، فناداني الكاذب عابسًا أو عابثًا، وشرح لي كيف أذهب، فأقع على السفارة، ولم أقع على السفارة، صرت سفيرًا للحقارة، بينا ماليتنا تخلع عنها غير بعيد ثوب القذارة، بعد أن أخذني من يدي طفل شقي إليها أشقى من بستان بندق، إذ وجدت عمالاً يدهنون شبابيكها، ويطرشون جدرانها، ويرممون أحشاءها، ولما سألتهم عنها قالوا إنها انتقلت إلى شارع أفريقيا، فغضبت من السودان الذي لم يأت لعوني لدى أمه، وتركني وحدي لدى أمي، فأين أمي؟ وأين المالية في شارع أفريقيا؟ جاء تونسي بصحبة زوجته، وسألاني عن شارع التصحيح، فقلت إني فلسطيني ضائع في شارع الانتفاضة البعيد، فانسحبا من أمامي وعلى وجهيهما أمارات السنابل الحزينة وتساؤلات الأغصان الوحيدة. أخذت أضحك في سري، لأنني كنت في المنزه الخامس كبائع السردين الذي يعرف كل شبر فيه وفي حقيقتي أنا حوت صغير قذفه البحر في جزيرة منفية. أردت أن أمزق التذكرة والورقة الموقعة، وأنا أسب دين المالية وربها، فشمس تونس حفلة محرقة، وأنا قد طوفت في المنزه الخامس والسادس والسابع ولا وردة تنمو ولا بلبل يشدو، ولكن الحجر يغدو جدارًا والرمل يذهب أرباحًا إلى جيوب المقاولين... عدت الى المنزه الخامس بعد أن عرفت طريقي إلى نهج أفريقيا، فكيف أعرف طريقي إلى المالية؟ رأيت فلسطينيين يخرجون من إحدى الفيلات، فقلت هل تكون المالية؟ لم أسأل أحدًا منهم، كانت وجوههم كلها مقطبة، ولم ألاحظ أفواههم التي تهمس في آذانهم، وتلك طريقة للذين يعدون أموالهم، كانت صورهم قد عاودتني عندما عدت إليها بسيارة أحد اللطفاء من سائقي دوائر الإيماس. قال لي سأنتظرك لدقائق خمس، فإن مضت، ولم تأت، مضيت. سخرت منه، وقلت له سأعود خلال دقيقتين، فأمري لا يتعدى أخذ الورقة الموقعة من طرف الرئيس، وصرف ثمن التذكرة. ضحك مني، وإذا بي أقضي أكثر من ساعة، وأنا أطلع عند واحد اسمه حربي على مواطنيه، وأنزل عند آخر اسمه خالد أبو الوليد: انزل وقل له فتش جيدًا عن الأصل! اطلع وقل له فتشت جيدًا عن الأصل! انزل! اطلع! انزل! اطلع! انزل! اطلع! إلى أن طلعت روحي عناقيد! والمدعو حربي على أخيه يلوك على الهاتف بعقدة بين حاجبيه وبصوته المخن: ثلاثون ألف دولار كثير! وكأنني بالآخر يقول له: لا، ليس كثيرًا! وأسمع حربي على أخيه يعيد كدلاّل العبيد: ثلاثون ألف دولار كثير! لم يفك العقدة بين حاجبيه، ولم يتفضل بالنظر إليّ، لأنني بالنسبة له ورقة موقعة من طرف الرئيس مقابل بضع دريهمات لأمثالي الذين هم على الحديد، وهو يرى منا الكثيرين من بغال وحمير. وإن نظر إلى غيري من المنتظرين، فباحتقار كبير، وبصوته المخن يردد، بصوته المهين: ثلاثون ألف دولار كثير! والآخر الذي كان لدي انطباع أنه في اليونان أو في الصين يؤكد أن المبلغ زهيد، وأنا أنزل، وأطلع، أطلع، وأنزل: مررت بأبي رُهم القيادي الذي خبأ عني وجهه بعد أن اكتشفت فيه رجل البارحة في مطعم الفندق مع المومس، ومر بي العديد من زعران أبي فلان وأبي علان الذين كانوا ما أن يدفعوا ورقة للمدعو حربي على غير صاحبه حتى يدمغها بتوقيع المدير العام للبنوك الذي له بزهو وتفخيم، وأسمع وشوشات العناكب للحرادين حين يصبح الأصل عائقًا: مشّيها! دبّرها! اشفعها! افشعها! افشخها! افخشها! وفي الأخير، لاحظ خالد أبو الوليد كطفل يحب التين، ويخشى على عينيه من لبنه، أن الأرشيف قد مهر الورقة بخط صغير يقول: يرسل الأصل إلى أبي مروان بن الحكم! فلماذا لأبي مروان بن الحكم والأمر متعلق بالمالية؟ ليذبحوك مقابل تذكرة تشارتر أضعاف أضعاف ثمنها عليك وليذلوك، فلا تأتي إليهم وإن وضعوا اسمك في المطار، ودفعوا عنك ذله.
ولما جئتهم بالأصل لم ينفكوا عن مطالبتي بأن اطلع وبأن انزل، والمدعو حربي على مواطنيه لم يزل على التلفون يردد: ثلاثون ألف دولار كثير! وفي لحظة لم أصدق فيها أذنيّ أنا الذي ذهب من أجل الأصل الى البلفيدير وعاد بعد أن انفك وصله وهو طوال الوقت يردد كثير كثير وعداد الهاتف لا يفكر في الكثير، والناس المحتاجون الذين يطاردون رغيف الخبز العفن لدى حربي على غير صاحبه تلقيهم السكرتيرة على أكتاف شجرة الصبير خالد أبي الوليد تحت حجة أن رئيسها مشغول أو مش موجود أو تعطيكه مباشرة وأنت تظن أنها أعطتك حربي على أمك وأختك وابنتك وأبيك... في لحظة لم أصدق فيها أذنيّ سمعته يقول والعقدة بين حاجبيه قد صارت رطلاً: طيب علشان الذي وعدتني به هذه المرة ثلاثون ألف دولار قليل! فهل سيقول له فيفتي فيفتي؟ لكني سمعته يضيف وقد صار شكله شكل قطف العنب المخمج: قي المرة القادمة كن متواضعًا وسنتفاهم بشرط أن تنفذ الذي وعدتني به! وبعد أن مهر المدعو حربي على مواطنيه ورقتي بتوقيعه الفخم، الضخم، شخر بي إنهم لن يدفعوا لي إقامة أكثر من أسبوع. قلت: الرئيس يلح على رؤيتي وسأبقى بانتظاره. عقد بين حاجبيه عقدة تجاوزت رطلين، وخنخن: لن ندفع لك إقامة أكثر من أسبوع! في الوقت الذي وقع فيه لأحد زعران أبي فلان أو أبي علان ورقة صرف إقامة لعدة أسابيع قبل أن يضيف: فلسنا صندوقًا مفتوحًا لإقامة مفتوحة... وكل شيء مفتوح، البطون والرؤوس وكل ما هو ممنوع! قلت: لما أقابل الرئيس سأطالبه بتوقيع ورقة أخرى للأسابيع الأخرى أو عدة ورقات لكل أسبوع ورقة. كشر، وخنفر، ورمى بوجهه المشمئز على جملة من الأوراق التي بعشرات آلاف الدولارات، ثم راح يوقع، وعاد يخنفر، وفجأة، راح يبتسم على إيقاع التواقيع، وراح يضحك، وقبل أن أغادر مكتبه سمعته يقهقه! أنهى كل الأوراق، وقلمه لا يتوقف عن الإمضاء، على مكتبه وعلى بنطاله وعلى حذائه وعلى الأرض، وهو لا يتوقف عن إطلاق قهقهاته بجنون العظمة وبعظمة الحذاء.

























6
كان المدعو حربي على البشرية قد جعلني أنتظر كالغصن المهان نصف ساعة على بابه، وهو يردد على الهاتف "كثير كثير"، فقلت لنفسي ذاك التونسي الذي كذب عليّ حين أعطاني أيّ وصف كان للذهاب إلى سفارة السودان ما هو إلا واحد منا، تونسي بالغلط، وفي لحظة لمعت كالبرق قلت لا بل هو تونسي أصيل قد أبصر في السودان بلدًا لم يعد موجودًا مثل تونس ومثل فلسطين ومثل الجزائر ومثل المغرب ومثل ليبيا ومثل مصر ومثل سوريا ومثل لبنان ومثل اليمن ومثل الحجاز ومثل دويلات الخليج ومثل عُمان وغير عُمان، كلها لم تعد موجودة مثلها مثل أي كائن يأتي منها، فكيف لما استحى الذي مع ابن حرب الصراصير الجهنميّ هذا وأدخلني عليه، والكل يدخل عليه ويخرج إلاي أنا الذي كنت لهم خيالاً؟ أشار إليّ بخجل وأدب أن ضع ورقتك أمامه لتحظى بتوقيع المدير العام للبنوك الذي له، ولم يكتمل بعد مشهد آلام المسيح الحديث، إذ أنزلوني عديم العمر الذي هو أنا عند خالد العمر أبي الوليد الذي مهر الورقة الموقعة من طرف الرئيس ورئيسه بتوقيعه هو أيضًا، وأشار إليّ بأطراف أصابعه كي أذهب بالورقة والتذكرة إلى الغرفة المجاورة ليجري المحاسب معي حسابه: كم ثمن التذكرة المدفوعة بالفرنك تعادل بالدولار؟ قال لي أفهم أتعابك، لكني غير قادر على شيء والله غالب! قلت يبدو الرجل ناشفًا بينما قلبه أطرى من كل البراعم! في الغرفة المجاورة، وقعت على شخص يغرق في الأرقام، ويبدو أنه يكره الأرقام، ويكره الدنيا، تركني أنتظر نصف ساعة أخرى إلى أن أنهى مقارنة الأرقام بالأرقام بين لوائح ولوائح، ثم رفع نحوي وجهًا ميتًا، وجهًا يشبه الصفر، تناول مني التذكرة بأصابع تشبه السبعات دون أن يلقي أدنى نظرة على الورقة الموقعة، وبعجز كل الأحديين المشلولين راح يضرب على ماكينته الحاسبة. رمى لي ورقة قطعها، وتمتم بشفة ميتة: اذهب إلى الغرفة المجاورة. أمام ترددي، أعاد لي التذكرة، وأوضح أنه حاسبني بأكثر من سعر الصرف. خلته يبتسم للجميل الذي صنعه بي، فابتسمت لبعض الملاليم الزائدة. في الغرفة المجاورة، كان بدين قصير يشبه الخمسة يتلفن، أشار إلي بالجلوس دون أن أفهم شيئًا مما يقول، فحديثه صعب، يدور كله عن العملات الصعبة، الين والمارك والفرنك الفرنسي والفرنك السويسري والفرنك البلجيكي والبيزيتا وما أدرك ما البيزيتا و... و... و... ودولار اليو إس إيه الخلاق! اختطف من يدي الوريقة، ونظر إلى قيمتها بطريقة محتقرة، وأمرني أن أتبعه إلى غرفة مقابلة فيها خزانة مصفحة فتحها عن أكداس مكدسة من العملات الصعبة. تناول رزمة مخضرة، وراح يعد لي ثمن تذكرتي الزهيد، وظل غير سعيد إلى أن أخرجني، وخرج بعد أن أقفل على خزانة الحديد بالحديد، خزانة خلتها شجرة ملأى بالمسامير على رصيف الوول ستريت الفتحاوي!
وجدتني أسعى مع الورقة التي أهلكوني من أجلها دون أن يأخذوها، فقبضت على الدولارات بيدي، وسرت تائهًا في المنزه الخامس. كانت شمس تونس على وشك المغيب، تبذل ألوانًا محمرة، ورائحة عطنة قد انتشرت في شارع أفريقيا. حملت رأسي بين يديّ، ووضعته أمامي. حشوت كل فتحة من فتحتي أنفي بدولار دون أن يمكّنني ذلك من الحد من الرائحة العطنة التي راحت تزداد انتشارًا، حتى أن تونس كلها قد عطست عطسة جبارة هزت أواصر القدس دون أن تفعل في أنوف الدافعين والقابضين بالدولار منا شيئًا.
حملت أنفي ووضعته في كأس بيرة، أنا الذي لا يشرب البيرة، بعد أن أخذت مجلسًا في مقهى باريس لعل الرائحة العطنة تذهبها رائحة الجعة، وصورة عملاقة لسوداء عارية رميت النظر إليها في فندق أفريقيا المجاور لمقهى "المسأفين" التوانسة هذا الذي تجمع باريس فيه يديها على عورتها. بدا لأفريقيا أب صارم في عيني السوداء الحيية التي فقدت أمها في شارع أفريقيا، أما عن باريس الشقراء التي في الكؤوس وعلى الشفاه وبين جرات الأقلام، فبدت لا أب لها ولا أم ولا أخ ولا أخت ولا خليل أو خليلة لكنها تفرض عريها على الجميع، إلى إن أتاها ابن خلدون من شارعه المجاور الذي اسمه من اسمه، ورمى عليها دثارًا ثقبناه بنظراتنا.
أخذت أجرع كأس البيرة، وأرمي النظر من حولي على الحاضرين من "مسأفي" المعارضة وغير المعارضة، كانوا كلهم يتكلمون لغة واحدة، وأسنانهم تطحن لوزًا مملحًا واحدًا، فلأجل أكل اللوز المملح هم هنا أم لأجل الحديث عن السآفة؟ عن السآفة والسياسة؟ عن السياسة والسياحة؟ عن السياحة والحماسة؟ وشيئًا فشيئًا راحت تحل محل الرائحة العطنة للحياة رائحة الجعة المليحة، وراحت الحكايات الملاح تجري مجرى ساخنًا على الأفواه، فهذا شهريار زمانه، وذاك شهرزاد أيامه، ثم نهض الجميع، وأخذوا بعضهم البعض في أحضان 7 نوفمبر، وعادوا يأكلون اللوز المملح، ويتكلمون عن السآفة، يتكلمون عن السياحة، ويتكلمون عن السياسة، والبيرة تجامع البيرة، والنهار يلد الظلام، والظلام يلد الأحمرة، وهم يسكرون، وينهقون، ويثرثرون.
كان محمد الصائح آباء أحمد الشاعر الصعلوك المجنون المغضوب عليه قد وقف بين هؤلاء وأولئك، وراح يهجو الجميع بقصيدة، فسخروا بدورهم منه، وذكّروه يوم خرج في الفجر صائحًا بأبواق المئذنة، فهو ضد صوت المؤذن المزعج للآذان لا ضد الأذان عندما يكون صمت الطبيعة غذاء لتفجير القصيدة، وطلبوا إليه أن يصمت أو يصفق سواء أكان على يسارهم أم على يمينهم، فأين يسارهم؟ وأين يمينهم؟ والقمر الصاعد في ليل تونس الطويل يصعد على تونس طوال الليل كل لياليها؟ ويقضم تفاحًا من كلفيل؟
وعلى حين غرة، توقف النادل عن تلبية طلبات البيرة التي هي طلباتنا بقرار إداري، بمعنى أن الساعة قد أعلنت تمام الثامنة، وابتداء من الساعة الثامنة تتوقف البارات عن سقي الظامئين كحولاً، وعلى الساعة الثامنة ينتهي ليل تونس القصير!
لكني أردت أن أشرب بيرة عنوة بعد أن عادت الرائحة العطنة تملأ أنفاسي، حملت للنادل جواز سفري الفرنسي، وقلت له اسقني، أنا أجنبي جده أبو نواس اللعين الفاسق الباغي، فقال محمد الصائح آباء أحمد إنه مثلي وجده جدي. أتى ثلاثة أو أربعة من هؤلاء وأولئك، وقالوا نحن أيضًا أجانب أجدادهم من العرب المستعربة التي أصلها قرطاجني. لم أكن قويًا فقط بجواز سفري الفرنسي، فقلت إني فلسطيني! وكان حشد منهم قد عرف فيّ الكاتب الذي كنته من يافا ومن نابلس ومن زقاق على خاصرة باريس، فأتاني مؤازرًا، وبدأ يهتف لتل أبيب، وبقوة لعنتي ودولاراتي أرغمت النادل على أن يسقيني ويسقيهم، فسقاني وسقاهم على حسابي، إلى أن تختخنا، وصرنا نرى في سوداء أفريقيا شقراء باريس، وفي شقراء باريس السوداء ابنة الحزن والدماء. أتت الشرطة، وطردتنا شر طردة، رمتنا في الطرقات، ونحن لا ندري أين تذهب بنا الطرقات، والعابرون في الطرقات يشتموننا، ويقولون برابرة عنا، لأننا لوثنا اسم بنزرت واسم بربرة.
أخذت أدب في ليل تونس الدافئ دب الدببة، فلم أدر أين أضع قدمي، ولم أدر أين أدفع أنفي. رحت أصطدم بمشموم الفل، فيضاعف المشموم من سكري. وشيئًا فشيئًا أخذت أميز عطرًا أعرفه أشد المعرفة إلى أن لمحت زوجتي سكر السكر لمح حقل من الغفوة بصحبة امرأة عجوز تمسكها بيد، وتمسك أختي بيد، وتذهب بهما إلى سيارة مرسيدس مصفحة استطعت أن أرى فيها أبا رُهم. ارتميت على زوجتي، وخلصتها من يد العجوز، فإذا بها تتبخر في الفضاء، وتغدو ضبابًا أبيض، وكذلك فعلت بأختي التي تبخرت بدورها في الفضاء، وغدت ضبابًا أسود. رماني أبو رُهم أرضًا، وراح يجامع العجوز على مقعد سيارته الخلفي، وهو كلما نفخ فيها عادت في العمر الى الوراء حولاً إلى أن صارت أجمل من كل نساء الدنيا. لما انتهى منها رماها ببضع دولارات جاءتني بها، وسألتني: هل عرفتني الآن؟ فلم أعرفها. قالت لي أنا سارة التي أخصبت في جسدها الأغوار، أنا أمك التي ولدتك بعد أن قضت أحوالاً من عمرها عاقرًا، وتلك التي كانت معي زوجتك رقية، والأخرى لم تكن أختك وإنما ابنة ابنك الذي باركته، أنقذتهما من مصير كان مصيري، فغدتا ملاكتين. كان قد ملك قلبي الرعب لجمالها، فخررت على قدميها أقبلهما، وأنا أرجوها أن تجعلني لها حذاء، فإذا بها تطلق ضحكةً كالعنبر، ضحكة آه ما أحلاها، وإذا بي أطلق آهةً كالعلقم، آهة آه ما أمرّها، ووجدتني في شارع الحرية أقبل قدمي كلب راح يلعق وجهي مشفقًا ومذلاً.















7
نمت في بئر موجودة في حديقة الحيوانات بعد أن وجدت باب فندقي مغلقًا بإحكام لا تعرفه أحكام الفنادق، وفي الصباح قلت أذهب إلى دائرة "السآفة" مشيًا على الأقدام، هكذا أوفر أجرة التاكسي، الطاكسي، أو الطكسي، حسبما تقتضيه لوازم التعريب التونسي الحديث، وأحرك في الوقت نفسه عظام عمودي الفقري الذي يا لشد ما آلمني، منذ سنين لم أشعر بمثل ألم ليلة البارحة، فكأن عرق نساي يريد الانتقام مني، أنا المحب للنساء وللنسيان! لم أترك في البئر ماء حيًا، ولم أسمع أحدًا يحلف بقضيبي. نظرت من حولي، فرأيت من حولي أشجارًا تنظر من حولها، وكأنها تطلب عوني. رأيت فأسًا تحطم أغصانها أو دراجة تقشط جذوعها أو مخلبًا يندق فيها. صعدت على شجرة تقشرت، وكأنني أصعد على سلالم الدنيا المتهاوية. قلت هذه شجرة ميتة، وهذه شجرة مريضة، وتلك شجرة محتضرة! لم أكن طبيبًا، فتركتها لعذابها، وسعيت لعذابي.
كان النهج أو المنهاج أم المنهج الذي أخذته إلى المنزه السادس مليئًا بالحفر، وفي كل مرة أجتاز فيها حفرة كنت أتوقع أن يخرج لي ثعبان، فيخرج لي ثعبان، أو ينقذف نحوي جرذ، فينقذف نحوي جرذ. وفي إحدى المرات، قلت سيخرج لي ذئب، فخرج لي ذئب، وسينقذف نحوي ثعلب، فانقذف نحوي ثعلب. كان الثعبان غير خادع، والجرذ غير قارض، والذئب وفيًا، والثعلب أبيًا، فتركتها من ورائي عاجزة عن العودة إلى خصالها، وأنا أرى في عيونها دموعًا لم أبال بها، ولم أحزن لها أو عليها. رحت أسارع الخطى لئلا أصل إلى دائرة السآفة متأخرًا، وأنا أمر بسفارات التنين والتعوسية والإمارات المستعربة. وبينا أنا أمضي من أمام إحدى سفارات أوروبا الشرقية توقفت سيارة بيجو 404، وهبط منها حربي على رئيسه في ذلك الظرف الخاص وعلى ربه، وهو يتقنفذ برأسه يمنة ويسرة. جاءت عينه في عيني، فتجاهلني، وصعد إلى السفارة التي استقبله بالتكتم حراسها. قلت هذا الحذاء إذن يدخل أيضًا في أقدامهم! ضاعفت الخطى لأنسى شيئًا من هول هذا الخطب الى دائرة السآفة، فوصلتها قبل الجميع، أنا القادم إليها على القدمين من بئر بعيدة. فكرت في الرئيس، وقلت لنفسي هو الآن في آخر الدنيا، يفتتح سفاراتنا، يعزفون له النشيد الوطني كأي رئيس، ويرفع علمنا على البلاكين.
أخذ موظفو دائرة السآفة يأتون واحدًا تلو واحد، وكل واحد عابس الوجه في وجه الواحد. لاحظت أن لا أحد يسلم على أحد، لا صباح الخير ولا مرحبًا، كان كل واحد قد وضع غرابًا في وجهه... أما عن الغريب الذي هو أنا، فقد سلم عليّ بعضهم: الرسام الموهوب والشاعر المبدع والقاص الطللي. "أنت لم تزل هنا؟" سألني الشويعر الدحبوري، وهو يلطخ شفتيه ببسمة مصطنعة. أجبت: لم أسافر ولم أعد لأن الرئيس يريد رؤيتي. اصفر حتى صار كركمًا. سأل المراسل عن أبي منيف الأنف الوطيء، مدير الدائرة، إن كان موجودًا، فأجابه ليس موجودًا. بان عليه القلق والضيق، وطلب إليه أن يخبره بحضوره حالما يصل، وصعد الى الطابق العلوي برمًا مهمومًا.
أتاني أبو الهيثم لا أخلف الله عليه، نائب أبي منيف الأنف الوطيء، معانقًا متعملقًا كاشفًا عن أسنان الحصان في فيه الكبير، وسألني بحرارة إذا ما رأيت الرئيس، فقلت لم أره، فقال ستراه عندما يعود، وهو يفتح واسعًا فاه الواسع، وينفخ في وجهي مؤهلاً مسهلاً، وعاد يسألني بحرارة لم أدر كيف أفسرها، فالبطاطا تسأل بحرارة والباذنجان يسأل بحرارة والفجل يسأل بحرارة: هل رأيت أبا الطيب الذكر؟ فهو وأبو الطيب الذكر توأمان ليسا متكافئين، أبو الهيثم لا أخلف الله عليه يصعد على كتفي أبي الطيب الذكر، وأبو الطيب الذكر لا يصعد على كتفي أحد، قلت: كلمته على التلفون. فجأة، تذكرت أنه كان متوعكًا، فقلقت عليه. أدخلني أبو الهيثم لا أخلف الله عليه إلى مكتبه، أجلسني على الأريكة، وذهب ينظر باهتمام في أحد ملفاته، ثم أخبر أبا الطيب الذكر على الهاتف أني عنده، وأتى يجلس قربي. عاد يؤهل، ويسهل. قال لي: لا تبتئس، سترى الرئيس أول ما يعود، وستحل مشاكلك. قلت: من طبعي ألا أبتئس، ولكني لن أصمد طويلاً في هذه الأجواء. ابتسمت لعصافير الخشب، واكتفيت بتكرار: سأراه. وأنا لا أثق بشيء، لا أثق بأن هذا ظل أبي الهيثم لا أخلف الله عليه، ولا بأن هذا ظل قدمي. طلب لنا أبو الهيثم لا أخلف الله عليه شايًا، ودخل علينا أبو الطيب الذكر كالزوبعة القادمة من حقول الموز في أريحا، أخذني بالأحضان، وبلهثته الدائمة راح يشير إلى أبي الهيثم لا أخلف الله عليه، ويقول لي: كنا نريد أن نأتي إليك على الفندق ونفاجئك. ثم قال فجأة بسذاجة حقول الشعير: لا تظن أنه أهملك أو لم يهتم بوضعك، لقد بذل قصارى جهده مع أبي منيف الأنف الوطيء وقرب الرئيس على الرغم من أننا دائرة ثقافة لا دائرة توظيف عمومي، نعمل ثقافة ولأجل الثقافة. ارتاح أبو الهيثم لا أخلف الله عليه لأبي الطيب الذكر الذي أشار إليّ كمن يشير إلى حجر شطرنج، وقال دون أن ينظر باتجاهي: قلت له هذا مرة على التلفون لما طلبني من باريس ولم يشأ الفهم.
فإذا بالهاتف يقرع، كان أبو منيف الأنف الوطيء على الطرف الآخر، اشتدت اللهجة بينهما، وأبو الهيثم لا أخلف الله عليه يقلب الملف إياه في يده، ويشد ورقاته. رأيت عبر الباب المزجج شبح الشويعر الدحبوري، وهو يركض، ووصلتني خطواته التي تنزل الدرج ثلاثًا ثلاثًا. لما وضع أبو الهيثم لا أخلف الله عليه الهاتف، راح ينظر في الاتجاه نفسه الذي كنت أنظر فيه، وانطلق يضحك على الشويعر الدحبوري، وكأنه يضحك على ولد يلعب الغميضة معه. قال: لقد سبقني عند أبي منيف الأنف الوطيء! ثم أخذ يكسكس، احتقن، وكاد ينفجر. قلت له: صديقنا وحيد العمري حاول الانتحار في وطن عرب 48، فارسلوا له مساعدة. ولكنه لم يشأ سماعي، ظل يكسكس، التفت إلى أبي الطيب الذكر، وهو يتحاشى النظر باتجاهي، وعاد يكسكس. قال بغضب: لا يريد أن يفهم أننا لسنا دائرة شؤون اجتماعية ولا مستوصفًا صحيًا! نحن نشتغل ثقافة! نعمل ثقافة! في الليل نحلم ثقافة! وفي النهار نتغوط ثقافة! قلت له: تغوطوا له مكافأة كتابه الذي طبعتموه إذن، مكافأة سينتظرها أعوامًا إن لم يكن قرونًا، واشتغلوا ثقافة‍‍! رأيت أبا الطيب الذكر يضع حبتي أسبرين فوار في كأس ماء، بينما تصانع أبو الهيثم لا أخلف الله عليه دهشة الحامض من الحامض: مكافأة؟ أية مكافأة؟ آه مكافأة كتابه الذي طبعناه! عليه أن يكون سعيدًا لأننا طبعناه! هناك عشرات الكتب التي تنتظر منذ عشرات السنين طباعتها، اسأل أبا الطيب الذكر مسؤول النشر. كان أبو الطيب الذكر قد جرع الكأس، ولم يعلق، فضربه أبو الهيثم لا أخلف الله عليه في كتفه ثم أطلق ضحكة رنانة. كانت ضحكته الرنانة المُصدية في حقل الأوجاع الذي كانه أبو الطيب الذكر، صهيل الحصان الذي له. لم أنتبه إلى الحامض الذي يعصره عليّ عندما سمعته يقول لي: ما رأيك لو نفرّغك؟ أليس هذا أحسن لك؟ هكذا لن تحتاج إلى رئيس ولا غير رئيس، وأنت أدرى الناس بمشاغل الرئيس. قلت للكلمنتينا التي أكره رائحتها: يريد أن يفرّغني هذا النصاب! هذا الذي كل مصائبي جاءت منه! ضرب قلبي بعنف، أصابني اليأس، يأس امرأة لم تتعش، فقلت له: فرّغوني! أفرغوني! لكنه كان مشغولاً عني في أمر آخر. أعطاني ظهره، وراح مع أبي الطيب الذكر في حديث متعرج متلولب ملغز، وهو يحرك ملفه في قبضنه. وبعد أن شربتُ كل شايي، ونفخت كل الهواء الذي في صدري، عاد واستدار نحوي، وهو يصهل، ذلك الحصان الذي كانه: ما رأيك لو نفرّغك؟ رأيته كشكل مخروطي، كهرم زجاجي، كحبة بندورة. كان الشويعر الدحبوري قد خرج من عند أبي منيف الأنف الوطيء، ودخل علينا كحبة التين العجرة، وفي اللحظة ذاتها قال لي أبو الهيثم لا أخلف الله عليه إن عليّ أن أرى أبا منيف الأنف الوطيء، ففهمت، كي أشكره على ما قدمه لي من عون لم أقطف بعد ثماره. أعاد: عليك أن ترى أبا منيف الأنف الوطيء اليوم لو أمكن، اطلب من السكرتيرة أن تسأله إن كان يمكنه استقبالك. ارتعدت فرائص الشويعر الدحبوري، رأيته يغدو كالشمندر أحمر، وبعد أن تردد بعض الشيء، سأل: عليه أن يرى أبا منيف الأنف الوطيء لماذا؟ قال أبو الطيب الذكر كل الناس تعرف لماذا، وأنت لماذا تسأل؟ وقال أبو الهيثم لا أخلف الله عليه عن عمد إن أبا منيف الأنف الوطيء بحاجة إلى رؤيتي، وأنا بحاجة الى رؤيته، وختم إن هذه قصة نكتبها أنا والدكتور، ولا دخل لك فيها. اصفر الشويعر الدحبوري واخضر، فطمأنه أبو الطيب الذكر كيلا يسقط على الأرض مغشيًا عليه أن زيارتي للشكر والمجاملة، فأنت تعرف الدور الذي لعبه أبو منيف الأنف الوطيء من أجل الدكتور. صار عندي وجع في رأسي، فقلت: عليّ واجب شكره لقرارات لم يتحقق منها أي شيء بعد، فهذه أحكامنا، وهؤلاء حكامنا! صاح ثلاثتهم معاتبين، وكأنهم غدوا جسدًا واحدًا لعرق بصل بثلاثة رؤوس: ولكنك سترى الرئيس حال عودته، وستحل كل مشاكلك. قلت: سأراه، ولماذا لم أزل هنا؟ لأراه. توجه أبو الهيثم لا أخلف الله عليه إليّ، وقال يعجبه فيّ تفاؤلي الدائم كتفاؤل أبطالي، فضحكت، وقلت: كل أبطالي متشائمون تشاؤمًا ليس دائمًا هذا صحيح! فضحك، وقال: سأمر عليك في الفندق الليلة، وسنتحدث عن كل شيء، عن الأدب، وعن السياسة، وسأجلب لك بعض المقالات التي كتبت عني. سألته: الساعة كم؟ فلم يأخذ بعين الاعتبار سؤالي أم أنه لم يأخذ بعين الاعتبار زمن تونس مثلهم كلهم. قال: انتظرني الليلة، فقط انتظرني، سآتيك لا أدري في أية ساعة، ولكني حتمًا سآتيك. أخذني أبو الطيب الذكر إلى مكتبه، أقصد إلى طاولته وكرسيه، وهو لا يكف عن الترحاب بي. قال لي إننا سنأكل عندهم اليوم ملوخية، فاعتذرت، وقلت سنأكلها بعد أن أقابل الرئيس.
جاء الدكتور، دكتور الدائرة الأوحد، العالم في الآثار وفي النفوس، أخذني إلى طاولته وكرسيه، وراح بي مشجعًا عندما رأى معنوياتي المهارة. رحنا ننظر إلى لوحات رسمها، فجاء رسام الدائرة الموهوب مبوّزًا. أشار إليه دكتور الآثار والنفوس، وكشف لي: لقد وقف وزوجه على رأسي مدة استشفائي من عرق النسا ـ إن كلينا في الهم سواء كما ترى ـ وأنا لهذا لن أقدر على شكرهما طول العمر بالقدر الذي يستأهلانه، إلى أن حملت ريشتي، وبدأت أحاول الرسم كطفل يعبث بروحه... صرت أنانيًا ولئيمًا وناكرًا للجميل!
أخذت تاكسي، وعدت إلى شارع الحرية. رأيت سائحات يصورن الجزار اليهودي مع نجمته السداسية المحفورة على بابه من ناحيتيه، ورأيت تونسيات لم أر في حياتي أروع من جمالهن الوحشي، ورأيت عاديات، وبشعات، وكلهن تقول عنهن أطهر نساء الدنيا، تقف لهن السيارات، من المرسيدس الى العربة التي يجرها جوادان، فيصعدن فيها، ويذهبن مباشرة إلى الفراش.
عبرت إلى شارع فلسطين، وسرت فيه حانقًا جائعًا وظامئًا، كانت باقات الورد الأحمر والأبيض والأخضر والأسود على الرصيف، جنات عدن التي في الجليل، اجتزتها إلى السوق القابع خلفها أو السق أو السوك، وأخذت مجلسًا عند أحد الشوائين... طلبت كبدة وهريسة، وشربت كوكا كولا.

































8
قرع الهاتف، فقلت: آلو! جاءني صوت لم أعرف صاحبه إلا بعد أن قدم لي نفسه: أنا عبد العزيز شرف فلسطين. سألته: أين أنت؟ أجاب: في قاعة الفندق. قلت: أنا نازل، ونزلت في الحين. عانقت عبد العزيز شرف فلسطين بحرارة الأسوار التي تتعانق في عكا، وتأملت حركاته الخجولة. كان يعرق، ويخفض عينيه، ويحمر كما يحمر التوت على شفاه البنات. لم يتوقف عن السؤال عني وعن أحوالي، ثم طلب إذا ما كنت أنتظر أحدًا، فقلت أبا الهيثم لا أخلف الله عليه، قال إذن لن يطيل. عندما سألته إن كان دومًا سفيرًا، أطلق ضحكة مريرة، وقال لم يزل سفيرًا، وقد عُيّن آخر ما عُيّن قيّمًا على مكتبنا في الكونغو، وهو منذ شهرين بانتظار أن يرى الرئيس. صحت: منذ شهرين وأنت بانتظار أن ترى الرئيس؟! أوسع عينيه الحمراوين، وأطلق نفسًا مديدًا، نفسُا مريرًا، قبل أن يحكي لي عن كل الذي يقعد على قلبه: لما كنت في بلجيكا تآمروا كلهم عليّ، ابن أبي هرف، وابن أبي صوص، وابن أم صافية، ليس لأنني لم أكن أعمل لهم "مقلوبة" لما كانوا يأتون، ولا لأنني كنت أترك لحيتي طالعة، صحيح شكلي لا يعجبهم، فهذا موضوع آخر، ولكن لأنني كنت بالفعل شرف فلسطين، دناءاتهم معي لا تمشي، ولا مخططاتهم، إلى جانب أنني كنت أعمل في الليل والنهار على تحضير أطروحتي، أنا إذن من كوكب وهم من كوكب آخر، أنا من غرس وهم من غرس آخر، لم نكن من طينة واحدة، وكنا ننتمي لفضائين مختلفين. تذكرته لما كان طالبًا في باريس، لما كان يحبهم كلهم، وكانوا كلهم يكرهونه. سمعته يقول: تمكنوا من خلعي ليرسلوني إلى السنغال، فحلف ابن أبي هرف البوكاسي أن تكون نهايتي على يديه، لأنني عبد العزيز شرف فلسطين، لست الحرامي الذي يريد ولا الذي يسكت على الحرامي. تفتف في أذن الختيار الذي سمع له، فخلعني من السنغال، وعينني في الكونغو، والآن تجدني منقوعًا هنا بانتظار أن يمضي الرئيس أوراق اعتمادي. قلت لنفسي يكرهونه مثل سفرجلة مزة أينما ذهب عبد العزيز شرف فلسطين! سألته: قلت لي منذ شهرين وأنت تنتظر أن ترى الرئيس؟ وأنا أتمنى أن يقول لي فهمته خطأ، فهو هنا منذ أيام قليلة، لكني سمعته يؤكد: منذ شهرين بعد آخر مرة رأيته فيها، والحقيقة أنني هنا مع زوجتي وأولادي في أفخم فندق في تونس على حسابهم منذ شهور طويلة، نأكل ثلاث مرات أغلى أكل في أفخم مطعم كل يوم، ولأول مرة منذ زمن بعيد ربت زوجتي أظافرها. رسم على شفتيه بسمة لها بريق برتقال يافا وخجله، وقال كمن يعتذر لي، أو أنه أراد الاعتذار ليافا التي ترك من ورائه برتقالها يحترق شوقًا إلى أن مات شوقه إليه: يجدر بي أن أكون سعيدًا في أفخم فندق تونسي، ولكني أشد الناس غمًا وأكثرهم اكتئابًا. سعل، وتفجر الدم في وجهه، عرق، ومسح عرقه، قال إنه يتمنى لو يبكي، ثم أضاف كحجل يافا المعاند لرمل شواطئها في ذلك الربيع اليتيم سنة 48: أريد الذهاب إلى الكونغو، إلى جهنم، المهم أن أذهب، وأعمل، فمتى سأذهب إلى الأدغال؟ ومتى سأعمل كالجراد؟ قلت له مشجعًا كما كانوا يقولون لي في كل مكان ذهبت إليه في تونس الخضراء التي أحرقوها وجعلوها سوداء أسود من الفحم: ولكنك سترى الرئيس حال عودته، وستحل مشاكلك. فكرت إن "تونس الخضراء" خرافة كما هي عليه "الجزائر البيضاء". طرف بعينه إلى جانب، وقال بحياء سروات نابلس التي تسلقت عليها، وجرحتني أول مرة بجذوعها: آخر مرة قابلت فيها الرئيس بعد أن نقعني شهورًا طويلة، فابن أبي هرف البوكاسي أقدر مني عليه، بأمره أراه، وبأمره يكون أجلي، قال لي مكشرًا بلهجة فصحى تعجز عن التغلب على اللهجة المصرية التي له "لماذا أنت هنا؟ ماذا تفعل؟ أنت لا تعمل! همك الوحيد أن تعمل على تحضير أطروحتك ولا تعمل لفلسطين!" فضضت جيبي سروالي، أمسكتهما بإصبعين، وقلت له "لم أغتن مثل كل الذين اغتنوا على حساب فلسطين!" فصاح بي "ليس من الناحية الأخلاقية أتهمك، ولكن من الناحية السياسية، أنت لا تعمل!" بقي مصرًا على أنني لا أعمل للقضية، فشكوت الذين يشكونني إليه، فنرفز عليّ، وحين أخذت أقول له عن الذين يسبونني في قفاي طلب إلي ألا أهتم بالأمر، فهو يسمع مسبته بأذنه، ويسكت عليها، المهم أن أشتغل لفلسطين أكثر مما أشتغل لشخصي… إن كان رئيس دولتك يقول لك هذا الكلام! أحسست أنه يريد صرفي بأية طريقة، فقمت، وخرجت.
رأيته يخرج خروج العاصين من الجنة، فنظرت إلى ساعة الحائط التي تجاوزت التاسعة مساء، وهمهمت، وهو مشغول عني بالنظر إلى صورة غراب البلاد المعلقة في أسوأ صورة: لم يأت أبو الهيثم لا أخلف الله عليه.
التفتنا أنا وعبد العزيز شرف فلسطين باتجاه أحدهم يأتينا، كان يجلس على مقربة منا كالشتلة المنسية دون أن نعيره أدنى اهتمام، سلم علينا، وبخجل قدم نفسه لنا، فقلت كلنا طفل في جسد قبرة. قال: أنا قاسم المقدسي، سمعت كل الحديث الذي دار بينكما، فاعذراني. قلنا له بسرعة: نعذرك! ولم نعرف لِمَ كل هذه العجلة. قال إنه يراني في الفندق كل يوم، ويتساءل إن كنت فلسطيني، فقلت إني لم ألاحظه مرة واحدة، فابتسم، وقال إنه مهندس، وهو في الفندق مع أسرته منذ عدة أسابيع، ومنذ عدة أسابيع يحاول الالتقاء بالرئيس، وقد ذهبت كل محاولاته سدى، لكنه رأى كيف كانوا يدخلون عليه أصحابهم وأصحاب أصحابهم، وكيف كانوا يساعدونهم على قضاء مصالحهم في غمضة عين. لاحظت أن قاسمًا المقدسيّ يشبه هنديًا، فسأله عبد العزيز شرف فلسطين إن كان له أصل هندي. ضحك، وضحكنا، ثم عاد يسأله: وماذا تنتظر من الرئيس؟ قلت لعبد العزيز شرف فلسطين: الكل ينتظر من الرئيس أمرًا ينقذه مما هو فيه! ابتسم الشاب، وقال بخجل: أما عن أمري فهو من أصعب الأمور وأسهلها! وأوضح: ماذا غير وظيفة، أية وظيفة أقبلها، فلا وظائف في البلدان العربية لنا ولا خبز يابس، بل تجويع وإهانات وطرد من هذا البلد إلى ذاك… نحن اليوم يجدر بنا أن نُسمى مواطنو الحدود! وأحسن من هذا إرهابيو المطارات! قلت: حتى الحدود طردونا منها، والمطارات استكثروها علينا. ذهب عنه الخجل، وغدا غمدًا مهانًا، صار يشبه أخي أيمن السيوف الذي يصدأ عندي في باريس. سمعته يحكي: لن أحكي عما فعلوه بي في مطار تونس وإنما عما عانيته عندما وضعوني في أول طائرة، وأرغموني على الهبوط في مطار القاهرة، فاستقبلني رجال أمن المطار بالحديد كأي مجرم، ورموني في زنزانة أيامًا دون أن أرى الضوء أو أشرب الماء إلى أن بدأت أرشو الضباط بالدولارات ليشتروا لي ساندويتش فول مدمس أو طعمية. كانت جريمتي لأنني فلسطيني، ولأنني لا أحمل فيزا دخول أو عبور، ولما انتهت دولاراتي أخذوا بضربي، ضربوني على عضوي التناسلي، وحقنوني بالشطة، فأنا إرهابي لأنني فلسطيني، وعليّ أن أعترف لهم بأسماء كل الإرهابيين الفلسطينيين وغير الفلسطينيين المقيمين في مصر.
نظرت إلى عبد العزيز شرف فلسطين وهو محتقن الوجه ويكاد يتفجر إلى أن تفجر كبرعم ضخم: أما أنا فكانت لدي فيزا عبور إلى إيطاليا، ألقوا القبض عليّ، ورموني في زنزانة من زنازين المطار. سألتهم السبب، قالوا لإنك إرهابي. قلت لهم لدي فيزا، وأنا عابر لن أطأ بقدمي أرض مصر. جعلوا طيارتي تذهب، فهمت أن الضابط يريد رشوة. أوهمته أن المائة ألف ليرة إيطالية تعادل مبلغًا ضخمًا، لغبائه وجهله انطوت عليه الحيلة، ولم أدفع له إلا حين وضعت قدمي في الطيارة.
نظرت إلى ساعة الحائط التي تقترب من العاشرة، وقلت لنفسي لن يأتي أبو الهيثم لا أخلف الله عليه. تذكرت صديقي الذي اختارني، عيسى سعيد الغزاوي، وقلت لهما: لدي صديق صحفي يحمل وثيقة مصرية تلزم صاحبها الفلسطيني بالحصول على فيزا لدخول مصر من السلطات القنصلية المصرية، فتصوروا أن المصريين يسلمون وثيقة مصرية لا يعترفون بها! يشكون في هوية صاحبها التي هم أعطوها! وفي كل مرة يدخل مصر معقل العروبة بفيزا كما يوجبون، يوقفونه في المطار إلى أن يدفع ما يدفع أو أن يأتي أحد أصدقاء أبيه من الضباط الكبار لإخراجه! سكتُّ، لم أحك عن فاجعة كل غزاوي. رأيت دمعة متحجرة بلون شفق القدس في عيني قاسم المقدسي الذي قال بذُلِّ ثوبٍ مطرز تطأه النعال: مشيت في دهاليز لكني لم أمش في دهاليز كدهاليز مطار القاهرة الصقيعية، دهاليز لا أول لها ولا آخر أشبه بالدهاليز التي حفرها الإسرائيليون تحت ساحة الحرم الشريف بحثًا عن هيكل الملك سليمان الخيالي، لكن دهاليز انتظار الرئيس أطول من هذه وتلك وأكثر برودة تحت شمس تونس المحرقة! لم أقل شيئًا، وكذلك عبد العزيز شرف فلسطين لم يقل شيئًا، بقينا ننظر إليه كشجرتي حور. أغمض عينيه بشدة، وفتحهما عليّ وعلى عبد العزيز شرف فلسطين، ورجانا كآخر رجاء: قولا لي، هل سأحظى بمقابلة الرئيس عندما يعود؟ وفي ظنكما متى يعود؟












9
قلت لأبي الهيثم لا أخلف الله عليه كمن يتجرع كأسًا من السم حتى الثمالة بعد أن جعلتُ من الشك قانون اليقين لديّ: انتظرتك الليلة الماضية، فلم تأت! لم أقل له لماذا أخذت معي موعدًا أيها النغل؟ فتح فمه الواسع عن أسنان الحصان التي له، ولفني من حولي، فكأنه أبي، وكأني ابنه: سآتيك الليلة، هذا عهد أقطعه على نفسي. وأخذ بالصهيل، وهو يدفعني من كتفي، ثم ألبس وجهه شيئًا من الجد، رفع الملف الذي لا يغادر يده في وجهي، وقال لي: اذهب الآن واشكر أبا منيف الأنف الوطيء، ستجده وحده في هذه الساعة. لم أذهب عند أبي منيف الأنف الوطيء في الحال مثلما طلب، درت على المكاتب، سلمت على القاص الطللي ودكتور الآثار والنفوس والشاعر المبدع والرسام الموهوب وغيرهم. كان أبو الطيب الذكر لم يصل بعد، فقلت أذهب الآن لأشكر أبا منيف الكعب العالي، لم أجده لا في مكتبه ولا في كل الدائرة. جلست عند فتاة البدالة التي ما أن وصل حتى أعلمته أنني ألتمس رؤيته، فطلب أن أنتظره قرب بابه المصفح على الرغم من كثرة انشغالاته ومواعيده. وبعد انتظار طال، انفتح الباب الديناميتي فجأة، فكأنه باب مغارة علي بابا الذي لا يفتحه أحد إلا بكلمة سر يلقيها في وجهه. لم أر الرجل على الرغم من وقوفه لاستقبالي، وذلك لتراكم الملفات والكتب على مكتبه، فالداخل عليه يحسب أنها كل ملفات قضية فلسطين التي يعكف على دراستها، وإيجاد الحلول لها، وكذلك أن هذه كل كتب المؤلفين الفلسطينيين التي طبعها أو التي يريد قراءتها.
كان الشويعر الدحبوري قابعًا كرأس الفجل المصدّي في أريكة من أمامه، يحتسي قهوته التي أتمها فجأة، ونهض لما جلست، وكأني لطمته على خديه المتربربين لا أدري لماذا؟ ولا أدري لِمَ كل هذا الرعب الذي أولده عنده أنا الذي لا تخيف ريحًا أغصاني؟ فلا بجزة إدارية أطمع، ولا بسوربون فلسطيني أرفعه إلى الأعالي! قال لأبي منيف الأنف الوطيء: سأتركك مع الدكتور لتتحادثا، وهو يبالغ في النظر إليّ، فلم أقل له ابق، أنت لا تزعجني. نبهه أبو منيف الأنف الوطيء إلى أنه لم يبحث كل شيء معه، وأنه لم يزل بحاجة إليه، وراح يطلب منه: لا تذهب! لا تغادر الدائرة! أكد أنه لن يذهب، ولن يغادر الدائرة. قال له إلى اللقاء إذن، فارتبك، والتفت صوبي، وأنا لا أنبس ببنت شفة، تركته ينظر إليّ دون أن أعلق. أعاد: لن أذهب، ولن أغادر الدائرة، وهو لا يتوجه بالكلام الى أبي منيف الأنف الوطيء بل إليّ، مما جعلني أضيق ضيق رمانة مختنقة. ألقى على مديره تحية عسكرية في اللحظة التي ضغط فيها هذا على زر بقدمه، فقفز الباب الديناميتي مفتوحًا.
شكرت أبا منيف الأنف الوطيء على الذي فعله من أجلي، وهو ينظر إليّ طول الوقت كرب ينظر من عليائه، فأغوص أكثر منه في الملفات والكتب. شكوت له عدم تنفيذ القرار المالي، وقلت إني يئست من طول انتظاري للرئيس، وهو طول الوقت يهزهز رأسه كغابة من الريش، إلى أن قال لي مفخمًا صوته، مذكرًا إياي بإمام جامع النصر قي نابلس يوم كنت أذهب إلى الصلاة فيه تحاشيًا لعصا معلم الدين: أنت لم تنتظره بعد طويلاً حسبما تعتقد، هناك ابن عمي الذي جاء من عمان منذ عدة شهور بطلب مستعجل من الرئيس، ولم يحظ إلى اليوم بلقائه. قلت في سري: إذن هكذا! جاء بطلب مستعجل منه منذ شهور ولحد الآن لم يستطع اللقاء به! أسيكون هذا مصيري؟ أولاً أنا لا أحتمل جسديًا ولا نفسيًا يقتلني الانتظار، ثانيًا لأن التزاماتي في باريس نحو أسرتي وتماسيحي لا تسمح بالانتظار كثيرًا. قلت: تدبر الأمر من أجل أن ألتقيه حال عودته وإلا كانت نهايتي! ابتسم أبو منيف الأنف الوطيء فرأيت ضرسًا ذهبية له أو هذا ما تخيلته. بدا لي جميلاً، وعلى الخصوص عندما سمعته يقول: سيعود الرئيس خلال يومين، وإن لم تتمكن من رؤيته، جعلته يمضي لك ورقة صغيرة. قلت: ورقة صغيرة لا تكفي! فقال إنه يقصد كل أوراقي، قبل أن يضيف بتأوه وتلذذ غاب عني سبب الأول للثاني أو الثاني للأول: من واجبك ألا تتركها باريس وهذه هي أحوالنا! فعن أي أحوال يتكلم؟ ومم يشكو؟ خلت في كلماته استفزازًا، فرفعت صوتي كالحيوان المِسخ أو هكذا أحسست حين قلت: أنا على استعداد لأن أكون معكم في تونس. كنت صادقًا، وكنت كاذبًا، وكنت وفيًا، وكنت خائنًا! فرعد، وأنا أحسب أن الدنيا أطبقت على دماغي، وأنني في جهنم بصحبة غيلان وعفاريت، لكنه كان صوت أبي منيف الأنف الوطيء المردد: لسنا بحاجة لك هنا، يا دكتور، الرئيس قال ابق في باريس إذن ابق في باريس، ابق في مدينة النور، واكتب كتبك إلى أن تزهق روحك، نحن بحاجة لك هناك لتكتب كتبًا تملأ بها المكتبة الفلسطينية! راح يضحك، وهو يشخر، فبدت لي باريس في عينيه المسعورتين مثل امرأة واقفة تفتح بين ساقيها، ورأسي في فرجها، تبول، فأعب، تغوط، فألتهم، تنزو، فألعق، أُدخِل رأسي فيها، وأُخرِجه.
رن الهاتف، قالت له فتاة الدالة يطلبك فلان الذي لم يشأ الحديث معه إذ صاح بها: ألا تعرفين بأني مع الدكتور، ولا أريد أن يزعجنا أحد؟ ولكي يمحو كل سوء ظن عندي، تذكر أن يطلب لي قهوة: الدكتور هنا ولا تأتون له بقهوة! هكذا صاح بالمراسل. قرع الهاتف ثانية، فقبل المكالمة في الحال، وراح ينهق مرحبًا، وهو يكاد يقفز من حضن كرسيه إلى حضني، وأنا أحاول جرع قهوتي الساخنة السيئة بسرعة. أردت الذهاب، فأشار إليّ بالبقاء، وهو يحفر في الهواء بسمة جامدة معجبة لخيال محدثه، وفي الأخير أقفل. أخذ نفسًا، لبس شكلاً مهيبًا، وقال إن إبراهيم جبرا إبراهيم الذي كان معه. صححته: جبرا إبراهيم جبرا، تجاهل كلامي، وهو يضيف إنه طلبه من بغداد من أجل إعادة نشر روايته "البحث عن مسعود وليد" قي القاهرة لدى دار نشر متمركسة. صححته: تريد أن تقول "البحث عن وليد مسعود". حك رأسه، وراح يحكي دون أن أطلب منه عن سبب علاقتهم بهذه الدار، قال إنها لدار متواضعة لا يشتري أحد كتبها، أضف إلى ذلك أن وسيطها إلينا شريكها المعروف بابتسامة الانتهازي التي له محمود أمين الجاهل! قلت إن روايتي "العجوز" تنتظر سحبها منذ سنين لدى الدار نفسها بينما هي أفلام لن تكلف الدائرة أكثر من ثمن ورقها. قال بحماس إنه سيطبعها بشرط ألا تكون لي أية حقوق، قلت: أعطني فقط كمية منها، فوافق، وطلب مني أن أكتب للعالم الجاهل القائم القاعد بين فلسفته التقدمية ودولاراتهم التأخرية، وأن أحدثه عن رابط الموضوعي بالذاتي هنا والذاتي بالهرائي والهرائي بالمطلقي والمطلقي بالمحدودي والمحدودي بالواطي معلمًا إياه بقراره، وأن يمهر أبو الطيب الذكر، مسؤول النشر، الرسالة بإمضائه. ضغط على الزر بقدمه، فإذا بالباب المصفح يقفز. لم أستطع إعادة غلقه، إلا أن المراسل، غير ذي عضلات مع ذلك، قد قام بالمهمة على أحسن وجه.
لما رآني أدخل، أخذ الشويعر الدحبوري يقوم ويقعد على كرسيه المجاور لكرسي أبي الطيب الذكر. نظرت إلى صديقي، فوجدته مريضًا مكتئبًا بائسًا وأطنان من الدواء على مكتبه. وأنا أحكي له عن روايتي، بدأ الشويعر الدحبوري يرقص كعود الخيزران، انطلق فجأة كسهم من البقدونس، وهو يصيح من الممر بأبي الطيب الذكر: لا تنس الذهاب إلى المطار لاستقبال "كاتبتنا" اليوغوسلافية! فراح أبو الطيب الذكر يرتعش ارتعاشات المصاب بالملاريا. صاح أنه مريض، لن يذهب! تعثرت قدم الشويعر الدحبوري، وبان على وجهه الإحباط ثم انطلق كالصاروخ هذه المرة قاطعًا الممر هابطًا الدرج إلى مكتب أبي منيف الأنف الوطيء.
قال لي أبو الطيب الذكر، وهو يشد بيديه أذنيه لضغط يكاد يرميه أرضًا: لا تحسبني مجنونًا! سينفقون آلاف الدولارات على كاتبة غير معروفة في بلدها، ولا في أي بلد في العالم، وكل ذلك ليمتطوها واحدًا تلو الآخر أولاد العكاريت! أما أن يقيموا ندوة عن الانتفاضة، عن أدبها أو عن حجرها، عن دمها أو عن عَرَقها، فهذا آخر ما يهمهم. أتعرف ماذا أتمنى؟ سلاحًا من أسلحة الأرباب القديمة أقتلهم به شر قتل. قلت حتى الصواعق لن تقتلهم، قبل أن أضيف أنني مستعد لعمل محاضرة عن الشعراء الملعونين في الضفة والقطاع الذين شطبهم أبو منيف الأنف الوطيء وأبو مصالحة الأنف الأوطأ من الأنطولوجيا الصادرة عن دائرة السفاهة بالتفاهم مع قروش اليونسكو المتكسرة أسنانهم، وذلك على الرغم من وضعي النفسي الذي تعرفه. قال: وماذا عن وضعي النفسي أنا؟ بدأ يسعل، وكاد يختنق، استطاع التحكم بسعاله، ورجاني أن أرأف بصحته: لا تجعلني أمرض أكثر بالله عليك! نظرت إليه من جديد، فوجدته كمن مُسِخ. دخل علينا أبو الهيثم لا أخلف الله عليه، وظله المتعملق يسبقه إلينا، ساخرًا ساحرًا، دار بذراعيه من حول كتفيّ قافلة من الحيّات تأكل جزرًا، وقال لي: ما رأيك أن نفرّغك؟ وهو لا يفرغ من مداعبتي. لم يلاحظ ما بأبي الطيب الذكر من وضع رديء: سيأتيني التلفزيون الفرنسي لتصريح بشأن الانتفاضة بعد أن حولهم أبو منيف الأنف الوطيء عليّ تحت حجة أنه مشغول لا وقت لديه… قال يريد من الشويعر الدحبوري أن يواجههم، فمن هو الشويعر الدحبوري، وأنا لم أزل نائبه؟ قلت في سري إذن هي معركة التلفزيونات والانتفاضة ساحتها! قال إنه سيصرح بكذا وكذا، غير الذي صرح به أمس مديره وأول أمس رئيسه وأول أول أمس مستشار رئيسه وأول أول أول أمس بواب مستشار رئيسه! ألبس وجهه بعض الجد، وسأل إن كان بإمكان أبي الطيب الذكر أن يضيف من أجله شيئًا. أمام صمته المحير انتبه الى أوجاعه، فاقترح أن يأخذه سائقه عند طبيب. راح أبو الطيب الذكر بظله المتحطم شاكيًا ساخطًا ساحطًا، فرفعه أبو الهيثم لا أخلف الله عليه من ذراعه، وأوقفه على قدميه. وقبل أن يغادر به المكان، التفت إليّ، وهو يرمي في الفراغ ضحكة الحصان التي له، وساطني: لا تنس! سآتيك الليلة على الفندق، فاكتب لي طلبًا بخصوص التفرغ، وهيئه لي! سارعت بالنهوض إلى مرحاض الدائرة المسدود، وأخذت بالتقيؤ، وأنا أرشق وجهي بكل أوساخ حيوانات حدائق تونس والقاهرة وطرابلس الغرب والجزائر ونواق الشط والرباط والسياط وبلغراد.





10
جلسنا أنا وعبد العزيز شرف فلسطين في قاعة الفندق ننتظر أبا الهيثم لا أخلف الله عليه، شرب قهوة، وشربت عصير البرتقال، ومن حولنا كانوا يشربون من الكحول ما شاءوا على الرغم من أن الساعة تجاوزت التاسعة مساء. قال لي إن القوانين الخاصة بالبارات الشعبية هي ذاتها بفنادق الدرجة الأولى، ولكن الكحول في هذه يهرق بأمر غير ذلك الأمر، أضف إلى ذلك أن البعض هنا أجنبي. ومازحني: أنت الفرنسي الوحيد الذي يأخذ عصيرًا! ضحكت، وضحكت مني يافا التي ولدت فيها بالصدفة من أجل أن أغرم ببرتقالها وكل برتقال العالم، ومن أجل أن آخذ طريق المنفى وعمري أربع سنين لقرار تعسفي اتخذه أبي ضد أبي، ولأن أبي حسبما قيل لي لم يعد يحب فِرّها. قال: أتمنى ألا تكون هذه تميمتك إلينا، فقلت: كل شيء كالمسخ أينما ذهبت. عتمت ملامحه، وقال بأخوية صادقة إني كاتب يتيم، والكاتب اليتيم هو الكاتب العظيم، ولو كنت مارك هالتر أو أي كاتب يهوديّ من الدرجة العاشرة لاستقبلوني بأحر ما يكون عليه الاستقبال، ولحلوا كل مشاكلي في غمضة عين. أخذت جرعة من عصير البرتقال ما ألذها ملأتني حزنا، وقلت: لو كنت كاتبًا يهوديَّ المنبت من الدرجة العاشرة كما تقول لوجدت طريقي إلى المجد بين اليهود! لو كنت أي كاتب في الغرب لعادت إلي كل حقوق الكاتب مع كامل الاحترام! لأن الكاتب في كل الأعراف إلا في عرفنا جدير بالعيش الكريم! أتعرف مارك هالتر، ذاك الذي إصبع قدمي الصغير يكتب أحسن منه، ومع ذلك، فقد رضخ له الرئيس حين اتهمه أمام ملايين الشهود العيان في التلفزيون الفرنسي بتحرير كل فلسطين على عكس كل ادعاءاته لما أشار إلى الشعار العسكري على كتفه خارطة فلسطين، "ده وأته بأه يا مارك!" تلعثم الرئيس، وارتبك، ولم يجد شيئًا يقوله غير أن الإسرائيليين أيضًا يعلقون في الكنيست شعار "إسرائيل من الفرات إلى النيل"... آه، يا لأم المصائب! وبعد يومين اثنين اختفى الشعار عن كتف الرئيس وأكتاف كل العساكر، وأحلوا محله بندقية خرساء لا حياة فيها.
تعمد أبو رُهم هذه المرة أن يمر من أمامي لتأتي عينه في عيني، وأن يحييني قبل أن يختفي مع حراسه. فاجأني عبد العزيز شرف فلسطين: أبو رُهم جاسوس إسرائيلي! فسخرت منه، فزعل، فسخرت مني. كان عبد العزيز شرف فلسطين يستمع دَهِشًا إلى تساؤلي الذي يفيض دهشة: جاسوس إسرائيلي ولم يزل قائدًا من قواد الثورة؟! غادره زعل اللحظة، وباغتته لحظة من الضحك: الكل يعرف حتى صراصير المباول! زعلت بدوري، وقلت دون أن يغادرني الزعل: والرئيس؟ لماذا لم يفعل شيئًا؟ قال: لأن الرئيس وغير الرئيس لهم به فائدة! لم يغادرني الزعل، كان زعل لحظة، وصار زعل لحظتين. هل أقوم وأضربه؟ لكنه كان شرف فلسطين العظيم، ونخلات تونس المجروحة جذوعها! تأملت شفة تدعوني في الكأس، فأخذت جرعة، وسألت: لهم به فائدة كيف؟ سألته رغم أني بدأت أحزر ما يريد قوله وأتجاهله في آن. قال: لاتصالاتهم السرية. قلت: تقصد لاتصالاتنا السرية؟ قال: لاتصالاتنا واتصالاتهم. لم أشأ التصديق، ومع ذلك لو قال لي إن أباك جاسوس لصدقته، أليسه شرف كل الشجر الجريح؟ أما أن يكون أبو رُهم جاسوسًا والكل يعرف، فهذا غير معقول وجنون بل وأكثر من جنون! وعلى الرغم من أن أبا رُهم يموت ويحيا بين فخذين ملوثتين إلا أنه يظل قائدًا من قواد الثورة، ومن أكثر مقربي الرئيس. نظرت إلى ساعة الحائط التي تقترب من العاشرة، وقلت لن يأتي أبو الهيثم لا أخلف الله عليه، فطلبت كأس عصير ثانية، وسألت عبد العزيز شرف فلسطين إن كان يريد أن يشرب شيئًا آخر، فشكرني، وهمس في أذني أن لا فائدة من انتظاري لأبي الهيثم لا أخلف الله عليه، فهو يعرفه أكثر مني: إن كنت تعتمد عليه في حل إحدى مسائلك، فأجدى بك الاعتماد على أبي رُهم الجاسوس أفضل لك. حملت كأس عصير البرتقال أول ما وضعها النادل أمامي، وبدأت أداعبها كجسد امرأة، ثم طبعت فمي على فمها، وقلت: ما زلتَ مصممًا على أنه جاسوس؟ قال إنه ما زال مصممًا، وإن وحل تونس أنظف منه! أبو رُهم جاسوس، وأبو الهيثم لا أخلف الله عليه لا يبحث إلا عن مصلحته، وإلا في رأيك لماذا عملها تمثيلية "الاتحاد" ووقوفه المدروس مع المنشقين في دمشق ومقالاته ضد الرئيس؟ ليصبح نائبًا لأبي منيف الأنف الوطيء، بل وأكثر، ليأخذ مكان أبي منيف الأنف الوطيء نفسه، أي ليصبح عضوًا في اللجنة المركزية أو مستشارًا للرئيس ولم لا رئيسًا، فما يدريك؟ رحت أشرب كأسي على دفعات، وفي الأخير كبعتها دفعة واحدة، فدخلت في الغابة اللامرئية، وبدأت أحكي قصة أبي الهيثم لا أخلف الله عليه معي: لم أشأ أن أفقد الأمل فيه رغم تجربتي المريرة معه خلال العامين الماضيين. أتعلم أين يجري سقوط العمالقة؟ ليس في ساحات الوغى ولا عن قمم الجبال ولكن على عتبات المكاتب! أمضيت عامين كاملين معه من أجل أن نؤسس لدار نشر في باريس تصدر كل كتب الفلسطينيين وعير الفلسطينيين، وتترجمها إلى كل لغات الدنيا، وهو يقول وجّه لي تقريرًا، خطط لي، المشروع مشروعي، اكتب، وابعث، وتلفن، وانتظر، وانفلق، وانسحق، وانمحق. عامان مضيا عليّ في باريس بل وأكثر، وحبل وعوده يكاد يخنقنا أنا وأطفالي وأحلامي، ودكان أوهامه إلى حد الآن لم يزل يقفل بابها عليه. أترى لماذا تجدني في وضع لا أُحسد عليه اليوم؟ تركت عملي الصحافي بسببه، لم ألتحق بعملي الجامعي بسببه، ومنذ شهور لم أكتب كلمة واحدة بسببه. البربري في أخلاقه هذا ما يسعى إليه، أن يبيدك بالتدريج! لقد عمل على انهياري المادي والمعنوي، وأنا، آه يا لغبائي، ذبحت براءتي على قدميه عسى أن يكون صادقًا مرة واحدة في حياته، فحملتُني، وحملتُ ماضيّ الثقافي وإجّاصي، وحملت أطفالي، وألقيت بنا في هاوية الوعد الفلسطيني الذي هم جحيم كل الفلسطينيين. كنت أقول كل شيء يهون في سبيل الدعاية للوطن والدعوة للقضية، فأطبق الوطن بفكيه عليّ، وقضمت القضية بأسنانها ماضيّ الأدبي، وهاأنذا اليوم أجد نفسي ملقى على خاصرة الدنيا وحيدًا بانتظار توقيع للرئيس يمنعني من ارتكاب أول وآخر جريمة.
أخرجت من جيبي طلب التفرغ الذي اقترح عليّ أبو الهيثم لا أحلف الله كتابته، ومزقته، وأنا أنظر الى الساعة من جديد، ثم نهضت، وقلت لعبد العزيز شرف فلسطين إن أبا الهيثم لا أخلف الله عليه هو الانحطاط الفلسطيني، وطلبت إليه إن أتى أن يقول له إنني لم أنتظره، لم أشرب كأسين من عصير البرتقال لأقطع الوقت، ولم أحن إلى سيدتنا مريم! رسم عبد العزيز شرف فلسطين بسمة مُرة على شفتيه، وهمهم: لا بأس! لا بأس! لم تزل تثق به! لم تزل تأمل في حضوره! أكان ذلك لتأثير الانتظار عليّ؟ كنت أثمل للانتظار بسرعة وشوق، فضحكت من نفسي، وهمهمت بحزن: لقد جعلونا غير أنفسنا يا عبد العزيز، فتضاربت مشاعرنا، ولكني أقسم لك أني لم أعد أنتظره لا هو ولا غيره... فسألتني نفسي: أصحيح هذا؟ لا هو ولا غيره؟ وعلى الخصوص غيره؟ ترددت قبل أن أضيف: ما عدا الرئيس! لم يضحك مني هذه المرة عبد العزيز شرف العرب، رأيته حزينًا مثلي، حزن امرأة في مقبرة. نظر إليّ، وأراد أن يقول لي لا تنتظره هو الآخر، وعد إلى أطفالك! اشتغل عتالاً أشرف لك ولا تبق بانتظاره! لكنه أطبق فمه، ولم ينبس ببنت شفة.
خرجت إلى شارع الحرية، إلى تونس في الليل الأقرب إلى القلب من كل الكوابيس الجميلة، تونس قبلة ابنتي دينة البعيدة، وفخذ عاهرة مستحيلة، تونس الغصن الذي انكسر، تونس الطائر الذي انتحر، تونس تلك السيدة غير العفيفة... وأنا أمر بالسفارة الأمريكية كانت سيارة مرسيدس مصفحة يشددون الحراسة حولها تدخل فيها، ودون أن يتعمد أبو رُهم ذلك، جاءت عيني في عينه، فلم يحيّني. قلت هذا بشأن "الحوار"، لهذا هو هنا، فكرت أن أبا مروان بن الحكم لا بد في الداخل، في القفص، ورحت أعجل الخطى باتجاه حديقة الحيوانات التي إلى يسار السفارة لعلي أحظى ببئر مفتوحة هادئة بعيدة عن غضب الآلهة أنام فيها. وأنا أخترق الظلام على أعشاب مملكة الوحوش، رأيت شيخًا ملتحيًا يصنع التوابيت على مقربة من قفص الأسود لشهداء الانتفاضة، عشرات التوابيت. كشف لي عن السر عندما قال إنه بقدر ما يصنع منها تعطي الانتفاضة من شهدائها. قلت له: كثير هذا، يا رجل! ارأف بأمهاتنا! نبر: موت ألف أُم ولا موت أمة! نبرت: لي أُم اسمها شجرة الدر لا أريد أن تموت! وبكيت على أحدها، ثم فتحته، ونمت فيه، أو أني مت فيه.

















11
وجدت نفسي في جنة عدن الجليلية أسعى سعي الأعمى الفاقد للبصر، فقال لي الرئيس ربي الذي أخرجني من ماء نهر يجري في وادي أدمة الكنعاني: ستكون آدم أبا البشر، ابحث عن الشجرة المقدسة، وكُل من ثمرها لترى، وليرى نسلك الذي ستأتيك به حواء أُم كل مخلوق حي بعد أن تقتل الحنش المعمم. لم أر المعركة التي كانت رحاها تدور بين الحنش وحواء بعد أن جعلني ربي ورئيسي أعمى العينين ليكون الشاهد العيان الأوحد: إنها معركة جبارة، راح يصفها لي، بالسلاح الأبيض بين حواء والحنش، ساحها مخيم طولكرم، وقد امتنع جنود الكروبيم عن التدخل لفصل الواحد عن الواحد، واكتفوا بأخذ مواقع على مداخل المخيم. رجوته أن يعيد لي البصر يومًا واحدًا أروح فيه إلى زوجتي حواء، فأقتل لها إله الحيلة بالرصاص الحي، فلا السلاح الأبيض ينفع معه ولا الزجاجات الحارقة. أخذني إلى الشجرة المقدسة، وأطعمني ثمرًا لذيذًا، ففتحت عينيّ، ونظرت، فرأيت... كان جنود الكروبيم قد ربطوا طفلين من أطفالنا الأشقياء أنا وحواء الذين ستلدهم بعد أول جماع، وسيكون كل واحد منهم قابيل وكل واحد منهم هابيل، كانوا قد ربطوهما على مقدمة سيارتهم العسكرية قبل أن يقوموا بعسَّة، فلا يرشقونهم بحجر، ولا يهب عليهم دخان الإطارات التي تُحرَق في النعيم.
قلت لربي ورئيسي: يا ربي ورئيسي سأطلق رصاصي على الذين يجعلون من أجساد أطفالي القادمين درعًا، وأنقذ الذين من لحمي ودمي! فقال لي: الحجر يكفي، ومهمتك ليست هنا، وإنما هناك مع حواء لتقتل الحنش المعمم قبل أن يقتلها. قلت له: يا ربي ورئيسي سيبقى الحنش المعمم واحدًا من أهلنا، فدعني أنقذ أولاً أطفالي. فقال لي: إذا ما عصيت وجرؤت طردتك من الجنة شر طردة! فعصيت وجرؤت، فطردني ربي ورئيسي من الجنة شر طردة. عاقبني حين أبقى لي بصري لأرى عذاباتي، وجعلني أطوّف في جحيم الدنيا بعيدًا عن حواء امرأتي التي جئتُ من ضلعها، وعاقب امرأتي بفرض أتراح المخاض عليها.
وبينا أنا أطوّف في جحيم الدنيا، رأيت كهلاً ملتحيًا على رأسه كوفية من حوله أولاد وأحفاد يطرق بابًا، ولما فتحت له امرأة يهودية من باب الواد الذي يسجد اليوم في الدم والخراب، وسألته عما يريد غير إرادة عمالقة مهزومين مروا ببابها، قال لها لو قلت لك الذي أريد لطلبت قتلي وقتل كل أولادي وأحفادي، فماذا أريد غير إرادة أقزام منتصرين سيمرون ببابك؟ قال لها هذا البيت الذي تسكنينه هو بيتي، بنيته حجرًا حجرًا، ورفعته شبرًا شبرًا. قالت أما أنا، فكسرت بابه، ودخلته كما أدخل جنتي! قال لها يعرفني بيتي كما أعرفه إن كان في الجنة وإن كان في الجحيم، وأوفاها بالبراهين. قال لها حتى أن السراميك الذي اشتريته من إسبانيا قبل أن تصير فلسطين إسبانيا منذ خمسين عاما لونه كذا وعدده كذا، فلما ذهبت ونظرت رأت أن لونه كما قال وعدده كما قال، فخفضت عينيها، وقالت صحيح كل الذي قلت، وهي أول مرة منذ السنة التي سكنتُ فيها هذا البيت أعرفُ أن لون السيراميك كذا وعدده كذا، اجلب لي تأشيرة إلى أي مكان على وجه الأرض يكون لي مخرجًا لأخرج، وخذه دون أن تكسر بابه، فتبكي عليّ جدرانه. فتحت الثلاجة، وقدمت له ولأبنائه وأبناء أبنائه عنبًا وفاكهة، فاعتذر، وقال لها أما إذا ما أكلت، فاتركيني أقطف بنفسي، هذه شجرات غرستها بيدي، وأنا أريد أن ألمس ثمرها بأصابعي، فتركته يفعل، فقطف، وأكل، وأطعم، وفي طريق العودة إلى اللاعودة ظل طوال الطريق يبكي، ومات في اليوم التالي.
ولما جئت إلى أرض مسيجة مصادرة ليس فيها زرع وإنما عشب وعوسج يصل القامة، رأيت كهلاً آخر يشبه الأول، فكأنه أخوه التوأم، جذع يشبه جذعًا، إلا أنه من غير لحية ولا كوفية، كان قد راح وراح معه أولاده وأولاد أولاده يقطعون العشب، ويقلعون العوسج، ليزيلوا شيئًا من خدر الغربة والبعاد الذي سكن أكفهم وعَشَّبَ فيها وعوسج، فأتى جنود الكروبيم، وألقوا القبض عليهم. ولما سأله الضابط عمّ يفعل في أرض بور صادرتها الدولة مذ قامت الدولة، قال هي أرضي، وأنا ما أتيتها إلا ليأتيها أولادي وأحفادي من بعدي، لتعرفها ذريتي بعد مماتي، فوضع الضابط رأس مسدسه في رأس كبير أبنائه، وهدد: إن جاءها أينما جاءها كيفما جاءها قتلته برصاصة في رأسه! كنت قد تقدمت من رأس الضابط، وأطلقت رصاصة لم أطلب بشأنها إذن ربي ورئيسي، وهربت، وأنا لا أعرف طريقي. ظللت أجري، وألهث، أربعين يومًا وأربعين ليلة، إلى أن وقعت على أمي شجرة الدر واقفة وراء الحدود كالسيدة البيضاء التي سيبحث عنها أطفالي في جبال الألب فلا يجدون إلا خيالها. سألتها عن أمرها، فقالت لي هناك تجثم أراضينا، فقلت لها تعالي إليها، والقي عليها نظرة قريبة، فبكت، وقالت لا نظرة قريبة ولا بعيدة ما دام غيري فيها وإلا فهي نظرتي الأخيرة.
لففت أمي من كتفيها، ومشيت بها، ثم خرجت معها من التابوت، وغبنا في شارع الحرية.
12
أجلسني مراسل أبي مروان بن الحكم في غرفة معتمة كانت مبولة بعد أن جعلني أكتب اسمي على قصاصة مربعة، وتركني مع بعض أصحاب الحاجة وبعض الحراس المسلحين ليخبره بوجودي، وليأذن بعد ذلك باستقبالي. كان في يد كل حارس كلاشنيكوف يترك إصبعًا على زناده، هذا الفدائي السابق الذي كان على استعداد في أية لحظة ليَقتُلَ ويُقتَلَ، ليسقط شهيدًا كما كانوا يقولون! أيسقط شهداء في تونس المفتوحة للقروش؟ أيكون هذا شهيد مثله مثل ابن حواء اللعين الذي يسقط في طولكرم؟ أتجري له الشهادة لأنه يدافع عن أبي مروان بن الحكم الذي نقعني بانتظاره كالفاصولياء البيضاء في الماء ساعات دون حياء؟ رأيت حارسًا من حراس جحيم الأرض هؤلاء يخرج من جيبه كمشة دولارات راح يعدها، وهو يلعق إصبعه، والذي ما أن ينتهي حتى يعود إلى عدها من جديد، ولعق إصبعه. ورأيت حارسًا ثانيًا يضع رأس سلاحه في رأس بنت صغيرة اسمها كابنتي ويا للصدفة دينة الدنيا، وبفمه يقلد إطلاق الرصاص عليها، إلا أن أمها راحت تصيح به ليتوقف، "فالمزحة يمكن أن تصبح جدية"، فلم يتوقف، بل تابع دعاباته الخطرة دعابات عصابات شيكاغو والكويت التي لن تكون الكويت بعد حرب مدمرة ستجعل من كل العالم العربي الكويت وكذا لندن وباريس ونيويورك وريو دي جانيرو وداكار ومدينة الحرير والفسطاط التي رجعت الى عهد عمرو بن العاص. رأيت حارسًا ثالثًا يرمي بسلاحه المحشو بالرصاص على مرمى يد الصغيرة دينة أو أي مجنون أو منتقم من أجل أن يكتب على ورقة مجعدة تشبه صرصارًا بنيًا إلى أبي مروان بن الحكم طالبًا منه مساعدة فورية لأنه زعلان من زوجته التونسية التي خلته إلى أهلها، وهو يريد أن يرضيها بهدية لها وأخرى لوالديها. أما الحارس الرابع، فلم يتوقف عن تدخين سجائره الأمريكية في ذلك الجحيم، سجائر كان يطفئها قبل أن يصل إلى منتصفها، يسحقها كمن يسحق بزّاقًا رماديًا… وهكذا ونحن كلنا في المبولة ننتظر أن يأذن لنا أبو مروان بن الحكم بمقابلته. سمعت أم دينة تسأل صاحب المداعبات الخطرة إن كان يمكنها الانفراد بأبي مروان بن الحكم لأنها لا تريد أن تحكي له أمام ما هب ودب من الحاضرين عن أمورها الخاصة، فقال إنه يمكنها، وهو على أي حال ليس عنده أحد مهم عدا الصحافية المقدسية التي هي كل يوم عنده، ولماذا هي عنده؟ تدخل زميله الذي لا يتوقف عن عد الدولارات ولحسها دون أن يزداد عددها ببسمة ساخرة وغمزة ماكرة، وقال إنها كل يوم عنده لتسأله ما رأيك في هذه وما قولك في تلك، واكشف لي عن هذه وغط لي عن تلك، والبسمة تأتي بالضحكة، والضحكة تأتي بالكحكة… وخود يا بوس! إضافة إلى أن أبا مروان بن الحكم من أقرب الناس إلى الرئيس، والذي يقترب من أبي مروان بن الحكم يقترب من الرئيس! أكمل الحارس الأول وهو يهز سلاحه في وجه أم دينة ورب أم دينة: إياك إذن أن تعبأي بها أو بغيرها فأنت أم دينة الدنيا التي ذَبَحَنا لأجلها أُخوتها وبكانا أبوها… إلى أن جاءني الفرج من باب الفرجة بعد أن غدونا كلنا بهلوانات للناظرين. ناداني المراسل، فعتمت أمائر أُم دينة التي كانت قبلي. أردت أن أتركها تذهب بدلي، لكني كنت على وشك الإغماء من طول الانتظار والرائحة العطنة للمبولة، إضافة إلى أن الأمر ليس بيدي، فأبو مروان بن الحكم يختار من سيحظى بشرف مقابلته دون أن يأخذ بعين الاعتبار سنك أو جنسك أو ساعة قدومك.
أول ما رآني أبو مروان بن الحكم قادمًا عليه قاطعًا إليه مكتبه المستطيل الملآن بالأرائك على جانبيه كديوان أمير المؤمنين بادرني بالقول: لماذا لم تسافر؟ الكل سافر إلاك! لماذا لم تسافر كما قلت لك؟ قلت له قبل أن أصل إليه لأنني لم أسافر كما قال لي، سلمت عليه وجلست بين خمسة كانوا في صحبته أو ستة، وأوضحت أنني تركت له خبرًا عند نائبه اللقلق الحزين أعلمه فيه بأن الرئيس أمضى لي ورقة لصرف إقامتي، وأن يمضي الرئيس ورقة لصرف الإقامة لواحد يعني أنه بحاجة إليه. نبر أبو مروان بن الحكم، وهو يرتفع على عدد من المخدات، فلا يبين له طول ولا عرض مثل فُلَيفل بُحتُر: ولكنه يمضي للجميع الأوراق لصرف الإقامة! يمضي لهذا، ويمضي لذاك، ولا يدري ماذا يريد من هذا ولا من ذاك. جعلني أجمد في مكاني، همهمت: الرئيس يريد رؤيتي، يريد رؤيتي أنا.. . دون أن يسمعني. أمر: ارفع صوتك! فرفعت صوتي، وأعدت: الرئيس يريد رؤيتي أنا. عاد ينبر: ولكني قلت لك إنه لا يدري ما الذي يريده من أحد! وراح ساخرًا: "الوالد" كبر وصار يتعب بسرعة أعانه الله! ظننته يتكلم عن والده أو عن والدي قبل أن يضيف: الرئيس من تعبه لم يعد يدري يريد أن يرى من ومن! إذن لم يكن يتكلم لا عن والدي ولا عن والده. انحنيت للقب الذي أسمعه لأول مرة، وأحسست لأول مرة أن لا أبًا شرعيًا لي، أني هجين الثورة، بكل بساطة هجين! قال إن الرئيس لا يفكر اليوم إلا في افتتاح سفاراتنا في العالم، وهو محق، وفجأة: خذ ألف دولار واذهب أحسن لك. تمالكت عن غيظي، غيظ الابن اللاشرعي، وأوصدت فمي بقفل حديدي. كنت على وشك التقيؤ على مكتبه، مادت بي الأرض، ورأيت العالم فوقًا تحتًا وتحتًا فوقًا، والحاضرون معنا صاروا جِنًا. قلت: لن تحل مشاكلي العاجلة خمسة آلاف دولار بله ستة. قفزت الجن في حضني خيارًا، وراحت تلعقني، وتعضني، إلى أن قال أبو مروا بن الحكم: إذن خذ ألفين واذهب هذا كل ما أقدر عليه. مبلغ كبير مثل الذي تطلبه ليس بيدي وإنما بيد الرئيس، أنت تعرف جيدًا أن كل شيء بيده. قلت: أعرف من فنجان القهوة إلى بيت المقدس! استعدت قواي، ونبرت مصممًا أني سأنتظر الرئيس! أتراني كرة قدم؟! وأكدت أني سأنتظر الرئيس. شعرت أنه رئيسي وحدي، ومن حقي المطلق أن ألتقيه. ودون أن يكف أبو مروان بن الحكم عن قراءة الملفات التي أمامه ومهرها بتوقيعه والقفز على مخداته، علق بلا مبالاة أن لا أحد يمنعني من انتظاره إن شئت الانتظار. رفع رأسه إليّ، وقال دون حماس: فلتنتظره! هذا شأنك، فلتنتظره!
عرّفني أبو مروان بن الحكم على الصحافية المقدسية التي كانت قد قرأتني كما قالت وعلى بعض الذين كانوا عنده الذين لم يقرأوا حتى عناوين كتبي كما لم يقولوا، ثم قال لواحد يبدو أنه تحادث معه في أمري وله أمر مالي، فالكل ذو أمر وللكل أمره المالي: هذا هو الدكتور، وهو كما ترى يريد خمسة آلاف دولار ليحل مسائله العاجلة. عراني كما ولدتني أمي درة الدرر، فقلت في سري لديها حق أُم دينة، فيا للفضيحة! توجهت إليه وقد عادت الأرض تميد تحت قدميّ، أني معين بقرار من الرئيس في مركز التخطيط على أن أظل مقيمًا في باريس، ومنذ ستة شهور لم أستلم مخصصاتي. هل يمكن لأحد العيش في مزابل تونس ستة شهور دون أن يستلم مرتباته؟ وتلك باريس أخطبوط الدنيا! لكن الآخر بدأ يصرخ بل يستصرخ كل قروش الدنيا عليّ. قلت لنفسي غائبًا بعض الشيء هذا مجنون مال، وهو الدافع من جيبه مخصصات كل الناس! أعادني إليهم قوله: مبلغ كهذا تعيش عليه خمسون عائلة في مخيم من مخيماتنا التي في لبنان لما نعرف التدهور الفظيع لليرة بل وأكثر من خمسين عائلة! تدخلت الصحافية المقدسية إلى جانبي، هكذا أحسست على الرغم من أني لم أفهم موقع الثورة في كلامها حين قالت: كوادرنا شيء وأهلنا في المخيمات شيء آخر، هؤلاء وأولئك رائعون مثل ثورتنا الرائعة! وعلى الرغم من الحشو اللغوي لثورتنا وفوق هذا الرائعة كان في صوتها حنان القدس، وكان أبو مروان بن الحكم قد لاحظ توتر أعصابي، رآني على وشك الانهيار لولا الحنان أو لربما بسببه. ودون أن يتوقف لحظة واحدة عن قراءة ملفاته والتوقيع عليها والتلفنة لهذا أو لذاك، قال لي، وهو يرميني لأول مرة بابتسامة من عندنا، من عندنا هذا صحيح، ولكن لم أدر من أين من عندنا: لا ترد عليه، ولا تأخذ كلامه يجد! هل أقول له لم آخذ كلام أحد بجد، فأصدمه؟ بقيت صامتًا، كان الصمت سلاحي، قوتي وضعفي. أحس أني أواجه جيشًا من الحشرات الجبارة، فأحتمي منها بصمتي، ولا أصل إلى هزيمتها معي! رماني أبو مروان بن الحكم بنظرة، وهو يغمزني، فظللت محدقًا في العنكبوت الضخم، كنت مهدِّدًا ومهدَّدًا. قال أبو مروان بن الحكم: الرئيس سيتأخر، وهو وحده من يأمر بالمبلغ الذي تطلبه، اكتب له كلمة تشرح فيها وضعك، واطلب منه مساعدة بخمسة آلاف دولار، بل انتظر، اطلب عشرة، وهو سيعطيك أربعة أو خمسة. انطلق كل من في المكتب يقهقه، وعلق الذي لا ينام الليل، وهو يفكر في أهلنا الذين يموتون بسبب أشكاله الوسخين في مخيم عين الحلوة: لا تكشف عن أسرار الصنعة للدكتور، ولا تفضحنا! لا تعلمه طرائقنا! قلت له: لم أعد أستطيع تعلم أي شيء وهذا جهلكم الذي دخلت فيه بإرادتي! تجاهل أبو مروان بن الحكم كلامي، ولم أدر سبب تغيره اللامتوقع بين لحظة استقبالي ولحظة الحنو عليّ تلك: اطلب عشرة، وسنرسل طلبك فاكس على النقطة العسكرية في قبرص، وهم من هناك سيحولونه له أينما كان في العالم. تعملق وهو يعيد: أينما كان مكانه في العالم! قلت إن كان المكان بعيدًا بعد الهند، فالجواب لن يكون سريعًا، ليؤكد أبو مروان بن الحكم: سيأتي الجواب فاكس، فالرئيس لا يهمل مطلبًا واحدًا. اتصلَ بمسؤولة الفاكس، وشرحَ لها المسألة ببضع كلمات متقاطعة متداخلة متخارجة غامضة غاضبة.
عندما غادرت مكتب أبي مروان بن الحكم نظرت في مبولة الانتظار، فلم أجد أُم دينة. أطال أبو مروان بن الحكم عليها، فلم تطل بالها. ولما مررت لأسلم على صديقي غازي القلوب، محاسب السفارة، وجدتها عنده. رمتني بنظرة كره فيها كل السم الزعاف الذي تخبئه صيدليات تونس للمتطببين غير المتنبهين في جواريرها، فكأني العقرب الذي عض لها ابنتها، وأرادت منه الانتقام، حتى أن دينة هذه لكثرة ما قامت في المبولة وقعدت قد تعبت، وجاءها النعاس، فتركتها تنام كالملاك، وبسبب أُمها لم أضع على خدها قبلة، ولم أرمها بزنّار. قلت لغازي القلوب إني سأعود إلى رؤيته، فابتسم لي ابتسامة مشجعة غزت قلبي وروحي وكل كياني، وقال إنه سينتظرني. ذهبت مباشرة إلى الهاتف العمومي في شارع جمال عبد الناصر، وتلفنت لزوجتي سكر الملح. عاتبتها على عدم الاتصال بي، فقالت إنها كانت تتوقع عودتي كل يوم، فتمالكت عن غضبي، وطلبت التحدث مع ابنتي دينة الدنيا. قالت إن دينة الدنيا تنام، فقلت لها لا توقظيها، وأكدتُ عليها أن تطلبني هي في المرة القادمة. سألتني متى؟ قلت متى عاد الرئيس! وسمعت الشهقات المختنقة لأخي المحامي أيمن السيوف المنفي في زاوية من زوايا بطالتنا الدولية بانتظار أن أفعل لأجله شيئًا.




13
عدت أطوّف في جحيم الدنيا، فأبو مروان بن الحكم يحاور السفير الأمريكي، وفاكس الرئيس لم يأت، وكل الذين ينتظرون مثلي يتدربون على الركوع على قدميه كي يمضي لهم ورقة مال أو تعيين أو ترقية. رأيت ضباطًا أشاوس في ال17 يجرون، وموظفين كبارًا في الدائرة السياسية يلهثون، وصحافيين عظامًا في دائرة الإعلام الموحد يسعلون. كانوا كلهم بانتظار الرئيس مثلي، كانوا معه وفيه وله، ومع ذلك، كانوا كلهم ينتظرونه على أحر من جمر الغضى مثلي، كان كل واحد لا ينام الليل مثلي، وكل واحد لا ينام الليل مثلي، ولا ينتظر الرئيس على أحر من جمر الغضى راحت عليه.
كان كل واحد يقبع من وراء مكتبه عين على الباب وعين على الهاتف وتحت قدميه أوراق قضية القضايا القائمة واللاحقة وملفات البشر، يرقعها أو ينقعها، فقد تركوا أهلنا وحدهم للانتفاضة والانتفاضة لأهلنا. هناك الانتفاضة مرحلة ما قبل الدولة مرحلة الموت، وهنا الدولة مرحلة ما بعد الانتفاضة مرحلة التسلق إلى المجد. كانوا إذن يعيشون في عصر لاحق يسبقون فيه عصر أهلنا، فيا أهلنا تخلفوا من ورائنا، واتركونا نجدف في بحور دمائكم إلى دولة مناصبنا ومصائبنا!
هبت الريح في تونس، فقلت أنظر إليهم قبل أن يصيروا في خريفنا ورقًا ميتًا. رأيتهم يشترون الهريسة بتوقيع الرئيس، والزيتون الأسود بتوقيع الرئيس، والعنب الأسود بتوقيع الرئيس، والتفاح الأسود بتوقيع الرئيس، والرز الأصفر بتوقيع الرئيس، والخبز الأبيض بتوقيع الرئيس، واللحم الأحمر بتوقيع الرئيس، والقمر الأخضر بتوقيع الرئيس، وقمصانهم وبناطيلهم وستراتهم وغرافاتهم ومشدات كروشهم وضمادات شروجهم وكبابيد فروجهم وكذلك حرائر نسائهم ومعالق نسائهم وكلاسين نسائهم حتى الأمر بنكاحهن بتوقيع الرئيس، يشربون قهوتهم بتوقيع الرئيس، حلوة أو مُرّة بتوقيع الرئيس، إيطالية أو تركية بتوقيع الرئيس، ويأكلون معها الزبدة والعسل أو الزبدة والمربي أو المعجنات بالزبيب بتوقيع الرئيس، يملأون سياراتهم بالبنزين ليذهبوا إلى أشغالهم أو يقولون ليذهبوا إلى أشغالهم، وهم يذهبون إلى الشواطئ كالسائحين المحظوظين بتوقيع الرئيس، تلك السيارات التي اشتروها بتوقيع الرئيس، وبدلوها كل سنة بآخر موديل بتوقيع الرئيس، يدفعون إيجار بيوتهم بتوقيع الرئيس، وكذا إيجار خلواتهم في كل بيتٍ بغيّ بتوقيع الرئيس، وإيجار كاسيتاتهم المحرمة على من هم دون الأربعين بتوقيع الرئيس. لا ينطقون إلا بتوقيع الرئيس، ولا ينهقون إلا بتوقيع الرئيس، ولا يفرقعون إلا بتوقيع الرئيس، أما إذا أرادوا أن يبتسموا لعاهرات شارع الحرية، فإنهم سيبذلون لهن ابتساماتهم الوقحة على هواهم وطز في الرئيس وتوقيع الرئيس! كلهم إذن عن بكرة أبيهم، وفي كل الحالات ما عدا واحدة، مشنوقون بتوقيع الرئيس، أنفاسهم لا تقوم إلا بتوقيع الرئيس، وأحلامهم لا تكون إلا بتوقيع الرئيس، من تذكرة السفر في الدرجة الأولى إلى زيارة المراحيض لا بد من توقيع الرئيس. تعبيد فراشاتنا بتوقيع الرئيس، ولكن سب فراشاتنا لهم بغير توقيع الرئيس، أما رهن فراشاتنا عندهم فبتوقيع الرئيس. من فراشات الليل إلى فراشات النهار أو فراشات المواخير لا بد من توقيع الرئيس. قطع أجنحتها الملونة أو قطع رأسك البريء بتوقيع الرئيس. زرع رأسك في عنق غيرك كالغريب في عنق الغريب بتوقيع الرئيس. بيع النوم للمساجين الساهرين أو شراء الكوابيس بتوقيع الرئيس. قتل بعوضة ضخمة قرصت فيلاً قزمًا بتوقيع الرئيس. قص خدك الأيمن ثم خدك الأيسر وخد أخنك الجميل وخد أمك وخد أبيك وخدي طولكرم وجنين بتوقيع الرئيس. حتى أن تونس قد خرجت من ثوب غزة كما ولدتها فرنسا عارية، فكساها أهلها بتواقيع الرئيس، وصار أهل تونس يقفون بالصف مثلنا على عتبة قلم الرئيس!
نظرت في يدي إلى الوثائق الممهورة بتوقيع الرئيس وتوقيع حربي على أخيه وتوقيع خالد العمر أبي الوليد، قالوا لي تركوها معك متعمدين لتعود إلى صرفها ثانية، فيعطوك نصفها، ويأخذوا نصفها. قضمت دهشتي كما أقضم قرن فلفل أحمر، وقلت أذهب إلى المدعو حربي على مسالميه، وأستلم نصف ثمن تذكرتي التشارتر مرة ثانية بعد أن صرفت ثمنها الذي أعطوني إياه في المرة الأولى كاملاً، فأتصرف به صارفًا على تاكسيّي أو على قهوتي أو على ساندويتشي التونسي ريثما يعود الرئيس. أخذ حربي على مواطنيه يماطل، وأخذ يقاتل... رح وتعال، تعال ورح! وأنا أروح وأجيء، أجيء وأروح. اطلع وانزل، انزل واطلع! وأنا أطلع وأنزل، أنزل وأطلع. المسؤول عن الخزانة في البنك، ذهب ليعبئ الخزانة أو المسؤول عن البنك في الخزانة جاء ليعبئ البنك، بينما حقيبته السوداء التي رأيتها بأم عيني ملأى بالأوراق الخضراء والزرقاء والحمراء! كان صف من الناس مثلي يلطعه المدعو حربي بالساعات عرفت فيه قيادات لم يتعرف عليها ذاك الأشبه بالصرصار الأبرص في الوقت الذي تطالب فيه أمريكا برؤوسها مقابل عشرات بله مئات آلاف الدولارات: انزل واطلع، اطلع وانزل، تعال ورح، رح وتعال! عزمت على أن أروح وألا أعود أبدًا، قلت كلام الناس غير صحيح، ومن المستحيل أن يصرفوا لي ثمن التذكرة مرتين! لما خرجت من عند حربي على البشرية خرج لي من رصاص شمس تونس شخص عرفته من أول نظرة، قلت له: أنت ناجي العلي، فأخذني في الأحضان، وقال لي: أنت غير الذي أنت، ورحنا نصرخ سويًا: لا لكاتم الصوت! قال لي: اغتالوني وسيغتالونك! قلت له: الحياة لم تعد الحياة! بل أريدهم كما اغتالوك أن يغتالوني، فآتيك إلى عالم تكون الحياة فيه حياة! أنا أرسم وأنت تكتب أو أنا أكتب وأنت ترسم، نكتب ونرسم ونسخر بمن نشاء ما شئنا وكيفما نشاء! سألني غما كنت أفعل عند ابن أبي حرب على البشرية، فحكيت له حكايتي. أخذ أوراقي، وقال انتظرني، فانتظرته، وما هي سوى بضع لحظات حتى عاد إليّ ببضعة دولارات، وأعاد لي كل أوراقي، وهو يبتسم، ويقول: كانت حقيبته محشوة بشتى أنواع العملات الصعبة بالفعل كما قلت ذاك القرش الأسود! أهداني عنه رسمًا أضحكني كطفل، وطلب مني ألا أقول لأحد، لأنه يعمل ضابطا في ال17، سلم عليّ، واختفى في مرآة.
كان سيدنا إبراهيم الخليل قد خرج في اللحظة ذاتها منها، ومضى بي كهلاً مسنًا في عامه السبعين بعد السبعمائة، وهو يبحث عن شيء ظننته دولارات، فسألته: عم تبحث يا جدي؟ قال: أبحث عن الانتفاضة. قلت: الانتفاضة لم تصل تونس بعد. قال: بلى! وهم قتلوا لي ابني إسماعيل الذي أريد أن أثأر له. أوَ تعرف أينه إسحق الذي هرب من سجن الخليل، ويعيش الآن مطاردًا في جبال أدمة القرطاجية؟ قلت: رأيته لآخر مرة في المرسى قبل أن يقتلوه في سريره، ويفرغوا كل أسلحتهم في جسده خوفًا من أن ينهض من الموت كالعاصفة الساخطة على الدنيا! بكى سيدنا إبراهيم الخليل إسحق، وقال: سأثأر للاثنين، لولدي إسحق ولولدي إسماعيل قبل أن يلقوا القبض على ولدي الثالث في تل أبيب وفي حوزته أسلحة ونار للمجد والدمع. قلت: لم أكن أعرف أن لك ولدًا ثالثًا. قال: لي ثالث ورابع وخامس، كل واحد منهم اسمه إسماعيل وكل واحد منهم اسمه إسحق، ثم كشف: استدعاني الحاكم العسكري لتونس، ورفضت الذهاب، فضلت العيش هاربًا إلى أن قبض الجيش عليّ، فقضيت في زنزانة لم أرَ فيها وجه الله القدير أربعين يومًا قبل أن يحكموا عليّ بالسجن ستة أشهر في معتقل النقب. مسح سيدنا إبراهيم الخليل دمعة سالت على خده، وأضاف: أما أمك هاجر أو سارة، أمك سارة أو هاجر، فقد جذبها الجنود من شعرها ليخرجوها من بيتنا الذي هدموه بالبلدوزر، فصار شعرها في قبضاتهم حريرًا أجمل من حرير دمشق! قلت: سأظفر لك بتوقيع الرئيس حالما يرجع ليرغمهم على الثأر لأخويّ! مسح سيدنا إبراهيم الخليل عن خده دمعة ثانية، وسألني عن موقعي بين بنيه إن كان الرابع أم الخامس، وسألني عن اسمي بين أسمائهم إن كان إسحق أم إسماعيل، فقلت: أنا ولدك السابع، اسمي إسماعيل واسمي إسحق واسمي حنظلة.


































14
أخذني أبو الهيثم لا أخلف الله عليه في الأحضان كما يأخذ قرنبيطًا، قدمني لبعض الكتاب العرب المترامين على الكنبات كالفروج الرخوة، فحياني بعضهم ببرود صقيعي، وبعضهم الآخر بحرارة صحراء الكلمات، وراح بي مدحًا وتعظيمًا، وأبو الهيثم لا أخلف الله عليه يعيد ويزيد من ورائهم. قال لي: سأمر عليك الليلة، انتظرني في الفندق تمام الثامنة. سآخذك إلى مطعم شعبي لنتعشى، ونتحدث. شحن صوته بكل الحرارة الباذنجانية اللازمة لئلا أتذكر ما فعله فيّ المرة السابقة، والمرة السابقة للمرة السابقة، لكني لم أعمل أي اعتبار لكلامه. نسيت ما قاله لي بعد ثانيتين من تركي له، وعلى الخصوص التوقيت الذي حدده ب "تمام" مثل رجال الساسة المهمين موهمًا إياي الالتزام به. كنت قد استدرت بدافع عفوي أو بالأحرى عضوي، فرأيت الكتاب العرب يتغامزون، ويتضاحكون، وهم يشيرون إليّ، وسمعت أحدهم يقول عني "يكتب كالمستشرقين"، ويقهقه. ولأحمي نفسي منهم دخلت في "مهبل" أبي، وأغلقت عليّ الباب بإحكام.
بعد عدة ساعات، ذهبت لأرى أبا الطيب الذكر، فوجدته لم يزل مريضًا. وعلى الرغم من وضعه سألني عن وضعي، قلت "زي الزفت"! قال: الرئيس في طريق العودة، اذهب اليوم عند أبي مروان بن الحكم لتهيئ معه لقاءك به. وصلنا صياح انفجر فجأة بين دكتور الآثار والنفوس والرسام الموهوب ثم انطلقت شتائم من فم دكتور الآثار والقلوب باتجاه الشويعر الدحبوري، فتناول أبو الطيب الذكر كمشة من حبات دوائه، وابتلعها دفعة واحدة. قلت له: الدكتور ذو أخلاق عالية لم تنجب امرأة فلسطينية له أخًا، والرسام الموهوب أجده ودودًا بشوشًا، فتمتم أبو الطيب الذكر: والحالة هذه ابحث عن ثالث تجده من وراء كل هذه المصائب! سألت: الشويعر الدحبوري؟ ابتسم أبو الطيب الذكر بمرارة ثم عبس: هو أو غيره كلهم سواسية كأسنان المشط! تبدى لي الشويعر الدحبوري، وهو يفتح فكي أسد بيديه إلى أقصاهما حتى طقطقهما، فتفجر منهما دم راح يعبه دون أن يروي ظمأه ثم صعد على كرسي عال، وراح يقهقه كالمصروع، وتحت قدميه رمى دكتور الآثار والنفوس والرسام الموهوب وأبا الطيب الذكر وأبا الهيثم لا أخلف الله عليه وأبا منيف الأنف الوطيء والشاعر المبدع والقاص الطللي، فانتفض أبو الهيثم لا أخلف الله عليه، ورمى الشويعر الدحبوري أرضًا، وصعد على الكرسي العال. انتفض أبو منيف الأنف الوطيء بدوره، ورمى أبا الهيثم لا أخلف الله عليه تحت قدميه، وحطم الكرسي العالي ثم تسلق كرسيًا أعلى، جاء بأسد أكبر من الأول، فتح فمه، ووضع رأسه بين أسنانه، وملك الغابة يرتعد فرقًا، ممتنعًا عن قضمه، فانطلق أبو منيف الأنف الوطيء يقهقه كالمصروع، وللرعب الذي استبد بالأسد، خر على قدمي أبي منيف الأنف الوطيء، وأصعده على ظهره، فصعد على ظهره ثم على كتفيه ثم على رأسه متباهيًا متهايبًا، وعندما جاء الرئيس يسأله عن مصير غيره قال لا أعلم، أحارس أنا لغيري؟
انتظرت في مبولة أبي مروان بن الحكم إلى أن أذن لي بالدخول عليه، وبادرني بنفس سؤاله، وهو لا يرفع رأسه عن ملفاته التي لا يتوقف عن مهرها بتوقيعه كالفقوس الآلي: أنت لم تزل هنا؟ لماذا لم تسافر؟ الكل سافر إلا أنت! لماذا لم تسافر كما قلت لك؟ الوالد لن يتأخر أكثر مما تأخر، ولكنه إن عاد، فسيكون مشغولاً، عائلته كبيرة، فماذا يفعل؟ قلت أنا أيضًا واحد من أبنائه، أم أن له أبناء وأبناء؟ أرسلت له الفاكس الذي طلبت مني إرساله، ولم يأتني جواب إلى اليوم، واليوم طويل في تونس، أطول يوم في التاريخ، وقد مضت أيام تلو أيام! قال ككوز الصبر الذي لا شوك فيه، كالجذع الذي لا حياة فيه، كالحجر الذي في يد طفل قبل أن يلقيه: لا داعي إلى انتظار جواب منه، فهو سيعود غدًا. لم أُبدِ أي ردّ فعل فوري، تابعت أصداء كلماته، ثم أطلقت نفسًا مرتاحًا، وأنا التفت من حولي، فأرى الصحافية المقدسية جالسة دومًا في مكانها، وكذلك بعض وجوه عرفتها من المرة الماضية مضت في ذاكرتي كالخيار، وأخرى جديدة أراها لأول مرة. كانوا يتحدثون اثنين اثنين أو ثلاثة ثلاثة، ومن مرة إلى أخرى كان أبو مروان بن الحكم يتدخل معلقًا على قول هذا أو ذاك متابعًا كل صغيرة وكبيرة تدور في مكتبه بينما يقول الناظر إليه إنه غارق في أوراقه. أما عني، فقد كنت لا أسمع كلام الحاضرين، وإنما أصداء كلامهم، وأنا أقول لنفسي "اقترب الفرج بعد طول الانتظار"! ألم يقل لي أبو مروان بن الحكم إن الرئيس سيعود غدًا؟ غدًا في أيى ساعة؟ في الصباح؟ بعد الظهر؟ في المساء؟ لا يهم متى ستكون عودته، المهم أنه سيعود غدًا، وأني سألقاه على أبعد تقدير بعد غد، بعد أن يرتاح من سفره الطويل.
توجه أحد القاعدين إلى أبي مروان بن الحكم بيا سعادة السفير! فانتهره هذا: لماذا تخاطبني بيا سعادة السفير؟ لست منذ اليوم سفيرًا! الذي كان على هذا الكرسي قبلي كان سفيرًا! امحى الرجل كاللفت الخرع، وأبو مروان بن الحكم يحاول الصعود على مخداته أكثر ما يستطيع. إذن أنا سفير قبل أن أكون سفيرًا، منذ أن تأسست السفارة، قبل الإعلان عن الدولة وتدشين الرئيس سلسلة السفارات التي تعرفها أنا سفير! لكني أول سفير فلسطيني رسمي إن لم يكن في علمك! همهم الرجل: في علمي، يا سعادة السفير! قلت في سري: هذا الخرع مُصِرّ على التعلق بأذيال "سعادته"، فلم يعلق أبو مروان بن الحكم، وهو ذاهب في توقيع تلو توقيع. أتاه المراسل بالقصاصة المعهودة التي عليها اسم أحد المنتظرين في المبولة، فأخذ يؤنبه لأنه لم يكن أول الآتين إلى السفارة ليهوي له مكتبه، فالنوافذ تقفل مع قدومه لإجراءات أمنية. ولأول مرة لاحظت أن النوافذ مقفلة، وكل هذا الضوء المجتاح للمكتب اصطناعي. ثغا المراسل، فعرفت من لهجنه أنه تونسي، وأبو مروان بن الحكم يهدد بقص شاربه في المرة القادمة، وطرده، ليذهب إلى شارع فلسطين يشحد من سياح فندق ابن خلدون كي يطعم أولاده، فليأت له بواحد مثله، يعمل عمله، ويأخذ مرتب الوزير التونسي الذي يأخذ! أطعمناكم، وأغدقنا عليكم، ودفعنا لكم الدولار تلو الدولار، ولا تأتمرون بأمرنا! أمره بإشارة غاضبة من يده أن ينادي على زميله غير عابئ بالمنتظر الذي في المبولة ولا بغيره من المبولين، وبقي كذلك دون أن يرفع رأسه عن أوراقه التي لا يتوقف عن مهرها بتوقيعه. ذهب مراسل، وأتى آخر. وقف بذل بين يديه، فأخذ به هو الآخر توبيخًا لأنه لم يهوّ مكتبه، وختم معركته الأحادية الجانب بأنه سيخصم من مرتبه عشرة أيام هذه المرة، وفي المرة القادمة سيضعه في أول طائرة هو وكل أفراد أسرته، وسيسفرهم إلى مخيم عين الحلوة ليعيشوا في الذل والهوان هناك أحسن لهم. قلت هذا مراسل من عندنا وذاك مراسل من عندهم وكلاهما في الهم واحد.
أتوه بملفات أخرى رفضها، قال لم يزل عنده ما يكفيه منها إضافة إلى أن لديه موعدًا للحوار مع سعادة السفير الأميركي، قال "سعادة السفير الأميركي" بنبرة فيها الكثير من الخيلاء والعظمة.‍ سألت عن فائدة مثل هذا حوار محدود لا آفاق له، وقلت: الحوار خدعة للتمويه ولخنق الانتفاضة. أتظن أن الأمريكان سيعملون بومًا لصالحنا؟ تلعثم أبو مروان بن الحكم، قال عدة جمل غير متناسقة دافع فيها عن الحوار ثم أنهى: ليس في صالح أمريكا ألا تحل المسألة الفلسطينية في الظروف الحالية. كلمته كلمتين بالإنجليزية أقول فيهما يا سلام أتعرفون الآن صالح أمريكا من طالحها وصالح أمريكا في إنهائنا؟ قال: لا أعرف الإنجليزية ولا أية لغة أجنبية. وأراد أن ينهي الحوار حول الحوار، انتقل فجأة إلى عمليات الكوماندوس التي تكررت في جنوب لبنان، وهدد متقمصًا شخصية الرئيس: يجب أن تتوقف كل العمليات لأن ذلك يؤثر على نفسية الانتفاضة: أردت أن أقول له بل لأن ذلك يؤثر على نفسيتكم! رفع عينيه عن أوراقه وملفاته، وانتظر دون أن يرفع هاتفه الذي راح يرن، وأنا أراه يقعي على مخداته في ظل الرئيس، حتى أنني لاحظت ما بينهما شبهًا مذهلاً، فقلت لنفسي "من أشبه أباه فما ظلم"! سمعته يقول غير متلعثم هذه المرة: الإسرائيليون يقتلون أفراد كل كوماندوس عن بكرة أبيهم مما يجعل معنويات شعبنا في الحضيض، وكذلك معنويات الأم البلعاوية العظيمة التي ضحت وتضحي وستضحي بكل أبنائها! رفع الهاتف، وأنهى: يحب إيقاف كل العمليات بالقوة إن أحوج الأمر، أيام لبنان كنا نذبح الذين يقومون بعمليات دون أمر منا، كان الرئيس يعطيهم إنذارًا أول، فإن لم يرتدعوا أمر بقتلهم! ثم سمعته يقول لمحدثه إنه غير مشتاق له، وهو واحد واطي، وانتهازي، لأنه لا يتلفن إلا متى أتى الرئيس! لم يأت بعد، طائرته تستعد للإقلاع، فاعتبره أتى، نعم، سيعود غدًا مثلما أعلمك بصفتي الرسمية، مبسوط أنت الآن؟ وأغلق الهاتف وهو يحاول التوقيع على أوراقه الأخيرة بأقصى سرعة. وما توقعت أن يهمهم باتجاهي دون أن تعني همهمته بالطبع أن في الأمر سرًا يخفيه عن الموجودين: اسمع مني، خذ ألفي دولار، واذهب! هذا كل ما أستطيع عليه، هذا هو الحد الأقصى الذي لا يمكنني تجاوزه. وفجأة، إذا به يقفز عن مخداته، يلوّح بفاتورة، ويصيح على الهاتف: إيجارات فنادق فوق العشرين ألف دولار! في المرة القادمة حتى ولو كانوا أرباب رب القيادة قل للهيلتون ألا يقبلهم! مهر بتوقيعه الورقة، وعاد يتوجه إليّ: أما الذي جئت من أجله، فاعتمد عليّ كأخ، سأحله لك مع اتحاد الكتاب. تفاجأت: مع اتحاد الكتاب! ما علاقتي باتحاد الكتاب؟ في الوقت الذي دخل فيه الشويعر الدحبوري، وأبو مروان بن الحكم يضيف: سأحل لك كل شيء مع الاتحاد ومع دائرة الثقافة ـ وهو يسلم على الشويعر الدحبوري ـ أليس كذلك يا شويعرنا؟ لم أعط للشويعر الدحبوري اهتمامًا لأني أعرف حدود إمكانياته، وبدا أن هذا قد فهم كل شيء، فوافق، وأكد أنه بالفعل غير راديكاليّ كأبي السيئ الذكر الذي يريد تحرير فلسطين كل فلسطين، منبطح ككل المنبطحين! انتهره أبو مروان بن الحكم أن اسكت يا شويعر، واخرس، فنحن في ماذا وأنت في ماذا! راح الشويعر الدحبوري يلوح بجريدة "الصباح" التي كتب فيها مقالاً، وقال مرتعبًا إنه لم يقصد سوى تكرار ما هو بديهي، وتفتف في الأخير: أقلت شيئًا أزعجك؟ وانضرب بحذاء زوجته، فهو يعجبه أن ينضرب بحذائها. انتهره أبو مروان بن الحكم من جديد أن اخرس يا شويعر، وانضبط، فليس هذا وقته: أنت تزعجني على الدوام ولكني لا أجد أحسن منك! وابتسم له، فابتسم الشويعر الدحبوري، وانفردت أساريره. عرض مقاله على أبي مروان بن الحكم، فقال إنه قرأه، وهو لا يقدم ولا يؤخر شيئًا. أشار إليّ، فبان على وجه الشويعر الدحبوري الضيق: الدكتور زعلان لأنه لم يكن مع كل الذين كانوا في "اللوتس"، نشرتم قصة أو أكثر للكتاب الفلسطينيين بمن فيهم أنا أقل الكتاب الفلسطينيين كتابة ما عداه. لم ينتظر من الآخر جوابًا إذ قال لي إنه لم يزل ينتظر دراستي لمجموعته الثانية مثلما درست مجموعته الأولى، ثم نظر إلى الشويعر الدحبوري الذي قال بدهشة: الدكتور يكتب القصة؟ والله لم أكن أعلم أن الدكتور يكتب القصة! قرأت له بعض القصائد، ولكن في القصة لم أقرأ له شيئًا. قلت كتبت في كل شيء إلا الشعر، وفي القصة لي مجموعتان صادرتان في تونس البلد الذي أنت فيه منذ سنين! تظاهر بعدم الفهم معتذرًا: والله لم أكن أعلم، والآن أعلم، ولك مني عهد أن تكون لك قصة في طبخة اللفت القادمة. نبر أبو مروان بن الحكم، وهو يوقع على آخر شيك لنفسه ـ 50% من ميزانية السفارة كما هو معلوم لدى الجميع ـ ويلقي قلمه في الهواء دون أن ينجح في تلقفه: أما الآن فقد علمت بعد أن أخبرناك، وستنسى. التفت إليّ، وقال: فهو ينسى كل شيء لا يريد أن يذكره! ذهب الشويعر الدحبوري إلى أذنه، وراح يهمس، ويهمس، وأبو مروان بن الحكم يقول بأعلى صوته: سيكون لك كل شيء، فلا تقلق من هذه الناحية، كلمت الرئيس في الأمر كما تعلم، وهو موافق، ما تبقى توقيعه. كان لا ينظر إلى أحد، وإنما باتجاه واحد، اتجاه الصحافية المقدسية، يبتسم لها، والصحافية المقدسية تبتسم طوال الوقت له، وتقول " ما أروع ثورتنا!" إلى أن نهض والشويعر الدحبوري لم يزل متشبثًا بأذنه، فنهضنا كلنا. سرت بضع خطوات إلى جانبه، فقال لي: لا تغادر غدًا فندقك، انتظر مكالمة مني. راح يجري، وينادي، وهو في الممر، على مساعديه، ليأخذوا مرة أخرى وأخرى اسم فندقي ورقم حجرتي ورقم هاتفي، فجاء نائبه اللقلق الحزين، وأخذ ما طلب للمرة العشرين، وأبو مروان بن الحكم يكرر عليه ويكرر إلى أن افرنقع. لا أدري لِمَ فكرت، وأنا أمشي كالدائخ، في معسكر أنصار 3؟ كانت رائحة معطرة من جنائن البلفيدير تأتيني، فلا أشمها، وأشم رائحة عرق المعتقلين النافذة، وكان انتشار النتانة من حفر التغوط الجماعية المقنن الذهاب إليها بصرامة مثله مثل نظرية الفيض أو التعبير عن السلطة سببًا متواترًا للضجر والخوف والمغص والإسهال والغثيان.














































15
لم أنتظر بالطبع أبا الهيثم لا أخلف الله عليه كما طلب مني الانتظار، كان بعض الكتاب العرب قد نزلوا في الفندق الذي أنزل فيه، وراحوا في هرج ومرج يقومون ويقعدون ويجأرون وينهقون، فقلت أهرب من سحنهم الدميمة. رأيت اثنين منهم مناضلين مغربيين على الباب بصحبة مومسين، ولحق بهما اثنان آخران مناضلان لبنانيان معروفان، أخذوا سيارة أجرة، وانطلقوا، بعد أن رموا المومسين على أفخاذهم، وهم يقهقهون، ويصرخون، وذابوا في أضواء شارع الحرية.
وأنا أقف مترددًا على الرصيف، وجدتني مطوقًا بجدران صندوق للعجائب، لم أكن متفرجًا، كنت واحدًا من المشخصين الخياليين لحكاياته. اقتلعنا أنا وسكان قرية بيتونيا عشرات الأشجار عقابًا لنا لأن أطفالنا رموا جنود الكروبيم بالحجارة والأقواس، وفي بيت عور أجبَرَنا الجيش البريء من دمنا على قطع سبعين شجرة زيتون بعمر المسيح لأسباب الإمارة، ولليوم الثالث على التوالي وُضعت قريتنا جانيا تحت التفتيش الدقيق بينا انطلقنا نتظاهر في مخيم الأمعرى، أما في البيرة ورام الله، فقد تحركنا كالشجر في الخريف، فوُضع الريح أخونا تحت الحصار العسكري.
جذبتني يد الزمن إلى أيام بيروت، في صيفها الكريم وجدت نفسي، وعلى رصيفها السويسري رحت أمشي، كانت بيروت لم تزل بيروت، كانت بيروت لم تزل عصيرنا وحمصنا، من بحرها خرجت للرئيس حورية أحبها، أتكون له ميزة البشر في العشق والغرام وميزات الآلهة؟ رأيته جميلاً قويًا عاريًا، ورأيتها في حضنه أجمل حورية جاءت من البحر إليه، فسماها حورية بيروت، وغنى لها أغنية للتي لن تموت. قبلها من فمها، وجعلها امرأة كسائر النساء التي أحبها من قبلها، أجمل امرأة ببن النساء وبين يديه. قال لها أحبك، وإني أحب للمرة الأخيرة! التقطها من ثديها الأول، فتأوهت، وأعطته ثديها الثاني، فالتقطه كابنها الثالث الذي ليس لها، ومشى بأصابعه على ظهرها وخصرها واليتها، كان يقطر بالرغبة شهدًا فيها، فأقامته بين فخذيها، وتركته يجامعها، فماتت السياسة، وكل الساسة ماتوا، انتهى قتالها، وبدأ قتاله. كانت القدس تريد أن تسقط منه حبلى، فعرق لأنه بذل جهدًا كبيرًا، ولم بتوقف عن الهمس لها في أذنها أيا حبيبتي! أيا حوريتي! أيا توت عيبال في شفتيك، وتينات جرزيم في حلمتيك! أيا نار غزة في البرد! كان قد قذف فيها منيًا كثيرًا، ومع ذلك، فقد ظل يرغب فيها، في ثغرها، وفي ثديها، وفي فرجها. تقلب بها، وصار حصانًا جعلها تمتطيه، ونهض بها، وهو يصبو إلى عجز النهوض بها لحظات لم يبدع الحب مثلها لا في الروايات ولا في الأساطير، لا يريد أن تصير في رواية أو أسطورة كان عهدنا بها من أيام الإغريق إلى الرُّمَّان في القدس الشريف أو في ظلال حرم إبراهيم الخليل عليه السلام! كان الرئيس يقبل ولا يشبع من القبل، يتأوه ولا يرتوي من التأوهات، وكانت حورية بيروت قد راحت تعطيه كل ما في جسدها من عسل ورعشات إلى أن أشبعته لفترة من عمره كانت قصيرة. اختصرت الزمن من الفنيقيين القدامى إلى الفنيقيين الجدد. ولما نظر إلى عينيها، وهو ينظر إليها، ولا يرى غيرها في الوجود امرأة يغير عليها، لاحظ أنها تحاول منع دمعها والبكاء، ثم انفجرت باكية بين ذراعيه بكاء الحاصباني وبانياس، فراب الرئيس ريب ربيب الأرباب. أراد أن يحفظ حبه من ملح حبه، وأن يعرف الأسباب، ولم يلح عليها كثيرًا لأنها اعترفت له أن في ثدييها سرطانًا قد انتشر منهما إلى كل جسدها، فلا قطعهما ينفع معهما، ولا إرادة شجرة الحياة. انفجر الرئيس يبكي كالطفل الأول الذي ليس لها، راح يجمع بكفيه ثدييها، ويلطم بهما وجهه دون الرغبة التي كانت له أو التي ستكون، وإنما اجتاح قلبه عجز المحب ويأس المشتاق. قالت حورية بيروت حتى العودة إلى البحر لن تفلح في شفائي! وأنا أيضًا رحت أذرف مر الدمع، وأردت العودة إلى زمن تونس، إلى انتظاري للرئيس، فأهوَن عليّ انتظاري له من كل هذا ألف مرة رغم قتلي البطيء. وبينما كنت إلى رصيف شارع الحمراء أمشي مودعًا الأحمر الخائن، رأيت حورية بيروت، حبيبة الرئيس، وهي على وشك الركوب في سيارة مرسيدس لم تكن مصفحة للذهاب لم أكن أعرف إلى أين. بدت أجمل بيروتية، وأثرى امرأة، وأسعد سمكة، فهل كانت تعرف، وهي على فراش الرئيس، أن لحظتها تلك كانت أجمل وآخر لحظاتها؟ تقدم منها بعض المسلحين، واغتالوها، فهل كانت تعرف إلى أين ستذهب؟ هل كانت تريد؟
تركت الرئيس يبكي كألف طفل قبل أن يعود رئيسًا، وغادرت صندوق العجائب إلى دنيا العجائب.










16
جلست في غرفتي منتظرًا هاتف أبي مروان بن الحكم مثلما قال لي، وعرفت من التلفزيون أن الرئيس قد وصل ليلة أمس، فقلت من دافع الذكاء والحذر أن يعلم كل الناس بقدومه في وقت ويكون قد جاء في وقت آخر، وهذه صفة من صفات كل زعيم مهدد 24 ساعة على 24 ساعة. رحت أذرع غرفتي جيئةً وذهابًا، اكتشفت ضيقها، فضغطت عليّ بأثاثها. رميت جسدي على السرير، وحدقت في السقف، وفي ستائر النافذة المسدلة إلى منتصفها، وفي الجدار. كان التلفزيون مفتوحًا، ولكني أوطأت صوته حتى خنقته، وأنا ألقي على صوره الخرساء نظرة من وقت إلى آخر. كانت كل حواسي مركزة على رنين الهاتف الذي أنتظره، ودقات قلبي حين يرميني تحت أحذية المهودين في باب السلسلة وباب الخالدية وباب السرايا وشارع الوادي وحي السعدية، حين يقتلون زوجتي القانطة ملح الملح لأنها رفضت أن تهجر بيتنا في القدس القديمة، حين يقيمون في بيتنا مدرسة تلمودية، حين يُصَلون في الطريق، حين يخطبون خطب المستفزين، حين يدعون إلى الهدم والتخريب، إلى الضوضاء وإقلاق راحة النائمين، إلى حفلات المواعين، إلى الإزعاج والتنكيد على المارين، إلى كب الفضلات على العتبات أو على العابرين، إلى إغلاق القنوات ليفيض الماء في ديارنا التي بنا تفيض، إلى الترحيل بعد حريق... أتاني بكاء وليد من الغرفة المجاورة، ثم عرفت أنه مات مختنقًا لتنشقه غازًا مسيلاً للدموع.
صار الوقت ليلاً، ولم يأت هاتف أبي مروان بن الحكم كما وعد بهاتفه الذي سيأتي، قلت ما هو سوى أول يوم لعودة الرئيس، وهو في ألف شغل وشاغل، فمن أين لي أن يفرضني عليه أبو مروان بن الحكم الذي ينزل عنده أو لربما ينزل عند غيره، فالكل يعرف بوجود الرئيس ولا أحد يعرف أين الرئيس! كنت جائعًا، فنزلت لأتعشى. وجدت في المطعم زعران الكتاب العرب المناضلين المعروفين يأكلون أغلى الأطباق بنهم مدينة جوعى، ويشربون، ويتصايحون: يا فلان! ويا علان! أين فلان؟ وأين علان؟ تعال يا فلان، وأبدًا رح يا علان، فهم يبحثون عن بعضهم في صحون بعضهم، ووقت الجد عندهم تجدهم يتهامسون في آذانهم: خذ، واقبض، واكتب، واطبع، وقل، وكل، وافرح، واطرح، وهذه المجلة، وذلك الكتاب. يتراكمون على أي مشروع فيما بينهم كالذباب، لا دخيل عليهم إلا ويطردونه طرد آدم إلى جهنم أو يعزلونه أو يحاربونه بالموقف السلبي من كتاباته إن لم يقدروا عليه.
أردت العودة إلى غرفتي لآكل وحدي بين أربعة جدران، هكذا أفضل، لكني وجدتني أجالس رجلاً شاب شعره يبدو عليه الوقار. كان ينظر إليّ، وهو يلقي عليّ ابتسامة ليست مبهمة، وكأنه قرأ أفكاري. سألني إن لم أكن فلسطينيًا أنتظر الرئيس، فقلت بلى، وإن لم أكن كاتبًا، فقلت بلى، كيف عرفت؟ قال من نظرتك المليئة بالقرف إليهم، وأشار بإصبع تعب إلى الكتاب العرب. وفي اللحظة ذاتها، لمحت أبا الهيثم لا أخلف الله عليه يدخل قاعة المطعم، وهو يفغر فمه عن أسنان الحصان التي له، فارتبكت، لأني ظننته آتيًا ليلقاني، لكنه اتجه مباشرة إلى الشلة المبدعة، وراح يقبل، وراح يسلم، وراح يداعب، وراح يعانق، ولما انتهى من مجاملة الجميع، خرج بصحبة شويعر لبناني، والرجل المجالسني يبذل دومًا ابتسامته غير المبهمة إلى أن سمعته يقول: كان الخروج من وراء سراب اسمه الدولة، فيا ليتنا لم نخرج, ومتنا كلنا عن بكرة أبينا، ونحن نقاتل أشرف لنا.
عرفني بنفسه، بأنه من ضباط حصار بيروت الذين تكلم عنهم العدو، وأثنى على حذقهم القتالي. رأيته ينطلق من إسار بسمته الواضحة ليضحك بثقة، وليحلق مثل طائر ينعشه التحليق، ثم يسقط فجأة في ذل تونس ومطاعم فنادق الدرجة الأولى فيها. رمى نظرة يائسة على طلائع الكتاب العرب الناهقين الناعقين، وكأن كابتًا كان يعيق لديه حرية النشاط والتعبير. كان قد توقف عن الأكل، وأنا قد ازدردت لقمة أو لقمتين قبل أن أسمعه يقول: ألقوا بنا في مهاوي الجحيم بعدما خرجنا، قسم بعثوه إلى أقاصي اليمن، وقسم إلى وهاد ليبيا التي على حدود التشاد أو إلى أفاعي الجزائر في الصحراء أو إلى تماسيح السودان في قلب الغاب، كل واحد فينا أصيب بصدمة أو بانهيار أو بضربة شمس، لكن الأشد شقاء أن لا يستقبلك بواب في تونس أو أن يصرخ فيك قواد أن الزم مكانك، نحن الذين كنا نعطي الأوامر بشرف المقاتلين، وكان النصر على مرمى طلقة من بنادقنا، نحن الذين كان العالم يهتز على خططنا في القتال والعدو يثني على شجاعتنا تجدنا اليوم نعامل كالكلاب المريضة، أما عني، فالصدفة فقط هي التي أوجدتني في أفخم فندق في تونس، لأن أحد الشبان الرائعين القليلين الأواخر من الباقين قد رأى كيف عوملت وكيف أُهنت، فانبرى لهم مدافعًا عني، وأرغمهم على تطبيبي، ثم أرغمهم إلى صرف إقامتي في هذا الفندق ريثما ألقى الرئيس، وأحكي له عن الذي نحن فيه.
مر من أمامنا أبو رُهم، وهو يحجب عنا وجهه، فأشار الرجل الأبيض الشعر والقلب إليه، وقد عاد يرسم على شفتيه ابتسامته غير الغامضة: وها أنت ترى أن أبا رُهم الجاسوس لم يزل قائدًا معززًا مكرمًا‍ يعرص، ويتعرص كما يحلو له!‍‍ إذن الأمر صحيح، إن أبا رُهم جاسوس، وما قاله لي عبد العزيز شرف فلسطين لم يكن من بنات خياله. أذهلني حين قال إنه هو الذي قتل أبا جهاد،‍ رميت شوكتي وسكيني، وصحت: ماذا؟ هو الذي قتل أبا جهاد!‍ تبدى لي أخي يقتل أخي وأبي يقتل أبي! قال: أعطى للمتسللين من الموساد وللسفارة الأمريكية كل المعلومات التي تلزمهم عنه، وليلة الغزو، فقد كانت ليلة مقتل أبي جهاد ليلة غزو لتونس، كان أبو رُهم معهم، وضباط توانسة كانوا معهم، أما أبو الهول، هذا القائد الآخر المكرم المعزز، جار أبي حهاد الحائط بالحائط، فقد نام باكرًا في تلك الليلة. أجروا تنفيذ كل شيء، ولم يصح من نومه إلا على هاتف من الولايات المتحدة، أيقظه صحفي ليخبره أن أبا جهاد قد قُتل، فقال عنها مزحة، ومتى يأتي الصباح سيذهب، وسيتأكد. أقفل الهاتف في وجه الصحفي الذي لم يتوقف عن الصياح والاستنكار، وذهب ليكمل نومه.
أترى؟ كلهم قتلوا أبا جهاد، إما أنهم ساهموا مباشرة في قتله وإما أنهم تواطئوا مع قاتليه... أبو جهاد فجر الانتفاضة، صارت له شعبية كبرى، وكل الناس صاروا معه، لهذا اعتبره بعض القياديين يشكل خطرًا على مصالحهم، فسكتوا عن قتله، ليخلصوا منه برصاص غيرهم أو أنهم قتلوه برصاصهم، فما يدريك؟ دخلتُ في المرآة المشروخة، ورحت أقتل كل صوري حتى لم أعد أجدني!‍ ثم أنهى، وكأنه انتهى: كان الذنب ذنبه، فهو لم يستطع إجبارهم على القتال حتى الموت! أتعرف؟ في بيت لحم مريض في عقله ضربه الجنود الإسرائيليون بعنف على رأسه، هذا الإنسان المحايد البريء، ولكن الثاقب البصر الذي لا يؤذي أحدًا هو أنا. وأنا أيضًا ذاك التاجر الذي مارسوا عليه جلسة تعذيب في دار حولوها لهذا الغرض. أنا ذاك الشيخ الذي شتموه لأنه لم يمت شابًا، وتلك البيوت التي هاجموها بالقنابل لأنها لم تزل على أُسسها قائمة. أنا تلك المرأة التي ألقوا القبض عليها، ونكدوا الحياة على أطفالها، وبنت الحادية عشرة التي اتهموها بطعن جندي جاء للقبض على أخيها. أنا حارق سيارة ذلك الفلسطيني الذي يتاجر بالمخدرات في رفح وفي المرسى. ولكن على الخصوص، أنا تلك البيوت غير التي ذكرت، تلك التي هدموها الواحدة بعد الأخرى، ورموها في جحيم البشر، أنا صرخات النساء والأطفال الآتية من الردم. كل عذاب الشعب الفلسطيني، كل بؤسه، كل تعاسته جاءت من الرئيس. سياسته سببت لنا من المصائب ألف مرة أكثر من سياسة الإسرائيليين الذين يرمون إلى الإنهاء علينا. آه! يا أبا جهاد، يا صديقي، آه! لو لم تزل حيًا.
اقترب منا أحد الثملين حتى العظم، وقال: أما الذي قتل أبا جهاد، فليس أبو رُهم ولا الموساد ولا السفارة الأمريكية. قال لي محدثي: لا تنتبه إليه فهو ثمل. احتد الرجل: من قتله اثنان أعرفهما كما أعرف نفسي، ثم ذابا كالملح في الماء بعد أن نفذا عملية الاغتيال. وتوجه إليّ: أتعرف السبب الحقيقي لاغتيال أبي جهاد؟ قلت: لا. قال: لأنه أراد أن يبدل الحجر بالسلاح، ويعطل عليهم خططهم السياسية، على أولئك الذين كانوا يقولون عن أنفسهم إنهم أرباب الثورة، أرباب الانتفاضة! أخذ الثمل يبكي، ويضرب وجهه بعنف، وبين لهثاته يقول: لو سمعوا له لما وصلنا إلى الحال الذي نحن عليه الآن، كانت الانتفاضة في عزها، ومعنويات الناس عالية، وكان على إسرائيل أن تأتي لتُقبل أقدامنا، وأمريكا ترجونا، وها أنت ترى اليوم من يقبل أقدام من، ومن يتوسل على أعتاب من! اليوم جعلنا من الانتفاضة ألفًا، كل انتفاضة تتبع لأب من الآباء، أبو فلان ضد أبي علان، وأبو علان ضد أبي زعلان، وأبو زعلان ضد أبي زحمان، وأبو زحمان ضد أبي سعدان، ورحنا نشهر السلاح في صدور بعضنا بدلاً من أن نشهره في صدور أعدائنا، وكل هذا لا يعطل على الخطط السياسية التي يصب في صميمها! وأخذ يلطم، ويشهق، ومحدثي يرسم على شفتيه بسمته التي ليست غامضة.























17
صعدت إلى غرفتي، وبدأت أتلفن، فلم أتمكن من التلفنة بيسر. يكون محدثك على الرصيف المقابل، ولا يمكنك الاتصال به بسهولة، أما لو طلبت باريس، لندن، أو نيويورك، فمكالمتك تحصل عليها في الحال، وهي من الصفاء والوضوح، وكأنك تحادث أحدًا يقيم في الفندق ذاته الذي تقيم فيه. أجريت محاولات عديدة للاتصال بأبي مروان بن الجكم في المكتب وفي الدار، في مكتبه قالوا لي إنه في داره، وفي داره قالوا لي إنه في مكتبه، هذا على الأقل ما تردده على الدوام خادمة تونسية هرمة كنعل مكلفة برفع التلفون، وفي كل مرة تسألها عن أبي مروان بن الحكم لا رضي الله عنه تطلب إليك الانتظار ساعات بحجة البحث عن سيدها في قصره، ثم تعود لتقول لك إنه غير موجود، فأين زوجه المختبئة في صندوق؟ تقول لك زوجه ليست هنا، ولا أحد هنا! لِمَ إذن لطعتني يا ابنة الكلبة الساعات تلو الساعات لتأتيني بذات جواب البارحة وأول البارحة وأول أول البارحة؟ عدت أتلفن إلى مكتبه، فعرفني المكلف بالسهر على التلفون، أعطاني عدة أرقام رحت أُركبها واحدًا تلو واحد ولا واحد يعرف أين أبو مروان بن الحكم، ولما قلت إني أريد في الواقع رؤية الرئيس لا رؤية مرؤوسه أتاني صوت متهكم يقول لي في أي بلد أعيش؟! ألا تعرف أن الرئيس مريض لا يقابل أحدًا؟ أصيب أثناء جولته الآسيوية بفيروس زكام آسيوي رماه في الفراش، والله وحده يعلم متى سيقف على قدميه لشدة إصابته. أغلقت الهاتف منصدمًا منسحقًا، ولعنت رب الحظ الذي جعل الرئيس يصاب بنزلة وافدة. وبشيء من الأمل المفاجئ، قلت لا بد أنهم يكذبون، فهؤلاء دينهم الكذب، وديدنهم النفاق. عدت أتلفن بالصعوبة ذاتها: لا حرارة أو لا جواب أو مشغول أو امرأة تشخر فيك عد إلى الاتصال من جديد أو أخرى تغضب عليك الازدحام لا يصدق بخصوص المكالمات الدولية أو أخرى وأخرى تهمس في أذنك همسًا جنسيًا أن محادثك قد بدل هاتفه! قلت أحسن شيء أن أتصل بالصحافية المقدسية، فلا بد أنها لعلاقاتها الودية مع أبي مروان بن الحكم تمتلك كل الحقيقة عن مناخير الرئيس. وبالفعل، أكدت لي أن الرئيس مريض، من عادته أن يرسل لها سيارة تأتي بها إليه، لكنه لم يفعل هذه المرة. قلت لها حتى لو أرسل لك حنطورًا لا تنسي المرور عليّ لتأخذيني معك أو على الأقل أخبريني بالعنوان الموجود فيه. طمأنتني، وقالت لي بحرارة زيتون جبل الزيتون إنها سوف تفعل، ورغم ذلك رحت في قلق وتفكير، بينما راحت تصلني من الطابق الأرضي "أنغام" أوركسترا الفندق التي تقض المضاجع والصرخات المخنثة للكناب العرب. تقلبت على نار، ثم عزمت على الذهاب إلى شارع الحرية. مررت بقاعة "الطرب"، فرأيت الكتاب العرب يقومون، ويقعدون، في أضواء حمراء جهنمية. كانوا يبطحون زوجة عميد تونسي على طاولة، وكلهم يتساقطون كالطيور الكاسرة عليها: واحد يتناول فخذها، وثان يتناول ثغرها، وثالث يتناول فرجها، ورابع يتناول خصرها، وخامس يتناول ثديها، وسادس يتناول ظهرها، وسابع يتناول كعبها، وزوجها يقف على مقربة منهم فوق منصة من الجماجم والجلود، يرفع كأس الشمبانيا على مد الذراع نخبهم ونخب صليب معقوف.
وأنا أركض في شارع الحرية، في الليل الكريم، وألهث، مبتعدًا أكثر ما يكون عنهم، أتاني صوت أمي شجرة الدر، فوقفت، والتفت، فلم أر أحدًا في ضباب الشارع وخيالاته الثابتة. عدت أركض بأقصى سرعة، إلى أن وجدتني على باب حدبقة "الباساج"، فدفعته، ودخلتها لأجلس وحيدًا بين الشجر أو أنني ظننت أني سأجلس وحيدًا، وما أن جلست على مقعد حتى رأيتني إلى جانب امرأة بدينة موشومة تلبس حجابًا أبيض فضفاضًا يزيد من بدانتها وعظمة الظل الذي تلقيه بين ظلال الأشجار الصامتة من حولها. وعلى دهشتي، فتحت فمها عن ابتسامة عريضة ما كانت سن فيه إلا وكستها بالذهب الذي راح يبرق. ولما سألتها عنها قالت لي أنا سيدة الليل في تونس، سيدة ليل تونس، بعضهم يقول عني جنيته، وما أنا سوى إنس كباقي الإنس، لياليّ أُنسٌ لا حاجة إليك لأن تبحث عنها في فِيَنّا. نهضت عملاقة كعدة جبال متحركة، أو كسفينة كبيرة مغادرة، وأمرتني أن أتبعها، فتبعتها. أدخلتني من باب السويقة إلى حي القصبة، قالت عنه منطقة عسكرية مغلقة. ولما دخلته نظرت، فرأيت حميرًا تتقيأ، وبغالاً تتفصد، وكلابًا تتغوط، وكلها تصرخ كصراخ البشر. ورأيت بشرًا يتغوطون من أفواههم، وينبحون نباح الكلاب. الرعام من نصيب بناتهم، والرعاف من نصيب أبنائهم. كانت سيدة الليل تضربهم بحذائها كلما حاولوا لمسها أو تلقي إليهم فتات خبز وحبات دواء. أعطتني زجاجة عطر فاخر، وقالت لي شمها ريثما نقطع هذا الطريق العادي الذي لا بد منه. كانت قد شبكت أنفها بدبوس ذهبي، وقالت إنه لا بد علينا للذهاب إلى جنتها أن نمضي بجهنم، وهذه هي جهنم الدنيا والآخرة. وشيئًا فشيئًا بدت القباب التركية في رأسي تنجلي، والمداخل التي يتكسر على أبوابها مزيج الضوء بالظلام أخذت تزرع في قلبي الحيرة، فمن أيها سندخل إلى جنة ليل تونس؟ لم يطل بي الأمر كثيرًا، إذ وجدتها تطرق على أحدها طرقتين متباعدتين ثم طرقة ثالثة عاجلة انفتح في إثرها، فدَخَلَت، وأدخلتني. كان صبيان عبدان أسودان أنيقان قد أغلقا الباب من ورائنا، واختفيا عن الأنظار. قلت انتهت حيرة، وبدأت حيرة. قالت أمستعد الآن لدخول جنتي؟ قلت ألم ندخلها بعد؟ قالت دخلناها من بابها الكبير، وسندخلها من بابها الصغير! دفعت بابًا صغيرًا، باب كهف كما بدا لي، اضطررنا للانحناء كي ندخل منه. وما أن رفعت رأسي حتى وجدتني أمام نوافير ماء سلسبيل وأنهار نبيذ وأشجار فاكهة ودلاء عسل وغادات حسان عاريات كما ولدتهن أمهاتهن جعلنني أطلق صيحة لم أكتمها بأصابعي. أتينني يجرين، وهن يطلقن الضحكات العذاب الأعذب من كل ضحكات نساء الدنيا، وأردن أن يخلعن عني ثيابي، لأغدو في الجنة عاريًا كما يوجب قانون الجنة، فطلبت سيدة الليل إليهن أن ينتظرن بعد جولة، وأنا أتحرق رغبة، فقانون جنتها يوجب العراء والعناق لا أخوة نكون فيما بيننا ولا أخوات.
فتحت لي سيدة ليل تونس غرفة، وقالت انظر إلى ذاك الذي يجلس هناك يائسًا سقيمًا، هذا محمود الدمشقيّ الذي أذله حكامه، فلم تنفع معه كل هذي الحسان التي ليس مثلها حسان ولا كل هذي الثمار التي ليس مثلها ثمار إلا في جنان الرحمن شيئًا، فهلا فعلتَ من أجله شيئًا؟ تقدمت منه، فرأيته ظلاً ينام على جنبه، وينظر إليّ، ويتساءل إن كنت ملاك الموت. قلت له أيا محمود الدمشقيّ الذي أغرفه كما أعرف نفسي، والذي يعرفني كما يعرف نفسه، أنا هو أنا، فهلا عرفتني؟ طلب كأس ماء وحبة دواء، فأعطته حسناء لم أر في حياتي أجمل من ثدييها كأس ماء من يدها وحبة دواء من فمها شربهما. قلت له انهض إلى جنتك أيا محمود، فأنت في جنة لا تعرف أنها جنة ولا تعرف أنها جحيم! انهض، وانتقم منهم كلهم، وخيب لهم كل الآمال! لكنه بقي منطويًا منكسرًا على شفتيه بسمة من هو بصدد الموت ولا يحاول صده. رأيت في محمود الدمشقيّ نرجسًا نظر في الماء إلى صورته، ثم انعطف على نفسه، وبكى، فقلت لن أدعهم يقتلونك! وعزمت على أن أحكي عنه للرئيس, فنطق، وقال إته لا ينتظر شيئًا من أحد، ثم أطبق فمه، وانزوى، والحسان من حوله بكت، والنجوم في الفضاء كبت، والماء في النوافير لم يعد يسيل، فليس هو بالماء وليس هو بوهم الماء.
أخذتني سيدة الليل من يدي، وأدخلتني في غرفة أخرى مجاورة للغرفة السابقة، فإذا بي وجها لوجه مع عالم يهوديّ، يضع على رأسه طاقية مطرزة بشتى الألوان، ويمسح لحيته القصيرة مسحات قصارى، يقرأ القرآن، ويتأمل فيه. قلت يهوديّ يقرأ القرآن! فطلبت سيدة الليل إليّ ألا أتعجب، فهذا اسمه محمد العبري، أطلق على نفسه هذا الاسم لأنه لم يتخلّ عن يهوديته في الوقت الذي لم يتخل فيه عن مبادئه التي أذله من أجلها حكامه، فقطع على نفسه عهدًا أن يترجم القرآن إلى كل اللغات بما فيها اللغة العربية، ولما أتانا بمشروعه لم يجد أحدًا منا، وأعدناه إلى كتاب معمى. قلت له ما جرى معك جرى معي، فكل صحون العلم في العالم العربي رفضتني، وتركني أصحابها مع كتاب رأس المال أقوم وأسعى. طلب مني أن أترجم القرآن معه، فقلت أوافق لما يوافق رئيسي، فجمجم إنه سيوافق، ألم يعترف رئيسك بنا؟ فقلت اعترف بكم، ولكن لم يعترف غيره بكم ممن هم معه. أبدى يأسًا كبيرًا، وطلب عسلاً شربه، وبخورًا نشقه، ولاحظت أن حسانًا من حوله متحجبات لا يبدين من أجسادهن غير أياديهن وعيونهن رمز الضوء والإخصاب.
خرجنا من لدن محمد العبري، ودخلنا على أحمد الحوات. رأيته يقف فوق مركب، وهو يغسل على حيزومه عينيه، ويلقي في البحر شبكته التي يصيد السمك فيها، يرفعه فيها، ثم في البحر يرميه! قالت لي سيدة الليل هذا هو الصياد التونسي الوحيد الذي لا يؤذي السمك، أذله حكامه لأنه رفض الصيد لهم أو لغيرهم وأهانوه. ابتسم لي أحمد الحوات لما عرف لِمَ كنت في مدينته، وقال إنه ينتظر ولا ينتظر قبل أن يبدأ انتظاري بكثير، فقلت له أي شيء أطلبه من رئيسي لأجلك؟ قال إنه لا ينتظر من رئيسي شيئًا كبيرًا، وينتظر من السمك شيئًا كثيرًا! فلم أفهم، فأشار إلى الشبكة الفارغة التي في يده، وقال إذا ما اصطدت، فسأصطاد مصيري، والمصير علم وشهادة ولؤلؤ يخرج من فم كركدانات البحر، عند ذلك سآخذ اللؤلؤ، وسألقي إليهم الكركدانات ليأكلوها. وأخذ يضحك كثيرًا، فقالت سيدة الليل عنه هذا حارس السمك المجنون الذي لن يجد مكانًا في النعيم أو مكانًا في الجحيم، وسيبقى البحر نعيمه وجحيمه. أتته حسناء من فمها وثديها وسرتها بطعام، فأكل حتى شبع، وعاد يضحك كثيرًا، وهو لم يزل يصطاد السمك، ويلقيه. بدا سعيدًا، وبدا واثقًا.
قلت لسيدة ليل تونس إني تعبت، وما صدقت شيئًا مما رأيت، وهذا كله هذيان أو تخريف! مدت إصبعين إلى الأسنان الذهبية التي لها، وخلعتها، وطلبت مني أن ألمسها بأصابعي، وأقول خيال هي أم حقيقة؟ فلمستها بأصابعي، وقلت حقيقة. ألبستها من جديد فمها، وقالت لن أُدخلك في باقي الغرف، وستكون الغرفة القادمة خاتمتها هذه الليلة، فيها تقف، وفيها تنظر، وفيها ترى، فإن أعجبتك أجواؤها، خلعت ثيابك، وقضيت رغبتك.
رأيت أبا رُهم في ثياب هارون الرشيد يجلس وراء مائدة عليها شتى أنواع المأكولات الكريهة، وحوله أبشع الحسان على وجه المعمورة، العوراء والشوصاء والجرباء والبرصاء والحدباء والخرساء والطرشاء والرقطاء، يغرفن الطعام مثل همجيات، ويمضغنه قبل أن يطعمنه لأبي رُهم من أفواههن. وفي الناحية المقابلة، رأيت زوج هارون الرشيد، فسألت أحقا هي؟ أكدت لي سيدة الليل إنها هي، أميرة المؤمنين، وأن عليّ ألا أندهش كثيرًا من مشهد قادم سيكون مثيرًا، وقهقهت. صفق أبو رُهم مرتين، فإذا بأربعة سود عراة لم أر في حياتي أعملق منهم قد انتزعوا امرأة هارون الرشيد من مكانها، نزعوا عن مؤخرتها، وراحوا يجلدونها، وهي تصرخ تارة من التألم، وتارة من التلذذ، ثم صفق أبو رُهم ثانية مرتين، فإذا بأربع سوداوات عاريات لم أر في حياتي أعملق منهن انتزعنني من مكاني، نزعن عني ثيابي، وأتين بي إلى أحضان سيدة ليل تونس التي بسمن جبل من عجين يتساقط من كل الجهات، وألقينني في حفرة بين ثدييها الضخمين، ففتحت فخذيها عن كهف عميق، وهي تشدني إليها بقوة المتجبرين، والوشم من جسدها يزحف إلى جسدي، ويتسلقني عقارب وثعابين، وبدأت باغتصابي.
ولما يكتمل الليل بعد، الليل الذي لا يكتمل، أتوا أبا رُهم ببنات من دنيا الجحيم صغيرات بريئات عذراوات قال إنهن لن يشبعن كل نزواته، لكنه اختار الشابات المريضات منهن المنهكات المنهوكات مقابل أن يُعطوا لأُولي أمرهن الأفيون، وعلموهن لأجل أبي رُهمٍ الفنون.





















































18
بدا الرئيس منعطفًا على نفسه كالجنين، فهو قد جذب ساقيه إلى بطنه، وثنى رأسه على صدره، ولف ذراعيه من حوله، بدا كالحجر الذي لا حياة فيه. نهض دفعة واحدة، وراح يسعل، وراح يعطس، وراح يحزق، وما لبث أن راح يصرخ، وينادي على الحراس، فدخل عليه حارس مدجج بالسلاح، ورأى دمعه كيف يسيل أنهارًا على خده، ومخاطه كيف يتخثر مستنقعات على أنفه، ولعابه كيف يغدو أوحالاً تفوق أوحال مخيم الدهيشة قوة وانقضاضًا على فمه! أمره أن يغسله، فغسله، والرئيس يشتمه، ويضربه، لأن في يده جمودًا لا حذق فيها، وهو أردأ حارس عرفه في حياته! ثم رمته الحمى في الفراش، فأشار إلى زجاجة فيها سائل الوشنة، قطّر الحارس منها في كأس مليئة بالماء إلى منتصفها، وأعطاه إياها، فشربها، وما هي سوى لحظات حتى أخذه النوم، فراح يشخر، ويصفر، ويهلوس، ثم نهض دفعة واحدة، فتفاجأ بالحارس المدجح بالسلاح واقفًا أمامه، فشتمه، وبصق عليه، وقال إن مكانه هناك على الباب ما دام ينام، وعليه في المرة القادمة ألا يدخل عليه بسلاحه. أمره أن يساعده على النهوض، وأن يبدل شراشفه وثيابه، فالرئيس قد عرق عرقًا غزيرًا بلله، وبلل فراشه، فشك في أنه يمكن أن يكون قد بال على نفسه، فشم نفسه، والحارس لم يقدر إلا على أن يضحك، فضربه الرئيس، وشتمه، وهدده بمسدسه، ثم رمته الحمى في الفراش من جديد، فعاد يشخر، ويصفر، ويهلوس، والحارس يغلق فمه بكلتا يديه لئلا ينفجر بالضحك، ثم انفجر بالضحك، والرئيس في سابع نومه ينام، لا يتخبّل، ولا يتخبّع.
سمع الحارس في الخارج هرجًا ومرجًا مفاجئين، فاستعد ليطلق الرصاص في كل الاتجاهات، إلا أنه عدل عن ذلك حين رأى الكتاب العرب آتين بصحبة وكيل الرئيس الإعلامي. قال لهم إن أبا مروان بن الحكم قال له ألا يسمح لأحد بالدخول على الرئيس حتى ولو كان أبا مروان بن الحكم ذاته، لكنهم الكتاب العرب قال وكيل الرئيس الإعلامي، حتى ولو كان رب العرب قال الحارس، فالرئيس مريض، وراح بدوره يسعل، ويعطس، ويقول: هو مريض، وأنا مريض، وأنتم ستمرضون إذا ما دخلتم على الرئيس! فرشوه ببضع دولارات أخذها، وهو يلتفت حواليه، لئلا يكون أحد يراه، والكل يراه إلا الله في ظنه، وعلى حركته تلك حركة الجزرة اللولبية ابتسم كالشرج، وابتسموا كالشروج، ثم ضحك عليهم، وضحكوا عليه.
أدخل حارس الرئيس الكتاب العرب على الرئيس الذي حاول الجلوس في سريره بصعوبة، الدمع في عينه، والمخاط في أنفه، والبلغم في فمه. قبلهم واحدًا واحدًا، وسألهم عن الكاميرات، كاميرات التلفزيون الفرنسي على الخصوص، وحاول الابتسام، وهو يبكي. حياهم على مواقفهم الوطنية، وطلب إليهم ألا يتوقفوا عن الكتابة في المجلات التي يمولها، وإذا كانت لهم طلبات خاصة، فليكتبوا بها رسائل سيقوم بمهرها، وفي الأخير شكرهم، ثم ارتمى على جنبه، ونام، فراح الكتاب العرب من الحماس يهتفون بحياته، وأخذوا يسعلون مثله، ويعطسون، ويحزقون، مما أزعج الرئيس الذي قام من نومه صارخًا كمن يقوم من حلم رديء، وأمر الحارس أن يطردهم، فطردهم، ولكي يكفر عن خطأ ارتكبه في حقهم، أمر وكيله الإعلامي أن يوزع عليهم مائة ألف دولار، وكاد ينسى التوقيع على الأمر لولا نباهة الوكيل الإعلامي الذي وفر عليه عناء البحث عن قلمه، فوقع بقلمه، وأمره من جديد أن يذكره بطلب مضاعفة مساعدات خادم الأمريكتين الشريفتين عندما يذهبون في زيارة أخوية إلى مرحاضه الذي من الذهب الخالص. وكما هي عادته، سيحول خمسين بالمائة منها إلى حسابه السويسري، والخمسين بالمائة الباقية سينفقها على قضية القضايا، وفي الحقيقة لإفساد الشعب الفلسطيني وكل شخص قابل للإفساد، والدليل على ذلك هؤلاء، قال وهو يشير بإصبع محتقرة إلى الكتاب العرب. لكن الوكيل الإعلامي كان دائخًا للمائة ألف دولار التي أمرُها في يده، فلم تكفه سيارة البي ام دبليو الآخر موديل التي اشتراها على عين كل المناضلين التوانسة لأن زوجته غارت تريد مثلها لها وحدها، وهو لهذا سرق نصفها، ووزع نصفها. وقبل أن يغادر الكتاب العرب تونس في طائرة خاصة تحولت استثنائيًا إلى مستشفى أصدروا بيانًا إلى الأمة العربية نشرته كل الصحف حيوا فيه الانتفاضة، ووقعوه باسم الكتاب العرب المناضلين!
سالت دمعة من عيني أبي مروان بن الحكم، وفي الوقت ذاته من عيون عنب الخليل الرجيم، فأغلقت أنفي عن شم رائحتها، وأغلقت عيني عن رؤية قناديلها، فلم تغادر الكروم خيالي، ولا رائحتها أنفي وعقلي. التفت أبو مروان بن الحكم إلى الصحافية المقدسية القابعة دومًا في مكانها، وسألها إن كانت تريد أن ترى أحدًا آخر غير الوزير الوحيد والرقم الثاني على الرغم من أنه ينصحها بانتظار شفاء الرئيس، ثم أوطأ رأسه، وأوطأ صوته قبل أن يضيف: أو نصف شفائه، فألقت الصحافية المقدسية نظرة حذرة صوبي، وقالت سنتكلم في الأمر فيما بعد! غبت عن الدنيا، رأيت بعض المستوطنين يخلعون عشرات من شجرات العنب، ولم أصح على دخول حورية البحر الميت علينا إلا بعد أن حيتني بحرارة، فهي تعرفني من باريس، والكل يعرف كمية الحرارة التي بذلتها على فراش الهوى لأول مرة في ذلك الصيف الإيطالي! صافحتها، والمستوطنون يعصرون قطوف العنب على شفاههم، ويصرخون. جلست إلى جانب الصحافية المقدسية، ودخلت الاثنتان في سلام وكلام عن واد الجوز وجبل الزيتون وباب العامود لا ينتهيان، ثم أخذ المستوطنون يرمون بعضهم البعض بقطوف العنب، أو يلقونها في الهواء، ويصوبون نحوها بنادقهم، ويطلقون. سمعت حورية البحر الميت تقول للصحافية المقدسية التي لا تكف عن قول "ثورتنا ما أروعها!": لا شيء يمشي، تتحول الدولة لما يمرض الرئيس إلى مستشفى! فتقول الصحافية المقدسية: كان الكل ينتظر قدومه، والآن الكل ينتظر شفاءه! شفاه الله وعافاه! ضحكت حورية البحر الميت، وقالت إنها لم تنتظره طويلاً، ولكنها ستنتظره طول العمر لو يلزم! ضحكت الصحافية المقدسية، وقالت إنها في حياتها أحبت ثلاثة بول نيومان ومارلون براندو والوالد! قبل أن تضيف: أنا انتظرته طويلاً، وسأنتظره، فلست على عجلة من أمري، أنتظره أنا أيضا طول العمر لو يلزم! ضحكت حورية البحر الميت، وطلبت إليها أن تأتي معها إلى شواطئ تونس والأمر كذلك، فقد وضعوا تحت تصرفها سيارة. ضحكت الصحافية المقدسية، وسألت إن كان أبو مروان بن الحكم هو الذي وضع تحت تصرفها السيارة. ضحكت حورية البحر الأبيض المتوسط، وقالت لم يقع بعد أبو مروان بن الحكم في حبائلها. ضحكت الصحافية المقدسية، وهمست إن أبا مروان صعب المراس كالبغلة البلعاوية العانس. ضحكت حورية البحر الميت، وقالت لا ولكنه كاللوز المفرقع لا يمكن الإمساك به بسهولة. ضحك المستوطنون، وهم يحرقون الكروم. ضحكت الصحافية المقدسية، وعادت حورية البحر الميت تضحك. أتى السائق، وذهبت معه في الحال إلى فراشه. ضحك السائق، وضحكت حبة عنب تونسية قبل أن أقضمها بأسناني.












































19
ذهبت بحثًا عن سيدة ليل تونس لتغتصبني، كان الليل في القصبة مهلكًا، يخنق الأنفاس، وكانت جزمات الجنود تعيد المدينة الخضراء ثلاثة آلاف عام إلى الوراء من عمرها. ولما تسللت إلى المنطقة العسكرية المغلقة، وجدتهم قد أعلنوا منع التجول، فجذبتني سيدة الليل بيدها، وخبأتني في ثوبها، أو أنها حبلت بي. كان الجنود يعرفونها، فتركوها تمضي إلى جنتها، وراحوا في عملية تمشيط واسعة. ألقوا القبض على صعالكة الحي ومجانينه المشوهين، وطاردوا المشتبه بهم حتى باب البحر، وبين كل باب محطم وباب أقاموا مصائد فئران ضخمة وفخاخًا تمنع أهل القصبة من الاتصال ببعضهم، فلا يبثون ما بينهم أفكارًا، ولا يفشون ما بينهم أسرارًا. عندما طرقت سيدة الليل على باب جنتها طرقاتها الخاصة، خرجتُ من ثوبها، ورأيتُ ثلاثة من الجنود، وهم يطرحون امرأة حبلى أرضًا، ويدخلون أياديهم إلى أكواعهم فيها يريدون إجهاضها، والمرأة لا تكف عن الاستغاثة، أخرجوا منها جنينًا حيًا يصرخ رموه لكلابهم الشرسة، وراحوا يضربون ببنادقهم امرأة حبلى أخرى على بطنها بضراوة، وقبل أن يغلق الصبيان العبدان الأسودان الأنيقان باب الجنة الكبير من ورائنا لمحت أناسًا يجبرهم الجنود على محو كتابات عن جدار من جدران جهنم لا تمّحي إلا إذا امحت ذنوبهم، وذنوب أهل القصبة عظيمة في الأرض! وحين دخلتُ وسيدة ليل تونس السمينة التي بسمن كل عاهرات العالم العربي من باب جنتها الصغير وصلتني أصوات ديناميت، وامتزج العطر الفائح من أجساد الحسان وفاكهة الشجر برائحة البارود والدماء، فقلت لسيدة الليل إنها لم تكن بحاجة إلى كل هذا من أحل اغتصابي، لأني جئتها بمحض اختياري. فقالت أردت أن أخلصك من الثقة، وأزرع فيك الشك إلى الأبد، فلا يحول أمر بيني وبين امتلاكي لك. قلت أنا ملكك إلى الأبد، وليترك الجنود ناس القصبة في بؤسهم "يرتعون"، فقالت سترى بعد أن أرى. فتحت لي باب الغرفة التي يقعد فيها محمود الدمشقيّ ولا يقوم، فرأيت الحسان من حوله عاريات، وهو غارق في محرابه يصلي، ويتعبد، ويتقرب إلى الله بالكلام إليه أو بالبكاء بين يديه على الذين كانت لهم فيه شماتة، فهم بشر جهلوا! قلت له أيا محمود الدمشقيّ الذي من نفسه نفسي ومن نفسي نفسه قد أفرحتني بعودتك التي هي عودتان إلى الوجود وإلينا بعد أن عدت إلى نفسك بالثقة، فقال لي محمود الدمشقيّ إن كل فضل عائد عليه من عند الله خالقه وخالق الأكوان. قلت له أنا أفهمك فهمي لطائر يغني، وأنا من بين كل الناس الذين يعرفونك وتعرفهم أكثر من يفهمك، المهم أن تعود إلى الوجود، المهم أن تعود إلينا، والمهم أن تعود إلى الكتابة. وعدني بالعودة إلى الكتابة كما كان عهده مع الكتابة في الماضي، ولكنه لم يقل لي متى ستكون عودته. أعطته إحدى الحسناوات بثغرها حبة من دوائه، فتناولها من ثغرها بثغره، وقال إنها ستكون آخر حبات علاجه، فقد برئ جسده بعد أن برئت روحه، والآن لا يصبو بصحبة الله إلا إلى الكمال.
أدخلتني سيدة ليل تونس المدلهم على محمد العبريّ، فوجدت حسانه المتحجبات يصلين، وهو في صحن غرفته يقرأ القرآن، ويتأمل فيه. ولما رآني وقف، وأتاني بخطوة عجلى، وبلهجة لهفى سألني عن مصير مشروعه معي، فقلت لا مصير يبين لمشروعك معي، شاعرة الجبلين ترى أن الوقت ليس وقته، وكذلك عليّ النابلسيّ، فحزن حزنًا شديدًا، وقال هذا لأني يهوديّ! قلت سأكون يهوديَّ المنبت لو كان الأمر كذلك، ولكني سأبحث الأمر مع الرئيس والرئيس مريض. تكلم عن الثقة، وقال إنها منعدمة في الصدور بيننا وبينكم، والشك سيد القلوب. فقلت لنتركه السيد لقلوبنا، ولنجعله السيد لعقولنا. ابتسم محمد العبري، وأشار إلى القرآن الكريم، وقال لقد كان قوله صمتًا، ثم ظهر، فصار حضورًا للامقول، وأقام صورة. قلت وقبل كل ذلك أراد توحيدًا، فانتهى إلى بناء دولة الحجاز، وذهبنا من دولة الحجاز إلى دولاتنا، ومن دولاتنا إلى دولة في طائرة! قال محمد العبريّ سأبقى وحيدًا دون دولة، فقلت سنبقى وحيدين، وأنا أفكر أني كنت وحيدًا دومًا وأبدًا، وسأبقى وحيدًا طوال الحياة.
خلعت سيدة الليل العظيمة ثوبها، وأطلقت ثدييها الضخمين من سجنهما، ثم نزعت أسنان الذهب التي لها لتعضني من جذري بعد أن عزمت على اغتصابي، فقد أثارها حديثي الذي لم تفهم منه شيئًا مع محمد العبريّ وهيجها، استثار رجولتها، فاشتهتني أكثر من أي وقت مضى، تريد إطفاء ظمأها الجنسي، وليكن محمد العبريّ شاهدًا عليها. فطلب محمد العبريّ من حسناواته المتحجبات أن يمنعنها مما عزمت عليه، فمنعنها، وهي تقاوم مقاومة بقرتين اثنتين إلى أن قيدنها بجدائل شعرها المحناة بالنار المنطفئة. قال لي محمد العبريّ إنه سيفتح لي أبواب الغرف الممنوعة، فأنظر فيها، وأرى ما يجب عليّ أن أرى. قلت له لم أمض بعد بأحمد الحوات لأقف على أحواله، فأخبرني محمد العبريّ أن أحواله ساءت لأنهم اكتشفوا في والده مجاهدًا قديمًا لم ينفعه جهاده عندهم في شيء كأولئك المجاهدين المزيفين، وأنهم عرفوا فيه كاتبًا لأطروحة عن الحدود مع الجارة العظمى الأخت اللدودة اضطرته إلى الإطلاع في الأراشف على ما لا يجب الإطلاع عليه، فما اطلع عليه من خطير الأمور لم يزل قائمًا إلى اليوم منذ أكثر من ثلاثمائة عام، فقلت سأصطاد السمك بدلا عنه، ولن ألقيه! فقال لا تصطده في جزر قرقنة إلا بعد أن يطلق أهلها البحر من قيده، فيعود حرًا، ولا يباع في المزاد العلني!
كان قد وصل بي إلى باب مصبغ باللون الزهريّ، كلمه، فانفتح، فإذا بي وجها لوجه مع أختي مريم النبية، أكل البرص نصفها، فأمات نصفها، وأبقى نصفها. أخذتها في أحضاني، وأنا أبكي، وسألتها عن الذي أودى بها إلى ما أودى بها، فقالت لأني تخليت عن ألوهيتي، وقبلت بختاني، فعدت أحضنها، وأقبلها من لحمها الميت، وأقول لها إنني عاتب على نفسي، فإذا بها تفلت مني، وتأخذ بالقهقهة، ويغدو لها شكل الذي مات كله، فلا نصف له حي، ولا نصف له ميت. قالت إنها ستعريني، وستقتلني كما عريت أنا أخي هارون، وقتلته! وجاءت تنشب أظافرها في وجهي إلا أن محمدًا العبريّ قد وضع بيني وبينها آياته الملائكية، فسقطت صريعة على قدميّ.
قال لي محمد العبريّ إنه أراد أن ينقذها من حياة معذبة دامت قرونًا، لهذا السبب جاء بي إليها، ولكي أشهد على أخت لي أخرى ليست من أبي وأمي، ولكن من ثدي أرضعني. تكلم مع باب مصبوغ باللون البنفسجيّ، فانفتح له طائعًا، فإذا بفاطمة التونسية في الأغلال، انتثر شعرها، وغطى الله بيديه نهديها، وغرقت في بركة دم قدماها. صرخت آه يا أختي فاطمة! وارتميت على قدميها لأوقف سيرهما نحو الموت، وأجعل للارتحال معنى البقاء، فلم يترك لي الجلادون فرصة أكبر لأحميها من خطواتها. عادوا يعذبونها في كل شبر من جسدها، وهي لا تصرخ ولا تئن، وإنما تذرف الدمع، وتبتسم، وتتأملني، فتجدني أصرخ، وأئن، فتعود، وتبتسم ابتسامة الجوكوندا، وتبكي بكاء الخنساء.
قال لي محمد العبريّ أما الآن بعد أن شهدت على أخت، وقضيت على أخت، أدخل ورَ أخاً لك شاعرًا ورطوه لأجل أن يقهروه. تكلم مع باب مصبوغ باللون النرجسيّ كي ينفتح، فانصاع الباب لأمره، فإذا بي وجهًا لوجه مع أخي محمود الجليليّ وحيدًا لا حسناوات من حوله ولا فواكه ولا أنهار عسل أو خوابي نبيذ، يجلس على الأرض متقشفًا، بيد مقص، وبيد قصائد يقصها بيتًا بيتًا، والبيت يقصه كلمةً كلمةً، والكلمة يقصها حرفًا حرفًا، فتتألم قصائده وأبياته وكلماته وحروفه ألمًا لم يعهده إنسان من قبل، ثم لا تلبث أن تتحول إلى أجنحة حمام عاصيات أو مناقير خصام ناعقات أو مخالب قطط قاطعات أو أعناق غزالات خاضعات أو أعين ناصريات خادعات أو أرياش بودلير الناعبات غير تلك الأرياش التي أعطت الحياة للقصائد بالسم والغل والزنجار! رأيت دمعة تسيل على خده من وراء نظارتيه الطبيتين السميكتين، فمسحتها، وقلت له ورطت بالأحرى نفسك، أردت أن تقهر، فقهروك! وصحت به اجعل من مواضيع الهجاء مواضيعك، وانهض على ظهر جملٍ إن لم تجد منبرًا، واقرأ قصائدك بصوت عال، فتشعل حربك! فلم يتوقف محمود الجليليّ عن قص أشعاره، ولم يتوقف عن البكاء. ولما سألت محمدًا العبري عن سره، تقدم منه، وفتح فمه، وأراني لسانه مقطوعًا.
كانت سيدة الليل الطويل قد تمكنت من الإفلات، فجاءت محمدًا العبريّ بسوطها، وقالت من الخدعة مشربه ومأكله، وهي ستعذبه العذاب الذي لم تعرفه بعد فاطمة التونسية. أخذه أعوانها إلى حيث لا أدري أين في جحيم الجنة، وأخذتني إلى مقصف أبي رُهم الذي رأيته في نفس جلسة الليلة الماضية مثل ثور له قرن أوحد، من حوله أبشع الفتيات اللاتي يمضغن له طعامه، وبألسنتهن يرضبن له عضوه، فلا يكفين رغبته أو سعاره. وكان العمالقة السود يسوطون دومًا مؤخرة زوج هارون الرشيد، وهي لا تكف عن التأوه والتشنج من أثر التألم آلام الميت الحي تارة ومن أثر التلذذ لذات الشبق الشهواني تارة. وعندما بدأت سيدة ليل تونس الغاصب فعلها فيّ، وأنا راضخ بين غائب وصاح لسلطان ثديها، خلتني أرى في الأضواء السوداء أبا مروان بن الحكم من بين من أرى، وأشقر أحمر أخضر كانوا يدعونه بيا سعادة السفير "الجونيور" باللغة الإنجليزية، وبعض الضباط التوانسة الكبار الذي راحوا يخلعون بزاتهم ورؤوسهم، وبعض السياسيين التوانسة المعروفين الآتين على بساط ريح مخملي، وقبل أن أغيب عن الوعي تمامًا رأيت حورية البحر الميت قادمة من بعيد تحمل بين يديها صينية فضية كبيرة عليها أصناف عديدة من السمك المقدد من كل بحار العالم.











20
لم أستطع الاجتياز إلى شارع الحرية، كان آلاف الجنود العسكريين فيه، تحت شجره الميت، على أرصفته المريضة، وفوق بناياته المحتضرة. وكانت الوحدات الصدامية قد أحرقت سيارة عسكرية، وأخرى لوزارة الداخلية، وحطمت زجاج ثالثة لوزارة "السآفة" مموهة بالألوان السرية. وأنا آخذ طريقًا صغرى اسمها طريق ليبيا العظمى إلى شارع فلسطين، رأيت جنودًا يستفزون بنات مدرسة خصوصية، فترشقهم البنات بأقلام شفاههن الحمراء، ويرشقهن الجنود بالرصاص، ويأخذونهن إلى محاكم عسكرية، الرمان فيها حامض، والحامض فيها أحلى الأثمار، ليصدر الحاكم العسكري أمرًا بإغلاق المدرسة عقابًا لنهود لم تزل بعد صغيرة، وبشنق فروج ترفض أن تكون حليقة! لكن دهشتي الكبيرة كانت عندما رأيت منتفضًا يرمي بالزجاجات الحارقة سيارات المستوطنين الذين تزعجهم الشمس في الشتاء، فتقتله الوحدات الصدامية بتهمة الخيانة الباحثة عن الدم في الماء وعن الماء في الدم، في الوقت الذي تركوا فيه متعاونًا يدلي بالمعلومات إلى الذين صار لهم شارع العبودية خاصرة دموية، للظمأى من اليهود الذين هم عرب والذين هم يهود من غير أولئك اليهود! وعلى أثر ذلك اقتحم الجنود ديارًا في شارع فلسطين للتفتيش والمصادرة والمعانقة المجبرة للزنود الساخطة على المعانقة، وامتلأت المحاكم العسكرية بزبائنها المتوقعين من بشر يرتع في صحة جيدة، وطير يحلق من الأرض على مسافة قريبة، وشجر يحيا بين الشجر الميت، وراحت الأحكام بالسجن عشرات الأعوام تصدر بكرم الذين ما زالوا في أعمارهم صغارًا، وصاروا في التوراة عمالقة، يرفعون تونس وطرابلس الغرب والجزائر والرباط على أكفهم وكل العواصم النائمة في النهار كما هي في الليل نائمة، ليصلوا بها إلى عنان شارع السان جورج في القدس على الساعة الثانية عشرة ظهرًا.
تمكنت من الوصول إلى شارع الدكتور كونسي في البلفيدير، فرأيت حريقًا قد شب في مخازن العدس أشعله المتعاونون انتقامًا من سكان "يمون"، ورأيتهم يطلقون الرصاص على شبان حاولوا إطفاء النار بالماء الذي وجدوه في الدم، فقلت لأبي مروان بن الحكم الذي كان يتابع المشهد من نافذته المفتوحة على مصراعيها بعينين سلبيتين: افعل شيئًا، يا أبا مروان بن الحكم رضي الله عنك! فقال أبو مروان بن الحكم: ماذا أفعل وهم منا فيما بيننا يقتتلون؟ ألقى عليهم حفنة من الدولارات، ثم راح يتلفن للاطمئنان على الرئيس، وطمأنني، قال لي: الرئيس في تحسن! وهو يبتسم ابتسامة عريضة كادت تبتلع صحنًا من المسلوعة! كنا وحدنا، وكنت أحس بوحدة شديدة، وبرغبة في التقيؤ، فقلت لنفسي ماذا لو أحدثه عن محمد العبري، فهي فرصة فريدة أن أنفرد به، وأن أحكي له، وإن كان من عادته ألا ينصت بل يملي، إذا به ينصت لي باهتمام كبير جعله يقصر أكثر مما هو عليه، فلم أعد أراه من خلف مكتبه على الرغم من أنه كان جالسًا كالعادة على مخداته. قال لي: مشروعك مع محمد العبريّ عظيم لبعده السياسي! قلت له: المشروع ثقافي، فأصر على بعده السياسي، وقال إنني سأحل محل كل المتشرذمين، وأكون الوحيد الذي ينطق باسمنا، وهذا عمل وطني كبير سيحظى بدعم الرئيس... سنصل إلى صيغة شكلية، ومن الآن استعد للقاء الرئيس. قلت له: لم يزل الرئيس مريضًا، فقال: الرئيس تحسنت صحته! وطلب مني أن أكتب للرئيس عن الأمر بالتفصيل، وكذلك أن أعدد له كل طلباتي المالية. اقترح أن أطلب ثلاثة آلاف دولار بدلاً من اثنين شهريًا، وسأحظى بدعمه الشخصي ليوقع الرئيس عليها، وإن لم يفلح معه، فأمرنا مع الرئيس معروف، تطلب ثلاثة يعطيك اثنين أو ألفًا وخمسمائة. قلت له: كل مشاكلي جاءت لأنه أعطاني ألفًا وخمسمائة وطلبت ألفين، وأخذت أحكي عن باريس أغلى مراحيض الدنيا، وأنّ هذا هو الحد الأدنى بالفعل للعيش فيها، هل أقول لعدم الموت فيها؟ قال سيبذل إذن قصارى جهده على ألا ينقص مخصصي الشهري عن ألفين، وعلق: ليس المبلغ كبيرًا، ابني الطالب العازب في أمريكا يصرف أكثر من هذا المبلغ بكثير، فكيف أنت صاحب الأسرة الكبيرة؟ ثم أنت كنت تقبض لما كنت في السوربون مبلغ كذا، واعتدت على مصروف كذا، ومعنويًا هذا مبلغ قليل بالنسبة لاسمك وكتبك وشهاداتك! أنت لست إنسانًا صغيرًا! إلى جانب أنك تريد أن تشتري الكتب، وأن ترى الأفلام، وأن تزور المتاحف! غادرته في اللحظة التي دخلت فيها الصحافية المقدسية عليه بدهشة حقل الفاصولياء الصفراء، وهو يلح على أن أعد الأوراق بأقصى سرعة، وأن ألزم فندقي بانتظار هاتف منه.
كان الرئيس قد قام من فراشه، وهو لا يستطيع الوقوف على قدميه، عيناه نصف مغمضتين للصمغ الذي يحيط بهما، ومنخراه نصف مفتوحين للمخاط الجاثم فيهما، وكذلك شفتاه جافتان كقشور الجوز الهندي، فكأن ريحًا أريحية قد هبت بأعتابهما. أراد أن ينادي على الحارس لينظفه، لكنه تمكن من الذهاب إلى المرحاض، تبول، وتنهد، ثم تقدم من المرآة، وراح يمسح بقطعة قطن بللها بالماء الأوساخ عن وجهه. بذل جهدًا عظيمًا، فتأوه من جديد، وتنهد. نظر إلى نفسه في المرآة، فماد ميدًا. كان سوط من الألم قد لسع رأسه، فسبب له الدوار، ثم ما لبث الدوار أن غادره كما يغادر غراب عشه. عاد ينظر إلى نفسه في المرآة، بيد يتشبث بالمغسلة، وبيد يتشبث بوجهه، فلم يجد وجهه جميلاً، لحيته ليست مقلمة، وحول عينيه لطختان زرقاوان، وفي صلعته قشرة كثيرة. ابتسم، فازداد بشاعة على بشاعة. تذكر ما أشار عليه المختصون الفرنسيون بالتجميل بألا يبتسم إلا لمامًا، وعلى الخصوص ألا يكشر، فكشر على الرغم من أنفه نصف المسدود، وبدا على وشك أن يصفع نفسه. كان المختصون الفرنسيون بالأزياء قد اقترحوا عليه أن يخفي صلعته بكوفية دومًا، فلم ينزعج لأن الكل يرى في كوفيته رمزه، ولكنه أبدى امتعاضًا من اللفحة التي أشاروا بها عليه، فهي ككوفيته مرقطة بالأسود والأبيض يخشى أن تظهره على صورة الضبع الذي اصطاده أبوه بعد تركه المغرب في جزيرة يونانية أكره الحيوانات الكاسرة إلى قلبه. ومع ذلك، فقد رضخ لأساطين الأناقة في الغرب، فالسادات من قبله كان يفعل مثله، وهو ليس أحسن من السادات في كثير من الأشياء أولها دوس تراب القدس بحذائه! ولكنه سيكون أكثر حيلة من السادات بكثير، وذلك بألا يقول شيئًا عندما يعرف كل شيء، وبأن يقبل بقليل القليل عندما لا يكون هناك وفاء بوعود السلام والرخاء ليتحاشى مصرعه على أيدي أصدقائه ومن يحميه، كما جرى مع السادات، وكان من بين أصدقائه الطيار الذي أخذ مكانه، والذي كان عشية مصرع الرئيس المصري في أمريكا، في مكاتب السي آي إيه، المخططة لهذا الاغتيال. عاد يرى من المنصة الرئاسية، والتي و "يا للصدفة" لم تكن تحت حراسة حارس واحد، "مثله الأعلى" وهو محاط بكل الذين تآمروا عليه، الدكتاتور الغبي الحالي، قائد الجيش، السفير الأمريكي، السفير الإسرائيلي... وأراد أن يصرخ " والله لو وضعتم الشمس في يميني والقمر في يساري لما تخليت عن القدس!" لكنه انخرس متلاهثًا متخاذلاً. لقد تخلى السادات لهم عن كل شيء، ومع ذلك قتلوه ثم بكوه وبكوا "السلام القتيل" معه لأنهم لم يكونوا يريدون السلام منذ البداية، الأرض نعم، وليس السلام، العالم العربي نعم، وليس السلام، خيرات العالم العربي نعم، وليس السلام، لقد كانوا الأقوى، إذن ماذا يفعلون بمثل هذا سلام مقيد للأحلام؟ أحلام الصقور كما أحلام الحمام؟ وضع كوفيته ولفحته وارتدى سترته الكاكية التي استوحاها له إيف سان لوران خلال سهرة مع "رئيسة" زوجة غورباتشوف، ووافقت عليها "وسيلة" التي لم تعد بالوسيلة. وبينا هو يضع قدمًا في بنطاله، ويرفع أخرى في الهواء، داخ، وسقط بطوله على الأرض مطلقًا الصرخات المختنقة تلو الصرخات، مناديًا على الحارس الذي خف كالناقة المهانة يرفعه إلى سريره، والرئيس لا يكف عن شتمه، والحارس لا يكف عن معاتبته: أنه لم يزل مريضًا، وعليه ألا يبالغ إن أحس ببعض التحسن، فهو سيظل بشرًا، وليترك شؤون الدولة إلى حين، فللدولة شؤونها، وللدولة شجونها، ومرضه هذا من شجونها! أدهشه الحارس لحكمة في كلامه، ابتسم له للمرة الأولى مذ عرفه، ثم ما لبث أن قطع ابتسامته بسرعة لما تذكر ما نصحه به مختصو التجميل الفرنسيون، وكرب من أرباب اليقظة تراءى له ستالين في مملكة الموت حين بصق رفاقه على وجهه.

















21
عدت إلى الفندق لأمكث فيه مثلما ألح أبو مروان بن الحكم عليّ، فرأيت في زاوية معتمة حورية البحر الميت بصحبة ابن أبي حرب البسوس، وهي تهمس في أذنه، وهو يهمس في أذنها: ليدفع لها فاتورة الفندق ذاتها ثلاث مرات أو أربع، وليتقاسمها معها! هذا ما قاله لي سائقها الذي كان يسكر على البار، وطلب مني ألا أندهش، فقد عمل الشيء ذاته معه، عندما تقاسم وإياه ثلاث مرات فاتورة عملية التجميل التي أجراها لأنفه المصاب بشظية في بيروت أيام كانت بيروت. جرع كأسًا، وطلب أخرى. قال إنه يبكي على أيام أضاعها سدى في بيروت، فلا هي حرب أهلية كانت ولا هي حرب مع اليهود، وإنما لإضاعة العمر سدى، وللتسلية. ابتسم حتى بانت بطون أسنانه المسودة، وهمهم: تسلينا كثيرًا في بيروت! تسلينا بدمنا! وهم تمكنوا من بيع الحشيش بالمليارات ليمولوا الحرب، ويشغلوا بنوكهم، الحشيش هو الذي موّل الحرب في لبنان، والسعودية مولتها باسم التحرير والحرية والجماهير الشعبية، ليقطعوا الوقت، وليتسلوا بدمنا! حرب عصابات مهربي حشيش كانت حرب لبنان وحرب إنهائنا... كل الحروب التي جرت لأجل أن نتسلى ببعضنا وأن يتسلوا بنا لأجل إنهاء البندقية إلى أن يحين الوقت لإنهائنا، ولقد حان الوقت بعد أن بدأ العد العكسي لتنفيذ الإنهاء، وبعد أيام لن تجدنا لا في صور ولا في صيدا ولا في تونس ولا في أي مكان، ولسوف تبصم القيادة بأصابعها العشرة على وثيقة إنهائنا ظنًا منها أنها توقع على وثيقة سلامنا، وإن اضطرها ذلك لقتل بعضنا، فستقتل، ولسوف تقتل.
كانت حورية البحر الميت قد صعدت مع ابن أبي حرب البسوس إلى غرفتها، فصفع سائقها نفسه، وانفجر يبكي.
رن الهاتف، فسارعت إلى رفعه. جاءني صوت زوجتي سكر الملح ينادي عليّ، كلمتني، قالت لي إنها تطلبني مثلما قلت لئلا أضطر إلى دفع المكالمات الدولية، وشكت لي ارتفاع فاتورة التلفون التي وصلت، وأُضيفت إلى باقي الفواتير، ولأن دفعها تأخر، فمن المحتمل أن يرسلوا لنا أمرًا بالحجز على متاعنا، وأنا قد تأخرت كثيرًا، أوراقي كلها ماشية، فماذا يريد مني الرئيس؟ ولِمَ لحد الآن لم أقابله؟ كل رئيس أينما كان في العالم لا يجهد مواطنوه في لقائه وحل قضاياهم عن طريقه أو عن طريق مرؤوسيه، فأينه، وأين مرؤوسوه؟ قلت لها الرئيس كان مريضًا، وصحته الآن في تحسن، وأنا أنتظر أن يتصلوا بي كي أذهب إليه، وأراه، لربما رأيته الليلة أو غدًا على أبعد تقدير، وسأكون بطرفها غدًا مباشرة بعد أن التقي به هذا إن وجدت طائرة أو بعد غد إن تعقدت الأمور. قالت لن تتعقد الأمور أكثر مما تعقدت، فجد طائرة أو صر طائرًا!
كلمت بناتي الصغيرات واحدة واحدة، بكت إحداهن، وضحكت إحداهن، وطلبت إحداهن تمرًا، ثم تكلمت مع أخي أيمن السيوف الذي يختنق عندي بالتدريج مثل كتيبة سحقت بيد قائدها بعد أن خرجت على معاوية، رجاني أن أحكي للرئيس في أمره، وعاد يحكي لي عن أمره: أن الجزائر رفضت تعيينه كمحام أو معلم أو حتى مراسل لا لذنب إلا لأنه لم يولد في الجزائر من أبوين جزائريين مع أنه جاءها بعد أن وُلد في نابلس ببضع شهور! طردوه وقالوا ليذهب كل إبليسي إلى دولته تعطيه عملاً! قلت له هذه الدولة ستعطي عملاً لمن ولمن؟ اعترفوا بها ليلقوا بنا تحت قدميها، ونغدو مثل ذاك الذي كان في محنة وصار في محنتين! أذلونا بأيديهم واليوم يريدون إذلالنا بأيدينا، بأيدي أولئك الذين كانوا يركبون الحنطور أول ما جاءوا بيروت، فأركبتهم السعودية في المرسيدس، وصاروا لا يقبلون من غير ظهورنا مركبة! العظيم على الفارغ هو ثورينا اليوم، من يتلفظ بالأكاذيب، القائم بحضرتنا في الجحيم، فهل تريده أن يكون على قدر الداخلين إلى النعيم؟ قال أخي إنه خسر كل شيء، ولم يبق له إلاهم، وهم بعلاتهم وعلى علاتهم كل من تبقى له في ميزان الضيم، إنهم الجنة في الجحيم، فلأحاول، قلت له بل الجحيم في الجحيم، وسأحاول! كان وهمه فيهم ما يجعله يقاوم الاختناق في زاويته النائية من ضواحي باريس التي لفظته من فمها للسبب ذاته، ولكن على مستوى حضاري أرقى: لا لذنب إلا لأنه أجنبي!
ما أن وضعت السماعة حتى رن الهاتف من جديد، فرفعته بالسرعة ذاتها ليجيئني صوت أبي، رب شجر الخريف، أمير المتقاعدين، يبحث عني من الجزائر التي صارت جزيرة واحدة منفية لا الأرض فيها أرض ولا السماء فيها سماء. ألح عليّ بصوته الشائخ المرتعش أن أعرض قضية متقاعدي الجزائر الذين لا حق لهم بالتقاعد ككل المتقاعدين في العالم ولا بالموت الهنيء على الرئيس، قلت له الرئيس ليس رئيسًا على حسابي، وهو، ماذا بإمكانه أن يفعل ويفعل؟ فقال لي بيده كل شيء، وهذه فرصة لن تتكرر ثانية بعد أن طرقوا أبواب الجميع كبارًا وصغارًا عربًا وعجمًا دون أية فائدة، أما إن لم أستطع بالفعل التحدث إليه، فلأتصل بابن سراق الحمير، قلت بأيهم؟ قال بوزيرنا الوحيد الذي يعرف من كان أبوه وأبو أبيه وأبو أبي أبيه، وضعت السماعة التي ما لبثت أن رفعتها، كانت هذه المرة عقارب باب العامود التي تبعتها ضباع عصيرة الشمالية، ثم حيتان بحر يافا. فماذا أرفع وأرفع للرئيس؟ وكم سأرفع؟ ثم جاءتني تلفونات من أمريكا ومن أوروبا ومن آسيا ومن أستراليا ومن القمر ومن المريخ ومن زحل ومن عطارد، لم يتوقف الهاتف عن الرنين، وفي كل مرة أقول هذا أبو مروان بن الحكم، فيكون آخر من يخطر على بال من هَمّ إلاه!
تابعت برامج التلفزيون كلها دون أن يأتي هاتف أبي مروان بن الحكم، حتى أن فيلم فيديو الفندق قد رأيته مرات مثلما رأيت نشرة الأخبار مرات. كنت أرى في كل مرة شبابنا الملثمين، وهم يرفعون الأعلام، ويحملون صور الرئيس، فأطلق تنهدة، وأقول يا ليتهم يعرفون! سيموتون دون أن يسأل أحد عنهم أو لربما ماتوا! كانوا يبحثون عن بطل يرفعونه على أكتافهم! كانوا يريدون بطلاً يخرج عليهم من قلب التاريخ، ولكنهم سيتعبون في النهاية، مثلي تمامًا، لسوف يتعبون من الإضرابات العامة في الصباح وفي المساء حين يروحون ليُطعَموا أو يروحون ليعملوا أو يروحون ليروحوا! لسوف تتعبهم الإضرابات العامة غير الفاهمة التي يأمر بها ساديون لم يفهمهم آباؤهم، ولم يكونوا معهم لطافًا، ولسوف تتعبهم أحلامهم وخاصة الوديعة منها، ولسوف ينظرون من حولهم بعد أن يوهمنا التلفزيون أن البلاد على مرمى حجر من التحرير -أو أنها تحررت ونحن لا ندري- ليروا أوهامهم عارية، فماذا كانوا سيفعلون غير ما فعلوا؟ غير أن يعيشوا زمنهم؟ فليعيشوا زمنهم على حساب عمرهم القصير، وليعرفوا ما عليهم أن يعرفوا بعد أن يصبح الوقت متأخرًا، وقد جعلوا ذلك قدرهم، أولئك الذين هم أقدر الناس على قرون روما الفرنسية منا!
صرت يائسًا ومريضًا على وشك الانهيار، لكني تماسكت، فالوقت ليس للاستسلام ما دام تلفون أبي مروان بن الحكم لم يأت بعد، وما دمت لم أر بعد الرئيس. غفت عيني قليلاً، وبين غائب وصاح، تذكرت أروى، فتاة بعيدة أحببتها لما كنت طالبًا في كلية النجاح حتى الجنون، بعثت إليها برسائل حب لاهبة على الكلية، فحملتها، وسلمتها لمديرها الذي سلمها بدوره لوالدي، ففتح لي والدي رأسي بعصا غليظة، ثم أخذني إلى المستشفى، وعالجني. قلت حورية البحر الميت هي أروى، ووالدي هو سيدة ليل تونس. لم أشعر بعينيّ، وهما تنفتحان، ولم أحس بالنوم العميق الذي تسلل إلى جسدي. كنت أنظر إلى التلفزيون، وفي الوقت نفسه أنام نومًا عميقًا: نظرت إلى جسدي ينام، ونهضت إلى النافذة كي أتركه يرتاح. كان الصباح العسكري في تونس ساحرًا بأشعة فجره وروائح زهره وظلال المتعانقين المتكاسلين في فراشهم! حسدتهم، حتى أنني حسدت كوابيسهم، وظللت هكذا أنظر من النافذة من خارج جسدي إلى أن أتى موعد النشرة الإخبارية. تفاجأت بالرئيس في أتم صحة وعافية، بمعية أبي مروان بن الحكم، وهو يقوم بزيارة صباحية مبكرة للقصر الجمهوري، قرطاج، وتفاجأت ثانية عندما أعلنت المذيعة عن جولة أوروبية للرئيس سيقوم بها قريبًا. أنهضت جسدي لأذهب بسرعة عند أبي مروان بن الحكم الذي تحكم بي بما فيه الكفاية! وقبل أن أتجه إلى باب غرفتي، قرأ ضابط التلفزيون أمرًا عسكريًا تحت عنوان "مطلوب" قال فيه إن رجال الأمن يبحثون عن أبي فاطمة التونسية التي رشقت بإرادته الجنود بالنجوم، وكل من يجده حيًا أم ميتًا أن يخبر أقرب مركز للشرطة، وله مكافأة قدرها مليون دولار ذهبي.
أخرست التلفزيون بيد ترتعش، وصرت من جديد على وشك الانهيار، كنت الوحيد الذي يعرف أين كان أبو فاطمة التونسية، فتمالكت عن غيظي، وعزمت على أن أكتم سر اختبائه في غار حراء.











22
لم يكن أبو مروان بن الحكم في مكتبه، فجلست أنتظره في الطابق الأرضي عند غازي القلوب محاسب السفارة. جاءت زوجات بعض الشهداء التوانسة، فدفع لهن مخصصاتهن في الحال. قال لي في بيروت كنت أمنع عن نفسي رواتبي، وأدفع لأرامل الشهداء مخصصاتهن، وكنت أصارع الموج في كل البحار لأوفر المال لأهلنا المحتاجين على الرغم من أن النقود كانت تهطل علينا في ذلك الوقت من كل سموات الدنيا. اليوم تأتينا واحدة أو اثنتان هنا، وهناك في الماضي كانوا ينتظرون على بابي صفوفًا، رجال ونساء، فلا أتركهم ينتظرون طويلاً. الانتظار مذلة، ولأني أعرف حاجتهم إلى دريهمات استدانوا ثمن تذكرة الباص من أجلها. لأني أعرف عذابات النفوس بانتظارها، وأحس بلسعات شمس الظهيرة على جباه الذين كانوا يجعلونهم ينتظرون في جهنم طوال النهار ليقولوا لهم عودوا في الغد من أجل موعد مع شرموطة الحي! اليوم تنتظر على بابي صفوف أصحاب الفيلات التي يسكنها مستشارو الرئيس وموظفو دولتنا الكبار ومدراء الفنادق! وبالفعل كان صف قد أخذ يكبر على بابه، فقال حتى هؤلاء لا يمكنني أن أتركهم ينتظرون طويلاً. راح يدخلهم واحدًا واحدًا، ويدفع لهم إيجارات فيلاتهم وفنادقهم بمئات الدنانير بله آلافها، وهم يبتسمون، ويهمهمون، ويشكرون، وأنا أفكر في زوجني وبناتي وأقول لنفسي لن أتركهم يجعلون مني شهيدًا! قال لي لم نكتف بدفع إيجارات غالية، ولكننا عملنا على مضاعفتها. ألم تسمع بذاك الفلسطيني المهم الذي كان يبحث عن فيلا ذات أوصاف معينة بطوابق وفرندات وشبابيك كفيلات بيروت التي تعودت امرأته عليها، وكانت الصدفة أن فلسطينيًا آخر مهمًا، ففلسطينيونا من هذا النوع كلهم مهمون، قد وجدها قبله، وتفاهم مع صاحبها على مبلغ كبير يدفعه له إيجارًا، وطلب مهلة يومين فقط ليأتي بمتاعه، جاء خلالهما الفلسطيني المهم الثاني، وضاعف المبلغ الذي في أصله كبير. طمع صاحب الفيلا الذي قال أعطيت كلمة للفلسطيني المهم الآخر، ولكن طُز في كلمة عهد تمنعني من تحقيق مضاعفة أرباحي، فأحضر هذا الفلسطيني العفن عفشه في اليوم ذاته. سألته وأنت يا غازي القلوب أين تسكن؟ ضحك غازي القلوب، وقال أسكن في شقة ليست ضيقة، ولكن على حسابي!
جاءت حورية البحر الميت، فسلم عليها غازي القلوب بجفاف، وقلت لها أهلاً. رأيتها تدخل في مكتب، وتخرج من مكتب، وكل طلباتها تمشي: في خدمتك، وتحت أمرك، وسمعًا وطاعة لك يا حوريتنا، ولتدعسي بنعلك شرفنا، والكل يتبادل معها الابتسامات الدبقة والنظرات الوقحة، حتى أن بعضهم قد ذهب في جرأته معها إلى حد إمساكها من خاصرتيها أو من كتفيها وجمع ذقنها أو قرص خدها، وغازي القلوب يتنهد ساخطًا، وأنا ألتفت من حولي ساحطًا، فلا يفوه بكلمة، ولا أفوه بكلمة.
أشار غازي القلوب إلى حراس أبي مروان بن الحكم، وقال لي بما أنهم هنا يعني أبو مروان بن الحكم قد جاء، فاصعد له، فصعدت له، لألتقي بالصحافية المقدسية في المبولة. كانت تسعل، وتعطس، وتعصر أنفها في محرمة، وفي الآن ذاته كانت سعيدة، وكأنها آتية من عناق، ترتعش من المتعة. قالت لي إنها قابلت الرئيس قبل سفره، فصحت دون أن أضبط نفسي: ماذا؟! أسافر حقًا؟ سخرت مني: يكون الآن في روما! قلت: التلفزيون قال... لكنها قاطعتني: التلفزيون قال سيغادر بينما هو غادر بالفعل! ساعتئذ انتبهت إلى أنها قابلت الرئيس، وأنها لم تجئ لتأخذني كما وعدتني! تجاهلَت الأمر، وقالت إنه كان بالفعل مريضًا، والبرهان على ذلك أنه أهداها بعضًا من فيروساته! سعلت، وعطست، وأضافت: رأيته على الباب، قال لي سأقابلك طويلاً حين عودتي فلا تقلقي! انضمت حورية البحر الميت إلينا، وأخذت تسعل هي الأخرى، وتعطس، فاستنتجت أنها رأت الرئيس. نادى عليهما المراسل، فذهبتا إلى مكتب أبي مروان بن الحكم. أخرجت عضوي، ورحت أبول على كل شيء، لوثت كل شيء في مبولة الانتظار. فتحت خزانة كانت هناك للعناكب والديدان، وأغرقت ملفاتٍ زرقًا مكدسةٍ فيها ببولي إلى أن ارتحت. خرجت وأنا عازم على ألا أعود عند أبي مروان بن الحكم أبدًا، فإذا بالمراسل يمسكني، وأنا في الممر، من كتفي، ويقول لي: يريد أبو مروان بن الحكم رؤيتك، وهو يمد لي ملفًا أزرق أضع فيه طلباتي. ترددت، وفي الأخير قلت ستكون آخر مرة.
كان مكتبه يغص كالعادة بزواره، فترددت مرة أخرى، وأنا أتقدم منه، وأتأخر، لكنه حثني على الجلوس قربه، وهو يشير إلى أحدهم بأخذ كرسي آخر، فقام هذا على الفور، وأطاع مثل نخلة نشاء. قال لي أبو مروان بن الحكم، وهو يضفي على لهجنه شحنة أخوية حارة، ويفتح عينيه على سعتهما، فتبين له عينان جميلتان: الرئيس ذهب في جولة أوروبية ليس فيها من افتتاح السفارات شيء، ولكنها جولة سياسية دولية، فخذ ألف دولار، واذهب لأولادك. أما بخصوص مشروعك الوطني الذي حدثتني عنه، وعن مشكلك المالي، فاعطني الملف الأزرق الذي في يدك بخصوصهما أمضيه من الرئيس حال عودته، ولا تحمل أي هم، سأبذل قصارى جهودي الأخوية الصادقة في سبيلك، وفوق هذا أطلب منه مساعدة بعشرة آلاف دولار - وهو يقدم لي ورقة بيضاء – سأجعله يوافق عليها كلها، أما الألف الذي أعطيك إياه، فاعتبره شيئًا زائدًا من عندي.
لاحظ اضطرابي وارتعاشي وترددي، فتح فمه ليعطس دون أن يفلح ثم أغلقه. رفع صوته، وكأن الحاضرين لم يسمعوا كل ما قال: الوالد لم يقابل أحدًا، كان بالفعل مريضًا، وقد وضعت حارسًا على بابه، قلت له امنع كل من تسول له نفسه الدخول على الرئيس حتى ولو كان أبو مروان بن الحكم ذاته، فقام بواجبه على أكمل وجه، واستأهل أن يصبح قائدًا عظيمًا! الرئيس هو الوحيد الذي يعرف كيف يختار أعداءه، وكيف يختار أصدقاءه. فكرت، ونواجذي لا تتوقف عن الارتعاش، أني على عكس الرئيس، لم أختر أعدائي، ولم أختر أصدقائي، ثم نبرت: أريد أن أعطي الرئيس ملفي بنفسي بعد كل هذا الانتظار! هكذا انفجرت في كل ذلك الصمت المخيم فجأة، فصُدم أبو مروان بن الحكم كشجرة زيتون بطول متر تُضرب بعصا. غاص في مخداته، وغرق في أوراقه التي لم يتوقف عن التوقيع عليها بينا كسر زواره جدران الصمت، وعادوا يطقون حنكهم، ويعلكون: أنه لا يوجد على وجه الأرض واحد مثل الختيار، يدفع للكتاب والأدباء بسخاء، ويخصص لهم رواتب خيالية، فقط ليكتبوا، وليكونوا بمستوى التحدي الحضاري لشعبنا، بوش وكول وميتيران لا يفعلون ما يفعله... تدخل أبو مروان بن الحكم، وهو يطل برأسه من بين أوراقه، وقال إنه لا يمكنه أن يفعل مثله، فعلق واحد أن لا أحد يمكنه أن يفعل مثله، وأن قائدنا العام لا مثيل له بالفعل! في أحد الأيام، أمر لأرملة شهيد بدفع ألف دولار رفضتها، فصاح بها كم تريدين؟ قالت عشرة، فأعطاها. أيوجد كرم أكبر من كرمه؟ ونفس أعز من نفسه؟ وأسمع الصحافية المقدسية تهتف بين عطسة وسعلة: ثورتنا ما أروعها! لا يوجد أروع من ثورتنا! وحورية البحر الميت تُثَنّي عليها... ثم راحوا يتحدثون عن "الحدث"، عن تعيين الرئيس لحارسه قائدًا لأمنه، فأيد أبو مروان بن الحكم القرار لأن الرئيس قد أجراه لوفائه، وهو كان يعرف فيه منذ كان فدائيًا عاديًا صفات قيادية غير عادية، وكان يتوقع أن تتفجر بصفاته هذه شخصيته ذات يوم، وقد صدق ما توقع على عكس ما قالت له تلك البصارة النصابة من أنه سيرث بوذا في أرضه ولحد اليوم لم يرث ولم يورث! وبعد ذلك، عرجوا على الفواتير التي تصرف عدة مرات، فتنحنحت حورية البحر الميت محرجة، وتنحنح اثنان أو ثلاثة هنا وهناك، فجهر أبو مروان بن الحكم بصوته الأنثوي أن هذا لم يحصل مرة واحدة معه وغازي القلوب أشرف محاسب على وجه الأرض شاهده. لكنهم قالوا إن هذا يحصل على مستوى أعلى، على مستوى شركة فتح غير المحدودة الأسهم، ففهم الكل أن المقصود ابن أبي حرب الوول ستريت الفلسطيني. نط واحد، وكشف أن دفع فاتورة فندق أو مطعم أو مستشفى مرتين أو ثلاث مرات لا شيء مقابل ما يصرفونه من مبالغ خيالية لفواتير وهمية لا وجود لها يتقاسمونها بين رئيس العصابة هذه ورئيس العصابة تلك، فقامت زوبعة خلت للحظة أن كل تونس على أثرها ستنهدم! تصايحوا، وتنابحوا، وحركوا أيديهم، وأرجلهم، وكشفوا عن أنيابهم، وأسنانهم، واتفقوا في الأخير أن لا أحد يمكنه تقليد توقيع الرئيس الأسهل من كل التواقيع، وصمتوا كالجرذان على جثة قط بعد معركة حامية الوطيس.
رحت أسمع لهاثهم، وهو يخرج من كروشهم، وأخال نفسي في زريبة للخنازير. جاء المراسل بوريقة لأبي مروان بن الحكم مربعة أدخل على أثرها شابًا خجولاً قال إنه آت من ليبيا للتدريس في مدارس صامد، إذ قيل له إنهم بحاجة إلى مدرسين خاصة أن الليبيين قد استغنوا عن خدماته بعد الإعلان عن الدولة رغم العقد الموقع بينه وبينهم القابل للتجديد دونما حاجة إلى توقيع جديد، فاستنطقه أبو مروان بن الحكم استنطاقًا عسكريًا: من قال لك إن صامدًا بحاجة إلى مدرسين؟ وكيف أنت هنا؟ من وضع اسمك في المطار؟ عند من تنزل في تونس؟ فتح فمه ليعطس دون أن يفلح، ثم رفع السماعة، وطلب مسئولاً من صامد، صاح به، أنبه، قال له إنهم هم الذين يروجون الأخبار في ليبيا اليوم وفي العالم العربي أجمع غدًا عن حاجة صامد إلى معلمين، فماذا يفعل لو هجم كل المعلمين الفلسطينيين عليه؟ وهدده بخصم عشرة أيام من مرتبه. التفت إلى الشاب، وأشار عليه بأن يكتب طلبًا، وهو يقدم له ورقة بيضاء، يضعه في دوسيه زرقاء مثل هذه، وهو يدفع له دوسيه زرقاء، ويضع طلبه عند نائبه "اللقلق الحزين"، أول غرفة على اليمين، وأن يغادر تونس على التو إلى ليبيا، وهم لما يحتاجون إليه، سيكتبون له. أتوجد أخبار اليوم أحسن من أخبار التعليم والأطفال؟ كل شيء على ما يرام! أربعون تلميذًا في الصف، لكن المدرس مسيطر عليهم! هناك مشاريع بناء صفوف ومدارس جديدة قريبًا وتُحل المشكلة! صحة الأطفال ممتازة، فهم يأكلون في بيوتهم، أو هم يأتون معهم بساندويتش يتغدون به، فالميزانية لا تسمح بتقديم وجبة غداء... عملنا مطعمًا في المدرسة لوجبة بمقابل لمن لا يتمكن من إحضار ساندويتش معه، ويا لها من وجبة بسعر باهظ لا يقدر عليها إلا أبناء القيادات!
قال الشاب لا بقاء له إذن في تونس ولا عودة له إلى ليبيا بعد أن وضعت ليبيا كل الفلسطينيين على الحدود كي يذهبوا إلى العمل في دولتهم، أهي دولتكم دولة على الفاضي، قال العقيد؟ ثم نهض منكسرًا مرتبكًا محبطًا حائرًا خائرًا لا يدري ما يفعل أو يقول، تمتم لأبي مروان بن الحكم بعض آيات الشكر والعرفان، وقال إنه سينفذ كل ما طلبه منه، وعنوانه معروف، حدود ليبيا، بانتظار كتابه حتى ولو أطال عليه، فعطس أبو مروان بن الحكم أخيرًا عطسة زلزلت المكتب ومن هم فيه.
رأيت شابًا يشبه أخي المحامي أيمن السيوف أو أنه أخي المحامي أيمن السيوف على أعناقهم العاجية بعينه يطارده الجنود من سطح لسطح، ويركزون راجم حجارتهم الأوتوماتيكي على ظلاله وأضوائه التي هي آلاف الظلال والأضواء إلى أن أمسكوا به على سطح سفارتنا، وراحوا يكيلون له اللطمات. أخذوه من سطح لسطح إلى أن دفعوه من سطح بناية من بنايات الميدان في رام الله، فسقط كالطائر الذي لم يمكنه فرد جناحيه: انقصم ظهره، وتحطمت جمجمته، وسقى بدمه مباول تونس وتل أبيب.


































23
رفضت سيدة ليل تونس المرصع بالنجوم اغتصابي، قذفتني بنعلها، وراحت تتشارك وأبو رُهم في اغتصاب بعض الفدائيين الأجمل من كل أقمار الدنيا والآخرة. كان أبو رُهم قد استقدمهم من جنوب لبنان، وقد أخذه السعار والسهاف، ومن حوله تابعاته المشوهات البشعات يمضغن له طعامه، ويطعمنه من أفواههن، أو يسقينه مزيج بولهن بالنبيذ، فلا يدب في الرأس النبيذ، ولا البول، وكلما فعل أبو رُهم في الفدائيين الشبان الأنعم من كل حسان الدنيا والآخرة وفعلوا فيما بينهم شاخوا، وعلى منظر غابة الفروج في الأدبار أو الأفواه تأخذ أبا رُهم اللذة، وعندما تغادره اللذة بعد إهراق الرغبة إلى إطلاق الرغبة، يقهقه بين كل جولة وجولة، وسيدة الليل تهمهم بين كل صولة وصولة، وزوج هارون الرشيد كما ولدتها أمها عارية في أحضان جلاديها السود العمالقة، وهم يمارسون معها فن النكاح الفردوسي جميعًا في لحظة واحدة: من يلتقط ثغرها، ومن يلتقط فخذها، ومن يلتقط بطنها، ومن يلتقط ثديها، ومن يهبط ويصعد في فرجها، وفي شرجها، وفي فمها، وفي حلقها، وفي بلعومها، وفي عمقها، وفي كنهها، وفي كينونتها، وهي تأخذهم كلهم في أحضانها، ولا تكتفي بهم أحضانها، ودولة بني العباس التي دالت قد قامت من أحشائها قبل أن تنهار من جديد مع لهثاتها وتأوهاتها وتوسلاتها إلى العمالقة السود الأسياد العبيد مطالبة بمزيد من الاختراق البعيد ومزيد من العنف المديد ومزيد من السحق العتيد، فجاءت طبول وأعواد ودفوف، وجاءت راقصات بزيهن الشرقي يرقصن "الراب"، ثم يخلعن، ويتخلعن في التعرصة، وجاءت ثعالب وذئاب وضباع وثيران وأحناش وأكباش بفروج منتصبة.
خرجتُ من لدن سيدة ليل تونس النائك، وأنا أكاد أختنق، فأخذت أستنشق هواء القصبة الرطب المسبب للسل الرئوي بكل قوتي على دفعات دون أن أميز فيه رائحة بارود ودم وبراز آتية من المنطقة العسكرية المغلقة التي رأيت فيها حين تسللت إليها جنودًا يضربون طفلاً في الرابعة، ثم ما لبثوا أن انقضوا على صحافية أمريكية حطموا كاميرتها واحتجزوا أفلامها... قلت هذه حادثة لا أهمية لها أمام جثث الناس والكلاب التي تغطي الأزقة. مر بي أناس لم أر في حياتي أحدًا يشبههم، خِلَقٌ لهم بين القِرَدة والبشر يأكلون من أدبارهم، ويتغوطون من أفواههم، خرجوا من ركام البيوت التي نسفها الجنود، وراحوا في جذب جثث الناس والكلاب إلى ثقوب يسكنونها وهم يتصارعون فيما بينهم على هذه الجثة السمينة أو تلك التي أقل سمنًا، يقطعونها إرَبًا، يقطعون يدها ورأسها وصدرها وحوضها وساقها، ويكسرون رأسها بحثًا عن مخها، ويحطمون صدرها بحثًا عن قلبها، ويثقبون بطنها بحثًا عن أمعائها، وهم يشدونها كل من طرف، ويغلونها في قدور ضخمة جعلوا الفحم جلدها والقذارة بدنها، أو يأكلونها نيئة، يفسخونها بأسنان أدبارهم، ويمصونها بألسنة فروجهم إن كانوا ذكورًا أو بشفاه مهابلهن إن كن إناثًا، وهم إن اشتبكوا فيما بينهم على كلية أو كبد أو مرارة فرقهم الجنود بإلقاء غاز مسيل للدموع، فيبكون، ويصرخون، ويركضون في كل الأنحاء، وهم لا يعرفون طريقهم لا إلى المستشفى الفرنسي الذي أغلق أبواب قسم الولادة فيه لسقوط بعض قنابل الغاز المسيلة للدموع في صحنه ولا إلى الشوربة الشعبية التي يوزعها القس بطرس.
وبينا أنا أسعى إلى الخروج من المنطقة العسكرية المغلقة بأية طريقة إذا بي ألتقي بالسيد المسيح عجوزًا بشعًا بشاعته من بشاعة أهل القصبة مشوهًا بل أشد أهلها تشويها بلحية طويلة مدوّدة بآلاف الديدان وشعر طويل موسَّخ بأطنان الأوساخ. قال لي إنه آت من الهند التي مات فيها، وأعطاني برهانًا على ذلك، وهو يشير بقيثار من كالكوتا بيد، وبعصا كريشنا المريد بيد، عصا من العاج الخالص. قال إنه فشل بعمل ما بشّر به من عدالة وحب وتسامح! هبط على جثة كلب يقوم ناس القصبة بتقطيعها، ويتخاصمون من حولها، واختطف لنفسه منها قطعة ثخينة، ثم راح يضرب بعصاه الذين يحاولون انتزاعها منه حتى الموت، فيرضخ الباقون له، ويجعل من بشر أسفل درجات الإنسانية شعبه.
عاد المسيح يضرب بعصاه عميًا لم يمكنهم أن يسرقوا له من جنة سيدة الظلام تفاحًا وكمثرى، فبعث بطرش لم يفلحوا، فضربهم هم أيضًا، ثم بعث بخرس لم يفلحوا كما لم يفلح غيرهم ممن بعث قبلهم، فضربهم هم أيضًا، وذهب بنفسه على ظهر كلب أجرب ذبحه للحارسين الصبيين العبدين الأسودين الأنيقين، وطبخه لهما، فتركاه يسرق ما يشاء من تفاح وكمثرى، واختطف في الوقت ذاته حورية جعل منها عاهرًا. قلت له ربما كنت مسيحًا ولكنك لست المسيح! فنبر إن ذلك المدفون في كنيسة القيامة الذي ما قام ولن يقوم كان غيره، كان جسدًا غير جسده، ليس جسده، وإنما جسد شخص آخر مشعوذ أخذ مكانه، فهو الكلمة الحيوانية، هو الضنك، وهو الأزمنة البائدة! هو المسيحية قبل أن يكون المسيح، وبرهانه على ذلك: مخطوطات البحر الميت. وأخذ يصيح بناس القصبة الذين نصفهم إنسان ونصفهم حيوان أن اكرهوا بعضكم واستمتعوا بالعبودية واغرقوا في بحور برازكم ودمائكم ولتكن هذه سعادتكم! عزف على قيثاره الهندي لحنًا بوذيًا ثم أخذ يقبل الحورية التي احتضنها بشراسة البشر الأولى، والحورية تكشر مشمئزة. انتزع ثيابها، وراح يلتقط محاسنها، ويلقيها لشعبه، وشعبه يصرخ صراخ الملتاث المحموم... تناول بشرًا برصًا، وصلبها، ثم تغوط عليها.
غابت الدنيا عن الدنيا، فضربني المسيح بعصاه، وقال انظر إلى ذاك الولد الملثم الذي يرشقني بالحجر والزجاجات الحارقة فإنه صنوي. وبالفعل، رأيت ولدًا ملثمًا في الظلام يبرق، ويختفي. استطعت اللحاق به، والخروج من المكان الذي اختفى فيه. وأنا أركض في شارع الحرية، اجتازته حافلة فيها نفر من العاطلين عن العمل حوّلها عن اتجاهها أحد المستوطنين إلى أن ابتعدت في دنيا شارع الحرية بسرعة جنونية، ورأيت آخرين على الرصيف المقابل لمبنى الجامع الكبير، وهم يضربون بالرصاص فيه جدارًا، كانوا يصيحون نحن موسى، فصحت أنا المسيح!































24
وجدت الشويعر الدحبوري في مكتب أبي منيف الأنف الوطيء قابعًا كالخيارة المنتنة في مكانه المعتم، وهو يحتسي قهوته التي لم يتمها، إذ نهض حال دخولي ناقلاً الفنجان بيده، وتمتم لرئيسه أبيض الوجه أسوده أنه سيتركه مع الدكتور، فطمأنه أبو منيف الأنف الوطيء أن كل شيء سيكون على ما يرام، وهو يخفض صوته وعينه، ويراني من طرفها، وطلب إليه ألا يترك الدائرة، فسارع الشويعر الدحبوري إلى القول بل إنه سيبقى ما بقي في قلبه نبض.
بدأت أشكو أمري لأبي منيف الأنف الوطيء، وأبو منيف الأنف الوطيء يتفرج عليّ من بين صفوف الكتب والملفات المتراكمة على مكتبه بلا مبالاة طبيب بيطري أمام نعل بصدد الموت لم أتوقع ذلك منه. فهمت السبب: لأني أهملت الاتصال به كل فترة مرض الرئيس، واكتفيت بأبي مروان بن الحكم وسيطًا للقائه، فلا أبو منيف الأنف الوطيء يطيق أبا مروان بن الحكم ولا أبو مروان بن الحكم يطيق أبا منيف الأنف الوطيء، وذلك منذ كانا يعملان معًا ويتنافسان، أريد القول يتناحران كزعفران مع زعفران على أعلى المناصب، وبالتالي على التقرب من الرئيس، فكيف استطاع الشويعر الدحبوري أن يحصل على دعم الاثنين ورضائهما؟ قلت لأن الشويعر الدحبوري لا يشكل خطرًا لا على الواحد ولا على الآخر، ولا بد أنه جاسوس للواحد على الآخر وللآخر على الواحد، للواحد والآخر، ضد الواحد والآخر، الكل يتظاهر بعدم الفهم، والكل مبسوط! عطس أبو منيف الأنف الوطيء، وسعل، وبصق، فقلت وسيلتي الوحيدة لكسر جدار الجليد القائم بيننا أن أحدثه عن محمد العبريّ، خاصة أني قطعت كل أمل في أبي مروان بن الحكم لا رضي الله عنه، وأنّ عليّ أن أجد واحدًا آخر للوصول إلى الرئيس. وما أن بدأت أحكي له عن محمد العبريّ وعن مشروع ترجمة القرآن معه حتى تبدل الرجل تبدل اللفت المنقوع في الخل، رأيته يصعد برأسه من فوق أكداس الملفات والكتب، ويفغر فمه عن بسمة عريضة قضمت كل وجهه. صار يقاطعني معلقًا أو مضيفًا وكأن المشروع مشروعه ومحمدًا العبريّ أخوه أو ابن عمه، ولِمَ لا يكون هو ذاته في ثوب يهوديّ على القياس؟ قال لي: ستقابل الرئيس حالما يعود من جولته الأوروبية، هذا عهد، وأنا طول عمري ما نكثت مرةً واحدةً عهدًا! ستكون لنا موطئ قدم، سنعمل من خلالك، وسنكلفك بمهمات وطنية يكون السلام العادل لها هدفًا والهناء الأبدي للشعبين! مثل هذه المشاريع تغيب حتى عن مثقفينا الذين هم هناك، بينما هي أهمها لإقامة الدولة على أرض الوطن بعد أن تم الإعلان عنها في الشتات…
ثرثر طويلاً، خاض في مسائل كثيرة، وألقى محاضرة كمحاضرات الأساتذة الجزائريين الأميين الذين كانت الجامعة مرحاضهم غداة الاستقلال، نسي طوال الوقت أن يعطس أو يسعل، قلت لقد شفي الرجل، وفجأة، ودون أن أتوقع ذلك منه قال لي إنه اتفق مع محمود أمين الجاهل على إدراج روايتي "العجوز" بين الكتب التي سينشرونها في دار الثقافة الجديدة ، وذلك مقابل كمية يدفعون ثمنها دولارات وفيرة، ولكن معلهش كل شيء يرخص في سبيل ثقافتنا ومثقفينا! فكرت في ثوب المنحط الذي يرتديه، وقلت إن الخطاب في مثل ظروف كهذه ابنٌ للانحطاط سواء أكان في السياسة أو في الثقافة، وشعرت به وبالجاهل حشرتين تتكونان في داخلي لم أقدر على سحقهما بعد، لأني لم أزل سجينًا لهذه الثقافة وتلك السياسة! وفي لحظة حريتي سيأخذون من لغة البذاءة التي ستظل عاجزة عن وصفهم ذريعة للتهجم عليّ وتغطية فضائحهم في السياسة والثقافة! سألني إن كنت بحاجة إلى دنانير تونسية، فقلت لا، على الرغم من حاجتي الماسة إليها، فطلب مني ألا أتردد في طلبها، وهو سيسجلها بالدولارات على حساب الصندوق القومي، أما عن ترتيب وضعي المالي، فعليّ أن أكتب للرئيس في الأمر، وسيعمل على موافقته. قلت كتبت للرئيس في الأمر، ولكن... فقاطعني: وبخصوص محمد العبريّ هل كتبت؟ قلت: كتبت، وطلبت أيضًا مساعدة. تجاهل المساعدة، فتجاهلت تجاهله، وأنا أُخرج صور الأوراق من جيبي، فقال لا داعي ليطّلع عليها الآن، وسيطّلع عليها متى عاد الرئيس من أوروبا. راح يخفف من وطأة الانتظار على مخي لما عاد يحكي لي عن ابن عمه الذي جاء من عمان منذ عدة أشهر بطلب مستعجل من الرئيس، ولحد اليوم لم يقابله، بل بالأحرى قابله، وهو على فراش المرض، وأخبره الرئيس أنه يفكر فيه، وسينظر في المسائل التي طلب إليه أن يأتي من أجلها بعد شفائه، أما الآن، وقد سافر إلى أوروبا، فبعد عودنه، وأنت أيضًا ستحل مسائلك بعد عودته.
قمت إلى الباب المصفح، فضغط على الزر بقدمه لينفتح، وهو ينط، ويكاد يضرب لي وجهي. تبعني إلى الباب مودعًا، وسلم عليّ بحرارة، شكرت في سري محمدًا العبريّ، وغادرته.
فوق، فتحت الباب على أبي الهيثم لا أخلف الله عليه، فوجدته وحده كالكوساية النابشة شعرها يتمعن في الملف ذاته. أبان أسنان الحصان التي له، وناداني، قال لي ادخل، فقلت له لن أدخل، سأذهب عند أبي الطيب الذكر، فخضب أكثر مما كان.
وجدت في مكتب أبي الطيب الذكر– الذي لم أجده- الشويعر الدحبوري يكتب، وهو يرفع ويخفض رأسه باحثًا عن جاسوس وهمي. خبأ عني ما يكتبه بوضع أصابعه على الورقة، فأعطيته ظهري، وذهبت عند دكتور الآثار والنفوس. أخذني في أحضانه مرحبًا، فهذه غيبة طويلة. سألته عن أبي الطيب الذكر إن رآه، فقال إنه رآه، ولكنه غادر الدائرة لعودة طبيبه. لم يزل مريضًا، بل إن مرضه قد تفاقم. قلت كلنا مرضى، كل فلسطيني عبارة عن مستشفى متنقل، وأنا على وشك الانهيار، فقال الدنيا كلها لا تعادل دوام الصحة وهناء البال! وأخذ يمازحني، يحرك أصابعه ببراءة، ويقول كلامًا بريئًا. كنت أرتاح لدكتور الآثار والنفوس كثيرًا، ودكتور الآثار والنفوس يرتاح لي أكثر. كان كلما التقاني يغدو طفلاً، كان يهجر الرجولة إلى الطفولة، ليعبث كما يشاء له العبث حرًا طليقًا. كنت أقول لنفسي إنهم يحاولون تدميره لكنه يقاوم بغضب أطفال الخليل. عرض عليّ بعض تحف فخارية صنعها، فقلت عنها جميلة. أوطأ صوته، وقال إنهم كلهم ضدها، لأنها ستكلف بعض النفقات، ولن تدر عليهم الربح ذاته من مصنوعات أمهاتنا، مصنوعات يشترونها بدريهمات، ويبيعونها بالآلاف. لهذا، عزمت على أن أصنعها على حسابي. انبثق من عينيه لون الحداد الذي أجرته نابلس مؤخرًا على آخر شهدائها، وبدا لي مخيم طولكرم قائمًا قاعدًا على الرغم من الحصار العسكري المضروب عليه ومنع التجول، بدت لي في عينيه الكرمليتين كل بناتنا اللاتي اعتقلن وكل أولادنا الذين حاولوا الهرب من معسكر أنصار 3 إلى صدور الذئاب... كان مستوطنون ملثمون قد احتلوا مدرسة في الخليل، ومنتفضون ملثمون قد طعنوا امرأة في مخيم البريج بتهمة التعريص، وكنت أنا ضد هؤلاء الخرائيين من المستعمرين وأولئك "المنصفين" من الفلسطينيين. لم أكن أخشى أن يتهمني البعض ياللاسامي أو باللافلسطيني، فالموقف ضد مسببي الموت لا علاقة له بالكره العنصري. أأكون عنصريًا ضد العنصر الذي أنتمي إليه؟ كنت لا أُدين هنا إلا سلوكًا تطرفيًا وتخريبًا سياسيًا، تمامًا كإدانة جنود الاحتلال والأنظمة العسكرية، عربية، تركية، إسرائيلية، كنت هنا من أجل الدفاع عن ضحايانا وضحاياهم، وبدافع هذا الحب للعدالة الكونية سألت عن جريمة بناتنا المعتقلات، فقيل لي لأنهن رشقن جندية بحجر لا يؤذي الحمام! قال دكتور الآثار والنفوس إنه بدأ اليوم صومه الكبير، فقلت أما أنا، فقد بدأته منذ حططت الرحال في تونس، لم يكن يومها الأحد، وكان الأحد الأول.





















25
نزلت الدرج خائر القوى لا رغبة لي في شيء، أرى العالم يتحرك كالظلال الصينية. وصلني من ورائي صوت عمر النروجيّ، ثم أخذني بين ذراعيه. قال إنه لم يجد أبا الطيب الذكر في مكتبه، فقلت أبو الطيب الذكر مريض. سألني عني، كما ترى أنتظر دومًا الرئيس. صاح: تنتظره منذ اليوم الذي تكلمنا فيه على الهاتف؟ هززت رأسي، وهو يكاد يتفجر: ظننت أنك سافرت وعدت! لم أسافر ولم أعد، وأنت؟ قال إنه سافر وعاد منذ يومين، وهو ينزل في نفس الفندق الذي أنزل فيه. تبادلنا رقم غرفتينا، وسألني إن كان عندي وقت لنذهب إلى الدائرة السياسية ثم نعود إلى الفندق ونتغدى معًا؟ قلت كل وقت العالم لي!
أخذنا طريقنا إلى نهج معاوية بن أبي سفيان، وبدأ عمر النروجيّ يحكي عن إنتاجاتي التي قرأها. لاحظ أن ذلك لم يثر عندي حماسًا للاستماع كما هو دأب الكتاب العرب، فهؤلاء ما أن يبدأ أحدهم بالحديث عن كتبهم حتى تكبر آذانهم، وتصير لهم آذان الحمير. كان عمر النروجيّ يحاول الرفع من معنوياتي، فتهب عليّ رائحة الدراقن من جبال نابلس. ولما لم يفلح، راح يشكو لي همومه، ليقول ببصيرة الدبلوماسي التي له إننا كلنا في الهم سواء مع دولتنا ورموز ثورتنا وحثالات المتسلقين. قال لي إنه صنع مكتبنا في النرويج وحده، وشكله عنصرًا عنصرًا مثل "مربكة"، قال لي إنه قاتل على كل الجبهات، على جبهة اليهود الصهاينة، وعلى جبهة النروجيين الصهاينة، وعلى جبهة الفلسطينيين الصهاينة، إلى أن أقام المكتب الذي اعترفت به حكومة النرويج، ولم تعترف به الدائرة السياسية، فهي لغاية اليوم لم تصرف له الميزانية الخاصة به، لماذا؟ لأن هناك في أنفاقها ودهاليزها من يعارض وجوده على رأسه، هو الذي كان على استعداد للتضحية برأسه في سبيله.
دخلنا مباشرة عند الرقم الثالث في الدائرة "الصياصية" صخر البس، كان يعرفني من كتاباتي، فهو قد كان كاتبًا قبل أن يصبح دبلوماسي الرقعة. راح يلاطفني على حساب عمر النروجيّ، فنهض عمر النروجيّ، وقال إنه ذاهب إلى رؤية الرقم الثاني في الدائرة أبي جعفر المنصور. فتح صخر البس خزانة مزججة من ورائه، وأخرج روايتي "المسار" الضخمة، وهو يروزها بيده، ويمتدحها، ولكنه انتقد طولها، قال إنه لو نُشرت أقسامها الثلاثة في ثلاثة مجلدات لكان ذلك أفضل للناشر والقارئ. تسرعت، وقلت من النادر أن أقع على مثقف في بدن سياسي، وإنه مستقبل الدبلوماسية الفلسطينية! إذا بالتلفون يقرع، فرفعه، وأخذ يحيي من كان في الطرف الآخر من الخط، ويؤكد: إنه كلم معالي الوزير، وسيرسلون له نائبًا عما قريب، ثم أخذ يبعبص في السماعة، ويبتسم لي، فقززني! كنت أريد أن أكلم الرئيس عن أخي أيمن السيوف لكني قلت لنفسي كل شيء إذن بيد الوزير بشرط ألا يتدخل "بعبوصه"، فسمعته يقول وكأنه سمعني إن كل شيء فيما يخص الدبلوماسية الفلسطينية بيد معالي الوزير، سألته والرئيس؟ قال يبقى فخامة الرئيس ربها ونحن كهانه، لكنه رئيس للرئاسة أولاً وليس وزيرًا لوزارة. وإذا بالتلفون يقرع من جديد، فرفعه، وأخذ يحيي المتحدث إليه بتحية أقل حرارة ممن سبقه، وهذا يبدو أنه موظف متواضع لم يتسلم رواتبه منذ تسعة شهور. خلته يرجو، ويتوسل، وصخر البس يطمئنه، سيرسل أمرًا بالدفع اليوم، وهو يبعبص في السماعة، ويغلقها بكفه حين يقهقه. أردت مغادرة مكتبه، فمنعني التلفون الذي قرع ما أن رمى صخر البس السماعة، فرفعه، وأخذ يرد بلهجة فاترة هذه المرة، ومَنْ على الطرف الآخر من الخط يرجو، ويتوسل، فهو مريض، بعث له بشهادات طبية من أكثر من طبيب، ولا يمكنه الالتحاق بعمله، سيموت إن التحق بعمله، فلماذا يبرق له مهددًا بفصله؟ إن كان هناك أحد لا بد من فصله، فلص المكتب مديره وديوثه. راح صخر البس يصيح به أن مت يا رجل، وإن لم تلتحق بعملك طردناك مثل كلب. والرجل على الطرف الآخر من الخط قد تجاهل كل ما سمع، ورجا صخر البس أن يضع اسمه في المطار ليأتي إليه، يريه حاله، ويتفاهم معه، لكن هذا أنهى المكالمة بحل عن ظهري! وخبط الهاتف في وجهه.
التفتَ إليّ، وهو يبتسم، فعجبت من قلبه الذي لم تتضاعف دقاته، قلب بارد لدبلوماسي قلبه! لم يجعله يلهث، ولونه الأصفر لم يحمر، ولم يزرق! عاد يبتسم لي، وهو يلوّح بروايتي، ويحكي عن إعجابه بشخصية شريف أكثر من شخصية شعبان، لأن شعبان شخصية خيالية أكثر منها واقعية، أما شريف، فواقعية مناضلة آتية من أعماق شعبنا.
عاد عمر النروجيّ مخيبًا، فأبو جعفر المنصور غير موجود. قال له صخر البس إنه كان موجودًا، فرد عليه عمر النروجيّ إنهم قالوا له خرج. طلب إلى صخر البس أن يتصل بسكرتير الوزير، قضيب الزهر، من أجل أن يستقبله الوزير. وما أن همّ برفع السماعة حتى دخلت علينا حورية البحر الميت، قبلت صخر البس من خديه، فقال، وهو يمد لها ورقة: خدي با ستي، كل طلباتك دمغها الوزير! صاحت من الفرح، وعادت تقبله من خديه، وأنا أنظر إلى منبت شعرها المصبوغ بالأحمر وأقول لماذا؟ أحقًا كان ذلك من أجل جمال العاهرة والقديسة التي تصبو إلى امتلاكه فتياتنا في المقاومة؟ كان شعرها خرنوبي اللون جميلاً فشوهته، وكان لونها حليبيًا نقيًا فشربته الشفاه القذرة.
بعد مغادرة حورية البحر الميت، اتصل صخر البس بقضيب الزهر، فسأله هذا لأي موضوع يريد عمر النروجيّ مقابلة الوزير؟ مازحه صخر البس طالبا منه ألا يستلزم عليه، وهو يحك إبهامه بسبابته باتجاه عمر النروجيّ كي يفهم أنه يريد الرشوة المعتادة، فوافق عمر النروجيّ بهزة من رأسه، وعرف صخر البس كيف يتكلم مع قضيب الزهر، ثم أقفل الهاتف، وقال لعمر النروجيّ إن معالي الوزير سيستقبله غدًا صباحًا في تمام العاشرة. هل أقول لهم إن والد الوزير كان سارقًا للحمير؟ ولكنهم يعرفون!
ابتسم عمر النروجيّ لصخر البس، وابتسم صخر البس لي، وعاد يحلل كتابي، وأنا لا أصغي إليه بل إلى الجرافات التي تجرف كل شيء لنا في البلاد: الحقول والعقول والأبناء، وأصبو إلى سماع صوت الموج في بحر تونس، فلا يأتيني صوت الموج، وتأتيني أصوات الجرافات المصرة على جرف كل شيء: الأرض والبحر والمهد واللحد والنهد والشهد والعنقاء والقزماء والميتاء والميساء والغيداء والبغضاء والبيضاء والسوداء.
أعادتني إليهم يد تمتد للسلام عليّ، فإذا بواحد عملاق القامة بدينها مثل قرعة ضخمة قد دخل مكتب صخر البس منذ لحظات دون أن اشعر بمقدمه، كنت على وشك التذمر والنخير، فأذهبت عجو الخد، وسلمت عليه. قدمه لي صخر البس باسمه الحركي "أبو ذر الغفاري"، فقال هذا اسم له قد أكل الدهر عليه وشرب، يوم كان ثوريًا، أما اليوم، فهو تاجر صغير ككل التجار الصغار الذين نعرفهم جميعًا. كان عمر النروجيّ يعرفه، فضحك، وقال: ككل التجار الكبار الذين لا نعرفهم جميعًا! طرق وإياه كفًا بكف، وهما يقهقهان. عرفت من حديثه مع صخر البس أنه يسعى إلى معرفة ما إذا كان الوزير قد وقع على أمر لم يفصح عنه، ولكن الأمر واضح بعد أن عرّف الرجل نفسه، وأضاف ما أضاف عمر النروجيّ. تململ صخر البس في مقعده، وهو يبحث في أوراقه، وبعد أن تلاعب قليلاً بأعصاب الرجل الضخم قدم له الورقة الموقعة، وهو يغمزه، وبقول: لأجل عيني أُم ذر كي تكون راضية علينا! نقلت كتابي، وحفرت بعيني صفحة من صفحاته. راحت الحرف تدور، وتدور، ثم امحت الحروف، فسمعت أبا ذر الغفاري يقول: هذه الصفحة البيضاء نسوا طبعها! تناول الكتاب من يدي، وراح يحزر وزنه، فعلق صخر البس متفاخرًا أن هذه أضخم رواية فلسطينية قضى الدكتور في كتابتها خمس سنوات أو ست كما تكشف التواريخ التي سجلها، فانذهل أبو ذر الغفاري: خمس سنوات أو ست لكتابة هذا! على الأقل هل در عليك هذا بعص الربح؟ قلت: ولا مليم! وكم واحدًا قرأ هذا؟ قلت القليل. قال إذن لماذا كتبت هذا؟ تدخل صخر البس: أنا واحد من قراء هذا الكتاب العظيم! علق عمر النروجيّ إنه لم يقرأ الكتاب، ولكنه معجب بكل ما يكتب الدكتور، بينما بقي أبو ذر الغفاري يقلب صفحات الكتاب الضخم دون أن تزول عن وجهه أمائر الاستصغار لامرئ خرج على الدنيا شاهرًا سيفه، قال لي: أنا مليونير اليوم، أما لو بقيت ثوريًا لقعدت طوال حياتي فقيرًا! قلت: أما لو بقيت ثوريًا لسرقت، وأصبحت مليونير زمنك كغيرك من الثوريين الذين لنا! انفجر صخر البس يضحك، ويردد: الله يسامحك! الله يسامحك! وأبو ذر الغفاري يقول: لكني كنت ثوريًا شريفًا!













26
ونحن نخرج من مكتب صخر البس لمحنا أبا جعفر المنصور ظلاً لظل، كان قد رافق أم جهاد التي يرافقها عطر الليمون إلى الباب الخارجي، ولما عاد إذا به وجهًا لوجه معنا. سلم على عمر النروجيّ الذي عرّفه عليّ، وأدخلنا مكتبه. لم يكن بحاجة إلى الاعتذار، فأم جهاد أعظم سبب لاختبائه اليوم عن زواره. بدأ يحكي عن الاحتفال بذكرى رحيل أبي جهاد، قال إنه اتفق مع أم جهاد على إقامته في فندق الهيلتون، وإن تفاصيل صغيرة أخيرة قد بحثها في لقائه هذا مع رفيقة الجهاد ورمز استمرار المسيرة التي دشنها الشهيد الراحل. عرض علينا ملصقًا أخرجته الدائرة السياسية رغم أن عملاً كهذا ليس من اختصاصها بل من اختصاص دائرة الثقافة أو المسؤولين عن الداخل، لتعرفا كم هو عزيز علينا البطل الشهيد، وبصفتي نائبًا لمعالي الوزير أدعوكما إلى حضور الاحتفال هذا المساء. قدم لكل منا بطاقة دعوة ملحًا على أن الدعوة شخصية، وكل منا يشكره على لطفه. وقبل أن يأخذ الداخل والخارج على أبي جعفر المنصور من موظفي الدائرة بالدخول والخروج، وقبل أن يمتلئ مكتب نائب معالي الوزير بالوجوه البشعة التي تقضمها الابتسامات الصفر والخضر والسود، سأل عمر النروجيّ عن مسألة صرف ميزانيته إن كانت قد حُلت أو في طريق الحل، فأكد له أنها في طريق الحل في اللحظة التي قرع فيها الهاتف، فأمر العاملة على البدالة أن تحول المكالمة إلى صخر البس، وقد تناسى كليًا مسألة صرف ميزانية مكتب النرويج، وأخذ يسألنا عن رأينا بالمبنى الجديد دون أن ينتظر منا جوابًا إذ قال إن المبنى الجديد للدائرة أفضل بكثير من المبنى القديم! قال عمر النروجيّ إنه سبق له وتحدث معه في أمر المبنى الجديد الذي لم يعد جديدًا وكأن أبا جعفر المنصور لم يسمعه إذ أضاف إنها فرصة ثمينة على أي حال لأن المبنى القديم ينفع مبيتًا للشباب، هكذا يمكن للواحد فيه السهر على راحته، خاصة أن المبنى القديم لا يبعد عن المبنى الجديد، فيبقى الجميع على أهبة واستعداد لأي احتمال، فالاحتمالات الطارئة علينا كثيرة نحن الذين قاومنا الصهاينة ولم نزل بكل القوة والجرأة اللازمتين، فالعدو لا يرحم، ونحن لا نرحم العدو! أخذ أحد الحاضرين يصيح: أبو جعفر المنصور نصرك الله على أعدائك! وآخر يثنّي: أبو جعفر المنصور ثوري منذ نعومة أظافرك، الحق لك في كل شيء، من مقاومة الصهاينة إلى مقاومة العابثين بشرف الأرامل! وهو يهز رأسه على الجانبين كالبطيخة، ويتمايل. قال لي أبو جعفر المنصور بنكهة القرفة المسيخة والبهار المغشوش: ولتلاحظ أن أثاث مكتبي كله من برة! فقال عمر النروجيّ: الدكتور أول مرة يزورك فيها، وهو لا بد أنه لاحظ ذلك. قلت: لاحظت ذلك من أول نظرة! تمطى أبو جعفر المنصور منتصرًا: أما الأثاث القديم الذي لم يكن بالفعل قديمًا، فقد تركناه للشباب كي ينعموا به ويهنأوا. التفت إلى الجميع، ونظر إلى الوجوه الموجودة واحدًا واحدًا، وهو يهز رأسه كالشمامة المبعوجة هذه المرة، ويرخي بسمته القنبيطية المهلوطة، ويحكي: والله السفراء انبسطوا من جهاز الدائرة الإلكتروني الجديد! نط أحد القاعدين، وعلق: يعني كم كلف؟ قال أبو حعفر المنصور: لم يكلف كثيرًا، كلف أقل من قاعة الأعياد المهداة إلى اليمن الديمقراطي التي افتتحها الرئيس في العام الماضي، ودشنها باسم قاعة القدس أو قاعة فلسطين والله نسيت، فنحن ثوريون نقدّر الثوريين، وهذا أقل شيء نفعله لشعبنا العربي في أقصى جنوب الوطن، حيث سيسجل التاريخ قصة الوفاء والعرفان بحروف من ذهب! وتوجه بالسؤال إلى أحدهم: الأخ أبو إيد قصيرة سافر إلى جيبوتي أم ما زال...؟ ما زال هنا إلى أن تترتب أموره هناك! ومين راح يروح لكينيا؟ الأخ أبو إيد طويلة... وابتسامات خبيثة أخبث من الخبث، ونتنة أنتن من النتن.
انهمك أبو جعفر المنصور بقراءة عشرات الرسائل، وتمزيقها، فدار الحديث بين الجالسين حول: كم سعر الدولار، والسيارة عتقت بدنا نبدلها، سيارتي بعتها وخسرت فيها، البركة في الختيار سينقدك فرق ثمنها، معالي الوزير كان غاضبًا عليّ لأني لم آت بما أوصاني عليه من أمريكا، لماذا يوصيك وهو كل يوم في أمريكا؟ في هيئة الأمم هيئة المزيكا! كان ذلك أيام زمان، أيام بيريس كضمان وحركة السلام الآن! أما اليوم، فلا فيزا له ولا لغيره. الأمريكان لا يعطونك فيزا، وتريدهم أن يعطوك دولة! المهم أن معالي الوزير قد وافق لي على الترقية، أنا أيضًا وافق لي على الترقية، أنا أيضًا وافق لي على الترقية، أنا رقاني معالي الوزير ورقاني فخامة الرئيس، فيصيح الآخرون: لا انتهازية ولا انتهازيون ما بيننا، إما أن تكون محسوبًا على وزيرنا أو أن تكون محسوبًا على رئيسنا، هكذا نحن نعرف كيفنا منذ مولدنا! أنا محسوب على الثورة! فيأخذ الآخرون بالقهقهة: نحن محسوبون على الانتفاضة! ويحزنون: لا تذكرونا بدماء شهدائنا، بأطفالنا الذين في كل يوم يسقطون، بأكبر فاجعة في تاريخ وجود البشر منذ كان بشر وكان وجود! شعرت بأني أُنبذ نبذ النواة من فم غزة، وأني أُطرد طرد الشيطان من حضن الضفة التي لم أستمتع بمشاهدتها أيام كان الوقت يسمح بمشاهدتها، فما شاهدتها كما أريد اليوم مشاهدتها، وما اكتحلت عيني بغبارها، شعرت بأني أُلعن لعنة الشاعر المجنون في "بربرة"، ذلك الذي كان يجلس مع حبيبته مشدودًا إلى جدائل شعرها، يحكي، ويسمع، ويود ألا يُختم الحكي ولا الكلام – يا فاتح كل كلام جميل– أو ينتهي الاستماع إلى ما يقوله الحبيب للحبيب في الجحيم الذي صار جنة، وإذا باللعنة تسقط عليّ من السماء برقًا يدقني اثنين، أحَدُني يظل وفيًا منفيًا، وأحَدُني يصبح الغدر بعينه... إلى أن دخل أحدهم، تكلم مع أبي جعفر المنصور في أذنه، وأبو جعفر المنصور يمزق الرسائل بعد أن يقرأ أول سطر منها، يهز رأسه، ويحول كل تلفوناته إلى صخر البس. وفي الأخير، أنهى الهامس في أذن أبي جعفر المنصور كل قصصه السرية، ثم سلم على عمر النروجيّ، فقدمه لي: هذا أبو مات الملك يحيى الملك مدير علاقات الوزير، فحييته تحية رد عليّ لما عرفني بأحسن منها. أخذ مجلسًا قربي، وبدأ يحيي فيّ شجاعتي في الكتابة ونقدي الصريح. قال لي إنه قرأ كتابي "تراجيديات"، وحزن عندما قال هي بالفعل تراجيدياتنا! وعلى الرغم من انتقادي المز للرئيس في الفصل الثامن إلا أنني رمز لحضارتنا، وللديمقراطية الفلسطينية، صحيح كله أدب بأدب ولغة جميلة إلا أن قلمي حين تنبأ بمصرع أبي جهاد، فهذه هي قمة الإبداع! قلت لعمر النروجيّ: هذا شخص استثنائي في هذه الغابة، فهمس عمر النروجيّ: لأنه كان واحدًا من تلامذة أبي جهاد.
كان أبو جعفر المنصور طوال الوقت يلقي نظرة على أبي مات الملك يحيى الملك، وأبو مات الملك يحيى الملك يتجنب النظر إليه كوردة حولاء إلى أن راح أبو جعفر المنصور يجحر ويشخر وبإصبعه أشار إلى أبي مات الملك يحيى الملك بالقدوم، وعندما جاء جذبه من أذنه، وأخذ به تعنيفًا وتأنيبًا ولربما تهديدًا، ولما عاد الرجل إلى مواصلة التحدث إليّ كان أبا يحيى وصار أبا يسقط، إذ راح يكلمني ببرود مفاجئ. ذهب كل حماسه الماضي، ولم يعد يذكر ما قاله عني أو عن كتابي، انفرط عقده، ورأيته كمن ضُرب بنعل على دماغه! أردت أن أقول له إني لم أتنبأ بمصرع أبي جهاد وإنما بهزيمته وهزيمة الرئيس! مصرع أبي جهاد صورة من صور الهزيمة، لكنه ترك الانتفاضة من ورائه، فماذا سيترك الرئيس من ورائه؟ ودون أن يتوقع أحد، ذهب أبو جعفر المنصور فجأة إلى بيت الماء، وبيده مجموعة من رسائل الناس مسح بها ثم رجع فجأة كما ذهب وعاد يمزق الرسائل، ويلقيها في سلة المهملات أو على الأرض أو من الشباك.
طلبت من عمر النروجيّ الذهاب، فوافقني. رأيته ينهض إلى أذن أبي جعفر المنصور، ويأخذ بالهمس، ويا لحظ عمر النروجيّ التعس إذ لم يتوقف الهاتف عن الرنين، وأبو جعفر المنصور لا يأخذ مكالمة واحدة، يحولها كلها إلى صخر البس، وهذا خلته ينكش أنفه بإصبعه الأوسط قبل أن يحركه في السماعة، وهو يشخر شخير الخنازير، ويسخر سخرية موليير الذي مات مرة واحدة على خشبة المسرح، ومرات عدة في الجحيم. رفع أبو جعفر المنصور هاتفه، وأمر العاملة على البدالة أن تطلب له صوصنا العام في باريس، وما هي سوى بضع ثوان حتى كانت باريس في أذنه. لم يسلم، لم يحيّ، لم يعمل أية مقدمة، قال لمحدثه: يا حمار! غدًا أريدك في تونس! وطرق الهاتف.

















27
الاحتفال بذكرى اغتيال أبي جهاد لم يكن احتفالاً عاديًا، كان في الهيلتون، وكانت الشمبانيا، وكان الويسكي، وكان المشوي، وكان الجمبري، وكانت أطباق من شتى الأنواع لا يأكلها المرء إلا في الهيلتون، وهو إن أكلها مرة، ولم يكن له ثوري فلسطيني ضمانًا للعودة إليها، فهو لن يأكلها في حياته مرة ثانية. خطب أبو جعفر المنصور بالناس قال: يا أهل الكوفة! والله إن ذكرى اغتيال الشهيد البطل لمدعاة للفرح والابتهاج، فالانتفاضة التي فجرها لم تزل مستمرة، وأهداف الشهيد الغالي في التحرير والاستقلال قد تحققت أو أنها على وشك التحقق، وأول أهداف الشهيد الغالي كان الإعلان عن قيام الدولة الذي تم، وبإذن الله سيتم التحرير، وسيكون الاستقلال عما قريب.
لم يحضر المسؤولون عن الداخل، أي كل الذين كانوا في الغربية تحت يد أبي جهاد، قالوا إنهم زَعِلون، لأن الاحتفال من شأنهم، وقد حلفوا أن يقيموا احتفالاً آخر يفوقه في القصف والنسف! والمسؤولون عن "السآفة" قسمٌ منهم زَعِلٌ لم يحضر بسبب الملصق، فالملصق من اختصاصهم، وهم سيصدرون بدل الملصق ملصقين، أما جماعة ال 17، فحضروا كلهم، لأن أبا جهاد المثل الأعلى في الجهاد... الديمقراطية والشعبية وباقي التنظيمات بعثت بمن يمثلها، والنظام بعث برئيس المخابرات.
رأيت حورية البحر الميت تطلع معهم إلى غرفتها واحدًا واحدًا، وتنزل، تطلع، وتنزل. سلمت على أُم جهاد، قلت لها إني حزين، فقالت أنا أيضًا حزينة، وهي مشرقة مبتسمة خلابة. عرفتني ببناتها الجميلات الأجمل من كل حوريات بحارنا وجبالنا، وهن يبسمن لي. مسحت عن خدي دمعة، في اللحظة التي دفعني فيها آخرون من ورائي يريدون السلام على البنات، فوجدتني وجهًا لوحه مع أحمض عبد الحمضان. صب لنفسه عصير برتقال لأنه غضبان من الويسكي، وسألني إذا ما زلت أكتب، قلت ما زلت أكتب. دار به بعض الذين لهم أشغال يقضونها معه، وأنا أسمع تكرار: قلت لي ولم أقل لك! وعدتني ولم أعدك! قلت لا بد من سر، فالرجل يبدو واثقًا بنفسه أكثر من ثقة ماجد أبي شرار الذي افتك منه منصبه بعد اغتياله، تلك الشرارة التي أطفأوها بأحذيتهم، فنحن نراه في التلفزيون كيف يخرج من مكتبه إلى الطريق كعظماء الموظفين لاستقبال الرئيس، والرئيس يضع يده على كتفه، ونراه مكشرًا، وهو يدلي بالتصاريح. قلت الرجل واثق بنفسه ثقة الرئيس به، إن وعد أوفى، وإن كاتبته أجاب، وهو حتمًا ليس بحاجة إلى توقيع الرئيس. أردت أن آخذه إلى طرف لأحدثه عن اشتراكات –لو أمكن- في "كتابات معاصرة"، فأمسكته من ذراعه دافعًا إياه برقة حورية البحر الميت مع زبائنها، وإذا به يجذب بعنف ذراعه، ويحدجني بطريقة لم يحدجني مثلها أحد طوال حياتي. خفت، وتراجعت. ظن الرجل العظيم أني أستصغره، أو أني أرفع الكلفة معه، وهذا يمكن أن يكون أقرب إلى سلوكي من ذاك، سلوك رفيق مع رفيق، وإن كان عظيمًا يبتسم فقط للرئيس إلى أن تقضم ابتسامته وجهه ورأسه وكله، فيغدو كالطابة بين يديه، بينا يكشر في وجهي، ويهمر، يريد افتراسي! وعلى الرغم من ذلك، قلت لا بد أني أخطأت، فاعتذرت، وحدثته عن إمكانية اشتراك "الإعلام الموحد" في تلك المجلة اليتيمة يتم أهل الدهر بنا! قال إنه سيشترك فيها بعد أن يطلع على مواضيعها، قلت مواضيعها أدبية علمية من علم الأدب وأدب العلم، فأصر على قراءة موادها، وأعطاني عنوانًا قديمًا له في المرسى لأرسل نسخة من المجلة الحزينة أو ليرسلها صاحبها الحزين، وعدت أسمع من حوله: قلت لك ولم أقل لك! وعدتني ولم أعدك! لأناس يلبسون بذلات صيفية وغرافات حريرية وأحذية إيطالية، يا لها من ألبسة جميلة ويا لهم من أناس بشعين، الجمال يسقطهم، والبشاعة تعليهم، وإن تشبثوا بأعناق الجمال! قلت لي... لم أقل لك... وعدتني... لم أعدك... أما هناك، فقد كانوا يتجمهرون حول بنات أبي جهاد، يسكرون، ويقهقهون.
وقعت على عيسى سعيد الغزاوي حزينًا حزن كل أرامل بشرنا وطيرنا، قلت له اضحك، فلو كان أبو جهاد معنا الآن لضحك! ضحكتُ، ولم يضحك، كان غزاويًا عنيدًا كمخيم! أخذ يحكي لي وهو يشير إلى وليمة الهيلتون عن أبي جهاد لما كان يأكل، ويصور له الصحون التي كان يأكل منها. كان يأكل لقمة أو لقمتين من كل صحن ثم يترك الباقي للشباب، فنأكل كالذي لم يأكل دهورًا، وآه ما ألذ الأكل بعد أبي جهاد! حكى لي عنه لما كانت بناته صغيرات كيف كان يلاعبهن، ويطلع بهن الدرج لما ينمن على مكتبه. قال لي إن أبا جهاد كان يحب رائحة الطلح وشجر الأرز والثلج حين يسقط، وقد أخذهم في الشتاء إلى القمم. كان يحب جبل الشيخ، وابنة جمبابا التي بحث عنها. كان لا يحب البكاء، كان يضحكنا لما نحزن على رفيق استشهد، ونفاجئه يبكي لما يكون وحيدًا. قلت لعيسى سعيد الغزاوي أما أنا، فلم أعرفه يوم التقيته بعد كل تلك السنين التي مضت في ضباب العمر وضباب الغربة، قال لي سبق والتقينا في الجزائر قبل أن أترك الجزائر إلى الواجب. كدت أقول له تريد القول قبل أن تترك الجزائر إلى واجب الموت، لكنه كان جِد جميل، جِد طويل، لحيته الناعمة البارقة منعتني من التفوه بالموت، وتواضعه أجبرني على السكوت. جلس معي على حافة سرير خشبي في غرفة حارسه الذي خانه ربما أو الذي مات معه، وقال لي سمعت عنك كثيرًا، سمعت عن أبطالك! أبدًا لم يتركني أبو جهاد أنتظر مرة واحدة، أبدًا لم يترك للآخرين الاتصال بي أو بغيري، كان يتصل بك على الفندق بنفسه، يلاطفك، ويحدد موعدًا معك. حدد معي موعدًا في اليوم ذاته الذي وصلت فيه، وتآمر كل الذين من حوله عليّ، لكن هذه قصة أخرى سأرويها من أول عهدها ذات يوم... بعدم إخفائه للتقدير الذي يستأهله شخصي، لأني أنا قبل أن أكون غيري، ولأني كغيري، أراد أن يعيد إلى الحياة مبدًأ فقيدًا، أن يلح على أمر فقيد. وألح على ألا يتركني لمرؤوسيه، فمات، وتركنا كلنا لمرؤوسيه!
قال لي عيسى سعيد الغزاوي لا تحزن، ضحك، ولم أضحك. رآني سمكة تخرج من الماء، فقال إن مرؤوسيه قد صاروا قوادًا وقواودة! وحولنا لا يكفون عن ترداد: قلت لي ولم أقل لك! وعدتني ولم أعدك! أبو الذل الذي كان ماسحًا لحذائه، وجعله الرئيس قائدًا علينا قبل أن يعيده من جديد ماسحًا للأحذية والبصاق، هذا الشخص المنحط حاول الاعتداء إلى أختي أحلام المنطلق، فلطمته بحذائها، وانتقم مني بتوقيف كل عمل لي معه، وبعدم دفع مخصصاتي. ضيعوني في باريس بعد أن ضيعوا الوطن في الوطن، بعد أن عهروه في كرخانات تونس، وإذا بنا بلا وطن، وبلا منفى، كما يقول الشاعر! نحن سكان الفضاء، ألم يكتشفونا بعد؟ نحن المعلقين بين الأرض والسماء، لسنا بشرًا، ولسنا طيرًا! نحن بيوتنا ونحن قبورنا ولا حاجة بنا إلى أخرى تحمينا من التعاسة، لا نعرف بعضنا، ولا نعرف أرحامنا، لأننا كالكواكب لكل مداره، وإن كان هذا ولدك أو هذه ابنتك وتلك أمك وذاك أباك... لن تبقى زوجة حبلى لنا، ولن تبقى زاوية دافئة لنا... والشتاء في باريس بارد كما تعلم، فأين منه برد النفوس القذرة والضمائر الأقذر من تلك التي لعدوك المطمئن على كل أمر وكل الأمر له، أمره علينا منزّل من السماء وإلا فانظر إلينا... وأشار إلى الحضور، وهم يشربون نخب الشهيد العظيم، ويلتفون ببناته التفاف الكلاب المتذائبة! دفعني عيسى سعيد الغزاوي، فكاد يوقعني. غدا نسرًا من نار، سقط على كل أولئك المتوحشين الراغبين في بنات أبي جهاد وأبيه الذي وجد فيه أباه الأول كالصاعقة المريمية، وراح بهم حرقًا وهلاكًا، ثم رفع بمخالبه أطهر البنات في الدنيا والآخرة، وطار بهن إلى الهواء الطلق، إلى سوسنة من غزة، وحماهن بظلالها.





















28
اشترطت سيدة تونس المدلهم لاغتصابي أن تنام مع فاطمة التونسية، فقلت القمر أقرب لها من لمس ظِفْرٍ لقدمها! قالت لي إذن سيظل محمد العبريّ حبيسًا وأحمد الحوات منفيًا ومحمود الجليلي منخرسًا ومحمود الدمشقي منعزلاً. اقترحت أن أجلب لها حورية البحر الميت، فقالت إنها تشمئز منها، فتاة استهلكها كل الرجال! رأيتها تقذف جسدها من فمها أفعى تتلوى، فأوقعها أبو رُهم في محوره الكوني، وجعلها جناحًا راح يخفق، ويخفق، إلى أن رشقته بحجر أسقطه، وأعدتها إلى ما كانت عليه سيدة ليل تونس الأخفى بالويل الشديد.
نادت عليّ أصوات الأنباذ القائمة القاعدة الصائحة الصامتة المتجمعة المتفرقة في جنة الدنيا، فذهبت إليها، فأرادتني نبيًا، فرأيت جثة المسيح المنكل بها، وأنياب البشر الذين ليسوا بشرًا ولا حيوانًا تمزقها. خفت من خطأ هم عليه، وأعدتهم إلى صواب هو عليهم: إني رذيل ومنبوذ مثلهم! قالوا لنجتمع إذن، ولنهاجم جنة الدنيا، فنجعل منها جحيم الآخرة! سخرت منهم، وقلت الجنة لن تكون الجحيم لو كانت جنة الدنيا ولو كانت جنة الآخرة! تكون لنا جنة أو لا تكون، وإذا ما أردتموها لأنفسكم، فتعالوا معي أدلكم على الطريق.
كانت القصبة تعيش حالة رفع منع التجول، وبين الإضراب العام والتجول اختار أهلها التجول، الانطلاق، والتحرر. أراد بعضنا أن يذهب إلى قصر الصيف، وبعضنا إلى قصر المرمر، إلى قصر زين العرب الأبشع من كل العرب في قرطاج، أو إلى قصر أبي مروان بن الحكم في المرسى، ثم اتفقنا على أن نذهب إلى قصر المرمر، إلى قصر أبي مروان بن الحكم في المرسى، فهناك البحر، وهناك المرسى للذين يودون الإبحار. تجمعنا في ساحة الحرية، ورحنا نسير كأمة ضائعة، كحثالة البشرية، كحيوانات ضالة، مع كل الملعونين والمجانين والمنبوذين، لتحطيم أركان القصر العتيد: كل متروك جاء معنا، وكل مخذول، وكل لقيط، وكل عنيد، وكل زوجة مهجورة، وكل امرأة مقهورة، وكل امرأة عاقرة، وكل عاطلة عن العمل، وكل عاطل عن العمل، وكل عاطل عن الأمل، وكل مريض يئس الأطباء من شفائه، وكل عاق، وكل معاق، وكل غاوٍ غَوَوْهُ، وكل غاوية غَوَوْها، وجعلوا منها بَغِيّا، وكل طائر جريح، كل طائر ذبيح، وكل كاذب صريح، وكل منفي معدم، وكل مطرود مبعد، وكل شخص مهمل، وكل شيخ صغير لا أهمية له لا يثير الاهتمام، وكل مثير للاشمئزاز، وكل مثير للدم، وكل مستوجب للّوم، وكل جدير بالعتاب، وكل مستوجب للزجر، وكل مستوجب للتعنيف، وكل مثير للريح، وكل دميم جميل، وكل دميم عظيم، وكل دميم رجيم... جعلنا منا طبقة الذين هم دون سواهم، الذين يحذر التعاطي معهم، الذين كان الواحد منا بشرًا، وجعلوه بشرًا محتقرًا، فذهبنا إلى قصر المرمر لنحطم على صفحته الملساء وجوهنا إلى أن نجعلها بخشونة وجوهنا، ولا بأس أن تغدو وجوهنا الباصقة للدم ملساء على الجدران الخشنة. نجحنا في تحطيم البوابة العظمى للقصر، فجاء جند القصر، وأطلقوا النار علينا، قتلوا بعضنا، ونجح بعضنا في تحطيم بعض أبواب الحجرات الأرضية، حجرة اجتماعات الرئيس منها وحجرة الأكل وصالون السفيرة، فاجتمع جند القصر وأصحابه، وأطلقوا النار علينا، قتلوا بعضنا، ونجح بعضنا في تسلق درجات القصر إلى طابقه العلوي، ليُقتل بعضنا، ويذهب بعضنا خطوة أبعد مما حققه بعضنا الذي قُتل من أجل بعضنا، وفي كل مرة نتعب أكثر، وفي كل مرة نعقد العزم على الابتعاد أكثر نحو هدفنا على الرغم من تعبنا، إلى أن خذلنا الصمود بعد أن خذلنا الهجوم، وخذلنا الهجوم بعد أن خذلتنا النجوم، صرنا نتراجع بالتدريج إلى مواقعنا الأولى، وأصحاب القصر وجنده لا يتوقفون عن قتلنا... اجتمعت فلولنا في حديقة القصر تعبة منخذلة بعد أن ذهب عنها وهم انتصارها، كنا تعبين، منخذلين، نبصق دمًا أحمر يسود، ومجاجًا أسود يبيض، فنشتاق كثيرًا إلى الراحة، وإلى النوم، وإلى العودة إلى ثقوبنا في جهنم حي القصبة، إلى منع التجول والمنطقة العسكرية المغلقة. كنا تعبين، وصرنا تعبين أكثر، جِد تعبين، تعبين جدًا!
جاء بعض الشيوخ المزيفين، وراحوا يضربوننا بأحذيتهم، وهم يحثوننا على النهوض، ويصرخون: حيّ على الجهاد! حيّ على القتال! ضغط إمام الجامع الكبير المعين بمرسوم ذليل على زر مكبر الصوت، ورفعه إلى أقصاه، وأخذ بالابتهال والدعوة والاستغاثة: اللهم انصر الإسلام والمسلمين! اللهم قوض عروشهم! اللهم احعل لنا مخرجًا! اللهم... اللهم... وكفاح حتى النفس الأخير!
وجدت تحت قدمي حشرة تمد لي لسانها، وتقهقه، فسحقتها بكل عنف، ثم تناولت مصارينها، ولُكتها مع لسانها بكل عنادِ مفجوعٍ ورغبةِ مستبدٍ في الألسن: لسان الثور ولسان الحمل ولسان الكلب ولسان الحية ولسان العصفور ولسان حال الحزب الحاكم ولسان حال المعارضة ولسان كل بغيّ في العالم العربي مؤمنة أو كافرة مطحون أو مدهوك مع حبة تفاح أو كمثرى.

29
فتحت التلفزيون على نشرة الأخبار لأسمع شيئًا عن دمنا الذي سال ليلة البارحة في قصر أبي مروان بن الحكم، فلم يتكلم أحد عما حصل، وكأن شيئًا ما كان! وعلى العكس عرض التلفزيون صورًا عن الجولة الأوروبية للرئيس، والرئيس يقبل الرئيس، والرئيس يسلم على الرئيس، والرئيس يضحك مع الرئيس، والرئيس يبكي للرئيس، فامتلأت نفسي مرارة على مرارة، ذاقت نفسي المرتين، وصرت للصحراء مرًا وللمر البحر والصحراء.
رن الهاتف، فقمت إليه بحماس انتظاري للرئيس، لكن المتحدث طلب أبا رُهم. رن الهاتف مرة ثانية، فلم أقم إليه بالحماس ذاته، لأجد زوجتي ملح السكر على طرف الخط الآخر. كانت غاضبة لأني تأخرت، تصيح، وفي الوقت ذاته تبكي. قالت لي إنها لم تعد تطيق البنات، تضربهن لأقل غلطة، وتكره أن يقتربن منها. وهن فيما بينهن لا يطقن بعضهن، يتضاربن طوال الوقت، وقد توقفن عن اللعب. قالت لي إن أخي أيمن السيوف يقضي كل وقته في التوقيع على الورق الأبيض، آلاف التواقيع بله مئات آلافها. وسألتني متى سأعود؟ قلت لم يعد الرئيس بعد، فشتمت الرئيس ورب الرئيس ودولة لها مثل هذا الرئيس، وضربت الهاتف في جبهتها، وبدأت تصرخ إن الدم من كل مكان في وجهها يتفجر!
خرجت إلى شارع فلسطين أمشي، ووجدتني أقطعه إلى ساحة العبودية، فحديقة الحيوانات حيث الشجر الميت والشجر المريض والشجر المحتضر! رحت أمر بعصافير الخشب وزنابق الخشب وورود الخشب وكروم الخشب وقرود الخشب وأسود الخشب وحيايا الخشب ومرايا الخشب وأسراب نحل الخشب، ثم أصعّد مشيًا على قدمين خشبيتين إلى المنزه السادس منزه الخشب. كنت أبحث عن الاختناق في صندوق تونس، عن إرهاق ساقيّ، عن سلخ باطن قدميّ، عن الابتعاد أبعد ما يكون عن زوجتي المدماة على الطرف الآخر من العالم، عن صورة للرئيس وهو يقبل الرئيس في الفاتيكان، الابتعاد في الابتعاد إلى أقرب نقطة من الانطلاق الذي هو انطباق في آن لم يكن ولن يكون.
قلت لأبي الطيب الذكر: أفقدونا الفرح مع أطفالنا، وأفقدوا أطفالنا الفرح! تناول حبة دواء مع جرعة شاي، ولم يعلق، ظل صامتًا، بوحه لا شِيَةَ فيه، قلت هذا لأنه مريض! فإذا بالشويعر الدحبوري يدخل علينا كالفاتح لفلسطين، وهو يلوح بفاتورة ويقول إنه عمل بثمن الملصق الخاص بأبي جهاد ملصقين، والله انتقم لنا من ذاك التونسيّ الطامع فينا! قلت له: لِمَ لا تنظر إلى آلاف الدولارات التي يلقي بها الفلسطينيون في بيوت الماء: ملصقات وتأبينات وأوتيلات وسيارات وفيلاّت ورحلات ومياومات وأفلام بايخة مثلت أنت في أحدها بعشرات الآلاف إلى آخره إلى آخره... إذن من حق أي تونسي أن يطمع فينا. ثم ألا ترى في عمل ملصقين بدلاً من واحد مبالغة وتبذيرًا؟ ولِمَ هذان الملصقان وأبو جعفر المنصور قد أصدر واحدًا؟ والحال هذه أينتقم الله لنا أم منا؟ ثم هل أنت دافع من جيبك؟ الكل يبذر والفلوس كثيرة وتريد أن تتشاطر على ملصق؟ تريد أن توفر من تونسي غلبان مائة دينار أي ما يعادل مائة دولار؟ فليوفر قادتك مئات آلاف الدولارات على شعبنا! والشويعر الدحبوري قد ظل يبزّق كبزاق طوال الوقت: الله انتقم، والله انتأم...!
رمى لي فاتورة أخرى خيالية لكتاب، وقال: انظر، أهذا أمر يُسكت عليه؟ قلت: لا، لا يُسكت عليه، ولكن كل البشر طامعين فينا. علينا تبديل سلوكنا من أكبر واحد إلى أصغر واحد، لنعود بشرًا عاديين، نتعامل مع بشر عاديين، وحسب معايير عادية... أشرت إلى فاتورة الملصقين المتواضعة، وقلت: هذا المسجل في الفاتورة، فكم المسجل في الدفتر؟ انضرب وجهه بنعل، وانخرس كلسان الجزرة. أضفت، وطوال الوقت أبو الطيب الذكر يسمع، ولا ينبس ببنت شفة: أنت ترى في المُبالِغ حقًا الطامع فينا نفسه الذي بحاجة بالفعل إلى مبلغ معين، وإن كان كبيرًا نسبيًا، لأن لا مقارنة على الإطلاق لمستوى المعيشة بين تونس ولندن. ثلاثمائة دولار ربما في تونس تكفي، وثلاثة آلاف في لندن لا تكفي لشخص هي بالفعل حاجته. إذن لماذا تتهمه هو أيضًا بالطمع؟ تحقد عليه، وتدعو الله أن ينتقم لك منه! فلم يعلق، وأبو الطيب الذكر يسمع دومًا، ولا ينبس ببنت شفة. هل أقول له إن كنتم تحتجون على وجودنا في لندن أو نيويورك أو روما مع أننا في هذه الأمكنة نعيش منذ ولدتنا أمهاتنا أحرارًا، ونحن فيها لضرورة، وليس للسياحة، إن كنتم تحتجون على غربتنا الكبرى، فجدوا لنا أعمالاً في ماخور بأقل الأجور نقبلها بشرط أن نعيش بكرامة! حتى هذا سيجدونه كثيرًا علينا نحن الذين لم نعد صغارًا، وسيسعون إلى اصطياد الحيتان التي على مؤخرات كبارهم الكبيرة! وكأن أبا الطيب الذكر قد قرأ أفكاري إذ سمعته يهمهم: يطمعون فيك، ويدغدغون في أعماقك عظمة الملوك والرؤساء، ففواتيرهم ومشاريعهم تعنون إلى صاحب الفخامة الرئيس، بواسطة الأخ الفخم مستشار الرئيس، وفي الحال لما يقرأ هذا الأخ الوضيع كل هذا التفخيم بشخصه غير الكريم لا يرى الأصفار بعد الرقم الأخير، ويحولها إلى الرئيس الذي يدوخ كمستشاره، يزم شفتيه عدة مرات على طنين "صاحب الفخامة"، يؤرجح رأسه، ويكاد يبلع الأرض، ثم يبتسم راضيًا عن نفسه، ويوقع على مبلغ الفواتير أو على المشاريع قبل أن تصير فواتير، يعرف جيدًا أن المبلغ المعتبر الذي يوقع عليه سرقة ونصب واحتيال، ولكن لا بأس، كل شيء يهون مقابل عظمة الألقاب وتاج الجنون!
قال الشويعر الدحبوري إنه سينزل ليرى أبا منيف الأنف الوطيء، ويحكي له، ولم ينس أن يأخذ معه قصيدة في مدحه، وعاد يكرر: الله انتقم، والله انتأم...! وفجأة راح يصرخ وهو يشد إليتيه. ولما خرج قال لي صديقي: "هذا لأن عنده العادة". "لأن عنده ماذا؟" "إنها بواصيره". وفي اللحظة ذاتها دخل القاص الطللي خفيف الظل، وقال إن جماعة الداخل لما سمعوا بقصة الملصقين قرروا إصدار ملصقات ثلاثة! رأيت أبا الطيب الذكر يُخرج حبة دواء بأصابع مرتعشة، ويقذفها في فمه، وأنا ألقي في الناحية التي ذهب منها صاحب القصيدة المحتقرة نظرة الاحتقار المسلطة على كل ماضيه الشعري كالنيران. نظرت إلى أبي الطيب الذكر في محنته، وعزمت على أن أحكي له عن مشروع ترجمة القرآن مع محمد العبريّ، وأن أعمل برأيه أيًا كان هذا الرأي. رأيت فيه كل أوجاعنا، وحزن كل أسماكنا، ويأس كل طيورنا، قلت لا بد أن أحكي لحقل الموز الريحاوي.
أخذ القاص الطللي يحكي بابتسامة حديثة عن مبنى الدائرة الجديد الذي سينتقلون إليه، عن غرفه وممراته وقاعاته، فنهض أبو الطيب الذكر، وخرج. جاء أبو الهيثم لا أخلف الله عليه، وفي يده الملف ذاته دومًا، وقال للقاص الطللي إنه هو من سيتكلف بكل أمور المبنى الجديد أثناء غيابه، فإلى أين أنت ذاهب يا أبا الهيثم لا أخلف الله عليك؟ قال إنه ذاهب إلى اليمنين وإلى بعض دول الخليج قبل أن يضيف "في زيارة خاصة"! قلت لنفسي يضحك على من هذا الحصان الأشبه بالبغل التركي! إذا به يصهل، ويقول إنه لن يودعني، لأنه سيجدني دومًا في مكاني حين عودته، وقهقه ساخرًا، فدارت بي كوكباته الجهنمية. كانت الشمس في سمت السماء، وقد غدا حصانًا أزرق يعدو بأمر فرس ضائعة في قرطاجة. أحسست بانحلال الزمن وانطلاقي في العالم كما لو كان ذلك لأول مرة. لم أر فجرًا في رأسه ولا سنة في جسده ولا سماء في ظهره. كان يعدو في ظل فرسه الضائعة، وينشر من ورائه غبار الموت حتى صارت له صورة الشمس المدمرة. امتطاه هاديس، ومضى به إلى جهنم حمام الشط بعد أن جعل من لونه الأزرق أسود، ومن قناعه الحصاني شيطانًا أبيض، لكني حنوت عليه، فأخذته من لجامه، ودخلت به البحر المضيع في تونس بحثًا عن الحور التي يريد الزواج منها نبتون النابلسيّ.



















30
أفرغت مثانتي على جدار الفيلا التي يجعل منها الرقم الثاني في فتح مقره، جاء بعض رجال رصده يعدون من مكسيك الجديدة، وأرادوا اعتقالي، فقلت لم أستطع إمساك نفسي، ولم أكن أعرف أن هذا جدار الرقم الثاني. أشرت إلى بعض الكلاب الضائعة، وهي تقضي حاجتها على الجدار هنا وهناك، وقلت فعلت مثلها. سألوني إذا ما كنت جاسوسًا في مهمة خاصة، فعرفتهم بنفسي، فلم يعرفوني. قلت لهم كل المنبوذين في العالم يعرفونني، فهزوا أكتافهم غير مبالين. ولما قلت لهم إن الرقم الثاني من أقربائي، وأنا من أقرباء الرقم الثاني، احترموني، وأدخلوني إلى قاعة الانتظار. لم أكذب عليهم كذبة سهلة كهذه، فالرقم الثاني قد ربته عمة أمي، وهو متزوج من إحدى قريباتها، فنحن بالتالي أقرباء إن شاء رجال رصده أم أبوا، وهم على ما يبدو شاءوا.
كانت قاعة الانتظار ملأى بالصحافيين العرب والأجانب، كانوا ينظرون إلى بعضهم البعض بحقد وحسد وغيرة وهم ينفخون. عرفت أن الرقم الثاني في الجنينة مع التلفزيون الفرنسي، يصوره مع الجنايني بين الزهور، وهو يقطف الورد، وكأنه يقطف رأسًا حماسيًا، أو يشم الياسمين، وكأنه يشم دمًا نضاليًا، أو يلحس لعاب نحلة، وكأنه يلحس عسلاً فتحاويًا، بخديه الممتلئين، وجبينه العريض، ووجهه المفلطح! كان أفراد عصابته يدعونه ببوذا الحكيم لحكمة يرونها في ملامحه الأشبه بطنجرة المجدرة، أما الرئيس، فكان يدعوه ببوذا الأرعن، خاصة عندما يترك الأمور في يده أثناء غيابه. أخذ الرقم الثاني يمسح يديه بمرهم، ويفركهما، وهو يلح في فركهما، وتعابيره تنفرج كمن يتشهى الإثم، ثم طلب شايًا بالنعنع، فقهوة تركية، وأشعل سيجارة شقراء أمريكية طويلة، طويلة جدًا، وبعد أن مصها، أخذ شكل العراب، وراح يحكي عن الانتفاضة: لما يشد الرئيس يرخي ولما يرخي الرئيس يشد! فهذه سياسة اتفقا عليها منذ كانا معا فردين غير معروفين تحت جبة معاوية.
قال الرقم الثاني: إن إسرائيل احتلت الأرض الفلسطينية والأراضي العربية دون أي حرب، احتلتها بالضحك واللعب شبرًا شبرًا وعلى مراحل مستغلة معاناة اليهود في عهد النازية، وزينت أنها محاطة بأعداء عرب سيدمرونها، ويلقون اليهود في البحر، فجاءت النوايا الفلسطينية في السلام لتفويت الفرصة على إسرائيل كيلا تبتلع المزيد من الأراضي العربية، لنعيد وقت التمثيلية الإسرائيلية إلى أنفسنا ومعاناتنا، لنستعيد أرضنا شبرًا شبرًا وعلى مراحل. بهذا التصريح لم يكن الرقم الثاني يعلم أنه قد وقع على قرار قتله، مص سيجارته، وحدق قليلاً في عدسة الكاميرا، ثم ضرب مثلاً، فقال: عندما اجتمعت القيادة الفلسطينية أثناء حصار بيروت 82 للتوقيع على الانسحاب بكى جميع الحضور دمًا لأن بيروت قطعة من أجسادنا وعقولنا على الرغم من أنها ليست لنا، فكيف نفرط بشبر واحد من أراضينا خلال مسيرة السلام الفلسطينية؟ تذكر فقرة للصحافي حمزة زقوط كاتبه المفضل، فهتف: سنستثمر هذه المرحلة بإرادتنا، وندير أمورنا وقراراتنا بأنفسنا، وإذا انحرفت الأمور عن مسارها، فسنحاول تصحيحها، وإذا لم نتمكن، فسننسحب، ولن نخسر شيئًا، فانتفاضتنا المباركة مستمرة، وقرارنا الفلسطيني بأيدينا، وإرادتنا قوية! قال له الصحافي الفرنسي: ألا ترى أنه يجدر البدء من هنا لا الانتهاء؟ ارتعشت أصابعه، سقطت السيجارة الأمريكية على فخذه، وأحرقته، أراد أن يخفي أوجاعه، فصاح: أفراد حماس يجب تصفيتهم عن بكرة أبيهم، لأنهم سيأخذون منا منظمة التحرير! أما عن عمليات أبي نضال في فرنسا على الخصوص وفي أوروبا إلى العموم، فقد أبلغنا أصدقاءنا الفرنسيين عنها قبل تنفيذها للحيلولة دون مقتل مواطنيهم، وذلك رغم مقتل رجلنا مخترق مجموعة الإرهابيين... صحيح نحن مخترقون من طرف الإسرائيليين ولكن هم أيضًا من طرفنا، ننفق ملايين الدولارات للحصول على معلومات طفيفة، أكثر بكثير من ملايين الدعم الذاهبة إلى الوجهاء والمخاتير أو إلى الأحزاب لتنتشر وتزداد المؤسسات، فلنقل إلى مدرائها... لأجل كل هذا طالبت الصديقة فرنسا بتوجيه دعوة رسمية لي ثم لياسر عرفات!
وبعد أن طلعت روح المنتظرين الذين ذهب بعضهم وبقي بعضهم لاقتيات أفاعي الرقم الثاني، أخذ في الأخير باستقبال الصحافيين، وكل واحد منهم يخرج من عنده مبسوط على الرغم من عدم اتفاقه مع أطروحاته، فهو يوقع لكل واحد أمرًا بصرف مبلغ يتناسب والقيمة الإعلامية للجريدة التابع لها حتى وإن شتمته الجريدة ولم توفر عليه لعناتها. الكل قبض مبلغًا ما عدا عيسى سعيد الغزاوي، أعاده له، وكأنه سدد لكمة قوية إلى وجهه، فقلت لأمي في سري: لعن الله عمتك التي ربته! وعزمت على الذهاب وعدم الرجوع إليه، لكني تذكرت أني جئت الرقم الثاني لأجد فيه وسيطًا يوصلني إلى الرقم الأول فيما لو تعقدت أمور لقائي به، وقلت لربما يساعدني على حل مسألة أخي أيمن السيوف أو مسألة أبي الشيخ خريف الجحيم.
اقترب مني أحد رجال رصده، وهو يبتسم بسمة تقضم له كل وجهه. نظر إليّ دون تعابير، كقتاع أملس، وهمس في أذني أنه على استعداد ليقتل من أريد قتله مقابل مائة دولار! ارتعبت: ماذا؟! ضاعف من بسمته التي قضمته كله، وأوضح: يقولون لي اقتل فأقتل! وتجدني عاطلاً عن العمل منذ مدة!
شتمت في سري أخي ثم أبي وفوقهما أمي وأختي وزوجتي وكل أفراد عائلتي الأقربين والأبعدين، وقلت فليذهبوا إلى الجحيم جميعًا! قمت، وتركت جنة الرقم الثاني للتلفزيون الفرنسي والأمريكي والإنجليزي والصيني والروسي والإسرائيلي عما قريب قُبَّرَةً على قبره! وأنا قرب جدار الرقم الثاني رأيت لصًا يتسلقه، فلم أناد رجال رصد سيدهم، وأنا لم أجدهم على أي حال. رحت أبتسم للص، وأشجعه على المضي قدمًا إلى آخر ما عزم عليه.
قلت سأذهب إلى لقاء من كان أبوه سارقًا للحمير، فربما سددت عنده احتياجًا، وبلغت مرامًا، ولكني تذكرت أنه لا يقابل إلا بموعد، ولأخذ موعد معه يجب المرور بقضيب الزهر سكرتيره، وللمرور بسكرتيره يجب رشوته، وأنا لا دولارات عندي ولا دينارات، أمشي ساعات على نعليّ المهترئتين من الفندق إلى المنزه ومن المنزه إلى الفندق. قررت أن أحادثه على الهاتف، وأنا أقول لأبي الخريف في سري: ليس عيبًا أن يصبح من كان أبوه سارقًا للحمير قائدًا ولكن العيب كل العيب ألا يتصرف كقائد! كانت خشيتي كبيرة أن يكون أسوأ من أبيه وإن غدا قائدًا ووزيرًا.
طلبت صخر البس، فنامت العاملة على البدالة نوم أهل الكهف قبل أن تقول إنه مسافر، فطلبت أبا جعفر المنصور، فنامت العاملة على البدالة مرة أخرى نوم أهل الكهف قبل أن تقول إنه خرج. نرفزت، وقلت لها أعطني إذن الوزير بعد أن عرفتها للمرة العشرين بشخصي وأهميتي التي هي صفر كبير، فأعطتني مباشرة قضيب الزهر. ظننته الوزير، فقال بل سكرتيره. قلت له لم أطلبك، وإنما طلبت وزيرك. سألني بنبرة رب أرباب كل وزراء العالم عما أريد، فمادت الأرض بي، وصرت على وشك الإنهيار: لو قلت لك ما أريد لما طلبت من أريد! ورحت به صائحًا أن اعطني الوزير، يا رجل! إذا به يمد يده من الهاتف، ويجذبني من خناقي، ويضرب بالجدار رأسي، ويعود ويضرب بالجدار رأسي، وهو يغرغر كالنمر الذي لم يكنه كليمنصو الغر، ويهدد: يا عرص بدي أكسّر راسك! ثم طرق السماعة في وجهي، فانطرقت الدنيا فيّ... رحت أركض في شوارع تونس كالمعتوه، أبحث عن قنطرة واحدة تعبر بي إلى أمي الشرموطة وأبي القواد، إلى انحطاط الروح في جسد للقذارة يسعى من حالة روحية عرصة إلى حالة روحية أعرص، تغدو فيها كل أقواس قزح بلون واحد فحمي كليل قحبة تونس المدلهم التي ذهبتُ إليها بفاطمة التونسية كي أجبرها على اغتصابي، وعلى بابها وجدت جمهرة من الفدائيين والمواطنين لا حيلة في يدهم، يمضغ بعضهم عنب الثعلب المقيء وبعضهم تين البنغال المريء. ولما هدأت عاصفة النفس، لففت فاطمة التونسية بحجاب مذهّب، ولففت كتفيها بذراعي المهدّم، وذهبت بها إلى أقرب سجن لأحميها وأحمي نفسي فيه، فقبل الجلادون فاطمة التونسية، ولم يقبلوني، ولما ألححت، طردوني.















31
كتبت رسالة إلى وزيرهم الأوحد أطالبه فيها بطرد قضيب الزهر، لكني سخرت مني، أيطرد الذي عينه؟ ولأجل واحد مثلي؟ أيطرد الذي مثله؟ عزمت على أن أحكي عنه للرئيس، ليمسح براحته وجعي، ولكن أين الرئيس؟ أين هو؟ وأين دولته؟ أول دولة على وجه الأرض ينقلها رئيس في حقيبته! أول رئيس على وجه الأرض تنقله دولة في طائرتها! أتنخفض الدولة بالسماء أم ترتفع الطائرة بالأرض؟ أترتفع الدولة بالأرض أم تنخفض الطائرة بالسماء؟ أحجية مثل هذه دولة! وأحاج مثل هذا رئيس!
قلت لنفسي لِمَ كل هذا التعقيد وأقصر الطرق إلى الرئيس قائد أمنه الجديد؟ سأذهب إليه ليأخذني إليه أو على الأقل ليعمل على طرد قضيب الزهر نموذج الدبلوماسي الخالع للدبلوماسية.
وجدت رجل رصد الرقم الثاني، من قال لي "يقولون لي اقتل فأقتل" العاطل عن القتل قد تبوأ منصب حارس قائد أمن الرئيس. ابتسم لي ابتسامته ذاتها التي تقضم وجهه، وحياني كمن يعرفني منذ زمن بعيد، فاستبشرت به "شرا"! أدخلني إلى غرفة الانتظار، فوقعت على عشرات من أرامل الشهداء وبناتهم، عرفت منهن اللاتي كن عند غازي القلوب. سألتهن عن سبب وجودهن في مبنى قيادة أمن الرئيس، فقلن لأن أول عمل عمله قائد أمنه إلغاء مخصصاتنا إلى أن يبحث في أمرنا، لأن من بين أزواجنا شهداء مزيفين! خرج قائد أمن الرئيس عليهن، وهو يرتدي جلد ذئب، ويعلك بعض الأجرام، وراح يخطب فيهن أن الأمر في صالح الثورة أُم الشهداء قبل أن يكون في صالح أي واحدة منهن، لهذا أصدر تشريعه ليكون شراعًا هو الذي من نسل الشهداء والذي سيغدو في يوم من الأيام شهيدًا.
رفض قائد أمن الرئيس استقبالي، وهو يضرب حارسه بنعله حتى أسال له الدم من أنفه وفمه وعينه، وأبرز وجهه بعد أن محا ابتسامته القاضمة له. كان واسطتي إليه، فرفض كل رغبة أبديتها في رؤيته أو رؤية رئيسه، وقال ليس من شأنه الوصول إليه، أما قضيب الزهر، فهو تابع لعصابة الوزير لا لعصابته، وبالتالي لا أمر له عليه.
نادى إحداهن، أدخلها مكتبه، وأغلق الباب عليه وعليها بالمفتاح. دخلت أرملة شهيد، وخرجت زوجة لهاديس. قال عنها هذه زوجة من بين زوجات لشهداء ليسوا مزيفين، أما من كانت ترفض الدخول أو لا تترك ابنتها تدخل بدلاً منها، فكانت تُطرد شر طردة إلى انحلال الكون.
خرجت مع أرملة أحد الشهداء إلى شمس تونس في نهاية أزمانها، كانت تشد ابنًا لها من كتفيه، والابن يبكي، وهي تبكي، ولما سألتها عن سبب بكائها وبكاء ابنها، قالت لي لأن قائد أمن الرئيس قد أغلق باب مدرسة "صامد" في وجه ابنها بعد أن أغلقت بابه في وجهه. قلت اعطني إياه أعلمه، فقالت تعلمه ومن سيوظفه؟ قلت سيوظفه الرئيس، فهو عصا العدل. قالت تكسرت عصا العدل! وغادرتني إلى حبات تين على شكل أثداء راحت تقطفها، وتقذفها، ثم خلعت عن ثدييها وقطعتهما.
رأيت عيسى سعيد الغزاوي يتناول حبات التين التي قذفتها أرملة الشهيد، ويأكلها، قال لي لأنه لم يفطر هذا الصباح بانتظار الرقم الثاني بعد أن أضاع وقته عنده سدى، وهذه حبات تين ناهية لها طعم التين الجبلي الذي كان يوصي عليه فلاحة كانت تهبط الجبل كل يوم لتبيع تينها في بيروت. وراح يصف لي بيته، وعيناه قد غدتا كالجمر. قلت له: تحب بيروت! فقال إنه ترك كل شيء وأتاها، لكن أولي أمرنا فيها قتلوه وقتلوها! قال لي: بدأ ما نحن فيه من تعهير اليوم من بيروت، كانت لنا القوة والهيبة، والعالم كله يخشانا، واليوم لا تخشانا جرذان الأقبية والقنوات! قبل هذا البيت الذي كنت أسكن فيه، قالوا لي اطلب أي بيت في الحمرا، في الجبل، في الأشرفية، أفخم فيلا في بيروت نكسر لك بابها، فتأتي بعفشك، وتسكنها، قلت أريد بيتًا أدفع له إيجارًا. وجدت بيتًا في بيروت دفعت له كل راتبي إيجارًا، وعشنا أنا وزوجتي سدرة المنتهى على راتبها الزهيد. لما طلبت من أبي شامخ الطيز زيادة لقرص الزهرة الذي كانته زوجتي أو إضافة لكرسي القبرة الذي كنته رفض رفضًا قاطعًا كحافة السكين، ولما ألححت هددني بالطرد من نعيم الشياطين إلى جحيم الشياطين! جئت بيروت مطارِدًا وأصبحت مطارَدًا! وراح يعطيني من التين الجبلي أزكى تين أكلته في حياتي، يعطيني، فآكل، ويأكل، ويتنسم رائحته، وهو يأكل.



32
قال لي أبو الطيب الذكر، ونحن نشرب الشاي معًا: مَثَلُ الرئيس مع قائد أمن الرئيس مَثَلُ من استرعى الذئب عدلاً، من الطبيعي إذن أن يرفض قائد أمن الرئيس كل رغبة تبديها في رؤية رئيسه، للسهولة التي صار فيها قائدًا لأمنه سيمنع كل واحد من الاقتراب منه خوفًا من أن يأحذ بالسهولة ذاتها مكانه، فكيف يسمح كلب مسعور أن تؤخذ فريسته أمام عينيه؟ أضف إلى ذلك أنك صاحب شهادات وإمكانيات وهو لا يعادل ظفرًا من أظافرك! رأيته في صحة متدهورة، يحاول ألا يكون مريضًا، وأن يحدثني بإخلاصه الذي عودني عليه. قال لي: كل الدكتاتوريين –أولهم بورقيبة- الذين اهترأت كراسيهم من تحتهم لأنهم هنا منذ عشرات السنين سقطوا أو في طريق السقوط وهؤلاء سوف يسقطون بعد أن يُسْقِطوا ورقة التوت، فلسطين، عن عوراتهم، فتلمع، وينكشف السفلس. قلت: السفلس والسيدا، فقال: نعم السفلس والسيدا. أضاف بعد تأمل: لو كنت مغنيًا أو رقاصًا من مغنيي اليوم ورقاصيهم لربحت حياتي كما لم يربحها أحد، ولكان الصغير والكبير يدنّ أغانيّ، ويرقص على ألحاني، أو لعلني كنت مؤلفًا من مؤلفي الدرجة العاشرة للتلفزيون لملأت مسلسلاتي البيوت والأدمغة، ولصرت أعظم كاتب في الدنيا. أتعرف؟ لدي مقال أكتبه في "الوطن" مقابل خمسين دولار أنا في أمس الحاجة إليها لا يمكنني كتابته، لا يمكنني الكتابة هذه الأيام! قلت: وأنا أيضًا لا يمكنني الكتابة، حاولت أن أكتب شيئًا لملف "الحرية"، فلم أستطع! دخل علينا القاص الطللي بابتسامة ساخنة، وقال لأبي الطيب الذكر إن صحته في تحسن، فقال أبو الطيب الذكر إنه يكذب. سألني عن مقال "الحرية"، فحككت ذقني، وقتلت بعض التماسيح النائمة فيها، وكذلك فعل أبو الطيب الذكر بشعره الخفيف، فغادرنا القاص الطللي، وهو لا يتوقف عن إطلاق ابتسامته الساخنة، ويقول إنه ذاهب لأجل إنهاء معاملات بناية الدائرة الجديدة. قلت لأبي الطيب الذكر وهو يتناول حبة دواء وينفخ: عليك أن تكتب عن كل هذا، عليك أن تمارس حرية التعبير عن كشف وتعرية ما يخفى عن الكثيرين. ضحك بمرارة، وقال: إنه لا يمكنه كتابة مجرد مقال، فكيف يكتب مجلدات عن فضائحهم؟ أنت ستفضح من وتعري من وتكشف عن ماذا وماذا؟ كلهم جثث لا يتأثرون! سيقولون عن ذلك أدبًا، وهم يحترمون رأي الآخر في التعبير عما يشاء، وسيحولون الأمر لصالحهم، فيقولون عن أنفسهم ديمقراطيين وضامنين للحرية ومتحضرين! سيشطبون على الفضائح بجرة قلم، لأن الجثث التي تحدثت عنها قد وضعت نفسها في شرانق حديدية تحميها مدى الحياة، إذن لماذا تهتم الجثة التي جعلتك تردح بكل فحش الكلام لسلوك مستحيل، بل ستعمل الجثث على استفحال سوء ممارساتها، وتغفو في ليلها هنيئة. أتظن أننا هنا كما أنتم عليه في الغرب؟ لا توجد صراعات قوى عندنا، لأننا كلنا ننتمي إلى عصابات هي في أصلها قوة واحدة، عندنا لن يكون أدنى أثر لو تطفو فضائحنا على سطح المستنقع، وعندكم ستثير بعضها ضجة كبرى تُسقط إحدى هذه القوى المتصارعة لمرحلة أو لربما سيكون سقوطها مدمرًا لها إلى الأبد. وراح أبو الطيب الذكر يهلوس، وكأنه أصيب بالحمى فجأة. رأيته مضطربًا كورقة في مهب الريح على الرغم من قامته العملاقة، وجدت فيه عصرًا آفلا للبراءة والفضيلة، كانت انعكاسات نحاسية ترتد عن صفحة جبينه، انعكاسات تنكسر في شعاع الشمس المعتم المتساقط من النافذة. كنا في قلب النهار، وكان الشعاع معتمًا، فتبدو الأشياء ناقصة، وجوهرها محطم الأساس. وفي الأخير، سمعته يهمهم: لقد نجحوا في تحطيم أقلامنا، فالكاتب العاجز عن الكتابة ذو قلم محطم كنفسه المحطمة. نفرت الصور إلى مخيلتي، فقلت له إن أختي باسمة الاسكندرية قد كتبت لي عن نفسي المحطمة عندما أحست من كلماتي إليها بضيقها، قالت إني اخترت طريقًا ليس سهلاً منذ البداية، وخضت غمار معركة الحياة مع بشر تعيش حياتها ماديًا وليس لها أي رابط يربطها بالمثالية والقيم والمبادئ إلا القشور، فتعبت صحيًا، وتأزمت ماديًا، وعجبي أنك ما زلت حتى يومنا هذا تواصل مسيرتك هذه، وتتحدى نفسك قبل أن تتحدى بشر الجهلة والماديين! قالت لي أخاف من كتاباتك هذه ليس لأنك على غير حق بل على العكس أنت محق في طريقة عيشك الواقع من خلالها سواء أكان ذلك عن الفلسطينيين أو الجزائريين أو المصريين أو بني تميم، ولكني أخاف عليك من بطشهم، وأنت الآن لست بالصغير، أنت رب أسرة كبيرة تحتاج إليك بوصفك والدًا ومربيًا ومسؤولاً. أخاف عليك أن تتأزم نفسيًا وتتهدم صحيًا من وراء كتب تنادي طوب الأرض لأجل طباعتها وإصدارها وأخيرًا تكون مصدر ضربات مسددة إليك، فاترك مجالاً قادك إلى ضيق ذات اليد، وانظر إلى مشروع أي مشروع كان، يدر عليك رزقًا أوفر ومالاً أكثر تتمتع به أنت أولاً قبل أطفالك، انظر إلى الحياة نظرة مادية كغيرك من الذين وصلوا، لأن لا أحد يسلك مسلكك هذا إلا وتدعمه جماعات أو جمعيات أو دول، فيكون قلمها المعبر عن رأيها، وليس رأيًا فرديًا تقتله طعنة سيف واحدة... تناولت حبة دواء أعطاني إياها أبو الطيب الذكر، وابتلعتها. قال لي إن أختي باسمة الاسكندرية عظيمة، ونحن الكتاب الضائعين. قلت له نحن الكتاب الضالين، فوافقني. قلت له لا يمكنني أن أغدو كأبي ذر الغفاري تاجرًا يقول عن نفسه إنه كان ثوريًا شريفا. قال لي لا يمكننا أن نغدو أي شيء كان. دخل علينا دكتور الآثار والنفوس العارف بدخائلنا العذب كالماء في عيون نابلس، عيون لم أشرب منها منذ ثلاثين عامًا، وهو يبتسم ابتسامته البيضاء، وبحماس سلم علينا. عندما لاحظ مرضنا وانهيارنا وقرفنا من الحياة امحت ابتسامته، وزال حماسه، وغدا أصفر الوجه مثلنا. أعاد إليه أبو الطيب الذكر عشرة دنانير كان قد استدانها منه، وشكره، فقال له دكتور الآثار والنفوس إنه دائمًا في خدمته، وذهب. قال أبو الطيب الذكر: لن أقول الكل ساكت بل الكل سيسكت ولن يمكن لأحد الاحتجاج على ما نحن فيه من مصائب أُم الكون وإلا أين سنذهب؟ من يعطونه عملاً لا يريد أن يفقده، هناك الأولاد الدواء الحليب الخبز الرب البيت، وأبناء عربنا المستعربة يمنعونه، وهم إن أعطوه فبعد أن يهتكوا عرضك! تفاجأت لسؤاله: لماذا تركت السوربون؟ لماذا ارتكبت مثل هذه الجريمة؟ قلت لم أترك السوربون بل جعلوني أتركها، فارتكبوا أعظم جريمة في حق الأدب والعلم. السوربون مؤسسة علمية عالية وعالمية، ولكن العلماء العرب فيها نفوسهم كغيرهم من أولئك الذين هم منا أوطأ النفوس. ظنوا أنني أسعى لمنصب إداري أبعد ما كان يخطر على بالي، وخافوا من نشر فكري المضاد، الأمر الذي كان يتجاوزني، ويتجاوزهم، فعملوا على عزلي في العام الذي كنت أُنجز فيه كتابة أُطروحتي الكبرى، ثم استغنوا في العام التالي عن خدماتي. سألني: ومراكش؟ لماذا تركت مراكش؟ أجبت بسبب تازممرت، وسكت. كان مجرد لفظ كلمة مراكش يجعل من العرجون عنبًا يُقضم، ومن البلح خبزًا للطير. كنت أكتب بحروف مراكش تاريخ الإنسانية المغدورة، الباحثة عن نسور عملاقة تنقض على الجثث لتجري مراسيم تطهيرها في ساحة جامع الفناء. وكانت مراكش تعيد إلى نفسي طفولتي التي لن تعود، والتي تبكي عليّ. لهذا السبب أغدو حزينًا لما أُبصر أو أسمع حروف مراكش. قلت له: مراكش لي ضد العدم، مراكش الأحرف الأولى، ومراكش الساعة الأخيرة، مراكش لي زهرة الكون! ألح على سؤالي: إذن لِمَ تركتها إلى الذئاب؟ أعدت بسبب تازممرت. أوقعته في الحيرة، فقال: سنأكل معًا اليوم ملوخية! لم تكن عندي شهية للأكل، ولكني قلت لنفسي ستكون مناسبتي كي أحكي له عن محمد العبريّ. ألقيت نظرة من النافذة عليه، وهو قابع بين جدران سجنه، يلتج تارة، فأخاله البحر المغضوب عليه، ويرتج تارة، فأخاله للبحر حطامه الملفوظة.























33
دخل الشويعر الدحبوري، ووزع علينا نشرة أخبار كان يحمل منها كمية، تركنا إلى باقي المكاتب، وأمضى وقته طالعًا نازلاً عند أبي منيف الأنف الوطيء. تصفح أبو الطيب الذكر النشرة بسرعة، وضربها في عرض الحائط. قال لي هذه نشرة أخبار يومية تصدر عن مكتب الرئيس، يمارسون بها علينا كأي نظام عربي إيديولوجيا التعتيم والتدجين والتشويه من أجل قمعنا المعنوي قبل قمعنا العقلي، ومن أجل أن يضمنوا بالتالي استسلامنا السياسي. وهذا كتاب –أخرج كتابًا من خزانة إلى جانبه- مرمي على المكاتب، لا أحد يقرأه، أخذته بدافع الفضول الأبدي الذي لدي، وقرأته، فإذا به يكشف عن مستقبل كل سياسات التخلي والاستسلام التي نمارسها. صاح فجأة: انتظر! انتظر! تناول عددًا قديمًا من "شؤون فلسطينية" يعود إلى كانون الثاني 1985 قال إنه يحتفظ به لرسالة من الرئيس بمناسبة الذكرى العشرين لانطلاقة الثورة، وحثني على سماع المقطع التالي: "بمبدأ راسخ نقول: لا مكان في هذا العالم لغير الأقوياء أمام صراع الجبابرة، ولا مجال لتحقيق الهدف العادل دون حشد عناصر القوة الكفيلة ببلوغه، وإن على أمتنا العربية أن تفهم أن السلام العادل يرتكز أساسًا على موازين القوى المادية والعسكرية والمصيرية، وبغير ذلك يصبح السلام استسلامًا، وهذا ما لن يكون، ولن نقبل به". ابتلع حبة من دوائه، وابتلعت أخرى، داخ، ودخت، ثم تماسك، وتماسكت. عاد يقرأ بصوت لا يكاد أحد يسمعه: "إننا ندرك حجم الصعوبات والمعوقات الموضوعية في وجه كفاحنا المسلح، والتي بلغت حد تنظيم المجازر وملاحقة الثوار في كل مكان، ورفع الحدود والسدود أمام البندقية الفلسطينية في محاولة متصلبة لحملنا على إلقائها، والتخلي عن نهجها الصحيح. ومن مواقع إدراكنا هذا ومعاناتنا الصعبة في مواجهته، فإننا، وهذا هو خيارنا الوطني الثوري، سنواصل العمل منطلقين من أن هذه البنادق هدفها تحرير الأرض، وأن هذا الهدف السياسي هو الذي يومض شرارة الأمل المستمر في شرايين الثورة، ولذلك، فهي ثورة البندقية المتكاتفة مع غصن الزيتون لفرضه على أرض السلام، أرض فلسطين، من أجل تذليل كافة الصعوبات والمعوقات".
أردت أن أجد تبريرًا، فقلت: اضطرتهم الظروف إلى انتهاج سياسة أخرى، فاضطرب، وارتعد: تريد القول لانتهاج سياسة الخطوة خطوة نحو الانتكاح؟ لا، حتى هذا لا تقبله أمريكا، ولن تقبله وفي أحضانها جميلة الغابة الصاحية ابنتها ومدللتها.
أمسكت بعمود خشبي متساقط، وتركته يبحث عن نجمه القطبي دون أن يجده. كانوا قد أخذوا ينشرون شجرة في الخارج، وكان الشويعر الدحبوري قد عاد يدخل علينا بعد أن صعد سلمًا محطمًا، وعلى كتفيه يحمل جبل القدس. قال لنا إن أبا منيف الأنف الوطيء سيسافر إلى القاهرة سعيًا وراء الوردة القرمزية ثم إلى عواصم عربية أخرى لم يكشف له النقاب عنها، وقد أعطاه لغياب أبي الهيثم كل مهماته. بدأ بالشخير بالقاص الطللي: لا تعط كتابًا إلا بعد إمضائي، لا توزع ملصقًا إلا بعد استئذاني، لا تقل كلمة واحدة إلا بعد أن أقول لك ما تقول. توجه إلينا كديك مخصي لا يعرف أحد سره من غير دجاجاته، وقال إنه احتج على مياومة الخمسمائة دولار التي وقع له عليها أبو منيف الأنف الوطيء حتى عودنه التي ربما ستطول عدة أسابيع بينما احتج أبو منيف الأنف الوطيء على مياومة الألف دولار التي وقع له عليها الرئيس، وبعث بها فاكس على الرغم من أن الفنادق مدفوعة والمطاعم والتنقلات وهدايا المدام.
شدني أبو الطيب الذكر من ذراعي، فقمت، وغادرنا الدائرة مسرعين.
ترددت بخصوص محمد العبريّ، بدا لي أبو الطيب الذكر جِد مريض، أزعجتني حالته، وأنا أمشي إلى جانبه في المنزه السادس. همهم أن بيته ليس بعيدًا، لكننا مشينا مسافة لا بأس بها. كان الطقس جميلاً، وتونس صامتة كشوكة اليهود الناعمة، لا يكدر صمتها إلا ضجيج حركة البناء المكتسحة لشوارع المنزه السادس: فلل، عمارات، بافيّونات! كنت أمشي على رمل الأرصفة الأحمر، وأنا كالخائف، أخشى أن ألوث الرمل بحذائي لشدة ما كان يلمع نظافة. بقينا نمشي دون أن نفوه بكلمة إلى أن اعترضتنا سيارة بي ام دبليو لونها من عجب العجاب مزيج من عدة ألوان لا يمكن إدراجه تحت أي صنف منها، ضخمة، من أعظم أنماط البي ام دبليو، وأرقاها. كان على مقودها الوكيل الإعلامي للرئيس، فتح زجاج نافذتها الأوتوماتيكي من ناحيتنا، وهز رأسه لأبي الطيب الذكر. أراد أن يقدمه لي، فقلت أعرفه. لم أقل عرفته في بيروت لما كان يمشي على قدميه حييًا متواضعًا، وأكلت من تحت يدي امرأته المصرية ملوخية قهرت أسناني. وكباقي عظماء الرئيس لم ينزل ليسلم، ولم يتأن ليثرثر، انطلق، وهو يولول.
علق أبو الطيب الذكر: هؤلاء هم رموز ثقافة السلطة عندنا، من الشويعر الدحبوري الذي لا تشتريه لا هو ولا ولده المشتهر بقصيدة عنه أماتته مجهضًا بتعريفة مرورًا بالوكيل الإعلامي كاتب قصة بمستوى طلاب الأعدادية إلى أعلى درجاتها كمحمود الجليلي، هم يمثلون في الواقع انحطاط الثقافة التابعة لأية سلطة. ابتسم ابتسامة تعبة تختزل كل المسرحيات التراجيكوميدية التي قرأها، وقال: كاتب السلطة هذا كصاحبها لا يُلمس لا يُنقد! كانت فرصتي كي أحكي له عن محمد العبريّ، عن ترجمة القرآن معه، عن سجنه، عن تعذيبه، عنه كفرد دون عنصر ولا هوية أو دين، وهو يسمع لي طوال الوقت دون أن ينبس ببنت شفة. كان يسمعني بقدميه أكثر من أذنيه، إذ لاحظته يسارع الخطى تارة، وتارة يترك نفسه لخطواته تسيره على هواها، فيتمايل كالسدر الحامل لتوأمين.
أول ما قاله لي إنه لو سمع مني هذا الكلام في بيروت لتركني في طريق وأخذ طريقًا أخرى، هذا لا يعني أنه ليس ديمقراطي السلوك! لم يعد مريضًا، أفرغ كل ما في جعبته دفعة واحدة دون انتظام كطفل يفرغ من جيبه كل لعبه: الإشاعات تقول إن الرئيس التقى بأعضاء من الليكود، وتحادث مع رسميين إسرائيليين من أعلى المستويات في أوروبا، وأنت تريد أن تترجم القرآن مع واحد عبري! التقدميون في مصر ضد التطبيع، وأنت معه! قاطعته: في الوطن المحتل لقاءات بين عرب ويهود ومؤسسات من الطرفين تجري كل يوم تقريبًا للتقريب بين الشعبين... لكنه استمر يقول: صوصكم العام يريد أن يدفع للسفارة الإسرائيلية مليون فرنك مقابل استرداد نسخة من فيلم سلبية وأنت تريد أن تترجم التوراة أمام عدسات كاميرات العالم كلها! صححته: أريد أن أترجم القرآن، لكنه تابع غير متابعني: يلتقون بأعدائنا ليقال عنهم آه يا لهم من متحضرين! هؤلاء المتحضرون ينسون الآن كيف أرضعتهم أمهاتهم من حليب الماعز، وأنامتهم على الحصير! أتظن أنني رفضت الذهاب إلى المجلس الوطني المقام في الجزائر لأني كنت مريضًا؟ رفضت لئلا أصوت لدولة ستقوم على جزء من ترابنا! هذه ليست مجالس بل زرائب، يأتون بهم من البواب إلى صاحب القرار وصاحب القرار وحيد أوحد والبقية غنم وأوسخ، فئران، لأن كل شيء مقرر سلفًا... وهذه فرصة ليلتقوا، وليتحاضنوا، وليطبعوا شفاههم الغليظة على خدود بعضهم البعض المتربربة، فرصة ليتداهنوا، وليشعر كل واحد منهم بالأهمية، ملابس مكوية مرة في العمر، وفنادق درجة أولى يحلمون فيها ببريجيت باردو، وسيارات تأخذهم، وسيارات ترجعهم، يتهامسون في الممرات عن حدث الساعة: الرئيس قال والرئيس سيقول، وكل واحد يلبس سحنة من الخطورة الله ما أضخمها، وفي القاعة لا أجد يناقش، الكل يصفق أو الكل نائم، يضحكون لضحك الرئيس، ويبكون لبكائه، فهو فرحهم وترحهم، أليس هو مالك دولاراتهم؟ وتجدهم على أبواب المراحيض بالصف واقفين، يطربون على روائح برازهم، فيبتسمون لخيالاتهم القزمة، وهم ينحنون بالورق على فروحهم، ويكشرون من التعب، وهم يتجانبون بالورق على شروجهم، ويغيب عنهم تدني الإنسان حين تنطرق أبواب المراحيض على غيرهم، ويذهبون إلى القاعة الكبرى ليصوتوا على قرارات مصيرية! هذه سيارات البريد، أتظن أنهم يعدون خطوط الهاتف؟ لا يوجد هاتف واحد في كل المنطقة. قال لي عموس عوز إنه يريد أن يعمل معي حوارًا لمشروع كتاب بدأه بحديث أجراه مع الرئيس، فاندهشت، وسألته أتعرف من أنا؟ قال أعرف، أنت راديكالي. أشرت عليه أن يحاور الشويعر الدحبوري، تعرفه، ونعرفه كلنا، فهو منبطح، وسينسر لإجابته. لست منبطحًا، وفلسطين ستبقى أمي أنا الذي لم أعرف أمي! حتى أن أبي الذي كان شيوعيًا لن يقبل لو لم يزل حيًا. كل أريحا التي هذا التراب الأحمر كترابها لن تقبل. أتعتقد أن كل هذه العسكرتاريا القابلة بكل شيء سترفض؟ لن يرفضوا شيئًا مهما كان ثمنه بخسًا ومذلاً، وسيتغطون بالحضارة والديمقراطية، بينما لا حضارة لدينا وديمقراطيتنا مفبركة، المعارضة مفبركة، وبالمناسبات الخطيرة، ليوهموا العالم أنهم ديمقراطيون، وفي الحقيقة كلهم منهزمون. أيخدعون العالم؟ اقرأ الهدف أو الحرية أو فلسطين الثورة، اللغة الخشبية واحدة، فأين المعارضة؟ عرفات حبش حواتمة النجاب محمود عباس أُم جهاد إلى آخره إلى آخره سيتقاسمون الأدوار وكلهم واحد. والأنكى من كل هذا، يبكون على قدمي الرئيس كي يكلفهم لست أدري بأي ملف خطير من أجل أن يخدعوا شعبهم: أنت، خذ ملف حق العودة، وأنت، الديار الدينية، وأنت، عاهرات القدس، وكل هذا لذر الرماد في العيون. يتقاسمون الدولارات، وفي الختام يأتوننا ليقولوا: الحل في تصعيد الانتفاضة! يا سلام، ليس أنتم المنيوك دينكم! وإذا كان الحل كامنًا في تصعيد الانتفاضة بالفعل، فليس بفضلكم بل بفضل الشهداء وأسر الشهداء وأبناء الشهداء، ولأن فلسطين لهم وليس لكم. أما إذا كان هناك معارض بالصدفة، فهو مهدد، تتوقف التواقيع قبل الاجتماعات. آه هذا رفع إصبعه، إذن ارفعوا عنه مخصصاته، وذاك لا يرفع إصبعه على الإطلاق، يحركه للرئيس بمعنى ليوقع له، فالسيارة بدنا نبدلها! لا بد أنها خطوط الهاتف، فهذه سيارات بريد أخرى. نحس أننا مقطوعون عن العالم. بوش وشامير وجهان لعملة واحدة! فلماذا إذن تصلون على أحذية بوش؟ هذه حال الذين يكشون الذباب، وكل واحد ذئب أبوه ذئب وجده أذأب لا يبحث إلا عن كيف أُرضي تواقيع الرئيس. لا تخطيط ولا جمع معلومات ولا تنظيم في الوطن حيث يجدر التنظيم! ذلك كان في عهد أبي جهاد العظيم! اليهود يخططون ونحن لا ننام الليل بانتظار تواقيع االرئيس. انظر إلى المستوطنات كيف يبنونها على جثة شعبنا ولا أحد في الدنيا يجرؤ على رفع إصبعه احتجاجًا، فما أروع ذاك الشاعر الذي قال:
قتل امرئ في غابة جريمة لا تغتفر
وقتل شعب كامل مسألة فيها نظر
ما أروع قوله، وما أشده فاجعة! هل آخذ رأيك في المرحلة القادمة؟ مرحلة التوطين؟ السلام؟ الاستسلام؟ لقد حطموا أحلامي! كنت أحلم بالعودة إلى أريحا ولا بديل عن أريحا، لكنهم سيختارون لي التوطين في أحد الأقطار. حولوني من لاجئ إلى مواطن درجة عاشرة! أنا مواطن تونسي، امرأتي مواطنة سورية، ابني الكبير مواطن جزائري، ابني الصغير مواطن ليبي، ابني الأصغر مواطن سعودي، وابنتي مواطنة سويدية! السياسيون ولدتهم أُمهاتهم شياطين، يشربون دم الشهداء أنخابًا على طاولة المفاوضات باسم السلام وباسم الشعب وبأسماء أخرى غريبة الشكل والطعم والرائحة! لو كنت قادرًا على الكتابة كما كنت قادرًا في الزمن الماضي لكتبت في نقدهم ما يُقذف في مؤخراتهم حتى لا يناموا ليلهم أبدًا، لكتبت ما بين الجولة والأخرى كتابًا يبصق في وجوههم بدءًا بشامير وليس انتهاء بالرئيس، فكلهم يريدون إنهاءنا.
يا رجل من الهاغانا لحد اليوم وهم يخططون لأنفسهم عكس ما يخططونه لنا، لكنهم يخططون دائمًا. يرقون كوادرهم من الهاغانا لأفعالهم ويؤهلونهم، أما نحن، فأينهم كوادرنا الذين بنوا الثورة المخلصون؟ شتتوهم، ومزقوهم، وقضوا عليهم، ليتربع على صدورنا الانتهازيون والقتلة والأميون، كل ذي ماض عفن متربع على الصدور. هذه زينب المنزه، ابنتي زينب المنازه، تحملها لي أُمها كل يوم في مثل هذه الساعة، وتقف بها على العتبة لاستقبالي. سميتها زينب كأمي. قالوا لي اسمها قديم. آه ما أحلى اسمها، ما أحلى زينب، لما أراها أبرأ! النظام هنا مجرم متعفن متعهر لم يتغير إلا بالوجه، يتغطون به، ويتغطى بهم، هو ساكت عليهم، وهم ساكتون عليه. تعالي يا زينب... أخذ ابنته في أحضانه، وكأنه يأخذ في أحضانه العالم.





















34
قال لي أبو الطيب الذكر إنه أول بيت لهم فيه حديقة، سكنوا دمشق، وسكنوا عمان، وسكنوا بيروت، وسكنوا طرابلس الشرق، وسكنوا طرابلس الغرب، وهذا أول بيت لهم فيه نوافذ كثيرة، وهم لم يسكنوه إلا بعد أن ذبحوا تنينًا على عتبته. قال لي إنه سيزرع في الحديقة البامية الرذيلة والفول الخنثوي والملوخية المقدسة ذات أوراق الملوك لتطبخها امرأته خضراء ندية. أما فيما يخص محمد العبريّ، فارفض أي مشروع معه، حتى وإن أدى ذلك إلى زعل الرئيس منك، هو أو غيره. جعلته يزعل مني أنا يوم أراد تكليفي بمجلة للأطفال، ولم أهتم، تهربت، وماطلت أنا اليتيم الذي لم يعرف طفولته كباقي الأطفال، لأنه يريد أن تكون صوره على غلافها، وهو يلاعب الأطفال، وهو يداعب الأطفال، وهو يقبلهم، هكذا هو يهوى، وهكذا هم عودوه، وأنا لو وضع يديه في السحاب لما وضعت على غلاف مجلة أشرف عليها صورته. كان كلما التقاني يقول لي: إنت هربت ليه يا بو المتنبي؟ إنت ما جتش ليه يا بو المتنبي؟ أبو مروان بن الحكم يريد أن يحرقك، وأبو منيف الأنف الوطيء يريد أن يبعدك، سيورطونك، وستخسر سمعتك.
لم نأكل ملوخية، أكلنا دجاجة محشوة. راح أبو الطيب الذكر يقطعها لي بأصابعه، ويرميها في صحني. قلت له لست مغرمًا في الدجاج! فقال الدجاج سهل الهضم، العدو الأول للكولسترول! انزع جلده، وكله حافًا! أتى بالسلطات، وراح يملأ صحني: سلطة خس أخضر، وسلطة بندورة حمراء، وسلطة خيار باللبن المثوّم! كان يحاول ألا يكون على غير عادته معي، تناول عدة حبات من دوائه، ولم يبتسم لي، حتى أنه كان يزيح وجهه كلما التقت عيناه بعينيّ. لم ينجح تمامًا في إخفاء ضيقه، سمعته يعيد: سيورطونك! أصحيح أن أبا منيف الأنف الوطيء يريدك موطئ قدم أم يريد نفيك إلى أبعد مكان عنه في المكان الأقرب –ويا للمفارقة- إلى كل قلب؟ فأين ستكون من قلوبنا؟ عشرات الكتب التي كتبتها سيحرقونها بعود ثقاب واحد، وصيتك الذي كونته وتعبت عليه عشرات السنين سوف يلوثونه. قلت له: سأكتب، وسأفضح، وسأكشف، وسأعري، وشعبي سيكون معي! قال: إن أحرجتهم قتلوك وقالوا إنه الموساد، وجعلوا منك شهيدًا. أترى؟ معهم لست خالصًا ولا لما تكون عليهم، إما أن يميتوك جاعلين منك كلبًا أو يميتوك جاعلين منك شهيدًا، وفي كلتا الحالتين هم الظافرون.
نهض ليأتي بعنب وبطيخ وإجّاص، وراح يملأ صحني، وهو لا ينظر أبدًا في عينيّ. قال لي إن الطيب ابنه كان يريد أن يصبح طيارًا حربيًا وكانت أمه تقضي الليل بطوله وهي تبكي، صارت لما تسمع طيارة في الجو تذرف سخي الدمع. تنازل من أجل دمعها، ووافق على أن يكون طيارًا مدنيًا. أخذته عند صاحبٍ كان طيارًا مدنيًا في ليبيا قبل أن يطرده الليبيون، وهو اليوم ينتظر مقابلة الرئيس مثلك. دولتنا الحالية طيارة هذا صحيح، ولكن لها طيارها الأمريكي ربما! وفوق هذا، الطيارة معارة! قال له إياك أن تتعلم هذه المهنة المذلة، فشركات الطيران العربية لها طياروها من أبناء بلدها أو أمريكيون، وإلا أنت محكوم عليك بعدم الاستقرار الدائم، وبإلغاء عقدك في أية لحظة، وهم إن شغلوك أعطوك جزءًا صغيرًا من الراتب الضخم الذي يعطونه للأمريكي. أعتقد أنه أقنعه، وأنا الآن أتوسط له من أجل منحة مهندس إلكتروني أو غيره. هذا أحسن له، لأن مستقبل الإنسانية للتكنولوجيا، فيتعلم على الكمبيوتر أسرار الدنيا التي لم نعرفها بعد.
كان قد انتهى من الأكل قبلي على الرغم من عدم توقفه عن الكلام: إذن لا تكلم أحدًا في موضوعك، والغه من ذاكرتك تمامًا! سيورطونك! سيحرقونك! سيقتلونك ثم سيمشون في جنازتك! وعندما لاحظ عليّ التعب والعياء قال لي: اذهب ونم قليلاً، من عادتك أن تُقيل، أليس كذلك؟ تعال.
أخذني إلى غرفة أولاده، وأغلق الباب عليّ. اخترت أحد الأسرّة، واستلقيت عليه، ويا ما ألذ الاستلقاء عليه! قاعدته الخشبية تزوجت عمودي الفقاري المشوه، وأخذت به رفقًا، وبطانيته الخشنة كانت أرق من كل حرائر فندق الدرجة الأولى الذي أنزل فيه. أخذت أنظر إلى كل اتجاهات الكون، ثم ذهبت في نوم عميق لم أصح منه إلا على صوت أبي الهيثم لا أخلف الله عليه يفاجئني بحضوره. خرجت لأجدني وجهًا لوجه معه، وهو يقدم حافرًا ويؤخر أخرى، ويكشف عن أسنان الحصان أسنانه. قال إنه أجل سفره لسفر أبي منيف الأنف الوطيء إلى القاهرة، فهو ليس مجنونًا ليلقي بمهام الدائرة على عاتق الشويعر الدحبوري. أضف إلى ذلك أنه استلم فاكس من الختيار يطلب فيه تأجيل سفره وانتظار عودته. وأخذ يصهل مداعبني: من تأنى نال ما تمنى! اقترب الفرج، فعودة الرئيس قد اقتربت!
طلب مني أبو الطيب الذكر أن أحكي لأبي الهيثم لا أخلف الله عليه عن "موضوعي المشئوم"، فأبو الهيثم لا أخلف الله عليه شخص عزيز وشيء آخر. حكيت له، وأعدت ما قاله أبو منيف الأنف الوطيء، فانفجر يكسكس: كس أخت ربه! كس رب الذي خلقه! كس دين دينه! لماذا لا يذهب هو موطئ قدم؟ أنا أحببتك من أول لحظة رأيتك فيها في باريس، فحذار منه، وحذار من أن يصل الخبر إلى الصحافة! إذن لهذا السبب أراد الرئيس أن يراك، عرف من شاعرة الجبلين أو أن علي النابلسي قد حلق إليه بالخبر عصفورًا من عصافير النار، وهو لا بد أنه زعلان منك، ليس بسبب المشروع، فهو مع كل مشروع كهذا، خصوصًا بعد اعترافه بهم، ولكن لأنك تجاوزته. هل أوصلوك إلى هذه الدرجة من الطريق المسدود كي تترجم القرآن مع واحد عبري؟ ألا يوجد مترجمون عرب؟ ألا توجد مشاريع أخرى؟ قلت له: أنت من أوصلني إلى هذه الدرجة! فكشر، وخنفر، وانطوى، كان حصاناَ، وصار درصاً. ولقد كتبت لك، فلم ترد، ولم تتأثر. قال: تتكلم عن مشروع دار النشر التي... والله أني... ولكنهم أقفلوا في وجهي كل الأبواب! والله أني صحت، وقلت الدكتور يعاني، أوقف كل شيء من أجلكم، وهو شيء كبير، استفيدوا منه، واستغلوا إمكانياته، وفوق كل هذا الدكتور مناضل قديم، ومستعد ليهب روحه في سبيلكم. والله أني... أوقفه أبو الطيب الذكر: علينا أن نذهب إلى موعدنا، لقد حان الوقت! أخذ حبة دواء مع كأس ماء، والتفت إليّ: سبق وقلت لك، من أجل منحة الطيب ابني. لاحظت للمرة الأولى منذ وقوعي المفاجئ على أبي الهيثم لا أخلف الله عليه أنه يضع ملفه المعهود في حضنه، لاحظ أبو هيثم لا أخلف الله عليه ما لاحظت، فقال وهو يضحك: هذه شهادات ميلادي! قلت: وأنا أشقر سويدي! عبس، واتخذ هيئة جادة: هل تريد أن أوصلك؟ قلت: إن كنت ستمر بفندقي. قال: سأمر من أجل عينيك!
في السيارة، أوضح أبو الطيب الذكر: الحقيقة أننا حصلنا على منحة للطيب من ألمانيا، فسرقوها، ثم حصلنا على منحة من إيطاليا سرقوها أيضًا، وذريعتهم الأولوية لأبناء الداخل بينما هي لأبنائهم وأبناء معارفهم وذويهم! يا ليته كان يستطيع دخول الأرض المحتلة لبعثته يدرس هناك في إحدى جامعاتنا. أنت بإمكانك الدخول؟ قلت: بإمكاني، وذلك بوصفي فرنسي الجنسية. سبق لجامعة بير زيت أن وافقت على تعييني فيها، لكنهم بعثوا لي بالموافقة لما حللت في مراكش، وحاليًا، كما تعلم، الجامعة مغلقة بأمر عسكري. قال أبو الطيب الذكر: هكذا لن تنضم مؤقتًا إلى جماعة الأكاديميين المهملين! أكاديميون أمخاخ من خريجي أعظم الجامعات في العالم هارفارد وأكسفورد والسوربون مضروبون في قفاهم بقدم الرئيس مقابل تجار لا علاقة لهم بالعلم أو الأدب أو السياسة في شيء، استعملهم النظام الإستعماري والنظام العربي واليوم النظام الفلسطيني! الوجوه! بينما وجوه الصرامي أشرف منهم كلهم! أو ماذا يسمونهم؟ الأعيان! وكل عين الواحد أعفن من التاني! هم أو أبناؤهم لما يأتون إلى عمان –فما بالك إلى تونس- تقوم الدنيا ولا تقعد لاستقبالهم والسهر على راحتهم وتسهيل أمورهم، أبناء العائلات كما يقول جماعتنا بكِبْرٍ واطٍ، أولئك الذين حنفيات الدولارات مصبوبة عليهم صبًا، وهم آخر من يفعل شيئًا! أما أبناء الشهداء ومناضلون يأكلون هواء، يرفعون على أكتافهم أمورنا وصخورنا ومصائب شتى لا يتخيلها عقل، فلا أحد يُعنى بهم، ينقعونهم في الأوتيلات إلى أن يصيروا مخللاً! هذه المرة لو يفعلونها ويسرقون منحة الولد سأبصق عليهم وأستدين كي أرسله إلى باريس أو روما، فأذهب عنده، وأتمشى في الشوارع، أنظر إلى وجوه الناس، وإلى الفترينات، ولا أكلم أحدًا.
قال أبو الهيثم لا أخلف الله عليه بعد فترة من الصمت: أما أنا فقد ذهبت إلى باريس ولندن وروما وكنت سأذهب إلى نيويورك لولا أنهم رفضوا إعطائي فيزا! تمشيت في الشوارع، نظرت إلى وجوه الناس وإلى الفترينات وكلمت الناس بلغتي الإنجليزية المكسرة، تكلمت على الخصوص مع الفلسطينيين هناك، واستنتجت أن فلسطين عمرها ولن تتحرر، لأن كل فلسطيني يعتبرها ملكًا خاصًا له، زوجةً أو متاعًا، ولأن كل فلسطيني يغير من أخيه الفلسطيني، لا سيما من ذاك الذي تسلط الأحداث الأضواء عليه، يصيرون كلهم أحسن منه، ويصير لا يفهم شيئًا! فإن تحررت البلاد اللي عمرها ولن تتحرر ستقوم حرب أهلية، انتفاضة على الانتفاضة! قلت: لأن كل واحد منا ضائع الحق ومؤسسات منظمة التحرير كلها عفنة بأيدي عفنين ومتسلقين، فاختلط الحابل بالنابل، ولم نميز بين شريف صاحب جدارة وبين لص لا يفهم شيئًا في السياسة! لم يتأثر أبو الطيب الذكر بكلامي، كان محمد العبريّ قد بنى بيني وبينه سد صاحب هريرة التونسيّ، صعد عليه أبو الهيثم لا أخلف الله عليه، وهو يكشف عن أسنان الحصان التي له، وقال: خذا هذه النكتة. طيارة مهددة بالسقوط... ليست بالطبع طيارة أبي الريش النفاثة! سألت كجلد الخوخ المخملي: من هو أبو الريش؟ صهل أبو الهيثم لا أخلف الله عليه، وهو يدق أبا الطيب الذكر بكوعه: لا يعرف من هو أبو الريش، طائرنا الفلسطيني الوحيد! همهم أبو الطيب الذكر: إنه الرئيس! فرقع أبو الهيثم لا أخلف الله عليه ضحكة على ضحكة، وعاد إلى نكتته: طلب الطيار إلى الركاب أن يلقي ثلاثةٌ منهم بأنفسهم من الطيارة لينقذوا باقي المسافرين، فنهض جزائري، وصاح: أنا من بلد الثوار بلد المليون ونصف المليون شهيد! ورمى بنفسه. جاء تونسي، وصاح: أنا جار بلد الثوار بلد المليون ونصف المليون شهيد! ورمى بنفسه. تقدم فلسطيني، وهتف: أنا من دولة النصب والنصابين! ورمى بمسافر آخر بدله. انفجر ينهق هذه المرة، والسيارة تروح يمنة وتروح يسرة، وأنا وأبو الطيب الذكر نقول له: حذار ستقتل أحد العابرين! بلع أبو الطيب الذكر حبة من دوائه، وهو يشكو من نرفزة وأوجاع لا تريد تركه، فقلت حتى الحيوانات مصابة بقلق عصرنا الفلسطيني، وهي ترزح تحت وطأته، وأنا أشير إلى كلاب تتناحر وقطط تتعاضض وثيران تتداقق. لكن أبا الهيثم لا أخلف الله عليه كان يفكر في عصر آخر، فقال إن الله سيعطي المؤمنين في الجنة نساء وغلمانا! ونهق من جديد، وسأل إن كنا قد أكلنا ملوخية؟ قال إنه مشتاق إلى أكل ملوخية وزيتون وزعتر بالزيت، وإلى شُرب كأس مَرامِيِّه. وأنا ألتفت إلى الحيوانات المتصارعة المكسرة لمهاد الورد، وأجمجم: طُزْ في الملوخية المدنسة! طز في الزعتر والزيت والزيتون الجبانة! طز في المراميه الخائنة! طز في إكليل الجبل المتآمر وفي اللوز الانتهازي وفي العنب المتسلق! طز في قمح يقولون عنه خير الأرض وهو شرها! طز في الأرض! طز في المهد! طز في اللحد! طز في السمّاق!



















35
أخي الغالي أسعده الله،
استلمت رسالتك الأخيرة، وذهبت بها في اليوم التالي إلى صديقنا علي النابلسي، وبعد اطلاعه عليها مضينا نقلب النظر في الأمر على كافة وجوهه، وانتهينا إلى النتيجة التي تقول: تمهل يا صديقنا الحبيب، فالوقت لم يحن بعد لمثل هذه التجربة.
تقول إنك تعتقد أن إيجابيات التجربة كبيرة سواء من الناحية الشخصية أو الثقافية الوطنية، وبغض النظر عن الإيجابيات الشخصية، فالمؤكد أنه لن تكون هناك إيجابيات من الناحية الثقافية الوطنية، ولسوف تجد نفسك محكومًا ومحصورًا بحدود لن يسمح لك بتجاوزها لتنطلق وطنيًا كما تشاء وكما ينبغي لك أن تنطلق، ولكي تضمن رضاهم عنك ستجد نفسك مضطرًا إلى الإذعان بينما باطنك يغلي بصراعات وتناقضات تؤرق مضجعك، وتنتهي بك إلى الشعور بالضيق ثم إلى الفرار.
ستجد بينهم من يسايرك ويلاطفك ولكن إلى حدود، وهناك بيت من الشعر العربي القديم يلخص بسيكولوجية الإنسان اليهودي أحسن تلخيص وأبلغه:
ولكن يهودي يريك محبة
ويضمر في المكنون منه لك الغدرا
فإذا كان في تصورك وتخيلك أنك ستريح ضميرك وترضي وجدانك بالعمل هناك على المستوى الوطني، فهذا أبعد ما يكون عن الحقيقة وواقع الحال، فالمخابرات المنبثة في كل ركن وزاوية ستلاحقك عيونها منذ أول لحظة تطأ فيها قدمك مطار بن غوريون، وستبقى ترافقك في كل خطوة تخطوها مصغية إلى كل همسة تهمس بها.
هذه هي رؤيتنا للأمر، لقد قال لي علي النابلسي إنه سوف يبحث موضوع عملك مع الدكتور الحسيني رئيس مجلس أمناء كلية الآداب في القدس، وهي كلية عربية راقية المستوى، فلعل الله يهيء ما فيه الخير لك ولنا، فلا أحب إلى قلوبنا من أن نراك وقد عدت إلى البلاد وإلى أصحابك وأحبابك الذين هم نحن وما أجمل أن نراك قريبا منا.
لا جديد سوى الأشواق المتجددة على الدوام
مع كل الحب أيها العزيز
شاعرة الجبلين
الصديق العزيز،
تأخرت قليلاً بالرد، فقد كنا مرضى، أنا وزوجتي وولداي، بالأنفلونزا اللعينة. كتب لي أخي غازي المجريّ عن لقائه المفرح بك، وكم تمنيت لو كنت معكما. وقبل أيام تحدثت شاعرتنا المحبوبة معي حول مشروعك مع محمد العبريّ، ورأينا معًا أن تتريث، ولعلك تجد أحد المترجمين العرب في هذه المرحلة على الأقل. بالنسبة لي، كان جوابي الفوري حين قرأت رسالتك، بيني وبين نفسي، نعم، رائع! ولِمَ لا‍ ولكن المسألة ليست سهلة، فلا أظن أحدًا من قبلك سبق له مثل هذه التجربة، فهل تكون أنت المبادر الأول؟ وهل تعتقد أن "البعد السياسي" لهذه "المبادرة" واضح بما فيه الكفاية؟ وما هي "الأطراف" التي سوف تعالج هذا البعد السياسي، بخاصة من خلال اسمك الأدبي الكبير؟
أرفق لك طيه قصاصة عنك من "الاتحاد" الحيفاوية، من صفحتها الطلابية، وهي زاوية تعليمية تحاول، في العادة، نشر ببليوغرافيا أدبية-ثقافية عن كبار الأدباء والمفكرين الفلسطينيين خاصة والعرب عامة.
لم أكتب بعد الافتتاحية التي وعدتك بها حول "نراجيديات"، سأفعل بالضرورة في العدد القادم، العدد الحالي جاءت فيه مقالة قديمة لم يسبق لي نشرها عن الثقافة العربية ومشاكلها الآنية، والسبب هو المرض. كيف صحتك؟ أشكرك على إشارتك إلى إمكانية نشر مجموعة شعرية لي في المغرب، تصور منذ أكثر من سنتين وناشري العكاوي "يريد" أن ينشر مجموعة شعرية لي! انتبه على صحتك، فكم من واحد لنا مثلك؟
ودم لأخيك
علي النابلسي
أرسل لي أيضًا من حيفا القاص وحيد العمري رسالة يقول فيها الشيء ذاته، كان محمد العبريّ قد حدثه عن مشروع ترجمة القرآن معي، وكان رأي وحيد العمري أن نفكر في الأمر مليًا قبل الإقدام على "خطوة مصيرية" –كما قال- كهذه، وأن ننتظر. هذا رأي كاتب من كتاب 48 إضافة إلى رأي شاعرة الجبلين وعلي النابلسي. الكل يقول: ننتظر، ننتظر، ننتظر... إلى متى؟ أحلم بعمل ما أريد مع من أريد كما هو عليه الحال هنا في فرنسا. أريد أن أعمل ما أريد وأعيش مع من أريد دون إكراه أو تمييز. في فرنسا، طبيبي وطبيب أطفالي يهودي، وهناك من بين أصدقاء أطفالي يهود، ومن بين تلامذتي يهود، ومن بين جيراني يهود... يهودي أو غير يهودي، الإنسان هو الأساس: قيمته، حرارته، لطفه. وعد وحيد العمري بالتحدث في الأمر إلى ابن عمي، وسيعمل على أن يزورني حين توقفه في باريس ليدرس المسألة معي بالتفصيل.
هذا وقد أخبرني وحيد العمري أنه بصدد ترجمتي إلى العبرية، وأنه يريد أن يفعل أي شيء من أجلي، فلا أكون لمحمد العبري أو لموسى العربي رهينة لو كان لي رأي غير هذا الرأي، لكنه أكد لي أولا وقبل كل شيء على المكاسب السياسية التي يريدون جنيها من وراء مثل هذه التجربة، فاستحلفه بالله أن يأتيه، فقط ليتكلم معه، لن يمسسه، سيجلس على طرف السرير، وسيتركه حرًا يفعل ما يشاء، فقط ليراه، لأنه أغلى امرئ في الوجود على قلبه، فقط ليتنسم عطره، ليلقي وإياه نظرة مالنخولية من النافذة على بحر جيفا، وليسمح له بأن يمسك يده، وهو لن يفعل أكثر من أن يمسك يده، يعرف أنه لا يحبه، ولكن ماذا يفعل بقلبه الذي وقع في غرامه؟ يعرف أنه لا يحب الرجال، ولكنه لا ينام الليل، وهو يفكر فيه عاريًا يخبط بجسده العاري، جسد على جسد، وموز على ياسمين. أخذ ينتحب على الهاتف، ويرجو، فسأله إن كان ينزل دومًا في "الميريديان"، فقال أنزل. قال سآتيك فقط لنتحدث كرجل يحادث رجلاً، فأزيل بعضًا من غمك. ولما أتاه، وجده قد أغلق النافذة على بحر حيفا، وأغلق عليه الباب لما دخل، وانتصب أمامه كما ولده أبوه عاريًا. رفع في وجهه مطواة، وأمره بخلع ثيابه التي خلعها، وأتاه بالمطواة على عضوه الذي راح يطلب التماس معها بغير إذنه إلى أن انتصب رافعًا العالم عليه، وبضربة كالبرق قطعه له.















36
وأنا أدخل الفندق، رأيت الشويعر الدحبوري يحمل شنط بعض الكتاب المصريين، بينا يقت أثره عتال الفندق، والشويعر الدحبوري يترجّح من يمينه إلى يساره! ينادي عليه، فلا يسمعه، يعترض طريقه، فلا يبصره، يكتب ظله بيت شعر، فلا يقرأه! قلت هذه هي حضارة الكتابة من اليمين إلى اليسار، فلا السمع يغني ولا البصر ولا القراءة! صعدت في المصعد وفي أنفي تصعد رائحة الكلمات العطنة، كانت ويا للحظ الموسيقى فيه مقطوعة، فلا صراخها يطرش أذنك، ولا تكرار الأسطوانة الوحيدة في الفندق التي انتحتت يجعلك تعض روحك! وجدت خادمة الغرف لم تنته بعد من إعداد غرفتي، ففحصت ساعتي، كانت تقترب من الخامسة. تناولت حبة تفاح ذابلة، وعدت أدراجي. قلّبت جريدة في القاعة دون أن أنتبه إلى الشويعر الدحبوري، وهو يجلس كالضرغوس من ورائي معطيًا إياي ظهره، ويقول إن الشاعر الخالد هو الشاعر الستيني أيام صعود الناصرية والقومية العربية وبرهانه على ذلك أحمد عبد المعطي حجازي! حذاء هذا أشعر منه، هذا صحيح، ولكن أحمد عبد المعطي حجازي أبدًا لم يكن شاعرًا ناصريًا أو قوميًا، ومن هذه الناحية يمكننا أن نكون كلنا قوميين وناصريين، ولا يمكننا أن نكون كلنا شعراء وشاعريين، إذ ما دخل الشعر والشاعرية بالناصرية والقومية أو بالماركسية والبوذية؟ أردت أن أمزق الجريدة، فطويتها بهدوء، وغادرت الفندق، وأنا أفكر أن المشكل الحقيقي يكمن في هؤلاء الذين يمارسون مهنة القلم، فلجبن الكاتب العربي الذي هو أعظم جبن، تقوم كتاباته هي أيضًا بقتل الشجاعة لدى شعب بأكمله.
لم أشأ السير في شارع الحرية، قلت سأسير في شارع فلسطين، ولأول مرة برز لي التشابه الكبير بينه وبين شارع فلسطين البعيد في نابلس الجمهورية: سياراته المسرعة، بناياته العالية، مكتباته العديدة، المحمصاني الوحيد فيه، ورائحة الفاكهة. اجتزته إلى ساحة يمدون فيها خطوط التروللي، قيل لي إنهم يمدونها منذ سنين بسبب سرقة رؤساء الوزراء المتعاقبين لأموالها، وغيمة من الغبار تحلق في سمائها، فقطعتها بسرعة، وأنا أتعمد السير في الأزقة المتقاطعة، فأمرّ بفندق وخياط ومطعم وحداد وحذّاء أو بائع أشرطة فيديو... كنت أنظر إلى الناس فيها، فألاحظ هدوء الشبيبة الغريب، هدوء يقترب من هدوء الكهول، وكأن الواحد منهم يحمل على ظهره بردعة للزمن ثقيلة، وقد أنهى لتوه رحلة حول العالم.
وجدت نفسي في شارع الحبيب بورقيبة أو 7 نوفمبر، 7 نوفمبر أو الحبيب بورقيبة. أخذت كأس عصير برتقال لا طعم له، وعزمت على المشي إلى الهاتف العمومي لأسمع صوت ابنتي دينة الدنيا. كانت مجلات من كل نوع مفروشة على رصيفه الأوسط، وكتب صفراء وخضراء وبيضاء، وكان الورد يقهقه هنا وهناك، ويصرخ بجماله. رأيت بعض الفرنسيين العجائز، وهم يترامون على مقاعد تحت الشجر العملاق، شجر الكستناء المز ثمره، وقبل أن أقطع إلى شارع جمال عبد الناصر نظرت إلى السفارة الفرنسية إلى يساري قديمة عظيمة مهيبة، وإلى المركز الثقافي الأمريكي من أمامي بواجهاته المزججة المزينة بصور عزرا باوند ونورمان ميلر وهمنغواي بحراسة عدد غير قليل من رجال الشرطة.
في شارع جمال عبد الناصر كانت أجمل الفترينات وأغلاها وفي الوقت ذاته كان الشارع أوسع مكان للبضائع المهربة الرخيصة: فاش كي ري وكاسيتات وشفرات وعلب دخان جبال منها إلى جانب أن البرتقال هنا بطعم، والطماطم أهرامات على العربات، وكذلك الباذنجان الغامزة عينه، والدلاع.
في مركز البريد كانت كل التلفونات مشغولة، فالتلفونات المعطلة كثيرة. وقفت بالصدفة أنتظر دوري قرب أحدها لألاحظ أن الواحد ما أن يبدأ بالحديث حتى لا ينتهي إلا بعد أن تطلع روح من هو بعده. تسمعه يعيد ما يقوله آلاف المرات، ويفصّل في سرد الحكايات! لما جاء دوري عرفت أن بإمكانك التكلم مع أي كائن كان في العالم لتعود إليك قطعة النقد عند آخر المكالمة. ابتسم لي من كان قبلي عندما انتهى كما ابتسم له من كان قبله وكما سأبتسم لمن كان بعدي.
تكلمت مع زوجتي سكر الملح طويلاً، ألّفت لها حكايات من عندي لتطمئن، وختمت سيكون كل شيء على ألف ما يرام حين يعود الرئيس من جولته الأوروبية. وللفرح الذي أظْهَرَتْهُ جاء أخي أيمن السيوف، وقال لي إنه أخرج من نصفه الأيسر امرأة لا أعضاء تناسلية لها، وها هو يتسلى معها ريثما آتيه من الرئيس بخبر سعيد. تكلمت مع ابنتي دينة الدنيا، فلم تجبني. رجوتها أن تقول لي كلمة واحدة، أن تنادي عليّ، فلم تفعل. جاءتني ابنتي غيداء نوازي الكبير، وراحت تطلب ألعابًا وألبسةً وتمورًا. قالت لي ابنتي ميساء القديس مور يبدو أننا نعيش مع وحوش صغيرة جدًا لا تُرى إلا بالميكروسكوب قبيحة، فقلت لا وحش أقبح من الإنسان! ثم تلفنت لأمي شجرة الدر "ماما الجزائر" كما يدعوها الجزائريون. راحت في البداية تلهث مسرعة في الحديث معي لئلا تضيع الوقت عليّ وأخسر تقودي، فطلبت إليها ألا تسرع. قلت إن هذه المكالمة هدية من الرئيس لها، فراحت تدعو له بطول العمر. جاء أبي، زعيم شجر الخريف، وقال لي نحن ننتظر أيضًا معجزة الملاك الصغير الكولومبي، ثم أعلمني بما نقلته التلفزة الجزائرية عن الراديو الإسرائيلي أن الرئيس سيعود الليلة إلى تونس، وأنه سيزور الجزائر عما قريب.
سخرت من أبي أمير المتقاعدين لما أقفلت، وعجلت الذهاب إلى باب السويقة. اجتزته إلى المدينة القديمة الرابضة في ظل العلم البريطاني المرفرف على مبنى سفارة صاحبة الجلالة، فهبت في الأجواء رائحة الشواء. رأيت بائعي الشواء على عرباتهم المزينة بالبقدونس والنعنع يشوون الأسياخ ولا أحد هناك لشرائها. كان الظلام قد بدأ يسقط على القصبة، فتعتم الأزقة، ويهيمن على العباد الشعور بالوحشة. وجدتني أقترب من الباب الكبير لجنة سيدة الليل، فرأيت صفًا من العاطلين عن العمل يقف على باب الجنة منتظرًا عرفت من بينهم بعض المثقفين وبعض السياسيين وبعض الشاذين. برز أبو رُهم في جسد سيدة الليل وسيدة الليل في جسد أبي رُهم أو أنهما سيبارسي واحد نصفه القائد الفلسطيني ونصفه قحبة قرطاج، يتلاصقان ظهرًا على ظهر تارة وجنبًا على جنب تارة، حسب التفافهما من هذه الناحية أو تلك، إلى هذا العاطل عن العمل أو ذاك، يمسكانهم من أعناقهم ومن أثدائهم ومن أفخاذهم، ويقبضان على رجولتهم، فيختاران أكبرها حجمًا.
رحت أغذ الخطى قبل أن يسقط الليل تمامًا على مدينة الضياع، وأنا أذهب في شارع كنهر يدور لا تبين له نهاية، فكأنه لحية شيخ مسن بعمر تونس، تعمّر فيها أحمرة قبان، وتضيء أركانها سناءات بارقة، إلى أن وجدتني أخرج من الناحية الأخرى للقصبة إلى باحة فيها آلاف الدراجات النارية. كانت المصابيح وهاجة والأنوار وامضة وموتورات الدراجات صارخة مدخنة، صراخ ودخان يقضان مضاجع الموتى. وفي الجهة المقابلة، كان بائع راديوهات قد وضع شريطًا لشيخ يعظ الناس بأعلى صوته، فضاعفتُ من سرعتي هربًا من ذاك الدخان الجحيمي وهذا الصراخ الفردوسي لأجدني في المحطة المركزية للحافلات، والناس يتمزقون هنا وهناك، بين الآلام والنسيان، وفي وجه كل واحد منهم ميموزا محطمة، فرحت أسعى إلى الشجرة الخالدة، وأنا أخرج من باب السيدة التي نسيت اسمها إلى أن رأيتني قرب فندقي، أَلِجُ في اللاكائن، وأعود إلى اللامتميز.













37
صاحت ايفا براون بجعيدها موبخة كيلا يقفز في أحضان الرئيس لأنه مشغول مع مستشاريه، لكن الرئيس حمله بين ذراعيه، ثم أعاده إلى ايفا براون التي شكرته أمام الجميع لقلبه الكبير، وانزوت من الطائرة في مكان بعيد، والرئيس يبتسم لها، يفرط في الابتسام لها ولمستشاريه، لأن رحلته إلى أوروبا كانت ناجحة، الأوروبيون قالوا له نعم، وايفا براون كانت أوروبية. شَوِصَ بعينيه ناحيتها على نحو مفاجئ، ولاحظ أنها ترتدي من قمة رأسها إلى أخمص قدمها ثيابًا أمريكية حتى أن كلبها المجعد لا تغسله إلا بشامبو أمريكي، فضحك لأن النساء هم دومًا هكذا، يعجبهن كل ما يأتي من الخارج، وإن كانت أوروبا هي المتوجة على عرش الحمامات والأزياء.
أطراه مستشاره المفضل عباس أبو فضيح لسياسة البحث الدائم عن مخرج في عملية التسوية، فصححه، وقال تريد القول سياسة البحث الدائم عن مدخل في عملية التسوية. ابتسم عباس أبو فضيح ابتسامة عظمى قضمت وجهه الذي شوهته رسالة ملغمة انفجرت بين يديه البريئتين –فقط من أجل أن يفكر، وهو قد فكر على ما يبدو، وتوصل إلى فكرة عبقرية تقول إن البندقية لن يمكنها أبدًا تحقيق استقلال فلسطين، بعد أن نسي ما فعلته البندقية في الجزائر وغير الجزائر، وإن من اللازم البحث عن وسائل أخرى تعهرية للتحرير- وخاطب الرئيس ب"يا والدي" كما تعود على مخاطبته قائلاً إن الدخول غير الخروج، فوضع الرئيس ذراعه على كتفيه ليثير الحسد عند مستشاريه الآخرين، وجذبه إليه كولده، وكان بالفعل مفضله، يعامله –هذا صحيح- كأنه ولده، قال الفرق بين الخروج والدخول أنك في الخروج تابع وفي الدخول متبوع، في الخروج تلحق الركب، وفي الدخول يلحق الركب بك، وفي كلتا الحالتين تجري مجرى زمانك. قال عباس أبو فضيح إنه يخشى عليه من أن يغدو رئيسًا كغيره من الرؤساء العرب من مولده إلى مماته، لكن الرئيس انتهره، وتساءل عما يزعجه في الأمر، وقد عم الفرح وجوه مستشاريه لما كشر فيه. قال إن هذه هي السياسة، وهذه هي الرئاسة، وهو يفضل أن يلهث حين الجري على ألا يجري، ويبقى مرتاحًا. الجري يجعلك تحصل على رضاء أعدائك، وعدم الجري الخاص بالقوى السياسية التي شكلتها من حولك كالخراف أنت المالك لها بالمال أو التفرقة أو القبضة الحديدية في قفاز من مخمل يجعلك تحصل على رضاء أصحابك.
تذكر الرئيس فرض الصلاة عليه، فقام إلى ايفا براون ليداعب الكلب قليلاً قبل التوضؤ، وليطبطب على خدها، ثم دخل بيت الراحة، فارتاح... مبالغًا في الراحة، منطربًا للرائحة. تغسل بعدها بصابون أمريكي، شم رغوته، وتنسم عطره، وهو يغمض عينيه للسعادة التي يفجرها في رأسه. تناول مقصًا، وراح يقصقص لحيته الناعمة بنعومة الحرير، ويدندن أغنية بالإنجليزية يقطعها بمخطة من هنا وضرطة من هناك إلى أن قطع زمنًا طويلاً، وهو كذلك، دون أن يحس تحت قدميه بمحركات الطائرة، ثم عزم على التوضؤ الذي أنهاه بسرعة. فرش سجادة الصلاة عند قدمي ايفا براون، وراح يصلي، بينما انبطح الكلب بين قدميها، فرفعته من قوائمه، ووجسته من بطنه، وباسته من فخذه، وبعد ذلك راحت مع كلبها إلى مستشاري الرئيس ليداعبوا حيوانها السعيد، ويثنوا على جمالها. لكن الدهشة كانت من الرئيس الذي ظل يقوم ويقعد، يقعد ويقوم، يدعو ويكبر، يكبر ويدعو، ويتلو الآيات تلو الآيات إلى أن جاءه صاحب الفاكسات بآلاف منها، فقرأها كلها، أنهاها بلمح البصر موقعًا أو معلقًا على الرسمي منها قاذفًا الشخصي في سلة المهملات، ثم عاد يدعو ويكبر، يكبر ويدعو، ويتلو الآيات تلو الآيات... جاءه مستشاروه، وراحوا يشون إليه ببعضهم البعض، فيهدد برميهم من الطائرة واحدًا تلو واحد إلى أن أضاءت تونس السوداء في ليل العالم الأبيض. قال لمستشاره المفضل عباس أبي فضيح عن كل ذاك التعبد إن كل هذا من أجل عيون فلسطين! غارت ايفا براون، فأضاف بسرعة: وعينيك‍! أمر عباس أبا فضيح أن يفقع تصريحًا حول نجاح جولته الأوروبية يقول فيه إنه مستعد للقاء شامير بعد لقاء برلين في القدس الشريف، فالسادات ليس بأحسن منه، وهو ليس بأحسن من السادات!‍
تعطر بعطر فرنسي متعمدًا إثارة غضب ايفا براون عليه، ففي رأيه هكذا يزداد تعلقها به. مسح صلعته، وهو يتمنى لو لم تكن ليحلق على طريقة تيتوس شعره! شد بقايا شعره، ووضع لفحته وكوفيته وعقاله، وتهندز، ومستشاروه الذين سيرميهم من الطائرة والذين لن يرميهم ينظرون كلهم إليه كما لو كانوا ينظرون إلى الإله آنو على طريق الحرب!‍ لكن الجعيد جذب كوفيته بأسنانه، وولى الأدبار، فلحقته ايفا براون، وهي تتدلع، تعاتبه، وتناديه. ولحق ايفا براون مستشارو الرئيس بحجة أنهم يلحقون الكلب، وهم في الحقيقة يلقون النظر إلى مؤخرة سيدتهم الأولى. تمكنوا أخيرًا من انتزاع الكوفية من بين أسنان الكلب المشاكس، وأعادوها إلى الرئيس. وعلى الرغم من زوبعة سببها كلب بحجم نصف كلب لم ينس الرئيس لف يده اليمنى بضماد، فقال مستشاروه إن التواقيع ستتوقف إلى حين على عين الحساد واللاهثين بعد أن لبس الرئيس يد فاطمة.
في المطار، هبط حراس الرئيس أول من هبط، اصطفوا على السلم، توزعوا في الأرض، وعلى البساط الأحمر، ثم برز الرئيس بعد عدة دقائق من الانتظار المتعمد: التفت يمنة، والتفت يسرة، ثم رفع رأسه إلى أعلى، ودار به على الأسطحة وفي الزوايا وباقي الأنحاء، فرأى رماة النار الطليعيين في كل مكان. أحس بشخصه مهددًا، فشكر قائد أمنه، وقال لنفسه قول ديكارت على طريقته: أنا مهدد فأنا إذن موجود! همست ايفا براون في أذنه إنها هي أيضًا تحس في تلك اللحظة بالذات بكونها مهددة تمامًا مثله، وأنها بالتالي مهمة وجميلة ومشتهاة أكثر من أي وقت من أوقاتها الحافلة، فنبح الكلب، فهمست في أذنه بدلع أن اسكت يا صغير لئلا تزعج الرئيس في أعظم لحظاته! والرئيس يهمس في آذان مستشاريه، وهو يسير على البساط الأحمر، طالبًا منهم أن يدعوا إلى لجنة تنفيذية ومجلس مركزي ومجلس ثوري على أن يكون الكل حاضرًا خلال أربع وعشرين ساعة، ثم راح يرفع رأسه متعاظمًا، وكأنه يحمل الطائرة، ويفكر كيف سيستقبل السفراء في قاعة الشرف، وكيف سيعبطهم، وكيف سيقول لهم أهلا‍ً أهلا‍ً بمعنى أهلاً مرتين عندما يقولون له أهلاً مرة واحدة‍. في الوقت الذي كان فيه صف من العاطلات عن العمل قد أخذ بالتزايد على باب الجنة الكبير تحت سماء مرصعة بالنجوم، من بينهن زوجات بعض القياديين والسياسيين وبناتهم، بينا راح ذلك الجسد المزدوج من سيدة الليل وأبي رُهم العاري بثدييه الضخمين ينزع عنهن ثيابهن، ويغسلهن بالماء، ثم يختار منهن ذات الثديين المشدودين والبطن الأملس والإليتين المدورتين، يضعهن على طرف، ويرميهن بأزهار الخلنج والأقاقيا.
























38
لم تكن ايفا براون سعيدة عندما قامت من النوم دون أن تجد الرئيس إلى جانبها، كان قد نهض من مؤخرة الليل كعادته، فهو وإن نام متأخرًا لا ينام سوى بضع ساعات، لا يريح ولا يرتاح، ويجعل دنيا العباد من حوله جحيمًا. هكذا قالت لنفسها ايفا براون، وهي تنهض كالهبلاء نصف نائمة نصف صاحية باحثة عنه بين الأرض والسماء دون أن تجده -لم يكن يمكن العثور عليه مثل مُوثة أمي- لا ولم تجده أمام المرآة في الحمام، وهو يقصقص لحيته الناعمة كما كانت عادته، ويبتسم لنفسه، ولكنها وجدته أخيرًا، وهو قاعد على النونية مثل قُرْدُحٍ غير راض عن نفسه. انبطح، وأراد أن يأخذها في أحضانه، فرفضته، ونفرت منه كالطاعون الأسمر. قالت له إنه سيظل عربيًا همجيًا، والتحضر عنه بعيد بعد الأرص عن السماء. ولما عاتبها ضاعف من غضبها، واعترفت له أن فيها عرقًا يهوديَّ أبيض أخفته عمن كان أعظم منه، وها هي تفجر بين يديه كل الحقيقة ليتركها تذهب في سبيلها. لكن المفاجأة كانت حين ازداد تعلقًا بها، قال لها يا حبيبة قلبي، هاأنذا أمد لك يد كوبيدون، فخذيها!‍ راحت تضربه في صدره، وتبكي، وتقول إنها تكرهه، ولا تثق به، لأنها لم تثق في حياتها بعربي، وهو حتمًا كغيره سيكون غادرًا وخائنًا ومخادعًا! رجته أن يقطع ابتسامة المهتبل التي له، فقطعها في الحال لأنه عرف حينذاك أن الأمر جاد معها. أمرته بتركها وحدها في الحمام مع كلبها بعد أن جاءها كلبها ليواسيها، فإلى الخارج كل من ليس من عرقها، وأن يقفل الباب من ورائه، لكنه راح يعوي على الكلب، والكلب يعوي عليه، ثم كشر عن أنيابه، وعض الكلب، والكلب يبكي، ويطلب نجدة ايفا براون، فجاءت ايفا براون، وخلصته من بين أنياب الرئيس الذي طردته، وأقفلت عليها وعلى كلبها باب الحمام بالمفتاح.
أخذ الرئيس يذرع الغرفة جيئةً وذهابًا، وهو يسب الكلب وأبا الكلب وجد الكلب الألماني! وفي لحظة أمل ليس متوقعًا ظنها تناديه، فعاد إليها، وهو يهمس بلهجته المصرية الخالدة من وراء الباب الموصد: انت بتناديني يا ايفا؟ أنا موافق عالمفاوضات حول حبنا! لكنها لم ترد عليه، ولم تعتبره. قرن الحيلة بالبأس، وعاد إلى الباب: المفاوضات حول حبنا حتكون ناجحة يا ايفا‍! وهو يكاد يتمزق غضبًا وعجزًا وعصابًا بسبب الذين لم يقبلوا التقسيم، فأورثوه عقدة النقص التي يحملها، لهذا تراه يريد أن يقبل بأي شيء وبكل شيء حتى بخلعهم لسرواله الداخلي! انطوى على نفسه، وهو يرزح تحت وطأة الصمت، وبدا كمن حل به رُبس.
وجد الرئيس نفسه وجهًا لوجه مع قائد أمنه، فراح به ضربًا وشتمًا لأنه سمع كل شيء، وأمره بإبقاء الأمر سرًا من أسرار الدولة. أطاع قائد أمنه الذي قال بعد أن احمر وجهه واخضر، ورسم ابتسامة خبيثة على شفتيه، إن حورية البحر الميت تريد رؤيته، فطلب إليه أن يلمّع له أولاً حذاءه، وأن يلبسه إياه بعد أن يساعده على ارتداء بزته، ففعل طائعًا بل كان ذلك كل ما ينتظره.
أدخل قائد أمن الرئيس حورية البحر الميت على الرئيس بعد أن حسس على إليتيها، فأخذت بالرئيس شدًا من خاصرتيه، وأخذ الرئيس بها قُبُلاً من خديها. قال لها إنها جميلة ككل مرة يراها فيها، فبكت، وقالت إنه لطيف جدًا معها، يقول لها ذلك ليرفع من معنوياتها! معنوياتها ضعيفة، ضعيفة جدًا‍! وراحت تحكي له عما فعله بها رجاله، أنهم حلبوها مثل ضرع، مصوها مثل علق، وها هم بعد أن شبعوا منها دعسوها بالنعال. أخذها بين ذراعيه، وجلس معها على طرف السرير، وراح يطبطب على كتفها، ويقول لها إنها ستبقى حوريته التي لن يتخلى عنها. وهي، لحرارة ويأس، خلعت عن صدرها، وأرادت أن تأتيه، فجمد على مرأى ثدييها المقطوعين. رفعها من ذقنها، وقبلها من جبينها، وقال لها ارتدي ثيابك، يا ابنتي، واستريك. وكأنه فجر فيها قنبلة موقوتة إذ انفجرت تبكي، وهي تدفن وجهها في مخدته إلى أن هدأت، وسكنت سكون حقل من ذرة الشام التي نُخرت، فظنها نامت. غطاها، ولم ينس أن يأخذ ضماد يده. وضعه في جيبه، وغادر شجون الغرفة إلى شؤون الدولة.
كان قائد أمنه قد أعد موكبه إلى قصر قرطاج كما يوجب الموكب الرئاسي: موتوسيكلات رسمية وحرس شرف وحماية أمنية‍. أراد أن يأخذ مكانًا إلى جانبه، فطرده، ونادى على أبي مروان بن الحكم سفيره. حثه على ألا يحقد عليه، أن يتخيل معه استقباله من طرف الرئيس كرئيس، فهو ما أعلن قيام الدولة إلا ليقوم عليها رئيسًا، وما قام عليها رئيسًا إلا ليقوم الرؤساء والملوك له. الشقيري، ويا لسوء المثل، كان يقول للناس متباهيًا: تعالوا وروا كيف تدق كتفي بأكتاف الرؤساء‍ والملوك. وأنا أقول لهم تعالوا وروا كيف يقوم الرؤساء والملوك لي على قدم وساق! فكر في حورية البحر الميت، ورأى أنها تذكره بحورية أخرى ماتت في ذاكرته. أعاقت حركة المرور تقدم موكبه، ففتح زجاج نافذة السيارة الأوتوماتيكي، وراح يصيح بقائد أمنه أن افتح لي طريق الحق في كل شيء، في فتح تونس أو تطويق قرطاج.
كانت ايفا براون قد خرجت من حمامها، وهي تحضن كلبها، وتدندن: الحرية من نار، عندما تلمع، يصبح العالم صغيرا... تفاجأت بحورية البحر الميت عارية في فراشها، فأعادت جعيدها إلى الحمام، خلعت ثيابها، وجاءتها بجسدها الأبيض المكتنز المهيج للرايخ الهائج على مرأى ثديين مقطوعين راحت تلعق فيهما حليبًا جف، وتبحث فيهما عن طعم فريد، طعم السكر والملح، النار والعطر، الدم والصديد... نهضت حورية البحر الميت بها كموجة ماجت ثم انسحقت، وأخذت بدورها ثدييها في فمها، وراحت تعب من الحليب الآريّ عبًا، تريد المزيد، لتعرف أكثر، وتصعد إلى الصفاء والنعمة والثروة... ثم التقت شفتا ايفا براون بشفتي حورية البحر الميت، فأنّتا أنينًا واحدًا، وتلوتا أفعى متعددة. وضعت كل منهما يدًا بين فخذ الأخرى، وحلمتا بقضيب بطول ذراع، ولم تكتفيا بما هما عليه من جماع، تحولتا إلى بغلة تناطح بغلة، وخنزيرة تصارع خنزيرة. فجأة، انتصبت ايفا براون من فوق حورية البحر الميت كالشيطان الجهنميّ، ضربتها في صدرها، وفي رأسها، وغرزت أنيابها في ثدييها المقطوعين باحثة فيهما عن جلاد حنث في وعده ومات، وحورية البحر الميت تصرخ من هول العذاب، ثم أخذت ايفا براون تقضمها منهما، وتفجر دمها، تلعقه كمائة لسان، وتصرخ من التلذذ بالعقاب... فليأتها الرئيس إذن بكل أجداده العرب-الكنعان، وليخلصها لو استطاع. لكنه كان بانتظار أن يأتيه أبو رُهم بجنرالاته الجدد، من أجل أن يتباهى بهم أمام كاميرات التلفزيون لحظة إدلائه بتصريحه المعهود على عتبات قصر قرطاج، أنه أطلع سيادة الرئيس على نتائج جولته الأوروبية، وأنهما متفقان على كل شيء أتم اتفاق.
كان أبو رُهم بصحبة سيدة الليل يعملان معًا في وضح النهار لأول مرة في حياتهما، لهذا انفصل الواحد عن الآخر نصفًا إلى جانب نصف، وراحا ينتقلان بين جمع من الصبية والبنات، يبعدان الأصحر، وينتقيان الأشقر... تركا البنات في جنة الليل، وجاءا بالصبية إلى قصر قرطاج، فاحتضنهم الرئيس، وهو يمسح عن أعينهم دموع الكروم. لف بالضماد يده، ولوح بها عن عمد ليراه كل ذي حاجة بانتظاره، ثم بدأ يدلي بتصريحه، فقهقه قائد أمنه لما وصف الرئيس صبيته بالجنرالات الجدد، وقال نكتة هي هذه بالفعل، إن كان هؤلاء الصبية الذين لا يساوون شيئًا جنرالات جددًا فمن يكون هو إذن؟ اضطر الرئيس إلى الحديث عن الجنرالات القدامى، ووضعه على مضض منه بينهم. وليبدل الموضوع، ولكن خاصة ليهدئ المعارضة، نفى الرئيس ما صرح به مستشاره المفضل عباس أبو فضيح، وقال إنه أبدًا لم يفكر في الذهاب إلى القدس للقاء شامير، ولم يسبق له أن التقى به لا في برلين أو غير برلين، أما إذا أراد أن يأتيه إلى تونس، فأهلاً به وسهلاً، في اللحظة التي أتت فيها حورية البحر الميت، وهي على وشك الهلاك، تنزف دم الأخوين. قالت عمن فعل بها كل هذا إنهم المنتحلون الجدد، فأطل بعض موظفي قصر قرطاج الكبار، وضحكوا، فأشارت إليهم، وقالت وكذلك المنتحلون القدامى. ولأن كل تلك الفضائح كانت بسبب مداخلة قائد أمن الرئيس، خلع الرئيس ضماده ثم حذاءه، بعد أن أمر الكاميرات بالتوقف عن التصوير، وأخذ بقائد أمنه ضربًا على وجهه إلى أن أدماه، وهذا بدوره أخذ بحارسه ضربًا على وجهه إلى أن أدماه، وهذا بدوره أخذ بحارسه –فللحارس حارس- ضربًا على وجهه إلى أن أدماه. لم يقل الرئيس لقائد أمنه السبب الحقيقي لكل هذا بل ادعى لأنه لا يشعره بالأهمية، لأنه لا يحس أنه مهدد معه. خال نفسه على أبواب مدن الأرض المحتلة، فأراد أن يأخذ مدينة، وأن يستسلم له قصر.













39
كاد يغمى عليّ في شارع فلسطين، دخان السيارات الماضية فيه كاد يخنقني، وكذلك شمسه الشديدة، رحت أصطدم بالعابرين، والعابرون يرمونني بنظرات غريبة. أخذت شوارع متقاطعة ضيقة إلى أن وجدتني أمام مبنى سفارتنا. كان أحدهم يصرخ بالشرطي الواقف على الباب، وهو يقول إنه من كوادر منظمة التحرير، وإنه لن بفتح له حقيبته المصفحة. جاء واحد من ناس السفارة، وأدخله بعد أن هزّأ الشرطي، والشرطي يقول أنا لا أفعل هذا إلا لأمنكم! وأنا أقف أمامه كان يراني، ولم يكن يراني، كان يشتم كل فلسطيني، ويسب فلسطين، وقد غدا لنحافته غصنًا من الكره. طلب مني على غير عادته معي جواز سفري، واحتفظ به، وهو يقول لي ستأخذه عند خروجك، وأنا أراني غريبًا عن نفسي، وحيدًا، على وشك الاقتلاع، كالشجرة المعرضة للريح من كل جانب.
التقيت بأبي مات الملك يحيى الملك في المدخل، وتلاقت عينانا، فلم يقل لي مرحبًا، ولم يتعرف عليّ. سلمت على غازي القلوب، فقدم لي شابًا أسمر طويلاً خجولاً مهريًا من سلالة الإبل، قال هذا سيدي المصطفى، وقد كنا نعمل معًا في بيروت. أخذت مجلسًا في الكرسي المحاذي لمكتب غازي القلوب المواجه لكرسي سيدي المصطفى، فأعطاني غازي القلوب جريدة، وهو يقول: إن أبا مروان بن الحكم بصحبة الرئيس، وهو لم يأت بعد. أعطى سيدي المصطفى جريدة، وراح يتلفن للفنادق الفخمة، ويحجز للقياديين الذين استدعوهم باستعجال أينما كانوا في أرجاء الأرض في القمر أو المريخ. فجأة برز لي حارس أمن قائد الرئيس، من قال يقولون لي اقتل فأقتل! كان يصطحب معه امرأة جميلة، بشعر طويل يتساقط على ظهرها، يشبه الصفصافة. تجاهلني تمامًا، وصعد بالمرأة ليلتقي بكبار موظفي السفارة في الطابق الأول. قلت لغازي القلوب: هذا حارس قائد أمن الرئيس، فقال لي غازي القلوب: وتلك امرأته. وعاد يتصل بالفنادق الفخمة كي يحجز لأبي نعل وأبي حذاء، وأنا أشخص ببصري إلى سطور الجريدة دون أن اقرأ منها شيئًا، وكذلك كان يفعل سيدي المصطفى، كان يبدو غائبًا عن كل شيء يَجري من حوله وكأنه يُجري صلوات قربان مقدس، ومن حوله كان ناس السفارة يصعدون ويهبطون، يشوشون ويوشوشون، وكنت أنا أفكر في لقائي بالرئيس، وأقول إنني لن أقابله ككل مرة، وعلى الخصوص هذه المرة، ولن أحل مشكلاً غدا عويصًا، لن أحل مشكلاً هو في حقيقته من أبسط ما يكون. وضع غازي القلوب يده على السماعة لئلا يسمعه محدثه، وقد انشغل هذا كما بدا في البحث عن غرف لم تحجز بعد، ونصحني بأن أتواجد ابتداء من الليلة في الهيلتون، فلربما التقيت بواحد "كبير" يوصلني إلى الرئيس. أردت أن أقول له إن إسرائيل اغتصبت الأرض وهؤلاء الكبار جِد الصغار اغتصبوا السلطة وفنادق الدرجة الأولى، وشخصيًا أجدني متشائمًا. كلمه محدثه، قال لم تبق لديه أية غرفة. شكره غازي القلوب، وأغلق ليعود ويفتح الخط مع فندق آخر من جديد. على حين غرة، جاءنا صوت محطم ينادي: أيا رفاق! فالتفتنا لنرى رجلاً في الانتحاء الضوئي يبدو عليه الضيق وسوء الحال قد راح يطلب عونًا ومساعدةً، وهو يكرر النداء: أيا رفاق! قضيت ليلة أمس نائمًا على العتبات المرمرية، فانزعج سكان الديار مني، طردوني من نعيمهم إلى جحيمي، ولم يعطوني طعامًا ولا شرابًا. دولار واحد وإن أمكن اثنان، يا رفاق! دار على بعض المكاتب دون أن ينال شيئًا قبل أن يطردوه من المكاتب، وفي كل مرة كان يردد: إسماعيل يشكركم على الرغم من كل شيء! إسماعيل يشكركم على الرغم من كل شيء!
جاءت زوجة أحد الشهداء إلى غازي القلوب، وفتحت له قلبها. قالت إنها تريد أن ترى الرئيس، فقال لها غازي القلوب، وهو يشير إلي، إنني أنتظره منذ عدة أسابيع، ولم أستطع لحد الآن حتى مجرد الاقتراب منه، وهذا كاتب معروف، إلى جانب أنهم ينفقون عليه مقابل إقامة في الفندق آلاف الدولارات لو يعطونها له لأطعم بها أطفاله، ولكانت لهم فيها فائدة ألف مرة أفضل. وقبل أن يصرفها إلى ندى العينين بكل اللطافة التي تستأهل، نصحها بحل مشاكلها مع أبي مروان بن الحكم أو أي واحد آخر غيره. وعاد غازي القلوب يتلفن للفنادق الفخمة، فوضعنا أنا وسيدي المصطفى الجريدة جانبًا، ورحنا ننظر إليه، فنراه ينظر إلينا كالزمان العابر.
في المكتب المجاور، كان قحطان العدناني، الجاسوس الآتي من صحراء النقب (عندما اكتُشف أمره أرسله الرئيس إلى اليمن ليعيش هناك تحت اسم جديد وهوية جديدة بكل حرية)، يصيح على الهاتف إن منظمة التحرير ليست ملكًا خاصًا لي، فلتجعل أخي ابن أبي من غير أمي يفهم أنه في كل سنة يبدل حسب مزاجه دولة: بلغاريا، رومانيا، ألمانيا الشرقية، هنغاريا، تشيكوسلوفاكيا، وهذا كل ما أستطيع عليه، أما أنه يريد فرنسا أو سويسرا أو ألمانيا الشمالية أو بلجيكا الجنوبية أو إيطاليا المغربية، فالمنح لهذه البلدان صعبة، المقاعد محدودة، والطلبات عليها كثيرة، وهي ذاهبة إلى أبناء العظماء. انتظر، سأتصل بالدائرة السياسية. راح يركب الرقم على تلفونه النقال، وهو يسأل محدثه: كيف الجو عندكم في عمان؟ تقول جهنم الحمراء! قال له محدثه إن عليه أن يتكلم مع المسؤولين عن المنح في أوروبا، ويتدبر الأمر معهم مباشرة. رفع التلفون الذي يصله بالعاملة على البدالة، وأمرها أن تطلب له مكاتبنا واحدًا واحدًا في كل من ألمانيا وفرنسا وسويسرا وإيطاليا وبلجيكا ومن على نهاية الخط يضيف: ومكتبنا في اليونسكو، فيعيد قحطان العدناني: ومكتبنا في اليونسكو... لكن منح اليونسكو يسرقها من يلتهم كل شيء المنح والميزانية وفاتورة التلفون، قال له! ردت عليه الدائرة السياسية، وقالت العاملة على البدالة دون أن تنام نوم أهل الكهف إن المسؤول عن المنح غير موجود، فنرفز عليها، وأمرها أن تعطيه أبا جعفر المنصور، فهو صاحبه. عادت العاملة على البدالة لتقول بعد أن نامت هذه المرة نوم أهل الكهف إنه غير موجود! أراد أن يخبط التلفون في وجهها لكنه تماسك. ركّب رقم هاتف أبي جعفر المنصور الشخصي، وهو يقول لمحدثه إنه سيكلم أبا جعفر المنصور في بيته، ومحدثه يرجوه ألا يفعل، لئلا يرتكب أعظم جريمة في حق أخيه، لأن الوقت وقت القيلولة، وهو سيظل حافظًا لها طول العمر وحاقدًا عليه إلى الأبد! استمع إليه، وعدل عن طلب أبي جعفر اللي الله لا ينصره لا في يقظته ولا في منامه، وقال لنفسه أما إن كان نائمًا، فهو حتمًا نائم في مكتبه!
بدأت التلفونات الأوروبية تأتي قحطان العدناني واحدًا تلو الآخر، فتوقف غازي القلوب عن الاتصال بالفنادق. أشار إلى سيدي المصطفى، وقال لي كلما جاءني سيدي المصطفى تذكرت تلك الليلة الليلاء التي قضيناها في إعداد ميزانية الحركة. كان الختيار يريد السفر في اليوم التالي إلى بلدان الخليج والسعودية، وقد طلب منا أن نعد له كل الوثائق اللازمة بالمليم ليعرضها على أصحاب الحل والربط في تلك البلدان، وكانت المهلة أربعًا وعشرين ساعة فقط. ابتسم سيدي المصطفى، وقال إنهم لم يناموا في تلك الليلة ساعة واحدة، أمضوا سواد الليل في شغل لا يلين، وفي الصباح الباكر حملا الأوراق للرئيس، وسلماه كل ما طلب، وهو لا يكاد يصدق عينيه. نظر غازي القلوب في عينيّ، وهو يرى في أمر النهار عليّ، وسألني لِمَ لا أعمل في الصحافة وأخلص من كل هذه الهموم؟ أجبت أنني عملت فيها لعدة سنوات، عملت مع أناس ذوي أخلاق عالية –يا غازي القلوب قلة من الناس ذات أخلاق عالية- كانت الحرب مع إيران لهم شؤمًا، مما اضطرهم إلى إغلاق المجلة. عاد يسألني، وفي الصحافة الفلسطينية؟ قلت لما رغبت في التعاون مع تلك الصادرة في باريس، بدأ بلال الحسن البصري الذي مقاماته من أحط ما كُتِبَ في تاريخ الكتابة يضع في وجهي العراقيل تلو العراقيل لأذهب بمفردي بينما طرد كل فلسطيني أراد المساهمة في كتابة مقاماته وشغل الكتائبيين! تعرف أن الروح السافلة تخشى كل من تضعه الصدف في طريقها، فكيف لما تكون ذا تأهيل علمي وأدبي كبيرين. ادعى أن من يصرف على مؤسسته رجال أعمال عرب يقيمون في لندن، وراح يشيع أنه مهدد بالفلسطينيين الذين سيشتغلون معه. أراد أن يوهم الناس بمؤسسته الناطقة بالضاد بمعنى لا تقلق الأعداء على الإطلاق ما دامت لا تصدر بلغة أجنبية أنها مؤسسة فرنسية، وكأن رجال الموساد (إن كان بالفعل يقلق الموساد) أو رجال الدي اس تيه لا يعرفون من هو بلال الحسن البصري، ومن يموله بالفعل؟ إنه الحقد يا أخي من مُتَيَسْرِن أولاً، والغيرة ثانيًا، والخوف من أن يؤخذ كرسيه. سيبصقون عليه، يا غازي القلوب، ذات يوم وعلى مقاماته، وسيركلونه مثل كلبٍ يهرّ في قفاه طاردين غير نادمين، ولن ينفعه أخ مقرب أو أخ خرفن!
قال غازي القلوب: لم يأت بعد أبو مروان بن الحكم! وهو يحاول بعينيه التقاط أحد حراسه. لو عندك حظ يجيء بصحبة الرئيس، فكم من مرة فاجأنا بصحبته. بدا لي مثل شجرة المحامي المثمرة، فتذكرت أخي المحامي أيمن السيوف التي صدأت في باريس. لقد جعلوا سيوفه تصدأ مثل سيوفهم لشد ما انتظرهم ولشد ما انتظروا غمدًا من أمريكا لا تعطيه! أما أنا فلن أظل أنتظر إلى يوم الدين! كشفت لغازي القلوب عما فكرت، فأجاب: سيوفهم وحدها التي صدأت! يكفي أن تنظر إليهم طالعين نازلين بقدم تظلع وعين تزوغ! هذه دنيانا، وهذه مدينتنا في دنيا الظلم عاد أو ثمود! قلت: سأقول له اجعلني للسيف عدلاً، فقال: جعلهم للظلم حبلاً!
ابتسم سيدي المصطفى، ونحن ننظر إليه عابسين إلى أن سأَلَنا إن كنا قد شاهدنا في التلفاز اليد المضمدة للرئيس؟ ضحك غازي القلوب، وقال: هذا يعني أن لا توقيعات هناك ولا دولارات ولا هَمّ ولا من يعلمون والذي يطمع في مساعدة مالية راحت عليه! لم أفهم، فشرح لي، ففهمت، والقلب الملآن غمًا قد ازداد غمًا على غم!
جاءت الصحافية المقدسية، وسلمت علينا. قالت إنها ستعمل على رؤية الرئيس الليلة، وتجاهلت حاجتي إلى الالتقاء به، فلم أطلب منها أن تمر على الفندق لتأخذني. تركتنا، وصعدت فوق، فعاد غازي القلوب يوصيني بالتمترس في فندق الهيلتون. لم أقل له: وأبو مروان بن الحكم، أليسه من سيوصلني إليه؟ أليسه من سيأتيني بقوارب السندر؟ أليسه من سيجعل لي من مُرّ الصحراء السكر؟



40
في شارع فلسطين ثلاثة أولاد يركضون، وهم يحملون فخذ خروف وصدر عجل وبطن غنم، وفي أعقابهم الجزار يصرخ: اللصوص! اللصوص! وضعت قدمي في طريقه، وأسقطته، ورحت أجري بدوري حتى دخلت مقهى الفندق طلبًا للاختفاء. سألت النادل قهوة، وأخذت أتأمل الزبائن، وأنظر إلى الطاولات، فأجد أن معظمها لا تخلو من النساء. كانت كل واحدة أجمل من الأخرى، فحسدت رجال تونس على نسائهم، وتساءلت لِمَ يصطاد رجال تونس النساء، وهذه هي نساؤهم، فأجابني ابن خلدون لأن دافع ذلك الاسترجال، فليس هناك تونسي واحد إلا ويتباهى بعشيقة أو اثنتين حتى أمام امرأته، دون أن يدري أنه يصنع منها عشيقة لغيره!
وأنا أحتسي قهوتي، قلت إن أقصر الطرق إلى الرئيس هو مكتب الرئيس، فعزمت على الاتصال بمكتبه حالما أنتهي من إفراغ فنجاني. جاءت امرأة بلغارية أو هنغارية تشحد، وطفل لها قذر الملامح والثياب يتبع من ورائها، فتشير إليه، وتقول إن اسمه هنيبعل، وإنه لم يأكل منذ ثلاثة أيام، ولا تتوقف عن ترداد: سيموتون، فهل يعلمون؟ وما إن خَرَجَت دون أن ترق قلوب الناس عليها حتى دخل علينا الغستابو التونسي، وتوزع رجاله في الزوايا وعلى الأبواب. راح ضابطهم يفحص هويات كل الجالسين بصحبة النساء، ويطلب من كل امرأة الذهاب مع مأموره إلى عربة الأمن القابعة على الرصيف من أجل بعض الاستيضاحات حولها مع المركز، فكل تونسية في نظره عبارة عن عاهرة أو قابلة للتعهر إلى أن يؤكد حاسوب الأمن العكس!
غادرت مقهى الفندق دون أن أنهي قهوتي، فوجدتني أَلَغُ في صميم معركة حامية الوطيس بين نزلاء الفندق من فلسطينيين وتوانسة. كانوا يتضاربون بالأيدي، ويتراشقون بزجاجات البيرة، وبالكراسي... قال التوانسة إن الفلسطينيين لا يتوقفون عن مغازلة نسائنا، وقال الفلسطينيون إن التوانسة لا يتوقفون عن سرقة متاعنا. تدخل مدير الفندق، وقال إن الفلسطينيين قد عاثوا في نزله فسادا، حطموا المراحيض والأبواب، وحرقوا السجاد بالسجائر، إضافة إلى أنهم مزقوا الفرشات والستائر! قال التوانسة إن الفلسطينيين غلوا الكراء، وكذلك المواخير، وإنهم أعطبوا التاكسيات لكثرة ما استهلكوها، ولبعد المسافات التي في العمر لم يأخذوها، وقال الفلسطينيون إن التوانسة انتهازيون ومتسلقون وهم شرهون ولا يشبعون مهما أمطرنا عليهم من وابل دولاراتنا! تدخل مدير الفندق من جديد، وقال إن الفلسطينيين ينزلون عنده الشهور تلو الشهور بالمجان بعد أن توقف أبو مروان بن الحكم عن تسديد فواتيرهم، وهو سيشكوهم إلى رئيسهم المحبوب ذي الشعر المزيت ليشكوهم بدوره إلى رئيسنا المكروه الذي لا شعر له!
جذبني عمر النروجيّ من ذراعي، وأصعدني إلى غرفته. قدم لي عصير المشمش، وهو يقول إن المشمش يذكره بمشمش البلاد، المشمش الأبيض الملوّز اللي طعمه كالعسل! قال لي: خاض التوانسة غمار معركة حامية الوطيس ضدنا في الوقت الذي يُجري فيه زين العرب البشعين إعدام اثنين من الإسلاميين، لأنهما... قاطعته: من وراء مؤامرة مدبرة لقتله! فضحك: إنه السيناريو ذاته من المحيط إلى الخليج، وقبل أن يأتي عبد الناصر بكثير! يعملون على انتشارهم باسم الديمقراطية ثم يضربونهم باسم الدين! قلت: السيناريو المعهود للتذرع بضربة قاصمة تزلزل حزبهم الممنوع، وبدلاً من أن يعملوا للشعب يبطشوا بمن جعلوا منهم رموزًا! قال: ربيب الكي جي بي والسي آي ايه في آن لا تخف عليه ولا على وزيره الذي ألقى القبض عليهما، ونفذ حكم الإعدام فيهما، فكافأه على حسن فعله بأن عينه وزيرًا لقصره. قلت: أما أنا، فأخاف عليك! قال: استقبلني وزيرنا الأوحد، وهو زعلان مني لأنه زعلان من امرأته! يقال إنه تعيس في حياته الزوجية، لهذا السبب يقلب حياة كل من يعمل معه إلى جحيم! غدا شخصًا لا يطاق، تراه متجهما على الدوام، مقاربته لا تحتمل لا ولا التحدث إليه! قلت: المهم شغلك، ميزانيتك، فماذا قال؟ قال: لم يقل شيئًا، ولم يعدني بشيء، بينما أستمر في الإنفاق على المكتب من جيبي. قلت: إذن اقفله، وارم مفتاحه بين ثديي امرأة نروجية ثلجية تجدهم يأتونك هارعين ليجدوا المفتاح، وليعيدوا فتحه منفذين كل طلباتك. ضحك: ليست النرويج محطة مفضلة لشامير، لهذا هم لا يهمهم أن يكون لهم مكتب فيها. قلت: ولكن المكتب موجود وأنت موجود! قال: سيأتي يوم ويقفلونه! ثم شجعني على الاتصال بأكثر من واحد غير أبي مروان بن الحكم، فقلت: اتصلت بأبي منيف الأنف الوطيء، فقال: إن أبا منيف الأنف الوطيء مسافر، فقلت: سأتصل الآن من غرفتي بمكتب الرئيس، فحثني على الاتصال بسرعة، وتركني أغادر غرفته.
التقيت في المصعد بعيسى سعيد الغزاوي، فأخبرني أن رجال الشرطة قد تدخلوا للفصل بين التوانسة والفلسطينيين، كان بعضهم كالشريطة المضمخة بالكحول لكثرة ما سكروا. سألني بلا رغبة: لماذا أنت صاعد؟ أجبت: لأتلفن لمكتب الرئيس، فإذا أردت تعال. قال بلا حماس: سآتي.
بعد جهد جهيد استطعت الاتصال بمكتب الرئيس، فحولوني من واحد إلى آخر إلى أن أخذني من أخذني. شرحت له أني مطلوب من طرف الرئيس، وصارت لي أسابيع، وأنا حبيس في علبة سردين! قال لي اعطني اسمك واسم فندقك ورقم حجرتك ورقم تلفونك، فأعطيته. قال لي: هذا اسمي، ثامر بالفصحى وسامر بالعامية، فلا تطلب إن تلفنت أحدًا سواي، سأقوم بتحديد موعد لك مع الرئيس، فامكث في الفندق، وأنت إن غادرته لسبب أو لآخر، فلا تطل، بعض الوقت ليس إلا. شكرته بحرارة، وحييت فيه جديته وحسن اهتمامه، وأقفلتُ، وأنا عرق ياسمين من نار.
كان عيسى سعيد الغزاوي يجلس من ورائي محاولاً أن يمنع نشيجه الذي يموج به، ويموج معه، وما أن التفت إليه، ونظرت في عينيه حتى انفجر باكيًا. لم أر في حياتي بكاء كبكائه، كانت الدموع تنط نطًا من عينيه، وكان وجهه يتحول إلى وردة جمرية، وجسده إلى سهم فنيفي انطلق من قوسه منذ آلاف السنين. قال: أولاد الشرموطة يظهرون لك ما لا يخفون! أنا أكثر من يعرفهم، عشت معهم في بيروت، وقد حطموا لي حياتي! وبدأ يصرخ مناديًا أبا جهاد. قال أبو جهاد الوحيد الذي فهمه وقدره، فأين هو الآن أبو جهاد؟ قلت: أبو جهاد معنا، هو الآن بيننا، روحه حارسة الروح! وطلبت على التلفون "ثلاثة شاي". كفكف دموعه، وقال إنهم بالفعل قاتلوه، لأنهم كانوا يخافونه. أتعرف مثل روما الذي يقول لا تقتل من تحتقره، ولكن من تخشاه؟ قتلوه لأنهم كانوا يخشونه. قلت: يخافون من أبي جهاد في مماته أكثر من حياته، وهم لهذا السبب تجدهم يتخبطون في الخراء اليوم. لم يكن يسمع لي، كان يستعيد زمنًا ماضيًا، يطارد النسر فيه، يقوم برحلة في الزمن لا تمحي من ذاكرته. حكى كيف كان يخطط أبو جهاد لعملياته، كيف كان يقضي شهورًا طويلة في دراسة أكبر شيء وأصغر شيء بعد أن يأتيه ناسنا بالمعلومات من الجليل مشيًا على الأقدام. عندما يصبح كل شيء على أتمّه، كان أبو جهاد يحمل خطته إلى القائد العام، فلا يتفضل بإلقاء نظرة واحدة عليها، ويكتفي بقوله: أجلها شوي الخطة العسكرية بتاعك يا بو جهاد، دي بتلخبط كل الخطط السياسية بتاعي! حتبقى عندي سرًا من الأسرار إلى أن آمر بتنفيذها! سرًا من الأسرار! أما سمير طوقان الذي قتله الموساد وصاحبه في قبرص، فقد أفشى أحذية الرئيس سر مهمتهما بين الناس، لأنهما كانا ينتقدانه، ولم يكونا محسوبين عليه.





















41
كان الرئيس ينام إلى جانب ايفا براون، ويشخر، وايفا براون تجلس مغتاظة، تحاول تحريكه، فتفشل. بدأ الرئيس يهمهم، ويهلوس، فقالت لنفسها إنه يحلم حلمًا جهنمي الفصول. ابتسمت من شدة السرور، ولم توقظه. كانت روحه تتعذب، وجسده يتعذب لعذاب روحه! بدأ يخبط بالسرير، يرفع رأسه، ويضرب. وبعد الصراخ المختنق، أطلق صرخة مدوية، وهو ينادي ايفا براون، ونهض بنصفه الأعلى دفعة واحدة، ثم انبطح عند قدمي ايفا براون، وراح يبكي. لم تمسح له دمعه، تركته يبكي، وهي تملس بيد باردة صلعته، ولا علامة على وجهها بأدنى رأفة.
سمعته يهمهم ويقول إنه حلم بكمال ناصر وكمال عدوان ويوسف النجار وعصام السرطاوي وأبي جهاد والرقم الثاني وآخرين غيرهم، كل واحد يرتدي مشلحًا أسود من الخارج وأحمر من الداخل، جاءوه جميعًا، وهم يقهقهون، ثم فتحوا أفواههم عن أنياب بارزة، وغرزوها في عنقه، وأخذوا يمصون دمه. على عكس الحكام العرب الذين هم دكتاتوريون سعداء النفوس، كان الرئيس دكتاتوري تعيس النفس. الأوائل يغتالون شعوبهم بكل الحرية التي أعطاهم الغرب إياها –العار للغرب الذي يغلق عينيه عما يفعله هؤلاء الدميون، الجلادون، الخراءات الكبيرة! ليس فقط لأن مغتصبي السلطة هؤلاء الذين هم هنا منذ عشرات السنين يطبقون بالحرف الواحد أوامره، ولكن أيضًا لأن ما يقومون به من مجازر وتعذيب وسرقات وغيرها لا يقدر الحاكم الغربي على القيام به في بلده، مما يدغدغ له خصيتيه!-، أما عنه، فهو يغتال شعبه وأصدقاءه بواسطة قوى أخرى في المنطقة أو في العالم، لهذا لم يكن حرًا بوصفه دكتاتور دولة الطائرة! كان عليه أن يلعب دور الوطني والضحية! لم يكن حرًا تمامًا كزملائه، لم يكن سعيدًا، ولهذا السبب كانت كل هذه الأحلام الشيطانية المعذبة لروحه. تذكر فجأة أن الرقم الثاني لم يقتل بعد، فنهض بقميصه الجبري إلى الهاتف كالمجنون، وتلفن للرقم الثاني الذي أجاب ورصاص النوم يقتله أن الساعة الرابعة صباحًا، وهو نائم لا يمكنه التحدث معه، فقال له المهم أني سمعت صوتك يا بوذا الأهوج الجميل! لكن الرقم الثاني أقفل الخط، وعاد إلى نومه نوم القتيل.
عاد الرئيس ينبطح عند قدمي ايفا براون، وهو يقول لها إنه يريد أن يخلص، وخلاصه غير ممكن إلا مع أعدائه، وراح يتوسل إليها: باسم أصلي التوراتي يا ذات القوى التقدمية، ركاح والسلام الآن والاستسلام غدًا وغيرها، اعملي شيئًا لأجلي! أعرف أن الجبن أشجع منك، والمصلحة عند بعضك أكثر صداقة من الصداقة، ولكن حاولي! أطلقت ايفا براون تأوهة عاجزة، وقالت: أنا القوى التي كانت تقدمية، والآن أنا القوى التي صارت تأخرية التي لا تقدم ولا تؤخر شيئًا. فألح: ورغم ذلك حاولي مع أولي الأمر عندك كي يقبلوني، فأخلض من كل كوابيسي. قالت ايفا براون إن نصفها الأحمر كنصفها الأبيض من غير اعتبار، وكلاهما، كغيرهما الأسود، أحمر وأبيض وأسود كلهم ثرثارون، لحومهم ميتة، لا يردون على نداء ولا يجيبون على رسالة، ستالينيون حتى النخاع، وبيروقراطيون حتى مجاري حيفا، قابضون، يشترون المطابع ليطبعوا فقط كتبهم، ويبنون البيوت، وكل قابض يمشي تحت نعل سلطتك إلى أن تصله الحوالة، وبعد ذلك طز فيك وفي كوابيسك!
أخذ يركّب كلمات متقاطعة من الصدمة: نحن الذين نبني لهم المستعمرات... لماذا لم يأت ليسلم عليّ... عامل حاله جنرال... لن أسلم عليه ولن يسلم عليه أحد... بلعة لا تعرفني... أنا دكتاتور... أنا دكتاتور لا تعيس ولا سعيد، دكتاتور غبي ربما كدكتاتور مصر، دكتاتور مجنون كدكتاتور ليبيا، دكتاتور مدروش كدكتاتور المغرب، دكتاتور دموي كدكتاتور تونس... أنا كل الدكتاتوريين... كل الدكتاتوريين... كل الدكتاتوريين... كل الدكتاتوريين...
اتصل الرئيس بالعامل على بدالته الخاصة في باريس كي يفتح له الخط مع الضفة والقطاع، فبواسطة الوطنجيين فيهما سيحل إذن كل أموره، بعد أن لم يبق له أحد غيرهم واسطة. ولما أعطاه إياهم، هدد محدثيه أول ما هدد بقطع دولارات الدعم والصمود، وهو قد قطعها بالفعل إلى أن يضاعفوا جهودهم، فيذهب إلى القدس كعمر بن الخطاب فاتحًا، ويخلص من كوابيسه! راح يصيح على الهاتف، ويتفوه بكلام في غير مكانه، أنهم لو وضعوا الشمس في يمينه والقمر في يساره لما تخلى عن معبد أورشليم الحاضن للمسجد الأقصى ثالث القبلتين و أولى الحرمين الشريفين، ومحدثوه يضحكون عليه في الطرف الآخر. وفجأة، راح يوشوش مضيفًا أنه يقبل بقرية يقيم عليها دولة، وهو يتمنى أن تكون بلعة، فقالوا له: لا تحلم! لن يعطوك لا بلعة ولا بعلة! لن يعطوك بغلة!
طلب قائد أمنه الذي وجده ساهرًا مع حارسه يخطط على سيارته "قيادة أمن الرئيس"، أمره بالحضور فورًا، فأطاع. راح حارس قائد أمن الرئيس يسوق بقائد أمن الرئيس السيارة في ليل تونس المريض الميت دون أن يأبه به أحد، فعزم على أن يطلب من الرئيس أن يعين له عددًا هامًا من الحراس ليثير الاهتمام به، فيحس بالخطر، ثم بالأهمية، قال سيقول له إنه استلم رسائل تهديد سيكتبها بنفسه.
طلب الرئيس سفيره، فوجده يغط قي نوم عميق لا يفيق إلى سائقيه الذين في حديقته وهم ينكحون ويتناكحون. أمره بالحضور حالاً، فسأله أحضر حالاً أين؟ عند من تنام الليلة؟ أعطاه العنوان مشددًا على ألا يقوله لأحد، فلم يقله إلا للخادمة الشمطاء التي من عادتها أن ترد على الهاتف! طلب الرئيس وزيره الذي أخذ يتصايح مع زوجنه، وهذه تلعلع احتجاجًا لأن الوقت ليس مناسبًا للتلفونات، حتى وإن كان على الطرف الآخر رئيسك! فأكد لها وهو يشد شعره بكلتا يديه أنه رئيسه. قالت إنه رئيسك وليس رئيسي، إذن لِمَ يزعجها في تلك الساعة المتأخرة من الليل. غضب أكثر، وقال إنه رئيسنا كلنا، كلنا! فقالت رئيسنا كلنا على طيزي، وهو لو أنه قبل بأخذ مكانه لما عرضت عليه السعودية ذلك لما أزعجهم أحد، فوضع يده على السماعة، وقال إنها غبية، لأنه بذلك قد ضمن حياته سليمة ومنصبه إلى الأبد.
اجتمع ثلاثتهم مع الرئيس، فقال لهم إنه يريد الآن في هذه الساعة عقد اجتماع للجنة التنفيذية يبحثون فيه آخر تطورات عملية السلام، وإنه مستعد لوقف الانتفاضة والتنازل عن كل شيء، عن القدس لو يضطره الأمر، والقبول بدولة ولو على قرية واحدة كما فعل الرسول محمد في المدينة صلى الله عليه وسلم! أتكون الطائرة أحسن؟ وفجأة، بدأ يحكي لهم عن شجرة كانت في حديقة دارهم، شجرة عرفها في عز شبابه، كانت بينه وبينها علاقة حميمة، كان يقرأ في ظلها، وينام في ظلها، ويصعد أحيانًا عليها، وعندما وقع في غرام أول بنت كانت جارتهم، نحت اسمها بمطواته على جذعها، وكشط قشرتها... قال: لم أكن أعرف أني أحفر على جذعها اسم حبيبتي، وفي الوقت ذاته أقتلها! راحت تتساقط أوراقها، وتيبس ثمارها، وتتكسر عروقها. أخذت تنحني مثل امرأة عجوز على نفسها، فينقص بصرها، ويضعف خفقها، ويتجعد جلدها. وعندما صعدت ذات يوم عليها، ونظرت في جوفها، رأيت حفرة بل هوة عميقة وملايين الحشرات القارضة لها العازمة على تحقيق مشروعها الذي هو الذهاب حتى جذورها.





















42

طلبت الأخ ثامر بالفصحى وسامر بالعامية، فقالوا لي خرج، غير موجود. سألتهم متى سيعود؟ قالوا بعد ساعة. تلفنت بعد ساعة، فقالوا لي يعمل بعد الظهر. طلبته بعد الظهر، فقالوا لي يأتي في الليل. طلبته في الليل، فقالوا سيكون هنا غدًا صباحًا. كلمتهم عن مسألتي، فقالوا لا نستطيع لك شيئًا، لأن الأخ ثامر بالفصحى وسامر بالعامية هو من أخذ على عاتقه مسألتك، وعلى كل حال مسألتك معقدة، ليس لدينا أمر باستدعائك، الليلة ليست زاهرة، والرئيس يجتمع الآن باللجنة التنفيذية واضعًا على رأسه تاج الحكمة، فقلت بل تاج الجنون! امتدحه البعض الذي نصفه نائم على الرغم من أنه استدعاهم ليلة أمس من مؤخرة الليل، فهم جند له على استعداد للبقاء من أجل عينيه المحملقتين حتى مؤخرة الليل الحالي، قالوا عن طرقه صحيحة، وطنية، عبقرية، فبحث عن وزيره كي يثني عليه هو الآخر ثناءه المعهود، لكن وزيره كان نائمًا. وبعد أن تنحنح، وتمحمح، تصانع الجد، وأعاد: الأمور خطيرة، وما هم هنا إلا ليستشيرهم فيها! فأعادوا –منذ ليلة أمس وهم يعيدون- أنه ديمقراطي، والديمقراطية تستوجب الاستشارة، وطرقه بالفعل صحيحة في الدعوة إلى الاجتماعات، وفي تنفيذ القرارات التي تتخذ بالإجماع، فسعد الرئيس سعادة المهرج الحزين، ودعا: رحم الله امرأ قيّم استقامة عمر!
أخبرهم أن السعودية قد أقفلت حنفية دولاراتها بأمر من الأمريكان حتى إنهاء الانتفاضة، أشار إلى ضماد يده، وأضاف إنه أقفل حنفية دولاراته هو أيضا حتى الإنهاء عليهم، مما جعل النوم يذهب من أعين أعضاء اللجنة التنفيذية الذين بدوا مرتبكين حائرين! قال لهم: في الماضي كنت أعمل بالحرف الواحد كل ما تطلبه مني السعودية وأمريكا ليدخلني أولو أمرهما في عملية التسوية، وكانوا مني مبسوطين، أما اليوم، وقد تخلوا عني، فسأعمل ما أتوهم أنه مطلوب مني لإدخالي في لعبة التسوية هذه التي أبدًا لا تأتي، وهذا ما أدعوه بلغتي السياسية ب "البحث الدائم عن مدخل في لعبة التسوية". تدخل واحد، وقال إنه يخشى على الرئيس من أن يمارس سياسة الترقيع والانهزام، فقاطعه: هل أكون خائنا؟ فقال: ما عاش اللي يخونك! ولكنك ستخطئ لو فهمت أن المطلوب منك شيء، وهم لم يعودوا يريدون منك شيئًا. قال: سأبقى وطنيًا وإن أخطأت، فنحن الوطنيون والثوريون لسنا ملائكة! انحنى على سكرتيرته، وطلب منها أن تسجل اسمه في قائمة المحكوم عليهم بالموت بلغة النقود، وهذا على الرغم من الإستراتيجية التي يتبناها: قولوا كل ما تشاؤون، أفعل كل ما أشاء! تحمس ثان، وقال إنه هو أيضًا يخشى على الرئيس من أن يمارس سياسة الترقيع والانهزام لأن همه الوحيد كرسي الدولة لا تحرير البلاد. انحنى على سكرتيرته، وطلب منها أن تسجل اسمه في القائمة إياها، ومحدثة يواصل القول: هذه السياسة التي لن تقوم لها قائمة إلا بإضعاف الانتفاضة، وذلك بجعلها تكتيكًا للوصول إلى الكرسي لا إستراتيجية لتحقيق التحرير، واليوم الانتفاضة بالفعل ضعفت!
بدا الرئيس غاضبًا بشعًا عصبيًا عصابيًا شيزوفريني المزاج، راح يضغط تاج الجنون على رأسه حتى وصل عينيه، فبدا مثل بقلة الملك، ارتبك في الكلام حين قال إن تحركاته مكملة للانتفاضة مشبهًا إياها بأمواج بحر بين مد وجزر إلى أن تجرف الأمواج سفن الأعداء! لكن ثالثًا سأل: إن قَبِلوكَ فلأجل أي سلام؟ فسجلت السكرتيرة اسمه دون أن يطلب منها الرئيس ذلك، ومحدثه يتابع: لبيع البلاد؟ وفي هذه الحال لا قرية ستبقى ولا مدينة، فترتكب أعظم الجرائم في حق شعبنا ووطننا!
حزن الرئيس حزن المهرج السعيد، سب البشر الذين لا يفهمون، وقال: المهم هو الصلاحيات وليس الأسماء: دولة، كيان أو وحدة وطنية! صحيح لا أحد يطالبني بالتعاون، بعد أن جمدت أمريكا الحوار معي من أجل إنجاح مؤتمر السلام، لكني بوصفي رجلاً سياسيًا محنكًا سأجد الوسيلة المناسبة التي تفرض عليهم تعاوني! ضحك عليه البعض والسكرتيرة تسجل الأسماء، وصفق له البعض المتشبث بتاج الرئيس بمخالبه وأنيابه ومخالب وأنياب أتباعه، وسأله عن تعاونه كيف سيكون، فقال بصريح العبارة سيشارك في بيعها هو الآخر بأقل ثمن ما دام البيع حاصل حاصل وأمريكا ستفرض حلها رغم أنفه وأنوف كل العرب وأرباب العرب، فلا فراعنة مصر أحسن منه ولا أباطرة الخليج. حمل تاج الجنون بين يديه، وتكلم عن عبقريته السياسية الفاهمة للعصر المواكبة لزمنها! تخيل نفسه في سيارته المصفحة سيارة لا تفعل بها الحجارة ولا الزجاجات الحارقة شيئًا يتجول في أزقة بلعة، فارتاح. خلع ضماد يده، وراح يوقع على طلبات الذين أيدوه دون أن يبدي أدنى اهتمام لمعرفة أية طلبات هي، فجاء المعارضون، وقالوا إنهم كانوا يمزحون، فالحل إذا ما جرى كان أمريكيًا سواء شاركوا أو امتنعوا، وهم يعطونه فرمانًا عصمليًا عملاً بالمثل غير المعروف "أصدقاء في الصراء أصدقاء في الضراء" ليفعل ما يريد، فوقع حينئذ على طلباتهم، ثم صرح للصحافيين إن الموافقة على مقترحاته من أجل دفع عجلة السلام إلى الأمام كانت بالإجماع. حيا الوحدة الوطنية، امتدح الديمقراطية الفلسطينية، وصاح نعم للانتفاضة، نعم للدولة التي عاصمتها القدس الشريف، نعم للعودة، وحذار يا عرب من المؤامرة الدولية التي بلغني خبرها عن طريق أصدقائي السوفيات! وهو يفكر أن الغرب قد فبرك منه نجمًا ليصعد على أكتاف الروس، ثم نادى بتجاوز أخطاء الماضي وعدم تكرارها. رفع علامة النصر، ووشّى في الأخير كلامه بتكرار اللهم إني أبلغت! اللهم إني أبلغت! اللهم إني أبلغت! ثلات مرات. دار بعينيه من حوله بحثًا عن عدو خفي، وغادر المكان بصحبة ايفا براون مع جعيدها، والجعيد يفكر: واحد مثله يعمل على فساد الجميع لا يمكنه أبدًا الارتقاء إلى مستوى الرمز الذي كانه الجنرال ديغول مثلاً ولا شي غيفارا ولا كنيدي! فكرت بدوري: بإمكانه أن يكون مكروهًا وفي الوقت ذاته رمزًا –هذا أيضًا لا يمكن لرئيس مثله أن يكونه- كالقدس، مدينة بشعة بطرقها الضيقة الرطبة وروائحها الكريهة وجبالها القاحلة وجالياتها المتعجرفة وعاهراتها الشريفة، لكن المرء يموت من أجل الرمز الذي تمثله هذه المدينة، من أجل الحلم الذي تكونه. أنا أيضًا مستعد للموت من أجل القدس، ولكني غير مستعد للبقاء فيها ثلاثة أيام.
وكما هي عادته، حكى الرئيس لإيفا براون، وهما في الطريق، كل شيء. أوصلها إلى المكان السري الذي سيتواجد فيه، وذهب لاستقبال الوفود المنتظرة إياه الآتية من شتى أنحاء الأرض. لم ينس أن يأخذ تلفونه النقال معه، فهو ينتظر هاتفًا من واشنطن منذ عام 65، الهاتف الذي لا يأتيه! كان يحلم بصعوده على تمثال الحرية، وباستقباله كسائر زملائه الرؤساء والملوك العرب في البيت الأبيض، وبلعبه الفطبول الأمريكي مع الأطفال الأمريكيين. أما عن ايفا براون، فقد كانت تحب الوحدة، فما أن وجدت نفسها وحيدة حتى أخرجت من حقيبتها جهازًا صغيرًا معقدًا، واتصلت بتل أبيب. قالت لهم كل ما قاله الرئيس لها، ثم ذهبت لتأخذ حمامًا باردًا كي يشتد ثدياها، وكذلك نَقَلَ وقائع أطول اجتماع في التاريخ أحد أعضاء اللجنة التنفيذية لمخابرات أحد البلدان العربية.
قلت لأبي مروان بن الحكم: خذ الأوراق، وامهرها بتوقيع الرئيس، فأنت كل يوم معه. أخذها، وهو يلقي نظرة مشمئزة عليها، وسألني لِمَ رجعت عن مشروعي مع محمد العبريّ، فقلت لأن الوقت لم يزل غير ملائم لمثل هذه المشاريع، وأنا لا أريد السقوط بين أذرعها العشر الرخوية! بدا على وجهه الامتعاض، رمى لي بالأوراق، وقال اعطه إياها أنت، أما عن أخيك أيمن السيوف أو أبيك أمير المتقاعدين، فمزق طلبيهما، لا تحك إلا عن نفسك، واقبل بأي قرار منه، ألفي دولار، ألفا وخمسمائة، ألفًا، اقبلها واضحك في عبك! بدأ يتلفن لكل الناس من أجل أن يأتوا عنده في المرسى، ويتغدوا مع الرئيس ووفد البرلمانيين النروجيين. إذن لهذا السبب عمر النروجيّ كان هنا، توقعت أن يدعوني أنا الآخر، لكنه دعا الصحافية المقدسية. وآخر تلفوناته كانت مع الصحافيين العرب والأجانب ملحًا على ألا ينسوا كاميراتهم، وعندما انتهى، أخذ يسب اللقلق الحزين لأن كل هذا التعب من شأنه.
كان أحدهم يجلس طوال الوقت معطيًا إياي ظهره، ناداه أبو مروان بن الحكم باسمه ليدعوه هو أيضًا، فعرفت فيه القاص أكرم شقية المبعد الشهير من الأرض المحتلة. أخذته في الأحضان، وهو مكتئب أكثر من اللقلق الحزين، فكأنه توأمه. قال للقاعدين إنني الناقد الوحيد الذي فهم أعماله، وكتب عنها بكل العمق المطلوب. سألته إذا ما كتب قصصًا منذ إبعاده، فأجابني بحزن أيوب وتعاسته إنه لم يكتب حرفًا واحدًا. رأيت في عينيه دموعه الحبيسة كدموع الكروم، خلته يحاول المشي في أزقة القدس القديمة بصعوبة للحفر التي التهمتها كما يلتهم السرطان جسد الضفة وذراع غزة كلها. سمعته يهمهم أنه ترك الوضع المادي عسيرًا من ورائه، وفجأة، غضب مني، قال إن أموال الدعم والصمود مرصودة في البنوك ومحلات الصرافة، ومثل قرانا مدننا أصبحت متاحف أثرية. قلت رؤساء البلديات يجب طردهم، فقال تطرد من ومن؟ رؤساء البلديات أم رؤساء المؤسسات أم أصحاب الجمعيات الخيرية؟ يتوقفون عن الصراخ وطرق الأبواب يوم تأتي الأموال ولا شارع فرعي يضاء ولا موظف ينال حقه! انقصف كزهرة الكاميلية على رصيف محفر تأنف من الوقوف عليه الفورد ولا المرسيدس ولا البي ام دبليو، تذكر زميل له اسمه جميل حامد يصيح وحيدًا في الصمت القاتل، ثم استدار، وأعطاني ظهره، وأبو مروان بن الحكم قد راح به مسحًا، فهو أحد المقربين من الرئيس: أنه مفضله، وأنه أحسن واحد بين كل الموجودين، وأنه أعظم قصاص فلسطيني، وهو يتحاشى النظر إليّ. نهضت إلى أذنه، وطلبت إليه أن يتدبر أمره، فأقابل الرئيس الليلة، فقال: على عيني! قلت: سأمكث في الفندق منتظرًا هاتفًا منه، فقال: توكل على الله! أردت الانصراف، فإذا بموظف يأتيه مترددًا بين كأس الكلية وكأس الزهرة، إلى أن قرر في الأخير أن يأخذ طريقه إلى رئيسه، فأمره رئيسه بالعودة إلى مكتبه ليكش الذباب! أجاب أنه لم يجد ذبابًا إلا وكشه! قال له: اقعد في مكانك، خذ مرتبك، ولا تفعل شيئًا! انصرفنا سوية، هو إلى العناكب، وأنا إلى كوابيس تونس.



43
جلست في زنزانتي الفخمة منتظرًا قرع الهاتف، تابعت مسلسل رأفت الهجان الممجد للمخابرات المصرية، ولاحظت كبف تفلت من المخرج بعض اللمسات الإنسانية في الشخصيات التي من المفترض أنها شخصيات الأعداء: حين يتخذ اليهودي الموثر من الهجّان ولدًا يورثه كل أملاكه، حين تقع في غرامه ابنته، وتذرف سخي الدمع لحظة سفره، وحين تستعد الشخصيات اليهودية الأخرى للموت من أجل قضيتها. ذهبت إلى قناة الراي، قناة علمتني اللغة الإيطالية، وقلت إنه وقت الأخبار بعد دقائق. كانت ممثلة تبكي بدموع تتفجر كالنبع على خديها، وتتوسل لحبيبها ألا يهجرها، لكنه يدفعها عنه بإباء، ويختفي من الشاشة. أثارتني دموعها جنسيًا، فقمت إلى التلفون، وقلت لن يتلفن أبو مروان بن الحكم. رحت أتصل بكل الأمكنة التي يمكن أن يوجد فيها الرئيس إلى أن عثرت عليه. شرحت أني بانتظاره منذ أسابيع طويلة، وهو من بعث من ورائي، فاعطوني العنوان كي آتي إليه. قالوا لي لا داعي لتأتي إليه، فتنتظره على الباب الساعات تلو الساعات، لأن لا أحد يعرف متى ستنتهي اجتماعاته، فلأعطهم اسمي واسم فندقي ورقم حجرتي، وهم سيخبرونه بكل شيء فيما يخصني حالما يتمكنون من ذلك، وسيبعثون لي بمن... طرقت الهاتف، وطلبت الصحافية المقدسية. أعطيتها رقم هاتف المكان الموجود فيه الرئيس لتطلبه، وتعرف عنوانه، فنذهب جميعًا إليه بعد أن تمر هذه المرة عليّ. قالت: كن مطمئنًا، سأمر عليك، وسنذهب معًا إليه.
انتهت نشرة الأخبار في الراي، وجاءت مذيعة تقول شعرًا. قطعت الصوت، وتركتها تحرك شفتيها اللحيمتين، فلم تثرني كالدموع جنسيًا منذ قليل. سددت النظر إلى كتفيها العاريين، ثم حاولت أن ألثمها من بين نهديها، فظل عضوي رخوًا. أعدت التركيز على شفتيها، وطرف لسانها، فلم أتأثر جنسيًا. نهضت إلى الحمام، وتعريت. قبضت على عضوي، فكان كالعضلة الميتة. عدت إلى زنزانتي الفخمة، وطعم الملح تحت لساني، طعم فلسطين. كانت الراي قد أنهت برامجها، فأطفأت التلفزيون، ورفعت ستارة النافذة. نظرت في مصير ليلة أخرى من ليالي تونس، فرأيت الجندي الحارس لسور الإذاعة، وهو يضاجع في علبته، ثم رأيت تحت السور جماعة تغني: ما أشبه الليلة بالبارحة!
في اليوم التالي، التقيت بابن عم أبي منيف الأنف الوطيء صدفة، قال لي إنه ذهب بصحبة الصحافية المقدسية إلى المكان الذي كان يوجد فيه الرئيس الليلة الماضية، هي، قابلته، ووقع على كل أوراقها، وهو، تمنى الرئيس عليه أن يراه من جديد بعد عودته من الجزائر، فجاء كلامه كالطعنة في قلبي. لم تعد عندي رغبة في الكلام عن الصحافية الآتية من القدس، ولا عن القدس، لا ولا عن أي شخص كان، لم تعد عندي رغبة في رؤية وجوههم. تأرجحت في الشمس كالغصن المحطم، سرت كثيرًا، سرت لساعات، كنت أتفادى السير في شوارع تونس الوسطى، سرت في شوارع أطرافها، ونظرت إلى بنايات بنوك دول الخليج وشركاتها، البنايات التي تُبنى والبنايات التي بنيت. أردت أن تحرقني الشمس، وأن أحس بالظمأ، أردت أن أحس بالتعب، وبالألم، وباليأس. ذهبت في شارع الملك فيصل وجئت مرات، مررت بسوق السيارات المستعملة، سيارات للبيع من كل نوع، ومن كل عمر، ودخلت في ميدان الألعاب. كانت الموسيقى صاخبة، والناس يضحكون من أعماق قلوبهم، ويصرخون كالأطفال، الأطفال يصرخون كالكبار، والكبار يصرخون كالأطفال، ثم عرجت على الملعب البلدي، وأخذت مجلسًا في الشمس. كان هناك ظل، فاخترت الشمس، لأحس بأشعتها تخترق رأسي كالأمواس. توجّع رأسي، فتركته يتوجع أكثر، جاع بطني، فتركته يجوع أكثر. كان في الملعب بعض اللاعبين التوانسة يدربهم فرنسي، وكان هناك عدد من المحمسين. جاء بائع بيض مسلوق، وباع لواحد عدة ساندويتشات. كان يدهن الخبز بالهريسة، يقشر البيضة، ويفرطها فيه، ثم يرشها بالملح والفلفل الأسود، وذاك يشتري الساندويتش، ثم يعود ويشتري آخر بعد أن يكون قد التهم الأول، وهكذا دواليك... ومزيد من الهريسة، ومزيد من الهريسة، ومزيد من الهريسة، لهذا السبب سموا تونس بلد الهريسة، لأن الناس يأكلون كل شيء معها، كل شيء، من الكافيار إلى البيضة المسلوقة. هذا وكلما عطش الرجل، فتح حنفية الملعب، وجعل الماء يتدفق في فمه. أردت أن أحفظ الماء، أن أصون الماء، أن أوفر الماء، فالإنسان جاء من الماء، وسيعود إلى الماء، فتركت فمي يتشقق كفم غزة.
أجبرت جسدي على النهوض، وتبعت ظلي، إلى أن وصلت الفندق. رأيت عتاليه يقذفون حقائب قاسم المقدسي في عرض الطريق لتلتقطه المخابرات الإسرائيلية، وتعمل على أن يعمل مع حراس قائد أمن الرئيس الجدد. قال لهم إنه يريد وظيفة في إحدى السفارات، هذه شهاداته، وهذه كفاءاته، فقالوا له هذا هو مكانك اقبله أو عد إلى عرض الطريق، وأعطوا امرأته وظيفة في السفارة لترد على التلفونات الليلية. طلبت إله الأموات، فلم يكن موجودًا، فغفوت، فحلمت بالرئيس في جسد أسد ثم في جسد ثعلب ثم في جسد ذئب ثم في جسد خروف ثم في جسد حنش ثم في جسد سحلية ثم في جسد ضفدعة ثم في جسد زنبقة ثم في جسد حبارة ثم في جسد لبنية ثم في جسد لؤلؤية ثم في جسد خبيزة ثم في جسد هندباء ثم في جسد زرقاء نزعها كاللحاء، وخرج من طحرتها، فإذا بعشرات منا بله مئات يخرجون من شوارع القدس المحفرة ورام الله ونابلس وطولكرم وجنين وأريحا وبيت لحم والخليل الرجيم، كل واحد منا يرتدي جسد حيوان كاسر يريد الفتك بالرئيس، والرئيس يرمينا بالدولارات كي يهدئنا، ويروضنا، ولما تعب أخرج من بطنه أكرم شقية، ففعل عنه بنا هناك وبنا هنا كما يفعل معنا بل وأكثر، وصار يتخبأ لما نطلبه على الهاتف، ولم يعد يجيب على الرسائل. ولما انتهى أكرم شقية من تنفيذ ما أُُمر به رأينا الكريم فيه يغدو شحيحًا والشقي هنيئًا. جذبه الرئيس إلى بطنه، وأدخله رغم أنفه، إلى المكان الخاص به... فتحت عينيّ، ورحت أحدق في الليل إلى أن غدا أبيض.
































44
قال لي أبو منيف الأنف الوطيء إنه قطع زيارته للقاهرة بناء على رغبة الرئيس، فقلت له إن الرئيس في الجزائر، وأنا يائس، لم تعد تحملني قدماي، لم أعد أحتمل نفسي! قال إنه يعرف، ويعرف أيضًا أنني اتصلت بالرئيس ليلة أمس، وأنني كلمت الصحافية المقدسية، وأن عضوي لم ينتصب، وأضاف أن الرئيس سيعود الليلة أو غدًا صباحًا. قلت له لم أعد أريد رؤيته، خذ أوراقي، ووقع لي عليها منه، فأخذ أوراقي وصفر: ثلاثة آلاف دولار! زملاؤك فوق لا يأخذون ثلث هذا المبلغ! قلت: فليعطني ما يعطيني، أنا أقبل بأي مبلغ، ولا تنس إنها باريس مدينة المدن لوتس الدنيا. مدّ لي كشف مرتبه، وقال: حتى أنا لا آخذ ثلث هذا المبلغ. قلت: اسأل محمود الجليليّ يخبرك كم يصرف في باريس. ثنى شفتيه، وبدا يابسًا كالنبتة الأقل زرعًا في العالم، وقال إنه يريد ورقتي الأولى، الورقة التي أطالب فيها بألفين بدلاً من ألف وخمسمائة. قلت ليست هذه الورقة معي، قال إذن لا تعتمد عليّ في شيء! ورمى لي كل الأوراق. أعدت أني أقبل بأي مبلغ، فقط خلصوني! أعاد بأنفة واستعلاء أنه هو لا يأخذ ثلث ما أطلب، وأنا ألقي على هذا الخراء الكبير نظرة اشمئزاز واستقياء، فهل أعيد له مرة أخرى وأخرى أن هذه تونس وتلك باريس، وأن الرئيس هو من أقر إقامتي فيها؟ أما عنه، عن هذا الخراء الكبير، فهو مدفوع له فوق مرتبه "الزهيد" إيجار بيته وبنزين سيارته وفاتورات فطوره وغدائه وعشائه ومياومات كل تنقلاته وفوق كل هذا ميزانية الدائرة بمئات آلاف الدولارات التي تحت حذائه! تذكرت محاولة دعس هذا الخراء الكبير عنقي حين طلب من الرئيس تعييني مراسلاً لوفا كأي صحفي أُمي أو مبتدئ أو كاتب من الدرجة العاشرة لن يمكنه راتب وفا من شراء رغيف لعشرة أفواه! تجاهلني، ونادى على سائقه، أعطاه عشرات الرسائل ليفتح بريده، وكأنه يمن عليه ببركاته، قال له هذا الخراء الكبير لا أريد أحدًا غيرك يفتح الرسائل، فابتسم الرجل الطيب، فندت عن ابتسامته رائحة كأس من البابونج، والخراء الكبير يحدجني، ويقول إنهم حكموا على محمد العبريّ بالسجن مدى الحياة، وكأنه ينذرني بمصير مشابه! عقد بين حاجبيه عنبًا يبرعم قيحًا، وأخذ يرميني بنظرة متهمة، فرغبت في صفعه، وتكسير أسنانه، لكن الهاتف أنقذه، فما أن رفع السماعة، وسمع صوت محدثه حتى تبدل، أورق، وصار يرقص على كرسيه. عرفت من مجرى الحديث أن أبا مماسكة اليونيسكاوي هو من كان على الهاتف، تكررت كلمتا "فيفتي فيفتي"، ثم أخذا يحكيان عن شقراوات وسمراوات، عن ليالي باريس الحمراء التي لا تنسى، وأن جواز السفر لا يشكل عائقًا. استطعت أن أقف على الطريقة، فعرفت أن أبا مماسكة المخمج هذا يقترح على الخراء الكبير أن يزوره في باريس تحت اسم مستعار وجواز سفر مزور من سفيرنا زارع المانجا البغي الباغية في مالي الخراب ليعمل له حفلة طنانة في إحدى شقق صوصنا العام، ويأتيه بشرموطات بيغال. كان حماسه يخفي بصعوبة خوفه من أن تأخذ إحدى تلك العاهرات مكانه، إحدى النساء السمينات التي نجدها بشكل جِد معبر في مواخير صوّرها فيلليني أحسن تصوير.
تركته، وصعدت عند أبي الطيب الذكر. كان يكتب رسالة، رفع عليّ عينين لا يضحك المطر فيهما في اللحظة التي سلمت فيها عليه، وعاد ينزلهما. لم يقابلني بلطفه لطف جميلة الغابة النائمة كعادته، ولا بترحابه. رأيته يأخذ حبة دواء بيد مرتعشة، وقبل أن أغادره إلى مكتب دكتور الآثار والنفوس جاء الشويعر الدحبوري، وأخذ يروّج أن يوسف القعيد القاعد على قلبه بكتبه وإبداعاته قد كتب في الجرائد "انتصرت مصر والمصريون على الفلسطينيين ومنظمة التحرير"، وأن صباح المعروفة بمواقفها الكتائبية ستغني للانتفاضة، وأن نجيب محفوظ سيرفض جائزة نوبل بعد أن يعيد للسويديين دولاراتهم! بدا مستعجلاً فجأة، قال إنه ذاهب لمقابلة أبي منيف الأنف الوطيء.
رحب بي دكتور الآثار والنفوس، وقدم لي لبنانيًا معاقًا كان فدائيًا، ولكن له يدين سحريتين، فهو يحفر رسومًا فلسطينية على الخشب، وينطقه. كان عنده واحد آخر كنت قد رأيته في المكاتب الأخرى دون أن أعيره أدنى اهتمام، فقدمه لي، وهذا يقول إنه يعرفني من بعيد، وإنه قرأ لي "شجرة اللبلاب"، وأعجب بها. سلمت على الشاعر الموهوب، كان يجلس وراء مكتب مقابل دون أن يحس به أحد، فكأنه ظلٌّ أبيض أو رسم أسود أو كلمة ناقصة في بيت شعر. طلب دكتور الآثار والنفوس لي شايًا، وسألني عن أحوالي، فرحت أقول إني جلست في زنزانتي الفخمة طيلة الليلة الماضية أنظر إلى المجرة منتظرًا هاتف أبي مروان بن الحكم، وإني تلفنت لفلان وعلان حتى تمكنت من معرفة رقم هاتف المكان الذي كان يوجد فيه الرئيس، لكنهم رفضوا أن يعطوني العنوان، فاتصلت بالصحافية المقدسية لأنها تعرفهم جيدًا ويعرفونها جيدًا، أعطيتها رقم الهاتف لتعرف أين يعقد الرئيس اجتماعاته، ونذهب إليه معًا، فلم نذهب إليه معًا، اصطحبت ابن عم أبي منيف الأنف الوطيء بدلاً من أن تصطحبني، وكان أن قابلت الرئيس، وقضت غرضها معه، أما ابن عم أبي منيف الأنف الوطيء، فلم يقض غرضه معه، قال له الرئيس...
قاطعني دكتور الآثار والنفوس طالبًا مني ألا أفصل، وسألني معاتبًا: لماذا تحكي على الملأ كل شيء؟ أغلقت فمي، وقلت لعرق الزان الذي فيّ: لأني كاتب، ولأن كل شيء مفضوح في هذه الكرخانة! كل شيء يمشي على المكشوف مع هؤلاء الشراميط! حضر القاص الطللي، وقال إن معظم الغرف ستكون فارغة في المبنى الجديد، فقال دكتور الآثار والنفوس مداعبًا إياه كعادته إنه سيحتل غرفتين إذن، وهو يطلق ضحكة. ضحكنا لضحكته، والقاص الطللي يضيف إنهم كلفوا ابن أبي مماسكة اليونيسكاوي بشراء الأثاث من فرنسا، فلم أسمع لباقي كلامه، كنت قد عزمت على التلفنة للمحجب بالتشادور، والموافقة على الألف وخمسمائة دولار التي يقترحها، فلا رئيسًا أريد أن أرى ولا إمبراطورًا.
طلبت من دكتور الآثار والنفوس أن يطلبه لي، فطلبه لي بواسطة العاملة على البدالة، وكان ويا للصدفة موجودًا! بدأ الرجل يرتجف لما قدمت نفسي، ويقول لم تعد لي به أية علاقة، فتمالكت، وسألته عن السبب، وأنا أبحث في ذاكرتي إلى أن تذكرت رسالة مني له أقول فيها إن من عينه هو ذاته الذي عينني، ولست بحاجة في كل مرة أطالب فيها بتنفيذ القرار المالي إلى تعيين جديد، وإلا ما خلصنا أنا والبذار المغضوب عليها، لأنه بالفعل قد شكك في تعييني ذات مرة لما طلبته من باريس، وتراجع عن قرار الرئيس المالي. بدأت أعتذر، والكل من حولي يسمع. قلت هذا لأني مريض وروحي المعنوية في الحضيض، وهو يصرخ من الطرف الآخر أن مت يا رجل، وما شأني أنا بك وبروحك! تماسكت، وقلت لا يقول هذا الكلام رجل مؤمن وإنسان بار كأبي فادي خروفه، بينما في رأسي أردد: من لم يكن وفيًا للماركسية لن يكون وفيًا للإسلامية! قال إن كل صلة لي به انقطعت، وأنا لو فُرضت عليه كانت علاقتي بأحمد حميد الذكر المحاسب، وأقفل.
عندما درت بعيني على الحاضرين، رأيتهم كالتماثيل جامدين، عيونهم تنطق بالدمار الذي ألحقته بي ربة الفن وربة البصل وربة التاريخ. بقينا صامتين لمدة ليست قصيرة إلى أن تدخل دكتور الآثار والنفوس، وراح يرفع من معنوياتي. اقترح أن أذهب إلى التعليم في ليبيا، فهو قد عمل فيها، والناس فيها بهائم صاروا، ولكن هذا لا يهم، حالهم أقل بؤسًا من حالنا، وهو يعرف بعض الناس الذين بإمكانهم مساعدتي. قلت لا يمكنني احتمال الأجواء هناك، ولا النظر إلى الصورة المعلقة على الجدران، وانتحاري ألف مرة أهون! وقف إلى جانبي الفدائي اللبناني صاحب اليدين السحريتين، وطلب من دكتور الآثار والنفوس أن يتركني وشأني. ومن جديد، اقترح دكتور الآثار والنفوس أن أعطي أوراقي لأبي مروان بن الحكم، قال لأنه مرافق للرئيس في حله وترحاله، وهو حتمًا سيكلمه عنك، في السيارة بإمكانه أن يكلمه عنك، ويجعله يوقع لك على أوراقك.
دخل الرسام الموهوب، وكأنه يدخل منطقة ضباب كثيف يخشاها الملاحون، فلم يسلم على أحد. قال للشاعر الموهوب إنه مستعد ليأخذه إلى دائرة الإعلام، قلت سآتي معكما. على الباب، طلب مني دكتور الآثار والنفوس ألا أغتم، فالختيار لا بد أنه عائد الليلة من أجل المجلس المركزي، وسأحل كل أموري.
ونحن في طريقنا إلى دائرة الإعلام، لاحظت كيف كانت تلميذات تونس الجميلات يرمين الشعر الطويل للشاعر الموهوب بنظراتهن الخجولة، وكيف كان الشاعر الموهوب يرمي غزالات المسك بالأطواق الضاوية. طوال الطريق، لم يتوقف الرسام الموهوب عن مخاطبة الشاعر الموهوب، وهو يحاول استخراج الصبغ الأزرق من ساق دَوّار الشمس في اللوحة التي رسمها فان غوغ: أن اليوم يوم الدولة، وكل واحد اليوم يتكالب على منصب أيًا كان، أنه عصر الدولة، وكل واحد يريد مكانًا فيها، ومن لا يأخذ فيها مكانًا اليوم راحت عليه، وأنت حسنًا فعلت بتركك دمشق والدمشقيين، الديمقراطية والديمقراطيين، هكذا ستطرح نفسك على الجميع في هذه اللوحة السريالية بوصفك شاعرًا ومستقلاً!
جلسنا أولاً عند جميل قمر الدين نائب رئيس دائرة الإعلام، أخذني في أحضانه قائلاً إنه لن ينسى الزيتون الذي أكله عندي في باريس لما كان مارًا بها في ذلك الزمن البعيد ولا السردين ولا سلطة البندورة. ذهب بالشاعر والرسام الموهوبين عند ياسر عبد بعله رئيس الدائرة، وبعد فترة لم تطل جاءني، ورافقني بدوري عنده. رأيته من شق الباب، وهو يرمي ذات نظرته الخضراء الزرقاء العسلية الحذرة التي كانت له في بيروت، ثم أخذني في أحضانه، وقبلني من خديّ قبلات أربعة. حاولت أن أذكره بلقائنا في بيروت، يوم كانوا يضعون على باب بنايتهم دبابة، فلم يتذكر. جاءته تلفونات كلها تحكي عن الأحداث الأخيرة، أثنيت عليهم، فقال إنهم تعلموا السياسة عن اليهود، تعلموا مناوراتهم (وهو يلدغ فتغدو الراء غينًا والغين غيثًا) وألاعيبهم وتكتكاتهم. ضحك قبل أن يضيف: نحن يهود اليوم! وكشف لي أن أمريكا تتصل بهم لتملي عليهم أوامرها كما تملي هذه الأوامر على أي نظام عربي، ولكنهم ليسوا أي نظام عربي ولتبتلع أمريكا البحر! ثم أوضح: صحيح إننا طلبنا فيزا لم تعطنا إياها ولكن إن شاءت أم أبت ستعطينا دولة! إلى جانب أننا لن نقبل بواشنطن مكانًا للمفاوضات إلا إذا أُعيد الحوار الأمريكي-الفلسطيني بشكل رسمي! ولن نقبل بإعادة الحوار بشكل رسمي إلا إذا توقف الاستيطان! تخيلته يقبل قدمي أمريكا، ويعد بأن يحل مصير الحوار محل مصير الشعب الفلسطيني. قلت إذن أمريكا تتصل بكم على الرغم من تجميد الحوار، فقال تجميد الحوار هو المعلن للناس، أما الاتصالات، فلم تزل جارية بيننا وبينها. قلت السفير الأمريكي كان يرجو اللقاء بوالدي في زمن مضى كان له شأن فيه قبل أن تأتوا كلكم، وحكيت له قصته، قصة أمير المتقاعدين، فتفاجأ لأنه لم يكن يعرف أنه والدي، وقال إنهما تكاتبا. قلت: متقاعدو الجزائر قلة، فساعدهم لدى الرئيس، مائتا دولار أو ثلاثمائة تكفي كل واحد شهريًا إذا ما بدلوها في السوق السوداء. ألبس ملامحه الجد، وطلب أن أكتب للرئيس كلمة، فقلت الكلمة مكتوبة، وسلمته إياها. وضعها في ملف أزرق، وهو يؤكد أنه سينهي الأمر مع الرئيس الليلة حال عودته من الجزائر. وراح يطمئنني، ويطلب مني ألا أحمل همًا، وأن أعتبر المسألة منتهية، مسألة أمير المتقاعدين وكل المتقاعدين، فصعد قمر تونس في ذلك الشهر أجمل قمر على وجه الدنيا، ثم صار القمر إلى أبد الآبدين محاقًا. قال للرئيس إني جئتك بالديمقراطيّ الذي فيّ كما طلبت ليعلو على رأس جبهتي بعد أن فكرت في الأمر مليًا. ابتسم الرئيس ابتسامة مائعة غطس فيها وجهه ووجه أبي موسى لا سلام عليه وقفا الماعون الدجال، وقال أنت القمر الذي سيصعد في السماء السابعة، وأمضى له نقودًا كثيرة تمكنه من إسقاط البدوي في أبي النوف الحواتميّ. ولما أتى أبو النوف الحواتميّ الرئيس مستنكرًا استنكار الانشقاق في مدينة الحرير، قال بل أنت القمر الذي سيصعد في سماوات الجميع، وأمضى له نقودًا كثيرة تمكنه من إسقاط الصنم في ياسر عبد بعله. راح أبو النوف الحواتميّ يندد بالديمقراطي الذي هو الصنم غير الضارب على شيء، وراح ياسر عبد بعله يندد بالديمقراطي الذي هو البدوي الضارب على قيثار الفلسطيني والعربي والدولي مذ كانت فيلادلفيا له عاصمة، وأخذ كل منهما طريقًا في الظلام الشديد، وكل منهما يصيح: أنا الديمقراطي! أنا التقدمي! كنت قد عدت إلى ياسر عبد بعله أسأله عن مصير أمير المتقاعدين، فتخبأ. كتبت له، فلم يجب. تلفنت له، فلم يأخذ. وذات يوم، رأيته من شق بابه، وهو يسوط جميل قمر الدين نائبه، ويردد: أنا الديمقراطي! أنا التقدمي! ثم يقتل في الأرحام بعض الأجنة، ويرتدي جسد نرجسة. دفع الغضب جميل قمر الدين إلى الاعتراف: "ياسر عبد بعله، ذاك القذر، ليس تقدميًا ولا ديمقراطيًا ولا أية صفة خراء أخرى يمكنه الادعاء بها، إنه موساد!" "لأنه ساطك كحمار تقول هذا!" "إنه موساد منذ العهد الذي كان فيه طالبًا في القاهرة." "أتقول الحقيقة؟" "ولِمَ برأيك لم يزل على قيد الحياة؟ كل من هم على قيد الحياة في القيادة هم موساد. البقية التي خرجت عن الخط قُتلت أو عُزلت..." "تريد القول إن إسرائيل هي التي فبركت المقاومة؟" "المقاومة شيء، وفبركة مقاومة لتحصل على ما حصلت عليه من تنازلات وانهزامات شيء آخر." "شيء لا يصدق!" "شيء يتجاوز العقل!" "والخيال!"

















45
الصديق العزيز دمت سالمًا،
لم أرد على رسائلك منذ فترة، أرجو ألا تأخذ ذلك كنسيان أو إهمال، لأنه يندرج في إطار العبث الشامل الذي يأخذ بحياتنا، لا أتحدث عن العبث بمعنى الهرب من المسؤولية بل بمعنى التعامل البارد مع أمور الحياة جميعًا، فلا أجد ما يعطي طعمًا أو يدخل إلى القلب دفئًا أو يرمينا بلحظة سعيدة دريهما من الفرح، فكأن ما بين ما نحن عليه الآن وما كناه قرونًا، إذ كنا نظن أن الحياة بين أصابعنا طيعة، وأن أقلامنا ستغير العالم، وأن زمن الكتابات الجادة سيبدأ بكتاباتنا، والآن ندخل زمن الأسى قبل أن ندخل زمن الرشد، فالعالم يسير كما يشاء، ويدفعنا إلى الهامش، والأفكار التي كنا ندافع عنها تتساقط، وسلطة الأقلام لمن اقترب من السلطة.
ندخل زمن الذكريات قبل الأوان، ويكون ذلك الزمن مبللاً بالشجن. تظل الأحلام أحلامًا، وما دخل حيز التحقق يبدو باهتًا. إن السؤال الذي يذبح الروح في هذا الزمن لهو غياب الفرح، لا شيء يدفع إلى التفاؤل، وقد يتابع الإنسان عمله اليومي من باب الواجب، وعمل كهذا يندرج في باب كسب الرغيف، وقد تكون فيه ملامح من الإبداع، لكن سطوة الزمن الراهن تطرد احتمالات الفرح، وهذا يجعل الحياة مشكلة والكتابة مشكلة وحوار الأصدقاء مشكلة: إن المهزومين لا يتحاورون، وربما تكون الكتابة بينهم شكلاً من التضامن والتساند والمواساة.
لكل هذه الأسباب تأخرت جدًا في الكتابة إليك، فلا أرى فضيلة في تصدير الأحزان. بالنسبة إلى محمود الدمشقيّ فإنه برئ، وإن كنت لا أدري تمامًا الأسباب التي دفعت به إلى حاله الماضي. أما عن روايتك "النقيض" في صيغتها الجديدة، فإن دار النشر "عيبال"، جبلك المنتظر في الدم والضباب، لن تعطي جوابًا قبل نهاية العام، وسأعمل على أن يكون إيجابيًا. ما خلا ذلك، أطالع الروايات، وأكتب الكثير من المقالات الأسبوعية التي لن يبقى منها شيء، ومع ذلك، فإنني أرى في الكتابة الأسبوعية شيئًا قريبًا من المخدر، أكتب كيلا أتعاطى الكحول، أو لأبرهن على أني موجود، ولو بشكل متواضع.

مع صداقة اليراع المكسور

نهضت بصعوبة إلى التلفزيون أفتحه، وكأني حقل هبت به عاصفة حطمت كل شيء فيه. رأيت الرئيس في الجزائر، وهو يهجم على رأس القنبيط، كما يدعو الجزائريون رئيسهم أبيض الشعر أجعده، ويندق كالعلق في رقبته، ثم ينام على صدره، ورأس القنبيط عابس جاعص باعص، فكأنه يقول له "بلاش هيلمه!" رأيته يتغطى بالطحالب من قمة الرأس إلى أخمص القدم، ثم يصبح حقلاً من السورنجان، ولا يلبث أن يطير قافلة من الطنان، ويسقط مقتالاً على شاطئ البحر أوحد، يلتف بالرمل، ويغدو عضلة رمل تتحرك، فقطرة دم تسعى، وتذوب في البحر الأحمر. انتقلت المذيعة إلى الاقتصاد التونسي تحت سماء العهد الجديد، وقالت إنه في أعلى درجاته مذ شلحت بنزرت العلم الفرنسي. هناك بعض الديون بسبب الإنفاق على التطوير في كل مجال، وفي كل مكان، خاصة في الحمامات، أما عن الميزانية، فهي تسمح بتسديدها خلال عشرة أعوام، ولا ننس أننا من العالم الثالث، وصندوق النقد الدولي ينقدنا كل ما نحتاج إليه، وباريس تجدول الديون آخذة بعين الاعتبار أواصر الصداقة ومصائر الوجود التي تربطنا ببعضنا، فالغلاء الموجود بسبب غلاء عالمي من ورائه انخفاض إنتاج النفط وارتفاع أسعار السلع المستوردة! ثم عرجت المذيعة على الانتخابات النيابية، وقالت إن على الأحزاب المتصارعة أن تلتزم بالديمقراطية التي يحظى بها بلدنا بعد فجر التصحيح وهواء الحرية الجديد، فلا مكبرات صوت حين التجمعات، هذا إن جرت تجمعات، ولا ملصقات تلصق إلا في المأطورات المخصصة لذلك، وإلا سيُنزل وزير الداخلية العقاب شديدًا بالأحزاب الخارجة على القانون، وسيضرب بيد من حديد كل من تزين له نفسه إفساد الحملة الانتخابية الديمقراطية الحرة، فالمفسدون في الأرض كثرُ، ونحن إن عملنا، فسنعمل للأمة، وإن سوينا، فسنسوي للشعب، وإنّ...
قرع الهاتف، فرفعته دون اهتمام، ثقب صوت الصحافية المقدسية طبلة أذني، قالت إنها مسافرة بعد أن أمر الرئيس لها بصرف تذكرة السفر ودفع فاتورة الفندق، وهي لهذا تريد توديعي. لم أعاتبها على ما فعلته فيّ، لكنها بررت ذلك بأن الوالد قد بعث بسيارة لابن عم أبي منيف الأنف الوطيء، فاصطحبها معه، ثم سألتني ما خبر محمد العبريّ؟ سألتها بدوري من قال لها؟ قالت الكل يتحدث بذلك، أيوجد شيء يمكن إخفاؤه هنا؟ وبصوتها صوت الكامنجا طلبت مني ألا أهتم بالأمر، وأن الآمر عادي بعد أن اعترف الرئيس ب 242. قلت لن أهتم بالأمر حتى ولو لم يكن هناك مثل هذا اعتراف، وأنا كبير أعرف مصلحتي. شجعتني على المجيء إلى القدس، والعمل في الصحافة، فليس من الضروري أن أتوجه الى العمل في الجامعة فقط، أن أعمل في الصحافة أو في أي مجال آخر أقتات منه الحشرات وأشم فيه رحيق الأزهار! قلت: ولكني لا أعرف الروسية. قالت: تعرف على الأقل العبرية. قلت: ولا العبرية. احتارت: إذن ما العمل؟ قلت: لهذا أردت ترجمة القرآن من العربية إلى العربية مع محمد العبري، ولأن الدبكة سيرقصونها على موسيقى البالالايكا، وستكون الفودكا الشراب المفضل للهنود الفلسطينيين من جنين إلى سانتا-كاترينا. خلتها تستمع إليّ كمن تستمع إلى ملك مخلوع بين ملوك مخلوعين لم تكن لديهم بيوت قبل ميلاد الشمس، فاقترحت الأجنحة عليهم اللجوء إلى الكهوف في الجبال للاحتماء من أشعتها، وجاورت بيوتهم أوكار النسور. غيرت الموضوع، وهي دومًا حائرة، مرتبكة، قلقاسة، قالت إنها ستعدد أطروحة عن المرأة عند غسان كنفاني، أردت التأكد: عن المرأة اليهودية؟ فنفت. قلت: لقد تعب غسان كنفاني منكم! قالت: أما نحن، فلم نتعب منه! وأنهت بثورتنا ما أروعها!
ما أن وضعتُ الهاتف حتى قرع من جديد، جاءني صوت أمي شجرة الدر من الجزائر يرعد أن كفاهم كل ما فعلوه فيك، فلا لكتبك قدروك ولا لشهاداتك أو لشخصك! وراحت تسب الساعة التي أحوجتني لعلي بابا والأربعمائة حرامي، الساعة الأخيرة، والحساب الأخير، حساب يشير إلى أن يوم القيامة قد حان. تذكرت يوم مرافعتي ما قالت عن أطروحتي لجنة التحكيم، إنها وثيقة حضارية للغرب عن العرب، فلعن رب الخريف أبي أرباب العرب الذين هم منهم، وقال إنهم يبحثون عن أرخص ثمن لبيع البلاد، حتى أن ساعة الإذاعة اليومية المبثوثة من الراديو الجزائري أغلى من كل فلسطين، لأنهم يقبضون عليها مليار ونصف المليار يتوزعونها فيما بينهم! يتبجحون بتحرير فلسطين القمر الساخط الثمر الغاضب الدم اللعين، كل فلسطين، وهم مستسلمون حتى النخاع، يقبلون برصيف يبنون عليه دولة، هذا إن أعطوهم رصيفًا! قال لي إنه غاضب على أختي باسمة الإسكندرية لأنها لا تعمل من ناحيتها على مساعدة أيمن السيوف، وحذرني من غضبه عليّ. كلمتني ابنتي ميساء القديس مور، قالت إنها تكلمني من الكلية لأن صديقة لها يهودية من تونس كلما نعتتها بالتونسية اليهودية استنكرت، وبكت. فلت لها إن الأمر ليس مهمًا، احترمي وجهة نظرها، وحافظي على صداقتها. أجابت ابنتي بأني علمتها احترام "الاختلاف"، ولكن في الأمر لا شيء من هذا، إنه الغباء ليس أكثر. أكدت عليها أن تحافظ على صداقتها رغم كل شيء، وأن تدافع عنها إذا ما استغل السياسيون ذلك. يهودي، عربي، فرنسي، ألماني، صيني، هندي، أفريقي... سؤال علينا ألا نطرحه أبدًا، وعلى العكس، علينا التعاضد فيما بيننا، فنحن جميعًا للسياسة ضحايا. ثم سألتها: وإذا ما كانت أمك يهودية، فهل ستحبينها؟ قالت نعم يا بابا. ولما طرحت ميساء القديس مور الأمر على زملائها الفرنسيين في جمعية حقوق الإنسان قالوا لا، تونس ليست عربًا ولا يهودًا أو غيره... إنها العطلة! أعطيتها رقم هاتف ابن خلدون، وطلبت منها أن تخبره بالأمر ليكتب الفصل الناقص في مقدمته.
طلبتني زوجتي القانطة ملح السكر، فلم آخذ المكالمة. كانت المذيعة لم تزل تكرر: سنعمل وسنسوي والأمة والشعب! أحسستني مخدرًا، منسحقًا، آكل الهندب من جذوره. تناولت بعض كتبي، ورحت أوزعها على موظفي السفارة. رأيت من أخذها، وهو يلقي عليها نظرة استصغار، ورأيت من لم يقل حتى ولو كلمة شكر، لكني لن أنسى ما همس به غازي القلوب، أنه سيقرأها، وسيُقرئها لأولاده. تذكرت جمانة، تلك البنت التي أحبتها كل نابلس، جمانة الجمال، جمانة الإلهة! كانت تذهب إلى السينما فنذهب، تركض إلى الحلاق فنركض، تحلق كالطير فنحلق، تغدو جنًا لفكتور هيغو فنغدو أو جِنانًا للويس السادس عشر فلا نرفض أن نكون شوكًا في خاصرتها. تذكرت كل الذين كانوا معي في نابلس، في بيضة نابلس، كل الذين أحببتهم وكرهتهم، وقلت ذلك العالم لم يكن لي، كان لواحدي الآخر. كنت هذا ولم أكن ذلك. كنت هذا الذي يمكنه أن يكون كبيرًا وفي الوقت ذاته أن يُسحق كصرصار. لم أعد أحلم. كنت أحلم. لم أعد أضحك. كنت أضحك. لم أعد أفرح. كنت أفرح. كل شيء من حولي باهت: بنات تونس الجميلات، شواطئ تونس الساحرة، وشجر الكستناء! لا شيء يدفع إلى التفاؤل. أين هو التفاؤل التاريخي الذي حكينا عنه طوال أعوام وأعوام؟ أصبح تحرير فلسطين خبرًا عاديًا كالنوم بعد تعب أو الانتظار في الليل لقحبة في شارع الحرية. أصبح كسب الرغيف بثمنه الزهيد مسألة حياتية، وكذلك تذكرة المترو، وورق التواليت.
جلست في حديقة الباساج، أو بالأحرى رميت بجسدي كأي جسد يلقى على مقعد، ورحت أنظر إلى الناس، والناس ينظرون إليّ. كان النظر إلى بعضنا البعض وسيلتنا الوحيدة للحوار أو على الأصح للاحوار، فلم نكن نخاطب بعضنا ولم نكن نتكاتب. كل واحد منا كان يحتوي على جسد ينقله من مكان إلى مكان، وجسدنا يحتوي على أحزان رعيل من البشر، إذ حزن الواحد منا لا يكفيه ليكون، فهل يكون غير ما يكون؟ لم أندهش على مرأى شابين يتصارعان على حشيش الحديقة، رحت أتابع المشهد بعين محايدة، عين ميتة تنظر إلى الاستثناء الحي: جسد يصارع جسدًا! جسد يقاوم جسدًا! جسد يعانق جسدًا! ومن حولهما الفراغ الكبير، ونظرات المشاهدين المفرغة، إلى أن تغلب جسد على جسد، وارتمى الجسدان أحدهما إلى جانب الآخر وهما ينفقان لهثات كل المصارعين الإغريق. جعلتهما اللهثات يخترقان الماضي البعيد، وامحيا تمامًا حين قام كل منهما، وذهب في طريق، فما كان الأمر سوى كذبة، ونحن لم نشاهد إلا صورة لجسد تصارع صورة لجسد، امحت الصورة دون أن تترك أدنى أثر، وعاد الجسد إلى عالمنا الذي لا ينطق، وغدا الأمر ذكرى من ذكريات الذين لم يعدموا الذاكرة. الاستثناء الحي الذي مات. اللحظات السعيدة التي أخطأت التوقيت. الفرح الذي تفصلنا عنه قرون. العالم الذي تغير للحظات ثم غدا عالمنا الذي لن يتغير في شيء اللهم سوى في كارثته علينا. من كارثة نذهب إلى أخرى. ندمت لأني وزعت كتبي على أولئك المخصيين. تمنيت لو أسترجعها وأمزقها. كتب للمستقبل الضائع الذي هو في الوقت نفسه الحاضر الضائع أو الماضي الضائع. كتب من كاتب ملقى على الهامش لأناس لا يقرأون. يخرأون مرات كل يوم ولا يقرأون مرة واحدة في الأسبوع. يجامعون مرات كل يوم ولا يقرأون مرة واحدة في الشهر. يخونون مرات كل يوم ولا يقرأون مرة واحدة في السنة أو في قرن. كتب للحشرات التي تتقن القرض أحسن من أشطر واحد في القراءة. أين صارت الأقلام التي كانت أقلامنا؟ أقلامنا التي من الدرجة العاشرة يا أبا مهين الأنف العالي ويا بلال غير الحسن العنصري؟ التي توهمنا أنها ستغير موطئ قدم العالم يا اليراع المكسور؟ أو قفاه؟ أنها ستغير مجرى الخراء في أمعاء الناس؟ أنها ستغير مجاري التاريخ؟ ماذا يعلمنا التاريخ؟ تساءل الرئيس، فأجابت ايفا براون: لا شيء! تحول التاريخ من تاريخ النضال من أجل الحرية إلى تاريخ استتباب الدولار. ومن أمام الكاميرات لا يكف الرئيس عن ترداد: تجاوز الأخطاء السابقة وعدم تكرارها! العمل من أجل دحر العبودية! العمل من أجل بناء عالم أفضل! والعالم قحبة، والبشر قوادون، والتاريخ كرخانة! لم يضعوا حدًا للعبودية، والحرية ثقب لبغيّ! السقوط كل ما تبقى لنا... الانحطاط. السقوط ما وراء الحضيض، والانحطاط ما وراء السفالة، والمرض ما وراء العدوى، ما وراء الما وراء!
اختنقت من الغيظ، ففتحت قميصي. سيطرت عليّ رغبة في عاصفة من التقيؤ دون أن أستطيع التقيؤ. ضربتني الشمس على رأسي مرات، وأخضعتني لها ربة مستبدة. نهضت متوجعًا، وأنا لا أرى طريقي. كان الظلام قد حط في عينيّ وشمس تونس تقهقه قهقهة الأبالسة. سرت في شارع الدكتور الحبيب ثامر، وأنا أضرب بالناس، والناس يضربون بي. كان طريقي إلى الفندق شارع الحرية، لكني واصلت السير في الطريق المعاكس، وأنا أضرب بالناس، والناس يضربون بي. كان الدخول في عكس مسعاي مريحًا لي، مهدئًا لأعصابي. سمعت فرنسيًا عجوزًا وفرنسية عجوزة يتحادثان، أحدهما يقول للآخر، وهما يرميان الحمام بفتات الخبز، إنهما يحبان الحيوانات كما يحبان الناس! ابتسما لكلب ضائع مر بهما، فاستطعت أن أتمالك النفس، وأجلس على مقعد في شارع الحبيب بورقيبة إلى جانب سفرجلة منسية. أخذتها، وقضمتها. كانت مُرّة لذيذة مزة حامزة لاذعة لاسعة حريفة فجة قطنية، ساعدتني على النهوض، والعودة إلى فندقي، إلى صلاة راحة الموتى لموزارت. محت مرارتها الصور من رأسي، وأحلّت فيه عالمًا نورانيًا أسود أردت الذوبان فيه، فأخذت شفرة الحلاقة، وعزمت على قطع عرق رسغي، لكن الهاتف قرع في اللحظة الحاسمة، فانزاح من ذهني العالم النوراني انزياح الأسود عن الأبيض، وعادت إليه الألوان. نظرت إلى أداة الانتحار ببرود، وتركتها تسقط في العالم الملموس. كان محدثي قد أخطأ رقم الحجرة، وأنا قد أخطأت التوقيت مع الموت. كتبت لأبي مروان بن الحكم كلمة أقول له فيها إني سأمارس الانتحار كما يمارس هو السياسة فيما لو لم يعمل كما يعمل لغيري على مقابلة الرئيس، سأذهب إلى السلام على ماياكوفسكي وخالق حنظلة وخليل حاوي. وجدت أبا مروان بن الحكم في جلسة عمل مع السفير الفرنسي، والسفارة فارغة، قابلة للاحتلال. لم يكن هناك سوى حارس واحد متثائب، أعطيته كلمتي لأبي مروان بن الحكم حين يغادر السفير الفرنسي جنات القدس الطالحات إلى جنات السان جيرمان دي بريه الصالحات، وعدت أمشي هائمًا على وجهي في جحيم تونس.







46
قضيت ليلتي مع لصوص الليل، مع زقاقيي القصبة، وسوقيي البحر. ذهبت معهم إلى السطو على الجنة، وأنا أقدم رجلاً، وأؤخر أخرى. كان الشاعر التونسي الصعلوك يحثني على التفدم إلى المجد، ويقول لي إن هذا حهادهم، ومن الباب الكبير لقصر سيدة الليل سيدخلون إلى جنات عدن. كان الوحيد الذي لا يتعب، ولا يعرف للخوف معنى. ونحن أمام الأسوار المحصنة، قال البعض إنهم تعبوا، وإنهم يفضلون النوم ببطون خاوية، فصاح الشاعر الصعلوك لا تقعدن عن الجهاد إلى غد، ولا تنم، فإن نمت، فالصيد أنت، ولحمك المختار! تذكرت جهاد مكتبنا الجزائري في سرقاته، وكذلك شعاره الممجوج "القدس عاصمتنا الأبدية"! تبدى لي الرئيس، وهو يحكي للجزائري الأول باللغة التي يحبها، وللمغربي الأول باللغة التي يرضى عنها، وللمصري الأول باللغة التي تدغدغ خفاياه الفرعونية، فقلت مهندس نفساني هو، يقرأ في النفسيات أفضل مما يقرأ فرويد، في الوقت الذي يهندس فيه شماخه كالكاوبوي الغبي، ولا تنقصه إلا ريشة المقدامين على رأسه.
قال الشاعر التونسي الصعلوك إنه سيتسلق سور جنة سيدة الليل، ثم سيهبط ليفتح لنا الباب من الداخل. رأيته يفعل ما عزم عليه بكثير من المهارة، وما هي سوى بضع لحظات حتى فتح لنا الباب، فرأينا الحارسين الصبيين العبدين الأسودين في دمهما يغرقان. كانت فرصتنا الذهبية لاجتياح الجنة، فكم حلمنا بعسلها يجري أنهارًا! دخل اللصوص الجنة، فصاروا بشرًا مختارين، وراحوا يعيثون بالجنة فسادًا، وأنا أنظر حائرًا لا أستطيع أن أفعل شيئًا. رأيت أبا رُهم يهرب من سرداب هو وبعضٌ من صحبه السيباريسيين بينا كان اللصوص يأكلون أشهى أكل، ويشربون ألذ شراب، في الوقت الذي كانوا يأخذون فيه بنات الجنة في أحضانهم أخذ العشاق للعشاق. رحت أبحث عن الغرف السرية التي اختفت بقوة ساحر أو عفريت، فما استطعت إنقاذ أحد من رفاقي المحبوسين.
نمت حتى الصباح في حضن تمثال منسيّ، ولما فتحت عينيّ وجدتني أنام في حديقة الباساج. أنهضت جسدي، وأجلسته، ورحت أنظر إلى الأشجار والأشجار تنظر إليّ، إلى أن انتصف النهار. طلبت من جسدي الوقوف، فوقف، والمشي إلى الفندق، فمشى. سألتني المستقبلة بشيء من التدخل في شؤوني الخاصة أين كنت؟ يريدك أبو مروان بن الحكم رضي الله عنه! تلفن لك عدة مرات آخرها منذ خمس دقائق، يريدك أن تذهب إليه في الحال. فركت ذقني، وأنا أحس بالتعب يسحقني كالمرساة، أحسستني كالقديسة فيرونيكة الممزقة. قلت سأذهب إليه في الحال، وأنا أفكر أنه لن يحرر فلسطين في الحال، كما هم يتبجحون في راديو فلسطين التدجيل، لن يحرر ربعها ولا ثلثها ولا بعضها كما ينبحون في راديو فلسطين التطبيل، لن يحرر بلعتها، وسيجعل الآخرون من أورشليم عاصمتهم الأبدية!
وأنا أمشي في شارع فلسطين التونسي خلتني أمشي في شارع فلسطين النابلسي الذي جرى احتلاله في العام 67، وفي شارع فلسطين اليافاوي الذي جرى احتلاله في العام 48، فقلت لنفسي إن شارع فلسطين الدمشقي سيحتل في العام 92، وكذلك شارع فلسطين المكي، وشارع فلسطين القاهري، وكل شوارع فلسطين العواصم العربية، فما أنا بفاعل بالله عليّ في هذا الشارع البشع؟ المليء بالدخان والغبار؟ ما أنا بفاعل في هذه الشمس الوقحة؟ تحت إرهاب التفاح؟ وعلى هذه الأرصفة القذرة؟ أين هي سهولك الخضر العقيق الزمرد المدمر يا مرج ابن عامر بالثمر الرطيب؟ أين هو واد الحوارث؟ وواد حنين؟ أين هي بياراتك الخائنة يا يافا اللقيط؟ أين هي كلماتك الساخرة يا حيفا التطبيل؟ بدا شارع فلسطين التونسي أجرد كجبال نابلس والقدس التي يطالبون فقط بها، فهل سيهبون لهم أجسادهم لينكحوها؟ يدا شارع العقارب جافًا كواد الباذان الجاف حتى في الشتاء الذي صاروا فيه سمكًا ميتًا!

خاطبني أبو مروان بن الحكم أول ما رآني أدخل عليه بأين أنت يا رجل؟ تلفنت لك عشرات المرات من المكتب ومن السيارة ومن البيت! نظر في عينيّ، وراح يرحب بي. قال لي إن الوالد قد كان بالفعل مشغولاً قبل سفره إلى الجزائر، كانت لديه اجتماعات ووفود ومؤتمرات صحفية، وإنه لم يقابل أحدًا. راح يرفع من معنوياتي، ويقول إنني أخ وصديق وحبيب، وإنني أحسن واحد بين كل الموجودين، وهو سيبذل قصارى جهده، بما أن الرئيس عاد من الجزائر، كي ألتقي به. كتب على ورقة صفراء مربعة شيئًا أجهله إلى أن أعطانيها، فقرأته يأمر لي بصرف ثلاثمائة دينارًا. قال إنها للتاكسي، وإن عليّ أن آخذ حمامًا ساخنًا، ومن الأفضل أن آخذ سونا، اسألهم في الفندق يدلونك أين تأخذ سونا. جاء أحدهم يريد منه خدمة، فأعطاه ذات الورقة المربعة الصفراء بعد أن كتب عليها إنني أريد مقابلة الرئيس، وهو يشير إليه، ويقول: هذا يعمل في مكتب الوالد، سيخبر سكرتيرته، فتحدد لك موعدًا! قال إن كل أشيائي ستجد حلاً! عاد يرفع من معنوياتي، وهو يقول لي: أهلاً! أهلاً! وأنا في الوقت ذاته كنت أفكر في جبال نابلس الجرداء، وأقول إنهم نسوا إلى الأبد جبال الجليل الخصيبة، وسينسون إلى الأبد جبال نابلس الغضيبة! همهمت دون أن يدرك ما أقول: سيرفعون جثثنا على رماحهم من الفرات إلى النيل! رجاني أن أنزل عند غازي القلوب كي أقبض الثلاثمائة دينارًا قبل أن يذهب إلى البنك، فأذعنت، واصطدمت بالصحافية المقدسية. سألتني إن كنت مريضًا، تدخل أبو مروان بن الحكم، وقال إني لست مريضًا ولا من يعلمون، فابتسمت لي ثم قالت إنها أجلت سفرها، لأنها ترمي إلى عمل جولة عربية من أجل الانتفاضة، وهي لهذا بحاجة إلى توقيع الرئيس من جديد، وإن ثورتنا ما أروعها، فلم أبادلها الحديث، أردت الذهاب بكل قواي الخائرة إلى جنة الشاعر الصعلوك المحتلة لأدفن نفسي في ترابها.


















































47
في إحدى سرايا موزارت، طرق العريف بعصاه الأرض طرقاتٍ ثلاثاً إيذاناً بافتتاح المجلس المركزي، فتنحنح الشيخ السائحة شحمته رئيس المجلس، وقرأ الفاتحة على أرواح الشهداء، وأعضاء المجلس فعلوا مثله، مسحوا وجوههم التي تفتعل أرطالاً من الحزن بأكفهم، ثم تراخوا، تمايلوا على بعضهم، وتنهدوا تنهدات الظافرين.

بدأ الشيخ السائحة شحمته يتقول تقولات الخرف، فلا من واصل بين كلماته، ولا من رابط بين جملاته، ينصب المرفوع، ويرفع المنصوب، ويكسر المعطوب في القلب كسر رب الجنود. لا يعرف مِن أمر بعد ذلك على مَن يتجرأ ويقول كلاما مُهمّا غير أن اسكت يا رجل! لا تتكلمّ! إني رئيس المجلس! لا تتكلم إلا إذا أعطيتك الكلمة أنا ربيب الأسيَدين! وعلى العكس، يَلُسُّ نعل رئيس الدولة معددًا فيه الأسماء الحسنى التسعة والتسعين، ورئيس الدولة إلى جانبه صمٌ بكمٌ لا يتكلمون، عابس كقناع فاجع، يلوح بيده المضمدة في وجه كل من لا يعطيه حق الوقوف والإدلاء برأي، أو يفرك عينيه، ويتثاءب... ثم ما لبث الشيخ السائحة شحمته أن طلب التصويت برفع اليد على ما تلاه من قرارات كان قد أذاعها المراسل العسكري للراديو الإسرائيلي منذ البارحة، فرفعوا أياديهم كلهم بعد أن تردد بعضهم لأن يد الرئيس المضمدة قد فرضت الموافقة على الجميع، مَثَلُهُم مَثل الذين يدورون بالإمام الجاهل كلما يخطب فيهم يقولون له دومًا آمين! وهكذا سيكون حال المجلس التشريعي تحت نعل الرئيس، والمجلس الترقيعي، والمجلس التقعيدي، وكل مجلس، أما إذا ما جرؤ بعضهم بالصدفة على قول "لا"، فسيكون مصيرهم الإقالة بكل بساطة تماما كما كان تعيينهم بكل بساطة. لا أقول إنهم انتُخِبوا وإنما عُيِّنوا. هؤلاء المزورون لم يُنتخبوا يومًا، ولن يُنتخبوا، وإنما هم يُعينون كما يُعين الفاسدون على رؤوس المؤسسات أو القوادون. هذه هي الديمقراطية الفلسطينية: ديمقراطية على صورة الرئيس، "ديكتاتوقراطية"!

وبعد اختتام المجلس، تغنى الرئيس بالوحدة الوطنية، وامتدح الديمقراطية الفلسطينية، قال نعم للانتقاضة، نعم للقدس الشريف، نعم للدولة، وحذار يا عرب من المؤامرة الدولية التي بلغني خبرها عن طريق أصدقائي السوفيات! ثم نادى بتجاوز أخطاء الماضي وعدم تكرارها، رفع علامة النصر، ووشى في الأخير كلامه بتكرار عبارة اللهم إني أبلغت! اللهم إني أبلغت! اللهم إني أبلغت! ثلاث مرات. وكأني بذاك القروي البرقاوي البسيط يشير إليهم، ويقول: عِدّي رجالك عِدّي من الأقرع للمصدي! وكأني بذاك المنادي الذي من بلدياتنا، والذي ما عنده خير ولا مير الباحث عن واحد منهم يقولون أهمهم في يده شأن بيت مال المسلمين، فيقعر الصوت: يا من شاف يا من رأى جويد الغصين ضائع بين تونس ووادي السير، والبشارة والحلوان بيضتين!

نادى الرئيس على الشيخ السائحة شحمته، وقال له: صرح! فصرح، ثم جاءه، وقال: الإسرائيليون رفضوا! فقال له: انف! فنفى. طلب من مستشاره الأثير عباس أبي فضيح أن يصرح، فصرح، ثم جاءه، وقال: الأمريكيون رفضوا! فقال له : انف! فتفى. نرفز الرئيس، وأخذ يلطم عباس أبي فضيح والشيخ السائحة شحمته مرددًا: صرح! انف! صرح! انف! صرح! انف! إلى ما لا نهاية... قرر! الإسرائيليون رفضوا! الغ! قرر من جديد! الأمريكيون رفضوا! الغ إذن! قرر! الغ! قرر! الغ! قرر! الغ! أو ابقها على الورق! لا تعمل بها! لم تجئ إلا للتعمية فقط والتمويه أو لأن ردود الفعل عليها كانت سلبية! افقع الآن بالونًا! فيفقع عباس أبو فضيح بالونًا دون فائدة. افقع بالونًا آخر! فيتردد عباس أبو فضيح، فيلطمه الرئيس: إن كنت تعتبر نفسك دومًا ديكًا حبشيًا، فافهم أنه الماضي، أنت اليوم ديك حبش على غيري! جئت بك من أقاصي جنان النعيم إلى أقاصي مهاد الجحيم الذي هو جناني! فيفقع عباس أبو فضيح البالون، وهو يكاد ينفقع، والرئيس يطبطب على ظهره! وليراضيه ويرضي توجهاته السياسية يقرر دعمًا إضافيًا للانتفاضة يرسله عن طريق العائلات الغنية، فيتوزعه أربابها فيما بينهم. تزداد رؤوس أموالهم قوة، ويتقوون على المنتفضين كلهم، فقراء يعملون في حقولهم ومصانعهم، وعلى قمم الشجر! استغربت رفض شامير إلى اليوم لهم، فلم تأت فلسطين بأنذل منهم. اركعوا على قدميّ، يقول لهم، فيركعون! امسحوا لي إليتيّ، يقول لهم، فيمسحون! كونوا كلاب صيدي، يقول لهم، فيكونون! امحوا فلسطين من ذاكرتكم، يقول لهم، فيمحونها من ذاكرتهم، ومن كل ذاكرة، ومن كل خريطة! لأجل ذلك لا يعيرهم أدنى اهتمام، وهو يرى في تخبطاتهم وضعفهم!

جاء قائد أمن الرئيس وثلة من الحراس تحميه، تطلع يمنة، وتطلع يسرة، فرأى كيف انتشر هنا وهناك قناصوه الطليعيون. أحس بالخطر يحيق به من كل جانب، فاستراح، وشعر أخيرًا بالأهمية.

بحث الرئيس عن نسوان يبوسها، فلم يجد سوى ايفا براون، ويا لحظه أنه وجدها! بدأت تعاتبه لأنه تأخر عليها في المجلس المركزي، فراح يتلطخن، ويقول إنه أقصر مجلس مركزي أقامه في حياته! لكنها أصرت على واقع أن اجتماعاته طويلة، كل اجتماعاته، فلم يجد ما يقوله. احمر وجهه، ونضح عرقه، وبحث دون جدوى عن الرقم الثاني لينقذه من ورطة لا يمكنه الإفلات منها بسهولة، ظل يبتسم لها إلى أن أصبح قناعًا هزليًا. قالت له إنها لا تريد أن تسمع بقائد أمنه، لأنه يزداد قوة يومًا عن يوم، ولأنه لا تمضي عليه ساعة إلا ويسرق، يسرق الأموال، ويسرق العتاد، ويسرق الأملاك، يسرق كل شيء حتى الهواء، إضافة إلى أنه يبالغ في إعطاء أوامره. خلعت الضماد عن يده بعنف، وأمرته أن يأمر بإقالته، فابتلعت ابتسامته وجهه وصلعته وتاريخه، وقال لها: كل واحد من الناس بالنسبة لي عبارة عن سارق أو قابل للسرقة، لهذا السبب تجدينني أعين أي واحد كان في أي منصب كان، وأنقعه في مكانه الأعوام تلو الأعوام، كما سيكون حال هذا المغفل المهترئ، ولا أعين جديدًا في منصب قديم، وإن مضى على صاحبه عهد كبير، لأن القديم سرق حتى شبع، أما الجديد، فسيبدأ من الصفر حتى يشبع. وعلى الرغم من جوابه المفحم فيمن هم من حوله، وبخته ايفا براون: ليس هذا إلا جزءًا من الحقيقة، أما الجزء الآخر، ما تحاول جاهدًا إخفاءه، فهو أن هؤلاء الفاسدين يمثلون "جيشًا" ستعتمد عليه في حالة ما إذا أراد الأمريكيون تبديلك! مساحو الأحذية هؤلاء، اللاشرعيون، المنافقون، سيتكلمون عن شرعيتك، فقط ليحتفظوا بكراسيهم سنوات أخرى! وسيجرؤون على الحديث، هؤلاء المغفلون المهترئون كما تقول، عن شعبيتك، ومع ذلك لم تكن يومًا شعبيًا! فرضت نفسك على شعبك بالحيلة أو القوة، ولم تُنتخب أبدًا حسب الأصول، لا ولن تُنتخب، لأنك مزوّر بطبعك، ستزوّر الانتخابات في صالحك وصالح مغفليك المهترئين، ستقول هذه الخراءات الصغيرة إنّ على الشعب الفلسطيني أن يختار قادته، وكأن أحدًا اختارها، ومن أجل حل لا يأتي، ستعوي على الشاشات أن على الأمريكان أن يأخذوا برأي شركائهم الروس والأوروبيين، وفي الخفاء، تصلي على أحذية الإسرائيليين، وهي مستعدة للتخلي عن كل شيء، من المسجد الأقصى إلى فروج نسائها!

بحث الرئيس دون جدوى عن وزيره الوحيد لينقذه من ورطة أخرى لا يمكنه الإفلات منها بسهولة، لكنها عادت تحذره من قائد أمنه ومن أبي رُهم ومن وزير وحيد سبق وعرضت عليه السعودية أن يأخذ مكانه ليكون رئيسًا استبداديًا مدى الحياة على الرغم من كل شيء مثله، فامتلأ صدره بالشك، وصار لا يأمن حتى إلى ظله. قبل الذهاب إلى الفندق هناك حيث يحتفل المجلس بقرارات المجلس، قال لإيفا براون: أود العودة إلى مسألة التبديل المحتمل للرئيس، يعني لي، ليس من طرف السعودية، فما هذا إلا الظاهر، وإنما من طرف الأمريكان ومن طرف الإسرائيليين، من طرف الطرفين يا ايفا، إنتِ سامعاني؟ فهؤلاء وأولئك معسكر واحد، لأن لي رأيي أنا أيضًا في الموضوع. هؤلاء الجبابرة بقصفهم في الماضي مقري في بيروت، في طرابلس، في حمام الشط، دون أن أكون طبعًا هناك، أما خصومي فكانوا، بادعائهم أن طائرتي سقطت في الصحراء، وأنني الوحيد الذي نجا -المهزلة لا تقف عند هذا الحد أيوه يا ايفا – وأن الإسرائيليين والأمريكيين هم من أنقذني، واليوم بتصرف كهذا، هم يبحثون عن تحسين صورتي في كل مرة تجد شعبيتي نفسها في الحضيض، وإلى دفع الفلسطينيين إلى التمسك بالرئيس، يعني بي، فقط ليخالفوهم في الرأي، وعندما أفاوض بنود الدولة التي يأملون في إنشائها، وعندما أتخلى عن كل حقوقهم، سيقول لهم الأمريكان والإسرائيليون " ولكنكم أنتم من اختاره وليس نحن!" وبالطبع، سيكون الوقت متأخرًا للتراجع، فرضية أولى يا ايفا. أما الفرضية الثانية، فتقول إن هؤلاء الجبابرة، هؤلاء الآلهة، قد ملوا بالفعل رئيسًا خرفًا مثل هذا، يعني مثلي، رئيسا لم يعد بإمكانه أن يعطي أكثر مما أعطى، فأصبح حجر عثرة على الرغم منه في وجه الخطط التي تُنسج في الطوابق التحت الأرضية للمخابرات... وبما أنهم قد وجدوا من يخلفني، شخصًا قويًا في الظاهر وفي الحقيقة هو ضعيف جدًا، شخصًا سيكون مستعدًا ليس فقط لبيع المسجد الأقصى وإنما كل فلسطين. تبديل الرئيس، يعني أنا، سيكون إذن أمرًا حتميًا، أما إذا ما عاندت، وهذه ليست حالة الجبان الذي هو أنا، فسيتم درس سيناريوهات أخرى للتخلص مني. أو... أو... أو... للتمطيط، وكمان التمطيط، وعدم الوصول إلى حل إلى الأبد.

في الفندق، سكروا كلهم على حساب الشيخ السائحة شحمته، كل ما استهلكوه من كحول سجلوه على رقم الغرفة التي ينزل فيها. سكروا حتى تختخوا، فما قاموا، وما قعدوا! نظرتُ إليهم نظرة فرخ الحمام، وكذلك فعل عمر النروجيّ، وبعد ذلك قال لي إنه سيغادر تونس صباح الغد. أخبرني أنه حاول نشر مسرحية له عن طريق دائرة "السآفة" دون فائدة، فهو ديمقراطية قديم، وهم يكرهون الديمقراطية. قلت هم يكرهون كل شيء، يكرهون ظلالهم. وبدأت أشتمهم بصوت عال، فسألني إن كنت قد قابلت الرئيس ظانًا أنه سيخفف شيئًا من غضبي، فقلت لا أريد أن أقابله، وأنا أعود وأشتم، فأخذني من ذراعي إلى غرفته ليتلفن إلى أبي ناصر صلاح الدين الأيوبي مدير مكتب الرئيس. وأنا في المصعد، لم أتوقف عن شتمهم. قلت كل حكومة تقدم برنامجها، فإن فشلت، استقالت أو أُقيلت، لكن أغنامنا يكتفون بالبكاء إذا ما بكى الرئيس، وبالضحك على أبيخ نكتة له! يتحاورون حوار "الديمقراطيين" الذين هم على شاكلتنا أوسخ شاكلة، وذلك بأعطونا رأس فلان نعطيكم رأس علان، وكم ثمن رأس فلان مقابل رأس علان؟ وها نحن معهم على أدمغتنا منذ خمس وعشرين سنة، ولا أحد يحاسبهم، الشعب لا يحاسبهم، ولا عمالقة التاريخ التي صيروها جرذان بطولة الوهم، منهم المرتزق، ومنهم الدجال، ومنهم المعدم المغتني بالسرقة والإجرام! استغلوا حاجتهم، استغلوا ضعفهم، ضعف من لا وزن له، وحاجة من لا قيمة له، من يرمي إلى أن يكون له وزن بأي ثمن وقيمة كالوحش المطارِد الفريسة لإشباع رغباته الجامحة لا لجوع أو ظمأ، يرتوي من بعض دم، ويشبع من بعض لحم.

اكتفى عمر النروجي بقول إنه لا يريد الخروج عن الخط السياسي لمنظمة التحرير، وكأنه ينعي كلبًا نروجيّ المنبت دَنِفَ من البرد. سقط الثلج عليّ شديدًا قويًا جهنمي البرودة، وعلى شوارع تونس، وعلى شوارع أوسلو، ورحت أضرب قدمي في الثلج، وعمر النروجيّ يخافه. لم يجد أبا ناصر صلاح الدين الأيوبي، قالوا له إنه عمل حادثًا بسيارته، وهو لن يأتي المكتب. ذهبت إلى حورية البحر الميت، وطلبت منها أن تشتغل لي، فوافقت. زينتها بالمنثور، وجعلتها تقف على رصيف شارع الحرية، وأنا أكشف عن فخذيها، وربضت منتظرًا.














































48
أخذني الشاعر الصعلوك من يدي، وأدخلني معه في "الأروقة التونسية". قال لي سنرتكب "الصغيرة" في هذا المتجر الكبير، وسنترك "الكبيرة" إلى أن يهبط الليل، فهذا عملي إلى جانب أني شاعر صعلوك. وأنت، ما هو عملك إلى جانب أنك روائي صعلوك؟ لم أتوقع سؤاله، فارتبكت. هل أقول له إني كنت قوادًا؟ قلت إني روائي صعلوك، هجين ثقافتين، ساحر صور وكلمات، صانع قصص وأحلام، هذا شيء قليل وكثير في آن. سألني كيف أعيش إذن، فالكتابة في زمن العرب هذا لا تسمن ولا تغني من جوع. قلت أعيش على نفقة الرئيس في أفخم فندق تونسي، فصفر، واقترح أن أكتب آخر رواياتي، لأن عيشًا كهذا ليس عيشًا بل موت بطيء‍.

غافل بائعة الفواكه والخضروات، وسرق عنبًا، وبندورةً، وخيارًا، وسرق بعد ذلك على غفلة من الجزار لحمًا، ودجاجًا، وعلى غفلة من بائعة الورد زنبقًا، وياسمينًا. قال لي إنه لا يسرق بل يأخذ، فابحث عن السارق الحقيقي في صاحب هذه الأشياء. هل ترى الأسعار؟ قلت أري. قال إنها أسعار جهنمية لا يقدر عليها الشعراء.

أراد الشاعر الصعلوك عطرًا، فوقفنا نتأمل بائعة العطر الجميلة، والشاعر الصعلوك يغازلها، ويقرأ الأشعار في جمالها. انجذبت إلى مطواة صغيرة موضوعة إلى جانب مطواة كبيرة، أخذ قلبي يدق دقًا عنيفًا على مرآهما. أردت المطواة الصغيرة بكل رغبتي الكبيرة، خلتها وهي تنفتح، وهي تبرق، وهي تمس عروق يدي. تحولت رغباتي كلها إلى رغبة واحدة ساحقة: أن أحوز على المطواة دون أن أدفع ثمنها، أن أقتنيها مجانٍا، أن أقتنيها لأنها صُنعت لي أنا دون غيري. بدأت أرتعد من تعذيبها لي. قطف الشاعر الصعلوك وردة، وزين بها صدر البائعة، وهو يقول لها إنه أعزب، وسيبقى أعزب ما بقي في الدنيا جمال كجمالها،‍ وفي اللحظة التي أعطته فيها ظهرها لزبون أتاها، تناول زجاجة العطر، واختطفت أنا المطواة، ثم خرج كلانا، وكل منا لا يستطيع الإمساك بذاته من غمرة السعادة. سعادة شاعر كتب أجمل قصيدة، وروائي بنى من الحطام أجمل رواية. أحسست أني أسعد رجل على وجه الأرض، كنت خارج عالم الرجال، خارج قوانينهم، كنت عالمي وقانوني، والمطواة لم تزل في قبضتي، وفي قبضتي قوتي وضعفي، وجودي وعدمي. كانت في قبضتي كل الهدايا التي لم أتخيل يومًا الحصول عليها، هدايا لكل الملعونين الذين رضي الله عنهم. أيكون هذا ما يسمى بتجربة البقاء أم هو بقاء النفس؟ فتحت أصابعي ببطء، وأخذت أتأمل المطواة. كانت محفورة لا أدري بأي إزميل منسي، وكان الماس قد ملأها بالنار. صرت أقرب إلى الناس الذاهبين الآيبين من حولي في شارع الحرية. انتبهت فجأة إلى الشاعر الصعلوك، وهو يقهقه بأعلى صوته، كان يضحك مني، فبدا لي كالملاك الجهنميّ.

دفعتني المطواة إلى الذهاب عند أبي مروان بن الحكم، قلت له أريد أن أرى الرئيس في الحال، فاستغرب لهجتي، وانصاع لمطلبي. قال إن الرئيس يجري في هذه الساعة مؤتمرًا صحافيًا في "الإعلام الموحد"، فاذهب إليه، ذهبت إليه الصحافية المقدسية منذ قليل، فماذا ينقصك أنت أيضًا للذهاب إليه؟ نادى على مراسله التونسي، وأمره أن يبعثني بسيارة من سيارات السفارة الكثيرة إلى "الإعلام الموحد". أخذني المراسل التونسي إلى سائق تونسي، راح الأول يشخر في الثاني لما قال إن لديه موعدًا هامًا عليه أن يذهب إليه، وراح يشتمه، ويأمره بأخذي أو أنه سيأخذه إلى الشيطان ولا يرجعه، فأذعن على مضض منه، وهو طوال الطريق يقول إن موعده من الأهمية بمكان، ولسوف يعاقب على تأخره.

لم أجد أحدًا في "الإعلام الموحد"، كان المؤتمر الصحفي قد انتهى. لاحَظَتْ سكرتيرة انهياري، فقالت بشيء من العتاب لماذا لم تتصل بنا نحن كي نحدد لك موعدًا مع الرئيس؟ قلت لم أكن أعلم، وأحمض عبد الحمضان مديرك صديقي، فقولي له أن يستقبلني. دَفَعَتْ بابًا ضخمًا منجدًا لم أر مثيلاً له إلا في قصر الإليزيه، ثم ما لبثت أن عادت لتقول إنها ستأخذني بسيارتها إلى مقر الرئيس.

اعتذرت لي السكرتيرة اللطيفة عن كل التعذيب الذي ساقوني إليه منذ عشرات الأيام، سألتها عن اسمها، قالت "نيفين"، قلت اسم جميل، فابتسمت كقمر الحنين. ضاعت، ولم تعرف الطريق إلى مقر الرئيس، وهي تعتذر طوال الوقت، وتقول إن كل الطرق في المنزه السابع جديدة إلى أن جاءت ساحة واسعة أشبه بسوق ترمسعيا، ساحة من يوم القيامة. كانت البشر المرافقة للرئيس قد أوصلته إلى مقره، وكل واحد قد راح يشغل سيارته يريد المغادرة. رأيت وجوهًا من كل صنف، وجوهًا لموساديين رأيت، ووجوهًا أخرى. وأنا أرتكز على سيارة نيفين قمر الحنين، كنت أقول للمطواة المشتعلة في جيبي إنها لن تنجح في شيء. مر بي الشخص الذي أعطاه أبو مروان بن الحكم الورقة الصفراء المربعة، وقال إنه أعطاها للسكرتيرة، فلم أقل لوجهه المخابراتي شكرًا. كنت أبحث بعيني عن نيفين قمر الحنين، رأيتها تخرج من فيلا الرئيس، وأرض تونس تدخل في أرض تل أبيب، وسماء تونس تدخل في سماء الجحيم، قلا أعرف أي أرض هي ولا أي سماء. رأيتها تكلم عباس أبا فضيح الواقف بصحبة الدكتور الأعرج والأعمى والأطرش واطي المستسلم، التفت عباس أبو فضيح إليّ، وجاءني يجري، وهو يفتح ذراعيه على سعتهما، ويهلل مرحبًا. أخذني في أحضانه، قال لي إن الرئيس يسعى الآن للنوم، فهو وقت القيلولة، وطلب مني أن أتصل به على تمام الرابعة وأربع دقائق بعد الظهر بعد أن أكد أني سأرى الوالد اليوم قبل اجتماع اللجنة التنفيذية الذي لن يحضره كما قال. كتب أرقام تلفوناته على غلاف أحمل فيه كتبي للرئيس، وافرنقع. مر بي الدكتور واطي المستسلم بسيارته، فطلب من سائقه الرجوع القهقرى، والوقوف محاذاتي. سلم عليّ بأطراف أصابعه، وقال لي أول ما قال، وهو يزم شفتيه، فكأنه على وشك التقيؤ: كتير‍؟ ما تطلبه من الرئيس كتير؟ ظننت أنه يتكلم عن رسائل أخي أيمن السيوف وأبي أمير المتقاعدين وزنابقي السود والحمر والبيض، فأجبت: كل الأمر عائد للرئيس. رفع عليّ أنف الاستصغار، وأمر سائقه بالذهاب، وأنا أقول لنفسي إني أخطأت، فالرجل يتكلم عن قيمة مخصصي الذي يتخيل أنه سيدفعه من جيبه، عن حقي الذي يسعى إلى افتكاكه من جيبي، وانطبع في رأسي أنفه الغوغولي بعد أن غدا بشكل الأرشيف لكثرة ما أرشف، فهو مدير الأرشيف قاتل الأراشيد‍.

عادت نيفين قمر الحنين خائبة، نظرتُ إلى خديها المحمرين، فوجدتها أجمل فتاة رأيتها في حياتي. خفت عليها، طلبت إليها ألا تهتم، فطلبت مني أن أتصل بها في الغد ريثما تتمكن من الاتصال بسكرتيرة الرئيس التي لم تكن في المقر، فلربما قدرت على تحديد موعد مع الرئيس... والرئيس بين ذراعي ايفا براون، تضربه على خده ضربات رخوة، وتقول له كف عن ترداد أنا، أنا، أنا؟ قالت إنه أناني، فقال أنا غير أناني. وبخته: ها أنت تعود إلى قول أنا، فاسكت أحسن لك. لم يسكت، قال إنها أقرب امرأة إلى قلبه، فعادت تضربه ضرباتها الرخوة على خده، وتقول له كف عن الكذب. حلف بكل الأنبياء والرسل إنه يقول الصدق، فوبخته: ها أنت تعود إلى الكذب أيها الهبيل، فاسكت أحسن لك. وبعد قليل، نهضت إلى خزانتها، وأحضرت فستانًا أمريكيًا ألبسته إياه، فلبسه رغم ضيقه، ثم جاءت بكل مساحيقها الأمريكية، وأخذت تصبغ له وجهه، وتصبغ وجه جعيدها في الوقت ذاته، تلبسه كما ألبسته، وتقول للرئيس إنه بشبه جعيدها، والرئيس لا يكف عن الإبتسام إلى أن غدا وجهه عجينًا. عادت تحذره من قائد أمنه، ومن أبى رُهم، ومن وزيره الوحيد، ومن سيدة الليل، فاحتج، وقال إن سيدة الليل أخته أُم المؤمنين، فذكرته أنها زوجة لضابط كبير في المخابرات المصرية، تزداد سلطتها يومًا عن يوم ازدياد أسطول التاكسيات التي لها، وكذلك استغلالها للأثواب التقليدية التي تشتريها بدرهمين من اللواتي أطفأن عليها نور بصرهن، وتبيعها بالآلاف. ضحك الرئيس، وقال لإيفا براون: ولكنك لا تعرفين، كل هذا تفعله أختي أُم المؤمنين من أجل مساعدة أُسَر الشهداء أغلى الناس على قلبها، ولكي يحول زوجها الضابط في المخابرات دون سجن الفلسطينيين في زنازين المطار؟ لكن ايفا براون حذرته مرة أخرى من أخته، أعطته ملعقة من زيت السلجم، ثم تركته ينام نوم القيلولة الذي يحبه بقدر حبه لقلقيلية، بقدر حبه للاسكندرية التي اصطاف فيها مرارًا أيام كان طالبًا. تذكرتُ رسالة استلمتها من أختي باسمة المدينة الهلينية، ففتحتها، وقرأت:

(بلغني أنك ترسل رسائلي الخاصة بك لاطلاع الوالدين عليها وأنا لا مانع عندي في ذلك).

أخي وعزيزي،

استلمت أقسى كلمات على قلبي وعقلي، أخذت أكلم نفسي ذاهبة آيبة هاذية غير مصدقة على الإطلاق ما جاءت به سطور رسالتك من اتهامات مستني في صميمي، فأنا إذن متهمة، أنا إذن منبوذة، أنا إذن أداة تسيرونها كما تريدون، أنا إذن ملقاة في أدنى مستوى وضعتموني فيه، أهذه هي باسمة الاسكندرية في نظر الجميع؟ لماذا؟ ماذا حصل لهذه الدنيا؟ بكى الوالد على الهاتف، ومزقني تمزيقًا كورقة من أوراق الخريف! وددت لو ألبي طلبه بعد قطيعة دامت سنوات طويلة لا أدري سببها، وفشلت! فشلت، وليس لامتناعي عن المساعدة، وقد كان من الأجدر بك أن تستدين أنت، يا رجلنا الأكبر، ولا تترك الوالد يذرف دمعة واحدة أمام أختك المتقاعدة! لن أدخل في متاهات حول ما معي وما معك وما مع غيرك، ولكنها كلمة أقولها لذوي الثقافة العالية جدًا: إنني لست في مركز مساومة! إن دفعت، فأنا معترف بي كابنة وحبل الوصل لن ينقطع، وإن لم أدفع لظروف قهرية سُحب الاعتراف بي وقُطع حبل الوصل الذي هو مقطوع أصلاً –لأكرر- دون أن أدري له سببًا، فأنا أكثر الابنات تمسحًا بأقدام الوالدين اللذين لا يتنازلان حتى للرد على دموعي وكلمات لو صففتُها لكونت منها كتابًا بالغًا في الظلم لابنة وزوجة وأُم تعيسة دفن طموحها ومستقبلها مع أول ثمرة حب أنجبتها! ملح السكر! ملح السكر! من هي ملح السكر هذه التي أعطيتم لها وزنًا أكثر مما تستحق؟ ولِمَ أخوك أيمن السيوف ما دام بجانبها يسمع مكالماتي لم يطلب الحديث معي؟ أم أنني أتكلم وأنظر إلى شاشة الهاتف لأرى من عليها؟ كَتَبَ لي إنه مطرود لا يعرف له مقر، فمن هي هذه الأخت الكبيرة التي عليها أن تعرف كل شيء، والتي لا نعرفها إلا إذا كانت هناك مصاريف؟ لا نعرفها إلا إذا احتجنا فقط إليها؟ كتبت له مرارًا، ولم يرد عليّ، ألا فليذهب أيمن السيوف ومن هم على شاكلته إلى الجحيم إن كان سيعترف بي أختًا ما بقيت كنزًا يغرف منه! وما هذه التأوهات يا أخي (آه يا باسمة كم فعلت حتى صفيت قلبي الوالدين عليك!) لماذا يا سيد يا محترم كلفت خاطرك، وصفيت قلبيهما القاسيين عليّ، أنا المجرمة التي تستأهل الشنق؟ حاجة عريبة فعلاً! هل انقلبت الدنيا رأسًا على عقب؟ سبحان الله! أنا فعلاً سأُجن! أنا فعلاً أسخر من هذا القدر الذي أعطاني وأجزل عليّ بالعطاء! فكم من حنان أُم وحنان أب وحنان أخ وحنان أخت لا أستطيع تقييمها؟ كم أعطوني؟ وكم مدوا لي يد المساعدة؟ وكم؟ وكم؟ وكنت أنا الجاحدة الناكرة! كان الله لي وفي عوني: إني أُمٌ محطمة! لم يكفهم هذا، وها هم ينتقمون مني، وكأني استوليت على لقمة أحدهم! إني أُمٌ محطمة بالفعل، حطمني ولدي المعاق، وحطمتموني أنتم كلكم أيها الأصحاء، فدعوني أبني موتي البطيء من حطام حياتي، واتركوني وشأني!

مع تحياتي لكم جميعًا

باسمة الاسكندرية











































49
تلفنت لعباس أبي فضيح على تمام الساعة الرابعة وأربع دقائق بعد الظهر كما حدد هو بنفسه الساعة والدقيقة، فقال إنه لم ير الرئيس، وطلب أن أتصل به على الساعة السابعة وسبع دقائق، اتصلت به على الساعة السابعة وسبع دقائق، فقال إنه لم ير بعد الرئيس، وطلب أن أتصل به على الساعة التاسعة وتسع دقائق مساء. اتصلت به على التاسعة وتسع دقائق مساء، فأخبرني العامل على البدالة أنه خرج، سألته إلى أين؟ قال لا أعرف، وطلب أن أعود إلى الاتصال خلال ساعة. اتصلت خلال ساعة، فرد عليّ شخص آخر له صوت الشخص الأول نفسه ونبرته. اعتذر بأدب جم، وقال إن توأمه الذي طلب مني الاتصال غير موجود، وكذلك مستشار الرئيس، فشكرته على أدبه، ورجوته أن يتصل بي حال عودة عباس أبي فضيح، وعلقت قبل أن أقفل أن له ولأخيه صوتًا واحدًا ونبرة واحدة، فضحك، وقال الكل يقول ذلك.

فتحت التلفزيون على الراي، وتابعت مسلسلاً بوليسيّ النوع فيه عنف كثير ودماء غزيرة. فكرت في الاتصال بشقيق بلال الحسن البصري بوصفه مستشارًا هو الآخر، لكني قلت إن الرئيس هذه الأيام واضعه في الكراج، إذ لكل مستشار زمنه، في زمن السعودية يشغل المحسوبين على السعودية، وفي زمن مصر يشغل المحسوبين على مصر، وفي زمن الأردن يشغل المحسوبين على الأردن، وهكذا إلى ما لا نهاية، يضعهم في الكراج وقتما تبرد العلاقات مع البلد المحسوب عليها كل واحد إلى أن تسخن العلاقات من جديد، فيملأهم بالبنزين، ويشغلهم.

بقيت ساهرًا منتظرًا تلفون عباس أبي فضيح إلى أن أقفلت الراي، غفوت، وحلمت بالرئيس شمشون زمن الفلستينيين الجبار يهدم أعمدتهم الضخمة عليه وعلى أصدقائه! سمعت من النافذة صرخات استنجاد، فخففت أنظر منها، فرأيت حارس سور الإذاعة، وهو يغتصب وقوفًا امرأة محجبة في علبته. رحت ألقي من النافذة كل شيء في الغرفة، الأغطية والشراشف والكراسي لأقطع عليه النكاح في ليل تونس الفاتح بين فخذيه، لكني لم أفلح في أمري معه شيئًا. سمعته يهمهم، وهو ينتفض، ويقذف: الحل في تصعيد الانتفاضة؟ والرئيس لم يتوقف عن هدم الأعمدة عليه وعلى أصدقائه، فيجتاحه شعور بأنه الأقوى بينما العالم من حوله ينهدم عليه، تنهدم نفسه حجرًا حجرًا، فيرفع يده المضمدة في وجوه المنتظرين الكابية، ولا يكل عن ترداد "عليّ وعلى أصدقائي!" بعد أن استمد سحر الطاقة المدمرة من شعر دليلة الطويل، وظن نفسه الجامع لشتاتنا في الهدم والتدمير، فامعنْ في تشتيتنا تجدْنا لأول مرة في تاريخنا، واهدمْ الأعمدة عليك وعلينا بعد أن جردتنا من كل شيء حتى من ورقات توت عَوَرْتا، وذُبْ فينا ذوبان السيد المستبد والعبد الذليل؟ سمعناه يقول آخر كلماته: نعم لتعميم سياسة القابضين، نعم لضرب حماس بفتح وكل المنتفضين، نعم للتجزئة الوطنية!

قلت من غير المعقول أن ينظروا إلى وضعي فلا يحسون بي! لم أكن شيئًا صغيرًا وكنا كلنا نحن الكبار والصغار في أعينهم صغارًا! لم أصدق البرود الجنسي الذي جرفهم فجأة تجاه حورية البحر الميت التي صارتني! قلت لا بد من واحد يحس بي، ومعي، فيساعدني في أمري: أهو ثمن التواضع أم ثمن الصمت؟ وسألت أمري عن أمرنا: أهو ثمن الأرض أم ثمن السلم؟ لم يجبني أمري عن أمري، وأجابني عن أمرنا، فقال لي: الدولار أُم الحرب، والأرض مقابلها، والإنسان ذئب للإنسان منذ أن جاءنا الإنجليز ومن بعدهم الأمريكان، نحن أبناء وبنات الشجر الوحشيّ، الغبيراء والتنوب والجميز.

في صباح اليوم التالي، عرفت أن الرئيس كان يجتمع باللجنة التنفيذية في السفارة، أي على بعد عشر دقائق من فندقي مشيًا على القدمين! تلفنت لعباس أبي فضيح، فقال لي أحد التوأمين إنه نائم، ورجاني أن أعيد الاتصال مع منتصف النهار. أعدت الاتصال مع منتصف النهار، فاستقبلني عباس أبو فضيح بالحفاوة التي استقبلني بها في سوق ترمسعيا، وكأنه يكلمني لأول مرة. قال لي إن الاجتماع في السفارة قد طال حتى الفجر، فلم يشأ إزعاجي، ووعد بأن يعمل كل ما في وسعه كي أقابل الرئيس اليوم. طلب مني أن أتلفن له على الساعة الرابعة وأربع دقائق بعد الظهر، فتلفنت له على الساعة الرابعة وأربع دقائق بعد الظهر ليقول لي أحد التوأمين إنه سافر، فصحت غير مصدق أذنيّ: سافر؟! كيف سافر وهو الذي طلب مني أن أتلفن له على الساعة الرابعة وأربع دقائق بعد الظهر، والآن أهي الرابعة وأربع دقائق بعد الظهر أم الرابعة وأربع دقائق فجرًا، وهذه شمس آخر النهار أم آخر الليل؟ كرر الشاب اعتذاره، وقال إن الأمر ليس في يده، وهو لا يعرف عن تحركات عباس أبي فضيح شيئًا. رأيت عباس أبا فضيح في التلفزيون إلى جانب حورية البحر الميت، وهو يفقع بالونات تجاربه المكلف بها من طرف اللجنة التنفيذية، فلم أتساءل إن كانت بالونات تجارب أم قرارات فعلية يجري نفيها في كل مرة لتغدو قراراتهم كلها في نظر الصقور المتربصة بنا ساقطة تساقط أعمدة شمشون الفلستيني على رؤوسنا وحدنا دون أعدائنا. غدت الأمور واضحة حتى للأغبياء منهم، وتمنيت لو أنها بالونات تجارب على أنواع من الدفلى نستخرج منها المواد الطبية المحتاجها مستشفى فلسطين بعد أن باعوا عقاقيره في السوق السوداء الأبيض من وجوههم. كنت أعرف أن المِنّة تهدم الصنعة، فسكت يائسًا.

كان الفصل فصل الوكع كما يقول البعض أو سفاد الطيور كما يقول البعض الآخر، فأخذت حمار قبان يريد نكاحًا لأبي مروان بن الحكم. نادى على مراسله، وطلب منه أن يضعه في سيارته. عاتبته لأن الرئيس كان في السفارة على بعد خطوتين مني، ولم يبعث من ورائي، فقال إن الرئيس تأخر في اجتماعاته حتى الصباح، ورفض أن يستقبل أحدًا. فاجأني حين هتف: لِمَ اللف والدوران والمشكل يمكن حله مباشرة مع المحجب بالتشادور؟ طلب أبا فادي خروفه، فأعطته إياه العاملة على البدالة. قال له إن الرئيس كلفه بحل مسألتي معه، وهو يغمزني، ويومئ برأسه، فراح أبو فادي خروفه يرتعش على الطرف الآخر، قال ليس عندنا في مركز التخطيط إلا الذين لا يقدرون على العمل أمثال متقاعدي اللجنة التنفيذية، أما عني، فأنا قادر على العمل، وما عليّ سوى أن أذهب وأعمل؟ أجابه أبو مروان بن الحكم: الدكتور يعمل دراسات ويكتب روايات ويحرر قصصًا لا يتقن مهنة أخرى غير الكتابة، وهو يغمزني طوال الوقت، ويومئ برأسه. والوالد يريده أن يبقى في بيته يكتب روايات وقصصًا ودراسات، وكتابة القصص والروايات والدراسات من أشقى الأعمال، وهو لا يتوقف عن غمزي والإيماء برأسه، إلى جانب أن هناك العشرات بل المئات ممن هم على شاكلته. أضاف أبو مروان بن الحكم أن قرار الرئيس لا رجوع فيه، وكذلك قرار أبي فادي خروفه المالي: ألف وخمسمائة دولار لمن هم على شاكلتي، ومن هم على شاكلتي بواب يأخذ أكثر منهم. أخذ المحجب بالتشادور يصرخ، ويقول إنه رجع عن قراره حين طلبت ألفين بدلاً من ألف وخمسمائة، والآن لا بد من قرار جديد من الرئيس. أعاد لأبي مروان بن الحكم ما قاله لي ذات مرة أنني إذا فُرضت عليه، فلن تكون لي به أدنى علاقة، وستقتصر علاقتي على أحمد حميد الذكر محاسب المركز، على التنين الذي لا يبصق النار، على هولاكو الذي لم يحرق مكتبة بغداد.

أقفل أبو مروان بن الحكم، وهو يتوجه إلى الصحافية المقدسية قائلاً أن لا فائدة هناك، وعليّ أن أشطب على مركز التخطيط ورب التخطيط، وأن أتوجه توجهًا آخر، دون أن يشرح لي كيف. قلت له انقلبت المعايير في عالمكم السفلي، صار الغراب للتفاؤل، والذئب للوفاء، والثعلب للإخاء، والأسد للجبن، والبقرة للرشاقة، والذبابة للنظافة، والحية للصدق، و... و... و... تركته إلى حواري القصبة أبحث عن الشاعر الصعلوك في الليل الذي جنّ قبل أن يشبعنا حلوى تركية ودمًا ونجومًا لأرتكب معه الكبيرة، أكبر الكبائر لو أمكن. فتحت مطواتي الماسية، ورحت أتسلى بتقطيع جسد الليل.




























50
قرع الهاتف، رفعت، وقلت: آلو، فقالت لي سكرتيرة أبي مروان بن الحكم: تعال دون تأخير، أبو مروان بن الحكم يريدك حالاً! فهمت أن الرئيس في مكتبه، فسارعت إليه كالبرق بكتبي وأوراقي، وأنا لا أدري كيف وصلت. طلب مني أبو مروان بن الحكم الانتظار في غرفة أحد مساعديه، فانتظرت مع واحدٍ كان قد وصل قبلي، لم ينظر في عينيّ، ولم أنظر في عينيه، بينما ظل مساعد أبي مروان بن الحكم يعمل دون أن يرفع عينيه إلينا، وكأن أحدًا في العالم لا يوجد غيره. قلت لن يجيئني بالفرج كل هذا، ولم أستبشر بشيء خيرًا! فحصت وجه من كان قد وصل قبلي، فوجدته بلا ملامح، لا يثير التعاطف. كان يمعن النظر في الفراغ، وينتظر بين لحظة وأخرى مقابلة الرئيس، والرئيس قد احتل مكتب أبي مروان بن الحكم، وأبو مروان بن الحكم قد احتل قاعة الاجتماعات المجاورة، وقلق من سبقني قد احتلني...

جاء ثالث يشبه أنوقًا، وبعد الثالث رابع لا يشبه من كان قبله ولا من جاء بعده، ثم جاء سادس وسابع وثامن وتاسع وعاشر وأحد عشر واثنا عشر، وجاء الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر والسادس عشر والسابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر والعشرون والحادي والعشرون والثاني والعشرون والثالث والعشرون والرابع والعشرون والخامس والعشرون و... و... و... كانوا على التأكيد يتلفنون لبعضهم. صارت الغرفة تضيق بالحاضرين، كوزًا لا عروة له! كان بعضهم يعرف بعضهم، فأخذوا أول ما أخذوا يسألون إن كان الرئيس يربط يده، ولما تأكدوا من أنه لم يكن يربط يده، راح كل منهم يحكي عما جاء به من هَمّ. بعضهم كان قد جاء بعائلته، بزوجه وصغاره، فالرئيس يحب الصغار، وبعضهم كان قد جاء بأمه وأبيه، فالرئيس يعطف على الكبار، وكانوا كلهم على موعد مع الرئيس من غير موعد!

جاءت السكرتيرة، وبدأت تسجل الأسماء، فتسجلنا أنا ومن كان قد وصل قبلي آخر من تسجل، ولكرم السكرتيرة علينا أرادت أن تضيف إلى القائمة اسم مساعد أبي مروان بن الحكم، فأمرنا أنفسنا بالتفاول، وقلنا لأنفسنا إن الرئيس لن يقابل جميعنا بل وأكثر من جميعنا هذا الذي ما أكثره! قالت السكرتيرة لنا إنه يجتمع بأحد السفراء العرب، وما علينا إلا أن ننتظر نهاية الاجتماع، فانتظرنا على أعصابنا، وكل واحد منا ينظر إلى وجه الآخر، ووجه الآخر قد صار نعلاً أو كندرة! تساءلت إن كان الرئيس سينادي على كل واحد منا حسب ترتيب القائمة أم أنه سيختار أولاً الأسماء اللامعة التي كنت أحدها؟ ترددت، قلت كلنا أسماء لامعة، فكل اسم ينافس اسمًا، وكل اسم يحقد على اسم. سمع من وصل قبلي اسمه بالغلط على لسان مناد من المنادين، فنهض نهوض جمل ذليل سيط بكرباج من غير توقع، ولما عرف أن المنادى عليه واحد آخر غيره، عاد إلى مقعده، وكأنه رُشق بخرية. قلت إذن هذا واحد من الأسماء اللامعة بالفعل، وإلا ما كان تفضيله لنفسه على الآخرين!

جاء وفد من رؤساء روابط القرى، روابط أنشأتها الشين بيت، ودخل على الرئيس مباشرة بصحبة الصحافية المقدسية. مر أبو مروان بن الحكم، ورماني ب: أما زلت هنا؟ قلت: ما زلت هنا! فضحك. قلت: لا تنسني! فطلب منه آخرون ألا ينساهم هم أيضًا. عاد إلى قاعة الاحتماعات، وموظفوه يحملون له كالعادة عشرات الملفات ليوقع عليها، عملاً بالمثل غير المعروف: أنا أوقع فأنا إذن موجود! ثم جاءتنا السكرتيرة، وقالت: الرئيس يعتذر عن استقبالكم لأنه منشغل مع وفد روابط القرى، من يريد منه مطلبًا عليه أن يدونه على ورقة، ويعطيني إياها.

دخلت على أبي مروان بن الحكم في قاعة الاجتماعات دون أن آخذ إذنًا من المراسل، فوجدته غارقًا في التواقيع. قلت له: خذ أوراقي، وامهرها من طرف الرئيس، فرفض، وقال اعطها للسكرتيرة. طلب مني ألا أحمل همًا، فهو سيوصيها عليّ. ألححت عليه أن يأخذها هو، فبقي عند رفضه. أعطيت أوراقي للسكرتيرة، وأنا أقول: الرئيس هو الباعث في طلبي، وهو من يريد رؤيتي. رمتني بنظرة مليئة بالاحتقار، وقالت من طرف لسانها: لا أظن! فجننتني. تماسكت، وقلت: دفع لي ثمن التذكرة، وسيدفع لي ثمن الإقامة، فقالت: لا أعتقد! رمت أوراقي بنظرة مشمئزة، وألقتها في غابة من الأوراق الأخرى. أردت أن أحشو بيغال في أمها! لكني قلت لنفسي هذه هي نتيجة التعامل مع صغار الناس وأوطأ الواطين من البشر! ضربت وجهي بنعل، وتركت أتفه الناس للرئيس كي يجعل منهم نوابًا وقوادًا ومستشارين.

وأنا لم أغادر السفارة بعد، سمعت أن الرئيس قد حبس قائد أمنه لأنه حاول اغتياله، وعين مكانه حارسه، من قال لي: يقولون لي اقتل فأقتل! فكرت في بنات الجولان لست أدري لماذا، وقلت لا بد أن شمس اليهود قد زادتهن جمالاً، ففقن بجمالهن جمال بنات الصيادين في بحيرة طبريا. كبرت رغبتي في تأمل مطواتي الماسية، لكني لم أفعل. تركت نفسي شراعًا يخفق في موج الرغبة، عبدًا طائعا للريح. تركتُني أذهب في الاتجاه الذي يمليه عليّ الطمع والتملك والسحق والمحو والتغوط على العالم، فوجدتني أقف أمام المطواة الكبيرة ليبدأ بيني وبينها شعور بالانجذاب الجنسي. وقفت مسحورًا بين يديها، أردتها بأية طريقة. ابتسمت للمطواة، فابتسمت المطواة لي، وعزمت على العودة إليها. ابتسمت لي البائعة الجميلة، فلم أبتسم لها. فتحت رسالة من اليراع المكسور، وفي اللحظة ذاتها أطلق أحد المتسكعين صرخة بعد أن وقع في أيدي حراس المتجر، وفي حوزته زجاجة خمر سرقها: إني حُرّ! أما أنتم فعبيد!

الصديق العزيز دمت سالمًا،

وأظنك غاضبًا من كسلي وقلة رسائلي، ولك في ذلك الحق كله، لكني أعتقد لو عرفت السبب لاقتصدت، فأنا أعاني في هذا العام من كآبة شديدة، أصبحت أجد الحياة عبئًا، وأرى في العيش سخرة، لا طعم للعيش ولا مذاق، وقد ازداد وضعي سوءًا في الفترة الأخيرة، والتعب النفسي –كما تعلم- ينعكس في إرهاق جسدي مستمر، وهذا ما يمنعني عن العمل والكتابة والقراءة، أفضل الانسحاب من العالم، ومتعتي الحقيقية هي النوم!

ومع ذلك، فإنني أحاول بقدر الإمكان أن أتجاوز حالتي، خاصة أنني من المصابين بالكآبة الدورية، أي أنها تترك لي، بين فترة وأخرى، بعض لحظات من الراحة، فأعود إلى الزمن العادي، وأمارس الكتابة، أكتب الرسائل إلى الأصدقاء. في هذا الإطار أعتقد أنك ستفهم سبب كسلي في الرد، إضافة إلى حياة شاقة مرهقة، لا من أجل "تكديس الأرباح" بل من أجل القدرة على العيش بشكل لائق نسبيًا، فأنا أعمل في مجلة "الهدف"، أكتب فيها مرتين في الشهر أو أكثر، وأكتب مرة في الشهر في مجلة "الحرية"، وكذلك في مجلة "قضايا وشهادات"، وأنا قارئ في دار النشر "عيبال"، جبلك الذي لم يعد يمكنه الانتظار في الدم والضباب! كل ذلك يسلب مني الوقت، ولا أجد فيه متعة، لا صغيرة ولا كبيرة، ولعل طبيعة الزمان الذي نعيش فيه لا تمنح تلك السعادة المفقودة التي نطاردها منذ سنين.

حبذا لو تكتب لي عن حياتك، كيف تعيش؟ وأين تعمل؟ وكيف تنظر إلى العالم؟ ربما يمكننا أن نتساعد، ويجد كل منا في الآخر سندًا له ودعمًا، فقد ضاق كل شيء، وأصبحت منافذ المتعة والأمل موصدة. بالنسبة لروايتك "النقيض" التي جعلت لها عنوانًا آخر "علي وريمي"، يقرأها الآن بعض القائمين على العمل في دار "عيبال"، جبلك اللافظ للدم والموت والأساطير، وسأكتب لك عن أخبارها في فترة قريبة. كنت أود أن أكتب لك رسالة مطولة، ولكنني أشعر بتوتر شديد، لذلك أستميحك عذرًا، وإلى رسالة قادمة.

مع صداقة اليراع المكسور

تلفنت لعباس أبي فضيح الكاسر للإبريق الصاعد على أذنه، فأخبرني أحد التوأمين اللطيفين أنه لم يعد من سفره بعد. شرحت له وضعي، فتأثر، واقترح عليّ أن أتلفن له ليلاً. تلفنت للدكتور واطي المستسلم، فسخر مني، وقال إن كان عباس أبو فضيح بطوله وعرضه قد فشل في أخذ موعد لك مع الختيار تريدني أنا أن أفعل لك شيئًا! قلت إنني أعمم الاتصال بكل الأصدقاء، فبدأ يحكي عن مشاكل المنتظرين للرئيس. قال إن من عادته أن ينقعهم الساعات الطوال على بابه، وينساهم، لا يتذكرهم إلا عندما يخرج مغادرًا، فيتصانع الدهشة، ويقول بلهجته المصرية الأبدية: الله! انت لسه هنا يا فلان! أو انت لسه ما رحتش تنام يا علان! ولا يفعل المنتظر مثلك إلا أن يعود لينتظر في اليوم التالي، ولتتكرر في اليوم التالي المعاناة ذاتها!

عدت أتلفن لعباس أبي فضيح، فلم أجده. أعاد أحد توأمي اللطافة ما سبق وقاله لي، إنه لم يعد بعد من سفره. خلته طوقانًا لا يألف إلا الجبال، فصارت بيني وبينه صداقة في الوقت الذي كان فيه عباس أبو فضيح بصحبة ايفا براون التي راودته عن نفسه، فقال عباس أبو فضيح: إني لست يوسف النبي الذي كانه يوسف، وفعل فيها ما لم يفعله يوسف النبي، ويوسف النبي ينظر إليه، ويشم عنه رائحة كريهة، كأنه في حلم أندلسي عفن رأى فيه جمعًا منا حفيانين كحيانين يفاوضون قويين مغترين على كلاسيننا، وقد جعلنا من واحد وهابي أو ثان آشوري أو ثالث فرعوني ناطقًا وحاميًا، وما هذا أو ذاك سوى لاثمٍ لقدمي تمثال العبودية، وعابدٍ، في الوقت الذي يقول فيه واحدهما عن الخيانة اللابسها رداء الوطنية بعينها، وإن أحرجه الوطنيون النادرون في عصرنا: إني خائن إن شئتم أم أبيتم، وإن شئتم أم أبيتم سأُوَلّى عليكم إلى أبد الآبدين! مر يوسف النبي بفلسطيني يشحد على أرصفة الأندلس الفائحة بالرائحة الكريهة، فقال الفلسطيني ليوسف النبي كما قال فرعون عن كل فلسطيني قال أعطني قطعة مال: إني أمثّل الفلسطينيين! جاء الرئيس، ولطمه، وقال كما قال فرعون عن كل فلسطيني قال خذ قطعة مال: إنك تمثل منظمة التحرير! فالسؤال إذن: كل فلسطيني يمثل منظمة التحرير أم منظمة التحرير تمثل كل فلسطيني؟ أجبت بالنفي فيما يخص كل فلسطيني، وبالإثبات فيما يخص منظمة التحرير، التحرير كما تفهمه النسور والشحارير، وإلا سيكون للرجال الجرذان الذين بصقهم التاريخ حق التمثيل أيضًا، فأين أنت يا تاريخنا؟ وأين أنت يا ممثلنا؟ وأين أنت يا ظلال حقنا الوارفة؟ في وهم المفاوضات القادمة... في كشكول المسترجلة على الفاضي، ومدلل الرئيس البيّاضي، وبكلام آخر حجر شطرنجه الضراطي! والآخر وما أدراك ما الآخر، تاج الخسة، أبو علاء الدين والمصباح الشحاطي، الخرف ابن الخرف مثل أخيه الشيخ السائحة شحمته، الخرع، الخولاتي، الذين أُمروا ببيع كل شيء تحت غطاء الفهلوة في السياسة والشطارة مع الأمريكان. هؤلاء الأحذية كلهم لا يمثلوننا، قالت الأشجار المقتلعة... يمثلنا من يقاتل بالحجر اليوم وغدًا بالرصاص، من يفهم نفي العدو المصيري له ومن القوة يأتي الإثبات، مِن نهر الدم لا مِن صفقة في مؤتمر يذهبون إليه مهزومين، يعرفون نتائجه مسبقًا، ويسبحون في الوهم، يغرقون في البول، في البغم، ويعبرون عن رضاهم أتم رضاء! كل هؤلاء المحتقرين، على رأسهم الرئيس، قد فشلوا، وعليهم أن يختفوا. لم يكونوا على قدر المسؤولية التي أُعطيت بالخطأ لهم، لم يفهموا هم روح عصرهم، ولالتصاقهم المبالغ فيه بذواتهم وبالأمر الراضخة له ذواتهم، لا يريدون أن يتركوا مسؤولية الحل للجيل القادم.

هرب أحد الضباط المتخاذلين من قدره الجبار، وفي أعقابه جرى يوسف النبي، وهو يطلق عليه النار، والرائحة الكريهة تصدر من كل شيء حتى من أنفاس الجبال، إلى أن قتله برصاصة أصابته في ظهره، فأثنى الرئيس على شجاعته، ودعاه بالبطل الشهيد. أمر قائد أمنه الجديد أن يأتيه بتاج الجنون، وضعه على رأسه، وابتسم لإيفا براون، فصفعته على وجهه، فأين يخبئ وجهه؟ وأين يدفن رأسه؟ اقترح على نفسه الذهاب عند المستسلم حتى النخاع والمسترجلة على الفاضي كي يحتمي بهما، فوجدها تعاشر إسرائيليا، وتضرب وجهها في جدار مستوطنة، ووجده يحسن إلى إسرائيلية، ويضرب قدمه في طين أزقة الضفة والقطاع المحاصرين بالجدران القائمة القاعدة! قال لم تكن هذه أوامري، فضحكا منه ساخريْن، وقالا نحن البديل للبهدلة، أنت الغباء، ونحن الغطاء! فهمهم بأي إمعات يرضى عنها الطرفان، الطرف الإسرائيلي والطرف الإسرائيلي، أتيت، فأخطأت! رأى فيهما وفي غيرهما مما رأى محاولات الذين يخنفرون ويشخورون مصدقين أنهم قيادة، فعزم على عزلهم جميعًا وأولهم المرأة المسترجلة، لكنه رآها، وهي تحاول أن تنزع جرة ماء من فم إسرائيليّ، والفم الإسرائيليّ يتشيث بجرة الماء لحد الموت لو يلزم إلى أن سقطت الجرة، وتكسرت، فأتى الفم الإسرائيليّ يشرب الماء من فمها الذي كان مالحًا، ومن فم الضفة الذي كان حلوًا، والرئيس يتابع المشهد مشفقًا، وقد دب في فمه الجفاف مُشِلاً.




























51
قلت لنيفين قمر الحنين حورية عيبال وجرزيم: سأضرب عن الطعام، وسأخبر وكالة الأنباء الفرنسية بكل شيء! فقالت: لن يسأل عنك أحد، وليس من عين العقل أن تخسر صحتك. سألتني إن رأيت صوصنا العام، من أعجز الزمن عن جعله ديكًا أو دجاجة، فهو هنا، ولربما استطاع أن يفعل لي شيئًا خارقًا. قلت في سري من الأفضل أن يلقوا به في القمامة هذا المغتصب للوظيفة، ومعه كل مغتصبي الغائط في إداراتنا! قلت هم هنا، على شاكلة رئيسهم، منذ أجيال، وهم هنا! في كل بلدان العالم، السفراء يتبدلون كل عامين، ثلاثة أعوام، وهذه الخراءات الصغيرة رازحة هنا منذ أجيال، هي، وكل الموظفين عندنا حتى اسكافيينا، تختخت على كراسيها منذ أجيال وأجيال. العار علينا! نظرت إلى محدثتي، وقلت يظل قمر الحنين ساذجًا. قالت: هذا واحد يأخذ حقه بالقوة! وراحت تحكي عما جرى بينه وبين حربي على مواطنيه. قالت إنه جاء إلى تونس، بالطبع هو وخفراؤه الخصوصيون، وفي الدرجة الأولى كما عي عادته، آلاف مؤلفة من الدولارات أضاعوها سدى، ليدفع له صرصار المالية السمين حربي على زملائه الصاعدين فاتورة التلفون، إحدى الفواتير، فاتورة طالب بها بالتلفون بضعف حقها إلى أن قطعوه له، وكأنهم قطعوا حبل سرته. هربت أمريكا من مرمى يده، وأوروبا هربت، وكذلك آسيا ومداسيا وأوقيانوسيا. صار بائع العسل الذي يحب أن يضعه بدل السكر في شايه، بائع العسل هذا الذي في حيه صار بعيدًا، وبائع الشمار الذي نصحته أنت بأكله ليظل ظهره قويًا غدا نقطة في باريس ضائعة، صار لا يعرف الطريق إلى الفيلاّ التي كتبها على اسم أخته ولا إلى وزارة الخارجية في الكيه دورسيه حين يدعوه بوابها. غادرته السياسة، وغدا على باب الدبلوماسية شحادها بعد أن اعتذر زميله القطري عن تسديد الفاتورة للمرة العاشرة، فزميله الإماراتي، فزميله السعودي، لهذا جاء من باريس كغصن تتفتح الورود في ظله حتى الساعة العاشرة، هو وخفراؤه الخصوصيون، إلى حربي على الدبلوماسيين نجوم الشاشة الصغيرة الذين يغير منهم حتى اللهط، وإن كان مثلهم مُهمّاً، فوقعوا عليه في حمام الشط قرب جثثنا في الأرض المنبسطة على أكف القنابل الإسرائيلية العنقودية، وتراموا عليها بعد أن أوقفوا سياراتهم في عرض الطريق منتظرين. وما انتظروا عبثًا، توقف حربي على مواطنيه وأمه وأبيه لأجل دولار لا يدفعه من جيبه لأخيه، وبعد أخذ ورد ووعد ووعيد، فتح قرن الخصب، وأنقد صوصكم العام على مضض منه مائة ألف فرنك من مبلغ الفاتورة، وأبقى الباقي إلى أجل غير مسمى لن يدفعه على التأكيد مدعيًا أن لا صرف عنده! المهم ابن دجاجتكم العام قد افتك من بين الأسنان الماضية ما يمكنه إعادة التلفون والعالم إلى غرفة نومه! قلت: العالم الذي لن أكون منه! كنت أظنني جزءًا من هذا العالم يوم كان لي صديقًا، لكنه أغلقه على نفسه بعد أن جعلتني حقل ذرة مسيج لا تصله المناقير! اعتذرت، وقالت: حاول إذن مع قائد أمن الرئيس الجديد، فهو جديد، وقائد أمن الرئيس.

نظر قائد أمن الرئيس يمنة ثم يسرة، فوجد أن الحراسة عليه مشددة، تفوق حرس الوردتين! ابتسم، ونادى على حراسه ليبعثوا بالكراسي التي اشتراها قائد أمن الرئيس السابق من بره إلى بيته. دخل على الرئيس، والرئيس ينظر بالمنظار إلى صور أطفال الحجارة في التلفزيون، وإلى بحوردمهم. قال يجب تعميم سياسة القابضين لإنجاح الانتفاضة حتى قيام الدولة على أرض فلسطين. قدم قائد أمن الرئيس للرئيس مرسومًا بإعدام قائد أمنه السابق، فرفض أن يلوث بدمه يديه، وقال ليوقع عليه الرقم الثاني.

لم يقابلني قائد أمن الرئيس الجديد، فلم أتوسط حارسه الشخصي رغم استعداده لعوني. ذهبت لرؤية أبي منيف الأنف الوطيء، فوجدت عنده الشويعر الدحبوري، وهو يضع على عينيه نظارة سوداء، وأبو منيف الأنف الوطيء يقول إنه أعظم شاعر في العالم! قال لي أبو منيف الأنف الوطيء، وهو يلطع وجهه بابتسامة لا لون لها ولا طعم ولا رائحة إن الشويعر الدحبوري قد غدا نائبه. تذكرت ذاك الذي لا تطلع بشيء معه، لا تطلع بشيء منه، فقلت وأبو الهيثم لا أخلف الله عليه؟ امحت ابتسامته كأثر ظفر لبطة في الماء، وقال إنه الملف الذي كان يحمله على الدوام، فلم أفهم. قال لقد عُين مستشارًا للرئيس. لم ينهض الشويعر الدحبوري كما هي عادته تاركًا إياي وحدي مع مديره، ظل جالسًا على عيني، يحتسي قهوته ببطء، ويرميني بنظرة متحدية من تحت نظارته الهولوودية. قلت لأبي منيف الأنف الوطيء إنني في هاوية أملي، فليأخذ أوراقي، ويمضيها عني من طرف الرئيس، قمة يأسي، هكذا يخلصني من ورطتي. طلب واطي المستسلم على التلفون، فقال له في الحال، وكأنه متفق معه، كما بدا لي، إن الرئيس قد حدد لي راتبًا قدره ألف وخمسمائة دولار بعد أن أقرأته السكرتيرة أوراقي، وإن عليّ أن أغادر تونس إلى باريس، وهم سيتابعون الأمر مع التخطيط الذي سيتابع بدوره الأمر مع المالية، أي مع حربي على أصدقائي وسلمي مع أعدائي! جن جنوني، قلت انتظرت أربعين يومًا، وإني عازم على لقائه. زم شفتيه، وقال إن أردت أن تنتظر أكثر كي تلقاه، فانتظر، لكن هذا الذي تم. تمالكت نفسي، ولم أرم أهرامات الملفات التي على مكتبه أرضًا، قلت: ألف وخمسمائة دولار لا تكفي ثمنًا لحفاضات ابنتي الصغرى دينة الدنيا! أجاب بتعال: هذا ما حصل! ورماني بنظرة الواطئ المتعالية، والشويعر الدحبوري يرسم على شقتيه بسمة الهزء والسخرية! أرعدت: بعد انتظار دام أربعين يومًا تأتون لتقولوا لي هذا! بعد انتظار دام أربعين يومًا تعيدونني إلى نقطة الصفر! قال: هذا كل ما استطعنا عليه، اعتبره مساعدة، ونحن لا نمنعك من أن تعمل عملاً آخر. قلت: سأعمل في كرخانة، فهل هناك عمل آخر؟ وبعد أن ضيعتم عليّ كل أعمالي بما فيها عمل القواد هل سأجد عملاً آخر؟ وفيما لو وجدت عملاً آخر غدًا مشاكل اليوم كيف سأحلها؟ كيف سأرفع أطفالي من مخراتكم؟ وهل تفكرون أصلاً في أطفالي؟ لم أكن أشحد قبل أن أطرق أبوابكم، لم أكن شخصًا عاديًا. أين أذهبتم تقديركم؟ أين اغتلتم احترامكم؟ هذه معاملتكم لي أنا، فكيفها مع الفدائي ومطارد النحل والمواطن البسيط؟ يا أيها الشخّاخون! يا أيها الخرّاؤون! يا وزراء دولة المخصيين وسعادات سفراء أنذالنا الساعين من وراء تسديد فواتيرهم على حسابنا! نهضت إلى الباب الديناميتي دون أن أسلم عليه، ففتحه لي، وهو يخبط على زر بقدمه، وسمعته يقول في ظهري: الوداع! ثم انفجر ضاحكًا مع أعظم شاعر في العالم!

سرت في شوارع تونس المدنسة الساعات تلو الساعات إلى أن وجدتني ألهث على مقعد في الملعب البلدي. كان بعض الأولاد يلعبون كرة القدم، وكان أحدهم قد سألني عن الوقت، فرفعت له كم القميص عن ساعتي. قال لي: لا عقارب لساعتك! قلت له: خذ، هذه الكتب لك، الوقت فيها! أنت ستقرأها، وستعرف أي وقت هو، أما الرئيس، فسيلقيها في سلة المهملات. أخذها، وهو يلهج بآيات الشكر. نسيته في اللحظة التي تركني فيها، فكأنه لحظة مضت، ونسيت لِمَ كنت هناك، وكأنني وقتٌ أضعته! وعندما أردت النهوض إلى فندقي، احتل الملعب عشرات الجنود وعشرات رماة النار الطليعيين. جاءت سيارة مرسيدس سوداء مصفحة، ونزل منها الرئيس ليلعب كرة القدم مع الأولاد. كان المتجمهرون قد دفعوني بعنف إلى أن وجدت نفسي في آخر صف. صورته الكاميرات، وأدلى بتصريح، وهو يلف طفلين بذراعيه، أنه لم يتزوج، وبالتالي لم ينجب، لأن كل الأطفال الفلسطينيين أطفاله. رفع علامة النصر من فوق الضماد، وراح يضرب قائد أمنه الجديد مقعرًا أين هي زمرة لاعبيه المختارة؟ التفت إلى الكاميرات متهتهًا: ويدخل المؤمنون الجنة زُمرًا! قال إنه لا يطلب القمر، وإنما يطالب بالشرعية الدولية! ثم راح بصوته ناهقًا: نعم للوحدة الوطنية! نعم للديمقراطية الفلسطينية! نعم للانتفاضة! نعم للقدس الشريف! نعم للدولة! وحذار يا عرب من المؤامرة الدولية التي بلغني خبرها عن طريق أصدقائي السوفيات! ثم نادى بتجاوز أخطاء الماضي وعدم تكرارها، وردد ثلاث مرات: اللهم إني أبلغت! فبكى البعض من فرط التأثر. وعلى حين غرة، انبثق من الجمع قائد معركة بيروت الذي التقيته ذات مساء في مطعم الفندق انبثاق البراعم من الأغصان اليابسة، وغرز أسنانه في يد الرئيس المضمدة، وراح بها عضًا، والرئيس يصرخ إلى أن خلصه منه رجال أمنه بعد أن أطلقوا الرصاص بين قدميه، وهو يقفز بفريسته كالطابة. فكرت لست أدري لماذا في الأوروبيين، في الفرنسيين خاصة، وتمنيت لو كانوا هنا ليروا محميَّهم في شخص الرئيس، وهو يقفز كالمغفل المهترئ: يدعمونه تحت ذريعة "الشرعية" التي له كما يرون، وفي الحقيقة لأنهم لا يجدون شخصًا مثله بائعًا لكل شيء حتى للباسه! بالنسبة لهم لم يزل للرئيس دور يلعبه، ومع ذلك، فقد كان سيئًا جدًا في لعب الفوطبول! الأوروبيون خراء، وليس أوروبا، جدتي القديمة، ضوئي القديم، ثقافتي الجديدة، لأن في رؤوسهم لا يوجد إلا الخراء! الفرنسيون خراء، وليس فرنسا، زوجتي، عاشقتي، حبيبتي، لأن في رؤوسهم لا يوجد إلا الخراء! الأمريكيون خراء، وليس أمريكا، حبي الأول، قُبلتي الأولى، حلمي الأول، لأن في رؤوسهم لا يوجد إلا الخراء! العرب خراء، وليس مصر، وليس سوريا، وليس الأردن، وليس اليمن، وليس الحجاز، وليس ليبيا، وليس تونس، وليس الجزائر، زوجاتي، حريمي، أو أزواج بناتي، لأن في رؤوسهم لا يوجد إلا الخراء! ولكن الخراء الأكبر هو الرئيس الذي لا يمثل إلا نفسه وقواودته من حوله.

راح رجال أمن الرئيس بالقائد المجنون ضربًا! رأيته يلوك قطعة اللحم التي اقتطعها من يد الرئيس بأسنانه مرتاحًا، والرئيس يضغط على دمه المتفجر ملتاثًا ساعيًا إلى مغادرة المكان بأقصى سرعة. وما هي سوى بضع لحظات معدودات حتى افرنقع الكل، وعاد الهدوء إلى الملعب البلدي. عاد الهدوء إلى أشجاره، وإلى عصافيره، وإلى بائع ساندويتش البيض المسلوق بالهريسة. عاد الهدوء إلى كل شيء من حولي ما عداني. فقدت التركيز، وتساءلت كيف الذهاب إلى فندقي؟ كان الماء قد جف في رأسي، وفي عقلي، وفي عرقي.

وجدتني أدخل على أبي مروان بن الحكم كقرنفلة محطمة، فسألني عن أمري؟ أعدت عليه كل ما قاله أبو مهين الأنف العالي لي، فطلب مني أن أكتب كلمة في ذلك يجري التوقيع عليها بنفسه من طرف الرئيس. لم أقل إن يد الرئيس أُعطبت لفترة ليست محددة، وأذعنت لمطلبه. وبينما كنت منهمكًا في كتابة الكلمة، إذا بأحدهم يجلس مقابلاً إياي لم أنتبه لوجوده، قام، وقال لي: أنت فلان ألم تعرفني؟ قلت: لم أعرفك. قدم لي نفسه قائلاً إنه سلمان ابن أبي هرف البوكاسي، فعرفت فيه الآكل للحم الآدميين مع بوكاسا صاحبه لما كان إمبراطورًا. تذكرته لما كان فاشستيًا صغيرًا في باريس، لا يعرف الحوار إلا بعضلاته. أعطاني بطاقته الشخصية بالفرنسية، فقرأت: سلمان البوكاسي مستشار الرئيس. تركني أُنهي كتابة كلمتي، وهو يكتب ما يريد قوله لأبي مروان بن الحكم كتابة لئلا يسمعه أحد من الحاضرين، وأبو مروان بن الحكم يقول بصوت عال: جاسوس! كيف عرفت أنه جاسوس؟ وسلمان البوكاسي يتلفت حواليه، يجيب كتابة، ويهمس، وأبو مروان بن الحكم يقول له ساخرًا: كل الناس في عرفك جواسيس! نطق سلمان البوكاسي: أما عن هذا الشخص، فقد أوقعته في المصيدة بنفسي، وتصور أنه كان على موعد مع الرئيس في اليوم التالي! كتب له عن خدمات يطلبها منه، وسمعته يقول إنه يبحث عن شبان وطنيين يعرفون اللغة الفرنسية ليعينهم في السفارات المسؤول عنها بأفريقيا السوداء. اقترح أبو مروان بن الحكم نائبه اللقلق الحزين، فقال سلمان البوكاسي إنه لا يعرف الفرنسية. فكرت في أخي أيمن المسامير، وقلت سأكلم سلمان البوكاسي عنه على الهاتف. كان قد لفني من كتفيّ، وهو يقول لأبي مروان بن الحكم إنني صديق معارك خضنا غمارها معًا في باريس! معًا وجهًا لوجه أم جنبًا لجنب، لم يوضح، وأوصاه عليّ. حالما خرج، أخذ الجالسون بانتقاده: أن الكل جواسيس في نظره، بينا كل واحد يوظفه يريد أن يكون له جاسوسًا. وراح الكل يحكي عليه، أنه يبقى " يبغول" في باريس في الوقت الذي يرسل فيه واحدًا يأتيه برسائل للرئيس من الرؤساء الأفارقة، ليعطيه إياها بعد ذلك قائلاً الرئيس الفلاني يسلم عليك والرئيس العلاني يدعوك عنده! صاحت الصحافية المقدسية بصوتها المقعر: ثورتنا ما أروعها، وثوارنا ما أروعهم! عندئذ، اخترق اللقلق الحزين مكتب السفيركالسهم، وحكى على مسمع الجميع ما جرى للرئيس في الملعب البلدي. قال إن حالة يد الرئيس خطرة من أثر العضة، ولربما أُصيب بالتيتانوس، وهو لهذا طلب أن يأتوه بأخيه الطبيب فوفو رئيس مستشفى فلسطين في القاهرة ليعالجه، فقد سبق له أن عالجه من عضة كلب مصري على باب كنيس الدقي، وخبر الأمر معه. أضف إلى ذلك أن لا ثقة للرئيس بأطباء تونس، وهو قد أرسل لأخيه طائرته الخاصة ليحضر دون تأخر! كان أبو مروان بن الحكم قد غادر مكتبه دون أن يسمع آخر كلمات نائبه، وكانت الصحافية المقدسية قد انفجرت تبكي، وتولول، بينا سقط اثنان أو ثلاثة من الموجودين على الأرض مغشيًا عليهم. رشقوا وجوههم بالماء، وأخذوا من هي حالته خطرة إلى أقرب مستشفى.

تذكرت في أي فندق أنزل، لكنى لم أعرف كيف أذهب إليه. أخذت تاكسي أوصلني، وما أن دخلت غرفتي حتى قرع الهاتف. كان أحد التوأمين اللطيفين، رجاني أن أعده بألا أقول إنه هو من اتصل بي، فوعدته ألا أقول. قال: سأعطيك عباس أبا فضيح. أعطاني إياه، فراح بي مرحبًا، وكأنه يتكلم معي مثل كل مرة لأول مرة. قال لي: أنت وأدبك واسمك وصيتك! أوضح أن أمره ليس بيده، فقد اضطر إلى السفر. قلت لنفسي لم يسمع بعد بما حصل ليد الرئيس، والكل سمع بلقائه في لندن مع بعض الرسميين الإسرائيليين. قلت له: الرئيس اتخذ قرارًا ماليًا بخصوصي، ولم تعد بي حاجة إلى رؤيته. فتحت مطواتي الصغيرة، ورحت أتأمل ماسها، وماسها يشتعل في قبضتي. طلب عباس أبو فضيح أن أبعث له بكتبي الجديدة، ثم أقفل. تناولت بعض كتبي المطبوعة في تونس، وبمطواتي أخذت فيها طعنًا وتقطيعًا. ولما التقيت بعباس أبي فضيح في باريس فيما بعد لم يسلم عليّ، لم يرحب بي، لم يقل لي أنت وأدبك واسمك وصيتك، تجاهلني تمامًا. ذهب مع إحدى الصحافيات الأجنبيات المومسات الموساديات اللواتي يثرن الرغبة في التقيؤ، وامتطاها في حيضها مثل طور يمتطي طورة!




















52
تركني أبو مروان بن الحكم أجلس في قاعة الاجتماعات، سمعته ينادي عليّ في الممر، وأنا أحسب أنه غادر السفارة إلى الرئيس الذي ينتظر قدوم طبيب ألماني بين لحظة وأخرى، لأن أخاه فوفو كان منشغلاً مع عصابات مهربي الدواء في خان الخليلي، وقد أرسل طبيبًا بدله رفضه الرئيس رفضًا قاطعًا، وهو يزبد، ويرغي، فهذا واحد شهادته مزورة، وهو قد أحضر لمعالجته مسحوقًا من الأسبرين وإبرًا من الماء المعقم. ولكن لا! ردت ايفا براون. إنه طبيب يقتل مرضاه من أجل أن يبيع أعضاءهم بثقلها ذهبًا. هذا أسوأ من أي شيء، يا ايفا العزيزة، همهم الرئيس. تريدين موتي أم ماذا؟ أنا لا أريد الموت لأحد، أجابت ايفا براون، أريد فقط أن تغير العضة شيئًا من توقيعك الشبيه بفلسطين. وما المزعج في الأمر، يا ايفا العزيزة، سأل الرئيس ببعض الخوف. أريد أن يرفض البنوك في سويسرا شيكاتك لأوقع عنك، قالت ايفا براون. ولكن، أيتها العزيزة ايفا، فلسطين، إسرائيل، أو غيرهما، يمكنك منذ الآن أن توقعي عني بتفويض صغير مني. لا، صاحت ايفا براون، لا أريد تفويضًا، أريد أن أوقع عنك على شيكاتك الكبيرة. أهذا كل ما تريدين، يا ايفا العزيزة؟ وهو يحاول التبسم لكن الوجع يمنعه. نعم، هذا كل ما أريد. أنا حاضر لكل ما ترغبين، يا ايفا العزيزة. ولأن الرئيس لا يريد طبيبًا تونسيًا ولا عربيًا اقترحت ايفا براون أن تحضر له طبيبًا نطاسيًا من تل أبيب، فرفض مرة أخرى رفضًا قاطعًا، فليس هذا وقته الآن، لكنه قبل في الأخير بطبيب ألماني من بلدها: لأجل عينيك الآريتين، يا ايفا العزيزة، قال الرئيس.

بقيت أنتظر حائرًا في قاعة الاجتماعات، فإذا بصوت أبي مروان بن الحكم يطلع عليّ من جديد مناديًا، وحين قمت إليه، جاءني اللقلق الحزين، وقال إن أبا مروان بن الحكم سيدفع لي ألفي دولار، وسيسدد فواتير فندقي، وسيصرف لي تذكرة سفر على أن أسافر غدًا في أول طائرة. قلت فليجعلها ثلاثة، هكذا أتمكن من دفع إيجار بيتي شهورًا ثلاثة، وصاح الرجل الشريف فيّ ذبيحًا: هل أكذب بربك؟ قال: الكاتب لا يكذب. كان يقصد الكاتب بوصفه صاحب مبادئ أولى فضائله الصدق لا بوصفه فنانًا يؤمن بفضيلة الكذب. راح يجري في أثر مروان بن الحكم، وقد غادر السفارة هذه المرة، ثم ما لبث أن عاد، وقال حزينًا دومًا لا يعرف وجهه الابتسام أبدًا: استطعت اللحاق به، وسيدفع لك ثلاثة آلاف أقصى ما يستطيع عليه، فتعال معي عند غازي القلوب نبلغه أوامر سعادته.

أنقدني غازي القلوب في الحال ثلاثة آلاف دولار أخرجها من خزانة مصفحة فيها الكثير من الأرجوان، وهو يتمنى أن يحل المبلغ بعضًا من مشاكلي، قلت لن يحل شيئًا كبيرًا، فقالت الصحافية المقدسية الجالسة في ثياب الحداد أمام سيدي المصطفى الحائر: المهم أن تعود إلى أطفالك! بدأت الدموع تتفجر من عينيّ، فلا مياه الفرات مثلها ولا مياه النيل. أحسستني حشرة انسحقت، دودة انهرست، مستنقعًا من البصاق! عاد اللقلق الحزين، فوجدني أبكي، لكنه غادر مكتب غازي القلوب بسرعة دون أن يقول كلمة واحدة. أعطاني غازي القلوب أوراقًا للحصول على تذكرة السفر، وأخرى لدفع فواتير الفندق. سألني إن كانت عندي مكالمات دولية، فقلت كنت أتلفن من البريد. أمسكني من كتفي، وأدناني منه. سرد علي حديثًا نبويًا الله ما أجمله ترك وقعًا كبيرًا في نفسي دون أن أتمكن من الوقوف على جمله وكلماته. التقطت كلمتي "جناح بعوضة" كالمطر، كالغوث، ألح عليهما غازي القلوب بقوله: حتى جناح البعوضة، فتصور!

ذهبت إلى التونسية، فكان الحاسوب معطلاً، عدت بعد ساعة، وحجزت في أول طائرة تغادر تونس في الغد. كان موعد إقلاعها في ساعة باكرة فجرًا، والفجر في تونس ليس فجرًا، إنه شروق الجراح! عرجت على إحدى المكتبات، واشتريت قاموسًا. بحثت عن كتب لي، فلم أجد لي كتابًا. سألت عن اسمي إن كان صاحب المكتبة يعرفه، فلم يعرف لي اسمًا. مشيت في شارع الحرية، فوجدتني أقف أمام المطواة الكبيرة. حدقت فيها، وحدقت فيّ. أردتها بكل قواي، وأرادتني بكل قواها. كنت خائفًا مترددًا، أخشى عيني البائعة الجميلة، وفي الوقت ذاته أرغب في امتلاكها بأي ثمن. كان الشعور بحرية السطو على ما أشاء يغزوني من كل مكان بعد أن نجحت في المرة الماضية، رغبت في إشعال ماسها بدم أصابعي. كان بإمكاني أن أشتربها بدنانير أبي مروان بن الحكم، فقد رأيتها تباع في السوق السوداء بثمن زهيد، لكني عزمت على سرقتها مثلما سرقت المطواة الأخرى الصغيرة التي لم تعد تفعل فعلها السحري فيّ. لم أخش في نفسي رقيبًا، ولم أشعر بثقل لضمير أيًا كان صغيرًا. كنت حرًا أمام المطواة الكبيرة، وكنت مغامرًا وُلد لتوه. اقتربت البائعة الجميلة مني، فغادرت المكان بعجلة، وأنا أعزم على العودة مع الشاعر الصعلوك.

تلفنت لسلمان البوكاسي، فسألني متى سأسافر، قلت غدًا فجرًا، قال خذ سيارة أجرة، وتعال، معك العنوان؟ قلت معي. كان العنوان في المنزه الثامن، والمنزه الثامن أشبه بأمعاء الأفعى. تاه سائق التاكسي، ولم يعرف أحد ممن سأل أين العنوان. قلت له: اذهب بنا إلى مركز المنزه الثامن، ففي مركزه بيت المقدس، وبيت المقدس هو العنوان. لكنه جعلنا ندور في متاهة، ولكثرة ما دار بنا، أحسست أنه يلج في جهنم.

عرفت فيلا سلمان البوكاسي من كثرة السيارات التي على رصيفها ورصيف الفيلات المجاورة. قال لي سلمان البوكاسي إنها فيلات لواطي المستسلم ولعباس أبي فضيح ولآخرين، وما كثرة السيارات هذه التي يقتنونها إلا للتمويه. أردت أن أقول له زوجاتكم أيضًا يستعملنها للتمويه عند الذهاب إلى جنة سيدة ليل تونس الطويل، لكني أطبقت على فمي السكوت. أجلسني في صالونه أمام صورة له، وهو يلف كتفي الرئيس بذراع حنونة. جاءت امرأته، ففاجأتني بلطفها، وجاء أولاده وبناته، أولاد رائعون أذكر منهم محمدًا العربيّ الذي كان مريضًا، وبنات من أجمل ما أعطاه بطن فلسطيني. حكينا عن كل شيء إلا عن "معاركنا" الباريسية. قلت الرجل تغير، وتغيرت مشاعره نحوي، خاصة عندما قال إنه قرأ "المسار" لما كان يتعالج على حساب الصليب الأحمر الفرنسي، بعد الخروج الأخير، في باريس. رفع صوته مضيفًا: الرواية التي تدافع فيها عن الشيوعيين! عرفت أنه يخلط بين "المسار" و"العصافير لا تموت من الجليد"، لأن في "المسار" لا يوجد شيوعي واحد متيم أو يتيم، وقلت لنفسي لم يزل الرجل يحقد على الشيوعيين. حَزِنّا على صديق مشترك اغتيل في باريس، فحثتنا زوجنه اللطيفة على أن نعيش يومنا. بدت متذمرة من المصاريف الكثيرة الضخمة التي تنفق على نزلاء الفنادق حين علمت أني قضيت أربعين يومًا فيها، واقترحت أن يقترح زوجها على رئيسه بناء فندق، فهز رأسه موافقًا. كانت خائفة على أموال الثورة خوفها على أموالها، ولم تتركني لحظة واحدة أستفرد بزوجها. حكيت له عني، وعن أمور الدنيا كلها، وهي قاعدة، قلت فلأحك عن أخي أيمن السيوف أمامها. سمعت سلمان البوكاسي يقول لو كان يعرف بوضعي لعينني سفيرًا في إحدى دول أفريقيا السوداء المسؤول عنها، فحدثته عن أخي أيمن سيوف العرب العاربة. أعطيته طلبات بشأنه، وأكدت إنه يتقن الفرنسية. قرأها، ورماها جانبًا. سألته أن يعمل على إمضائها من طرف الرئيس، فقال إن شاء الله! سألته متى؟ فقال الله يعلم! أخذ في نقد المحجب بالتشادور، قال عنه "بيروقراطي ومعقد ولا يُحتمل". كل مصائبي منه لا شيء إلى جانب مصائب زوجة واطي المستسلم إلى أن قرر واطي المستسلم أن تترك شغلها، وتقعد في البيت أحسن لها. اتصل بواطي المستسلم هاتفيًا، فقالت زوجنه إنه مسافر في مهمة، وسيعود الليلة. لم أحك له بالطبع عن مشروعي مع محمد العبري لئلا أصبح جاسوسًا ابن جاسوس في نظره. سمعته فجأة يهمهم: لو كان أخوك يعرف العبرية لشغلته في إحدى شركاتنا المنافسة للشركات الإسرائيلية في أفريقيا. جاءه تلفون من أحد اللصوص في أفريقيا، فهمس أوافق باسم المنظمة، ثم جاءه تلفون من أحد اللصوص في المنظمة، فهمس أوافق باسم أفريقيا. سمعته يسب عبد العزيز عار فلسطين، ويحلف أن يعيده من الكونغو خلال يومين، وأن يجعل منه "كنغ كونغ" قزمًا؟ أوصلني سائقه إلى فندقي بسيارته الجديدة الطويلة بطول حافلة بعد أن أوصاه الوصايا العشر: ألا يصدمها، ألا يدعس بعنف على فراملها، ألا يغبرها... ألا... ألا... ألا...

في المساء، اتصلت بسلمان البوكاسي بخصوص أخي ايمن السيوف على أعناقهم، وقصدي الإلحاح، فاستفبلني ببرود عاهرات أورشليم، برود منقطع النظير. قلت عاد واطي المستسلم إذن، وكلمه عن محمد العبري الخائن للتوراة والإنجيل، والآلاف المؤلفة التي سيدفعها لي من جيبه؟ أوضحت لا يجيء إلحاحي إلا لأن أخي ايمن السيوف على أوتادهم منذ عامين وهو بلا عمل، فرقعني بالجواب التالي: إنشاالله ميّة؟ وأنا إن لم أوافق، فلن يتعين؟ حملت نفسي، ورحت أسرق المطواة الكبيرة. كانت في شارع الحرية حركة غير عادية لبعض الشبان المتجمعين هنا وهناك، ومن حولهم عشرات العساكر. وأنا أخترق تجمعاتهم، ناداني الشاعر الصعلوك، وقال لي: هذا هو نظامنا السياحي! تجده مدعومًا من طرف الغربيين من أجل شمس هذا البلد وشواطئه. نظام متخلف في كل شيء، أما في مادة القمع، فهو الأكثر تقدمًا: أسلحة ومعدات الكترونية من أحدث ما يكون، والمعارضون يلقى بهم في السجون بالآلاف، ولا يترددون عن تجريمهم بوضع المخدرات في بيوتهم دون علم منهم. الكل يعرف هذا، بمن فيهم أولئك الذين بيعت لهم شواطئنا ونساؤنا، والكل لا يعرف! وهتف: اشهد لصالح أول قصيدة أُلقيها الليلة على الجنود الذين يحاولون حصارنا. ألقى حجرًا سماقيًا، وانطلق صياح الشبان: نريد هواءًا، نريد خبزًا، نريد شغلاً، يسقط الزمن القذر للقذرين؟ فهبت السموم التي كسروا قيدها، وأطلقوها من مواطن البدو والآلهة؟

كان بعضهم قد دخل الأروقة التونسية، وراح يسرق كل ما تقع عليه يداه. ذهبت مباشرة إلى مطواتي، وتناولتها بسعادة النيلوفر العظمى، وبشعور أعظم بالحرية، فإذا بالبائعة الجميلة تقبض عليّ من خناقي، وتتشبث بي تشبث الساحرة بكفّارة. لم أر أقبح منها في تلك اللحظة، ولا أقحب منها. كانت قد انقضت عليّ كغابة من الميموزا المِسخة، وأنا لم يعد يمكنني الإفلات. جاء رجال الشرطة، غلوا يديّ، وقادوني كأي لص، كأي مجرم.

53
رموني في سيارة الشرطة، أطلق سائقها نفير الإنذار، وراح يسوق بسرعة جنونية، وهو يشتم كل من يعيق طريقه. وصلنا مركز الشرطة بلمح البصر، ودفعوني بيديّ المقيدتين في زنزانة التوقيف. اختنقت من رائحة الدم والجافيل، وشعرت بقبضتيّ تؤلمانني أشد الألم. سمعت ضربات بسلسلة حديدية، وصرخات مختنقة، فانقبض قلبي من الرعب. دفع الشرطي سائق السيارة بسرعة جنونية باب زنزانتي الحديدي، وأخذني إلى مبولة. فك قيدي، وسألني إن كنت مدمنًا على المخدرات أو مصابًا بالسيدا. أمرني أن أُفرغ كل ما في جيبيّ، وسجل كل ما بحوزتي بما في ذلك المطواة الصغيرة. تهكم مني: وهذه أيضًا سرقتها؟ قهقه، وقال: ستنال عقابك؟ جعلني أخلع حزامي، وسجله مع باقي أغراضي. أمرني أن أخلع كل ثيابي، فقلت لست مجرمًا لأعامل مثل هذه المعاملة! ضربني على ظهري بعصاه الغليظة، فأذعنت. قال: انزل لباسك، وانحن إلى الأمام. أنزلت لباسي، وانحنيت إلى الأمام، فأخذ يبحث فيّ. أمرني بعد ذلك بارتداء ثيابي، وهو يسدد وجهي بصفعة نزف لها أنفي. دخت، وقلت إن صحتي ضعيفة، فعاد يقهقه. قيدني من جديد، ثم جذبني من كتفي، ورماني في زنزانة التوقيف.

رأيت رجال الشرطة من خلال القضبان، وسمعتهم، وهم يغنون أو يصفرون أو يلعبون بالكلبشات، يفتحونها، ويقفلونها، يفتحونها، ويقفلونها، يفتحونها، ويقفلونها... أو يدغدغون زميلاتهم الشرطيات، وهذه تضحك ضحك المومسات. يفتحونها، ويقفلونها، يفتحونها، ويقفلونها، يفتحونها، ويقفلونها...

انتظرت ساعات، وأنفي ينزف، جاءوا الشاعر الصعلوك وبعض رفاقه في الزنزانات المجاورة، وراحوا يضربونهم بالسلاسل، والشاعر الصعلوك لا يتوقف عن إلقاء القصائد. جاءني ثلاثة من رجال الشرطة، وكل واحد منهم يلف قبضته بسلسلة حديدية، وشرعوا بضربي، وأنا أصرخ قائلاً إني سأدفع ثمن المطواة، وإن جرمي لا يتناسب مع كل هذا العقاب. لكنهم أسقطوني في حالة من اللاوعي واللاحق واللاعدل، في حالة أقرب إلى حالة حارس الغابات المحترقة الحارق للجمل الإثباتية. قالوا تريد أن تعمل بطلاً، فقلت انتهى زمن البطولات، انتهت أزمان مصعدة، انتهى زمن القتال حتى الموت، لم يعد المقاتلون يعولون على دعم العالم لهم في حالة الصمود، انتهى زمن كسب الوقت والحظي بالتأييد. قالوا أردت أن تموت في سبيل قضيتك، فقلت لم أرد شيئًا آخر غير سرقة المطواة. دخلت في العالم الوادع للمطواة التي لم أقطع بها عرق معصمي، وقلت فلنحم أرواحنا لئلا تذهب سدى، ولنمنع أنفسنا من الموت باطلاً مرتين، فالموت هو السائد، الموت هو السيد؟ مضت بخيالي الهالات المتفاخمة للكُتّاب المحللين والسياسيين والصحافيين، وانهارت كلها في الدم والجافيل. سعى رجال الشرطة القذرون أولئك إلى إثارتي بالتبول على كتبي، فقلت لم أعد أهتم بشيء. أوصلونا إلى مرحلة القبول بأي شيء، بأقل شيء، أنا والشاعر الصعلوك وكل ملعون أو مجنون. إلى مرحلة الرضوخ لأي شيء، لأقل شيء. لم يعد يهمنا شيء البتة، وقلنا فليفعلوا، وليفعلوا. نجحوا في هدمنا، في تخزيقنا، نجحوا في جعل كل واحد منا مستوطنة. رحت أبكي بدل الدمع دمًا، وأنا أعتذر لكل الذين أسأت إليهم، للذين احترقوا في زنازين حمام الشط، للذين ماتوا ممن أعرف دون أن أودعهم. قلت كل ذلك كان ثمنًا لحب اللاحرب، وحب اللاخطر، وحب اللاإلزام.

ذهبوا ليعذبوا الشاعر الصعلوك وأصحابه من جديد، تبدى لي كل القذرين من عندنا، وهم لا يرفعون النظر عن حذاء القادم من بحر الظلمات، من أقنعَهُ دَمُنا أن هناك منا من يرى في مصلحته القيام علينا رجل أعمال من السوق إلى السوق من الانتحار إلى الإبرة هو وابنته العاق معه من الأبد إلى الأبد. أدخلوني في حالة من اللاشرعية واللاأمن واللامصير بعد أن صانوا الحالة بحالات من التقوى، جاءوني من سهوب الصقيع التي غدت بعد عزلي موقعًا تجاريًا هامًا برأس دب يقذف الدم على رأسي، فرحت أصرخ صراخ المجنون أني لن أسرق أبدًا مرة ثانية، وأبوح بوح المجروح أني من الجبناء الذين لم يعلقوا على مقدمة قالت في الأرذال منا وعلى رأسنا صاحب أخ المتفائم؟ جاءوني بسلاسلهم ليثقوا أني جيفة من نابلس وثانية من غزة وثالثة من حيفا ورابعة من تونس وخامسة من الجزائر وسادسة من طرابلس وسابعة من القاهرة وثامنة وتاسعة وعاشرة وألف من شتى العواصم الخاضعة، وعادوا إلى ضربي. أعادوني إلى قرطبة المنعزلة عن العالم، فقابلت المهرجين منا الذين منذ عشرات السنين، وهم يضحكوننا في سيركهم المتنقل، وهم يتساقطون على الحبال واحدًا تلو واحد، الذين لعبوا آخر دور لهم في آخر حفلة، الذين مثلوا آخر ملهاة بعد آخر فاجعة. كان على غيرهم أن يعيد توزيع الأقنعة، لكن غيرهم لم تكن له بالتهريج أدنى رابطة. كانوا قراصنة كُتبت عليهم العزلة، من أولئك الذين ما انفكوا يقولون نعم تعبنا هذا صحيح ومللنا ولكننا نريد أن نذهب أكثر لشيء يساوي التعب هذه المرة، سنترك البحار إلى الجبال، ونخرج إلى الأسلحة، سنُخرج الأسلحة من الجبال، ونقاتل حتى الموت. قلت عنهم مجانين هم يسعون إلى التحرر من جنونهم، إلى صنع زمن الأقوياء في دنيا العقل، ولكنهم كانوا البقية الباقية منا لزمن لم يأت بعد أو أنه لن يأتي، لدور لم يكن بعد أو أنه لن يكون.

أخذني رجال الشرطة والشاعر الصعلوك وبعضًا آخر من الذين قاتلوا في شارع الحرية إلى قسم الاستعجالات في مستشفى تونس، رأيت هناك قائد معركة بيروت، من عض يد الرئيس، رأيته ملوثًا بدمائه كغابة نشرها منشار الحضارة، وشرطي قزم يدفعه على كرسي ليجلس، وهو يرفض الجلوس، ويقول إنه يطالب باحترامه لأنه قائد قديم، والشرطي لا يتوقف عن إجلاسه بالعنف، والرجل عن سرد أمجاده، بينما امرأة مختلة العقل راحت به ساخرة، وهي تخاطب شخصًا خفيًا أمامها قائلة إن القائد الفعلي هو زوجها الذي مات في الحرب، وحاز على أعلى الأوسمة، أوسمة الخراء، حاشا السامعين؟ هذه بطاقته، وهذه أوسمته، وهذه ميدالياته، كل أشياء الخراء، حاشا السامعين؟ جاءت الكاميرا، وجاء أحد الشاذين يصرح إن الحياة جميلة، ولا شيء ينقص سياح تونس. أشار إلى أحدهم في بذلة على عينيه نظارة سوداء، قال إنه قَواده، ورجا الصحافي المرافق للكاميرا أن ينقذه منه لأنه لا يرغب في العمل الليلة، يحس بالضيق والشدة، يريد قَواده إجباره على العمل له، وهو لا يحس أنه بصحة جيدة، يحس نفسه ليلكًا خشبيًا، نرجسًا خشبيًا، فُلاً خشبيًا، لوزًا خشبيًا، موزًا خشبيًا، جوزًا حجريًا، فُلفلاً أحمرَ طريًا، وانفجر باكيًا.

لم يتوقع أحد على الإطلاق الحركة المفاجئة التي دهمت الجميع، احتل قسم الاستعجالات الجنود ورماة النار الطليعيون وحراس الشرف، قيل لنا إن الرئيس سيزور جرحى الانتفاضة بين لحظة وأخرى. رأيت أبا رُهم وهو يخبئ نفسه في ثوب سيدة الليل الفصفاص وسيدة الليل تقف على مقربة مني. بدت أضخم من حوت ينسحق تحت وزنه. حاولت أن أوقظ الشاعر الصعلوك، كان يغيب عن الوعي بسبب جراحه، فلم أفلح. كانت تند عنه رائحة الصنوبر، وسائل أبيض يسيل من عروقه. أنهضت نصفي، وتمسكت بالثوابت السحرية. جاء الرئيس كما يجيء الدعموص، فارتميت عليه، وحميته من رصاص أبي رُهم، فأصابني الرصاص في ظهري، لكني استطعت أن أقول للرئيس من أنا، وإن كان يذكرني، فنطق باسمي، وايفا براون تساعده على فك يده المربوطة بعنقه، وأمضى لي ورقة لا يحدد فيها أي شيء بخصوصي، كان قد أعادني إلى إرادة المحجب بالتشادور. أمر بإعدام أبي رُهم فورًا، وذهب كما تذهب الفراشة.

وبينما كان الطبيب يسحب الرصاص من ظهري، ويرينيه أصفر كبلح العراق، قال لي: ستظل مشلولاً إلى أبد الآبدين؟ لكني ابتسمت، وقلت: المهم أن يبقى الرئيس من أجل التواقيع؟


باريس/ مدريد
يوم الأربعاء الموافق 30 أكتوبر 1991




أعمال أفنان القاسم

المجموعات القصصية

1) الأعشاش المهدومة 1969
2) الذئاب والزيتون 1980
3) الاغتراب 1982
4) حلمحقيقي 1988
5) كتب وأسفار 1988
6) الخيول حزينة دومًا 1998

الأعمال الروائية

7) الكناري 1967
8) القمر الهاتك 1969
9) اسكندر الجفناوي 1970
10) العجوز 1971
11) النقيض 1972
12) الباشا 1973
13) الشوارع 1974
14) المسار 1975
15) العصافير لا تموت من الجليد 1978
16) مدام حرب 1979
17) تراجيديات 1987
18) موسى وجولييت 1990
19) أربعون يوما بانتظار الرئيس 1991
20) لؤلؤة الاسكندرية 1993
21) شارع الغاردنز 1994
22) باريس 1994
23) مدام ميرابيل 1995
24) الحياة والمغامرات الغريبة لجون روبنسون 1995
25) أبو بكر الآشي 1996
26) ماري تذهب إلى حي بيلفيل 1999
27) بيروت تل أبيب 2000
28) بستان الشلالات 2001
29) فندق شارون 2003
30) عساكر 2003
31) وصول غودو 2010
32) الشيخ والحاسوب 2011

الأعمال المسرحية النثرية

33) مأساة الثريا 1976
34) سقوط جوبتر 1977
35) ابنة روما 1978

الأعمال الشعرية

36) أنفاس (مجموعة قصائد أولى – ثلاثة أجزاء) 1966
37) العاصيات (مسرحية شعرية) 1967
38) المواطئ المحرمة (مسرحية شعرية) 1968
39) فلسطين الشر (مسرحية شعرية) 2001
40) الأخرق (مسرحية شعرية) 2002
41) غرافيتي (مجموعة قصائد فرنسية) 2009
42) غرب (ملحمة فرنسية) 2010
43) البرابرة (مجموعة قصائد أخيرة) 2008 – 2010

الدراسات

44) البنية الروائية لمصير الشعب الفلسطيني عند غسان كنفاني 1975
45) البطل السلبي في القصة العربية المعاصرة عبد الرحمن مجيد الربيعي
نموذجًا (جزءان) 1983
46) موسم الهجرة إلى الشمال للطيب صالح 1984
47) البنية الشعرية والبنية الملحمية عند محمود درويش 1984
48) نصوص خاضعة للبنيوية 1985 – 1995
49) دفاعًا عن الشعب الفلسطيني 2004
50) خطتي للسلام 2004

ramus105@yahoo.fr


أكثر من مليون نسخة بيعت من هذه الرواية الأوتوبيوغرافية في فلسطين المحتلة (الضفة الغربية، قطاع غزة، إسرائيل) وفي العالم العربي (الجزائر، الأردن)، والتي هي ثمرة إقامة طويلة لأفنان القاسم قضاها في تونس سنة 1989 منتظرًا ياسر عرفات دون جدوى. وبهذه المناسبة، وجد المؤلف نفسه مدفوعًا إلى فتح عينيه بعد أن كان يملأ صدره حتى تلك اللحظات حماس أعمى سببه صورة عظمى للثورة الفلسطينية: خلال انتظار دام أربعين يومًا اكتشف الوجه الآخر "للثوار" الذين لجأوا إلى كل الوسائل ليعيقوا ذلك اللقاء، فكان محضر الضبط مروّعًا: أحس المؤلف ببؤس شعب كامل يخترقه، وهو ضد هذا البؤس يصرخ هنا معبرًا عن سخطه.
في هذه الصفحات، يكشف أفنان القاسم عن الوجه الخفي لتراجيديا وطنية مستوفيًا آليات عمل سلطة يتطلب تغييرًا راديكاليًا فوريًا. هذا وبرفضه القاطع الكلي محاباة القمع الإسرائيلي ـ مهما صغرت هذه المحاباة ـ هذا القمع الذي ما كان أبدًا أكثر منه عنفًا وإجرامًا، والذي ينبذه بقوة وحزم، يدعو أفنان القاسم، من أجل الشعب الفلسطيني، إلى مجيء طبقة حاكمة قادرة على تنفيذ سياسة حازمة حكيمة تخرج المنطقة من المأزق الكلي الذي تجد نفسها اليوم محشورة فيه.


* أفنان القاسم من مواليد يافا 1944 عائلته من برقة قضاء نابلس له خمسون عملاً بين رواية ومجموعة قصصية ومسرحية ومجموعة شعرية ودراسة أدبية أو سياسية تم نشر معظمها في عواصم العالم العربي وتُرجم منها اثنان وثلاثون كتابًا إلى الفرنسية والإنجليزية والإسبانية والروسية والعبرية، دكتور دولة ودكتور حلقة ثالثة من جامعة السوربون ودكتور فخري من جامعة برلين، أستاذ متقاعد عمل سابقًا في جامعة السوربون ومعهد العلوم السياسية في باريس والمدرسة المركزية الفرنسية وجامعة مراكش وجامعة الزيتونة في عمان والجامعة الأردنية، تُدرّس بعض أعماله في إفريقيا السوداء وفي الكيبيك وفي إسبانيا وفي فرنسا...






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,626,733,472
- أفنان القاسم يجيب على أسئلة -سيدتي-
- الحياة والمغامرات الغريبة لجون روبنسون
- كتب وأسفار
- الذئاب والزيتون
- أم الجميع ابنة روما
- أم الجميع سقوط جوبتر
- أم الجميع مأساة الثريا
- الاغتراب
- الكناري
- الشوارع
- إسكندر الجفناوي
- مدام حرب
- النقيض
- شارع الغاردنز
- لؤلؤة الاسكندرية
- باريس
- بيكاسو
- قل لنا ماذا ترى في حالنا؟
- القدس
- الشعراء


المزيد.....




- وفاة بن برادلي رئيس تحرير واشنطن بوست السابق
- عراك لفظي بين المعارضة والأغلبية بسبب الرصاص الجزائري
- لجنة الاحتفال بيوم اللغة العربية تناقش استعداداتها للاحتفال ...
- فيلم يجمع كيم باسنجر وراسل كرو لأول مرة
- ميناء الأدبية بالسويس يستقبل 66 ألف طن كلينكر
- حوار «الشروق» مع الشيخة جواهر القاسمي مديرة مهرجان الشارقة
- تمديد آجال الترشح للجائزة الوطنية الكبرى للصحافة
- أبوظبي: -الثقافة والفنون و-مبادلة- تعلنان الفائز بجائزة -الر ...
- كاريكاتير أحمد جعيصة
- مزاد -كريستيز- بدبي يعرض لوحات لفنانين عرب من رواد الحداثة ...


المزيد.....

- طقوس للعودة / السيد إبراهيم أحمد
- أبناء الشيطان / محمود شاهين
- لا مسرح في الإسلام . / خيرالله سعيد
- قصة السريالية / يحيى البوبلي
- -عزازيل- يوسف زيدان ثلاث مقالات مترجمة عن الفرنسية / حذام الودغيري
- بعض ملامح التناص في رواية -الرجل المحطّم- لطاهر بن جلون / أدهم مسعود القاق
- مجموعة مقالات أدبية / نمر سعدي
- موسى وجولييت النص الكامل نسخة مزيدة ومنقحة / أفنان القاسم
- بليخانوف والنزعة السسيولوجية فى الفن / د.رمضان الصباغ
- ديوان شعر مكابدات السندباد / د.رمضان الصباغ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أفنان القاسم - أربعون يومًا بانتظار الرئيس