أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عبد الغني سلامه - محاولة في فهم سيكولوجية الإنسان ..















المزيد.....


محاولة في فهم سيكولوجية الإنسان ..


عبد الغني سلامه
(Abdel Ghani Salameh)


الحوار المتمدن-العدد: 3465 - 2011 / 8 / 23 - 14:04
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


الإنسان ذلك المظلوم ..

عندما حاول العالم الفرنسي "ألكسي كاريل" الفائز بجائزة نوبل في الفيزياء عام 1912، أن يدرس الأبعاد الخفية والكلّية للإنسان، وصَفَهُ بِ "ذلك المجهول"، ولكن، لو درسنا الصفات الفسيولوجية والعضوية للإنسان، فلا يسعنا استخدام نفس المصطلح، لأن تركيبة أعضائه ووظائفها باتت معروفة تماما، وعوضا عن ذلك يمكن أن نسميه "الإنسان ذلك الجهول"، خاصة إذا درسنا الأخطاء الشنيعة التي ما زال الإنسان يقع فيها ويمارسها دون توقف، ولكن إذا تناولنا منجزاته الحضارية سنعرّفه بذلك العبقري، أما إذا تأملنا إبداعاته سنصفه بذلك الخلاّق، وإذا درسنا تاريخ الصراع سنعرّفُهُ بذلك الظالم، وإذا استعرضنا تاريخ وجوده على الأرض سنعرّفه بذلك المظلوم.
وقد درسَتْ كلٌ من علوم الصحة النفسية والفيسيولوجيا والطب وعلوم الاجتماع والتربية وغيرها الإنسانَ، وتناولته في مختلف سمات وجوده ومن جميع النواحي. بيْدَ أنها كلها أهملت أو عجزت في طريقها دراسة الإنسان في كلّيته وتعقيده بصورة شاملة. ولذلك بقي الإنسان في داخله سرا دفيناً، وظل ذلك الكائن المجهول والمعقد والعصي على الفهم.
فالإنسان كما يقول "كاريل" كلٌ لا يتجزأ، وهو في غاية التعقيد، ومن غير الميسور الحصول على عرض بسيط له، وليست هناك طريقة لفهمه في مجموعِه أو في أجزائه في وقت واحد، كما لا توجد طريقة واحدة لفهم علاقاته بالعالِم الخارجي، أو علاقاته مع نفسه .. ولكي نحلله، فإننا مضطرون للاستعانة بفنون وعلوم مختلفة ومتعددة، ومن الطبيعي أن تصل كل هذه العلوم إلى آراء متباينة.
ويقول "كاريل" في كتابه الشهير "الإنسان ذلك المجهول" والذي صدر أول مرة عام 1935،: "إن جهلنا بأنفسنا لم ينشأ من صعوبة الحصول على المعلومات الضرورية، أو عدم دقتها، أو نُدرتها .. بل بالعكس، إنه راجع إلى وفرة هذه المعلومات وتشوّشها، بعد أن كدّستها الإنسانية عن نفسها خلال القرون الطويلة". واعتبر "كاريل" أن الإنسان في حياته يخضع لثلاث قوانين: قانون الحفاظ على الحياة ( أي البقاء )، قانون مواصلة النوع ( أي إعادة إنتاج الإنسان وراثياً )، وأخيراً قانون رقي العقل، ( أي تطور الفكر )".
وأكثر ما يثير الغرابة في طبيعة الإنسان - ويبدو طبيعيا إلى أبعد حد في نفس الوقت – هو تمسكه الشديد في الحياة، رغم قسوتها، ورغم ما يراه فيها من ظلم وإذلال وخوف وقلق وتعب ومرض ومعاناة ... وبغض النظر عن نوعيتها ومكانها. فالبشر يسكنون في أماكن قاسية وتبدو لنا غير ملائمة أو غريبة، في الأسكيمو، في الغابات المطيرة، في الصحارى الحارة، في الجزر المعزولة في قلب المحيطات، في أكواخ الصفيح وبيوت الطين، وفي المقابر وتحت الجسور وفي كل مكان، تشبث في الحياة مهما كان نوعها وشكلها، والسبب باعتقادي هو أن إرادة الحياة كانت تاريخيا تتفوق على الموت في كل مرة، وظلت عجلتها ماشية بلا توقف.
فكم من الزعماء ماتوا على مر التاريخ، وكان الناس يظنون في كل مرة أن حركة التاريخ ستتوقف بعد موتهم ؟؟ وكم عزيز علينا غادر الحياة، وكنا نظن أننا لن ننساهم بل سنبكيهم كل ساعة ؟؟ ومع ذلك فإن الأمور تسير بشكل طبيعي ! فالأموات صاروا مجرد ذكرى توغل في عالم النسيان، بأسرع مما نتوقع.
ولكن أهم ما يميز الإنسان هو العقل الحر الواعي ... إرادته الحرة جعلته يبتكر أعقد النظريات، ويبدع أروع الأعمال في العلوم والآداب والفنون. تفكيره الحر، هو الذي سما به عن بقية المخلوقات، ولو كان تفكيره غريزيا آلياً، لما عرف البحث والتأمل، ولما أمضى الساعات متردداً في اتخاذ قرار ما، سواء كان خطيرا كإعلان الحرب، أو بسيطا كشرب الماء ... دماغ الإنسان هو المعمل الذي تجري فيه كل هذه العمليات المعقدة، وزنه كيلو وثلث فقط، ولكنه يستهلك ربع طاقة الجسم من الأوكسجين والجلوكوز، لتشغيل مائة مليون خلية عصبية وعشرة أضعافها من الخلايا الغروية الموجودة فيه. ومع أن دماغ الإنسان أقل وزنا من دماغ الدولفين، ويعادل حوالي خُمس دماغ الفيل، لكنه معقد في شبكة لا تضاهيها أعقد الحواسيب العملاقة الحديثة ..
ولدى الإنسان دماغين: أيمن، يسيطر على الجانب الأيسر من حركة الجسم، ويرتبط بالموسيقى والفن، والاستجابات الانفعالية الحادة كالخوف والفرح والحزن. وأيسر، يسيطر على الجانب الأيمن من حركة الجسم، ويرتبط بالكلام والمنطق والرياضيات والوقت والتفاصيل. ومع أن دماغ الذكر البالغ يزن أكثر من دماغ الأنثى البالغة، إلا أن هذا لا يعطي للذكر أي ميزة تفوقية، فوزنُ رأس الثور الأمريكي يبلغ 200 كغم، ومع ذلك فهو من أغبى الحيوانات، والدراسات الحديثة تشير إلى أن الدماغ الأيسر لدى الإناث يتطور بسرعة أكبر من الدماغ الأيمن مقارنة مع الذكور. وأن مستوى هرمون التستستيرون لديهن أعلى، مما يجعلهن أكثر خوفا وخجلا وابتعادا عن المغامرة والعنف والجريمة.
وبالنظر إلى سلوك الإنسان وتصرفاته سنجد الأمر أشد وضوحا، فإذا كان العقل يتردد في اتخاذ قرار ما، فإن النفس الإنسانية تتنقّل بين الحدّين الأقصى في التطرف، من قعر الرذيلة إلى ذروة الفضائل وقمة الأخلاق. حيث نجد التناحر بين الميول والاتجاهات الخيّرة والميول الشريرة قابل للوصول لأقصى درجات التأزم، فقد يتحول الإنسان من مجرم منحط، إلى شخص ممتلئ بكل معاني الإنسانية.
ولكن الإنسان ليس عقلا فقط، فهناك العديد من العناصر الأخرى المهمة التي تؤلف بمجموعها الإنسان، وتشكل شخصيته: عاطفته، شغفه، ضميره، حنانه، صبره، أخلاقه ... تلك السمات الخفية التي لا تميز الإنسان عن الحيوان فقط، بل تميز شخصاً عن آخر، فتمنحه سحرا وجاذبية، أو تجعله كريها ثقيل الظل.
الحيوان، خلافاً للإنسان، تسيّره الغريزة فقط، فلا يشعر بالمسؤولية، ولا يحاكم نفسه على ما فعل، ليس لديه ميزان يفرق بين الخير والشر، وليس لديه ذوق يميز بين الجمال والقبح، ولا يتمتع بالحرية ليوازن بين الحق والباطل .
أما الإنسان، فغالبا ما يود أن يعيد صياغة نفسه على النحو الذي يشتهي ويتمنى، حتى ينسجم مع نفسه أكثر، وحتى يستطيع التقدم ثانية .. وحتى ينجح، ولكنه لا يستطيع ذلك دون أن يكون حرا، ولا يمكنه صياغة نفسه دون أن يواجهها بشجاعة، ودون أن يتعذب .. فهذه المهمة تبدو سهلة عندما نوجّهها للخارج ونحاكم الآخرين، ولكنها بالغة الصعوبة عندما نوجّهها للداخل ونحاكم أنفسنا بما يجب، لأن الإنسان سيكون في هذه الحالة الصخرة والنحّات في آنٍ معاً.
وبمقدار ما كان العقل نعمة للإنسان، كان نقمة ولعنة، العقل هو الذي أوجد العلم والفلسفة والدين والأخلاق والتكنولوجيا، ولكن الإنسان عبر التاريخ أساء استخدامها، فقد شنَّ باسم الدين الحروب واقترف المجازر، وارتكب باسم الأخلاق أبشع الفظاعات وأكثرها وحشية، فأحرق وقتل وعذّب الآخرين قصاصا على ما اعتبره جرائم أخلاقية ، وأساء استخدام العلم, فاخترع أشد الأسلحة فتكا، ودمّر بتقدمه التكنولوجي بيئته وأفسدها.
منذ ظهور الإنسان وهو في سعي دؤوب للاستغناء عن الوسائط التي يضطر لاستخدامها، والتي قد تقيد حريته، ضمن محاولاته المستمرة للسيطرة على ما يحيط به، وللهيمنة على الطبيعة وتسخيرها لخدمته. كما لو أنه يسعى للكمال، ويصبو للوصول إلى مرتبة الإله، ولكن ليس الإله الذي يعدل بين مَن هُم دونه، أو مَن هُم في مستواه, بل من أجل قضايا تتعلق بالذات النرجسية، وتلبية مطالبها وغرائزها, وتجنب القلق والتوتر والصراع الداخلي.
فلدى البعض رغبة في الوصول إلى الكمال في كل شيء، وهي رؤية مثالية متعالية بعيدة المنال، لذلك كثيرا ما تنقلب هذه الرغبة إلى تخوف من الكمال نفسه، فتقوم الشخصية في هذه الحالة بخلق النقص. ذلك لأن من يعتقد أنه وصَلَ الكمال، هو في حقيقة الأمر يكون قد وقع في شراك الكمال الوهمي, لأنه في الواقع لا يملك أية لذة حقيقية في حياته، بل أن حياته أشبه بالمسرحية المملة الخالية من أي نوع من الإثارة أو المتعة الروحية، رغم ما يصيبه من نجاح شكلي، وما يناله من مكانة اجتماعية عالية تغنيه عن جميع متطلبات الحياة، فيدرك حينها أن الوصول للكمال الذي سعى إليه لم يكن أكثر من خيال، بينما هو يفتقد لذة الحياة تماما.
ولكن ما هو هذا الإنسان الذي يطمح أن يصير إلها ؟ والذي تُقعده خلية بكتيرية في منتهى الصغر، ويصرعه فيروس مجهول، ليرتّب له موعد أخير مع إلهه الأعلى, الحقيقي !!
كان الفيلسوف الفرنسي ديكارت قد قسّم الإنسان إلى جسد وروح، وحاول أن يكتشف نقطة التقائهما معا، بينما قال فلاسفة آخرون أن الإنسان جسد ونفس وروح، وأضاف آخرون العقل. وهكذا فصَل الفلاسفة مكونات الإنسان كلٌ حسب مدرسته. فيما اعتبر آخرون أن الإنسان بمجمله يتألف من ذرات وعناصر مادية على شكل أنسجة وأعصاب وخلايا وأعضاء ... تخضع جميعها لنظام كيميائي بالغ التعقيد والدقة، حتى أن الذكاء والاستجابات الحسية والانفعالات العاطفية والمواقف المختلفة والمزاج والشعور والأخلاق .. ما هي إلا صدى وانعكاس لبُنْيات وخلايا متركزة في الدماغ، تضيء وتطفئ وفق نظام معين.
وفي المقابل، اعتبر الطبيب النفسي فرانتز الكسندر، أن الحالة النفسية هي التي تتحكم في الإنسان، وتسبّب له الألم والمرض، واعتبر أنه من العسير تفسير حركات لاعبي الشطرنج مثلا بعبارات بيولوجية كيميائية وعصبية فقط، دون أن يكون هناك تفسيرات نفسية . معتبرا أن الفكر المجرد والضمير والوعي والتخطيط والنشاط الروحي والتصوف .. أمور غير قابلة للربط بحالات عصبية فسيولوجية، وأن للإنسان توجهات روحية راقية لا تفَسَّر بالتحاليل المخبرية.
ولكن ما هي هذه الروح ؟! كيف شكلها ؟ أين توجد ؟ كثير من الأسئلة المحيرة والإجابات الغامضة، جعلت منها أعظم الألغاز وأصعبها ..
الروح ببساطة شديدة سر الحياة، لأن الروح متى ما فارقت الجسد لا يبقى هناك حياة. ولا وجود للروح خارج الجسد، فهما يقومان معا، ويذويان معا، متحدان بجوهرين مختلفين منذ أن اتحدت البويضة بحيوانها المنوي، أو بعد ذلك بقليل .. لا أحد يمكنه الجزم.
ولكن هل الروح هي التي تحدد طبيعة الإنسان وترسم له شخصيته وتكوينه النفسي ؟ إذا كانت الإجابة نعم، فكيف نفسر اختلاف الناس عن بعضهم استنادا للجينات الوراثية وعوامل التربية والبيئة ؟ وهي أمور مادية ملموسة !! أم أن الروح هي ذلك الشيء الغامض الخفي، الذي يميز الجسد الحي عن الميت ؟ أم هي حضور الإنسان في المكان والزمان، وهويته وجوهره، وذكراه التي تدوم طويلا حتى بعد مماته ؟
يتجنب علماء النفس الخوض في موضوع الروح وغيرها من الغيبيات، لأنهم يؤمنون أكثر بكيمياء الجسد وداراته العصبية، فيزعمون مثلا أن شخصية الإنسان تتشكل من تجاذب قطبين هما: العوامل الوراثية والعوامل البيئية . حيث تتفاعل مكونات البيئة المحيطة مع السمات الفطرية التي أعطتها الوراثة، ومع تراكم خبرات الإنسان البسيطة في سنينه الأولى تبدأ الكتلة السيكولوجية بالتمايز والظهور، وفي هذه المرحلة تُبنى الشخصية على أساس الحاجات البيولوجية والنفسية، وتكون الأنا هي جوهرها، أما الذات فهو تقدير الفرد لقيمته في إطار المجتمع .
بينما يعتبر "سيغموند فرويد" أن الشخصية مكونة من ثلاثة أنظمة متواجدة معاً، هي: ال "هو"، و "الأنا"، و "الأنا الأعلى"، وأن الشخصية هي محصلة التفاعل بين هذه الأنظمة الثلاث .
فتمثل "الهو" الجزء الأساسي الذي سينشأ عنه فيما بعد الأنا والأنا الأعلى. ويتضمن "الهو" الجزء الفطري الذي يشمل الغرائز الموروثة والجزء المكتسب الذي يضم العمليات العقلية المكبوتة التي منعتها الأنا (الشعور) من الظهور .
"الأنا" كما وصفها فرويد هي شخصية الإنسان في أكثر حالاتها اعتدالاً وتوازنا بين ال "هو" و "الأنا العليا"، حيث تقوم الشخصية بالتصرفات مستندة إلى قيم المجتمع وأعرافه، إذْ أنه من الممكن للأنا أن تقوم بإشباع بعض الغرائز بصورة متحضرة يتقبلها المجتمع، ولا ترفضها الأنا العليا. ويوازن "الأنا" بين رغبات ال "هو" والمعارضة من "الأنا الأعلى" والعالم الخارجي، وإذا فشل الفرد في ذلك أصابه القلق ولجأ إلى تخفيفه عن طريق الحيل الدفاعية ، أو عن طريق ازدواج الشخصية.
أما "الأنا الأعلى" فهي كما وصفها فرويد تمثل شخصية المرء في صورتها الأكثر تحفظاً وعقلانية، حيث لا تتحكم في أفعاله سوى القيم الأخلاقية والمجتمعية والمبادئ، متجنبا الشهوات والغرائز، ويمثل هذا الجزء من الشخصية ما يعرف بالضمير، وهو يتكون مما يتعلمه الطفل من والديه ومدرسته والمجتمع من معايير أخلاقية. أي أن "الأنا الأعلى" مثالية وليست واقعية، وتتجه نحو الكمال لا إلى اللذة، وبالتالي فإنه يعارض الهو والأنا.
وهذا التحليل يعني أنه إذا استطاع "الأنا" أن يوازن بين ال "هو" و "الأنا الأعلى" والواقع عاش الفرد متوافقا منسجما مع نفسه، أما إذا تغلب ال "هو" أو "الأنا الأعلى" على الشخصية أدى ذلك إلى اضطرابها. ذلك لأن أنظمة الشخصية هذه ليست مستقلة ومنفصلة عن بعضها البعض.
ويمكن وصف ال "هو" بأنه الجانب البيولوجي للشخصية، أي الصورة البدائيَّة للشخصية قبل أن يتناولها المجتمع بالتهذيب والتطوير، أما "الأنا" فتمثل الجانب السيكولوجي للشخصية، أي أنها مركز الشُّعور والإدراك الحسي الخارجي والداخلي، والعمليَّات العقليَّة، وهو المشرفُ على الجهاز الحركي الإرادي، الذي يتكفَّل بالدِّفاع عن الشخصيَّة، ويعملُ على توافقها مع البيئة، وإحداث التكامُل، وحل الصراع. بينما يمثل "الأنا الأعلى" الجانب السسيولوجى (الاجتماعي) للشخصية، فهو مستودع المثاليَّات والأخلاقيَّات والضمير والمعايير الاجتماعيَّة، وقيم الصَّواب والخير والحق .
على أية حال، الخوض في النفس الإنسانية مسألة ليست هيّنة على الإطلاق، وهي مغامرة محفوفة بالمخاطر، وبحاجة إلى دراسات متخصصة ومتعمقة، ولسنا بصدد الدخول في متاهاتها الآن، ولكن يمكننا هنا رصد سلوكيات فردية أو جماعية معينة، لتكون بمثابة مدخل لفهم أعمق وأدق للتكوين النفسي للبشر، باعتبار أن السلوك الشخصي هو انعكاس للأخلاق الفردية المستمدة من أخلاق المجتمع. والسلوك كما يعرفه علماء النفس هو نشاط موجه نحو هدف من قبل الفرد لتحقيق أو إشباع حاجة.
الأخلاق، منظومة ثقافية وسلوكية وظيفتها تهذيب سلوك الفرد والمجتمع، وهي ليست معطى ثابت وجامد، بل هي نسبية ومتغيرة، تبعا لأنماط المجتمع السلوكية السائدة والثقافة المهيمنة، فما هو مقبول وعادي في مجتمع ما، قد يكون مدانا ومرفوضا في مجتمع آخر، وقد تتحول نفس الممارسة المدانة إلى شيء مقبول في نفس المجتمع في مرحلة تاريخية مختلفة، ولكن تبقى سلوكيات الأفراد متشابهة إلى حد كبير في معظم المجتمعات الإنسانية، وتحكمها نفس المنطلقات.
المفكر المصري رجاء النقاش استهل كتابه المميز "تأملات في الإنسان" بأمثلة لبعض السلوكيات التي نلمسها في مجتمعاتنا، واستعرض نموذجا للشخص الذي يواظب على انتقاد الآخرين، ويفتش عن عيوبهم، ولا يرى في نجاحاتهم إلا صورة خيبته وفشله، ويصف هذا النوع من الناس بالشخص الذي يكره الامتياز، وينبذ الجمال، ويخاف من التفوق، ولا يؤمن بأحد غيره، وبأنه يستمتع بفشل الآخرين ويريحه منظر ضعفهم، معتبرا أن كل الاتهامات التي يوجهها لهؤلاء إنما هي غطاء يخفي وراءه فشله، ويفضح افتقاره لأي موهبة أو ميزة، وعجزه حتى عن محاولة تطوير أي صفة إيجابية فيه .
واستعرض "النقّاش" نموذجا آخر: هؤلاء الذين يلقون اللوم على الآخرين، حينما يواجهون فشلهم، أو يكتشفون أنهم لا يملكون شيئا مميزا، فيختفون خلف ستارة اتهام غيرهم، بأنهم هم العائق، أو يلقون باللوم على الظروف وقلة الحظ، وفي حقيقة الأمر، فإنهم يعانون من عقدة الاضطهاد، التي تتحول إلى الشعور بلذة الفشل والكسل، وخوف من مواجهة الذات، حتى يتحول الفشل إلى قناعة راسخة، ثم تصبح عادة يمارسها بشيء من السعادة.
لا مجال لاستعراض نماذج وأنماط السلوكيات البشرية، لأنها لا حصر لها، ولكن يمكن – وبإيجاز - استعراض بعض الأزمات التي يعانيها الإنسان في العصر الحديث. فإذا كان نصف البشر حاليا يسكنون المدن الكبيرة، فإنه من المتوقع بعد أربعة عقود أن تسكن الأغلبية الساحقة من البشر في المدن الصناعية. وحينها سيكون للبشرية شكل مختلف.
في المدن الكبرى، يحس الفرد بالضياع، وسط الزحام والأضواء والبنايات الشاهقة، ويشعر أن الآلة تحتل مكانه وتسبقه في كل شيء وتسيطر عليه، وأن المدينة بمثابة فرن ملتهب يبتلعه، أو آلة ضخمة تسحق إنسانيته، ولا يبقى له في هذه المدن وقتا للتأمل، ولا فرصة للإستمتاع بصداقة أو حب أو فن، أو أي شيء آخر عميق وجميل .
في هذا العالم الصاخب، يشعر الإنسان بضآلته أمام غابات الأسمنت ومسننات الآلات والأرقام، ويعيش الوحدة والغربة بمعانيها القاسية والموحشة، ويمتلئ قلبه بالآلام، ولا يعود يشعر بطعم للحياة، فلا أحد يهتم بأحد، والكل في سباق محموم مع الزمن، ومع الأرقام ... ومع كل هذا الأسى .. في النهاية يجد أن الحياة ما هي إلا تجربة حزينة، ولكن لا بد من احتمالها !! ويكتشف أن كل هذه التكنولوجيا، لن تستطيع مهما تعقدت، أن تعطيه الحب والنظام الأخلاقي والصحة والتوازن العصبي والأمن والسلام، ولن تستطيع تعويض الخسارة التي تكبدتها روح الإنسانية.
يستطيع كل إنسان أن يرسم على وجهه التعبير الذي يريده، حتى لو كان ذلك عكس ما يخفيه، ولكنه لا يستطيع أن يحتفظ بهذا التعبير لمدة طويلة. لأن قسمات الوجه تكيّف نفسها بدون تخطيط، تبعا لحالاتنا الشعورية .. وكلما كنا أصدق مع أنفسنا اشتدت الصلة بين تعابير الوجه والمشاعر الشهوات والرغبات الدفينة.
خُلقنا من الطين، وبعد ملايين السنين من التطور، ما زال بداخلنا وحلٌ كثير !! ولكن الإنسان بالحب وبالوعي، سيخلّص أعماقه من كل مخلفاته البدائية، ومن كل ما علق بها من أوحال الحداثة .. وبالأمل والفرح سيخلصها من أحزانها ... لأن الفرح هو سر الحياة، هو الترفع عن أذاها، والتعالي على مشاكلها، والابتسامة هي الجهد المتواضع الذي نبذله لننثر الأزهار في دروبنا، ونعصر المحبة من أشواك الكرْه، فالابتسامة الصادقة هي الاستغناء العفيف والجميل، وهي الشعور بالاكتفاء وبالرضا الداخلي.
ابتسامتنا حتى لو كانت حزينة، هي التي ستقهر الحزن والألم .. فهل نحن فاعلون ؟؟

المصادر:
قاسم حسين صالح، الحوار المتمدن - العدد: 3443 - 2011 / 7 / 31
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=269411
اسبيرو جبور، قرد أم إنسان ؟ المنشورات الجامعة، ط1، 1983، طرابلس – لبنان. ص 5,7, 28, 56.
د. حامد عبدالسلام زهران، الصحة النفسيَّة والعلاج النفسي، عالم الكتب، القاهرة، ط4، 2005. ص 76
د. عبد الفتاح دويدار، سيكلوجية السلوك الإنساني، دار النهضة العربية، بيروت، 1995، ص 13
د. محمد النابلسي، فرويد والتحليل النفسي الذاتي، دار النهضة العربية، بيروت، ط1، 1988. ص 46 – 48.
رجاء النقاش، تأملات في الإنسان، دار المريخ للنشر، الرياض، ط 6، 1989. ص 9, 23, 35.
جنبلاط الغرابي، الحوار المتمدن - العدد: 3300 - 2011 / 3 / 9





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,563,349,234
- النهايات .. هلاك الإنسان، دمار الأرض .. فناء الكون
- مستقبل الإنسانية
- أشكال الحياة المتاحة
- في البحث عن جدوى للحياة
- هذا العالم المجنون
- هل دخلت البشرية طور الحضارة ؟!
- ظهور الإنسان
- ما لم يقُلْه دارون
- انفجار الحياة
- أينشتاين على الخط - النظرية النسبية في فهم نظام الكون
- كيف نفهم نظام الكون ؟
- ديمقراطيات استبدادية
- لماذا لا ينتحر الرؤساء العرب ؟!
- دبي .. صورة قريبة لمستقبل بعيد
- المغرب .. البوليساريو .. وأزمات أخرى لم تحل
- السودان الجنوبي مؤامرة خارجية أم استحقاق داخلي
- السياسة الروسية في الشرق الأوسط
- الثورات العربية بين الإرادة الشعبية ونظرية الفوضى الخلاقة
- عصر الثورات العربية الأسباب والتداعيات
- الولاء والبراء والتتريس - في الفكر التكفيري


المزيد.....




- سفير قطر في لندن يرد على سفير السعودية خالد بن بندر وما قاله ...
- تداول الفيديو الكامل لما قاله ولي عهد السعودية محمد بن سلمان ...
- ياسر أبوهلالة يهاجم تركي آل الشيخ وموسم الرياض.. والأخير يرد ...
- بريكسيت: تصويت تاريخي بالبرلمان البريطاني حول اتفاق الخروج م ...
- شاهد: "فلاح" بريطاني مناهض لـ"بريكست" يح ...
- تصويت تاريخي في البرلمان البريطاني بشأن الخروج من الاتحاد ال ...
- عشرات القتلى والجرحى جراء انفجار في مسجد شرق أفغانستان
- بريكست: بوريس جونسون رئيس وزراء بريطانيا يدعو النواب لـ -الا ...
- تصويت تاريخي في البرلمان البريطاني بشأن الخروج من الاتحاد ال ...
- وقعتا وثيقة في جوبا.. تقدم بالمفاوضات بين الحكومة السودانية ...


المزيد.....

- تفكيك العنف وأدواته.. (قراءة سوسيولوجية عراقية سياسية)/ الكت ... / وديع العبيدي
- العمل والملكية.. في التوازن التاريخي للديموقراطية الاجتماعية / مجدى عبد الهادى
- امرسون وإعادة بناء البراغماتية / عمر إحسان قنديل
- الرسائل الرمزية الصامتة في المدرسة: الوظيفة الاستلابية للمنه ... / علي أسعد وطفة
- الهيبة قوة عملية أيضاً / عبدالحميد برتو
- بصمات الأرواح / طارق أحمد حسن
- البيان الفلسفي الفدرالي / حفيظ بودى
- العود الأبدي ديانة مشركة وميتافيزيقا مادية ؟بعض التساؤلات حو ... / الحسن علاج
- التربية والمجتمع / إميل دوركهايم - ترجمة علي أسعد وطفة
- العلاج بالفلسفة / مصطفي النشار


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عبد الغني سلامه - محاولة في فهم سيكولوجية الإنسان ..