أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - لؤي خزعل جبر - الجَدَل المَذهَبي : قضيّة علميّة أم قضيّة نفسيّة اجتماعيّة ؟















المزيد.....

الجَدَل المَذهَبي : قضيّة علميّة أم قضيّة نفسيّة اجتماعيّة ؟


لؤي خزعل جبر

الحوار المتمدن-العدد: 3610 - 2012 / 1 / 17 - 19:59
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


تصاعدت في الآونة الأخيرة بشكل طوفاني وملفت للنظر ظاهرة " الجَدَل المذهبي " ، التي امتدتّ على طول التاريخ الإسلامي ، لكنها وجدت في الفضاء الإعلامي المفتوح مساحة جديدة لخوض الصراع بطرق جديدة ، فولدت قنوات فضائيّة مذهبيّة ، ومواقع مذهبيّة على الشبكة العالميّة ، عملت على طرح كل بؤر التوتر المذهبي عبر محاضرات ومقالات وكتب وجلسات نقاشيّة وأفلام ومسلسلات ومنتديات ، فاستطاعت بذلك أن تستقطب الآلاف إلى دائرة الصراع المحتدم المتمركز حول " المذهب " .
و" الجَدَل المذهبي " يشكّل ظاهرة خطيرة وحسّاسة ، لما له من انعكاسات مهمّة على مجالات متعددة من حياة الأفراد والجماعات في السياق الإسلامي ، بل وحتى غير الإسلامي ، إذ يمسّ قلب البنية العقائديّة للفرد المسلم والجماعة المسلمة ، فيؤثر على مدى استقرار الفرد الانفعالي واتزانه المعرفي وسلوكه الاجتماعي ، ويمتد إلى الجماعة ليصوغ معايير وقيم واتجاهات تحكم آليات التعامل بين أعضائها ، وبينهم وبين أعضاء الجماعات الأخرى ، المسلمة وغير المسلمة . ويكفي للتحقق من ذلك تأمّل بسيط وسريع في التاريخ الإسلامي ، منذ بداياته وحتى الآن ، لمشاهدة الحروب والسجون والتعذيب والتنكيل والإذلال والإعدامات والاغتيالات والمؤامرات والمِحن والانقلابات والاحتلالات والمجازر والإقصاء الاجتماعي والسحق الاقتصادي والسياسي الذي تمّ على خلفيّة مذهبيّة .
والغريب أن هذه الظاهرة ، رغم ضخامتها ووضوحها واستمراريتها ، لم تخضع لبحث تحليلي جادٍّ يعمل على استكشاف الجذور العميقة لنشوئها وديمومتها ، لتتمكّن المجتمعات بالتالي من تجنّب نواتجها المأساويّة ، فما لم تعرف الأسباب الحقيقيّة لمشكلةٍ ما ، لا يمكن التصدّي لمعالجتها . ولذلك وجد الكاتب ضرورة ملحّة للقيام بمحاولة طرح وجهة نظر تحليليّة علميّة أوليّة بخصوص أسباب هذه الظاهرة المتناميّة ، علّها تتمكن من إثارة النقاش العلمي وجذب الأنظار إلى مساحات مخفيّة من الصراع ، والتي بلا شك ستثير غضب كلّ أطراف النزاع ، لأن بحثاً كهذا لا يمكن أن يقوم به باحث مندمج بالجَدَل ، يتبنّى منظور أحد أطراف النزاع، وإنما يستدعي أن يقف الباحث فوق الجَدَل لينظر من الخارج إلى طبيعته ومساراته ، وبذلك سيتوصّل بلا شك إلى آراء تختلف مع كلّ الأطراف ، وليس من السهل قبولها في ظل التشبّع الحضاري بالمذهبيّة والانغماس المتواصل بالصراع .

أساس الجَدَل المذهبي
يمكن طرح فرضيتين تفسيريّتين لأساس الخِلاف والجَدَل المذهبي ، الأولى هي الفرضيّة الرسميّة المطروحة والمعتمدة بشكل ضمني لاشعوري عبر التاريخ من جميع الأطراف ، والثانية هي فرضيّة الباحث .

الفرضيّة (1) : الخِلاف المذهبي قضيّة علميّة " صراع حول الحقيقة "
تنصّ هذه الفرضيّة على أن " هناك حقيقة يمتلكها الطرف (أ) ، ولا يمتلكها الأطراف (ب) و(ج) و(د) نتيجة نقص أو تشوّه في المعلومات ، فيأتي الجَدَل ليقدّم معلومات تامّة وغير مشوّهة ، تبيّن لأتباع (أ) قوّة ورصانة مذهبهم عبر امتلاكه الحقيقة وبطلان (ب) و(ج) و(د) ، مما يعزز ويديم انتمائهم لمذهبهم ويحصّنهم ضد الشبهات التي يثيرها (ب) و(ج) و(د) ، ويمدّهم بالسلاح المناسب لمحاربة (ب) و(ج) و(د) ، كما تبيّن لأتباع (ب) و(ج) و(د) ضعف وتهافت مذاهبهم عبر افتقارها للحقيقة ، وصحّة (أ) ، مما يجعلهم إما يتحولون إلى (أ) ويصبحون من أتباعه ، أو – لا أقل – يمتنعون عن نقده " .
فالمدار هو (الحقيقة) التي يدّعي كل طرف امتلاكها ، ويحاول إيصالها إلى أتباعه لضمان استمراريّة ولائهم له ، وإلى أتباع الطرف أو الأطراف الأخرى لضمان تحوّلهم إلى جانبه أو كفّهم عن نقده . وإذا كانت الفرضيّة صحيحة " نقص أو تشوّه المعلومات هو السبب الحقيقي للخِلاف المذهبي " ، فإن تزويد الأفراد بالمعلومات الكاملة وغير المشوّهة هو العلاج الحقيقي الكفيل بالقضاء على مشكلة الخِلاف ، ولكن إذا كانت الفرضيّة غير صحيحة " نقص أو تشوّه المعلومات ليس هو السبب الحقيقي للخِلاف المذهبي" ، فإن تزويد الأفراد بالمعلومات الكاملة وغير المشوّهة ليس هو العلاج الحقيقي الكفيل بالقضاء على مشكلة الخِلاف، بل سيكون سبب في تعقيد وتضخيم المشكلة وخلق مشكلات إضافيّة .
والباحث يعتقد بعدم صحّة هذه الفرضيّة في تشخيص السبب الحقيقي للمشكلة المذهبيّة ، وبالتالي بعدم جدوى الطريقة التي تقترحها لحل المشكلة ، والدليل الواضح على ذلك (التاريخ) ، إذ امتدّ الصراع على مدى 1400 سنة تقريباً ، ألّفت خلالها ملايين الكتب والدراسات ، وأجريت ملايين المناقشات والمناظرات ، وألقيت ملايين المحاضرات ، وبُحِثت خلالها كلّ تفاصيل الخِلاف بطرق مستفيضة ، وقدّم كل طرف ملايين الأدلة التي تثبت صحّة مذهبه وبطلان المذاهب الأخرى ، وناقش ونقد كلّ الأدلة التي قدمتها المذاهب الأخرى لإثبات صحتها وبطلان مذهبه ، فماذا حدث ؟ هل تقدّم المسلمون خطوة واحدة نحو التوحّد تحت أحد هذه المذاهب أو أسسوا مذهباً جديداً يقوم على الحقائق المشتركة ؟ أم بقي كل واحد في خندقه يزيده تعميقاً وتحصيناً ، ويجمّع الأسلحة القديمة ويبتكر الجديدة ليدكّ الخنادق الأخرى ؟ وما نسبة الأفراد الذين انتقلوا من خندق إلى آخر مقارنة بالعدد الكلّي للمسلمين خلال القرون الأربعة عشر ؟ ، فلو كانت القضيّة قضيّة علميّة وبحث عن الحقيقة ونقص أو تشوّه في المعلومات لجلس الأطراف ونقّبوا بهدوء عن الحقيقة الضائعة ، وانتهوا إلى نتيجة محددة أزالت الخِلاف ، ولكان كتاب أو كتابين كافيين لجمعهم تحت بناء عقائدي موحّد ، ولوجدنا أعداداً هائلة ممن ولدوا في بيئات مذهب معيّن ينتقلون إلى مذهب آخر ، أو – لا أقل – لتفهّم كل طرف واحترم وجهة نظر الأطراف الأخرى رغم عدم اتفاقه معها ، ولكن القضيّة لم تكن كذلك ، ولذلك نجد أن المشكلة لا زالت قائمة ومستمرة في وتيرة عدائيّة متصاعدة ، وآخذة في التعقّد ، ومولّدة لمشكلات إضافيّة لا عدّ لها ولا حصر ، وبتعبير آخر ، لم تتقدّم خطوة واحدة نحو الحل ، بل تراجعت خطوات ، مهددة الجسد الإسلامي بالموت ، إن لم تكن أماتته بالفعل !! .
ولزيادة توضيح هذه الفكرة نطرح المثال المحسوس التبسيطي الآتي : شخص مريض يعاني من آلام مبرّحة في البطن (مشكلة) كانت في الحقيقة ناتجة عن (خلل في الكليتين) ، فيذهب إلى طبيب لتشخيص (سبب) مشكلته ، وإعطائه الدواء المناسب للتخلّص من المشكلة (معالجة) . لكنّ الطبيب يشخّص سبب المشكلة على أنها (خلل في المعدة) ، فيعطيه دواء لمعالجة خلل المعدة . فهل سيتخلّص من آلامه المبرّحة في البطن (المشكلة) عند تناول الدواء (العلاج) الذي وصفه له ذلك الطبيب لمعالجة المعدة (السبب غير الحقيقي) ؟ ، بالتأكيد (لا) ، بل ستتزايد الآلام لأن الخلل في الكليتين (السبب الحقيقي) سيتعاظم ، لأنه لم يعالج ، كما قد تتضرر المعدة نتيجة تناول دواء لخللها في حين هي سليمة ، فتولد آلام إضافيّة (مشكلة إضافيّة) . والسؤال المُلِحّ هنا هو أن الشخص عندما يجد بعد مدّة أن دواء المعدة الذي يتناوله لم يسهم في تخفيف آلامه (معالجة مشكلته) ، بل زادها وأفرز آلاماً أخرى (مشاكل إضافيّة) : هل عليه أن يستمر في تناول ذلك الدواء حتى الموت !! ، أم أن عليه أن يبدأ بالتشكيك في فاعليّة الدواء أو التشخيص والبحث عن تشخيص ودواء آخرَين ؟ .

الفرضيّة (2) الخِلاف المذهبي قضيّة نفسيّة اجتماعيّة " صراع حول الذات "
تنصّ هذه الفرضيّة على أن " هناك دافع أساس يهيمن – بفعل الثقافة الاجتماعيّة – على غالبيّة المنتمين إلى الأطراف (أ) و(ب) و(ج) و(د) ، هو دافع تفادي التهديد ، الذي يتجلّى على شكل أنساق اعتقاديّة مغلقة ، يجعل كل طرف ينطلق من افتراض انفعالي – لا عقلاني – مُسبَقٍ قاطعٍ بكونه الناطق الرسمي باسم الحقيقة المغيّبة ، وبكون كل الأطراف الأخرى لا تمتلك شيئاً من تلك الحقيقة ، بل تعمل – بقصد في الغالب – على تضليل أتباعه وأتباعها ، وتسعى – بقصد في الغالب – إلى التقليل من قيمته وضرب وجوده ومصالحه ، فيدخل الجَدَل لتأكيد افتراضه المسبق فقط ، لمواجهة التهديد المتوقّع الموجّه إلى صورة ذاته الايجابيّة ومكانته الاجتماعيّة " .
فالمدار هو (الذات) المعرّضة للتهديد من ثبوت بطلان معتقداتها وصحّة معتقدات الطرف المقابل . فالبحث هنا ليس عن (الحقيقة) ، بل عن كلّ ما يدعم الذات والحقيقة المفترضة بشكل مسبق ، فالانطلاق لا يكون من الأدلّة إلى الحقيقة الواقعيّة ، بل من الحقيقة المفترضة إلى الأدلّة ، أو – بتعبير آخر – أن الفرد لا يقوم بتحليل المعلومات بطريقة موضوعيّة وينتهي إلى ترجيح رأي من الآراء ، بل يرجّح رأياً بشكل مسبق – بفعل الضغوط الثقافيّة والاجتماعيّة – وينطلق للبحث عمّا يدعم ذلك الرأي ، فيجمّع الأدلّة الداعمة ويعطيها وزناً كبيراً ، ويغفل أو يرفض الأدلة المضادة ويعطيها وزناً قليلاً ، أو يعيد تأويلها لتتسق مع الرأي الذي يتبناه ، مسوق في كلّ ذلك بمعايير ذاتيّة وليس موضوعيّة . وإذا كانت الفرضيّة صحيحة " الأنساق المغلقة هي السبب الحقيقي للخِلاف المذهبي " ، فإن التخلّص من الأنساق المغلقة هو العلاج الحقيقي الكفيل بالقضاء على مشكلة الخِلاف . وليس تزويد الأفراد بالمعلومات الكاملة وغير المشوّهة ، لأن الأنساق المغلقة لا تتأثر بكميّة ونوعيّة المعلومات ، بل إن زيادة كميّة المعلومات وتحسين نوعيتها سيوسّع مدى التهديد ويعمّق ويديم الخِلاف .
ولكون هذه الفرضيّة تقوم على مفاهيم تخصصيّة دقيقة ، يرى الباحث ضرورة تقديم توضيح عام ومجمل – بمقدار الممكن – لتلك المفاهيم ، ليتسنى للقارئ غير المتخصص فهم واستيعاب مضمونها النظري والتحليلي ، وتحديداً مفهوم أنساق المعتقدات ، الذي يشكّل استيعابه مهمّة صعبة على الذهنيّة العامّة غير التخصصيّة ، وهو ما لمسه الباحث بالتجربة ، ويحيل المهتمين بالاطلاع على تفاصيل أكثر وأعمق إلى كتاب The Open and Closed Mind : Investigations into The Nature of Belief Systems and Personality Systems ، لعالِم النفس الاجتماعي Milton Rokeach ، الصادر عن دار Basic Books ، في New York ، عام 1960 .

أنساق المعتقدات : المفتوحة / المغلقة
لا تتواجد المعتقداتBeliefs في العقل البشري بشكل مبعثر ، بل تنتظم عادة في نسق أساس Basic Systems (النسق هو مجموعة من العلاقات المنتظمة المستقرة بين أجزاء وعناصر كل معين) هو : (نسق المعتقدات-اللامعتقدات) يمثل تنظيماً للمعتقدات واللامعتقدات اللفظية وغير اللفظية ، الصريحة والضمنية ، ويكون على شكل خط متّصل يقع على طرفه الأول نسق معتقدات يقبلها الفرد (معتقدات المذهب أ مثلاً) ، وعلى الطرف الآخر تقع سلسلة أنساق لامعتقدات ، بمعنى معتقدات يرفضها الفرد (معتقدات المذهب ب / ج / د مثلاً) ، أو بتعبير آخر، تقع على الطرف الأول (كل المعتقدات والتوقعات والافتراضات-الشعورية واللاشعوريّة- التي يقبلها الفرد في زمن ما على أنها حقيقة) ، بينما يضم الطرف الآخر(كل المعتقدات والتوقعات والافتراضات-الشعورية واللاشعورية- التي يرفضها الفرد في زمن ما ويعدّها خاطئة) ، ومدى أو شدّة رفض كل واحد من أنساق اللامعتقدات (ب / ج / د) يعتمد على مدى تشابه كل واحد منها مع ما يعتقد به الفرد (قد يرفض الفرد معتقدات ب أكثر من ج لأنها تختلف بشكل أكبر من ج عن معتقداته مثلاً) ، ولا يمكن عدّ نسق اللامعتقدات مجرّد (صورة مرآتيه) Mirror-image لنسق المعتقدات ، فكل منهما له كيانه الخاص .
ونسق المعتقدات- اللامعتقدات يمثّل بنية Structure التنظيم الاعتقادي وليس محتواه Content ، بمعنى كونه يتعلّق ببناء المعتقدات أو صورتها أو شكلها أكثر من مضمونها ، فهناك فرق بين المعتقد الذي (يحمله) الفرد (المحتوى) ، و(كيفية حمله) لهذا المعتقد (البنية) ، إذ قد يحمل الفرد معتقدات ذات مضامين متسامحة بطريقة متشددة وغير متسامحة ، فنجده منغلق في أسلوب تفكيره وغير متسامح مع الذين يخالفونه ولا يستطيع أن يتقبّل ويتفهّم أفكار المخالفين ، وبالعكس ، إذ قد يحمل الفرد معتقدات ذات مضامين متشددة بطريقة متسامحة وغير متشددة ، فنجده منفتح في أسلوب تفكيره ومتسامح مع الذين يخالفونه ويستطيع أن يتقبّل ويتفهّم أفكار المخالفين ، وقد يجتمع محتوى متسامح ببنية متسامحة أو محتوى متشدد مع بنية متشددة . كما أن هناك نمطين من التغيّر: تغيّر المعتقد Belief Change وتغيّر النسق System Change ، فقد يمكن تغيير معتقد معيّن أو أكثر ، دون أن يمس ذلك التغيير طبيعة النسق ، وقد يتغيّر النسق دون تغيير في المعتقد المعيّن .
فنسق المعتقدات-اللامعتقدات يمكن أن يكون مفتوحاً (بنية متسامحة وقابلة للتغيير ، سواء كان المحتوى متشدد أم متسامح) ، ويمكن أن يكون مغلقاً (بنية متشددة ومقاومة للتغيير ، سواء كان المحتوى متشدد أم متسامح) . وذلك يرجع إلى الدافع الأساس الكامن خلف كلّ نسق منهما ، فالدافع الكامن خلف النسق المفتوح هو (الدافع للمعرفة) الذي يحفّز ويوجّه الفرد للبحث بموضوعيّة عن الحقيقة ، ويمكّنه من التمييز بين المعلومات العقلانيّة واللاعقلانيّة في كل موقف ، بينما الدافع الكامن خلف النسق المغلق هو (الدافع لتفادي التهديد) الذي يحفّز ويوجّه الفرد للبحث عما يدعم وجهة نظره ، تحت ضغط عوامل داخليّة (العادات والحاجة للقوّة وتخفيف القلق وحماية الذات) وعوامل خارجيّة (المكافأة والعقوبة المنبثقة من السلطة الخارجيّة : الآباء والأقران والزعماء والمعايير المؤسساتيّة والاجتماعيّة والحضاريّة والجماعات المرجعيّة) ، وبالتالي لن يتمكّن من التمييز بين المعلومات العقلانيّة واللاعقلانيّة ، فيرى كل ما يوافقه عقلاني ، وكل ما يخالفه لاعقلاني ، كما لا يميّز بين المعلومة ومصدر تلك المعلومة ، فعندما يكون المصدر مقبولاً (من المذهب أ مثلاً) تقبل المعلومات ، وعندما يكون المصدر مرفوضاً (من المذهب ب / ج/ د مثلاً) ترفض المعلومات بغضّ النظر عن مضمونها ، فهو يركّز على (مَن قال) وليس على (ما قيل) .
فنجد أن النسق المفتوح يتصف بـ : الانخفاض النسبي لمقدار رفض الأنساق الفرعية للامعتقدات (معتقدات ب / ج / د) ، ووجود اتصال بين العناصر الجزئية ضمن وبين أنساق المعتقدات واللامعتقدات (وجود علاقة بين معتقدات أ من الداخل ، وبين معتقدات أ ومعتقدات ب / ج / د ، وبين معتقدات ب / ج / د) ، والتفاوت القليل في درجة التمايز بين أنساق المعتقدات واللامعتقدات (الفرق قليل بين أ من جهة وب / ج / د من جهة أخرى) ، والتمايز المرتفع نسبياً داخل أنساق اللامعتقدات (ب يختلف عن ج وكلاهما يختلفان عن د) ، والنظر إلى العالم بوصفه حميمي وإنساني ومحلّ للحب والألفة والتعاون والثقة ، والتعامل مع السلطة (الفكريّة والاجتماعيّة والسياسيّة) بوصفها غير المطلقة ، وإنما قابلة للنقد والاعتراض والمناقشة ، وعدم تقييم الناس طبقاً لاتفاقهم أو اختلافهم مع هذه السلطة ، وإنما على أساس قيمتهم الذاتية ومدى تمتّعهم بالكفاءة والأخلاقيّة والإنسانيّة ، والانفتاح على الماضي والحاضر والمستقبل ، وإدراك الترابط بين هذه الأزمنة الثلاثة . بينما يتصف النسق المغلق بـ : الارتفاع النسبي لمقدار رفض الأنساق الفرعية للامعتقدات (معتقدات ب / ج / د باطلة بشكل قطعي لا يقبل النقاش) ، ووجود إنعزال بين العناصر الجزئية ضمن وبين أنساق المعتقدات واللامعتقدات (لا ترابط وثيق بين معتقدات أ المتعددة ، وبين معتقدات أ ومعتقدات ب / ج / د ، وبين معتقدات ب / ج / د) ، والتفاوت الكبير في درجة التمايز بين أنساق المعتقدات واللامعتقدات (الفرق كبير بين المذهب أ من جهة والمذاهب ب / ج / د من جهة أخرى) ، والتمايز الضئيل نسبياً داخل أنساق اللامعتقدات (معتقدات ب وج ود متشابهة) ، والنظر إلى العالم بوصفه مهدد وغابة يأكل فيها القوي الضعيف والبقاء فيها للأقوى وللمحتمي بالأقوى ومحلّ للصراع والتنافس والشك والتآمر والعدائيّة ، والتعامل مع السلطة (الفكريّة والاجتماعيّة والسياسيّة) بوصفها مطلقة غير قابلة للنقد والاعتراض والمناقشة ، وتقييم الناس ورفضهم وقبولهم على أساس اتفاقهم أو اختلافهم مع هذه السلطة وليس على أساس قيمتهم الذاتيّة ، والتركيز على بعد زماني واحد ، كالماضي ، والانغماس فيه ، وإغفال البعدين الآخرين .
ومن الواضح أن النسق المهيمن ثقافياً في مجتمعاتنا العربيّة والإسلاميّة - في مجال الجَدَل المذهبي ومجالات عديدة أخرى - هو النسق المغلق ، فغالبيّة الأفراد بفعل البيئة الاجتماعيّة التسلّطية القامعة والمهددة ، يتركز في بنيتهم النفسيّة دافع تفادي التهديد وليس دافع المعرفة ، ولذلك تجدهم (علماء وعامّة) – في المجال المذهبي – يقبلون مسبقاً صحّة مذهبهم ، ويبحثون عما يدعمه ، ويرفضون مسبقاً المذاهب الأخرى ، ويبحثون عما يدحضها ، لا لكونها خاطئة موضوعياً ، بل لأن ثبوت كونها صحيحة يهدد أمنهم واستقرارهم النفسي ومكانتهم الاجتماعيّة ومصالحهم الخاصة والعامّة ، فهم ليسوا باحثين عن الحقيقة بل هاربين من الحقيقة .
فحل المشكلة لا يكمن في كشف الحقيقة وتوسيع المعلومات ، وإنما في تغيير الأنساق من مغلقة إلى مفتوحة . ولذلك يقترح الباحث : الكف عن طرح واجترار وتضخيم بؤر التوتر المذهبي وتضييع الجهود الفكريّة والإمكانات الماديّة والبشريّة في جَدَل غير منتج ، بل مُضر على المستوى الفردي والمجتمعي ، والعودة الجادّة إلى المتخصصين في علم النفس وعلم الاجتماع لأجل الدراسة المكثّفة للأبعاد المتعددة للظاهرة وتصميم برامج علاجيّة جمعيّة لتغيير الأنساق المغلقة ، لتحرير المجتمعات المسلمة من سجن " سقيفة بني ساعدة " .





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,357,153,710





- صحيفة: السعودية تتصدى لصاروخ فوق الطائف
- السودان.. انتهاء جلسة مفاوضات جديدة بين العسكر وقوى الحرية
- القاهرة تعلن مقتل 12 متشددا
- -الطعام المستعمل- يهدد المصريين
- النجف.. مائدة إفطار مجاني
- خلاف حول السلطة المحلية في الحديدة
- الإمارات.. دعوة أجانب للإفطار
- طلب نتنياهو الذي جعل مبارك يهدده بـ-حرب جديدة-
- وزير المالية اللبناني: العجز في الميزانية سيكون 8.3% من إجما ...
- المضادات الأرضية للدفاع الجوي السوري تتصدى لأهداف إسرائيلية ...


المزيد.....

- الصورة والخيال / سعود سالم
- في مفهوم التواصل .. او اشكال التفاعل بين مكونات المادة والطب ... / حميد باجو
- فلسفة مبسطة: تعريفات فلسفية / نبيل عودة
- القدرةُ على استنباط الحكم الشرعي لدى أصحاب الشهادات الجامعية ... / وعد عباس
- العدمية بإعتبارها تحررًا - جياني فاتيمو / وليام العوطة
- ابن رشد والسياسة: قراءة في كتاب الضروري في السياسة لصاحبه اب ... / وليد مسكور
- الفلسفة هي الحل / سامح عسكر
- مجلة الحرية العدد 4 2019 / كتاب العدد
- تأثير الفلسفة العربية والإسلامية في الفكر اليهودي – موسوعة س ... / شهد بن رشيد
- الإله الوهم والوجود والأزلية / سامى لبيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - لؤي خزعل جبر - الجَدَل المَذهَبي : قضيّة علميّة أم قضيّة نفسيّة اجتماعيّة ؟