أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المغرب العربي - الأماميون الثوريون - الشروط الموضوعية المساهمة في تأسيس منظمة -إلى الأمام-















المزيد.....



الشروط الموضوعية المساهمة في تأسيس منظمة -إلى الأمام-


الأماميون الثوريون

الحوار المتمدن-العدد: 3474 - 2011 / 9 / 1 - 15:22
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المغرب العربي
    


في هذا المفال يتناول المناضل الثوري " فؤاد الهلالي" الشروط الموضوعية المساهمة في تأسيس منظمة "إلى الأمام" في علاقتها بالصراع الطبقي القائم آنذاك بمغرب القمع الأسود ، الذي قاده السفاح المجرم " الحسن " و زبانسته ضد اليشار الثوري و خاصة الماركسيين اللينينيين الذي رفعوا راية النضال الثوري عالية ضد النظام الملكي الكومبرادوري الديكتاتوري.

الأماميون الثورييون

1. العوامل الموضوعية المساهمة في تأسيس منظمة "إلى الأمام".

إن العوامل الموضوعية المؤدية لتأسيس منظمة "إلى الأمام" هي نفسها التي ساهمت في تأسيس الحركة الماركسية-اللينينية المغربية.ويمكن إجمالها في ما يلي:
 على الصعيد الأممي:

- تنامي المد الثوري التحرري للشعوب الذي هز أركان النظام الاستعماري الامبريالي في العديد من بلدان القارات الثلاث (إفريقيا، أمريكا اللاتينية، آسيا)( حركات التحرر الوطني في المستعمرات البرتغالية: أنغولا،مزمبيق،غينيا-الرأس الأخضر. وفي جنوب إفريقيا، ناميبيا، زيمبابوي، أورغواي، البرازيل، كولومبيا، الأرجنتين، بوليفيا. الثورات الشعبية بقيادة الأحزاب الشيوعية في الهند-الصينية :الفيتنام، اللاووس، كامبودج...).
- اتساع المد النضالي لحركة الطبقة العاملة وحركة الشباب في دول المركز الرأسمالي( نضال الطبقة العاملة في الستينات، حركة مايو 1968 في فرنسا، ومايو "الزاحف" في إيطاليا ورفرفة راية الثورة العالمية وشروقها وانفضاح الخيانات التحريفية للثورة العالمية ...).
- انطلاق الثورة الثقافية البروليتارية الصينية بقيادة "ماوتسي تونغ" كإبداع ثوري لتجاوز البناء الاشتراكي البيروقراطي عن طريق بلورة خط الجماهير إيديولوجيا، اجتماعيا، سياسيا، اقتصاديا وثقافيا. بالاعتماد على الطاقات الهائلة التي تفجرها الجماهير في الثورة واقتحامها للبنى الفوقية وتثوير لعلاقات الإنتاج و ضرب مراكز تواجد القوى التحريفية داخل الحزب والدولة وبناء سلطتها الشاملة بقيادة الطبقة العاملة و طلائع حزبها الثوري.
- انفضاح خط الانحراف البيروقراطي التحريفي لتجارب البناء الاشتراكي عن الأهداف والمبادئ الثورية للماركسية اللينينية في الاتحاد السوفياتي وأروبا الشرقية بعد وفاة الرفيق ستالين.

 على الصعيد العربي:

- تنامي تبعية الأنظمة الرجعية العربية للأمبريالية والصهيونية مشكلة جميعها الثالوث الامبريالي الصهيوني الرجعي المعادي للمصالح التحررية لشعوب المنطقة عربيا ومغاربيا.
- فشل أنظمة برجوازية الدولة( الناصرية، البعثية...) في إنجاز مهام التحرر الوطني والبناء الديمقراطي لطبيعتها الطبقية المعادية للديمقراطية وللمصالح الاستراتيجية للطبقة العاملة( الفشل في تحرير فلسطين، انفضاحها أكثر أمام الهجمة الرجعية(الأردن 1970)، هزيمة 5 يونيو 1967، فشل الإصلاح الزراعي وبناء اقتصاد وطني مستقل عن الامبريالية ...) وإدراك الجماهير أن معركة النضال ضد الصهيونية هي نضال مرتبط بالنضال ضد الامبريالية والرجعية أي نضال طبقي ضد كل أعدائها.
- اتساع حركة التعاطف والالتفاف حول المقاومة الفلسطينية خاصة بعد معركة الكرامة 1968 في الأردن ونشوء اليسار الفلسطيني الماركسي اللينيني(الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين 1967، الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين 1968) و نشوء الجبهة الشعبية لتحرير الخليج العربي المحتل واندلاع الثورة في ظفار وتحول الجبهة القومية في اليمن إلى تنظيم ماركسي لينيني بقيادة عبد الفتاح إسماعيل وسالم ربيع وأخرون وانطلاق تجربة اليمن الديمقراطي.

 على الصعيد الوطني.

- تعمق أزمة النظام الديكتاتوري الكمبرادوري بالمغرب وإتساع دائرة نهبه لخيرات البلاد وقمعه واضطهاده للشعب المغربي وطبقاته الوطنية والشعبية في سياق تحالف بنيوي إستراتيجي بين المصالح الكمبرادورية والمصالح الاستراتيجية والاقتصادية والسياسية والعسكرية للأمبريالية العالمية خاصة الفرنسية والامريكية.
- تنامي نضالات الجماهير الشعبية على امتداد خريطة الوطن بعد استعادة الطبقة العاملة المغربية لديناميتها ونهوضها النضاليين واتساع نضالاتها الكبرى في المدن والقلعات المنجمية ابتدءا من سنة 1968 وتميزها بطول نفس والروح الكفاحية العالية وإبداع أشكال تنظيمية خارج الجهاز البيروقراطي للاتحاد المغربي للشغل( إضراب مناجم خريبكة، مناجم جرادة، النسيج، المطاحن...).
- تصاعد نضال الفلاحين الفقراء والصغار وتصدر"شعار الارض" لنضالاتهم السلمية والعنيفة
( إنتفاضة بني ملال، سطات، تسلطانت، اولاد خليفة...).
- انخراط الشبيبة المدرسية في النضال الجماهيري إبتداءا من 1968 ضمن انطلاقة شمولية وروح نضالية عالية أججتها الخيانات الاصلاحية والتحريفية لنضالات الجماهير الطلابية والتلاميذية وبذلك إتخدت موقعا متقدما في النضال توفرت شروطه الموضوعية والذاتية بنمو الحركة الجماهيرية بشكل عام. ومن العوامل المساهمة في اتساع دائرة نضالاتها وتجذرها وذلك من خلال توسيع قاعدتها من ابناء الجماهير الكادحة( وصول أفواج مابعد 67 و68 إلى الجامعة من أبناء الجماهير الشعبية بعدما كانت حكرا على أبناء البرجوازية. إن هذا المعطى ساهم في تحقيق تبدل كمي وكيفي داخل الحركة الطلابية التي أخذت تجذر مواقفها من المشاكل المطروحة على صعيد التعليم. وقد ساهم اليسار الثوري الناشئ في ذلك كما سيظهر في المعارك المجيدة للشبيبة المدرسية في فبراير-مارس 1970، التي إنتهت تحت تكالب الإصلاحية والتحريفية في المشاركة الخيانية في مؤامرة إفران السيئة الذكر.
- لقد عمقت نضالات مايو- يونيو الوضوح أكثر بفعل حجمها بطبيعة القوى الإصلاحية والتحريفية داخل الجامعة.إن معارك التجنيد في مايو- يونيو 1970( معارك التي قادتها الحركة الطلابية ضد التجنيد الإجباري الذي تعرض له مجموعة من قيادة وأطر الاتحاد الوطني لطلبة المغرب في محاولة يائسة للنظام من أجل قمع حركتها ). هي أول المعارك التي خاضتها الحركة الطلابية في استقلال شبه تام عن الأحزاب الإصلاحية والتحريفية( الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وحزب التحرر والاشتراكية) التي تخلت كعادتها عن المعركة وعن مناضلي الحركة الطلابية المعتقلين.فكانت بداية الصراع السياسي والايديولوجي ضد الإصلاحية والتحريفية، الذي كان في معركة التجنيد تلك أول مشهد من نوعه داخل القطاع الطلابي وعكس بالفعل نمو الحركة الطلابية الذي لم يكن إلا انعكاسا لنمو الصراع الطبقي على الساحة الوطنية.
- اتضاح عجز الأحزاب الإصلاحية عن قيادة الحركة الجماهيرية(الشيء الذي أظهرته انتفاضة1965) وتطور الصراع داخلها. وانفضاح مواقفها من النظام ومن سياساته الطبقية وكذا مواقفها المتخاذلة من قضايا الشعوب العربية(قبولها ضمنيا للقرارات التصفوية التي صاغتها الإمبريالية الأمريكية بمساعدة التحريفية السوفياتية)(قرار مجلس الأمن 1967، مشروع روجرس 1970، أنظر موقف علي يعتة زعيم التحريفية عندما استعمل"جدليته" المعهودة لمساندة الثورة الفلسطينية وفي نفس الوقت لتأييد المشاريع التصفوية التي صيغت لتصفية المقاومة الفلسطينية: قبوله مشروع روجرس).
- ففي خضم هذه النضالات عموما(اتسام الحركة الجماهيرية بطول النفس والروح النضالية وإبداعها لأساليب نضالية جديدة وكذا بلورتها أشكال تنظيمية خارج تحكم الأجهزة البيروقراطية للإتحاد المغربي للشغل ولجوئها إلى العنف الجماهيري المضاد للعنف الرجعي للنظام: اولاد خليفة، عمال قطارة...) وفي سياق ما كانت تموج به حركة الشبيبة المدرسية(الحركة الطلابية والتلاميذية) انبثق اليسار الماركسي اللينيني الثوري وضمنه منظمة "إلى الأمام" كقوة ثالثة في الميدان في وجه النظام والإصلاحية والتحريفية. فالجماهير الشعبية والحركة الطلابية خاصة لم تعرف اليسار الماركسي اللينيني إلا عند انبثاقه الصحيح في هذه النضالات وقيادته لها.

2. في الحركة الطلابية وعلاقتها بنشأة منظمة "إلى الأمام".

إن الحديث عن علاقة الحركة الطلابية ودورها في نشأة تنظيم "أ" (منظمة "إلى الامام" لاحقا) قد يطول بنا نظرا لما لهاته العلاقة من أهمية بالغة. لكن سنختزل هنا أهم العوامل والعناصر المتضافرة التي ساهمت بقسط في نشأة وولادة المنظمة الماركسية اللينينية المغربية "إلى الأمام".

إن الفترة الممتدة من 1968 إلى 1969 وهي الفترة التي تفصل بين المؤتمر12 والمؤتمر 13 للاتحاد الوطني لطلبة المغرب"اوطم".

إن أهمية الفترة تتجلى في كونها عرفت عناصر جديدة شكلت أرضية تغيير تدريجي ونوعي داخل الحركة الطلابية:

- أولها: صعود الطلبة الشيوعيين وبداية مراجعة لوضعهم كأقلية خاضعة باستمرار لهيمنة الاتحاديين الذين كانوا يهيمنون على النقابة "أوطم".
- ثانيا:اتساع دائرة نفوذهم(أي الطلبة الشيوعيين) بل سيطرتهم على مجموعة من المعاهد والمدارس العليا مثال: المدرسة المحمدية للمهندسين(EMI)، المدرسة الوطنية للادارة(ENA)، وINSEA الشيء الذي استمر إلى حدود ما قبل تشكيل الجبهة الموحدة للطلبة التقدميين.
- من المعروف أن الخط السياسي الذي كان يسير عليه الحزب الشيوعي المغربي (حزب التحرر والاشتراكية لاحقا) في تحالفاته السياسية يقوم على ما كان يسميه "وحدة القوى الوطنية والتقدمية" وقد اتسمت علاقة الحزبين الاتحاد الوطني للقوات الشعبية والحزب الشيوعي المغربي بفترة طويلة نسبيا امتدت من 1959 إلى ما وراء 1965 بقليل بوجود إتفاق سلام بينهما داخل الجامعة يقوم على مبدأين:

المبدأ الاول : القرارات الاساسية الخاصة بسير المنظمة الطلابية "أوطم" يجب إخضاعها للنقاش بين مسؤولي الحزبين على كل مستويات المسؤولية داخل الجهاز الطلابي "اوطم"( كان هذا المبدأ عموما يخرق من طرف الاتحاديين).

المبدأ الثاني: العمل باللوئح المشتركة بين الحزبين والتي تقدم إلى الجموعات العامة للطلبة للتصويت أو المصادقة في مناسبات مختلفة.
إدا كان المبدأ الاول قد تم إفراغه من مضمونه على يد الاتحاديين الطلبة فإن المبدأ الثاني لم يكن مصيره أقل سوءا من الاول. فقد كانت الاغلبية للاتحاديين دائما على مستوى المكتب التنفيذي (le comité éxecutif) تسير بمعدل 1/7 أي ستة للاتحاديين وواحد لطلبة التحرر والاشتراكية بينما يطبق مبدأ 2/21 بالنسبة للجنة الادارية أي 19 للاتحاديين و2 لطلبة التحرر والاشتراكية ومبدأ 2 أو 3/11 بالنسبة لمكاتب التعاضديات في كلية الآداب والمدرسة العليا للآساتذة و12/60 مندوب بالنسبة لفرع الرباط لتمثيليته في المؤتمر.

كانت القيادة الانتهازية اليمينية للحزب تضع دائما وحدة "القوى الوطنية والتقدمية"فوق كل إعتبار، كان شعاره يقوم على مبدأ "وحدة – وحدة – وحدة" عكس المبدأ الثوري "وحدة – نقد – وحدة" . كانت سياسة حزب التحرر والاشتراكية إتجاه أحزاب "الكتلة الوطنية" تقوم على تبعية مطلقة لهاته الاحزاب البرجوازية أي كان الحزب يقوم بدور "المقعد الاحتياطي" ( un strapontin) في داخل الاتحاد المغربي للشغل والاتحاد الوطني لطلبة المغرب و دور ذيلي تبعي على المستوى السياسي العام مثال :الموقف من الاستفتاء الدستوري لسنة 1970 عندما صوت ب"لا" إلى جانب أحزاب "الكتلة الوطنية" .
إن هاته العلاقة الذيلية كانت تتعرض دائما لمحاولة إعادة النظر من طرف القاعدة الطلابية للحزب لكن كانت تواجه بيروقراطيا من طرف القيادة تحت مبرر الانضباط في إطار ما تسميه هاته القيادة "بالمركزية الديمقراطية".

لقد كانت القواعد توجه نقدا مستمرا لخط الاتحاد الوطني للقوات الشعبية داخل الجامعة والمستعمل للحركة الطلابية كجسم للمناورة مع النظام . كان صراع هذا الحزب مع النظام عبارة عن حرب إستنزاف حيث الخطة والاهداف تظل دائما مجهولة لذى الحركة الطلابية مما كان له إنعكاسات سلبية على حركة المطالب للطلبة وكذا إنعكاساتها على الانشطة التنظيمية لأوطم (إنتخابات اللجن، إجتماعات المناضلين، الجموعات العامة) التي تعد تحضرها إلا قلة منتمية للحزبين.
إبتداءا من سنة 1968 بدأ الحزب(ح ت ش) يغيير من خطته داخل الجامعة، فماهي الاسباب والدوافع إلى تغيير خط سير الحزب ؟

- إبتداءا من صيف 1968 أعلنت جريدة " الكفاح الوطني " لسان الحزب الشيوعي المغربي، عن تأسيس حزب التحرر والاشتراكية الشيء الذي أكدته الندوة الصحفية لعلي يعتة في أكتوبر 1968 وبلاغ المكتب السياسي المؤقت للحزب الشيء الذي كان يعني أن الحزب قد إكتسب الشرعية القانونية التي طبعا سيقدمها على أنها نتيجة لنضالات الجماهير الشعبية ولدور الحزب باعتباره فصيل طليعي لحركة التحرر الوطني المغربية . في حقيقة الامر كان الحزب يحاول إخفاء أية محاولة للربط بين الشرعية القانونية المكتسبة في تلك اللحظة وزيارة "نيكولا بودغورني" الوزير الاول السوفياتي للمغرب التي توجت بإتفاقات تجارية بين الاتحاد السوفياتي والمغرب تنفتح على إثرها السوق السوفياتية أمام الصادرات المغربية خاصة الحوامض التي كانت تعاني في تلك الفترة من المنافسة الحادة من السوق الاوربية المشتركة.

كانت مصلحة الحزب قائمة على الظهور ب :

 قوة داخل القطاع الطلابي لإعطاء نوع من القيمة والمصداقية لنفسه أمام سيده السوفياتي التحريفي خاصة أن جل تواجده يتمركز داخل الحركة الطلابية.
 الاستفادة من إكتسابه للشرعية القانونية وإعتمادها للظهور في وضع لائق أمام شركائه البورجوازيين من أحزاب "الكتلة الوطنية" التي غالبا ما كانت تبرر رفضها لإنضمامه للكتلة تحت مبرر أنه حزب غير شرعي. وطبعا كل هذا وكدائما تحت شعاره المقدس " وحدة القوى الوطنية والتقدمية".

- كما جاء أعلاه في فقرات سابقة كان السياق العام داخل الحركة الطلابية يتسم بوضع تعليمي متفجر لم يترك للطلبة أي اختيار أخر سوى الاندماج في النضال وتعمق ذلك تحت تأثير عوامل كثيرة من قبيل هزيمة 67، وضع المقاومة الفلسطينية، مايو 68 فرنسا، دخول الثورة الثقافية الصينية في أوجها 67-68. في هذا السياق جاء نداء الطلبة الشيوعيين الداعي إلى :

تعزيز الطابع الديمقراطي للاتحاد الوطني لطلبة المغرب وكذا استقلاليته.
إصلاح التعليم الجامعي .
تكثيف دعم الحركة الطلابية لنضالات الشعوب عبر العالم وفي العالم العربي.

من نتائج هذا الوضع المتفجر استمرار تعمق التناقض بين القيادة الطلابية البيروقراطية والقاعدة المخلصة للحركة الطلابية التي كانت تضم عناصر من الطلبة الشيوعيين خصوصا وأن القيادة الطلابية غالبا ما كانت تخفي خططها وأهدافها عن القاعدة وذلك بتعاملها مع الحركة الطلابية كما لو أنها تابعة للحزب.
هكذا وفي هذا السياق ستعرف الجامعة أول مرة انتخابات دون لوائح مضمونة ومسبقة بل تعتمد على تقديم البرنامج والشعار مما ساهم في بث الحماس لدى الطلبة الذين بدؤوا يشاركون بقوة في الانتخابات حيت ستعرف هذه الاخيرة حضورا قياسيا من حيت عدد المشاركين ( 600 مشارك بدل 160 أو 200 مشارك في الانتخابات).ضمن هذا التوجه بدأت اللوائح الشيوعية تحظى بأغلب الاصوات. وإن كان الامر في البداية مجرد إنتقال الأغلبية من الاتحاديين إلى طلبة التحرر والاشتراكية فإن المضامين لم تتغير جوهريا بعد وإن بدت بوادر ذلك. ومما ساهم في هذا التطور دخول الحركة الطلابية معارك واسعة ستنطلق من المدرسة العليا الأساتذة لتتعمم على امتداد الفصل الثاني من السنة 1969-1970 خلال هذه المعارك التي طرحت مطالب مثل: الوضع القانوني للمدارس والمعاهد والكليات وكذا مستقبل الخريجين منها المنح، والسكن، نقد السياسة التعليمية...إلخ. فجرت هذه المعارك طاقات الحركة الطلابية وكان من نتائجها تزايد الاهتمام بوضع الحركة الطلابية وتوجهها وعلاقة ذلك بالأحزاب والمنظمات النقابية. وكشفت النقاشات الساخنة عن وجود فارق يتسع باستمرار بين خط الاحزاب الاصلاحية وطموحات وطاقات الحركة الطلابية. وقد كان لذلك أثر كبير على الطلبة الشيوعيين الذين بدأ وعيهم بالدور المنوط بهم اتجاه الجماهير الطلابية. كان الطلبة الشيوعيون موزعون بين تيار الجماهيري الجارف الذي انطلق من الجامعة والقيادة والخط الرسمي للحزب القائم على الانضباط البيروقراطي والامتثال للشعار البورجوازي "وحدة القوى الوطنية والتقدمية". كان الطلبة الشيوعيون بإمكانية تغيير الحزب من حزب إصلاحي إلى حزب ثوري وهو حال العديد من قواعد الاتحاد الوطني للقوات الشعبية. إن هذا الوضع كان يجعل الطلبة الشيوعيين معارضين داخل حزبهم ومهدئين (temporisateur) داخل الحركة الطلابية. وما كان لهذه الوضعية تحت تأثير التطورات أن تستمر طويلا بل أصبحت مستحيلة مع تطور الأحداث. وستعمل التطورات اللاحقة على تعميق الشرخ بين قيادة الحزب من جهة ومثقفيه وقواعده الطلابية من جهة أخرى.

في هذا السياق سينفجر الصراع بين الحزب الشيوعي والاتحاد الوطني للقوات الشعبية بتياريه داخل الجامعة( تيار لخصاصي وتيار المانوني ) وكان موضوع هذا الصراع يتعلق بشعار "وحدة القوى الوطنية والتقدمية" أي وحدة مع التحرر والاشتراكية وتطبيق أو حذف الانتخاب بالاقتراع النسبي. بالنسبة للتيارين الاتحاديين المتصارعين كان الرهان الحقيقي هو تعزيز مؤخرة كل تيار داخل الجامعة استعدادا لاحتمالات الانشقاق داخل الاتحاد الوطني للقوات الشعبية الذي لم يحصل إلا بعد ذلك بينما كان الطلبة التابعون للحزب(ح ت ش) يراهنون على أغلبية المقاعد في المؤتمر الثالث عشر "لآوطم" وبالتالي يتشبتون بالاقتراع النسبي الذي كان الاتحاديون يحاولون حذفه بعدما سبق وأن صادق عليه المؤتمر 12، وعيا بعزلتهم المتزايدة أمام زحف الطلبة الشيوعيين. في هذا السياق كان الحزب( إ و ق ش) يعرف إنشقاق أولى الحلقات الماركسية-اللينينية.

- عند انعقاد المؤتمر 13 لأ وط م سوف تظهر أربع تيارات داخله وتعقد الوضع نتيجة إستحالة إيجاد أرضية عليها إجماع( لا أغلبية واضحة) وستقوم القيادة الاتحادية باللجوء إلى المناورات وذلك بإعلانها عن بطلان نتائج الكليات و المعاهد التي حصل فيها حزب( ح ت ش) على الأغلبية عن طريق تحريك دور لجنة التصديق على الانتدابات مما ولد رد فعل لدى "ح ت ش" الذي طعن بدوره في اللوائح التي حصل فيها "إ و ق ش" على الأغلبية وقد تطور الصراع إلى حد انسحاب "ح ت ش" من المؤتمر وكذلك تأجيل أعمال هذا الأخير.

هكذا انهارت الوحدة الإنتهازية بين الحزبين في الممارسة وتحت تأثير العوامل الموضوعية والذاتية. وتطور الوعي السياسي لدى القواعد الطلابية الشيوعية التي بدأت ترفض جعل قرارات المؤتمر مرتبطة بقرارات خارجه أي في إطار تبعية حزبية ضيقة. رفضها كذلك أن يكون المؤتمر دائما على حسابها بما يعني التنازل المسبق والدائم للهيمنة الاتحادية على الجهاز النقابي "أوطم". وقد تجلى ذلك في رفضها حذف العمل بالاقتراع النسبي التي سعت إليه المناورة الاتحادية في وضع كان يتميز بتعادل القوى بين الحزبين مما يعني عمليا أن 51٪ تساوي 100٪ من المقاعد. تحصل هذه التحولات ولأول مرة تظل القيادة الحزبية البيروقراطية ل: "ح ت ش" في وضع حرج خاصة مع تطور التناقضات بين التيارين الاتحاديين وأحدهما "تيار المانوني" يعلن الحرب على الحزب.
بعدما رأينا كيف دار الصراع بين التيارات الثلاث نعرج بسرعة على التيار الرابع الذي برز داخل المؤتمر الثالث عشر، وسيتقدم هذا التيار إلى المؤتمر كما هو الحال لتياري حزب "أ و ق ش" تحت يافطة الحزب وتحت إسم:" لوائح مناضلي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية والطلبة التقدميون المستقلون".

وإذا كان هذا التيار لا يكترث بأمور المسطرة في المؤتمر فإنه عموما كان يريد الدفاع عن خط سياسي وطني وعربي وخط نقابي.وقد أشرنا إلى عدم اهتمامه بالمسألة المسطرية بل كان هاملا عموما للمسألة التنظيمية حيث إكتفت أرضيته بطرح مقترح حول تنشيط لجان المناضلين وتوسيع صلاحياتها بينما كان دوره أكثر على المستوى السياسي من خلال نقده لتجربة الاحزاب الاصلاحية منذ 1956 مما عرضه لمواجهة عنيفة مع تيار المانوني و "ح ت ش" اللذان رفعا في وجهه شعار"وحدة القوى الوطنية والتقدمية" بينما على المستوى النقابي تم أنتقاد الخطوط الحزبية الاصلاحية حول نزعتها الضيقة "التعاضدوية" (corporatisme) التي كانت تترك الحركة الطلابية في وضع دفاعي دائم أمام هجوم النظام دون أن تكون مهيئة لصده مما جعل النتائج تكون ضئيلة رغم التضحيات والنضالات الجسيمة . إن هذه السياسة للأحزاب الاصلاحية كانت تفرش لسياسة أخرى هي "سياسية المخارج المشرفة" ولذلك دعى هذا التيار إلى تبني خط دينامي وهجومي وإدماج نضالات الحركة الطلابية في نضالات الجماهير الشعبية وهذا كان يعني تعزيز الطابع الجماهيري "لأوطم" ( أوطم منظمة وطنية، تقدمية, منظمة جماهيرية، ديمقراطية، ومستقلة). وفي سياق فعاليات المؤتمر 13 سيقوم هناك تحالف تكتيكي بين "التيار الرابع" "وتيار لخصاصي" الذي كان في مواجهة حادة مع تيار "ح ت ش" الذي سينسحب من المؤتمر و"تيار المانوني" وقد ترجم هذا التحالف نفسه على مستوى تمثيليته داخل المكتب التنفيذي(comité éxecutif ).خمسة أعضاء لتيار لخصاصي و2 للتيار الرابع (أي لوائح مناضلي "أ و ق ش" و"الطلبة التقدميون المستقلون") ، وتأثير أفكار هذا الأخير على الملتمسات السياسية والنقابية وملتمس فلسطين رغم أن كل هذه الملتمسات ستبقى حبرا على ورق بحيث تستمر نفس السياسات والممارسات البيروقراطية.

- هكذا بدأت تتجمع الشروط والظروف المؤدية إلى المزيد من تبلور الوعي الثوري داخل الحركة الطلابية حيت ستعرف السنة الدراسية 1969 -1970 سلسلة من الاحداث على الصعيد الوطني والجامعي والعربي منها:

 منع حزب التحرر والاشتراكية بعد 13 شهر من وجوده القانوني ومحاكمة علي يعتة وشعيب الريفي.
 إنطلاق معارك عمالية من حجم كبير إبتداءا من الفصل الثاني من السنة ( النسيج وقطاعات أخرى).
 انفجار إنتفاضة أولاد خليفة بالغرب ضد جشع المعمرين الجدد و"عبدالله العلوي" وذلك في الفصل الاخير من السنة.
 صعود الحركة النضالية للطلبة والتلاميذ بشكل قوي.
 إعلان النظام عن الاستفتاء حول دستور ممنوح وقيامه بانتخابات مزورة .
 إجراء مساومات حول قضية الصحراء بين النظامين المغربي والفرانكوي .
 إطلاق مشروع روجرس الذي قبلت به مصر عبد الناصر والاتحاد السوفياتي الذي تزامن مع محاولة تصفية المقاومة الفلسطينية في ظل صمت عربي مريب( محاولات تصفية المقاومة الفلسطينية بالأردن في سبتمبر 1970).
 طلابيا كانت التناقضات تتطور في ظل شروط هيمنة إصلاحية على القيادة النقابية لأوطم بينما القواعد الواسعة للحركة الطلابية تسير في منحى أخر مما وضع تلك القيادة في عزلة تامة. هكذا ستعيش الحركة الطلابية على معارك وصراعات قوية بين تلك القيادة وبين القواعد الطلابية الشيوعية التي كانت تتوفر على أغلبية في التعاضديات. وفي ظل العزلة المتزايدة للقيادة ستلجأ هذه الأخيرة إلى استعمال مجموعات مدربة على الضرب واعتراض السبيل ونسف الجموعات العامة بكل الوسائل إضافة إلى الاختباء وراء جثة "المهدي بن بركة" وإلقاء خطابات لاتنتهي وإلغاء بعض التنظيمات (فرع الرباط) وتزوير الانتخابات.

في ظل هذه المعارك لم تظهر المجموعة الرابعة كتيار قوي وفاعل قادر على تغيير مجرى الاحداث فغالبا ما كانت القواعد الطلابية لا تميز بين" تيار لخصاصي" و"التيار الرابع" .

في ظل هذا السياق العام انطلقت المعارك الكبرى للحركة الطلابية والتلاميذية ابتداءا من الفصل الثاني الشيء الذي دفع النظام إلى القيام بمؤامرة إفران السيئة الذكر التي استدعى لها بيروقراطيو وزارة التعليم ومسؤولو الكليات والمعاهد العليا وممثلو النقابة الوطنية للتعليم العالي والحركة الطلابية. واستطاع النظام تحت تصفيقات أطر الأحزاب الإصلاحية الحزبية والنقابية (إ و ق ش،ح ت ش ،ن و ت ع) بتمرير مجموعة من القرارات التصفوية وأهمها إغلاق المدرسة العليا للأساتذة التي كانت تشكل مصدرا أساسيا للشغل لأبناء الكادحين والجماهير الشعبية. وقد قام النظام بفعلته تلك بعدما اشترى الأطر الجامعية الحاضرة عبر تحسين وضعها المادي والإداري واكتفى لذر الرماد بزيادات ضئيلة بالنسبة للمنح والسكن.
ولم يتأخر رد فعل الحركة الطلابية عن تلك الخيانة عندما استقبلت الممثلين إلى الندوة بالرش بالطماطم ونعتهم بالخيانة وقد زاد الطين بلة خطاب الحسن الثاني بعد الندوة مكررا فيه احتقاره للطلبة والذي قامت بنقله الاذاعة والتلفزة الرسمية. هكذا تراكمت العوامل المؤدية إلى المزيد من تأجج النضالات وانتقال الحركة الطلابية إلى مستوى أعلى من الوعي السياسي والنضالي.

- كانت الحركة الطلابية في حالة اضطراب وبلبلة نتيجة الخيانة في مؤامرة إفران للقوى الاصلاحية، لما إنطلقت حركة 4 ماي 1970 التي أعلنت الميلاد السياسي لمنظمة إلى الأمام والحركة الماركسية اللينينية المغربية. جاءت المبادرة من القواعد الطلابية الشيوعية التي ما أن انتشر خبر زيارة وزير خارجية فرانكو "لوبيز برافو" للمغرب حتى بادرت العديد من التعاضديات التي كان الشيوعيون يشكلون أغلبيتها إلى جعل يوم 4 ماي يوما ضد الكولونيالية الفرانكوية وذلك بالإعلان عن إضراب عام في كل الجامعة والدعوة إلى تجمع بالمطعم الجامعي. وبشكل موازي تنطلق حملة ملصقات بالمقرات والمواقع الجامعية و في الأحياء الشعبية إضافة إلى الكتابات الحائطية.
وقد صادفت هذه السنة انطلاق الاحتفالات المئوية لميلاد القائد الثوري الأممي "فلادمير لينين" فكانت مناسبة ليعبر الطلبة الشيوعيون عن طاقاتهم وإمكانياتهم النضالية من خلال ملء واجهات الحي الجامعي بلافتات حمراء وصور ومقتطفات من أقوال لينين. ونزلت الشبيبة المدرسية الشيوعية(الطلبة والتلاميذ) إلى مسيرة فاتح ماي بالرباط مستعرضة الأعلام الحمراء وصور لينين إلى جانب العمال وتحت شعارات من بينها"عمال وطلبة في مواجهة الشفارة" "لوبيز سير بحالك الصحراء ماشي ديالك"، "الاشتراكية العلمية هي طريق التنمية" وهو شعار رسمي للحزب الذي حولته القواعد الشبيبة والتلاميذية والطلابية إلى الغاضبة على القيادة البيروقراطية إلى شعار" الماركسية اللينينية هي طريق الحرية"، "إلى بغيتو الحرية قلبوها جمهورية".

أمام اتساع رقعة النضال ونفسها الكفاحي سيلجأ النظام في 9 ماي 1970 إلى التجنيد الإجباري للعديد من القيادات الطلابية أعضاء المكتب التنفيذي السبع وثمانية من تعاضدية كلية الآداب –المدرسة العليا للأساتذة فجاء الرد شاملا بالاعلان عن الاضراب العام.
نرى إدن كيف تعمقت التناقضات داخل الاحزاب الاصلاحية ويهمنا هنا حزب التحرر والاشتراكية الذي نمت من داخله تناقضات وصراع بين شبيبته الشيوعية (الطلبة،التلاميذ، المثقفين) وبين قيادته البيروقراطية التحريفية وقد تجمعت عوامل القطيعة تحت تأثير معطيات وأحداث وطنية وعربية وأممية كشفت بشك عام في ظل تأجج النضالات الشعبية التي أبدعت أساليب وأشكال تنظيمية ونضالية جديدة ، عن انفضاح الأحزاب الإصلاحية( تعرض أطر النقابة الوطنية للتعليم العالي الذين شاركوا في مؤامرة إفران إلى هجوم من طرف القواعد الطلابية للحزب وقد زادت من عوامل القطيعة مواقف الحزب من استفتاء 1970 وموقفه من مخطط روجرس ومن محاولات تصفية المقاومة الفلسطينية. في ظل هذه الشروط دقت ساعة الحقيقة ،ساعة الاختيار الثوري لتعلن العناصر المخلصة داخل الحزب من طلبة وتلاميذ وأساتذة والمدعمة بمجموعة من المثقفين الملتفين حول مجلة "أنفاس" بالانفصال عن الحزب التحريفي وتأسيس منظمة"أ" "إلى الأمام " لاحقا في 30 غشت 1970 بعد إصدار وثيقة" سقطت الأقنعة، فلنفتح الطريق الثوري" -المشروع الأولي للأطروحة الثورية-.

وقد رأينا إذن كل الظروف التي صبت في تهيئ شروط بناء منظمة إلى الأمام والحركة الماركسية اللينينية المغربية.

ويبقى أن تقاطع العوامل الموضوعية والذاتية وخاصة غياب حزب الطبقة العاملة المغربية المفتقدة لأداتها السياسية بعد فشل تجربة الحزب الشيوعي في التشكل كحزب ثوري للطبقة العاملة، كان حاسما في توفير شروط النشأة لمنظمة"إلى الأمام" أي توفر الضرورة الموضوعية المعبرة عن نفسها في تلاقي الظروف الموضوعية وتضافر الجهود الذاتية نهاية الستينات لإطلاق مسلسل البناء هذا.
هكذا نشأت المنظمة الثورية الماركسية-اللينينية المغربية "إلى الأمام" وبدأت مسيرتها الكفاحية من أجل المساهمة في دك النظام وتحقيق الجمهورية الوطنية الديمقراطية الشعبية.


III-التشكيلة الاجتماعية المغربية ومراحل اندماجها
في النظام الرأسمالي العالمي (1850-1955):

نعرض هنا هذه المقدمة حول التشكيلة الاجتماعية المغربية بشكل عام وحول الظرفية التي كانت تمر بها انطلاقا من 1970 إلى حدود بداية الثمانينات وذلك لوضع كل الوثائق في هذه الحلقة ضمن سياقها التاريخي الموضوعي حيث تتسارع الاستراتيجيات والسياسات ضمن صراع طبقي يحكمه التناقض الرئيسي للتشكيلة الاجتماعية في تلك المرحلة وحيث التناقضات الثانوية تتأثر وتتحدد بذلك التناقض في علاقة جدلية مستمرة.

1- سيرورة الاندماج ومحاور الإستراتيجية الاستعمارية ونتائجها وآلياتها:

عرفت التشكيلة الاجتماعية المغربة أولى مراحل اندماجها في النظام الرأسمالي العالمي ابتداء من 1850 (أي منذ المرحلة التجارية للرأسمالية العالمية) حين بدأت سيرورة اندراجها في شبكة علاقات التبادل الغير المتكافئ القائم على نزع الفائض الاقتصادي من دول العالم الثالث ونقله إلى مركز النظام الرأسمالي لدعم عملية التراكم الرأسمالي، وهكذا انطلق مسلسل تدريجي أدى في النهاية إلى فقدان التشكيلة الاجتماعية المغربية الماقبل الرأسمالية لأي قدرة مستقلة عن التطور. وقد لعب السماسرة والمحميون والتجار والعائلات المخزنية الكبيرة دورا بارزا في هذا المسلسل. وعند انتقال الرأسمالية العالمية إلى مرحلتها الامبريالية، وازدياد الحاجة إلى المواد الأولية ومنافذ الأسواق ازداد تصدير البضائع والرساميل وكذا الاستثمار في بعض القطاعات (استخراج المعادن، استغلال المناجم، دور بنك Paribas في هذا المجال) فتم إخضاع التشكيلة المغربية بشكل مباشر لمقتضيات التراكم الرأسمالي الامبريالي. وعند توقيع عقد الحماية الخياني الرجعي حصل تطور جديد في سيرورة اندماج المغرب في النظام الرأسمالي العالمي، حيث نتج وضع جديد أصبح يقوم في ظل الإستراتيجية الامبريالية على الجمع والمزاوجة بين الامبريالية (الاتجاه العملي للسيطرة على اقتصادية البلد الضعيفة) والكولونيالية كمجال للتفاعل النهائي بين الامبريالية والواقع الاقتصادي والاجتماعي للتشكيلة المغربية. هكذا اندمجت التشكيلة المغربية كتشكيلة تابعة ضمن التقاطب العالمي للرأسمالية القائم على التكامل التبعي بين الامبريالية والدول التابعة. (الدول المستعمرة وشبه المستعمرة) وقامت الإستراتيجية الامبريالية الفرنسية بالمغرب على خمس محاور أساسية:

1. الاستيلاء على خيرة الأراضي الخصبة للبلاد وتسليمها للمعمرين على حساب جماهير الفلاحين مع الإبقاء على أراضي الإقطاعيين، الدعامة الأساسية للاستعمار.
2. الاستحواذ على المناجم والمعادن ونهبها وتصدير خيراتها إلى المراكز الرأسمالية.
3. الاعتماد على الوجود العسكري المباشر كدعامة لاستعمار البلاد: (جيش وقواعد عسكرية وأجهزة قمعية).
4. اعتماد سياسة تقوم على تحالف المعمرين والإقطاعيين والمخزن مع استثناء فئات من البورجوازية المغربية وعلى حساب أوسع جماهير الفلاحين.
5. الاعتماد على الوظيفة الإيديولوجية للسلاطين لتمرير الإجراءات السياسية والاقتصادية والعسكرية ضدا على مصالح أوسع فئات الفلاحين بالبوادي والكادحين بالمدن.

لقد أدت السياسات الاقتصادية الاستعمارية المفروضة قسرا على الشعب المغربي عن طريق الحديد والنار على نهب كثيف للموارد الطبيعية للبلاد وإلى تحطيم البنيات الاجتماعية والاقتصادية الما قبل الرأسمالية (البنيات الجماعية القبلية في البوادي وأشكال الإنتاج والتبادل ما قبل الرأسمالي في المدن)، ومن ثمة البلترة الواسعة للفلاحين وللمنتجين الصغار في المدن. ومن قلب المناجم والأوراش الكبرى وفي ضيعات المعمرين وفي الوحدات الصناعية التي أقامها الاستعمار، ولدت الطبقة العاملة المغربية في خضم بنيات اجتماعية شبه إقطاعية وشبه رأسمالية. وعرفت مجموعة من المدن تطورا في ظل السياسات الاقتصادية المتبعة وبرزت كمراكز للطبقة العاملة المغربية (مثال الدار البيضاء). وعرفت هذه الإستراتيجية بعض التغيير خصوصا بعد الحرب العالمية الثانية عندما بدأ النظام الرأسمالي العالمي يميل نحو تجاوز تقسيم العمل الدولي (دول صناعية وأخرى غير صناعية) وإقامة نوع من التخصص داخل الصناعة نفسها (المغرب إبان الحرب الامبريالية الثانية وكذا لاحقا خلال التصميم الخماسي لسنوات 73- 77). تلك هي أبرز مميزات الإستراتيجية الفرنسية للمرحلة الممتدة ما بين 1912 و1955.
وقد شكلت هذه التحولات أرضية اقتصادية للنهب الاستعماري للبلاد، حيث تركزت البنية الشبه الإقطاعية والشبه الاستعمارية للتشكيلة الاجتماعية المغربية المندمجة في النظام الامبريالي العالمي. واعتمدت الإستراتيجية الأولى للامبريالية الفرنسية (فترة 1912-1955) على هذه الأرضية لتؤسس كيانا استعماريا قائما على تحالف المعمرين والإقطاعيين والمخزن مع استثناء فئات من البورجوازية المغربية.
وبعد التحولات التي عرفها العالم بعد الحرب العالمية الثانية (نشوء معسكر اشتراكي، هزيمة فرنسا في الفيتنام، انطلاق الثورة الجزائرية العام 1954) ودخول الطبقة العاملة المغربية على خط النضال الوطني (انتفاضة وادي زم 1948، وانتفاضة الدار البيضاء 1952 (كاريان سنطرال) وانطلاق المقاومة المسلحة بالمدن وتأسيس جيش التحرير الوطني) عوامل ساهمت في تجذير نضال الشعب المغربي قامت فرنسا بتغيير إستراتيجيتها من خلال اتفاقيات Ex les bains التي كرست صيغة الاستقلال في إطار التبعية لفرنسا (الصيغة الرسمية للاتفاقيات هي: L indépendance dans l inter-dépendance.
وهكذا تم إيجاد بديل استعماري جديد من خلال وعبر دعم طبقة محلية تكون خادمة لمصالحها. وبذلك ضمنت فرنسا لنفسها الاستمرارية وظلت الاحتكارات الفرنسية على رأس القوى الامبريالية المستفيدة من خيرات البلاد. وتمركزت مصالحها الاقتصادية في قطاعات الأبناك، الحديد، الكيمياء، الكهرباء، الإليكترونيك، تركيب السيارات، البناء، المواد الغذائية، المعادن، السياحة، الألمنيوم.
ودعم الوجود الاقتصادي تواجد ثقافي كثيف وطغيان اللغة الفرنسية في الإدارة والإعلام والمؤسسات والقطاعات الاقتصادية، بالإضافة إلى التعليم ودور البعثات الثقافية. في نفس الوقت الذي كانت فيه المعاونة العسكرية (تسليح الجيش وتكوين أطر القمع وبناء الأجهزة القمعية والتعاون المخابراتي تقوم بدورها في تركيز بنيات سياسية استبدادية وقمعية تقوم في خدمة مصالح الامبريالية الفرنسية.
أما الاستراتيجية الامبريالية الأمريكية فقد بدأ اهتمامها بالمغرب انطلاقا من الحرب العالمية الثانية من خلال الاهتمام بالموقع الاستراتيجي للمغرب وإنشاء القواعد العسكرية الأمريكية داخله كما تدعم تواجدها الاقتصادي في قطاع الأبناك، اللحوم، صناعة العجلات، بيع الأسلحة. بموازاة ذلك أقامت تواجدا ثقافيا نشيطا من خلال دار أمريكا، كتائب السلام وأنشطة مخابراتية.

وخلاصة القول أقامت الامبريالية الفرنسية سيطرتها الاقتصادية (ميادين الصناعة، الأبناك، ...) عن طريق الاستثمارات والقروض وعن طريق مخالطة مؤسسات القطاع
العام، والاعتماد على دور البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. ومن هنا التحكم في التوجيه عبر:

1) مخططات اقتصادية: تقوم على إعطاء الأولوية للفلاحة التصديرية على الصناعة وأولوية الصناعة الغذائية والاستخراجية على حساب الصناعة الثقيلة. ومحورة النشاط الاقتصادي الإنتاجي حول الصناعة التقليدية والسياحة وتصدير المواد الخام والمواد الفلاحية واستيراد المواد المصنعة.

2) آليات التفكيك للاقتصاد الوطني المغربي: توفرت الامبريالية الفرنسية باستمرار على آليات متعددة لتفكيك الاقتصاد الوطني المغربي ودمجه بالنظام الامبريالي العالمي ويدعم هاته الآليات تواجد فني، عسكري، ثقافي يعمل على تكريس استمرارية الهيمنة الامبريالية الفرنسية بالبلاد.

2- الدولة المخزنية ونظام الحكم السياسي الكمبرادوري للكتلة الطبقية السائدة:
1. انبنت وتعززت ركائز الدولة المخزنية الكمبراورية في سياق دخول التشكيلة الاجتماعية المغربية مرحلتها الاستعمارية الجديدة وهي بذلك جاءت كاستجابة للإستراتيجية
الامبريالية الجديدة ومقتضياتها وأهدافها من أجل إحكام القبضة على الموارد الطبيعية والاقتصادية للبلاد في ظل صيغة جديدة تنقل المغرب إلى مرحلة الاستعمار الجديد.

وهكذا جاء هذا البناء كتعبير عن مصالح طبقات كمبرادورية مرتبطة ومندمجة عضويا ومتداخلة المصالح مع الرأسمال الامبريالي وتقوم على خدمته، وهذا هو الأساس المادي الذي حكم على الطريق الإصلاحي والإستراتيجيات المرتبطة به بالفشل الدائم والمستمر، فلم تكن كل المشاركات والتحالفات الحكومية للأحزاب الإصلاحية سوى ومجرد تصريف للشؤون الجارية وتنفيذ اختيارات النظام الطبقي الكمبرادوري.

2. لقد شكلت الفترة الممتدة من 1956 إلى 1960 حلقة أساسية في الإستراتيجية الامبريالية الهادفة إلى تكريس وضع استعماري جديد ببلادنا. كان الهدف هو إفراغ مطلب الاستقلال من أي محتوى حقيقي وإحكام القبضة على خيرات البلاد.

ولضمان نجاح هاته الإستراتيجية كان لابد من تحقيق مجموعة من الشروط أهمها:

- طبقيا: ترميم اوضاع الطبقة السائدة من خلال الارتكاز على بقايا طبقة الملاكين العقاريين الشبه إقطاعيين والقيام بدمج عناصر البورجوازية التي كانت لها لها جيوب في الصناعة والفلاحة.
- من حيث التحالفات السياسية: القيام باقتسا مؤقت للحكم سياسيا مع حزب الاستقلال واللعب على تناقضاته الداخلية والاستفادة من تناقض الحزبين "الاتحاد الوطني للقوى الشعبية" وحزب "الاستقلال". كان الهدف ربح الوقت والقيام بتغطية سياسية للمذابح والتصفيات التي كانت تتعرض لها عناصر المقاومة المسلحة وجيش التحرير الوطني.
- بناء الأجهزة القمعية والسياسية: ترميم الأجهزة القمعية الموروثة من مرحلة الاستعمار المباشر وإعادة بنائها، وإسناد قياداتها لأبناء الأعيان من الإقطاعيين والبورجوازيين الكبار وذلك دعما للمصالح الإستراتيجية للامبريالية وللطبقة الحاكمة.
- التلويح بورقة الدستور: وهي ورقة ظل النظام كلما تأزمت أوضاعه أو كان يخطط لمرحلة جديدة تفرضها أوضاعه الداخلية أو تحت تأثير تحولات عالمية. وفي كل مرة كان يحسن إثارة لعاب القوى الإصلاحية إلى حين. وبالنسبة لهاته المرحلة قام بتأسيس ما أسماه بالمجلس الدستوري بل وأسند رئاسته إلى المهدي بن بركة.

وانتهت المرحلة بتدعيم النظام لركائز دولته الاستبدادية وبذلك هيأ شروط الدخول في مرحلة جديدة. بينما عرفت نهاية هاته المرحلة انكسار أوهام البورجوازية الصغيرة بعد طرد حكومة عبد الله إبراهيم (مايو 1960).
أما الجماهير (عمال، فلاحون فقراء، كادحون...) فقد فقدت أسلحتها (التي كانت قد بدأت تستعيدها بعدما نزعت منها على أيدي النظام الاستعماري وحلفاءه المحليين) وفككت تنظيمها واغتيل العديد من أطرها المناضلة. وقد كانت للأوهام الإصلاحية دور كبير في تجريد الجماهير من قواها المسلحة والقضاء عليها.

3. تميزها الفترة الممتدة من 1960 إلى 1972 بسيادة نظام حكم استبدادي ودكتاتوري لم يسبق له مثيل. كانت إستراتيجية النظام الرجعي تقوم على ركائز هدفها المركزي:

ضمان استقرار عملية التراكم الرأسمالي الكمبرادوري وتوسيع القاعدة الاجتماعية للنظام وعزل التشكيلات السياسية للبورجوازية الصغيرة والمتوسطة المطالبة بالمشاركة في الحكم.
ولإنجاح استراتيجيته زاوج النظام الرجعي بين استعمال الحديد والنار لقمع كل مقاومة لدى الجماهير وقواها المناضلة (القمع الدموي لانتفاضة مارس 65 واغتيال الشهيد المهدي بن بركة) وطبخ المحاكمات الصورية للمناضلين التقدميين (الاختطافات، الاعتقالات والمحاكمات السياسية) وإلى جانب ذلك التلويح بالانتخابات والدساتير الممنوحة والبرلمانات تم إعلان حالة الاستثناء للعودة لدساتير اكثر رجعية وانتخابات مزورة (دستور 62، 63، دستور 70).

- خلال هاته الحقبة قام النظام الكمبرادوري بتحويل البادية المغربية إلى مناطق محاصرة معزولة عن النضال السياسي وذلك لتغطية عملية النهب والبلترة التي يتعرض لها الفلاحون لضمان الاستقرار لعملية التراكم الرأسمالي الكمبرادوري والعمل على توسيع قاعدته الاجتماعية من خلال دعم كبار الملاكين العقاريين الرأسماليين.
على امتداد هذه الحقبة شكل المعمرون الجدد (الملاكون العقاريون الرأسماليون) والملاكون العقاريون الشبه إقطاعيين القاعدة الاجتماعية الأساسية للنظام. ولعب الملاكون العقاريون الشبه إقطاعيون دورا أساسيا في البوادي.
وستعرف هذه الحقبة توسعا للبرجوازية الكمبرادورية إلى جانب فئة المعمرين الجدد.
بالستناد إلى هاته القاعدة الاجتماعية قام النظام بفرض استبداد سياسي لم يسبق له مثيل وذلك من خلال تكريس هيمنته الكمبرادورية الرجعية على البوادي والمدن (اعتقالات 63، انتفاضة 65، اعتقالات 69، 70، 71، 72، قمع نضالات الطبقة العاملة، انتفاضات الفلاحين (اولاد خليفة، تسلطانت).

- في المدن التي بدأت تعرف نموا مهولا بسبب سياسة إفراغ البوادي، كانت الاعتقالات والاختطافات والمحاكمات سياسة تابثة للنظام الرجعي في مواجهة نضالات الحركة الجماهيرية في مقدمتها نضالات الطبقة العاملة والشبيبة المدرسية وذلك للإجهاز على التعليم، الصحة، السكن، الشغل...
وعلى أرضية انتشار النهب والفساد والرشوة والبدخ والاستغلال الفاحش للطبقات الكادحة تنامت نضالات الجماهير الكادحة التي كانت تعاني من الفقر والأمية والأمراض وغلاء المعيشة (نضالات التلاميذ، الطلبة، الأساتذة، العمال، الفلاحون).

وقد ساهمت هذه النضالات خاصة منذ 65 في انفضاح الخط الإصلاحي للأحزاب البورجوازية مما ساهم إلى جانب عوامل أخرى (هزيمة 67 ونتائجها انطلاق الثورة الفلسطينية، الثورة الثقافية الصينية، مايو 68 بفرنسا...) في تعبيد الطريق نحو نشوء الحركة الماركسية اللينينية المغربية في 1970، كما ساهمت هذه النضالات في تفجير التناقضات الطبقية للنظام الكمبرادوري (محاولتي الانقلاب 1971، 1972).
وإبان هذه الحقبة قامت سياسة النظام على قمع وحشي في المدن وعزل البوادي عن أي نشاط سياسي عبر تكريس الاستبداد السياسي المطلق والاجتماعي داخلها (سيادة العلاقات الشبه إقطاعية في البوادي).
كان الهدف هو ضمان استقرار عملية التراكم الرأسمالي والكمبرادوري وتوسيع القاعدة الاجتماعية للنظام وعزل الأحزاب السياسية للبرجوازية الصغيرة والمتوسطة المطالبة بالمشاركة في الحكم. وضرب كل أشكال المقاومة لدى الجماهير الفلاحية والعمالية والشبيبية أي بشكل عام الحفاظ على موازين القوى لصالح النظام الكمبرادوري.

4. انطلقت هذه المرحلة بعد محاولتين انقلابيتين في 71 و 72 اللتين أديتا إلى انفضاح تناقضات الاستراتيجيتين الفرنسية والأمريكية.

من المعلوم أن الرأسمال الكمبرادوري مرتبط عضويا بالرأسمال الامبريالي بل يشكل شريكا له وقاعدته المادية التي يستبطن من خلالها العلاقات الاقتصادية والسياسية في المغرب.
وقد أماط الانقلابان العسكريان (71 و 72) اللثام عن وجود تناقضات بين الامبرياليتين الفرنسية الأمريكية عبر ما كشفاه من وجود تيارات متصارعة داخل الكتلة الطبقية السائدة (صراع الجناحين داخل المؤسسة العسكرية أحدهما مدعم من الامبريالية الأمريكية، ووجود تيار ثالث يعبر عن شرائح الكمبرادورية المدعمة من الامبريالية الفرنسية وخاصة من خلال رئيسها (Valery Giscard d estaing). تتميز هذه المرحلة بانطلاق ما سمي ب"المسلسل الديمقراطي" الذي واكبته شعارات "الإجماع الوطني" و "المغرب الجديد" ... وقد مهد النظام الكمبرادوري للمرحلة الجديدة لحملات القمع الواسعة ومحاكمات صورية لهدف اجتثات الحركة الثورية (الحركة الماركسية اللينينية المغربية، حركة 3 مارس) وضرب كل القوى المناضلة (اعتقالات أطر ومناضلي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، حل الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، المحاكمات العسكرية).
كان هدف نجاح خطته هو تحطيم القوى الثورية وعزلها كشرط أول لإطلاق "المسلسل الديمقراطي" وتلبية طلب الفئات البرجوازية الراغبة في المشاركة بأشكال مختلفة في إدارة مصالحها الاقتصادية والسياسية. وقد كان هذا الانتقال تعبيرا عن تحول في ميزان العاقات داخل الكتلة الطبقية السائدة لصالح الشريحة الكمبرادورية المهيمنة داخلها، ف "المسلسل الديمقراطي" هو جواب عن رغبة هذه الشريحة الكمبرادورية.
لقد كانت سياسة "المغربة" إطارا لإعادة هيكلة وتعزيز الكتلة الطبقية السائدة عبر تكون رأسمال احتكاري كمبرادوري كشريحة مهيمنة، شريحة تشرف على هيكلة الكتلة برمتها عبر التداخل مع الرأسمال الصناعي والتجاري والزراعي وربطهما عضويا بمصالح الرأسمال الاحتكاري العالمي، الفرنسي خصوصا.
أما التصميم الخماسي لسنوات 73 – 77 فقد كان له دور في ولوج الرأسمال الكمبرادوري لمجال الصناعات التصديرية مثل النسيج، الملابس، الأحذية... وقد اتخذ التصميم الخماسي إجراءات لصالح سياسة سكنية في المدن استجابة لعملية تمركز الأراضي في البوادي على يد المعمرين الجدد (سياسة تجميع الملكيات الصغيرة).
وقد ساهمت قضية الصحراء في طرح ما سمي ب"الإجماع الوطني " حول النظام بمباركة الأحزاب الإصلاحية التي ساهمت في الدعاية ل "المسلسل الديمقراطي" والقبول بالسلم الاجتماعي كشرط لدخوله وذلك بدعم من فرنسا.
وإذا كانت بعض فئات من البورجوازية الصغيرة والمتوسطة قد عرفت بعض الاستفادة من الأوضاع (الزيادة في الأجرة، الاستفادة نسبيا من بع القطاعات الممغربة مثل التجارة الصغيرة والمتوسطة). استفادة واكبتها بعض الأوهام المرتبطة بقضية الصحراء، فقد تزايدت وثيرة الاستغلال المكثف للطبقة العاملة (النسيج، المناجم، عمال زراعيون إلخ...) وتنامت بسرعة كبيرة وثيرة البلثرة لفلاحين في اتجاه الهجرة إلى المدن أو الخارج أو تحول إلى عمال زراعيين فوق أراضيهم عموما، عبر "المسلسل الديمقراطي" في مضامينه السياسية والطبقية عن الاستجابة لمقتضيات إعادة الهيكلة داخل الكتلة الطبقية السائدة لصالح الشريحة المهيمنة التي كانت تبحث عن هامش من "الحرية" لصياغة سياسية لمصالحها الاقتصادية. وفي نفس الوقت التقت مصالح الامبريالية مع مصالح هاته الفئات في إيجاد طلاء سياسي لتغطية تصاعد وثيرة الاستغلال المكثف للطبقة العاملة المغربية وارتفاع وثيرة البلترة للفلاحين.
وكان الدور السياسي للدولة المخزية الكمبرادوية هو رسم الخطوات مسبقا كي لا تستفيد القوى الراديكالية من الأوضاع ولا تتنامى النضالات الجماهيرية. أما التحالف من خلال "المسلسل الديمقراطي" و "الإجماع الوطني" وعبرهما مع القوى الإصلاحية وتدعيم أجنحتها الأكثر يمينية وانتهازية ضمن استراتيجية تتوخى الاستيعاب المنظم للنخب العمرية. فتثليث أجور الأساتذة الجامعيين من 70 إلى 75 وتحسين وضعيتهم المادية بالموازاة مع التفويضات السياسية وتسهيلات من كل نوع. وقد ساهم هذا في اغتناء الفئات التكنوبيروقراطية داخل الأحزاب الإصلاحية.
لقد أبانت الأحداث عن طبيعة وحقيقة هذا المسلسل الطويل القمعي والدموي حيث ساد وتكرس الاستبداد السياسي والاستغلال الفاحش في كل مكان. واكتضت السجون بالمعتقلين السياسيين وضحايا الانتفاضات الشعبية (72، 76، 81، 84، 92) وانتفخت وتضخمت الأجهزة القمعية وتزايد الدور السياسي للداخلية (طبخ الانتخابات، تفقيص الأحزاب السياسية). وقد ساهم التزايد في تضخم أجهزة الدولة في توسيع قاعدة الفئات البيروقراطية للدولة فتنامت وترعرعت المافيات المخزنية.

3 - استراتيجية الأحزاب الإصلاحية وتناقضاتها:

في ظل تشكيلة اجتماعية استعمارية جديدة، كما هو الحال بالنسبة للمغرب، تضغط البنية الاقتصادية المتحكم فيها من طرف الرأسمال الامبريالي الكمبرادوري، على الطبقات والفئات الوسطية مما يجعلها تعاني باستمرار من وضعية الضعف والعجز عن تحقيق طموحاتها الطبقية. هذا هو سر تناقضات تعبيراتها السياسية التي تظل تزاوج في عملها السياسي بين الانتظارية كاستراتيجية سياسية واللجوء إلى بعض الضغوطات عن طريق المنظمات الجماهيرية التابعة لها أو عن طريق استغلال أزمات النظام السياسية أو الاقتصادية لطرح مطالبها (بعد 75 انتقل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية من المزاوجة بين الانقلابية والكولسة السياسية الإصلاحية مع النظام إلى سياسة الضغط عبر المنظمات الجماهيرية التابعة له ضمن ما يسمى بخط النضال الديمقراطي).
عموما لم تتعد البرامج السياسية والاقتصادية (الحد الأقصى)) حدود توفير شروط بناء بورجوازية الدولة في إطار النظام القائم (مفهوم الدولة الوطنية...).
ابتداء من 72 دخلت هذه الأحزاب الإصلاحية تدريجيا في مسار جديد لتطورها واكبت التحولات الجارية على مستوى التشكيلة الاجتماعية والتأقلم معها.
وسترتفع الوثيرة ابتداء من 74 وتستمر في الثمانينات في ظل ما سمي بالإجماع حول قضية الصحراء (74)، وسياسة المغربة (73)، واسترجاع بعض أراضي المعمرين الفرنسيين (73)، التصميم الخماسي (73-77). وكل ذلك ضمن تأطير سياسي استراتيجي للنظام عنوانه الكبير "المسلسل الديمقراطي". لقد عانت هذه الفئات الوسطية وتعبيراتها السياسية الإصلاحية من وضع تناقض لأوضاعها الطبقية.
فمن جهة عرفت انتعاشا نسبيا لبعض فئاتها في بعض القطاعات (البناء، النسيج، التجارة، المقاولات الصغيرة الممغربة، التعليم، انتفاخ القطاع العمومي والشبه العمومي في منتصف السبعينات). ومن جهة أخرى كان سير الاتجاه العام هو استمرار معاناة البورجوازية الصغيرة والمتوسطة لسياسة النظام.
في ظل هذا الوضع المتناقض انتعشت الكثير من الأوهام وسط هاته الفئات لكن رياح سياسة النظام المملاة من الدوائر الامبريالية والمسماة التقويم الهيكلي ستضع حدا للأحلام.

وتميزت المرحلة الطويلة الممتدة من السبعينات إلى التسعينات بدخول الحزبين الرئيسيين (حزب الاستقلال وحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية) مرحلة التحولات البنيوية مست التركيبة الاجتماعية لهذين الحزبين فبرزت وتعززت من داخلهما مصالح جديدة للمنتفعين من "المسلسل الديمقراطي" ابتداء من انتخابات 76-77. وهكذا تحولت الأطر العليا والمتوسطة المنتخبة في البرلمان أو المشاركة أو المترأسة للمجالس البلدية والقروية إلى أنوية صلبة ومتنفذة ومتحكمة في دواليب هاته الأحزاب. وفامت بتوسيع قاعدتها داخل هذين الحزبين من خلال تشجيع الانتهازية والانتفاعية والوصولية وتشكلت عناصر كثيرة همها الأساسي اقتناص الفرص والاغتناء المادي. وتشكلت هاته الأنوية المشكلة للأساس الاجتماعي الطبقي للاتجاه الراغب في الاندماج بالنظام، من عناصر من البورجوازية الكبيرة وملاكون عقاريون، برلمانيون ورؤساء مجالس بلدية أو قروية، أساتذة جامعيون، محامون...
وتعود جذور الأزمة المستمرة للقوى الإصلاحية إلى طبيعتها الطبقية (بورجوازية متوسطة، بورجوازية صغيرة) التي تتميز بضعف تماسك قاعدتها الطبقية التي تعاني من التشتت كميزة ملازمة لكائنها الاجتماعي وما الإيديولوجية التي تعبر عنها سوى خليط من الأفكار حول الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والإسلام والشعبوية. هذا الكشكول المسمى تارة "تعادلية" وتارة أخرى "الاشتراكية".

ويمكن إرجاع أساس أزمتها البنيوية إلى عاملين أساسيين:

- وجود تناقض بين المحتوى البورجوازي لقياداتها المتنفذة والمحتوى البورجوازي الصغير للقاعدة.
- غياب قطب جذب استراتيجي لحسم تذبذبها أي قطب الطبقة العاملة وحزبها الثوري.

وتحتل "الإيديولوجية الوطنية" موقعا هاما داخل التشكيلة الإيديولوجية لهاته الأحزاب. فهي تساهم في تغطية الطبيعة الإصلاحية لمواقفها من النظام وكذا سياسات التحالف معه: التوافق والاجماع. وتلتقي الوطنية والإصلاحية والشوفينية للأحزاب الإصلاحية بما يسمى "وطنية" عند النظام لتقوم بوظيفة رجعية أساسها التغطية على القمع والاعتقالات والسلم الاجتماعي والجرائم الاقتصادية والاجتماعية، والأمثلة كثيرة على ذلك: الوحدة الوطنية لسنوات 56-60 الإجماع الوطني حول الصحراء والمسلسل الديمقراطي والسلم الاجتماعي.
وهكذا شكل "المسلسل الديمقراطي" إطارا سياسيا "لإجماع وطني" حول ديمقراطية الواجهة انخرطت فيه الأحزاب الإصلاحية من موقع الشريك الضعيف مقدمة خدمات
جليلة للنظام تمثلت فيما يلي:

- دعم خطة النظام من أجل إعادة بناء شرعيته المهتزة على إثر المحاولتين الانقلابيتين.
- إعطاء التغطية السياسية لحملات القمع الفاشية: 72- 73-74-75-76-77... 81- 90 إلخ... (قيام حزب الاستقلال عبر جرائده بتغطية إيديولوجية واسعة لتبرير القمع الذي تعرض له مناضلو الحركة الماركسية اللينينية المغربية ويسار الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وقد التحقت بعض قيادات الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بذلك خاصة بعد 74.

وستظل القوى الإصلاحية تعاني من الأوهام المتولدة من المصالح المتناقضة لقاعدتها الطبقية وللفئات التي تعبر عنها إلى أن تتدخل عوامل جديدة فتكسرها ثم تعود إليها من جديد كلما لوح النظام بورقة من أوراقه لإسالة لعابها.
فعندما فشل الرهان على ثمن الفوسفاط واللجوء إلى القروض الأجنبية التي أثقلت كاهل الاقتصاد المغربي، ودخول التصميم الثلاثي (التقشف) حيز التنفيذ سنوات 78- 81 وانطلاق النضالات الجماهيرية الشبيبية والعمالية سنة 79، كلها عوامل تبخرت معها أحلام البورجوازية الصغيرة والمتوسطة بدخول المغرب مرحلة جديدة تميزت بانتفاضة البيضاء المجيدة وإعلان النظام الكمبرادوري تطبيق سياسة التقويم الهيكلي فيما بعد.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,567,240,575
- لائحة أولية لوثائق منظمة إلى الأمام - المرحلة الثورية ما بين ...
- الورقة الأطروحة لمنظمة -إلى الأمام-
- الصراع مع التحريفية الإنتهازية تناقض أساسي
- الوثائق الأساسية للخط الثوري لمنظمة -إلى الأمام-
- لنرفع راية النضال الثوري عاليا ضد الكومبرادور و التحريفية ال ...
- حلول الذكرى الأربعين لمنظمة -إلى الأمام-
- مواقف الأماميين الثوريين
- حول الخط الأممي /الماركسية اللينينية لمنظمة -إلى الأمام-
- الخط العام لإعادة البناء التنظيمي لمنظمة -إلى الأمام- (1972 ...
- إعلان الأماميين الثوريين


المزيد.....




- ترامب: سنبقي على مجموعة من قواتنا في سوريا
- بريطانيا: رئيس مجلس العموم يرفض التصويت على اتفاق بريكسيت مج ...
- وزير الدفاع الأميركي: لا انسحاب في افغانستان على غرار سوريا ...
- تونس: قيادي القاعدة الذي قتل الأحد جزائري و"خطير جدا&qu ...
- استياء من تعليقات في مواقع التواصل على متظاهرات لبنان
- أولى جلسات محاكمة المتهمين بقتل -شهيد الشهامة-
- بعد أربع سنوات.... القضاء الفرنسي ينتهي من التحقيق في تفجيرا ...
- وزير الدفاع الأميركي: لا انسحاب في افغانستان على غرار سوريا ...
- تونس: قيادي القاعدة الذي قتل الأحد جزائري و"خطير جدا&qu ...
- شاهد.. هكذا تحتفل سيوة المصرية بـ-ليالي الصلح والحصاد-


المزيد.....

- قراءة في الوضع السياسي الراهن في تونس / حمة الهمامي
- ذكرى إلى الأمام :أربعون سنة من الصمود والاستمرارية في النضال / التيتي الحبيب
- الحزب الثوري أسسه – مبادئه - سمات برنامجه - حزب الطليعة الدي ... / محمد الحنفي
- علاقة الريع التنظيمي بالفساد التنظيمي وبإفساد العلاقة مع الم ... / محمد الحنفي
- الطبقة العاملة الحديثة والنظرية الماركسية / عبد السلام المودن
- الانكسارات العربية / إدريس ولد القابلة
- الطبقة العاملة الحديثة و النظرية الماركسية / عبدالسلام الموذن
- أزمة الحكم في تونس، هل الحل في مبادرة “حكومة الوحدة الوطنية“ / حمه الهمامي
- حول أوضاع الحركة الطلابية في المغرب، ومهام الوحدة.. / مصطفى بنصالح
- تونس ، نداء القصرين صرخة استمرار ثورة الفقراء. / بن حلمي حاليم


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المغرب العربي - الأماميون الثوريون - الشروط الموضوعية المساهمة في تأسيس منظمة -إلى الأمام-