أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - حسان خالد شاتيلا - دفاع عن المسألة النظرية : قراءة لكتابات نقولا الزهر















المزيد.....



دفاع عن المسألة النظرية : قراءة لكتابات نقولا الزهر


حسان خالد شاتيلا

الحوار المتمدن-العدد: 1052 - 2004 / 12 / 19 - 11:19
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي
    


تعيش المعارضة الديمقراطية في سورية منذ وفاة مؤسس الدولة البعثية الثالثة حافظ الأسد في العام 2000 حالة هي أشبه ما تكون بورشة دائمة لبناء تنظيمات جديدة ، ولصياغة أدوات للتفكير فعالة . ونقولا الزهر يعيش في فكره والتزاماته في قلب هذه الورشة . فكتاباتُه تُُعنى بالقضايا والمشكلاتٍ السياسية والثقافية التي تسيطر في المرحلة الراهنة على سورية . تَشهد على ذلك قائمة طويلة من الأعمال التي نُشرت في العام 2004 ، والتي تزيد في نشرة "الحوار المتمدن" وحدها على اثني عشر مقالا . منها مقال عن التداخل بين المقاومة والإرهاب . وآخر حول الديمقراطية كمحور مركزي في أية خطة انتقالية لإنقاذ البلاد والأمة العربية من أزمتها المستعصية . وثالث يتناول مسألة نمطٍ من الاستبداد الشرقي أو نمط الإنتاج الآسيوي الذي كان يسيطر في المرحلة الإقطاعية ، والذي لا يزال يسيطر اليوم في مرحلة البوجوازية الطفيلية والبيروقراطية على اقتصاديات البلاد ومقاليد الحكم ؛ أو كما يقول عنوانٌ المقال: "الشعوب العربية من نير الإقطاع السلطاني إلى نير الإقطاع الشمولي" . ويدحض مقال آخر أعمال القِمم العربية وما يرافقُها من أوهام عن الإصلاح . ولنقولا مداخلات حول الإصلاح والتحديث . وهو قَدَّمَ مساهمة مرموقة في نقد موضوعات المؤتمر السادس للحزب الشيوعي السوري – المكتب السياسي .

إن اهتمام صاحب هذه الأعمال بالمشكلات المنوه عنها هنا ، ليس من باب السياسة اليومية والعملية ، أو السياسة المحترفة والكتابة الصحفية ، وإنما هو يُعنى بها من حيث صلتها بجدل الفكر والعمل ، أو الوعي والممارسة . فإن هذه المشكلات والقضايا التي نعيشها ، وهي في قلب أزمتنا ، تستدعي برأيه مجموعة مفاهيم تُشكل في ما بينها نظرية للعمل والممارسة على المدى القريب والبعيد . مفاهيم وإن كانت مترابطة بحيث تُشَكِّل في ما بينها نظرية، إلا أنها – بمفهوم ماركسي - ليست مذهبا أو نسقا فلسفيا قائما بذاته ، وإنما هي تخضع للاختبار بمعايير الشروط المادية والموضوعية ، وتستمد معناها عندما تتحقق في شروط موضوعية يفرضه العمل عليها . ذلك أن بين الفكر والعمل علاقة تُوَحِّد بينهما . على أن يُفهم من هذه الوحدة أن النظرية تتكون ضمن الشروط التي تحددها الممارسة لها ، من جهة ، وأن النظرية إذ هي تخضع للممارسة فلأنها تستمد من هذه الأخيرة مبادىء صلاحيتها ومعايير فعلها ، من جهة ثانية . لكن النظرية بالمقابل ليست وقفا على الممارسة وحدها ، لأنها تستمد في الوقت نفسه مفاهيمها من دراسة قوانين الفكر والتاريخ وعلم الطبيعة . فالفكر النظري ينمو بفضل دراسة فلسفة الماضي ، وهو- لما كانت صلاحيته ليست قبلية - فإنه حصيلة للسيرورة المجتمعية المتمثلة في التملك المعرفي للواقع بمجمله . فالمادية التاريخية إذاً ، وإن كانت تحتفظ بأولوية الممارسة ، إلا أنها تعترف للنظرية بضرورة خاصة بها ، ولولا صلتها بالمراس العلمي لوقعت بالبراغمائية والتجريبية. ليست "النظرية العامة" أو المادية التاريخية إذاً مكتملة بصورة دائمة وأبدية طالما هي - على نقيض المثالية - لا تستمد حقيقتها من ذاتها ، وهي في الوقت نفسه ليست موضعا للتطبيق على الواقع انطباقا يُرغم الحركة التاريخية الواقعية على الانصياع لها . لذا فإن وظيفتها العملية هي التي تُعَرِّفها . فكما أن العلم والثورة لا يتحقق أحدهما بدون الآخر ، فإن الحركة الثورية متعذرة بدون نظرية ثورية (معجم الماركسية النقدي ، بإشراف جيرار بن سوسان وجورج لابيكا ، دارالفارابي 2003) .

يؤكد نقولا الزهر ، في أكثر من موضع من أعماله ، على أهمية النظرية في كل
ممارسة مقبلة ، ويحذِّر من أن غياب مثل هذه الرؤية النظرية سيُوُقِِعُ القوى الوطنية والديمقراطية في سورية في التجريبية والأخطاء والتوفيقية والتلفيقية والنفاجية والتقليد الأعمى الذي وقع فيه الفكر القومي وحركة التحرر الوطني . ففي مقالة له "حول الديمقراطية في العالم العربي" ، هو يشير إلى أن "الفكر يلعب دوراً رئيساً في اكتشاف الموضوعي الاجتماعي والاقتصادي . وإن كل صيرورة اجتماعية ، بدون هذا الفكري، لا يمكن إلا أن تدخل في دهاليز العفوية والقدرية والتجريبية وأوهام الحتمية ، وهذا ما وقعت به معظم حركات التحرر في العالم العربي (في مصر وسوريا والعراق والجزائر واليمن والسودان وليبيا..إلخ) . فهذه الحركات بدلاً من أن تعزز إبان تجاربها السياسية فكر الإصلاح الديني، والفكر النقدي الماركسي ، والفكر النقدي القومي ، من خلال تكريس الديموقراطية السياسية ، لعبت عبر سياسة الاستبداد الشامل والقمع المنهجي دوراً نكوصياً . فلقد اتسمت التجربة الناصرية في مصر وتجربة البعثيين في كل من سوريا والعراق، والقوميين العرب في اليمن وجبهة التحرير في الجزائر بالتجريبية التي تعتمد بشكل أساس على الممارسة السياسية المجردة من النظرية والفكر، ولقد اكتفت غالباً بفكر الفرد الملهم الذي لا يخطئ وغير القابل للنقد" .

إن شاغل الحداثة والمعاصرة الذي يُحيِِي ورشة الثقافة السياسية في سورية ويمدها بأسباب وجودها ، وإن كان وثيق الصلة بالفراغ السياسي الذي خلَّفه وراءه بعد وفاته باني الدولة البعثية الثالثة ، فإنه أيضا يندمج ضمن العالم بيقظة الثقافة اليسارية التي تُرافق عصر العولمة والليبرالية الجديدة ، وبما لحق بالفكر الماركسي من تجديد قبل وبعد سقوط حائط برلين وانهيار الاشتراكية البيروقراطية . فإن المسألة النظرية في عصرنا الذي كان بدأ مع نهاية عالم القطبين الشرقي والغربي ، وبعد القطيعة التاريخية التي استمرت ما بين 1989 و1991 مع إدارة إنتاج المجتمع بالطرق البيروقراطية والبوليسية ، اجتازت المسألة النظرية مع هذه القطيعة وتحت تأثيرها حالة من الخطر الذي كان يهدِّد عالما من الأفكار والممارسات وما تمخضت عنه من صراع الطبقات خلال القرن العشرين . والمسألة النظرية معنية اليوم – على حد قول الفيلسوف الماركسي فولفغانغ فريتس هوغ الذي يشرف على إصدار معجم للماركسية باللغة الألمانية من ثلاثة عشر مجلدا ( مجلة روغارد ، تشرين الأول 1999 ) - بإنقاذ الكنوز المندثرة تحت أنقاض القطيعة ، وإنقاذ النقد الذاتي للأخطاء الفادحة والضخمة التي ارتُكِبت خلال القرن الماضي ، كي تَسْتَعِد النظرية لمواجهة المستقبل وصراعاته ، وفي مقدمتها العولمة الليبرالية . ويجب أن لا ننسى أن المشكلات النظرية ذات الصلة بالنقد التاريخي للماركسية تُشَكِّل منذ نهاية القرن التاسع عشر وحتى اليوم مشروعا ما انفك يتجدد ، وذلك في ما كانت قطاعات واسعة من اليسار في حالة من النوم . إلا أن انهيار الماركسية الرسمية أيقظ النُوَّم من سباتهم ، فشيَّد ورشة من العمل لبناء عولمة للصراع ضد الليبرالية الجديدة بأفكار وممارسات متجددة .

يقظة اليسار الماركسي بدأت في وقت سابق على التحولات السياسية الجذرية التي اجتازت العقدين الأخيرين من القرن العشرين ، والتي تميَّزت بأُفول الاشتراكية البيروقراطية ، وظهور الليبرالية الجديدة والمحافظون الجدد في الولايات المتحدة ؛ وإن كانت هذه التحولات اللاحقة شحذت اليقظة التي كانت بدأت واستمرت خلال القرن العشرين . قبل هذه التحولات بثلاثة عقود أو أكثر ظهر في فرنسا هنري لوفيفر الذي قاد منذ نهاية الخمسينات من القرن الماضي حركة نقد وتجديد في الثقافة الماركسية ، بعدما كان سبقه على هذه الطريق آخرون غيره من أمثال لوكاش وبريخت وغرامشي وجورج سوريل وكورش الذين انتقدوا الانحرافات السلطوية والبوليسية للأجهزة ، وأدركوا في الوقت نفسه ما أستجد من تغيُّرات جوهرية بعد الحرب العالمية الثانية ، في العلاقات المجتمعية ، والتكنولوجيا المتطورة ، وواكبوا في الوقت نفسه أزمة الماركسية التي بدأت مع ماركس ، واستمرت من بعده طوال القرن العشرين وحتى يومنا هذا . إذ في ما كانت الأحزاب الشيوعية تعلن في نضالاتها ومعاركها السياسية أن نهاية البورجوازية والاستعمار في كال مكان أصبحت وشيكة ، كان المثقفون الماركسيون من أتباع مدرسة فرانكفورت ، وفي فرنسا تلامذة لوفيفر ودوزانتي ، وغيرهما كألتوسير ولابيكا وباليبار وبولانزاس وكتاب مجلة دياليكتيك في السبعينات ، ثم بيديه وكوفالاكيس وكتاب مجلة ماركس الراهن اعتبارا من مطلع الثمانينات ، يتابعون في تقصيهم لقوانين الأحداث ما يحمله التاريخ من ثورات تكنولوجية ومجتمعية شملت نمط الإنتاج الرأسمالي نفسه فغيَّرت من مضمون وشكل المسألة النظرية التي أصبحت تعتمد المجتمع نقطة انطلاق لها بعدما كان الاقتصاد يشكل المنطلق هذا .

أزمة الماركسية وُلِدَت معها لأنها انتقدت كل فكر يزعم لنفسه أنه يحمل معه حلا مسبقا للمشكلات والمسائل المتجددة التي تواجه الإنسان والمجتمع بصورة مستديمة ، ولأنها رَجَّحَت ما يحمله معه التاريخ من تُغييرات جوهرية في التكنولوجيا (أدوات الإنتاج ) والمجتمع (القوى المُنتِجة )والسياسة والاقتصاد ، على الوعي أو الفكر النظري الذي يأتي بعد التغيرات الواقعية . إلا أن الماركسية ، وإن هي دحضت منذ اليوم الأول لوجودها فلسفة المثاليين والماديين الميكانيكيين بعدما خرج ماركس في سنوات النضج على الأنساق والمنظومات الفكرية إلى ثورات التاريخ ، فإنها احتفظت من تاريخ الفكر الإنساني بقدرة الفرد على اكتشاف القوانين المتجددة للوعي والعمل اللذين يجتمعان ويفترقان على حد سواء ليشكلا أداة واعية للعمل ، أو ما يُعرف في لغة القواميس والمطولات المدرسية والتربوية بالنظرية العلمية .

هذه العلاقة بين الفكر والعمل وثيقة الصلة بأزمة الماركسية . فهي حملت معها أزمتها عن رضاً وقناعة لأنها تُدرك أن هذه الصلة بين النظرية والسياسة ، بين الوعي والممارسة ، على ضرورتها معقدة وغير آلية ، وتحمل معها مفارقات زمنية على صعيد الوعي والعمل . وقد وقف لينين على العلاقة الإشكالية في المسألة النظرية (ما العمل؟)، فرأى أن المشكلة ذات طبيعة عملية ، أي معرفة كيفية المرور من حركة النقابات الاقتصادية إلى الحركة السياسية للأحزاب ، أو الانتقال من عفوية الجماهير في حركتها إلى وعي راقٍٍٍ في العمل السياسي النظري والتنظيمي في صفوف الاشتراكية الديمقراطية . إن مهمة النظرية هي برأيه الارتقاء بالوعي العفوي والعمل السياسي إلى معيارية مادية ، وتحليل للمجتمع في كل تشكيلاته ، لتطبيق هذا الوعي ذو المعيارية المادية على المجتمع في كل أبعاده . ويكون مثل هذا الارتقاء إلى مثل هذه الشمولية التي لا غنى عنها لبلورة الوعي السياسي الطبقي ، يكون بتوسط تنظيم الوعي تنظيما نظريا جديدا من نوعه . فليست النظرية ، من حيث هي فكر ، هي التي تستطيع – برأي لينين – أن تحل التناقض بين الاقتصادي والسياسي ، وإنما فكر نظري من نوع جديد عَمِلَت فيه الممارسة عملها ، وعمل هو فيها ، هو الذي يمكنه حل هذا التناقض ، على أن يكون هذا الفكر خاضع بدوره لسيرورة تطور صراعي .

إن المهمة النظرية ليست هي نفسها المهمة السياسية . فليس كل قائد سياسي مُنَظِّر ، والعكس بالعكس . باستثناء عدد قليل من كبار المثقفين السياسيين ، كماركس ولينين وتروتسكي وغرامشي . استثناء يُخفي الصلة الحقيقية والمعقدة التي تربط وتباعد دون فصل بين النظرية والسياسة الواقعية . ألم يكن ماركس على خلاف مستديم مع الأحزاب العمالية المعاصرة له ، وبوجه خاص الحزب الديمقراطي الاجتماعي في ألمانيا . بل وكتب ماركس مخاطبا قيادات هذا الحزب بقوله : إن النظرية مضطرة إلى الإعلان على الملأ أنها طلَّقت الحزب ، شأنها في ذلك شأني أنا . الأمر الذي يكشف عن الأزمة التي كانت تسيطر على العلاقة بين ماركس صاحب النظرية والقادة السياسيين الألمان . وكانت الأزمة ظهرت إلى العلن لأول مرة بعد مرور عقد واحد فقط على وفاة ماركس من جراء تعاقب سلسلة من التناقضات التي نشأت مع انتشار الماركسية في صفوف الأممية الثانية بسرعة ملحوظة ، وذلك في ما كانت تخفي هذه السرعة حقيقة مؤداها أن الماركسية نشرت أفكارا مبَسَّطة . ما أدى إلى نشوب خلاف بين أنجلز الشيخ وبين شباب الحزب الاشتراكي الديمقراطي .

أزمة تُبيِّن أيضا أن كلا من الفكر الراديكالي والسياسة العملية اليومية أو التطبيقية ، يمارس مهامه على صعد متباينة إلى حد شاسع . حتى أن الطريق الفاصلة بين النظرية والممارسة تستغرق – على حد قول فولغانغ فريتس هوغ - وقتا طويلا للانتقال ما بينهما . فعمل النظرية في المجتمع والثقافة والأفكار وتأثيرها على هذا كله يحتاج إلى جيل أو أكثر قبل أن تظهر له نتيجة حاسمة . فإذا كانت النظرية هي التي ترسم الطريق الذي يقود إلى الهدف المجتمعي المطلوب ، فإن السياسة تعتقد ، في أغلب الأحيان وفي مطلع الأمر ، أن هذه الطريق غير سالكة أو غير ضرورية . ثم يأتي جيل أو جيلان ، فيَتبيَّن للسياسة أن النظرية كانت على حق . نعم ، إن انتقادات روزا لوكسمبرغ للينين هي أفضل مثال على ذلك عندما تخاطبه بقولها :"إذا أنت خَنَقْتَ النقاش السياسي المتعدد الأصوات والآراء فإنك ستخنق نفسك ، وسوف تقطع على المدى البعيد جذور سلطتك عن قاعدتها" .

واكتسبت المسألة النظرية أهميتها في تاريخ الحركة الاشتراكية من الخلاف الذي ما انفك يستمر حتى اليوم بين الاشتراكيين الديمقراطيين الذين كانوا يتملصون من أية نظرية علمية ليرجعوا في تبريرهم لمصادر الاشتراكية إلى المذاهب الإنسانية أو التجريبية ، وبين الشيوعيين الذين ثابروا على البحث عن مستجدات التاريخ بأفكار متجدِّدة . إن المسألة النظرية حازت حتى اليوم باهتمام عظيم في تاريخ الفكر اليساري والثوري ، لأن العلاقة بين النظرية والممارسة كانت دوما في الفكر الاشتراكي ، سواء أكان هذا الفكر ماركسيا أم اجتماعيا ديمقراطيا ، حدا فاصلا ، منذ نهاية القرن التاسع عشر ، حدا فاصلا بين الثوريين الشيوعيين الذين كانوا يؤكدون على أهمية النظرية في صياغة البرامج السياسية ، وبين الإصلاحيين الذين كانوا يسعون إلى إحراز إصلاحات جزئية ومكاسب في الأجور أو في عدد المقاعد البرلمانية متناسين المستقبل وما يحمله معه ضمنا أو ظاهرا من تطورات وصراعات . وكان أنجلز يتهكم على الديمقراطيين الاجتماعيين في ألمانيا لأن برامجهم السياسية آنية ولا تستند إلى رؤية علمية . وكانت هذه المسألة وما تزال كما هو معرف أحد الأسباب الرئيسة في انقسام الحركة الاشتراكية في العالم .

هذه الأزمة التي ترافق المسألة النظرية منذ نهاية القرن التاسع عشر هي إذاً وليدة العلاقة الإشكالية للمفارقات بين النظر والعمل . أي أن أزمة الماركسية منذ القرن التاسع عشر وحتى القرن الواحد والعشرين ذات طبيعة إبستمولوجية منشؤها أنها ، من جهة ، تفنَّد كل نظام فكري منسق ، وأنها ، من جهة ثانية ، متحررة من أية نظرية عرفان . فمن جهة ، هي دَحَضَت النظام والنسق الفلسفي لأنه يعمل كالآلة التي تريد أن تُخْضِع الواقع لأوامرها القاطعة الناهية التي تَصْدُر عن المذهب الفكري باسم الضرورة ، وأن تحل التناقض باسم نظامها . حتى أن ماركس انتقد أسطورة النسق الذي يُعْتَبَر برأيه "متاهة الأنظمة" ، لأن كل تمسك بالنظام الفلسفي لا ينفصل عن تفسير العالم دون تغييره . أما في ما يتعلق بالعرفان ، فإن نظرية المعرفة لم تعد ميدانا مستقلا قائما بذاته ، بل يتم تحديدها من خلال الرد على المثالية ، ومن حيث مناقضة للا أدرية ، وكدحض الأشكال الميتافيزيقية للمادية . فالمعرفة ، إذ هي وثيقة الصلة بجدل الممارسة التاريخية ، فإنها تعمل بمثابة مجموعة من الموضوعات التي صيغت في مواجهة الموضوعات المضادة . إنها بهذا المعنى على خلاف الفلسفة ، ليست معنية بالرجوع رجوعا مطلقا إلى إشكالية فريدة من نوعها اسمها المعرفة . ذلك أن نظرية المعرفة لم تعد مجالا ذا استقلال ذاتي ومعايير ذاتية تحدِّدها المعرفة بنفسها ولنفسها . إنها تُلغي المرجعية الشمولية لإشكالية عرفان هي نسيج وحدها (منظومة) أُطلق عليها اسم المعرفة . وإنما هي تعترف بمشكلات غنوصية متعددة وذات خصوصية .

والحال ، إن الأزمة إذاً ليست لاحقة أو سابقة بانهيار الاشتراكية البيروقراطية ، وإن كانت وثيقة الصلة بتاريخها الفعلي كما تجسَّد هذا التاريخ في الثورات الشيوعية والاشتراكية والنكسات والانحرافات التي سبقتها ورافقتها ، ثم لحقت بها . ألم تنته ِكل الثورات الشيوعية من كومونة باريس و حتى اليوم إلى الفشل ! فالأزمة التي تصاحب المسألة النظرية ذات جانبين ، نظري إبستمولوجي ، وسياسي واقعي . فإذا كانت الماركسية تعيش في أزمة مستمرة ، وتتجدد مع تجاوزها للأزمة ، فإن لكل عصر أزمته ، وإن أزمتها الحالية تختلف على سبيل المثال عن أزمتها إبان الخلافات بين البلاشفة والمناشفة ، والأمميتين الثانية والثالثة . فالتحجر العقائدي للماركسية بدءً من المرحلة الستالينية وانتهاءً بالإعلان أن الماركسية ذات طبيعة غير قابلة للتجاوز (كما يلاحظ سارتر) ، هما الوجهان المعاصران والمتناقضان للصيرورة/الدولة التي دخلت إليها لتشكل بديلا للصيرورة/الجماهير التي كان من المفترض أن تشَكِّل ميِّزتها . وقد انتهى المؤتمر العشرون للحزب الشيوعي السوفياتي ، وانقسام الحركة الشيوعية العالمية ، إلى إظهار النتائج المفزعة للجمود ، على حد قول جيرار بنسوسان في معجم الماركسية النقدي . وإن أزمة الماركسية التي تختلف من عصر إلى آخر تنقسم بدورها داخل كل عصر إلى أزمات ، وذلك كنتيجة لاندماج ماركسية بعينها ، في هذا البلد أو ذاك ، في هذه القارة أو تلك ، بحالات من الخصوصية موزعة حسب الحركات النقابية والأيديولوجيات ، كاندماجها في نهاية القرن التاسع عشر في حركة عمالية كانت تاريخيا موجودة قبلها ، أو مع الأيديولوجيات التي تؤلف هذه الحركة العمالية ، كاللاسالية في ألمانيا ، والبرودونية والبلانكية في فرنسا ، والفوضوية في أسبانيا وإيطاليا ، والنفعية في إنكلترا . وبالتالي ، فإن أزمة الماركسية هي بالضرورة أزمة أشكال وجودها التاريخي في نماذج بعينها (المعجم ، م.س ، الأزمة الماركسية) .

هذه المسافة بين المعرفة والعمل موضع اهتمام في عمل نقولا الزهر عندما يُنَبِّه في قراءته لمشروع موضوعات المؤتمر السادس للحزب الشيوعي السوري – المكتب السياسي ، إلى ضرورة مراعاة هذه الإشكالية . فهو يرى أن بين النظرية السياسية لحزب شيوعي أو يساري ، وبين برنامجه السياسي المرحلي ، مسافة تستدعيها طبيعة العلاقة بين المعرفة والعمل . مسافة لا مفر منها بين ما يراه الفكر وبين ما تسمح به الظروف الموضوعية ، وذلك لإحراز مكاسب مرحلية على طريق أهداف أبعد ونضالات حاضرة ومُقبلة لا تنته . وهو يستعيد هنا مسالة المفارقة بين مسار الوعي ومسار الواقع ، والتي كانت من أهم أعمال ماركس التي أُُلغيت في الستالينية والماركسية السوفياتية . (الواقع والتاريخ يتجدد قبل الفكر وأسرع منه ، لكن القديم يبقى رغم القضاء على حامله الموضوعي والجدي يظهر بصعوبة ) . وعن هذا الإلغاء نشأت الفكرة الخاطئة عن التوازي الميكانيكي بين البني العليا والبنى التحتية . وعلى هذا النحو ، فإن البرنامج السياسي لحزب يساري يجب أن يستجيب لمتطلبات المرحلة ، لكنه بالمقابل براعي اعتبارات الانسجام مع النظرية التي تُعْتَبَر أوسع من البرنامج (مثلا الشيوعي يُنجز مهام الثورة الديمقراطية الليبرالية دون أن يتخلى عن نقده لمفهومها الضيق ، ويسعى ثقافيا رغم تأييده المرحلي للديمقراطية الليبرالية إلى نشر أفكار أوسع عن الديمقراطية) .

ينتقد الزهر الموضوعات لأنها لم تراع هذه المسافة ، فيقول : وإن "الحزب الديموقراطي الذي تطمح إليه الموضوعات، لا بدَّ أن يقيمَ فصلاً نسبياً ومسافة ضرورية ما بين خلفياته الفكرية وبين برنامجه السياسي المرحلي ، وفي آن لا يبتر العلاقات بين هذه الخلفيات وتوجهِِه السياسي ، حتى لا يقع في مستنقع التجريبيية ، والنفاجية الشعاراتية (snobism ). كما حدث في يوم من الأيام". وهنا ، يتطرق نقولا إلى الجانب الإبستمولوجي من العلاقة المعقدة بين المعرفة والعمل ، فيشير إلى ان "بين هذه النظرية الفكرية والبرنامج السياسي هنالك علاقة تقاطع ، وهي ليست علاقة تناقض بينهما على المستوى الاستراتيجي ، كما هي في آن ليست علاقة تطابق في النشاطات السياسية المرحلية والتكتيكية". هذا التفاوت في صلب المسألة النظرية هو ترجمة لشكلي الوعي ، البروليتاري الاقتصادي من جهة ، والسياسي من جهة ثانية ، اللذين لا يتطوران – حسب لينين – على نسق واحد ؛ بل بتفاوت . هنا يعمل الفكر النظري من حيث هو تَمَفْصُل بين المسارين ، وإليه تعود مهمة حل تناقضهما (معجم الماركسية النقدي ، م.س) . فإن حيز المعرفة ، كما حيز النظرية العامة ، هو التمفصل بين هذين المسارين المفارقين .

كانت المسألة النظرية من حيث هي وعي لمسار التاريخ وما يمليه من تغيير في أسليب العمل وأنماط التفكير موضعا للمراجعة والنقد والتجديد على امتداد القرن العشرين . فالظروف الموضوعية للثورة ، وما يلحق بنمط الإنتاج (قواه وأدواته وعلاقاته) من تطور ، والمآل الذي ينتهى إليه في كل منعطف تاريخي صراع الطبقات ، والعلاقة بين نمط الإنتاج والسياسة ، كل هذه الموضوعات تُشكِّل المضمون المادي للمسألة النظرية . فإذا كان القرن العشرين زاخرا بالحروب والثورات ، وكان القرن الحالي في مطلعه مسرحا للصراع بين العولمة الليبرالية ومناهضيها ، فإن صراع الطبقات الذي اتسع ليوحد بين شرائح واسعة ، كثيرة ومتنوعة ، من أصحاب الأجور ، أو ليوحد أيضا بين الشعوب في مناهضتها للأمبريالية ، لا يزال هذا الصراع المجتمعي رغم اتساعه وما لحق بأشكاله من تغيير ، هو صلة الوصل مع القرن الماضي ، وهو الدافع الذي يحرك عبر الحروب والثورات المسار التاريخي للقرنين . وإن الماركسية أو النظرية العلمية هي التي كانت وما تزال تكتشف القوى الفاعلة في مجتمعاتنا المعاصرة ، وهي نفسها التي كشفت عن الانحرافات البوليسية والبيروقراطية لثورة أكتوبر ، منذ ثورة 1905 في روسيا القيصرية ومارافقها من خلافات بين البلاشفة والمناشفة ، بل وبين لينين وتروتسكي ، وهي التي انتقدت مع تروتسكي وغيره من مئات المثقفين والعمال المرحلة الستالينية ، وهي أيضا التي دحضت منذ لوكاش الفلسفة الرسمية للاتحاد السوفياتي .

إن الخلافات حول المسألة النظرية قد عايشت تاريخ الماركسية عبر ثلاثة قرون . فإذا كانت صراعات الطبقة العاملة في أوروبا الصناعية مرجعا ومصدرا للثورة التي صاغها بالفكر والعمل ماركس والشيوعيين ، إلا أنها كانت ولاتزال مصدرا للخلافات بين هؤلاء ومعارضيهم ضمن الحركة الاشتراكية . فقد دحضت ثورة 1905 في روسيا القيصرية ، وذلك في وقت مبكر من تاريخ الحركة الشيوعية ، النظرية التي كانت تقول مع ماركس في نهاية القرن التاسع عشر أن الثورة الاشتراكية هي وليدة الطبقة العاملة وأحزابها في البلدان الصناعية المتقدمة في أوروبا . وقد انتقد لينين النظام الذي اختطه التطور التاريخي للغرب الأوروبي حسب تحليل ماركس له ، وتنظيره له . وكان هذا المنعطف النظري في صلب الخلافات ضمن الأممية الثانية بين البلاشفة والمناشفة ، قبل وما بعد ثورة 1905 ، خلافات بين إصلاحيين بدون نظرية ، وبين ثوريين واعين بخصوصيات روسيا . وذهب غرامشي في المنحى نفسه من الانتقادات الموجَّهة لنظرية ماركس حول بناء الاشتراكية في أوروبا المتقدمة صناعيا قبل غيرها ، فبيَّن أن المسار الواقعي للأحداث ليس صورة مطابقة للمسار الفكري ، "وإن وقائع الثورة في روسيا فجَّرت المسارات النظرية التي كانت تريد من تاريخ روسيا أن يسير حسب القنوات التي رسمتها المادية التاريخية . فالبلاشفة يتخلُّون عن كارل ماركس عندما يؤكدون ، بالاستناد إلى ما أُنجِزَ من عمل وانتصارات ، أن قنوات المادية التاريخية ليست كما يُقال لا تُثنى " (الكتابات السياسية) .

وقادت الثورة البلشفية في مطلعها إلى تجديد آخر في المسألة النظرية حسب ما يتبين من "الثورة الدائمة" : أي إدراك ما تحمله الثورة ، ما وراء أشكالها الجامدة ، من حركة ، وإن كانت هذه الحركة ليست مرئية بصورة مستديمة ، فإنها تُنتِج هذه الأشكال وتلغيها . وقد أدرك تروتسكي في عمله "الثورة الدائمة" أن التطور الصناعي في روسيا مخالف للتطور الصناعي في أوروبا حسب ما أدركه ماركس . ففي روسيا أُلغِيَت مرحلتي المهن والمانيفاكتورة من التطور الصناعي لرأس المال ، وظهر المصنع قافزا فوق المرحلتين . ما قاد تروتسكي إلى القول إن ثورة أكتوبر هي أقوى تعبير "عن الخصوصيات الجديدة للسياسة"(تروتسكي، الثورة الدائمة، منشورات إن.أر.إف ، ص 181) . وأدرك أيضا تروتكسي في عمله "مهامنا السياسية" المنشور في سويسرا في العام 1903 ، مدى تأثير التطورات التي لحقت ضمن الأممية الثانية بالطبقة العاملة الأوروبية ، والتي أملت بدورها على المناشفة في روسيا مسلكهم ، بعدما لحق الفساد ببعض قادة العمال الأوربيين الذين استفادوا من أرباح الأمبريالية في المستعمرات . الأمر الذي قاد هؤلاء إلى خيانة الطبقة العاملة مع صدور إعلان الحرب . وكان الفكر الإصلاحي استشرى في حينه ضمن الحركة العمالية الأوروبية حتى أن روزا لوكسمبرغ كانت الوحيدة ضمن الحزب الاجتماعي الديمقراطي في ألمانيا التي أيَّدت الثورة البلشفية . وقد رفض المناشفة الروس إنجاز الثورة متأثرين بالإصلاحية التي كانت سائدة في الغرب . وقد أدرك تروتسكي على غرار لينين منذ ثورة العام 1905 أن الثورة في روسيا وشيكة الوقوع لا محالة . وكان الاتفاق بينهما على الأهداف كاملا ، إلا أن الوسائل كانت موضعا للخلاف بينهما ، ما دام تروتسكي يعارض في عمله "مهامنا السياسية" (سويسرا 1904) لينين ، في ما يتعلق بموافقة هذا الأخير على انقسام الحزب الاشتراكي الديمقراطي الروسي ، من جهة ، ومن جراء رفض تروتسكي لنظام المركزية الديمقراطية التي نادى بها لينين قبل ثورة 1905 ، من جهة ثانية . ثم جاءت المستجدات التي توالت مع الانحراف الستاليني لتمنح معنى جديدا لمتغيرات التاريخ التي قادت تروتسكي بعد ثورة أكتوبر 1917 إلى تجاوز لينين بأفكار كان هو نفسه ينادي بها قبل ثورة 1917 في "مهامنا السياسية" ، وذلك منذ العام 1904 . وعلى هذا النحو ، فإن المسألة النظرية كانت أثناء كل ذلك موضعا للمراجعة والتجديد في ضوء الواقع ومتغيراته . "فإذا كان لينين هو الذي جعل من الثورة حدثا راهنا أو معاصرا، فلأنه صحَّح وتجاوز أفكار ماركس . وإذا كان تروتكسي جعل من لينين عملا معاصرا فلأنه صحَّحه وتجاوزه . هذا هو طريق الثورة ، وليس من سبيل إليها سوى التصحيح والتجاوز" ؛ على حد قول أحد التروتسكيين (تيكو جوسِّيفور ، مجلة كاري روج ،العدد 17 ، ربيع 2001) .

إن البيروقراطية السوفياتية التي أرست سلطاتها فوق بناء شامخ من التصنيع المتقدم لم تستطع المضي قدما في التحديث ، لأن النمط السياسي للسيطرة على المسيرة المجتمعية للإنتاج المتطور وللتحكم به لم يعايش ويواكب ، من جهة ، ما لحق من تطور هائل بأدوات الإنتاج ، كما لم يتكيف ، من جهة ثانية ، مع الدور الإنتاجي الذي بدأت تمارسه الطبقة العاملة السوفياتية في بناء المجتمع وتسييره . هذا الدور يختلف بصورة جوهرية عن دور الطبقة العاملة عندما كانت تُنجز تصنيع روسيا المتخلِّفة تحت أشكال استبدادية من السلطة . لذا ، فإن المشروع اللينيني انهار بعدما حل النظام البوليسي محل النظرية العملية . ذلك أن الإدارة البيروقراطية السلطوية العسكرية عاجزة من حيث طبيعتها ووظيفتها وآلياتها عن مواكب التقنيات الجديدة التي تتميز بمرونتها ، وتنوعها ، والتعدد في أشكالها وأنماطها ؛ هذا إن لم تكن البيروقراطية البوليسية عائقا أمامها ونقيضا لها . وأصبح العامل السوفياتي بعدما خرج الإنتاج من العهد القيصري إلى الحداثة هو المُبَرْمِج وليس المُنتِج الميكانيكي . الأمر الذي كان يعني ، من الناحية النظرية ، اتساع دور الطبقة العاملة في الإنتاج المجتمعي والسياسي على حد سواء . بيد أن النظام البوليسي الذي يضع نفسه فوق القوى العاملة هو الذي أبعد الطبقة العاملة وحلَّ بنفسه محل النظرية العلمية . فلقد أُبعِدَت القوى العاملة - على حد قول فولفغانغ فريتس هوغ - ومعها النظرية العلمية إلى أبعد مسافة ممكنة عن مراكز القرار والتسيير ، حتى أن الاتحاد السوفياتي نفسه انتهى به الأمر إلى الانهيار ، بعدما استبدلوا ماركس بعنف كل من ال /كا.جي. بي والعسكر والمكاتب ؛ متناسين أن أنما ط الإنتاج - كما كان يقول غرامشي - هي مصدر الكتلة التاريخية التي توحَّد بين كل القوى المجتمعية . استبدلوا النظرية السياسية العلمية بعنف السلطة ، حتى إذا ما جاء وقت الإصلاح السياسي والمجتمعي للحاق بالتطور التكنولوجي الذي استعصى في المكاتب والسجون ، لم يجد غورباتشيف جذورا للثورة في هذا المجتمع الذي كان يوما ما وليد ثورة عظيمة .

وتسير المسألة النظرية من حيث تجدُّدها جنبا إلى جنب مع التطورات الواسعة التي تلحق بنمط الإنتاج وأدواته وذلك من جراء ما يلحق بالتكنولوجيات الحديثة ، من تطورات نوعية ، من جهة . كما هي تسير، من جهة أخرى ، جنبا إلى جنب مع أحداث الحاضر ، أي الحداثة والمعاصرة ، التي تَفْرض على الوعي أن يعيد قراءة ماركس واللاحقين به لمواكبة مستجدات التاريخ . الأمر الذي جعل من المجتمع في عصرنا الراهن يحتل ، تحت تأثير التطور الهائل الذي لحق بنمط الإنتاج الرأسمالي وتنظيماته السياسية والثقافية ، نقطة الانطلاق في المسألة النظرية بعدما كان الاقتصاد هو الذي يشغل هذا المركز النظري . فقد اتسع ، ما بعد الستينات من القرن الماضي ، ما كان نمط الإنتاج في عهد ماركس ولاحقيه يشغله من موقع في النظرية ، وذلك عندما بدأ غزو الفضاء والألألة والمعلوماتية في الصناعة والاتصالات ، حتى أن نمط الإنتاج خرج تحت تأثير هذا التطور لأدوات الإنتاج الذي غيَّر بدوره من علاقات الإنتاج في المجتمع ومن دور القوى المنتجة ، خرج نمط الإنتاج من المجال الاقتصادي الذي كان يشغله حتى الستينات من العام الماضي ، ليستوعب مع الاقتصاد ما هو أوسع منه ، أي المجتمع . ما يقود - على سبيل المثال - بجاك بِيْدِي Jacques Bidet الذي يرأس تحرير مجلة ماركس الراهن ، إلى القول إن القيمة والمال وفائض القيمة التي كانت نقطة انطلاق لماركس شملت اليوم معها التنظيم المجتمعي بأسره ، ولم يعد رأس المال يقتصر على العامل الاقتصادي وحده من حيث هو مُحَدِّد لكل ما سواه في المجتمع والسياسة والثقافة ، وإنما أصبح نمط الإنتاج يشمل ويطوي كل المجتمع . لذا ، فإن كل "نظرية عامة" تستدعي أن يكون المجتمع نقطة البداية التي تقود إليها هذه النظرية : المجتمع الآن ، المباشر والفوري ، والذي تمر عبره كل الوسائط التي تكفل الانتقال من السوق إلى الرأسمالية .

أي إن المسالة النظرية لم تعد نظرية اقتصادية ، وإنما هي أصبحت نظرية مجتمعية . فالمستجدات التي طرأت على العالم بعد ماركس والتي لم يعرفها كاتب رأس المال تستدعي مثل هذه القراءة المتجددة باستمرار للواقع ولتاريخ النظرية الماركسية . ذلك أن قوى الإنتاج اتسعت لتشمل شرائح واسعة مُنتِجة من الطبقات الوسطى ، فالعامل الذي كان يؤدي عملا ميكانيكيا أصبح هو المُبَرْمِج ، وبالتالي فإن دور القوى المُنتِجة حسب النظرية العلمية للسياسة والمجتمع اتسع ليشمل عددا واسعا من الشرائح المجتمعية ، وهو لم يتقلص حسب ما يعتقده اليسار التقليدي والنقابات العمالية . وكان رأس المال في نهاية القرن التاسع عشر بسيطا وأشبه ما يكون بالهش ، سريع العطب ، والذي لن يلبث أن يتهاوى تحت أقدام الأمميتين الأولى والثانية ، أو هكذا خُيِّل في حينه للمجتمع العمالي . ثم تبيَّن أن الرأسمالية أكثر ذكاء مما كان يعتقده ماركس والمُنَظِرُّون الشيوعيون من بعده . كما تغيرت في القرن العشرين أشكال الدولة والصراع الطبقي ، إلا أن مناهضة رأس المال بقيت مستمرة بعدما خرج رأس المال من الحرب العالمية الثانية بخلاف كل التوقعات الثورية والشيوعية قويا ، ومسلحا بالقدرة التنظيمية على التجدُّد . إن ماركس في حربه على رأس المال - على حد قول جاك بيدي في عمله "النظرية العامة" (باريس ، المنشورات الجامعية الفرنسية ، سلسلة مواجهات وماركس الراهن ) - لم يَعرف الوحدة المتناقضة بين السوق والتنظيم ، والتي تتداخل وتتعارض في وقت واحد وفي كل مكان ، بدءً من السوق وانتهاءً بتنظيمه . والحال كما يقول بيديه أن رأس المال "لايزال حتى اليوم تنظيميا وتجاريا" (أو مُنَظِّم وتاجر معا) . أما المُستَغَلُّون ، فلا زالوا هم أنفسهم في أعلى مراتب التنظيم ، وفي السوق على حد سواء" . ويعتقد بيديه أن القيمة والمال وفائض القيمة التي كانت نقطة انطلاق لماركس إنما هي تستوعب معها اليوم "المجتمع" ككل ، وليس راس المال وحده ، بما في ذلك التنظيم المجتمعي بأسره ، لاسيما وأن العامل المُسْتَغَل هو نفسه الذي يُنَظِّم العمل الذي كان في الماضي يقتصر على النُخبة المُسْتَغِّلَة . لذا ، فإن كل "نظرية عامة" تستدعي أن يكون المجتمع نقطة البداية التي تقود إليها هذه النظرية .

ولدى نقولا الزهر وعي بهذه التطورات التي طرأت بصورة جوهرية على الفكر والعمل . على الفكر من حيث تَشَكُّل أنظمة تفكير جديدة لإدراك المتغيرات النوعية للواقع ، حسب ما يتبيَّن ذلك على سبيل المثال مع جاك بيدي ، من جهة . وعلى العمل ، من جهة أخرى ، من حيث ظهور أشكال جديدة لمناهضة الليبرالية مع نشوء حركة مناهضة العولمة التي تدعو إلى عولمة من نمط آخر ، فضلا عن الصدام العالمي بين الشعوب والليبرالية الجديدة والذي لا يزال في بدايته ، وذلك بالإضافة إلى اتساع التناقض أو الصراع الطبقي ضمن المجتمع الرأسمالي والذي أصبح يشمل العمال وشرائح واسعة من الطبقة الوسطى بعدما تقلَّصت الفجوة بين المهندسين والخبراء والفنيين وبين العمال من جراء تحول العامل نفسه إلى تقنى فني ومٌبَرمِج . وتُذَكِّر هنا الانتقادات الموجهة من الزهر إلى موضوعات المؤتمر السادس إن الحزب بدأ منذ المؤتمر الثالث ، ثم في مؤتمريه الرابع والخامس ، يتلمس طريقاُ ذات خصوصية لبلورة نظرية عربية أو دليل للوعي والعمل تُوفِر عليه الغوص في التجريب والذوبان في سياسة لا تُمثِّل المصالح التي يدافع عنها ، وتحميه أيضا من الانسياق وراء سياسة تَجْمَع وتُلَفِّق وتُوَفِّق بمنطق انتهازي بين البرامج كيفما استدعت الظروف . وتبلغ مسألة العلاقة بين النظرية والممارسة لدى نقولا حداُ متقدما من الوضوح عندما يُنَبِّه بأن "العلاقة بين فكر الحزب وبرنامجه السياسي قد بقيت هذه العلاقة في الموضوعات مفككة إلى حدٍ ما ، وهي ربما تحتاج لتحديدٍ وتوضيح أكثر لتجيب على بعض الأسئلة التي يمكن أن تُطرح : ما هي العلاقة بين الفكر والسياسة ؟ وبتحديد أكثر هل من ضرورة أن يكون للحزب خلفية فكرية ، وما مدى علاقتُها ببرنامجه السياسي ؟ لذلك أرى أن حزباً يسارياً ديموقراطياً ، وإن كان ليس بالضرورة أن تكون خلفيته فقط الماركسية، لكن لابد لهذا الحزب من نظرية فكرية يقوم هو بإنتاجها وتطويرها ونقدها باستمرار" . ولم يفُت صديقَََََي أن ينبِّه إلى "أن البحث النظري في المؤتمرات السابقة ، الثالث والرابع والخامس ، حول الوحدة العربية - على سبيل المثال وليس الحصر - قد غاب عن مشروع الموضوعات المقدمة إلى مؤتمره السادس" .

إن أهمية العمل الذي يقدِّمُه لنا الزهر في هذه المرحلة من تاريخنا تعود ، بالإضافة إلى جمعها بين الحداثة والمعاصرة طالما هي تواكب ما يجري لدى الماركسيين في العالم كما في سورية من تجديد ، إلى إلحاحه بصورة متجددة على ضرورة العناية بالإنتاج النظري والإنتاج الفكري ، أي قضايا المعرفة وأدواتِها ومفاهيمِها ، وعملِه على تلافي أوجه النقص الخطيرة التي بدأت تنال من الجهد النظري ، وذلك في ما تظهر اتجاهات سياسية لدى اليسار تميل نحو التخلي عن المعرفة كدليل للعمل ، وتنغمس بعيدا عن أية نظرية في العمل التجريبي الذي يقود إلى مختلف أنواع الانتهازية السياسية ، بما في ذلك اليسارية الانتهازية منها . وإن عمل نقولا إذ هو يواكب التطورات النظرية في العالم فإنه يضع في الوقت نفسه نصب عينيه خطر الإنتهازية اليسارية المحدق بالعمل السياسي في سورية في غياب النظرية . لذا فإنه ينبه إلى أن الموضوعات في معرض كلامها عن الفكر وأدوات المعرفة الجديدة ، وعندما تتحدث عن الاستغناء عن مفهوم "ديكتاتورية البروليتاريا" ، ونزع القداسة عن مفهوم "الصراع الطبقي"، كانت "مبتورة تقريباً ودون أي معالجة فكرية ونظرية ، وبدت المسألة وكأنها فقط محصلة حاصل لهزائم التجارب الاشتراكية التاريخية . فلم تُوضع النقاط على الحروف فيما يتعلق بالأسباب الاجتماعية والفكرية والسياسية التي أدت إلى هذا الفشل التاريخي . ودخول الموضوعات في قضايا معرفية يتطلب منها في المقابل الكلام على بعض الأدوات المعرفية الجديدة التي يتداولُها النقد الماركسي الراهن ، مثل الكلام عن صراعٍ اجتماعي "لاطبقي" محايث للصراع الطبقي ، و الكلام على مفهوم "التشكيلة الاجتماعية" الذي بدأ يطغى في الفترة الراهنة على مفهوم نمط الانتاج(فالرشتاين وباليبار) ، وكذلك مفهوم العلاقات الاجتماعية الذي بدأ يطغى على علاقات الإنتاج . وفي الماركسية النقدية الجديدة هنالك طروحات تتعلق بإعادة النظر في مفهوم المادية التاريخية ، ومفهومي البناء الفوقي والبناء التحتي وتركيب كل منهما . والكلام على العولمة والاقتصاد المعرفي الذي ورد في الموضوعات ، على أهميته ، لا أرى أنه قد غطى على قصورٍ في الجهدِ الفكريٍ والنظريٍ يجب تجاوزه" .

واليوم ، فإن المسألة النظرية معنية بتحليل التغييرات العميقة التي طرأت على نمط الإنتاج وأنماط التفكير والعمل السياسي بما في ذلك تنظيم السلطة وأشكال التمثيل السياسي ، وهي معنية أيضا بمراجعة عالم من المفاهيم المنقولة والمكتسبة . فالواقع تغّيَر بصورة عميقة ، إلا أن مسافة شاسعة لا تزال تفصل بين النظرية والسياسة . إذ فيما تدعو النظرية إلى إعادة تنظيم موقع العمل في المجتمع بصورة جوهرية لتعطيه حيزا مركزيا من جراء التقدم التكنولوجي الهائل فتوسع من دور قوى الإنتاج ، ولأن القوى العاملة أصبحت هي التي تُبَرمِج الإنتاج بعدما كانت مجرد قوة عضلية للعمل الميكانيكي ، فإن النقابات – كما يلاحظ فولفغانع فريتس هوغ - التي لا تزال متأخرة وراء النظرية في ألمانيا على سبيل المثال تعتقد أن العمل فقد كثيرا من أهميته ، لذا فإنها راحت تُسَلّم بأن عقود العمل المؤقتة أصبحت أمرا لا مفر منه ، في ما كان عليها بالأحرى أن تطالب بعقود عمل أفضل ، وبدور أكبر في الحياة السياسية . الأمر الذي يشير إلى أن العلاقة بين النظرية والسياسية معقدة للغاية . صحيح أن التحاليل النظرية لا تُقَدِّم وصفات سياسية صالحة وجاهزة للتنفيذ بصورة فورية ، إلا أن السياسة العملية أو التطبيقية ، بالمقابل ، مطالبة بأن تقوم بجهود أضخم لتستنتج النتائج من التوقعات النظرية ، فتعمل بموجبها أو تستغلها حتى وإن كانت هذه التوقعات عمومية ومجردة .

ولدى نقولا وعي عميق بالحاجة الماسة إلى النظرية في عصر يشهد مثل هذه التغيرات الجوهرية في السلطة والمجتمع وأدوات الإنتاج . لذا ، فإن هذا الجانب من كتاباته تستحق مثل هذا القَدَر من الاهتمام طالما هو يعالج مشكلات الفكر والعمل في سورية بصورة مستديمة ضمن هذه العلاقة بين النظرية والممارسة . فإعْمالُه الفِكرَ في مسائل العلاقة بين العوامل الذاتية والعوامل الموضوعية للاستبداد أو البناء الديمقراطي ، كما في ما يتعلق بالديناميكية الداخلية والخارجية للإصلاح ، على غرار سواها من الموضوعات ، إنما هو يتقصى بصورة مستديمة الكشف عن العلاقة بين الفكر والعمل . وإن الزهر الذي تخلص من مثالية المنطق الجدلي ، فهو لا يسعى إلى تطبيق مقولات منطقية صماء على واقع غني متجدد ومتغير ، تَراه يتعقب الواقع المجتمعي السياسي ، ويكتشف فيه صراعاته الجديدة وتناقضاته . منها على سبيل المثال أنه يرى في "مسألة الإصلاح من الداخل أم الإصلاح من الخارج" جدلا لا طائل منه . إنه يجمع في المنحى الفكري نفسِه بين النضال من أجل الديمقراطية وبين النضال من أجل التحرر من الاحتلال ، رغم أن مشروع الشرق الأوسط الكبير لليبراليين الجدد في العالم يريد بناء الديمقراطية والمجتمع المدني في بلادنا . وهو لا يخرج عن هذا التماسك النظري عندما يُفَنِّد دعاة الخصوصية الديمقراطية في ضوء العلاقة بين الخاص والعام . فإن خصوصية الديمقراطية ، هي برأيه ، ذات صلة ليس بمضمون الديمقراطية كما يذهب مَّدَّعيها الذين يستخدمون الخصوصية للتهرب منها ، فالديمقراطيةُ واحدةٌ لاتتغير ، وإنما الخصوصية كما يقول مرتبطة بالطريق المؤدية إليها ، مرتبطة بالزمان والمكان .

وفي هذا السياق النظري يفتح أيضا نقولا طريقا جديدة أمام مقاربة للعلاقة بين الذاتي والموضوعي ما يزال الفكر العربي السياسي بعيدا عنها ، فقد كانت العوامل الذاتية كالثقافة على سبيل المثال ُتعتبر حتى الآن من مكونات البنى العليا التي تتأثر بنمط الإنتاج أو البنى التحتية دون أن تؤثر فيها . لكن أعماله تتجه في طريق مخالف لهذا الذي كان حتى وقت ليس بالبعيد سائدا منذ العهد الستاليني ، أي إلى أن جاءت القراءات المتجددة لماركس لتعتبرَ أن العامل الذاتي عندما يتحول إلى بنى وأنظمة فكرية وثقافية ، فإنه يتحول بدوره إلى مادة مؤثِّرة ، شأنُه شأنَ سواه من العوامل الموضوعية المادية . وعلينا - كما يقول نقولا – "ألاّ ننسى أن كل ذاتي يتحول إلى موضوعي . فتكريس الخُرافة وإلغاء النفي والجدل وتحريم الاجتهاد وتحريم الإصلاح وتضييع المفاهيم ؛ كل هذه الأمور هي من إنتاج الذات ، ولكنها مع الزمن تصبح من أساسيات الموضوع . من هنا إني لا أرى أي تناقض بين تحول كل ذاتي إلى موضوعي" .

* * *
إن منطق الحداثة والمعاصرة هو نفسه منطق كل من الثورة العلمية والإنتاجية لغزو الفضاء ، وارتباط الحاسوب في البيت والمكتب والمصنع بالأقمار الاصطناعية ، ونظام البرمجة الإلكترونية الذي تَحَوَّل إلى شبكة تمتد وتتسع في كل مكان ، وانتشار العمال والفنيين والمهندسين وتوزعهم في أصغر زاوية من المنزل والمعمل والشارع ، وانتشار الحرب في المشرق العربي وأفغانستان ، وهو نفسه إذاً هذا الانتقال الذي يشهده العالم من جراء الانتقال من نمط إنتاج إلى نمط إنتاج آخر . هذا الانتقال هو نفسه أيضا الذي يمنح النظرية العلمية للمعرفة والعمل في عصرنا أهميتها القصوى . لأن النظرية هي التي تستنتج الحركة الجدلية بين قوى الإنتاج وأدواته وعلاقاته ، وتنتقد في الوقت نفسه ما يرافق النمط الجديد للإنتاج من نظام سياسي مجتمعي اقتصادي وثقافي . فللنظرية ضمن هذا النمط الجديد من الإنتاج موضع الأساس .

ومع هذا النمط الجديد للإنتاج تشكَّلت العولمة الليبرالية الجديدة التي تشكل الأشكال الظاهرة من الانتقال من وإلى نمط إنتاج جديد . وإن الليبرالية الجديدة هي النمط السياسي الذي يدير ويُسَيِّر هذا الانتقال من نمط للإنتاج رأسمالي كلاسيكي إلى نمط آخر ليبرالي جديد . وما العولمة سوى اسم للمشروع الليبرالي الجديد ، فهي التي تُعِين الليبرالية على إنجاز الانتقال في نمط الإنتاج . وإن للنظرية هنا مهمة أساس ، ألا وهي ، كما يقول فولفغانع ريتس هوغ ، تعيِّين نقطة لانطلاق مناهضة العولمة انطلاقا من نمط الإنتاج ، وليس انطلاقا من التشكيلات السياسية للعولمة ، لأن مناهضة العولمة من حيث هي عولمة ، أي من حيث هي شكل سياسي لنمط الإنتاج الجديد ، أمر لا طائل منه ، أو هي تشبه - على حد قول فريتس هوغ - "كلبا يعوي وراء القمر" . ذلك أن لنمط الإنتاج أسبقية على التشكيلات السياسية ، لأن كل ما هو سياسي إنما هو تعبير لما يحدث على صعيد نمط الإنتاج . والمناهضة مُوجَّهة في المقام الأول لنمط الإنتاج قبل شكله السياسي ، أو للعلة قبل السبب إن صح التعبير . لذا ، فإن مناهضة سياسة الليبرالية الجديدة موجَّهة في المقابل الأول ضد الشكل الذي يتشكَّل به نمط الإنتاج ، وليس للعولمة من حيث هي تشكيلة سياسية لليبرالية الجديدة . إنها بهذا المعنى مناهَضَة موَجَّهة ضمن النمط الجديد وليس ضده . فقد شملت العولمة الإنتاج الصناعي وغيره ، ولملمت العالم بأسره ضمن شبكة للاتصالات تربط المحطات الفضائية بالحاسوب عبر المعلوماتية . لذا فإن مناهضة العولمة هنا ليست مُوَجَّهة ضد السياسة المعولََمَة ، لأن مناهضة مثل هذه العولمة لا طائل منها بعدما أصبحت ضرورة ، وإنما هي مُوَجَّهة ضد الطريقة والأسلوب الذي تريد الليبرالية الجديدة بمقتضاها تنظيم هذه السياسة المعولَمَة . أو بتعبير آخر : إن مناهضة العولمة تستمد مبرراتها من تسخير اللبرالية الجديدة لها تسخيرا كليا ، وذلك على غرار ما يفعل النظام الشمولي بالمجتمع عندما تُفسد السلطة المستَبِدة الإنتاج ، فيتحول الإنتاج بدوره إلى نمط إنتاج للفساد . فالعولمة بهذا المعنى إذاً هي الوسيط الذي أصبح بفضله النمط الليبرالي للإنتاج عابرا للقارات ، وتسقط أمامه دونما مقاومة كل الحدود الوطنية التي كانت تتمترس وراءها البوجوازية الوطنية في مرحلة الرأسمالية القومية . إلى ذلك ، فإن العدو الجديد ليس العولمة بحد ذاتها أو الأنترنيت والعامل الذي ينتجه ، وإنما هو الليبرالية المتوحشة التي تُحَوِّل العولمة إلى وحش مثلها ، هو الميكروسوفت الذي ينفرد في السيطرة على العالم بأسره وليس الانترنيت والحاسوب ونظام الوورد . العدو هو سياسة التسليح والحروب التي تبسط هيمنة كونية جديدة في العالم بدءً من المشرق العربي ، وليس قوى الإنتاج عبر كل الحدود القومية .

بالمحصلة ، فإن نقولا الزهر يعتقد ، كما يتبيَّن من عمله ، أن لا مفر لنا من النظرية لمواجهة الليبرالية الجديدة وتشكيلاتها السياسية التي تنتقل في العالم عبر العولمة المتوحشة . وهو يدعو إلى البحث عن الخصوصيات الجديدة للسياسة كما تظهر في سورية والوطن العربي ، أسوة بالخصوصيات التي ظهرت في أوروبا وغيرها ، والتي وجدت تعبيرا لها في أحداث تاريخية متجددة ، وفي أعمال لماركسيين ما انفكوا يراجعون الواقع والفكر ، متلمسين الوعي المؤثِّر والعمل الناجح . إنه ، في ما نحن على أبواب صراعات جديدة ، يدرك ما للصلة بين السياسة والنظرية من أهمية لبناء سياسة وبرامج سياسية ذات صلة بالتاريخ والظروف الموضوعية . لذا ، فإن كتاباته تشغل في سورية موقعا ، إن كان هو يقع منها في صميم ورشة العمل والفكر والكتابة السياسية والفكرية ، فإنه يندمج أيضا في هذه الورشة العالمية التي تسيطر عليها الهموم نفسها ، سواء لدى الماركسيين في أوروبا أم في أمريكا نفسها وكندا . إلا أنه لا يزال من القلة النادرة من كتاب المقالة السياسية في سورية الذين يعيرون اليوم مثل هذا الاهتمام بدور النظرية . إذ إن التخلي عن الستالينية وما كانت تروجه من فلسفة رسمية انتهى بأن حجب عن كثر من الشيوعيين أن الستالينية هي التي أقصت النظرية العلمية ومعها الطبقة العاملة ، ولينين نفسه ليس بريئا بصورة كاملة عن هذا الإقصاء طالما هو رفع السلطة المركزية للقيادة الحزبية منذ العام 1903 (مالعمل) فوق كل ما عداها . ولقد قاد هذا السقوط المثقفون اليساريون في سورية إلى النفور في المرحلة الراهنة من النظرية العلمية(أو النقدية) للسياسة والمجتمع ، حسب ما يتبين – على سبيل المثال - من القراءة النقدية التي يقدِّمها هو لموضوعات المؤتمر السادس . الأمر الذي قادهم في الوقت نفسه إلى التخلي عن الصراع الطبقي في أشكاله القديمة والإنصراف ، كما هو يلاحظ ، عن تقصي أشكاله الجديدة . حتى بات اليسار في سورية اليوم يرعى التسوية بين الصناعة وقوى الإنتاج ، ويصالح كيفما اتفق بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج ، هذا إذا كان لا يزال لنمط الإنتاج من معنى لدى اليسار السوري .

الواقع إن هذا اليسار ، الشيوعي منه أم الماركسي ، قفز من الستالينية إلى الاشتراكية الديمقراطية دون أن يصادف في طريقه في أي يوم من الأيام الماركسية المتجددة والمتأزمة دوما وأبدا . فلقد أخذ في المرحلة الراهنة اليسار السوري عن الاشتراكية الديمقراطية في أوروبا سياسة التسوية والمصالحة ضمن نمط الإنتاج . وكما هو اكتشف أن السير على خطا لينين معصوب العينين ، بعد ما كان يوالي الستالينية ولاءً دينيا ، قد قاده إلى طريق مسدود ، فإن تقليد سياسة التسوية في أحزاب الاشتراكية الديمقراطية في أوروبا ستنتهي على المدى البعيد بالأصل والمُقَلِّد إلى الهلاك . هذا المصير الذي ينتهي إليه كل من انطلق في السياسة وراء أفكار طيبة وسامية بدون نظرية علمية أو نقدية . لاسيما وأن نمط الإنتاج الجديد الذي انتقل إليه نمط الإنتاج الرأسمالي الكلاسيكي يضع النظرية أمام مهمة جديدة ، ألا وهي اكتشاف جديد لنمط الإنتاج في صيرورته ما بعد ماركس ، كيف هو يتشكَّل ، وكيف للقوى المجتمعية أن تنخرط ضمنه في نضالاتها . وهذا مثال للمهام التي تضطلع بها النظرية ، وفكرة أيضا عن العلاقة بين ما هو تحليل نظري وما هو سياسة . فإذا كانت النظرية تدرك ما هو جديد إدراكها لموت العادات والتقاليد البالية ، فإن السياسة عاجزة عن إنجاز القطيعة بين ليلة وضحاها مع هذا القديم . إنها تجازف كثيرا عندما تنكب على تغيير التقاليد والعادات . أما النظرية فإنها هنا تمارس دورها الكامل في الفضاء المتنور والمثقف ، وتدلل على أهميتها عندما تبني ثقافة للتغيير تجمع وتركب بين الاستمرارية والتجديد . وهي ، في آن واحد ، تغرس ما هو جديد ، وتستكشف ما هو مجهول .

كانون الأول 2004





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,565,590,185
- أسئلة موجهة الى مشروع تقرير المؤتمر السادس للحزب الشيوعي الس ...
- عن التحالفات في سورية على مشارف المنعطف الانتقالي


المزيد.....




- متحف اللوفر أبوظبي يعرض أقدم لؤلؤة في العالم
- حديث عن مشاركة إسرائيلية بمؤتمر في البحرين
- إسرائيل تشارك في مؤتمر بالبحرين لحماية السفن من هجمات إيراني ...
- مقتل قيادي في تنظيم القاعدة بتونس
- نفوذ تركيا في المنطقة: قوة للبناء أم للهدم؟
- رأس العين: انسحاب القوات الكردية من البلدة الحدودية في شمالي ...
- إسرائيل تشارك في مؤتمر بالبحرين لحماية السفن من هجمات إيراني ...
- تحدى الإعاقة وأصبح ملهما للآخرين.. طفل قطري يرعى مبادرة بيئي ...
- معرض الدوحة للتمور المحلية أكثر من مجرد تسوق
- شاهد: لجوء يتلوه آخر.. مئات العائلات السورية تفر إلى العراق ...


المزيد.....

- مقالات إلى سميرة (8) في المسألة الإسلامية / ياسين الحاج صالح
- ثلاث مشكلات في مفهوم الدولة / ياسين الحاج صالح
- العرب التعليم الديني والمستقبل / منذر علي
- الدين والتجربة الشخصية: شهادة / ياسين الحاج صالح
- المناضلون الأوفياء للوطن والمحترفون ل (اللا وطنية) من أجل ال ... / محمد الحنفي
- سورية واليسار الأنتي امبريالي الغربي / ياسين الحاج صالح
- ما بعد الاستعمار؟ ما بعد الاستبداد؟ أم ما بعد الديمقراطية؟ / ياسين الحاج صالح
- كتاب فتاوى تقدمية للناصر خشيني تقديم د صفوت حاتم / الناصر خشيني
- اكتوبر عظيم المجد / سعيد مضيه
- الديمقراطية في النظم السياسية العربية (ملاحظات حول منهجية ال ... / محمد عادل زكي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - حسان خالد شاتيلا - دفاع عن المسألة النظرية : قراءة لكتابات نقولا الزهر