أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - خوشناف حمو - الإسلام السياسي.. لاعب جديد للقرن القادم















المزيد.....


الإسلام السياسي.. لاعب جديد للقرن القادم


خوشناف حمو
الحوار المتمدن-العدد: 3567 - 2011 / 12 / 5 - 08:54
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي
    


تمهيد ...ظلال المقدس والمدنس
لا غرو أن تاريخ الأديان من أكثرها بدائية إلى أحسنها إعدادا ، إنما هو مشكل بتراكم مقدسات وبمظاهر وقائع مقدسة .
إذا كان الفكر الحديث ، من الصعب عليه القبول ، أنه بالنسبة لبعض الكائنات البشرية ، يمكن للمقدس أن يظهر نفسه في حجارة أو أشجار، فالحجر المقدس يبقى حجرا من وجهة نظر دنيوية ، لا يمكن تمييزه عن الحجارة الأخرى .
إلا أنه بالنسبة لمن لديهم تجربة دينية ، تبدو الطبيعة برمتها قابلة للتكشف بصفتها قداسة كونية ، فالكون في كليته يمكن له أن يصبح تجليا قدسيا .
وفي الوقت الذي يجهد الإنسان المتدين نفسه ليبقى أكبر وقت ممكن في عالم المقدس ، ينزع الإنسان الحديث صفة القداسة عن عالمه ويضطلع بوجود دنيوي .
وتبدو الأزمة الحادة هنا في صعوبة تلمس هذا الأخير للأبعاد الوجودية للإنسان المتدين ، مما يترجم حالة تعارض ( المقدس – المدنس ) على الأرض ، كتعارض بين الحقيقي واللا حقيقي .
وبالنسبة للإنسان العربي ، فإننا نلاحظ تجاور عالمين مفتوحين ، بدءا من البيت والمدرسة ونطاق العمل ، وحتى الموت . وهذان العالمان هما ، العالم الدنيوي والمقدس ، عالم الحلال والحرام .
ونرى الإنسان مقسما بين هذه الثنائية المتحكمة المحيرة ، فأصبح يعيش ازدواجية رهيبة تنعكس في سلوكه وفي بنيته الثقافية ، وتكوينه الاجتماعي والسياسي ، فيمارس شعائر القداسة دون أن تمنعه عن اقتراف الدناسة.
والحال فإن ما يلاحظ من خلل وفساد في كيان هذا المجتمع ينهل من معين الأنماط الثقافية والتقديسات المكانية والزمانية ، فالنسيج الأسطوري الذي تتشابك فيه الميثولوجيا مع الفلسفة والسحر والدين وإلى كيفية تداخل هذه الأمور جميعها لتشكل مجتمعة أو متعارضة نمطا معينا من التفكير والسلوك المعارض للذهنية العلمية

الإسلام السياسي، من يقصي من ؟
يرد مصطلح الإسلام السياسي إعلاميا وأكاديميا ( حسب الويكيبيديا ) لتوصيف حركات تغيير سياسية تؤمن بالإسلام باعتباره "نظاما سياسيا للحكم". ويمكن تعريفه كمجموعة من الأفكار والأهداف السياسية النابعة من الشريعة الإسلامية التي يستخدمها مجموعة "المسلمين الأصوليين" الذين يؤمنون بأن الإسلام "ليس عبارة عن ديانة فقط وإنما عبارة عن نظام سياسي واجتماعي وقانوني واقتصادي يصلح لبناء مؤسسات دولة". وتعتبر دول مثل إيران والسعودية ونظام طالبان السابق في أفغانستان والسودان، والصومال أمثلة عن هذا المشروع، مع ملاحظة أنهم يرفضون مصطلح إسلام سياسي ويستخدمون عوضا عنه الحكم بالشريعة أو الحاكمية الإلهية .
ومنذ أطلق حسن البنا شعار "الإسلام دين ودولة" تحول هذا الشعار من كونه خاصا بحركة الإخوان إلى شعار مشترك بين الحركات الإسلامية، بل إن الربط بين الإسلام والسياسة يقول به أيضا كتاب لا تربطهم بالحركة الإسلامية رابطة مثل أدونيس فهو يرى أن السياسة في الإسلام بعد جوهري من أبعاد الدين.
والمفكرون الإسلاميون مثل حسن البنا والترابي والغنوشي والقرضاوي يعتقدون أن العلاقة بين الإسلام من جهة والدولة والسياسة والاقتصاد والاجتماع من جهة أخرى هي أكثر من علاقة تاريخية، بل هي علاقة منطقية مفهومة.
وللمفكرين الإسلاميين اعتراضات شديدة على المصطلح ، يقول الدكتور محمد عمارة مثلا : إنني لا أستريح كثيرًا لمصطلح " الإسلام السياسي ". أما السيد صدر البيانوني المراقب السابق للإخوان المسلمين في سوريا فيقول في الموضوع ذاته :
( بالنسبة لمصطلح " الإسلام السياسي " ، إنه مصطلح ناشئ أصلاً عن الجهل بالإسلام، الذي جاء بالعقيدة والشريعة، خلافاً للمسيحية التي جاءت بالعقيدة فقط، ونادت بإعطاء ما لله لله، وما لقيصر لقيصر.
إنك حين تجرّد الإسلام من بعده التشريعي، لا يبقى إسلاماً، وإنما يتحوّل إلى شيء آخر. إن الإسلام دينٌ شاملٌ لكل جوانب الحياة: السياسية والاجتماعية والاقتصادية.. فليس هناك إسلام سياسيّ، وإسلام اقتصادي، وإسلام اجتماعي.. بل هو إسلامٌ واحد، شاملٌ لكلّ جوانب الحياة، ولذلك نرفض مقولة " الإسلام السياسي " )
أما الدكتور ساجد العبدلي، الأمين المساعد للشؤون الإعلامية في الحركة السلفية الكويتية ، فيقول عن هذا المصطلح : ( هذا المصطلح يحمل تشويها كبيرا للمقاصد الشرعية من العمل السياسي..)
ويقول الدكتور جعفر شيخ إدريس في مقال له عن هذا المصطلح :
( عبارة "الإسلام السياسي" كأختها "الأصولية" صناعة غربية استوردها مستهلكو قبائح الفكر الغربي إلى بلادنا وفرحوا بها، وجعلوها حيلة يحتالون بها على إنكارهم للدين والصد عنه).
أما بالنسبة لموقف الإسلاميين من العلمانية والعلمانيين ، فيلخصه الشيخ راشد الغنوشي إذ يقسمهم إلى فريقين، متطرف ومعتدل، فيرى في المتطرفين فريقا عميلا ومنافقا في رأيه ، (والنفاق تاريخيا يعرف بإظهار الإسلام وإبطان الكفر)، مما يوحي بخطاب اتهامي بالجملة ، وهو ما يفتقد بلا شك إلى ما قد يلح عليه البعض من اعتدال الغنوشي.
و في توصيفه للعلمانيين المعتدلين يسخر الغنوشي من حيث كونهم يرفضون قوانين الإسلام وشرائعه، بينما يقبلون "سلطان القانون الدولي ومؤسساته وعهوده، ومنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان".
ويتضح موقف الغنوشي أكثر من العلمانية في كتابه "مقاربات في العلمانية والمجتمع المدني"، الذي يقول فيه تحت عنوان "جاءتنا العلمانية على ظهر دبابة وبقيت تحت حمايتها" ما يوحي ويؤكد اتهامه لها: "سيلاقي المنافقون من حكام العرب والنخب العربية الملتفة حولهم، والتي لم يبق لهم من مشروع ومن مصدر استرزاق غير محاربة الإسلام والإسلاميين، سيجدون عنتا شديدا إذا أرادوا أن يجعلوا لخطابهم ضد الحركة الإسلامية مصداقا لدى الشعوب" .
ويتهم خصوم الحركات الإسلامية هذه الحركات بأنها "تحاول بطريقة أو بأخرى الوصول إلى الحكم والاستفراد به، وبناء دولة دينية ثيوقراطية وتطبيق رؤيتها للشريعة الإسلامية". وتلقى فكرة تطبيق الشريعة الإسلامية بحذافيرها في السياسة عدم قبول من التيارات الليبرالية أو الحركات العلمانية، فهي تريد بناء دول علمانية محايدة دينياً، وأن تكون مسألة اتباع الشريعة الإسلامية أو غيرها من الشرائع شأنا خاصا بكل فرد في المجتمع لا تتدخل فيه الدولة.
وفي الوقت الذي يرى فيه العلمانيون أن هذه الحركات ، تعمل على "استغلال الدين لأغراض سياسية" وأنها تستغلّ السياسة لأغراض إقصائية، وهو الأمر الذي يستلزم الإدانة والرفض، أيما كان مصدره، فإن بعض أنصار التيار الإسلامي ، يرون في هذه الحجة نقيضها ، فالمفروض بالعلمانيين (حسب رأيهم ) أن يطبّقوا هذه المعايير على أنفسهم في التعامل مع الآخر، فلا ينتهجون السلوك الإقصائي ذاته.
وثمة رأي مفاده : ( أن الكثير من المنتسبين إلى التيار العلماني في المنطقة الإسلامية مارسوا -قبل ربيع الثورات العربية- أسلوب الإقصاء الاستبدادي تجاه التيار الإسلامي، عبر هذه المقولة وسواها، وذلك من قبل الوصول إلى السلطة، مثلما مارسه من وصل إلى السلطة متبنّيا العلمانية.. فهل يمكن الاعتماد على قول كثير من العلمانيين من خارج السلطة الآن، في ربيع الثورات العربية، أو على قول كثير من الإسلاميين بالمقابل، إنّهم لن يمارسوا الإقصاء الاستبدادي، فيما لو اختارتهم الغالبية الشعبية فوصلوا إلى السلطة فعلا؟!..)
كل طرف يصدّق نفسه إذا.. وهذا من حقه. ولكن من حق الشعب أن يختار من يراه جديرا بثقته فيصدّقه، وذاك ما يعنيه الاحتكام للإرادة الشعبية، فمن يعتقلها داخل جدران مرجعيته، يمارس الاستبداد والإقصاء من قبل وصوله إلى السلطة، وهو بذلك الأقرب ألف مرة إلى ممارسة الاستبداد والإقصاء فيما لو وصل إليها فعلا.
ويعتقد بعض المفكرين من غير الإسلاميين مثل محمد عابد الجابري بإمكانية تعايش الديمقراطية مع نظام إسلامي غير علماني ويعتقد أن العلمانية مشكلة مصطنعة اختلقت من قبل مفكرين مسيحيين في المشرق ظنا منهم أن العلمانية هي الضمان لحقوق الأقليات أو لحل مشكلة الحريات والحقوق عموما، ولكنهم بذلك يحولون الأنظار عن الحل الحقيقي والوحيد لمشكلة الحريات والحقوق وهو الحل الديمقراطي.
ولكن راشد الغنوشي يصف الدولة الإسلامية بأنها تحفظ فيها الحقوق والحريات وحقوق الأقليات ، ولكن هذا لا يعني في حال من الأحوال أن الإسلاميين من أمثال راشد الغنوشي يتبنون الديمقراطية في جميع وجوهها وسماتها بل يعني على الأقل ، أنهم يعتقدون بأن نظام الشورى هو المعادل الإسلامي للنظام الديمقراطي، وأن النظام الإسلامي المنتظر وبتبنيه نظام الشورى ذاته ، سيحتضن فكرة التمثيل السياسي إضافة إلى حفاظه على العديد من الحريات الديمقراطية، وعليه فأن يكون النظام غير علماني لا يمنع أن يكون ديمقراطيا. ولكن المصدر غير العقلي لأي اعتقاد لا يتجاوز عن كونه مجرد اعتقاد ولا يرقى إلى مستوى المعرفة من دون سند عقلي ( كما يرى عادل ضاهر في مؤلفه أولية العقل )، فإذا كان المصدر غير العقلي له سلطة ما فإن هذه السلطة لا يمكن أن تكون نهائية، إذ لا يمكننا أن نستبعد قبليا حصول تعارض بينها وبين سلطة أخرى فتنشأ الحاجة إلى اللجوء إلى اعتبارات مستقلة للحسم.
المجتمع المدني ..النموذج التركي
يتسم تصور الإسلاميين للمجتمع المدني ، في الخلط بينه وبين المجتمع الأهلي ، دون تفريق بينهما، وهو الخلط الذي يتجاهل ما يسمى "قيم المجتمع المدني نفسه" شأن التسامح السياسي والفكري والديني والروح المدنية وغيرها من بنيات هذا المجتمع".
ويرى المفكرون الإسلاميون( الغنوشي نموذجا ) أن مفهوم المجتمع الإسلامي المدني "راسخ متين، لأنه متفرع عن طبيعة الإسلام التمدينية الحضارية، وتحقيق لرسالة الإسلام، ومقاصده التمدينية في الانتقال بأهله من حال البداوة، إلى حال المدن والحضارة وهم يرون أن مهمة الحركة الإسلامية الآن هي إقامة مجتمع أهلي إسلامي، عبر مبادرات أفراده بإقامة مؤسساته، كما فعل محمد خاتمي في إيران حين جعل مشروعه للحكم قائما على بناء مجتمع مدني إسلامي في ظل سلطة القانون، أي سلطة الشريعة، وهو ما ينقل مركز الثقل من الحاكم إلى المحكوم، ومن الأمة إلى الدولة .
ونرى في مثل هذا الخطاب وعيا متنورا بأهمية المجتمع المدني، لكن لا شك كذلك أن هذا الوعي موظف لخدمة الهدف الإسلامي ليس أكثر، فهو لا يولي أية أهمية لضرورة التحالف، فضلا عن استبعاده لإمكانية القبول بممثلي المجتمع المدني، الذين ينتمي أغلبهم لمرجعية "نفاقية" و"علمانية" حسب توصيفات الغنوشي نفسه.
ولكن مخاوفا عديدة أثارها سقوط العديد من الحكام العرب المستبدين، هذه المخاوف التي تجسدت صراحة ، في الاستيلاء على السلطة من قبل الإسلاميين الأمر الذي يجعل الانتقال من تحت الدلف إلى تحت المزراب أمرا حاضرا في الأذهان . وللتعامل مع ذلك الخوف، وظف قادة الأحزاب الإسلامية في تونس وليبيا ومصروفي سوريا التي لم يسقط النظام فيها بعد ، صيغة سحرية : سميت بـ«النموذج التركي». هذه الصيغة التي من شأنها إشاعة أجواء التفاؤل بمستقبل يستبعد فكرة الاستبداد والإقصاء .
يرى الإسلاميون الجدد الصاعدون مع موجة الربيع العربي ، في النموذج التركي ، نموذجا ديمقراطيا حقيقيا جديرا بالاقتداء ، من أجل إقامة دولة تتآلف فيها " القيم الإسلامية مع القيم الديمقراطية المعاصرة ".
والنموذج التركي الذي كان قد بدأ بتشكيل " نجم الدين أربكان " لأول حزب ذو توجه إسلامي في تاريخ تركيا العلمانية عام 1970 وهو حزب " النظام الوطني " ، الذي تم حله بحكم قضائي بعد تسعة أشهر فقط من تأسيسه ، ومن ثم شكل أربكان ثلاثة أحزاب كانت تحل تباعا فيلجأ إلى تغيير إسمها ‘ كان آخرها هو "حزب الفضيلة " الذي تم حله عام 2001 . ليشكل مجموعة من المنشقين عنه "حزب العدالة والتنمية " بقيادة " أردوغان ".
لقد تمكن حزب العدالة والتنمية من أن يصبح مصدر إلهام لأحزاب التيار الإسلامي الصاعد مع ربيع الثورات العربية ، فراح زعماء هذا التيار يبدون رغبتهم بتكرار هذه التجربة الناجحة في بلدانهم .
وفي معرض حديثه عن ضرورة انتقال بلده إلى الحقبة الديمقراطية بعد سقوط الرئيس زين العابدين بن علي ، قال راشد الغنوشي "إن نموذجا تركيا بدأ يلفت نظر الشعب التونسي وخاصة في الآونة الأخيرة موضحا "أن للأتراك حكومة مُنتخبة وإعلاما حرا وقضاءً مستقلا وجيشاً منضبطا"، وطالب الغنوشي خلال حديثه تركيا بدعم مسيرة التحول الديمقراطي في تونس حتى تترسخ أقدامها في هذا الصدد مبينا أن من الممكن أن تلعب تركيا دورا فاعلا من خلال تجربتها الديمقراطية وتنفيذ مشاريعها الاستثمارية بتونس في هذه الفترة العصيبة التي تمر بها بلاده . وتطرق الغنوشي في مقابلته إلى أن تركيا لا تشكل نموذجا للتونسيين فقط وإنما للعرب أجمعين معللاً ذلك "بأنها أولت اهتماما كبيرا بالتنمية الاقتصادية، وعاقت الفساد في الدوائر الرسمية، وأمّنت استقلال القضاء، وضبطت الجيش، وهذه الأوصاف تجعل من تركيا قدوة حسنة، للشعب التونسي والعرب"، وأخيرا أكد الغنوشي أن تركيا تحتلّ مكانة مرموقة في عيون الجميع قائلا نحن ندين للأتراك وأجدادهم العثمانيين الكثير الكثير".
وفي الأردن أكد رئيس مجلس شورى "حزب جبهة العمل الإسلامي" علي أبو السكر أن الحركة الإسلامية ستسعى إلى تطبيق النموذج الأقرب إلى النموذج التركي وليس النموذج السعودي في حال وصولها إلى الحكم، مبيناً أن الحركة مع تطبيق نموذج الدولة المدنية.
وفي مصر وقع اختيار قادة جماعة الإخوان المسلمين على اسم «الحرية والعدالة» لحزبهم الوليد، ولا يخفى لما لهذه التسمية من استلهام للنموذج التركي البراق . وما يعكسه من إعجاب متنام في مصر والعالم العربي بالتجربة التركية .
وفي سورية لم يوفر قادة الإخوان فرصة للتعبير عن إعجابهم بالنموذج التركي ورغبتهم الصريحة في استلهام النموذج المذكور في سورية المستقبل التي يرون تبوؤهم للسلطة فيها أمرا بات بحكم المؤكد .
ومع تقدم الربيع الديموقراطي في المنطقة، ارتفعت جاذبية النموذج التركي بشكل كبير، وتحول إلى عنصر إلهام لقطاع من الفاعلين (سواء كانوا إسلاميين أو علمانيين) في الحراك الديموقراطي، وفي الوقت نفسه إلى عامل طمأنينة بالنسبة للقوى الدولية والإقليمية المتوجسة خوفا من مستقبل الاستقرار والأمن في المنطقة.
يرى البعض أن الاستقرار السياسي رهين المصالحة التاريخية بين الإسلام والديموقراطية والامتناع عن الاستئصال السياسي والإقصاء الاجتماعي للحركات الإسلامية ، وأن المستقبل السياسي لهذه الأخيرة مرهون بقدرتها على إنتاج تفاعل إيجابي يحقق الاندماج والمصالحة في إطار الدولة المدنية الحديثة وذلك بطريقة تستقي مصداقيتها من تجربة سابقة ملهمة هي تجربة ما يسمى " النموذج التركي " .
ولكن ثمة رأي مفاده ( وعبر مقارنة تاريخية ) أن اختلافا كبيرا في الظروف التي نمى فيها التيار الإسلامي في كلا الحالتين فأوجه الاختلاف بين التجربتين التركية والإخوانية تتجاوز بشدة أوجه التشابه إن وجدت، والحالتان على طرفى نقيض من حيث ظروف الميلاد والسياق الفكرى والهيكل التنظيمى والإطار الفكرى للمجتمع .

الكرد .. والإسلام السياسي
في الوقت الذي يتسابق فيه رواد الثورات العربية على إبداء إعجابهم بالنموذج التركي ، كأنموذج مشرف للإسلام السياسي ، ويتباهون بإنجازات العتيد أردوغان على كافة الأصعدة ، ينسون أو يتجنبون الخوض في الجوانب غير المنصفة في هذه التجربة ، بشكل مثير للريبة ، ويطرح بإزاءه سؤالا عن السبب الذي يدعو هؤلاء الدعاة الذين يجمعون بين مباركة السماء وتأييد غير مسبوق من لدن الأوساط الشعبية ، إلى السكوت أو غض الطرف أو تجنب الإشارة من بعيد أو قريب للمسألة الأهم في تاريخ تركيا الحديثة ، المسألة التي استعصت على الحل من قبل جميع الحكام والتيارات التي تبوأت سدة الحكم بدءا من أتاتورك " أبو الأتراك " وذئب الأناضول ، رمز العلمانية التركية ، وأتباعه حاملي رايته ذات الهالة المقدسة ، وانتهاء بأردوغان ذو الطموح الشرقي ، الذي وضع على صدره بطاقة إسمية مفادها أنه يمثل " العثمانيين الجدد " .
تلك هي المسألة الكردية !
والمسألة الكردية في الحقيقة فريدة في قدرتها على الاستحواذ على كل هذا العداء، من محيطها الملون بكل ألوان الطيف على الرغم من مشروعيتها التي لا غبار عليها وفق كافة شرائع الدنيا، الدينية والدنيوية ، فهي محاطة بدائرة كاملة من الإتهامات ، العلمانيون يتهمونها بالإرهاب ، والإسلاميون يتهمونها بالعمالة للغرب ، والغرب يعتبرها موالية للفكر المتطرف اليساري ، واليساريون يعتبرونها معبرا للمطامع الإمبريالية في المنطقة . ولكن أشد الحملات عليها يتشارك في قيادتها الأنظمة الإقليمية في البلدان التي تتقاسم السيطرة على كردستان ، دون رادع أخلاقي أو مبدئي ، يتساوى في ذلك الحكام والمعارضون . وفي ظلال ذلك الموقف الذي يفتقر إلى كل ما يمت إلى القيم الإنسانية بصلة ، يمتد تاريخ طويل من القهر و المذابح وحملات التنكيل والإبادة .
لا يبدو أن الإسلامين الذين يلهثون تحت وطء عباءاتهم المقدسة ، يحملون في جعبتهم جديدا مبشرا فيما يخص حقوق الشعب الكردي ، فهذا الشبل من ذاك الأسد .
ففي الوقت الذي يستخدم النظام الإيراني سياسة الأرض المحروقة في حرب الإبادة التي يخوضها ضد الشعب الكردي المحروم من أدنى حقوقه في إيران ، يستمر "أردوغان" الطيب المتباكي على سفن الحرية المتوجهة إلى غزة ، يستمر في حربه الانتحارية ضد الشعب الكردي ، ولا يتورع عن ملاحقة عناصر حزب العمال الكردستاني عندما يتراجعون إلى داخل الأراضي العراقية .
أما حلفاء الأمس في العراق فسرعان ما تنكروا لوعودهم بشأن هوية كركوك والمناطق الكردية الأخرى ، رغم مرجعيتهم الدينية ، ولم نلحظ هنا فرقا في الموقف ، بين العمائم البيضاء والسوداء .
أما في سورية ورغم الحاجة الملحة للتراص بين صفوف المعارضة ، فقد أثارت تصريحات السيد علي صدر الدين بيانوني ، أحد الوجوه البارزة في حركة الإخوان المسلمين في سوريا ، المتعلقة برفضه لحق تقريرالمصير للشعب الكردي في سوريا ، الاستياء لدى عموم أبناء الشعب الكردي ، وقد سبقها مقدار لا يقل عنه من المخاوف سبق أن أثارته آراء المذكور التي سبق وأدلى بها خلال لقائه مع إحدى القنوات التلفزيونية العربية، والتسريبات الصحفية الشهيرة التي تحدثت عن تعهدات قدمها بعض الشخصيات البارزة في الحراك السياسي السوري ( وعلى رأسهم الإخوان المسلمون ) عن استعدادهم للمشاركة في المخططات الأردوغانية المشبوهة فيما يتعلق بمستقبل الكرد في سوريا .
ومن ثم تبعتها تصريحات السيد " شقفة " التي دعا فيها بصراحة إلى التدخل التركي في شؤون البلاد ، على الرغم مما تنطوي عليه هكذا دعوة من مخاطر على كافة الأصعدة .
لا شك بأن مثل هذه التصريحات سيكون لها تأثيرات لا يستهان بها في الحكم على مدى تطابق وجهات النظر بالنسبة للقوى المنضوية تحت رايات الربيع الخفاقة .
وبالنسبة للحالة السورية لا يمكن لأحد التكهن بمدى تأثير الرؤيا المذكورة على مسار وعنفوان الثورة ذاتها.
ولا تبدو حالة البيانوني استثنائية بحد ذاتها ، فالحالة ليست مستقلة عن جوهر موقف ما يسمى بـ" الإسلام السياسي " على امتداد الرقعة المرشحة للتغييرات المقبلة .





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- حول المؤتمر الوطني الكردي في سورية
- حول الرؤية المشتركة


المزيد.....




- وزير خارجية لبنان لـCNN: القدس مقدسة ونحتاج قيادة عربية تقبل ...
- البرادعي: أتوقع نصرا باليمن مماثلا للنصر بسوريا بعد قناعة أن ...
- مفتي البوسنة: سنعرف لغز داعش غير المنظور!
- علماء: نوعية الغذاء تؤثر على المزاج
- ترامب يوقع أكبر ميزانية عسكرية للولايات المتحدة
- مصرع 4 أشخاص بهجوم انتحاري شمال نيجيريا
- الكونغرس يخول ترامب تمديد العقوبات على إيران
- الخارجية الأمريكية: اجتماع للجنة -5 + 1- وإيران يعقد يوم غد ...
- المعارضة السورية تدعو إلى مفاوضات مباشرة
- أنقرة تنتقد الضعف العربي قبيل قمة القدس


المزيد.....

- الدين والتجربة الشخصية: شهادة / ياسين الحاج صالح
- المناضلون الأوفياء للوطن والمحترفون ل (اللا وطنية) من أجل ال ... / محمد الحنفي
- سورية واليسار الأنتي امبريالي الغربي / ياسين الحاج صالح
- ما بعد الاستعمار؟ ما بعد الاستبداد؟ أم ما بعد الديمقراطية؟ / ياسين الحاج صالح
- كتاب فتاوى تقدمية للناصر خشيني تقديم د صفوت حاتم / الناصر خشيني
- اكتوبر عظيم المجد / سعيد مضيه
- الديمقراطية في النظم السياسية العربية (ملاحظات حول منهجية ال ... / محمد عادل زكي
- أسطورة الفاتح أو المنتصر - ماكسيم رودونسون / مازن كم الماز
- كلمة افتتاح المؤتمر الوطني 11 للحزب الشيوعي اللبناني / خالد حدادة
- وضع المصريين المسيحيين بعد ثورتين / محمد منير مجاهد


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - خوشناف حمو - الإسلام السياسي.. لاعب جديد للقرن القادم