أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أحمد دلباني - في الذكرى الثالثة لغيابه: محمود درويش عدميا















المزيد.....



في الذكرى الثالثة لغيابه: محمود درويش عدميا


أحمد دلباني

الحوار المتمدن-العدد: 3453 - 2011 / 8 / 11 - 08:57
المحور: الادب والفن
    


في الذكرى الثالثة لغيابه:
محمود درويش عدميّا
أحمد دلباني


لقد أيقظت المرحلة الراهنة – بوصفها وعيا حادا – الثقافة الثورية السائدة من نعاسها بعنف، وفتحتها على المراجعات الشاملة لسرديات التحرير والتنوير التي اعتقدت – طويلا - أنها اعتقلت معنى كينونة الإنسان التاريخية في خطاطاتها ومدوناتها؛ وافتضح أمر العقل الذي كشف عن " معتقل المعنى " في ثناياه، كاشفا عن ألاعيب الهيمنة والسيطرة. لم يعد التاريخ، بذلك، أرضا تحبل بالشقائق الصغيرة الحمراء، وإنما كوميديا تروي قصة الغرق في السديم من جديد. لقد أصبح التاريخ يبدو – أكثر فأكثر - في صورة طائر عجوز أنهكه السفر إلى وكر المعنى. من هنا نفهم شرعية انبثاق السؤال الوجودي العميق في عالم يشهد انهيار اليوتوبيات، ويرى كيف تسحق سنابك التاريخ الهوجاء وردة المعنى التي سهرت على رعايتها أحلام الثوريين جميعا. هذا الوعي الخائب المتعب خدش خدر كل الرؤى التي تزوجت المستقبل وآمنت بفراديس الآتي.

يفيق محمود درويش على هذا الأمر في المرحلة الأخيرة، هو الذي ظل حياته يقول اختفاء السماء محتضنا التاريخ بما هو وعد تصنعه جدارة الحياة بنفسها وجدارة الإنسان بعالم أفضل. يفيق على الفاجعة في الزمن السيزيفي الذي لا يعد بشيء غير إعادة إنتاج اللاجدوى والعبثية إلى ما لا نهاية. ها هو يشرف، أخيرا، على تراجيديا الوجود وخواء التاريخ من المعنى الذي ظل يضمنه العلو وتضمنه الحكايات التأسيسية لثقافات اضمحلت وعودها في ضخ دماء المعنى السخينة في مومياء العالم. لقد تحول التاريخ إلى تمثال من الملح بعد أن كان مسرح ريح الثورة الملكية ومفازة اللعب الإنساني البهي - خالق أشكال الحياة من أعمق الصبوات.

من نافل القول أن نذكر بأن الثقافة الحديثة برمتها قامت على محدد رئيس أسدل الستار على هيمنة اللوغوس Logos الديني ووصايا السماء: هو التاريخ مفهوما على أنه الزمن المليء ومسرح تحقق الانعتاق الشامل للإنسان بالثورة. هذا ما يجعلنا نفهم، بعمق، جوهر الثقافة الحديثة – بمختلف أوجهها وإيديولوجياتها – بوصفها زمنا بوأ الإنسان عرش التدبير وشهد عطلة الآلهة القديمة كما يعبر هيدغر Heidegger. ولكن هذا الزمن الإنساني الجديد، أي التاريخ، فقد الوجهة والهدف تدريجيا في غمرة كوميديا العنف والانتكاسات والتراجعات التي جعلت منه آلة وحشية لسحق الإنسان لا لتحريره. هذا ما كان في أساس التشاؤم الفلسفي العميق حول مستقبل الإنسان ومصيره.

إن الفكر العربي الأنواري في صيغه المختلفة، الثورية منها والقومية، ظل على تفاؤله بإمكان تحرير المجتمع العربي من الهيمنة الخارجية ومن بنيات التقليد معا، مؤمنا بمسيرة التاريخ الظافرة نحو كنس كل ما يعيق انعتاق الإنسان العربي ودخوله زمن الحداثة الفعلية ومشاركته في صنع عالم جديد يلبس وجه الإنسان. نشأ محمود درويش في كنف هذا الفكر، راسخ الوعي بالمقاومة بوصفها السبيل الأوحد لمجابهة قبح المرحلة وصفاقتها وإعلان انحيازه المطلق إلى العدالة التي تنشدها كل الشعوب. لقد لاحظ أن تراجيديا الشعب الفلسطيني الشريد لا تتطلب نجدة السماء ولا إسعاف الآلهة، وإنما النضال البشري الذي هو انخراط في تصحيح وجهة التاريخ الذي يكتنز – حتما – بتباشير الخلاص من كل أشكال الاغتراب والاستلاب والهيمنة. هذا هو معنى علمانية المقاومة الفلسطينية عند الأنتلجنسيا العربية الثورية. لقد بحثت عن الخلاص التاريخي في الفعل المقاوم بوصفه عملا يناهض انسحاق الإنسان تحت آلة العنف التاريخي الأعمى.

إن هذا المحدد الرئيس للوعي الثوري التقدمي العربي المعاصر، لم يكن بمأمن من مآزق اللحظة التاريخية ومهاويها. لقد فغرت العدمية فاها على خرائب الرؤية الإيجابية للتاريخ، وخفت وطأة التفاؤل الذي أثقل كاهل أصحاب الغنائيات الثورية بلا طائل أحيانا. لقد " تفشى النثر في الصلوات/ وانكسر النشيد " كما يعبر بصورة آسرة محمود درويش (جدارية – ص 21 ).

---------------


موت التاريخ؟ ليس حكاية جديدة بكل تأكيد. لقد كان يتربص بقصيدة محمود درويش الطافحة بجنون الحياة منذ زمن ليس بالقريب. وكان يخترم - شيئا فشيئا - نشيد العواصف الآهلة بما يهب الأرض أعيادا وأشجار لوز وصباحات فضية. كان موت التاريخ يتوثب في رحم المرحلة التي بدأت تعرف انهيار الحلم وتراجع اليوتوبيات الثورية، وبدأت تعيش على إيقاع انفجار الأصوليات الأهوج الذي عكس انكماش العالم، وانسحاب الأرض من معجم الانعتاق الشامل من الاغتراب لتحل محلها السماء الآفلة. كان كل شيء يتهاوى، وأصبح عقل الحداثة الشائخ لا يكاد يجد له موضع قدم على أرضية كوميديا التفكك التي شهدها العالم. أصبحت الرحلة دخولا في غابة أو في " طرق لا تؤدي إلى أية جهة " كما كان يعبر هيدغر. فماذا يفعل الثوري؟ هل يجابه السديم بخطاطاته الجاهزة ويلقن التاريخ درسا في لاجدوى المكر والسخرية بمصائر البشرية؟ لا طبعا. ليس ذلك شأن الشاعر التراجيدي الذي يريد أن يبقي على صحوه أمام اتساع الهاوية.

يدرك الفلسطيني، جيدا، معنى مكر التاريخ وسخريته الفاجعة لأنه عرف النكبة وما تبعها من تشريد وتهجير وعبور على صراط المنافي والملاجئ نحو غد لم تبرق تباشيره بعد. كما يدرك، أيضا، عنف السرديات التي واكبت قتل الحلم بطفولة تعتقد بأبدية الحضور ووطن يسكن جناح الفراشة. لقد عاش درويش كل ذلك، هو الذي أصبح لاجئا قبل أن تكمل طفولته فصول دهشتها في عالم لفعته الشيخوخة المبكرة ولم يعد مجلى للسر والألوان. إذ " بساعة نحس واحدة دخل التاريخ كلص جسور من باب، وخرج الحاضر من شباك. وبمذبحة أو اثنتين، انتقل اسم البلاد، بلادنا، إلى اسم آخر" ( في حضرة الغياب – ص 47). لقد انتفت المعقولية من تاريخ أصبح مسرحا لمغامرات القوة والقسوة وأصبح وحشا يسفك دم الحاضر على مذبح الآلهة الإيديولوجية العنصرية الجديدة. يضيف محمود درويش: " الأسطورة تغزو، والغزو يعزو كل شيء إلى مشيئة الرب الذي وعد ولم يخلف الميعاد. كتبوا روايتهم: عدنا. وكتبوا روايتنا: عادوا إلى الصحراء"( في حضرة الغياب – ص 48). هكذا أصبح السلاح، فعلا، مؤرخا كما سيقول درويش فيما بعد؛ وهكذا أباحت قوانينه - التي طالما سحرت الفلاسفة التقدميين - للمذابح أن تسهر على ما تبقى من فصول مسرح القسوة البشري في عهد شيخوخة العقل.

قلنا إن موت التاريخ بدأ بالتسلل إلى قصيدة الشاعر الثوري في صورة وعي حاد بموت التعالي، وسفور وجه القوة بوصفها ما يحكم العالم في غياب الآلهة. كان الشاعر يستصرخ العالم في قلب حطام بيروت المحاصرة، وكان يلجأ متعبا إلى القلب الإنساني ليعثر فيه على القوة الضرورية لإنقاذ المعنى والوجهة من همجية اللحظة. كانت بيروت تكثيفا مشهديا لمصير العالم المعاصر وهو يخلع عنه بهاء التطلع الأخلاقي إلى العدالة تحت السماء الفارغة. كانت بيروت تجسيدا لفشل الحداثة التي ألقت بنفسها في جحيم العزلة، بعيدا عن آلهة لم يعد بوسعها - وسط الدمار - أن تخرج كالعنقاء من الرماد. غاب المنقذ والمخلص. هكذا يفيق محمود درويش في ملحمته الباذخة "مديح الظل العالي" على خواء التاريخ من العلو وإسرافه في كتابة سردية التيه الأبدية في طبعتها الفلسطينية. يحيط البحر بوجهة الإنسان التائه من كل جانب ولا مجير من ريح المأساة العتيقة. لكن الشاعر الثوري المنتفض ضد قدر تصنعه آلهة ماكرة، يعتصم بما في الروح من صلابة أخيرة، ويعلن شرعة كونية الإنسان ومركزيته من أجل صنع كون إنساني الوجه، تندحر فيه يد القرصان التاريخي وتنطمس فيه معالم المعابد التي سكنها الذئب المقدس. هكذا يصبح الإنسان مسألة المسائل وسؤال المرحلة وخالق الطرق إلى البدايات الواعدة:
" حرية التكوين أنت
وخالق الطرقات أنت
وأنت عكس المرحله.
فاذهب فقيرا كالصلاة
وحافيا كالنهر في درب الحصى
ومؤجلا كقرنفله.
لا، لست آدم كي أقول خرجت من بيروت أو عمان أو
يافا، وأنت المسأله
فاذهب إليك، فأنت أوسع من بلاد الناس، أوسع من فضاء
المقصله
مستسلما لصواب قلبك
تخلع المدن الكبيرة والسماء المسدله
وتمد أرضا تحت راحتك الصغيرة،
خيمة
أو فكرة
أو سنبله " ( مديح الظل العالي – الديوان ص 380-381 ).

لقد ظل الإنسان، بالتالي، في " مديح الظل العالي " مرجعا للقيم ومركزا للكون يواجه صمت العالم وجنون التاريخ. كان الشاعر متشبثا بحفنة الروح التي تقاوم مهازل السياسة والفراغ الذي خلفه انسحاب الآلهة؛ وبقي في مجموعته التالية " ورد أقل " يتابع " مجرى النشيد " رغم حدسه العميق بأن هنالك ليلا " أشد سوادا " كما يعبر ( ورد أقل – الديوان ص 496). أما في قصيدته المدهشة " الهدهد " فنلاحظ اختفاء تيمة المقاومة في شكلها السائد لتحل محلها تيمة السفر. إنها قصيدة / نشيد عظيم يسرد حرقة البحث الأبدي عن أرض المستقر في لانهائية الزمن. إنها قصيدة صوفية المنحى لا تعد بأكثر من تلاشي الذات في ضوء اللانهاية وفي عذابات الرحلة التي لا تنتهي. الهدهد هو الدليل إلى الماء في صحراء العالم، وهو الخبير في قراءة رسائل الآتي المحجوب. يبدو تعب محمود درويش هنا واضحا: تعبه من تاريخ لا يجيء ولا يحقق وعوده، ومن سفر مرهق يجسده شعبه المشرد في المنافي بحثا عن أمومة مع التراب وعن بيت يضيء حلكة الأيام. لكن جواب الهدهد / الدليل كان واضحا، فهو لا يعد بأكثر من التوغل في الطرق التي تدق على باب الأسرار الموصدة أبدا؛ وهو لا يرى أية وسيلة أخرى تنقذ الإنسان من متاهة التاريخ المتعثر سوى الطيران بعيدا والاحتراق بشمس العالم بحثا عن وحدة تجعل الإنسان كونيا، وتنهي زمن أسئلته الوجودية الحارقة. " إن الجواب هو الطريق ولا طريق سوى التلاشي في الضباب " يقول الهدهد / الدليل (الهدهد – الديوان ص 543). يجسد هذا الأمر حيرة الشاعر أمام مصير القضية التي وقعت في اختبار المرحلة وعانت من سؤال الإمكان وسؤال الوسيلة وسؤال الهدف والغاية. لم يعد الطريق واضحا؛ ونستطيع أن نلاحظ أن نزعة الشاعر الصوفية المنحى وذات الدلالة، هنا، تمثل انكفاء أمام التاريخ الذي لم يعد يوفر إلا رؤية ضبابية للمسافر.

القوي لم يكتب التاريخ فحسب وإنما صنعه أيضا. التاريخ صنيع القوة والأقوياء. هذه هي الحقيقة التي يصفعنا بها الواقع الفعلي كلما تأملنا وضعنا. فلماذا البحث، بالتالي، عن تاريخ آخر مفترض، يربض في جحيم التاريخ وشرنقته كدودة تنتظر صنع أجنحتها لتطرح عنها الشرنقة، وتحلق عاليا في سماوات عابقة برائحة الإنسان؟ لماذا نصر على تلمس آثار العناية العلوية في مسيرة البشر عبر الزمن؟ لماذا نرفض فضيلة التحديق في شمس اللحظة السوداء؟ العنف هو السيد و" السلاح هو المؤرخ " كما انتهى إلى ذلك محمود درويش مؤخرا. هذه هي الحقيقة. لقد توقف الشاعر عند هذا الأمر مليا، منذ كتب قصيدته الشهيرة " خطبة " الهندي الأحمر" - ما قبل الأخيرة - أمام الرجل الأبيض " عام 1992، في الذكرى المئوية الخامسة لاكتشاف أمريكا من طرف البحار ( القرصان؟) كولومبس. الهندي الأحمر فلسطيني قبل الأوان، لم يعرف التاريخ إلا في صورة إبادة واقتلاع ثقافي ورمزي، وفي صورة زواج قسري بالمقدس الذي حمله القرصان الأبيض من أجل الهيمنة على الأرض. لقد أطل التاريخ على الهندي الأحمر بآلة القوة والسيطرة التي أنتجتها حداثة صاعدة زاوجت جيدا بين المعرفة والقوة وصنعت، بذلك، أساطير تفوقها وسرديات " عبء الرجل الأبيض " الذي أثقل العالم بأعباء الاستعمار ووحشيته. لقد ولد التاريخ المخاتل المخادع مع تنامي نزعات المركزية الثقافية الأوروبية في العصر الحديث. أصبح فيض قوة ورغبة في محو المختلف والهيمنة عليه لا غير. يلاحظ محمود درويش في هذه القصيدة، بحسه الشعري العالي، انحرافات التاريخ التي جعلته رواية بائسة تسرد انتصار القوة وتجسد سلطة الواحد الذي يمحو التعدد والاختلاف. إذ لم تكن إطلالة التاريخ الحديث، بهذا المعنى، مناسبة سعيدة للقاء الثقافات أو ضوءا يجمع أطراف الأرض من أجل السهر أمام الرسائل التي يلقيها زبد الكون المتناثر.

كانت هذه بعض المحطات المهمة – برأينا - في تجربة الشاعر منذ نهاية الثمانينيات، حاولنا فيها أن نتلمس وعيه ببداية اضمحلال سردية التاريخ الكبرى، وإدراكه المر والفاجع لانسحاب وجه الإنسان من خلفية المشهد التراجيدي لصيرورة العالم. لقد بدا التاريخ طائرا منهكا يحتضر في صمت قاتل على مشارف الهاوية. لقد رأينا، جيدا، كيف أن الشاعر – في كل ذلك - لم يتورط في قراءة العالم التي صدرها الثقافي والرسمي والمهيمن، بقدر ما قارب لحظته بشفافية أدركت فجيعة المرحلة وانتكاس التاريخ الذي هجره العلو وهجرته العناية. هنا، برأينا، يبدو شعر محمود درويش انتفاضة دائمة لبكارة الرؤية ضد المرجعية. وهل الشعر غير ذلك؟

---------------


الحب والموت. هذا أيضا من التيمات الأكثر حضورا في شعر محمود درويش الأخير وبخاصة في مجموعته الرائقة " سرير الغريبة ". الحب، هنا، بوصفه ضوءا ومعبرا إلى فناء شبه صوفي يمحو المسافات بين الأنا والأنت، أو بين الشاعر ولحظته المنفلتة دوما من عناق يزيل التناقضات ويمحو " المدى المتطاول " كما يعبر المتنبي. تطاول بلا طائل. لم تعد المسافة مغرية. هذا هو درس التجربة الوجودية الجديدة التي وطنت نفس الشاعر على عشق الموت عبر بوابة الحب. يصبح المنحى الصوفي بارزا عند الشاعر كلما ابتعد – شيئا فشيئا – عن جسور التاريخ العتيقة التي لم تعد تقود إلى أية جهة واثقة. من التاريخ إلى الأبدية، ومن النسبية إلى التلاشي في ضباب المطلق، ومن زمن ماركس التقدمي إلى محاولات سيزيف غير المجدية في التغلب على ضجر الخلود: يلوح الحب باعتباره الخلاص كلما انكمشت وعود مسيرة الإنسان التاريخية؛ ويصبح الفناء حوارا عاليا مع لهب الأبدية الأصلي الذي يشفي من داء الزمنية. ربما هذا ما يجعلنا نقرأ تجربة الحب عند محمود درويش بوصفها تجربة كيانية وحضارية مفتوحة على أسئلة التعثر التاريخي لتجارب الخلاص الأرضي من الاغتراب عند الإنسان. الحب هو اشتياق أصلي إلى المحو والعدم:

" أحبك حتى أعود إلى عدمي
زائرا زائلا. لا حياة ولا
موت في ما أحس به
طائرا عابرا ما وراء الطبيعة
حين أضمك .../ " ( سرير الغريبة – الديوان ص 692 ).

إغفاءة الحب صحو لذيذ على زمن من طور آخر يتجاوز نقائص الزمن التاريخي المعذب. إغفاءة الحب هجران للتمزق الكياني الذي هو جوهر نسيج الكينونة القلقة والمتناهية في الزمان. ولكن كيف تسنى للشاعر الثوري أن يحلم يوما بأن يعود طائرا يعبر ما وراء الطبيعة؟ كيف تسنى لمن كان مؤمنا بعبور جسر النضال التاريخي إلى الحرية، أن تسكن أشعاره الميتافيزيقا والرغبة الحارقة في العدم؟ ربما كان هذا الأمر إعلانا عن نهاية اليوتوبيا التاريخية، وبحثا محموما عن العودة إلى الرحم الكونية عبر فعل الحب. ربما يشير هذا الأمر، أيضا، إلى اشتداد الشعور الفاجع بالغربة عن اللحظة التاريخية عند الشاعر.

من التاريخ إلى الأبدية. هذا يعني، برأينا، الانتقال من اعتبار التاريخ زمنا مليئا بعبق الآتي المخلص من الاستلاب، إلى اعتباره عبئا يثقل كاهل الكينونة باللاجدوى كصخرة سيزيف Sisyphe. لم يعد التاريخ نشيدا إنساني الطالع وإنما حاضرا لا ينتهي. أصبح زمنا متجانسا تتفجر منه ينابيع الضجر والسأم الوجودي بلا توقف. لماذا؟ إن نهاية التاريخ لا تعني نهاية الزمن. إنها مؤشر على تلاشي مركزية الإنسان وسيادته على عرش الغبار الكوني؛ وهي تعني تلاشي غنائية الزمن / النهر الذي يكتب حكاية رحلة الإنسان السعيدة إلى مصب الآمال الأكثر علوا. يشعر الشاعر أنه لم يعد أكثر من " ضيف على الأبدية "، لا يعنيه كثيرا تغيير العالم قدر ما يعنيه شبق خفي يتفجر من كيانه كله إلى وحدة مع الوجود يتجاوز بها تمزقه الكياني بين الثنائيات. يشعر، أيضا، أن التاريخ أصبح مسافة بين بابين لا يملأها إلا ما يقتل الضجر:

" يمر الزمان بنا، أو نمر به
كضيوف على حنطة الله
في حاضر سابق، حاضر لاحق،
هكذا هكذا نحن في حاجة للخرافة
كي نتحمل عبء المسافة ما بين بابين .../ "( سرير الغريبة – الديوان ص 693).

إن تحمل عبء التاريخ يمر عبر بوابة الخرافة. التاريخ حاضر دائم " وتكرار جنوني " كما سيقول محمود درويش في عمل لاحق ( لا تعتذر عما فعلت – الأعمال الجديدة ص 102 )، وليس أفقا يلبس وجه الإنسان متطلعا إلى خدر نجمة المعنى والانعتاق في ليل الأزمنة. ستملأ الخرافة فضاء الآمال الإنسانية بالوعود الدنيوية والأخروية، وسيضيء الضيوف على الأبدية الباردة اللامبالية حلكة الزمن بما يفعلون وبما يصنعون، كي يتغلبوا على العدم الماثل في قلب الوجود. أصبح الشاعر يعتبر التاريخ عبئا أو مطهرا يجب عبوره في فعل التخلص من جحيم الضجر نحو باب يفضي إلى التلاشي في البياض. أصبح التاريخ، في كلمة، شجرا يثمر السأم العميق وطريقا ناتئا يخز الوعي الشقي كالشوكة؛ وما فعل الحب، هنا، إلا ممارسة تفتح الكيان على الخدر الذي يطلبه المسافر وقد أنهكته المسافة. إنه فعل تمحي فيه الحدود، ويتم عبره الوصول إلى نقطة عليا تزول في حضرتها التناقضات كما بشر بذلك " بابا السوريالية " أندري بريتون Breton في بيان السوريالية الأول.

---------------

لقد مات التاريخ. لا بالمعنى الذي ابتهج له أنبياء العولمة الجدد والمبشرون بالعهد الأميركي وجنة الاستهلاك الليبرالية، وإنما بالمعنى الفلسفي الذي جعل منه – لعهود طويلة – معبرا يقود إلى الأرض مفتوحة على زمن مضاء بالإنسان. مات التاريخ بوصفه وعدا بالعدالة والكرامة وبوصفه نشيدا ظافرا وزمنا آهلا بلازورد الحرية الكيانية وصداقة الريح والبحر. مات التاريخ عندما كف عن أن يظل حجرا مقدسا تنبجس منه عيون المعنى في ليل الأزمنة. هذا ما عاناه درويش في سنواته الأخيرة بمرارة وهو يخلع عن شعره أبهة السرديات التي تزوجت بطولة الإنسان المقاوم، ليلبسه عباءة ديوجين Diogène وبصيرة المعري وحكمة " سفر الجامعة". لقد أعادت المرحلة - من جديد - الإصغاء إلى هذه الأصوات التي علمت فن العيش مع ظلمة الزمن دون التورط في لعبة الأمل.

" لا تكتب التاريخ شعرا ". لم تعد الأرض حبلى بالسماوات التي تتدلى منها سنابل القمح وعناقيد الفرح الآتي مع أطفال النشيد الأول. لم تعد الأرض بيتا مفتوحا على أشعة أبجديات عذراء تحمل رائحة الإنسان. باطل كل شيء، باطل. التاريخ عربة هوجاء وناقة عشواء تخبط في مفاوز الزمن دون هدف ولا وجهة ولا غاية. الزمن تكرار لانهائي يسخر من أحلام كل الثوريين مذكرا بمصير سيزيف الذي هو التجسيد الأمثل لتراجيديا الوجود البشري في غمرة العبثية الفادحة. هذه الحكمة الأخيرة التي يطل بها علينا محمود درويش في أعماله الأخيرة - ومنذ أثره الخالد " جدارية " تحديدا – ليست، بحال، رؤية فلسفية رواقية تروم " العيش على وفاق مع الطبيعة " أو تجنح إلى وأد حمية العمل والفعل. إنها – خلافا لذلك – رؤية تحاول أن تتجاوز الارتهان لأحلام الثورة المنتكسة إلى مهمة الشهادة للإنسان في الغبار الكوني. سيكون الفن شفاء من داء الزمن الساحق. سيكون الفن مقاومة للموت الذي يأتي على كل شيء وشجرة تقف في وجه الطوفان. نعم. الفن هو التاريخ الفعلي الذي يتجاوز به الإنسان آلة العبثية واللاجدوى. الفن هو انتصار الإنسان على مرض الغياب القديم. يقول في جداريته:

" هزمتك يا موت الفنون جميعها.
هزمتك يا موت الأغاني في بلاد
الرافدين. مسلة المصري، مقبرة الفراعنة،
النقوش على حجارة معبد هزمتك
وانتصرت، وأفلت من كمائنك
الخلود ...
فاصنع بنا، واصنع بنفسك ما تريد " (جدارية – ص 54-55 ).

الخلاص بالفن. هذا ما خلص إليه الشاعر وهو يكتب جداريته. لقد تقمص – أخيرا - دور جلجامش وأنكيدو في رحلة البحث عن عشبة الخلود التي عثر عليها في الفن. الفن إكسير الخلود وولادة صلبة للحياة التي تنشد أبدا مقاومة العبثية والزوال. الفن هو الحياة الإنسانية وقد أترعت كأسها بشهوة الحضور القاسي وظمأ الكينونة اللاهب إلى الامتلاء بوجيب الكون. يشير هذا الأمر إلى وعي جديد بالموت عند محمود درويش. لقد أصبح الموت - بمعنى ما - شيئا يهدد أبهة الحياة وجدارتها بوصفها تمزقا وتراجيديا تسرد غنائية العلو المرة. أصبح الموت هو ما يواجهه الإنسان بحفر اسمه على جدران الزمن بعد أن كشف عن وجهه العبثي وخلع عنه أقنعة الملحمية المضمحلة. يكتشف درويش هذا الأمر، هو الذي كان غائبا ومطموسا في غنائيات المقاومة الجماعية، عندما اكتشف الموت الفردي على سرير المرض تحت مبضع الجراح. هنا يصبح وعيه أكثر حدة بمصيره الفردي وبفداحة الشعور بالفردانية الأصيلة التي لن ينتشله منها شيء من الآن. لقد انتهى زمن السقوط في الجماعي الذي ظل يتفنن في جعل الموت عرسا شعبيا. فمن المعروف أن درويش كان منشدا باسم المقاوم وباسم العصافير التي " تموت في الجليل "؛ وكان امتدادا للتراب الذي ينسف " دبابة الفاتحين". كان يرى الشهداء يسهرون على حراسة الذات الكنعانية الخالدة، منتصبين قلاعا ضوئية منيعة. لقد كان الموت، بمعنى ما، مجدا وعلوا وتراثا يزيد في رصيد المناعة الحضارية للذات الجماعية. أما الآن، فالموت هو أقل بكثير من أن يكون ينبوعا لشعرية الثقافة الثورية أو لاحتفاليات الذاكرة. لم يعد محمود درويش - بمعنى آخر - يرى أو يشاهد موت الآخرين؛ ولم يعد يؤسس لغيابهم بوصفه تاريخا يذكر بالهوية الحضارية غير القابلة للطمس، وإنما أصبح " يموت ". هذا هو الموت الفردي. إنه الموت/ الحدث الخالي من كل غنائية.

من الموت / الشعر إلى الموت / النثر. هذا هو مسار الوعي الذي يرسمه شعر محمود درويش الأخير. لم يعد الموت، بمعنى ما، مجدا يتوج الهوية على عرش الغبار أو قربانا تقدمه الحياة لتكون جديرة بنفسها. لم يعد غنائية العهود التي عقدت صداقات صعبة مع البطولة والعلو، بل حدثا يمثل حدا للكينونة عن اقتراف الممكن بوصفه فضاء لانهائيا. أصبح الموت نهاية ترسم للكينونة حدودها وتذكرها بالعدم الرابض في نسيجها، كل لحظة.

هو وعي فاجع بكل تأكيد. إنه الإفاقة الوجودية على أصالة الكيان الفردي ومحبس الذاتية في تناهيها. إنه معاناة الزمنية والوقوف على شرفة هشة تجعلنا نسترق السمع إلى لج العدم المحيط بسفينة الحياة الهشة. هذه جنة الوعي الذاتي الأصيل التي تنتشلنا من رغبة الاحتماء من أنفسنا بممارسة السقوط في المبتذل واليومي والجماعي الذي تنطمس معه كل أصالة وذاتية. جنة تنهال علينا بتفاح له طعم المرارة الأولى وعدمية العماء الأول. هذا ما عاناه درويش وهو يكتشف الموت ويخبره، كأنه لم يعرفه أبدا في السابق. لقد فهم، أخيرا، هيدغر.

أتذكر، هنا، كلمة لفيلسوف اللامعقول الفرنسي ألبير كامي Camus وردت في كتابه " أعراس ": " إن ما يدهشني دوما هو فقر أفكارنا عن الموت؛ مع أننا نشيطون جدا في قتل سائر المواضيع بحثا ". نعم. فقر أفكارنا عن الموت. فبعيدا عن صورة الموت – الخلاص الفردي الذي ساد تقليديا وتاريخيا في مجتمعاتنا العربية – الإسلامية، ظل نمط الموت السائد عندنا في أدبياتنا الحديثة هو الموت – الشهادة الذي يجعل من الغياب مجدا شعبيا ومن الحياة جلجلة تكتسب جدارتها من الفداء الذي يمثل نسغ شجرة الحضارة. لم يكن الموت أبدا مواجهة للمصير أوسؤالا حول الكينونة الهشة، ولم يكن أساسا لإعادة بناء الوعي في أفق المغامرة الكيانية في استقصاء المعنى، وإنما ظل تلك النار التي تبعث طائر الفينيق من سباته الحضاري في رماد العصور الوسطى. كان هذا في عهود الصخب الإيديولوجي القومي بخاصة. أما الآن فالموت يستيقظ في الخطاب العربي بوجه آخر. إنه ذلك الصدى المحايث للمرحلة التي تشهد تحطم بوصلة الاتجاه نحو الغد الواثق؛ وهو هسيس العبثية التي بدأت تلفع الوعي وتقذف به في أتون أكثر الأسئلة راهنية وإلحاحا حول المصير ومرجعيات المعنى والعلاقة بالعالم. كف الموت عن أن يكون عيدا قوميا وخرج إلى فضاء السؤال من شقوق الإيديولوجيات المنهارة.

----------------

" كلما اتضح الطريق إلى
السماء، وأسفر المجهول عن هدف
نهائي تفشى النثر في الصلوات،
وانكسر النشيد " ( جدارية – ص 21).

كان المجهول الذي نسافر إليه نقطة عليا وهدفا كيانيا تجهز له الحضارة كل روحها الملحمية باعتباره طريقا ودلالة تمنح الزمنية علوا ومعنى. أما الآن فلا. لقد انكسر نشيد مسيرة الإنسانية إلى قهر العبثية على صخرة الزمن الناتئ كحجر يعلن موت الملحميات ولا جدواها. ولم تعد الصلوات ذات إيقاع يناسب أزمنة تشظي وحدة العالم. هذا يعني أن مشكلة العدمية الأولى عند محمود درويش هي أنها ليست زمنا ملحميا وغنائيا بالقدر الذي يضمن أبهة المغامرة وجسارة الرحلة إلى حضن بينيلوب / الوحدة مع العالم وضوئه الأصلي. مشكلة العدمية، بمعنى آخر، أنها زمن لا يناسب أوليس Ulysse. إنها انكسار فعلي لكل الجسور التي ظلت تربط الواقع بالممكن عبر بوابات الحلم العالي. إنها انكسار لفكرة الحلم ذاتها؛ وهي تحرير للمرجعية من الهدف والنهايات السعيدة التي ظل البشر يختلقونها ليخففوا من عبء وجودهم الفادح. هذا ما يتطلب من الوعي قدرا كافيا من الصحو وحكمة جديدة تخلع عنها بردة التطلع إلى العلو وتلبس الحس التراجيدي العالي الذي يمثل – بمعنى ما – معينا لبطولة قاسية وحالكة الملامح.

لقد انتهى زمن الملاحم التي برعت في ابتكار الآلهة وفي تأثيث السماء بما يقتل الضجر الوجودي ويمنح الإنسان / البحار الأبدي ترياقا يملأ الروح برباطة الجأش وجدوى الصبر والمقاومة. وأصبح بالإمكان أن نستقبل العالم وقد خلع عنه أقنعة الآلهة، خميرة ممكنات ومتاهة مكسوة بزغب السر. ربما هذا ما يكشف بجلاء عن رؤية الشاعر لمرحلته التي اخترمها حس العبث منذ " شج سهم طائش وجه اليقين" كما يعبر ( جدارية – ص 71). لقد أدرك درويش الملحمي الكبير موت الغنائيات التي لفعت العالم ووشحته بالصلوات. لم يعد قادرا على مواصلة نشيده الباذخ الذي حلق به – في الماضي – عاليا، أيام كان يحتضن التاريخ بوصفه تفتقا للمعنى الذي يلبس وجه الإنسان. إنه اليوم يخلع عنه براقع النبوة والتبشير، ويوشح نشيده برغبة التماهي مع الأشياء الصغيرة الرابضة في قلب يتوسل القبض على زمن متحرر من هاجس العلو والسرديات الكبرى:

" ومثلما سار المسيح على البحيرة...
سرت في رؤياي. لكني نزلت عن
الصليب لأنني أخشى العلو ولا
أبشر بالقيامة. لم أغير غير إيقاعي
لأسمع صوت قلبي واضحا...
للملحميين النسور ولي أنا طوق
الحمامة، نجمة مهجورة فوق السطوح،
وشارع يفضي إلى الميناء... / " ( جدارية – ص 100- 101).

لقد أدرك شاعرنا، أيضا، ربما موت الشعر بوصفه ما كان يمثل يقظة المسافر. أصبح الشعر، إن شئنا، نارا مطهرة من لعنة الوعي وكابوس المرحلة؛ وأصبح نهاية تعلن سيادة البدايات التي تلغي كل الطرق والمسافات. أن يغيب حس المسافة: هذا هو الشعر الذي يناهض نثر المرحلة العبثية. فعندما تتراجع شعرية العالم تجنح الذات إلى فراديس البدايات السعيدة قبل السقوط في التاريخ. لقد أصبح درويش الثوري التقدمي صوفيا.

هذا يشير إلى غياب الإيقاع عن الكينونة التاريخية وقد انفرط عقد انتظامها. نعم. غياب الإيقاع. إن انفجار وجه العالم النثري يكتنز بدلالات تفصح عن اختفاء العلو وتلاشي البدايات والنهايات معا. لم يعد للطريق معنى: هذا هو المدلول الأعمق للعدمية التي أفاق عليها محمود درويش وهو يعيش خيبته بوصفه شاعرا لم يعد لديه ما يواجه أو يجابه به عالما سديميا. إن الذي فجر هذا الأمر هو اختفاء الشعر من سردية العالم. لم يعد للكلمة / اللوغوس سلطة أو إشراف على تدبير العالم والسهر على إيقاع معناه، وأصبح الخدر الطريق الأبهى إلى عناق المطلق عبر التلاشي الذي يمثله فعل الحب بامتياز:

" ... والإيقاع لا يأتي من الكلمات،
بل من وحدة الجسدين
في ليل طويل ... " ( جدارية – ص 37).

إن هذا المنحى الصوفي يشير إلى يقظة رغائب الفناء العميقة طلبا للشفاء من داء التاريخ الذي غرق في العبثية ولم يعد إنساني الوجه. فما الأجدر، بالتالي، بالإنسان التائه اليوم؟ الرحلة أم العودة؟ الذهاب بعيدا في أقاصي الزمن الواعد بعواصف تؤثث العالم بطفولة المعنى المثمر في شجر الآتي، أم تلبس وجه إيكاروس Icare الذي يسافر إلى الشمس موغلا في الاحتراق؟ المهم أن نشير إلى أن الضوء / الشعر عند شاعرنا أصبح يجيء من جهة الفناء والغيبوبة عن نثر العالم:

" ... كلما احترق الجناحان
اقتربت من الحقيقة، وانبعثت من
الرماد. أنا حوار الحالمين، عزفت
عن جسدي وعن نفسي لأكمل
رحلتي الأولى إلى المعنى، فأحرقني
وغاب. أنا الغياب. أنا السماوي
الطريد. " ( جدارية – ص 13).

لم تعد الفراديس الموعودة انعتاقا من آلة الاستلاب والاغتراب عن عالم الفعل والتغيير الإيجابي كما كان يعتقد الثوري، وإنما أصبحت حلما بخدر جميل وعميق، يزيل التناقضات ويعلن وحدة الذات والعالم عبر بوابة طمس الوعي الشقي في فعل صوفي المنحى يحترق فيه طائر الذات أثناء رحلة مضنية إلى الشمس / الأقنوم الأول. هذا ما يشير بجلاء إلى حساسية جديدة في شعر درويش رأينا ملامحها الأولى في مجموعته " سرير الغريبة " قبل أن يعمقها في " جدارية ". إنها حساسية صوفية / سوريالية تكشف عن أعمق الصبوات إلى ردم الهوة التي ارتسمت معالمها بين الذات ولحظتها التاريخية.

---------------

من الثورية إلى العدمية: هذا هو المسار الذي جسدته تجربة محمود درويش. هذا، بالطبع، ليس تقييما لتجربة شعرية وفكرية غنية بقدر ما هو وصف لمسار قاد صاحبه إلى أن يكون ممثلا لوعي ظل يعتمل داخل رحم المرحلة وظل يرسم منحاها العام، أعني ذلك المنحى الذي خبا فيه ضوء التاريخ بوصفه انبجاسا لينابيع المعنى ولأبجديات التحرر الشامل للإنسان. لقد أصبحت العدمية السمة الأكثر حضورا في كتابات درويش الأخيرة. العدمية مفهومة على أنها غياب القيمة وغياب الأساس الأنطولوجي لكل ما يتأسس عليه المعنى. إنها العالم وقد رد إلى اللاتشكل، والتاريخ وقد أصبح كابوسا مليئا بالصخب والعنف. إنها – في كلمة - انتفاء العلو. لقد تم عبور درويش إلى هذه الضفة التي جعلت بول فاليري Valéry يتحدث – يوما ما – عن " سأم الحياة المحض ".

من الثورية إلى العدمية؟ قد يبدو هذا الأمر مستهجنا قليلا أو– على الأقل – مستغربا؛ فمن المعروف أن الموقف الثوري موقف إيجابي يرتكز على رؤية فلسفية وإيديولوجية تعتقد بجدوى العمل من أجل التغيير الذي يكتنزه التاريخ بوصفه صراعا جدليا يفضي حتما إلى انبلاج عهد الإنسانية المتحررة نهائيا من الاستلاب. أما العدمية – على النقيض من ذلك – فهي ظلت تعتبر موقفا إيديولوجيا بورجوازيا تأمليا أذنت شمسه بالأفول التاريخي لطبقته. ولكن تحول درويش إلى هذه الحساسية العدمية في شعره الأخير لم يكن – برأينا – تحولا فرديا وإنما كان، أيضا، موقفا معبرا عن تحولات المرحلة والوعي بعد انهيار المنظومات الإيديولوجية الشمولية التي ادعت، طويلا، إمكان إنقاذ الإنسان من المصادفة الكونية العمياء، وتدشين عهد الخلاص التاريخي من الاغتراب.

يكشف غياب التعالي، هنا، عن مأزق الثقافة السائدة والمهيمنة؛ كما يكشف عن عودة العالم إلى طفولة جديدة ماكرة تفاجئنا ببلاغة اللعب الباذخة وانطماس كل معالم الدلالة العلوية. غياب التعالي هو غياب المرجعية. إنه لحظة يخمد فيها ضوء الطريق. فإذا كان للثوري مرجعية تستند إلى التاريخ بوصفه جدلا وصراعا وينبوعا لتقدم الوعي والتحرر، فإن العدمي لا يعثر في محيط العماء الحاضر على طوق النجاة ولا على معالم تنقذه من الدوار والشعور بالغثيان. غياب التعالي هو تلاشي اللوغوس. هذا ما عاناه محمود درويش بوصفه عدميا كبيرا أفاق على زيف الحكايات التأسيسية التي قدمت التاريخ على أنه طريق الخلاص. هل التاريخ تقدم؟ هل التاريخ مجال لانكشاف المعنى والحقيقة؟ لا قطعا يجيب، اليوم، محمود درويش. إنه " تكرار جنوني " لا غير. تكرار؟ هذا يعني أنه ليس زمنا مليئا بالإنساني وبالتوثب الإيجابي - خالق العالم على مقاس القلب والرغائب العميقة. إنه صخرة سيزيف – كما رأينا - لا غير.

من الواضح، بالتالي، أن محمود درويش ظل يعتقد – ككل ثوري تقدمي – أن التاريخ هو فالق إصباح المعنى ومحرر مارد الرغبة والطاقة الخلاقة من قمقم الأزمنة الصغيرة على الإنسان. ولكن هذا الاعتقاد الذي أسس لفكر الأزمنة الحديثة برمتها لم ينج من حراب المرحلة الهوجاء. لقد تهاوت خطاطات الفكر والروح التفاؤلية، واحترقت الرؤى الثورية الإيجابية موفرة مشهدا تراجيديا بديعا لنيرون التاريخ الماكر الذي شرب – أخيرا - نخب انتصاره على جهلنا وعلى المعنى الذي ظل يضيء بيتنا الصغير ومسيرتنا في عتمة الأيام. هذا ما جعل القلق الوجودي يتسرب إلى الوعي من جديد، وفتح المرحلة على أسئلة المراجعة الجذرية: مراجعة علاقة الذات بالعالم.

لقد تم الذهاب بعيدا – انطلاقا من ذلك - في أقاصي المساءلة الوجودية بعد أن خفت صوت المقاومة التي جعلت من التاريخ مسرح فاعليتها ومن التغيير هدفها؛ وتم عقد صداقات مع حواريين جدد حاول بعضهم زرع وردة المعنى على الجليد، وحاول بعضهم الآخر أن يدرب القلب الإنساني على معاشرة صمت العالم. هكذا أصبح محمود درويش أقدر على استحضار بعض أسفار الإنسانية الكبرى، وأقدر على محاورة كبار المبدعين الذين واجهوا آفة الزمن ورمموا شقوق الكينونة الأصلية بإكسير المصالحة الإبداعية مع الموت. سيكون الإبداع هو ما يشهد للإنسان بعد تحطم سفينة الحياة. إنه آثار أقدام الإنسان على يباس الزمن. وهل يرجو الفنان أكثر من ذلك؟

يحسن بنا هنا - كي نفهم بصورة أفضل شعر محمود درويش الأخير- أن نذكر أنه شعر أفاق على غياب غنائية التاريخ باعتباره وعدا وعتقا للمعنى الأبهى إنسانيا من تنين الزمنية. كان التاريخ – بكل تأكيد - يتعثر أحيانا ولكنه لم يكن عبثيا أو ماكرا. لقد ظلت الرؤية المانوية تؤطر المنظور الثوري إلى التاريخ حتى في أشد اللحظات خيبة وتراجعا على المستويات الإنسانية والأخلاقية. كانت آلهة النور – بمعنى ما - تتربص بآلهة الظلمة كي تجهز عليها في المنازلة الأخيرة. أما الآن فالنظرة تغيرت كليا. لقد غابت الثنائيات التي كانت تفتح كوة في جدار الظلام ينفذ منها النور، وتلاشت السبل أمام هدهد التاريخ الحائر وهو يبحث عن الماء في صحراء العالم. لقد كشف التاريخ، بمعنى ما، عن عبثيته وسخريته المريرة:

" كأن شيئا لم يكن
وكأن شيئا لم يكن
جرح طفيف في ذراع الحاضر العبثي ...
والتاريخ يسخر من ضحاياه
ومن أبطاله...
يلقي عليهم نظرة ويمر... " ( جدارية – ص 104 ).

تفتقر الحياة، في عمقها، إلى الجدوى ويفتقر التاريخ إلى المعنى المليء. إن الإفاقة على الموت الفردي وفاجعة التناهي فتحت الخطاب الدرويشي على أكثر المشكلات الوجودية حدة، وقذفت به خارج سرديات السقوط في فراديس الوهم التي أطرت النظرة إلى العالم في عهود سابقة. لقد أصبحت الكينونة الفردية نافذة نشرف منها على تراجيديا الوعي الذي ينضح قلقا لاكتشافه العدم الماثل في قلب الوجود كالدودة في قلب التفاحة، أو كما عبر- يوما ما - جون بول سارتر Sartre. هذه الإفاقة على فجر الكينونة المر تغمر الذات برعشة الفجيعة، وتبشرها بمقدم السأم العميق الذي سيكون، منذ اللحظة، في أساس الزمن والأشياء جميعا. ستطرح مشكلة الجدوى لأول مرة دون أمل كبير في تجاوز شوكتها؛ وسيكون حضور الذات الطاغي أمام ذاتها في قلب تورط الوعي الأبدي في اللاخلاص من الغثيان. لقد أصبح درويش الثوري وجوديا.

تبدأ الحقيقة عند الوجودي انطلاقا من الذات التي تعاني بوصفها شرفة تطل على الوجود الأصيل. وتبدأ مقولات الفكر بالانسحاب - شيئا فشيئا - من الأشياء لتسكن حالات الذات وهي تجابه العالم والزمن والقلق المرتبط بالكينونة المتناهية. هذه الحقيقة خبرها محمود درويش وكانت في أساس إعادته النظر في الكثير من الأشياء. أصبحت الذات مركزا للحقيقة الماثلة بطلعها المر، وينبوعا حرا للقيم في عالم لم يعد إلا مجالا لبسط إمكانات الذات في العلو على ضجر اللحظة والتاريخ. هذا ما يجعل، بدوره، الكائن التاريخي الذي هو الإنسان كائنا موجودا "من أجل الموت" كما يعبر هيدغر، ويجعل الموت حدا يقلب نظام القيم القائم على الضرورة والعقلانية. تصبح الحرية والعبثية المطلقتان ينبوعين ثرين للكينونة في عالم انسحب فيه المركز من المتعاليات التقليدية إلى الذات الفردية.

" جرح طفيف في ذراع الحاضر العبثي ...". هكذا قرأ الشاعر حياته بعد عملية على القلب المفتوح نقلته إلى جهة البياض قبل أن يتم " استرجاعه " إلى حالة الوعي بالصدمات الكهربائية. يكشف شعر محمود درويش، هنا، عن تزامن تلاشي غنائية الموت مع موت التاريخ. لم يعد للموت معنى يعلو به ويربطه بصيرورات العالم والمجتمع المنتفض كطائر النار ضد رماد المرحلة. أصبح حادثة فردية ونثرية هجرها الوهج وبريق الشهادة منذ سقط التاريخ في العبثية. لم يعد التاريخ بذلك – ربما – فرصة الإنسان في إنقاذ وجوده من التفاهة ومجابهة اللامعقول بالبطولة ومحاولات التأله. أصبح التاريخ – إن استعرنا تعبير جيمس جويس Joyce – إلها ساخرا يقلم أظافره من بعيد غير مبال بمصير العالم.

---------------

تطرح الاعتبارات السابقة أسئلة عديدة - لا على الذات الفردية لوحدها - وإنما أيضا على حضارة الإنسان بوصفها انتفاضة ضد آلة الزمن الساحقة وبوصفها مقاومة باسلة للموت والغياب. يتأمل محمود درويش هذا الأمر – من خلال تجربته النضالية ومن خلال مرحلته – ملاحظا أن التاريخ كف عن الوعود ولم يعد معبرا إلى ضوء الآتي، ما جعله يتخلص من عنف الفكر الذي ظل يعتقل العالم في النظرية الشمولية، وظل يوهم أصحابه بإمكان معرفة المصب السعيد لنهر الزمن. لقد كشف التاريخ الفعلي عن كونه تكرارا جنونيا " من المقلاع حتى الصاعق النووي " كما يعبر ( لا تعتذر عما فعلت – الأعمال الجديدة ص 102)، وكشف عن وحشيته وعن خوائه من البعد الإنساني. إنه " مسرح القسوة " إن استخدمنا تعبير أنتونان آرتو Artaud. من هنا يأسف درويش – بكل تأكيد – لتلاشي الغائيات الكبرى، هو الذي ظل يحتضن صيرورة العالم البهية وينتظر - بشغف الثوري الأصيل - تفتح زهرة الجدارة الإنسانية وخروجها من برعم إمكانها التاريخي. إن التاريخ، بالتالي، هجر سردية التقدم العتيقة وأصبح أبدا ماثلا في مفازة الزمن لا يمل من رواية العنف والخراب التي كتبت سيرة العالم:
" وأنا أريد، أريد أن أحيا ...
فلي عمل على جغرافيا البركان.
من أيام لوط إلى قيامة هيروشيما
واليباب هو اليباب. كأنني أحيا
هنا أبدا، وبي شبق إلى ما لست
أعرف. قد يكون " الآن " أبعد.
قد يكون الأمس أقرب. والغد الماضي.
ولكني أشد " الآن " من يده ليعبر
قربي التاريخ، لا الزمن المدور،
مثل فوضى الماعز الجبلي. " ( جدارية - ص 55- 56 ).

اليباب هو اليباب. التاريخ كله " أرض خراب " لا غير. ليست الحضارة المعاصرة وحدها أرضا خرابا لأنها فقدت قيم الروح وانطفأ فيها قنديل الألوهة بغرقها في آلية العنف والتدمير الذاتي كما رأى إليوتT.S.Eliot ؛ وإنما المسار التاريخي كله الذي انسلخ من نشدان العلو وهجرته الغائيات التي كانت تضمن اندراج الزمن في تاريخ الخلاص. أصبح الوعي الحالي أقل غنائية وأكثر انفتاحا على الزمنية الخالية من بعد الوعد والتجاوز. أصبح الحاضر ناتئا وممتلئا حضورا بوصفه زنزانة لا تعد بأكثر من ديمومة الهباء واللاجدوى. الآن. الغد. الماضي. تكرار لا يسرد أية حكاية عن سفر الروح المزعوم من مطهر التحولات إلى فردوس المطلق. لم يعد هناك ترتيب كرونولوجي يضمن للروح مشروعية تطلعاتها إلى انعتاق يخلصها من آفة آلة التكرار الجهنمية. الحاضر لا يعد بألق الآتي، والغد ليس زهرة برعم الماضي. لقد انتصر الزمن على التاريخ، ولم يعد محمود درويش يؤمن بحكمة الفلاسفة الذين استشرفوا التقدم وباركوا الصيرورة الإيجابية أكثر من إيمانه ببصيرة صاحب " سفر الجامعة " : كل شيء باطل.

هذا الوعي الحاد الذي أفاق على خيبة التاريخ وتلاشي سرديات التفاؤل الثوري، كان عليه أن ينتشل الكينونة من العدمية وخطر الغياب النهائي. سيكون الفن، من الآن، المتراس الأخير الذي ترفعه الحضارة في وجه ما يسلبها بهاء الحضور وأبهة البقاء، عنيت الموت. يعيد شاعرنا النظر في هذا الأمر بعدما اكتشف الموت الفردي وبعد أن احتضن أزمة الحضارة الإنسانية المعاصرة على أنها حضارة اخترمها كابوس النهايات والميتات العبثية، وفقدت الحس الملحمي الذي كان – فيما مضى – يرمم الفاجعة بالبطولة والعلو من أجل الانتصار على نثر الحياة.

هذا شعر ذو حساسية وجودية بكل تأكيد، ولكنه شعر حضاري وكوني أيضا من حيث هو انفتاح على أسئلة الإنسان العميقة ومن حيث هو حوارية مع المرحلة من منظور يحتضن الكوني عبر الذاتي. هو شعر حضاري يحمل قلق الإنسان المعاصر، ونستطيع أن نشرف منه على أزمة التاريخ وقد أصبح جلبة بلا طائل وتخبطا في دركات العدمية. كل هذا يقوله محمود درويش مستحضرا جملة من الرموز الأسطورية القديمة بوصفها ضوءا يختزل أصل الحكاية. لقد عثر الشاعر – باعتباره باحثا عن إكسير لداء الغياب القديم - عن طوق النجاة لمشكلة الحضارة في الإبداع وفي الخلق الذي يجابه به الإنسان صمت العالم والعبثية المرتبطة – ضرورة - بالوعي الحاد بتناهي الكينونة الفردية.

هذه مقاومة الحضارة لخطر الغياب واللاجدوى. هذه مقاومة التاريخ لخطر السقوط في السديم وفقدان التوق إلى العلو. هذه مقاومة الإنسان لمكر الموت الذي لم يتعلم، بعد، نبل الصياد المحترف وظل " يصيد الظبي قرب النبع " كما يعبر محمود درويش ( جدارية – ص 51 ). ماذا يريد الموت؟ ماذا يستطيع؟ ليكن له الجسم خبزا لجائع نهم يتربص أبدا بالأحياء على سفينة الحياة الهشة. أما الباقي فلا. لا يستطيع الموت الذهاب إلى أبعد من أن يكون خادما للغيب يعنى ب " الطيني في البشري " لا غير ( جدارية – ص 54).
---------------

الموت والحضارة. ربما تكون هذه تيمة درويش المركزية في عمله الاستثنائي " جدارية ". أما في مجموعته التأملية " لا تعتذر عما فعلت " فربما كانت التيمة المركزية هي تحول التاريخ إلى مومياء وسقوط سردية المعنى في هاوية العبثية. هذا، عموما، ما يكشف بقوة عن وجه درويش الأخير الذي شهد سقوط أقنعة الغائيات الكبرى التي كانت في أساس سرديات الشبق إلى اكتمال دائرة تماهي الإنسان مع غنائية الوجود المطلقة. في " جدارية " يكتشف الشاعر الموت الفردي ويؤسس عليه وعيا حضاريا يمكن تلخيصه في نشدان الخلاص من آلة العبثية الساحقة بالفن. لقد أدرك، أخيرا، أن الموت ليس مشهدا وليس عيدا تنهض عليه هوية المقاومة المسلحة فحسب، وإنما هو أيضا تلك المرارة التي تجعل الفرد يشعر بأنه " يموت ". يصبح الموت تجربة ومعاناة في التناهي ومجابهة العدم ولا يعود مجرد فكرة. هكذا يؤسس الموت للوعي الأصيل بالوجود وينقذ الكينونة الغائبة عن نفسها من السقوط في المحو المبرمج الذي ظل أداة الثقافة في الانكماش على ذاتها ورفض مغامرة اكتناه المعنى في ليل الأزمنة. الموت الواعي، بهذا المعنى، يشكل بداية الثقافة القائمة على الفردانية سوسيولوجيا وعلى الذاتية معرفيا وأخلاقيا. يصبح الفرد أساس القيم وينبوعها في عالم يشهد أفول المتعاليات ويعلن مركزية الذات. ولكن، أليست هذه هي الحداثة؟ يقترن الوعي بالموت، بالتالي، بلحظات الحضارة الكبرى في إعلان توجهاتها وتأسيس قيمها التي تصنع الحياة بوصفها شهادة على شرف الإنسان الميتافيزيقي في مواجهة اللامعقول على ما يرى كامي. من هنا، نفهم جواب محمود درويش، ذلك الكائن الفاني، على مكر الموت بأن ذكره بسلاح الفن الذي يحفر اسم الإنسان على جدران الكون والزمن. الحضارة الإنسانية كلها، بهذا المعنى، هي جلجامش وقد عثر على عشبة الخلود في الفن.

في مجموعته " لا تعتذر عما فعلت " يأخذ شعر محمود درويش منحى تأمليا بعيدا – نوعا ما – عما نجد في " جدارية " من نفس غنائي/ ملحمي وبناء سمفوني مركب ومعقد. إنها مجموعة نبذ شعرية تشرف على تراجيديا تلاشي غائية التاريخ من أعالي الحكمة البصيرة. إنها مجموعة شعرية تتسم بالشفافية وبالقدرة على التكثيف التي أتاحت للشاعر أن يقول المرحلة التي عرفت تحطم بوصلة الاتجاه وموت التاريخ. إنها – في كلمة - مجموعة تقول مومياء العالم.

يشير غياب الغائية في فلسفة التاريخ إلى السقوط الحتمي لهذا التاريخ في هاوية البياض أو السديم؛ أو يشير إلى انتفاء التاريخ - بكل بساطة - بوصفه مسيرة مكتنزة بالدلالة أو متشحة بالعناية العلوية. هذه هي العدمية التي يسردها محمود درويش وهو يقرأ غياب الأبعاد الإنسانية والغائيات الأخلاقية عن العالم الراهن. ترتبط العدمية، هنا، بتلاشي مركزية الإنسان وباضمحلال لوغوس الدلالة المتعالية التي كانت تضمن للبشر أن ينتظروا قيامة خلاص الإنسان التاريخي بعد صعوده إلى جلجلة الصراع. أصبح فينيق المعنى الذي بشرت به سرديات فلسفة التاريخ مجرد ذكرى. لا شيء إلا الرماد. إن سقوط التاريخ في اللامعنى يعني أنه لم يعد صراعا جدليا ولم يعد مقاومة ملحمية بل عنفا يفتقد إلى الغاية. " لا تكتب التاريخ شعرا، فالسلاح هو المؤرخ " يقول بنبرة حادة محمود درويش ( لا تعتذر عما فعلت – الأعمال الجديدة ص 101)، مشيرا إلى أن معنى التاريخ هجر مخدع العقل وألق الملحميات ليجد ينبوعه الثر في أتون القوة التي صنعته وكتبته.

لم يعد التاريخ، بالتالي، سفرا نقرأ فيه انبلاج المعنى أو تحقق الإنسان الشامل. لم يعد مطهرا ضروريا يسرد مسيرة البشر الظافرة إلى فراديس الحرية والكرامة. لم يعد مكان شفاء الإنسانية من الاغتراب كما اعتقد ماركس وكل الثوريين الذين أتوا من بعده. أو نقول – إن شئنا - في كلمة: لم يعد جسد التاريخ يحتمل ثقل اليوتوبيا. لقد فقد القصدية والهدف ولم يعد منطقا. هذا ما يجعل محمود درويش، هنا تحديدا، يلتقي مع أشد المفكرين المعاصرين عدمية واعتقادا بسقوط أقنعة التاريخ الشامل وسفور وجه العنف الأعمى. هذا، أيضا، ما جعله يتخلى عن دور الثوري القديم الذي ظل ينتظر المخلص غودو.

----------------

كتب ألبير كامي، ذات يوم، متحدثا عن جوهر الحداثة الغربية ومصيرها: " بعد موت الله، لم يبق إلا التاريخ والقوة " ( كتاب " الصيف "). ربما نستطيع - مع تحوير بسيط لهذه العبارة - أن نفهم فكر محمود درويش الأخير بالقول: " بعد موت الله والتاريخ، لم تعد هناك إلا القوة ". هذا هو الأمر الذي نستطيع أن نقف عليه من خلال تتبع مسار الشاعر الذي قاده إلى عتبة العدمية. إنه – من زاوية النقد الثقافي – يمثل مضمرات الرؤية الفكرية والثقافية التي حكمت خطابه ورؤياه الإبداعية بعامة في الفترة الأخيرة. لقد أفاق على تلاشي آفاق الخلاص الدينية والعلمانية معا، ورأى ببصيرة الشاعر يقظة تنين العبثية الهائج الماكر على طريق المسافر. يقول في إحدى محاوراته: " إذا دققنا فلسفيا في الموضوع، فحياتنا المعاصرة تموت المعاني الكبرى فيها وتتساقط " ( سنكون يوما ما نريد – ص 65). هذا يعني أن الشاعر أدرك خلو المرحلة من وعود السرديات الكبرى التي وشحت خطاب المعنى، ما يعني أن إبداعه ظل حركية مفتوحة، وسؤالا لا يكل في محاولة توسل كل السبل إلى القبض على جوهر اللحظة وإيقاعها. لم يشأ الشاعر أن يجعل كتابته تنويعا ثانيا على مسبقاته الإيديولوجية السابقة وهو يراها تتفتت؛ ولا أن يكتب نشيدا مبحوح الصوت أو كلاما يعلوه صدأ الأيام. لقد رأى أن هدير المرحلة خرج عن حدود سرديات العقلانيات جميعها، وأصبح عربة مجنونة لا تلوي على شيء ولا تطلب المجهول ولا تريد احتضان أي أفق. بهذا كشف التاريخ عن سقوطه في هوة العنف وأماط اللثام عن جوهره الخالي من القيم والقصدية والبعد الإنساني. يقول:

" ... والتاريخ يوميات
أسلحة مدونة على أجسادنا. " إن
الذكي العبقري هو القوي ". وليس
للتاريخ عاطفة لنشعر بالحنين إلى
بدايتنا، ولا قصد لنعرف ما الأمام
وما الوراء ... " ( لا تعتذر عما فعلت – الأعمال الجديدة ص 101).

التاريخ، بالتالي، هو سردية القوة. هذه نظرة معاصرة جدا. نظرة ما بعد حداثية متخلصة تماما من أية إشارة إلى حكايات الحداثة التأسيسية التي جعلت من المعنى عتقا للإمكان التاريخي. ظل الاعتقاد السائد أن زيتونة المستقبل توجد بالقوة في بذرتها. لكن من يستطيع أن يصدق، اليوم، أن انحرافات إرادة القوة الهوجاء التي أدمت العالم المعاصر تضمر منطقا داخليا أو هدفا أو مشروع مسار نحو الخروج من نفق الظلام الطويل؟ لقد ماتت الحداثة، بهذا المعنى، أيضا. الحداثة مفهومة على أنها عطلة الآلهة وميلاد التاريخ كما لاحظ هيدغر. لذا، يمكننا أن نتصور الفكر المعاصر يقول لكل الباحثين عن قوة المعنى: إننا لا نجد إلا معنى القوة. لقد انتصر نيتشه Nietzsche على ماركس.

التاريخ هو سردية القوة العمياء. إنه نثر يوشح وجه العالم باللامعقول وغياب الهدف. لم يعد سردية شعرية أو مدونة نقرأ فيها عيد انتصار الحياة الصعب. لم يعد الزمن ملحميا بصورة كافية، فكيف نكتبه شعرا؟ هذا ما قد يأسف له كل شاعر – نظير درويش - نشأ في ظل الفكر الثوري مفهوما على أنه وعد بالعثور على مفاتيح الخلاص من تعثر التاريخ. هذا ما يجعلنا نعتقد أن الشاعر صحا، بعنف، على خواء المرحلة عندما خلعت عنها تميمة التاريخ التي كانت تبقيها بمنأى عن جنون اللاجدوى.

إن السفر – أي السفر المضجر في باص التاريخ هنا - لم يعد توغلا في المجهول. إنه ممارسة لعبة فقدت وهجها ولم تعد توفر متعة الشعور بالامتلاء أو القدرة على الوعد بالجديد. يشير شعر محمود درويش العدمي، هنا، إلى غياب المجهول بوصفه بعدا مؤسسا للحداثة. في الأصل لا حداثة دون سفر: سفر العقل والروح في آفاق المعنى البكر. لا حداثة دون مغامرة في الانسلاخ من أبوية المعروف المستنفد لطلب المجهول. أما الآن فوعود التاريخ أصبحت حكاية قديمة. ليس هناك تجاوز جذري ولا اختراق لجدران صمت العالم. هكذا قالت المرحلة للحداثة التي أسست للعالم بوصفه مجهولا نسافر فيه وإليه. يرتبط السفر في الوعي الحداثي – كما هو معروف – بتجاوز النظرة التقليدية التي ظلت تعتقل العالم والوجود في الجاهز المعرفي، لينفتح على بعد السر وليجعل من الآتي انكشافا لضوء المعنى عبر التاريخ المتحرر، شيئا فشيئا، من القوى العمياء التي حكمته. لكن السفر، اليوم، في وعي محمود درويش يبدو متماثل المحطات ولا يعد بالجديد الذي قد يتجاوز، جذريا، عقم آلة الزمن السيزيفي. كما أن الرحلة يلفعها الضجر والشعور بالغثيان. إنها كوميديا السأم بامتياز. " لا شيء يعجبني " يقول الجميع. فلماذا الإصرار على طلب الآتي؟

" يقول السائق العصبي: ها نحن
اقتربنا من محطتنا الأخيرة، فاستعدوا
للنزول ... /
فيصرخون: نريد ما بعد المحطة،
فانطلق !
أما أنا فأقول: أنزلني هنا. أنا
مثلهم لا شيء يعجبني، ولكني تعبت
من السفر " ( لا تعتذر عما فعلت – الأعمال الجديدة ص 90 ).


----------------





إشارة:

استعنا، أثناء إعدادنا لهذا البحث، بأعمال الراحل محمود درويش في طبعاتها الآتية:
1- ديوان محمود درويش ( المجلد 1-2) دار الحرية للطباعة والنشر- بغداد. ط2- 2000.
2- محمود درويش – الأعمال الجديدة. رياض الريس للكتب والنشر- بيروت. ط1- كانون الثاني / يناير 2004.
3- محمود درويش – جدارية. رياض الريس للكتب والنشر – بيروت. ط2- شباط / فبراير 2001.
4- محمود درويش – في حضرة الغياب. رياض الريس للكتب والنشر – بيروت. ط1- أيلول / سبتمبر 2006.

كما رجعنا، أيضا، إلى كتاب " سنكون يوما ما نريد " وهو كتاب احتفائي بمحمود درويش يضم طائفة من محاوراته الأخيرة المهمة إضافة إلى شهادات لأصدقاء ومبدعين. الكتاب من إعداد مهند عبد الحميد وطبع تحت إشراف وزارة الثقافة في السلطة الوطنية الفلسطينية. ديسمبر / كانون الأول 2008.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,281,495,960
- حول مشروع البروفيسور الراحل محمد أركون: الفكر النقدي سبيلا إ ...
- ميتافيزيقا الجلاد - أدونيس منتقدا الرؤية الوحدانية
- فصل عن العرب سقط من فصول - كتاب الموتى-
- متى ينتهي نشيد البجعة؟
- الكتاب الأسود
- الشرعية السياسية والزمن الثقافي
- في الطوطمية السياسية وحضور الوصاية: الحقيقة والسياسة
- رسالة إلى مستبد عربي
- في مشكلة السلطة العربية واللاشعور السياسي الجمعي: خريف البطر ...
- عن الثورة العربية وأسئلة العقد الاجتماعي الجديد: قد يعود الب ...
- قداس السقوط
- احتفاءً بالكوجيتو العربي الجديد: - أنا أثور، إذن أنا موجود -
- المفكر الراحل نصر حامد أبو زيد: التفكير بوصفه قطفا للثمرة ال ...


المزيد.....




- بالفيديو.. معلم سعودي يحتفي بانتهائه من نسخ المصحف الشريف
- مصر تسترد قطعتين أثريتين من سويسرا
- حلمي بكر عن شيرين: مطربة عظيمة لكن مشكلتها في لسانها
- بعيون رحالة بريطاني.. ثلاثة آلاف عام من تاريخ العرب
- متحف فيصل بن قاسم بقطر.. عندما تؤسس الهواية أكبر متحف شخصي ب ...
- الرئيس الغابوني يغادر المغرب في ختام مقام طبي
- العثماني في لقائه مع تجار مكناس:-لي ماعجبوش الحال ينزل من ال ...
- فنانون وإعلاميون ينعون ضحايا عبّارة الموت التي قلبت أفراح نو ...
- إبنتا كيدمان تشاركانها التمثيل
- قريبا... استئناف عمل المركز الروسي للعلوم والثقافة في دمشق


المزيد.....

- أبستمولوجيا المنهج الما بعد حداثي في سياقاته العربية ، إشكال ... / زياد بوزيان
- مسرحية - القتل البسيط / معتز نادر
- المسرح الشعبي في الوطن العربي / فاضل خليل
- مدين للصدفة / جمال الموساوي
- جينوم الشعر العمودي و الحر / مصطفى عليوي كاظم
- الرواية العربية و تداخل الأجناس الأدبية / حسن ابراهيمي
- رواية -عواصم السماء- / عادل صوما
- أفول الماهية الكبرى / السعيد عبدالغني
- مدينة بلا إله / صادق العلي
- مدينة بلا إله / صادق العلي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أحمد دلباني - في الذكرى الثالثة لغيابه: محمود درويش عدميا