أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالله حبه - محمود صبري - فنان ومفكر















المزيد.....



محمود صبري - فنان ومفكر


عبدالله حبه
الحوار المتمدن-العدد: 3461 - 2011 / 8 / 19 - 16:20
المحور: الادب والفن
    



محمود صبري في مرسمه في موسكو عام 1962
عندما زرت متحف تيت كاليري للفن الحديث في لندن في آخر مرة هتفت للفنان محمود صبري وقلت له انني لم اجد هناك لوحات " واقعية الكم" ، فأجابني مازحاَ إن الوقت لم يحن بعد لعرضها هناك. وقد يكون الفنان محمود صبري على حق. فأن البيان (المانيفستو) الذي اطلقه من براغ في عام 1971 هو اتجاه جديد في الفن التشكيلي يتطلع نحو المستقبل. واطلق عليه تسمية " واقعية الكم"، كبداية للدرب الذي سيمضي فيه الفن التشكيلي العالمي في المستقبل. فكل فنان سينطلق من فلسفته الخاصة في ممارسة الابداع بالتعامل مع الطبيعة، التي هي "الفنان الكبير والمعلم العظيم" كما قال المصلح المسرحي ستانيسلافسكي، وأكده محمود صبري في احدى مقالاته. إن فنان المستقبل لن يكتفي بتجسيد الواقع المحسوس فقط، بل سيتوغل في اعماق الطبيعة بمعناها الأوسع، ويحللها كما يفعل ذلك عالم الفيزياء.

الفنان محمود صبري امام لوحته "ذرة الهيدروجين" في لندن عام 2010

لوحة "H2O " - الماء - للفنان محمود صبري
وقد أثار المانيفستو جدلاً واسعاً بين الفنانين والنقاد حول رؤية محمود صبري للواقع الجديد الذي افرزته الثورة العلمية والتكنولوجية الحديثة، والذي يعجز الفن بأشكاله الحالية عن التعبير عنه. وفي أحاديثي مع الباحثين والفنانين الروس في مجال الفن التشكيلي بموسكو وجدت أن هناك الكثيرين ممن يعتبرون "واقعية الكم" نظرية جديرة بالدراسة، ولو أنهم يعتقدون أن اساليب تحقيق ذلك على قماش اللوحة قد تختلف ، فمن الواجب استخدام التقنيات الحديثة كالهولوغرافيا والليزر في خلق لوحات تناسب هذه الرؤية. وقال الباحث العلمي الكسي سيدوروف لي إن الفن لابد وان يجسد في المستقبل العلاقة بين العالم المرئي والعالم غير المرئي في الطبيعة (ربما بمعناها الشامل وليس في كوكبنا الارض فقط)..مثل وضع المجرات والغيمات و"الثقوب السوداء" وحقيقة " الطاقة السوداء" وحركة الجسيمات والنيوترينو، وعموما جميع العمليات الجارية بسرعة خارقة في الكون والتي تتوسع بإستمرار، ونموذج الكون الموجود منذ الازل. فهذه الأمور صارت تهم الانسان المعاصر. ولا يمكن ان يقف الانسان خارج هذا الواقع الجديد، كما لابد ان يتفق "الشكل مع المضمون".
وفي الحقيقة ان محمود صبري الفنان المتواضع الذي لا يحب الشهرة والأضواء قد اطلق فكرته بهدوء وبدون ضجة اعلامية ودون ان يأمل في كسب الأنصار والمؤيدين فوراً. وها قد مضت فترة تربو على العشرين عاماً وما زال الأمل يراوده في أن تجد "واقعية الكم" طريقها في الفن التشكيلي الحديث. ومن الصعب أن نطلب منه تطويراً لنظريته وقد تجاوز الثمانين من العمر، ولا يجد تلك القوة والحيوية التي كان يتمتع بها في بداية إطلاقه لبيانه العتيد. لكن لا ريب في ان المنابت التي نشأت فيها "واقعية الكم" عميقة الجذور، وستجد من يجسدها بشكل قد يختلف عن أسلوب اللوحات التي ابدعتها يد الفنان - المفكر العراقي خلال الاعوام العشرين الاخيرة. وقد كتب عدة باحثين عراقيين مقالات عن "واقعية الكم" ربما كان ابرزهم د. عدنان الظاهر وسعد قصاب . ويتساءل الكثيرون عن مفهوم الواقعية وما يقصده الفنان محمود صبري من هذا

"موت طفل" بريشة الفنان محمود صبري
المصطلح . ويرد في الموسوعة الكبرى الروسية "ان الواقعية (في الفن) هو مفهوم يميز وظيفة الفن المعرفية، أي حقيقة الحياة متجسدة بوسائل الفن الخصوصية ومقدار تغلغله في الواقع وعمق وكمال الصورة الفنية. ومفهوم الواقعية بمعناه الواسع هو الاتجاه الأساسي للتطور التأريخي للفن المميز لمختلف الاساليب والعصور". وفي الحقيقة إن مصطلح "الواقعية" ظهر في علم الجمال لأول مرة في فرنسا عند بحث الظواهر الفنية لفترة القرنين السابع عشر والثامن عشر لدى دراسة واقعية عصر النهضة وواقعية التنوير، ووصل الى الواقعية النقدية في القرن التاسع عشر حيث اقتصر المصطلح على تصوير الفنان لحياة الانسان العادية بمعزل عن المواضيع الدينية والميثولوجية. وكلمة (Realisme ) الفرنسية تعني بمعناها الواسع فن استعادة الحقيقة في الواقع عن طريق استعادة الأشكال الحسية التي توجد فيها أية فكرة في الواقع . لكن يبدو أن الواقعية التي يتحدث عنها محمود صبري هي ليست مفهوم الواقعية السائد بعد عصر الثورة الصناعية والثورة التكنولوجية حين كان الفنان يتعامل مع الظواهر الاجتماعية والسيكولوجية والاقتصادية وغيرها من الظواهر الاجتماعية. وفي المفهوم الجديد للواقعية يفقد الفن خصوصيته القومية والفردية. لذا فإننا في العصر الذري أمام واقعية من طراز جديد. ولابد من القول إن تقييم العديدين لأطروحة محمود صبري الجديدة كان بعيدا عن الدراسة الاكاديمية. ربما إن الكتاب الذين تناولوها بالبحث هم ليسوا من النقاد المحترفين. ونحن في العراق وربما في العالم العربي عموماً نفتقد الى النقاد الفنيين ذوي القاعدة الاكاديمية.

مقطع من لوحة " الوطن" للفنان محمود صبري
إن ما اريد الحديث عنه لاحقاً هو ليس دراسة العلاقة بين العلم والفن والتي قام بها فنانون عظام من قبل مثل ليوناردو دافينشي، بل مكانة محمود صبري في الساحة الفنية العراقية. وقد آلمني كثيرا خلال زيارتي إلى بغداد والحديث مع بعض الفنانين الشباب إن بعضهم لم يسمع حتى بإسم محمود صبري، أو سمع عنه دون أن يعرف ماهو دوره في الفن التشكيلي العراقي. حقاً إن محمود لم يكثر من الكتابة والنقد واعطاء الاحاديث الصحفية مثل شاكر حسن آل سعيد وغيره من كبار الفنانين العراقيين، كما إن غيابه عن العراق خلال فترة طويلة جعله بعيداً عن الساحة الفنية في الوطن. حقاً أنه أقام في عام 1971 معرضه الشخصي الاول والوحيد في العراق. كما ألقى هناك محاضرة حول "واقعية الكم"، التي لم تلق التفهم لدى كثير من السامعين. ومع ذلك فأن هذا الفنان ترك تأثيراً كبيراً في الحركة الفنية العراقية منذ ظهوره لأول مرة في عدة لوحات عرضت في متحف الازياء ببغداد في عام 1951، منها لوحة "في الانتظار" التي اثارت آنذاك الجمهور والسلطات في آن واحد لجرأتها في طرح مأساة المومسات. وحتى تدخلت الشرطة من اجل ازالة هذه اللوحة من المعرض. وبعد ذلك شارك محمود في عدة معارض لجماعة الرواد، وباع عدة لوحات . ففي المعرض الرابع للجماعة الذي أقيم في 16 آذار 1956 عرض محمود لوحات صورة فتاة وصرائف والبناء واشخاص في الظلام وجايخانة وصيادو السمك والصفار وثلاثة أشخاص ونساء في الانتظار (قال بصدد اللوحة الاخيرة انه رسمها بعد ان زار منطقة (جوجنزر) ببغداد، التي وجدت فيها المومسات ، برفقة صديقيه خالد القصاب وقتيبة الشيخ نوري، وشاهد الوضع البائس للمومسات واثر فيه ذلك كثيرا فرسم لوحته المذكورة) وغيرها . وكانت أثمان اللوحات تتراوح ما بين 3 دنانير و15 ديناراً. علماً إن محمود لا يعرف مصير كثير من هذه اللوحات ولهذا لا تجد لها صدى في المقالات والدراسات حول ابداعه الفني. ولابد من الاشارة إلى أن لوحات محمود صبري في الفترة البغدادية كانت تخلو من المواضيع التي تناولها زملاؤه في المعرض ومنهم اسماعيل الشخيلي وخالد القصاب ويوسف داود عبدالقادر وقتيبة الشيخ نوري وقحطان المدفعي وفائق حسن كصور البورتريه والمناظر الطبيعية والحياة الجامدة( still life) وشجرة جرداء وفرسان. فالانسان هو الموضوع الاساسي في لوحات محمود صبري.وقد تواصل هذا النهج في مواضيع لوحات الفنان خلال مسيرته الابداعية كلها إلاّ في حالات قليلة مثل بورتريه سلام عادل والدراسات الاكاديمية خلال دراسته في معهد سوريكوف للفنون بموسكو. وركز محمود صبري بصورة أساسية على رسم الجداريات.
وعندما كتبت مقالة عن محمود صبري في موقع قناة " روسيا اليوم" الروسية في باب "مبدعون عرب في روسيا"، عاتبنى احد الاصدقاء العرب بسبب العنوان وهو " محمودة صبري ..فنان وفيلسوف من بغداد" بقوله انني ربما جنحت الى الغلو في اطلاق اسم الفيلسوف. وربما كان

الشهيد سلام عادل بريشة الفنان محمود صبري
الصديق على حق لعدم معرفته بالفنان . إن محمود صبري ليس فناناً فحسب، بل هو مفكر وربما أكثر منه فناناً. كما إنه صاحب مدرسة خاصة به يصعب وضعها في خانة هذا الاتجاه الفني أو ذاك. وكان منذ البداية مولعاً بالفلسفة والعلوم الاجتماعية حتى عندما شغل منصب مدير مصرف الرافدين في بغداد أو لدى توليه منصب مدير معرض بغداد الدولي حين أبدع في تصميم أجنحة المعرض الدولي الذي أقيم في بغداد في عام 1959. وقد نشأ محمود صبري في فترة من تأريخ العراق كثر فيها المبدعون من رسامين ونحاتين ينتمون الى جيل ما بعد عبدالقادر رسام ومحمد صالح زكي وعصام حافظ وغيرهم من رواد الفن التشكيلي في العراق. فقد عاد من باريس فائق حسن وجواد سليم من لندن كما عاد من الخارج الرسامون حافظ الدروبي وعطا صبري واسماعيل الشيخلي وشاكر حسن آل سعيد والنحاتون محمد غني حكمت وخالد الرحال ومحمد الحسني. وشهدت فترة الخمسينيات نهضة فنية وظهر تياران أحدهما يتمثل بأعمال جواد سليم ونزار سليم وشاكر حسن أل سعيد وبقية " الشلة " من جماعة بغداد الداعية الى احياء التراث العربي والاسلامي في الفن (بالرغم من قلة المتوفر منه في منمنات الواسطي) أو الاغراق في الصوفية وأفكار اخوان الصفا والرمزية التجريدية كما فعل شاكر حسن أل سعيد . وراح البعض بتقليد اساليب الفن السومري والاشوري كما فعل الفنان طارق مظلوم. أما التيار الآخر فكان يؤمن بأن انقطاع قرون عن الحضارة القديمة لوادي الرافدين لا يعطي المجال للفنان الحديث من اجل تصوير الواقع باساليب فنية نشأت في ظروف تأريخية أخرى. وكان محمود صبري وبعض زملائه في جماعة " الرواد " من العاملين في هذا الاتجاه. وكتب محمود صبري حول هذا الموضوع في بداية الستينيات يقول :" إلى أين يتجه الفنان العراقي في بحثه عن اشكال جديدة؟ إن لديه آثار البابليين والاشوريين، ولكنها تكون اشكالها المعبرة عن مجتمعات كالمجتمعات الاشورية والبالبلية ببساطة اساليبها الانتاجية واستقرارها وبطىء تطورها وانظمتها الاستبدادية الكهنوتية ومفاهيمها ومعتقداتها الساذجة الاسطورية وهي غير وافية للتعبير عن مجتمع كالمجتمع العراقي بتطوره السريع وتناقضاته الحادة ومعتقداته ومفاهيمه المعقدة المتشعبة ؟ ام هل يتجه الى آثار الفن الاسلامي بنقوشها وريازتها او التصورات القليلة المتوارثة في بعض المخطوطات؟ يبدو انه استثنى ذلك ايضا فالنقوش والريازة اقرب الى المعمار منها الى التصوير. ولم يبق امام الفنان العراقي اذن مورد آخر عدا موارد الفن الغربي . وهنا كان عليه ان يختار المرحلة التي يأخذ منها اشكالها التي تناسبه للتعبير عن ظروفه الخاصة، وقد كان في اختياره هذا مدفوعا بجملة عوامل اقتصادية وفكرية . لقد اختار أقرب الآثار اليه، آثار القرنين التاسع عشر والعشرين،آثار الحركات الرومانسية والانطباعية والتعبيرية والتجريدية والسريالية. لأن التطورات الاقتصادية والفكرية الحديثة في العراق هي امتداد لتطورات الحضارة الاوروبية الحديثة، وان ثقافة معظم الفنانين العراقيين مشتقة من اصول غربية". اذن لقد اختار الفنان المضي في الدرب الذي سارت فيه الحركة الفنية العالمية على اختلاف اتجاهاتها في النصف الثاني من القرن العشرين. لكنه شق طريقه الخاص به كأي فنان مفكر.

لوحة للفنان المكسيكي أوروسكو لوحة "المظاهرة" للفنان محمود صبري
وانبثقت فكرته حول "واقعية الكم" في براغ في مطلع السبعينيات بعد فترة مخاض طويلة ودعا إلى دخول مجال جديد في الفن هو تصوير الطبيعة غير المرئية (ومنها في تكوين الانسان نفسه)، وذلك لأول مرة في تأريخ البشرية. وقال محمود صبري مرة في لقاء معي أنه شخصيا مزج في البداية بين التجريد والواقعية واخذ شيئاً من الفنانين المكسيكيين مثل دييغوريفيرا واوروسكو وكذلك من فن الايقونات الروسية القديمة.
في عام1949 جاء محمود صبري الى بغداد من لندن حيث درس العلوم الاجتماعية وليس الفن في مطلع الخمسينيات ، وقد تسلح بجملة من المعارف حول تطور المجتمعات وعلاقة النشاط الابداعي للانسان بواقع المجتمع الذي يعيش فيه. ولكن هذا الفنان "الهاوي" الذي بلغ مستوى عالياً من النضوج الفكري شق طريقه بسرعة في الوسط الفني في بغداد لأنه قدم مادة فنية تختلف كلياً عما قدمه الآخرون. ولم يلجأ الى تقليد المدارس الاوروبية، وشاهد معاناة الناس المسحوقين من ابناء شعبه وأراد اعطاء صورة صادقة عنهم إسلوبه ، كما فعل فنانو المكسيك وفنانو الفترة الاولى للفن السوفيتي في اعقاب قيام الثورة البلشفية، ناهيك عن أعمال جويا ودومييه ذوات المضامين الثورية. وبهذا الاسلوب اتسمت لوحاته عن الفلاحين والكادحين والطفل الميت وجنازة الشهيد وغيرها. ورسم الفنان جميع لوحاته بلون يغلب عليه السواد او الالوان الغامقة، ولم يهتم كثيرا بالتخطيط الذي كان ضعيفا في البداية، وذلك لعدم حصوله على الدراسة الاكاديمية اللازمة.

محمود صبري وجواد سليم ولورنا سليم وفائق حسن وخالد القصاب وقتيبة الشيخ نوري ورافد أديب بابان ولفيف من الفنانين والمثقفين العراقيين من جماعة الرواد في عام 1951
خاضه محمود مع زملائه الفنانين العراقيين حول الوظيفة الاجتماعية للفن في المرحلة الراهنة، سواء في اللقاءات في البيوت أم في اثناء رحلات يوم الجمعة إلى البساتين في "جزيرة الخنازير" في نهر دجلة .
وهناك كانوا يلتقون الفلاحين ويتقاسمون معهما الطعام الذي يجلبوه معهم، وصار الفلاحون لاحقاً المادة الرئيسية للوحاته. ويتراءى لي احيانا ان محمود يشبه من ناحية ما بول جوجان الذي بدأ احتراف الرسم في سن متأخرة، وقيل أنه غرق في الاتجاهات الفلسفية وفي موجة الرمزية، بل اعتبره الشاعر ستيفان مالارميه ممثلا للحركة الرمزية في الفن التشكيلي في زمانه، وشارك الموسيقي فاجنر افكاره بصدد وحدة الفنون.اما محمود فأعتبر بدوره ان المعارف البشرية مترابطة ولايمكن ان ينعزل الفن عن العلوم.
وقد احتضنت قوى اليسار في العراق محمود صبري بأعتباره ممثلها في مجال الفن التشكيلي ، لكونه يصور الآم الفقراء والمحرومين الذين كانت قوى اليسار تناضل من أجل سعادتهم. وكانت جميع الظروف تساعد على تقاربه مع الحزب الشيوعي العراقي. فقد كان بين زملائه في المدرسة الشهيد محمد العبلي وحافظ التكمجي والفنان يوسف العاني وغيرهم من نشطاء الحزب او القريبين منه في فترة الخمسينيات. وذكر محمود انه كان يرسم زملاءه في اثناء الدروس في الاعدادية المركزية. وجديربالذكر إن أستاذ الرسم فيها كان الفنان المعروف عطا صبري. وفي أغلب الظن إن محمود اعتبر الفترة التي يمكن ان نسميها " الرومانسية الثورية" في ابداعه مرحلة تخص فترة زمنية معينة من تطور ابداعه. وانتج خلالها مجموعة من افضل لوحاته التي جلبت له الشهرة مثل " جنازة الشهيد" و" موت طفل" و" ثورة الجزائر" و"مجزرة صبرا وشاتيلا"، والأهم دراساته حول جدارية "الوطن" التي اريد لها ان توضع في الجانب الآخر لنصب الحرية لجواد سليم في ساحة التحرير بوسط بغداد ، لكن انقلاب شباط احبط الخطط لانجازها . وبرأيه ان مهمة الفن تختلف عن السياسة التى هدفها كسب السلطة ، ولا علاقة للسياسة بالمعرفة .وقد أراد البعثيون ربط السياسة بالمعرفة الفنية . وقال : لقد هاجمني البعض لأنني ابعدت الفن عن السياسة.ولابد من الاشارة الى ان طروحاته الفكرية في الفترة البغدادية، وفيما بعد الموسكوفية، كانت تختلف عن بقية الفنانين العراقيين آنذاك من حيث السعة والعمق. وأقول هذا ليس من باب الاساءة اليهم بل لاختلاف الشخصيات وبحكم التكوين الفكري والسيكولوجي لشخصية محمود صبري. فهو ليس رساماً يتعامل مع الفرشاة والأصباغ وقلم الفحم فحسب، بل اكثر من هذا. انه صاحب فكرة فنية جديدة. وقد أورد طروحاته في حديث نشرته جريدة "الانسانية" لصاحبها الشاعر كاظم السماوي في اواخر عام 1960 بصدد علاقة الشكل بالمضمون في العمل الفني . فقال:" إن الفن كفعالية بشرية يتأثر كباقي الفعاليات البشرية الاخرى بجملة من العوامل المنبعثة من شكل تكوين المجتمع الذي تنشأ فيه. فأسلوب الانتاج السائد والوسائل الانتاجية المستخدمة ونوعية العلاقات التي تربط مختلف الافراد والفئات وكذلك الافكار والفلسفات والانظمة والمؤسسات الموجودة كل هذه تكون عوامل مؤثرة في نوعية الفن الذي يمكنه ان ينمو ويتطور واتجاهه. اذن فعند بحث الحركة الفنية في العراق يجب ان نركز على شكل المجتمع الذي تنمو وتتطور فيه، وبصورة خاصة على العلاقة الموجودة بين التبدلات المادية من جهة والتبدلات الفكرية والذهنية من جهة اخرى ومدى انطباق الثانية على الاولى".
وقد اسعدني الحظ في ان اكون من الزائرين الدائمين لشقته الصغيرة في زفيوزدني بوليفار بموسكو المليئة بالرسوم التخطيطية والاسكتشات والدراسات الخاصة بلوحاته القادمة. ولابد من الاعتراف بأنه اغتنى كثيراً من حيث امتلاك القدرات الحرفية من دراسته بموسكو. فمحمود الذي لم يتلق مثل غيره دراسة اكاديمية باستثناء ارتياده مدرسة للهواة في لندن إبان دراسته العلوم الاجتماعية في كلية لافيره عام 1949، وجد المجال للتعويض عن هذا النقص في الحرفية بالعمل الدائب في معهد سوريكوف بموسكو. والحق انه اكتسب الكثير من استاذه الكسندر دينيكا فنان الشعب السوفيتي في التقنية ( نظرا لأن دينيكا يعتبرمن الفنانين المبرزين في رسم اللوحات الجدارية) وحتى في حركة الشخوص وتوزيعها في اللوحة والتركيب الشكلي عموما. ويرى تأثره بأعمال دينيكا حتى لدى مشاهدة لوحة هذا الفنان الشهيرة " الدفاع عن بتروغراد"(1928) ومقارنتها بلوحة جنازة الشهيد لمحمود صبري اوغيرها من اللوحات ذات المجموعات الكبيرة.

لوحة "الدفاع عن بتروغراد" للفنان ألكسندر دينيكا
والطريف ان محمود اختار دينيكا بالذات ليكون معلمه لدى قدومه الى موسكو في عام 1960، لأنه تعرف على هذه اللوحة قبل مجيئه الى الاتحاد السوفيتي للدراسة. ولكن محمود يشير إلى غضب استاذه منه لاحقا لأنه كان "يفسد" تلاميذه الذين غالبا ما يجتمعون في شقة محمود الذي يحدثهم عن أرائه في الفن وعن المدارس الفنية وانجازات الفنانين في العالم، في وقت كان فيه الفن التشكيلي السوفيتي في مرحلةركود. وكان من بين طلاب دينيكا الرسام الروسي دميتري جيلينسكي الذي اصبح فيما بعد مديراً لمعهد سوريكوف، وارتبط مع محمود برابطة صداقة استمرت ثلاثة اعوام. وبقيت لدى معارف محمود دراسات وتخطيطات كثيرة تظهر مدى الحرفية العالية التي اكتسبها خلال فترة قصيرة من وجوده في العاصمة الروسية التي لم تتجاوز ثلاثة اعوام حيث غادرها إلى براغ في مطلع عام 1963.
وانهمك محمود صبري خلال وجوده بموسكو في انجازمشاريع اللوحات التي بدأها منذ وجوده في بغداد. ولكنه لم ينقطع عن الحياة الثقافية في المدينة فتجده غالباً ما كان يرتاد مسرح البولشوي او القاعة الكبرى في كونسرفتوار موسكو لمشاهدة العروض او لسماع الموسيقى. وبالمناسبة كانت لدى محمود مجموعة كبيرة من اسطوانات الموسيقيين العالميين وكان يجلس في شقته ويطالع او يعمل تحت انغام باخ او موتسارت او شوبان او تشايكوفسكي. واعجب على الاخص بالموسيقى التي ألفها الموسيقي سفيريدوف اعتمادا علىى قصيدةالشاعر السوفيتي فلاديمير ماياكوفسكي " الى اليسار .. الى اليسار".واتسمت حياة الفنان في تلك الايام بالزهد والتقشف حقا كما لاحظ ذلك بعض معارفه حتى في اثناء وجوده في براغ. اذ كنت تجده يقتصر في طعامه على قطعة كعك يابسة يبللها بالشاي او سندويتش الجبن المحمص في الفرن. بينما توجد في كل مكان الصور والدراسات والكتب. وقد اعارني محمود صبري مرة كتاباً عن الفلاسفة العظام في القرن العشرين يتضمن نقدا لمنهج ماركس. وولع الفنان بالمطالعة وابلغني مرة انه امضى ليلة كاملة في مطالعة رواية يفريموف" ضباب اندروميدا"وهي من ادب العلم الخيالي ولم ينقطع عن القراءة لطرافة موضوع الرواية.وكان اصدقاء محمود ومنهم الكاتب غائب طعمة فرمان والشاعر عبدالوهاب البياتي والموسيقي فريد الله ويردي وكذلك الشخصيات الادبية والسياسية التي تزورموسكو من الرواد الدائمين لشقة محمود المتواضعة حيث تدور الاحاديث الجادة عن الادب والفن والوضع السياسي في العالم العربي والعالمي آنذاك. وهناك انجز لأول مرة بورتريه الشهيد سلام عادل.
والحقيقة ان فترة وجود محمود صبري بموسكو كانت مترعة بالاحداث السارة والمؤلمة ومنها انقلاب شباط عام 1963 . وكان الفنان في طليعة من أدان حمامات الدم التي مارسها الحرس القومي في العراق، وسرعان ما انضم إلى الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري ود. صلاح خالص وفيصل السامر وآخرين في تشكيل لجنة الدفاع عن الشعب العراقي وانتقل إلى براغ حيث بدأت مرحلة جديدة في حياته كفنان وكمفكر. وكانت المفاجأة الكبيرة في ظهورشخصية الفنان في المجتمع هو نشره في عام 1963 مقالته في مجلة "الغد" بعنوان"العفلقية ومسألة الانقلاب". فكان الكثيرون ينتظرون منه ان يقدم لوحات جديدة حول مأساة الشعب العراقي بعد الانقلاب، وليس تقديم دراسة علمية معمقة حول ظاهرة العفلقية في المجتمع العربي ومقارنة طروحاتها بأقوال هتلر في "كفاحي" ورجل العصابات الامريكي آل كابوني حول الشيوعية. وعندئذ برز محمود صبري كمفكر يتوغل في اعماق تطور المجتمع ويشرح اسباب ظهور التعصب القومي وارتباطه بالفاشية.
لكن محمود صبري الفنان وهب الكثيرمن سنوات حياته لايجاد صيغة التعبير الفني التي تناسب المرحلة التأريخية التي يعيشها الانسان في عصر الذرة وهوما ترمي اليه "واقعية الكم". وحسب قوله فان الفنان وسيط بين الطبيعة والبشر وهو يستخدم خياله في ايصال صورة الطبيعة كما يراها الى المشاهد.وقال : "أنا اصبو الى اليوم الذي يبدع فيه الفنان اللوحة سوية مع العالم. وكان ليوناردو دافينشي يشرح الجثث في بيته لمعرفة خفايا جسد الانسان والعوامل المؤثرة في حركته وسلوكه. ولم يعرف الفنان الاسباني جويا الذرة، لكن الفنان المعاصر يعرفها ويحاول تكوين صورة لها، ولو أنه لا يستطيع عمل مختبر ذري في بيته.ولهذا فهو يعتمد على تجارب العلماء في معرفة اسرار الذرة والكون. والعلماء عرفوا الذرة وتحدثوا عن العلاقات الموجودة بين مكونات الطبيعة الذرية. ولوحتي "الذرة" مثلا تعكس الوحدات الطيفية الصادرة عن ذرة الهيدروجين. فلكل ذرة أطياف لونية. وفيما يخص الوظيفة الاجتماعية للفن في هذه الحالة فهي تعريف المشاهد بالعالم المجهول لديه والذي عرفه العلم قبل الفن. علما ان العلم والفن يريدان ادراك الطبيعة .. لكن لدى الفنان اهدافه التي تختلف عن اهداف العالم".
ويؤكد محمود صبري في الوقت نفسه ان الفن يجب الا يكون فن النخبة بل فن الجماهير. وبغية ان يتفهم الجمهور التطورالجاري في ميدان الفن يحتاج الى بعض الوقت...من اجل خلق اشكال فنية تتحرك وتتفاعل مع الواقع الجديد تكون بمستوى ادراك الجمهور. وعموما فان العملية الابداعية في جوهرها هي محاولة لمحاكاة الطبيعة والتوغل اعمق فأعمق في جوهر الطبيعة. وهذه العملية لن تنتهي ما دام يوجد الانسان. والفن ليس في مأزق كما يقول البعض. فجميع الفنون تقوم بمحاولات لأظهار جوهر الطبيعة في العمل الفني. وبينما كان الفن سابقاً يقلد مظاهر الطبيعة صار الفنان في القرن 21 يحاول اختراق المستوى الذري للعمليات الجارية في الطبيعة وليس تقليدها فقط. والمادة في الطبيعة عبارة عن اطياف متداخلة . وقال الفنان : ان اتجاهي هو اعطاء المفهوم العلمي للحركة في الطبيعة والمتمثلة بالطاقة بشكل فني. والحركة هي الحياة. وأنا آخذ الكون كظاهرة واحاول تفسيرها وفق معادلة اينشتين حول العلاقة بين الكتلة والطاقة. والمادة وحدها لم تعد تمثل التفسير للكون بل هناك الطاقة ايضا.وبرأيه ان الفن اليوم في مفترق الطرق وفي مرحلة البحث . فقد انتهت مرحلة الصراعات الطبقية ،وظهرت الحاجة للتوغل في اعماق جديدة للمادة.والسياسة تريد ايجاد حلول لمشاكل البشرية بما يضمن مصلحة الانسان .وبضمن ذلك توفيرحرية التعبير والديمقراطية.وقد أجرم ستالين حين فرض الواقعية الاشتراكية على الفنانين السوفيت مما ترك آثارا سلبية في تطوير الفن في البلاد ناهيك عن تقدمها نحو الاشتراكية الحقيقية. بيد ان المجتمع البشري يتجاوزهذه الاخطاء تدريجيا.ويعتقد محمود صبري ان النقد الفني في ازمة ايضا. وقد فشل في محاولته توجيه العملية الفنية نحو اهداف خلاقة. والفنانون يبحثون عما يجب عمله لاحقا.والبشرية تريدالتعمق في الواقع أكثر فاكثر. فهي اجتازت مراحل تأريخية عديدة من مرحلة ممارسة الصيد ومن ثم الزراعة وارتباط الدين بالفن ، ثم زوال مجتمع العبودية والاقطاع وبدء العصر الصناعي واليوم العصر الذري.ولكل فترة منها حضارتها وفنونها وعقائدها. والفن مرآة لتطور المجتمع وتختلف في كل مرحلة تأريخية التفسيرات حول علاقة الانسان بالطبيعة .
واليوم من الصعب الحديث عن محمود صبري وأنجازاته الفنية الكبيرة دون الاشارة الى ما تتضمن مواضيع لوحاته من اصداء فكرية وفلسفية. فهو فنان ومفكر في آن واحد، ولايمكن الفصل بين هاتين السمتين لهذا الفنان الكبير.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,798,421,685
- بريماكوف يتحدث عن الماركسية - اللينينة و-الثورات العربية-


المزيد.....




- الأسلوب الأليغوري في رواية-نينا بتروفنا- للروائي العراقي حسب ...
- فنانو مصر يشعلون الـتويتر تضامنا مع الفرعون صلاح
- المسرح الشعبي من الأزمة للخشبة العالمية
- عشرة آلاف سنة منسية من تاريخ البشر
- بنشماش يقود جرّار الأصالة والمعاصرة خلفاً للعماري
- رواية «مأساة الملك علوي» للروائي والقاص المصري حجاج أدول
- اتهام فرنسيين بقرصنة أغنية على يوتيوب
- نقاد: الكوميديا الأردنية تهريج وسطحية
- غوغل للقرّاء: لا تنسوا رضوى عاشور
- فيلم روائى قصير ومؤثر.. عن موقف من حياة غاندي


المزيد.....

- دراسات يسيرة في رحاب السيرة / دكتور السيد إبراهيم أحمد
- رواية بهار / عامر حميو
- رواية رمال حارة جدا / عامر حميو
- الشك المنهجي لدى فلاسفة اليونان / عامر عبد زيد
- من القصص الإنسانية / نادية خلوف
- قصاصات / خلدون النبواني
- في المنهجيات الحديثة لنقد الشعر.. اهتزاز العقلنة / عبد الكريم راضي جعفر
- المجموعة القصصية(في اسطبلات الحمير / حيدر حسين سويري
- دراسات نقدية في التصميم الداخلي / فاتن عباس الآسدي
- لا تأت ِ يا ربيع - كاملة / منير الكلداني


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالله حبه - محمود صبري - فنان ومفكر