أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عبد الغني سلامه - مواصلة التنقيب في أعماق الإنسان















المزيد.....

مواصلة التنقيب في أعماق الإنسان


عبد الغني سلامه
(Abdel Ghani Salameh)


الحوار المتمدن-العدد: 3468 - 2011 / 8 / 26 - 18:57
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


يزعم بعض العلماء أن الإنسان امتداد لتكوين بيولوجي يضرب عميقا في التاريخ، ولأن أصله من الماء تجد البعض يغني طربا أثناء الاستحمام، ويضحك عند تناول البطيخ، حتى إغماض العين في النوم يفسرونه كاستسلام لنظام طبيعي تعودت عليه الكائنات قبل أن تخرج للنور عندما كانت في بحر الظلمات، وكذلك محاكاته للطبيعة وتقليده للحيوانات، فالإنسان مازال يحمل في جيناته مورّثات تعود لجذوره وأصله البدائي، فلا يعرف كيفية التعاطي معها وخاصة عند الغضب .. فنجد كثيرا من العاقلين يتصرفون بجنون في لحظة ما، لأنهم لم يستطيعوا الولوج لهذه المنطقة ومعالجتها كما يجب، وهنالك الكثير من الأمور لم يطورها الإنسان كما ينبغي، حتى استخدامه للعقل مازال محدود جدا قياسا بإمكاناته الهائلة التي اكتشفها العلماء.
وعلماء النفس يتحدثون عن منطقة معتمة غير مستكشفة في شخصية الفرد، لا يعرفها ولا يراها هو ولا حتى الآخرين، تتجلى في لحظات معينة، فتتفجر عبقريةً أو إجراما أو إبداعا أو نوعاً من الجنون .. وهذا ما يؤكد أن الإنسان كتلة من المشاعر الغامضة والمتناقضة التي يستحيل تحليلها أو اختزالها بعبارة منمقة أو بجملة شاملة.
بعض علماء الأنثروبولوجيا يعرّفون الإنسان بالحيوان الناطق، لأنه تميز عن الرئيسيات العليا بالكلام وامتلاكه اللغة، في حين يؤكد علماء الزولوجي أن للحيوانات لغتها الخاصة حتى لو كنا لا نفقهها. السيكولوجيين يقولون أن الإنسان تميز عن سائر المخلوقات بعاطفة الحب ونظام الأسرة، حسنا، من ينفي أن الحيوانات وحتى النباتات أيضا تختبر مشاعر الحب وتعيش في قطعان تشبه في تكوينها ونظامها الأسرة، وحتى المملكة ؟! الفلاسفة يزعمون بأن الإنسان يتميز فقط بالعقل والتفكير، البيولوجيين يؤكدون أن لجميع الكائنات درجات من الذكاء تفوق أحيانا ما هو متوقع.
بصرف النظر عن دقة أيٍ من التعريفات السابقة، فإنه من المؤكد أن الإنسان يمتلك لغة راقية تتيح له التواصل والتعبير بأجمل الطرق وأعذب الكلام، وله عاطفة متقدة هذّبها على مر السنين، وعقل خارق الذكاء مكّنه من فرض سيادته على البيئة وكل مكوناتها وأوصله إلى أقاصي الكون، ولكن هل ينفي هذا سمته الكيميائية المادية ؟! بوصفه مجموعة متسقة من الهرمونات والأنزيمات والدارات الكهربائية والعصبية التي تتحكم في عواطفه وانفعالاته، وتحدد نوع ومقدار إبداعه أو تخلفه. وهل هذا التعريف المادي ينـزع عنه سماته الروحية والباراسيكولوجية ؟ وبالتالي يقزم من قدراته الخارقة، أو يجعله محكوما لمنظومة من قوانين الطبيعة والفيزياء ؟!
اللاهوت وعلماء الدين والفلاسفة المثاليون لا يعترفون بكل هذه التوصيفات، ويعتبرون أن الإنسان خلقه الله بقبسٍ من روحه بصفة خاصة ومنفردة وبأجمل تكوين وأكرم هيئة، ثم فضّله على سائر المخلوقات، وقد حدّد له هدفاً أسمى لم يمنح شرفه حتى للملائكة، ولكن حتى الملائكة اعترضت على خلق الإنسان وصفته بأنه يفسد في الأرض ويسفك الدماء .. ومع هذا فإن التفسير الديني لطبيعة الإنسان من المفترض أن لا يتعارض مع التفسير العلمي له، والذي يختزله بكتلة من التفاعلات البيولوجية والكيماوية تجري في نطاق الجسد، ولا مع التفسير السيكولوجي الذي يعبر عنه بشحنات من الخبرات والعواطف والأفكار التي تتفاعل في حيز العقل.
على أية حال، هذا هو الإنسان الذي ما زال يواصل رحلة التقصي وفهم معنى الحياة، واكتشاف مكمن السعادة، وهما محور السؤال الذي سيظل يؤرقه ويقض مضجعه .. أبسط وصف للحياة يعرّفها بأنها مجموع اللحظات والساعات التي نحياها، بغض النظر عن مضمونها وشكلها، الساعة التي تمر لا يمكن أن تتكرر، واليوم الذي ينقضي لا يُعوّض أبدا حتى لو تشابهت الأيام وتناسلت من بعضها كنسخة مصورة، إذن، فالمعنى الحقيقي للحياة نجده في قيمة ونوعية اللحظة التي نعيشها، وما الهدف الذي نسعى لتحقيقه إلا لتحسين نوعية اللحظات التي نسفكها على عتبة هذا الهدف، فلو أخفقنا في تحقيقه يكفينا شرف المحاولة !! بمعنى آخر يكفينا أننا عشنا الحلم الوردي بدلا من ساعات اليأس والغم حتى لو كانت النتيجة واحدة. هل هذا تحايل على الذات ؟ أم أننا لا نملك ترف لخيارات ؟!
كثيرا ما تغمر الإنسان لحظات من السعادة: ليلة زفافه، ولادة طفلهِ الأول، ترقيته في العمل، وقد يستخلصها من أبسط الأشياء وأكثرها تعقيدا .. ابتسامة من عابر طريق، أغنية لفيروز، وجبة شهية، سهرة مع الأصدقاء .. فالسعادة توجد حينما نعمل على خلقها، ولكنها قياسا بعذابات البشرية تظل قاربا في بحر من المعاناة والألم، إحساسنا بالحزن يمتد طويلا كحالة تخيلية وليس كواقع زمني حقيقي ... صحيح أن عذابات الإنسان كفرد لا تشبه عذاباته بشكل جماعي، ولكن بين الحالتين علاقة حيوية لا تقبل الانفصام، فشخصية الفرد نتاج لبيئته: شخصية سائق التاكسي تختلف عن شخصية الأستاذ، حتى أن شخصية مدرس اللغة العربية تختلف عن شخصية مدرس الرياضيات، سلوك ابن المدينة يختلف عن سلوك البدوي، أطفال اليوم يختلفون عن أطفال الماضي .. ولأن الشخصية هي منطلق الأفكار والحالة النفسية وهي التي تحدد مساراتها، سنجد أعدادا لا حصر لها من الفلسفات الفردية التي يؤمن أصحابها بأنها الأفضل والأقرب للكمال.
كما تختلف طبائع البشر، تختلف حيواتهم، إلا أن جوهر الحياة واحد .. فالحياة هي ذكرياتنا التي نجت من النسيان، هي توقنا ليومٍ لم يأتي بعد .. وخوفنا منه، هي شغفنا باللحظة الراهنة، هي نظرتنا تجاه ذاتنا وعلاقتنا بالآخرين، هي دمنا المسفوح على تراب الوطن، هي سجودنا أمام الخالق وتضرعنا إليه، هي موسيقى القلب وهو يخفق شوقا لمن نحب، هي ما نحمله في دواخلنا من جمال ونعيد إنتاجه للعالم، هي دمعة الأم التي زفت ابنها، هي وجع البُعاد، هي بيتنا وخبزنا وقهوتنا الصباحية، هي "الآن وهنا" .. علينا أن نحياها بكل تفاصيلها .. كما نشاء.
كلما سبرنا في أغوارنا وتعمقنا أكثر، كلما تعقدت لنا الصورة، وبدت لنا تناقضاتنا ومثالبنا، من أصابه مسٌّ من الغرور سينجو من هذه الرحلة، ولكنه سيعود خاويا، ومن لديه الشجاعة عليه أن يجري محاكمة عادلة لكل جزء يتم اكتشافه، وأن يعترف أمام نفسه بكل ما اقترف، من مَلَكَ الحِكمة سيعترف أولاً بأنه بشر عادي، ولكنه يبحث عن سلامه الداخلي، والذي لن نجده إلا في قلوب الآخرين .. عندما نملؤها حبا وصدقا .. بعد أن نحب أنفسنا ونصدق معها.

أحيانا يكون السؤال أهم من الإجابة .. فلكل واحد منا إجابته الخاصة ..





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,564,352,798
- أسئلة تُنقِّب في أعماق الإنسان
- محاولة في فهم سيكولوجية الإنسان ..
- النهايات .. هلاك الإنسان، دمار الأرض .. فناء الكون
- مستقبل الإنسانية
- أشكال الحياة المتاحة
- في البحث عن جدوى للحياة
- هذا العالم المجنون
- هل دخلت البشرية طور الحضارة ؟!
- ظهور الإنسان
- ما لم يقُلْه دارون
- انفجار الحياة
- أينشتاين على الخط - النظرية النسبية في فهم نظام الكون
- كيف نفهم نظام الكون ؟
- ديمقراطيات استبدادية
- لماذا لا ينتحر الرؤساء العرب ؟!
- دبي .. صورة قريبة لمستقبل بعيد
- المغرب .. البوليساريو .. وأزمات أخرى لم تحل
- السودان الجنوبي مؤامرة خارجية أم استحقاق داخلي
- السياسة الروسية في الشرق الأوسط
- الثورات العربية بين الإرادة الشعبية ونظرية الفوضى الخلاقة


المزيد.....




- حكومة كاتالونيا تدعو مدريد إلى التفاوض والحكومة الإسبانية تر ...
- أنقرة تنفي منع القوات الكردية من الانسحاب من رأس العين في شم ...
- الدفاع الروسية: المسلحون يستهدفون 15 بلدة في 4 محافظات سورية ...
- القضاء الفرنسي يتهم 7 أشخاص بجمع أموال لتسهيل فرار -جهاديات- ...
- الجيش في تشيلي يتحمل مسؤولية ضمان الأمن في العاصمة بعد مواج ...
- الشارع اللبناني لا يزال مشتعلاً.. وعون يغرّد: سأجد حلاً للأز ...
- الرئيس التركي يتوعد بـ -سحق رؤوس- المقاتلين الأكراد
- الجيش في تشيلي يتحمل مسؤولية ضمان الأمن في العاصمة بعد مواج ...
- الشارع اللبناني لا يزال مشتعلاً.. وعون يغرّد: سأجد حلاً للأز ...
- الشد العضلي من الجوال قد يهاجم العمود الفقري بأكمله


المزيد.....

- تفكيك العنف وأدواته.. (قراءة سوسيولوجية عراقية سياسية)/ الكت ... / وديع العبيدي
- العمل والملكية.. في التوازن التاريخي للديموقراطية الاجتماعية / مجدى عبد الهادى
- امرسون وإعادة بناء البراغماتية / عمر إحسان قنديل
- الرسائل الرمزية الصامتة في المدرسة: الوظيفة الاستلابية للمنه ... / علي أسعد وطفة
- الهيبة قوة عملية أيضاً / عبدالحميد برتو
- بصمات الأرواح / طارق أحمد حسن
- البيان الفلسفي الفدرالي / حفيظ بودى
- العود الأبدي ديانة مشركة وميتافيزيقا مادية ؟بعض التساؤلات حو ... / الحسن علاج
- التربية والمجتمع / إميل دوركهايم - ترجمة علي أسعد وطفة
- العلاج بالفلسفة / مصطفي النشار


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عبد الغني سلامه - مواصلة التنقيب في أعماق الإنسان