أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محمد نعمان - حركة النهضة التونسيّة: التربية الأصوليّة (1)















المزيد.....



حركة النهضة التونسيّة: التربية الأصوليّة (1)


محمد نعمان
الحوار المتمدن-العدد: 3398 - 2011 / 6 / 16 - 13:09
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


إلى روح الأستاذ الجليل محمد الشرفي.


المتابع لصفحات جريدة الفجر لسان حال حركة النهضة التونسيّة، يلاحظ إصرارا على المطالبة بتغيير ومراجعة البرامج التعليميّة الراهنة بالبلاد التونسيّة(1). ولعلّكم، قد تتساءلون، مثلي: أي برنامج تربوي بديل يمكن لحركة النهضة التونسيّة أن تسوّقه وترسّخ مبادئه في صلب الواقع التعليمي الراهن؟ ثمّ، أي مراجع بيداغوجيّة يمكن أن تعتمدها الحركة في وضع التقنيات والاستراتيجيات المستقبلية للهيكل التربوي؟ وأخيرا، ما هي خصائص الشخصيّة الجماعيّة لتونسيين في متون الحركة، والتي تسعى إلى استثمارها في المجال التربوي؟

إن المطلع على أدبيات حركة النهضة التونسيّة سيجد نفسه مباشرة أمام هذا السؤال الطبيعي: «أليست مهمة التربية الأولى تأصيل الإنسان في بيئته الثقافية حتى يتفاعل معها ويسهل عليه حلّ مشكلاته؟»(2) والبيئة الثقافية المقصودة هنا، تتميز بكونها ليست بيئة تاريخيّة، إذ يصرّح راشد الغنوشي، قائلا: «فما الذي يهمنا نحن المسلمون المتخلفون المهزومون وبلادنا تتقاذفها مختلف التيارات الثقافية ومجتمعنا يمرّ بأخطر التناقضات والأزمات أن نعرف موقف المعتزلة من صفات اللّه هل هي قائمة بذاتها أم هي شيء زائد عن الذات ثم موقف ابن رشد من الكون هل هو قديم أم محدث ورأي ابن سينا في النفس وخلودها وموقف الأشعري من الكسب والقضاء والقدر وقضيّة هل أن القرآن قديم أم محدث وعلاقة الحكمة بالشريعة والاعتناء بتعريف علم الكلام؟ ...ألم يأت الإسلام ليقدّم للناس حلولا عملية لما يتخبطون فيه من مشكلات؟»(3) هي بيئة ثقافية لا تاريخية مبدؤها القاعدة العملية. ويفصّل في سياق نفس النص الحلّ العملي المزعوم، وهو يتحدّث عن البديل التربوي المناسب للفلسفة الغربية والإسلامية في برنامج التعليم، بهذا العرض: «يستعاض عن ذلك بمادة واحدة تتولّى طرح مشكلاتنا الحقيقيّة، المشكلات الخلقيّة والجنسيّة والاقتصاديّة والسياسيّة إلى جانب موقفنا من الكون ومصيره والإنسان وغايته والحياة وأهدافها»(4) فمن الضروري إذن، لجم كلّ خطاب يمتّ للطرح التاريخي عبر استخلاص مسلمات عمليّة جاهزة تسوّق على أنه الإسلام الصحيح. والسؤال المطروح هنا، أيضا: هل سيتكفّل الشيخ بطرح مواقفه التفسيريّة/التأويلية للإسلام ليزعم، بعدها، بأنه توصّل إلى التعبير الصحيح عن الحلّ العملي لأزماتنا العامة ومصاعبنا التربوية الراهنة؟ أم أنّه سيستنجد بمراجع أخرى تكفّلت بطرح هذه المسألة ووفقت إلى استخلاص النهج العملي الصحيح لوأد أزماتنا العربيّة الإسلاميّة المعاصرة، بما فيها أزمة التربية والتعليم؟
ضمن إطار المسألة التربويّة يتنصل راشد الغنوشي عن تقديم تفصيل الحلول العمليّة، بل تراه في جميع مؤلفاته يلامس الموضوع التربوي بإيجاز متسلّحا بنظرة إيمانية خالصة ليتخلّص، بعدها، إلى مسائل أخرى. في المقابل هو لا يبخل علينا بمراجعه التي بمقتضاها سيقع تقويم النهج التربوي وإرشادنا إلى مداخل الإصلاح الصحيح لواقعنا المهزوز؛ هذه المراجع منها الحديث ومنها القديم:
المراجع الحديثة: الرجل لا تعوزه الحيلة بإقناعنا إقحام أسماء ضمن الدرس التربوي باعتبارها تمثل المخارج العملية من أزمتنا التربويّة المعاصرة في تونس، فهو يقول: «ماهي الفكرة التي سيخرجون بها من درس التفكير الإسلامي دون أن يعثروا خلال نصوص الكتاب كلّه ولو نص واحد لأحد المفكرين المسلمين المحدثين أمثال ... أبي الأعلى المودودي وأبي الحسن الندوي وحسن البنا وسيد قطب ومحمد قطب ومالك بن نبي؟»(5) نجد أسماء كالمودودي وحسن البنا وسيد قطب وهي أسماء لا يختلف اثنان حول انتمائها إلى الفكر الأصولي المتشدّد، ليعتبرهم المخرج ممّا يعتري المشهد التربوي والواقع المعاصر من قصور وضياع.
المراجع القديمة: وكي يكتمل المشهد، تجد أن المرجعين المحوريين الذين يبنى عليهما راشد الغنوشي صحّة المسلك الإيماني للتربية في فصله المعنون بحق التعلّم والتربية ضمن مؤلفه الأساسي "الحريات العامة في الدولة الإسلامية" هما: "تحفة المودود بأحكام المولود" لابن قيم الجوزية و"لفتة الكبد في نصيحة الولد" لأبي الفرج بن الجوزي(6). الرجل يفتح بوابات التراث فلا يجد من بينها إلّا مؤلفات تتسم بخطاب سلفي أصولي متشدّد.
هو ينطلق من مبدأ أولي يرفض، من خلاله، كلّ الرصيد المعرفي الثقافي الغربيّ، والحلول الإسلامية المتصلة بالاختلافات التاريخيّة، ليقدّم لنا حلولا عملية هي ثمرة مؤلفات، في مجملها، لا تعبّر إلّا عن انتماء لثلّة أصوليّة متشدّدة، اغتالت التعدّد الثقافي الإسلامي، وأعلنت نفسها فئة ناجية.

واليوم من منطلق الثورة تسعى حركة النهضة التونسيّة إلى إحداث تغيير في المواد التعليمية، واعتبارا لعدم تفصيلها ضمن برامجها الحزبية لنقاط تدخلها في المجالات التربوية والتعليمية مستقبلا، دعنا نستفسر التاريخ عن البرامج التعليميّة التي كانت الحركة تعبّر عن قبولها لها، وتقف حجر عثرة أمام كلّ تغيير يطالها.
قبل أن يضطلع الأستاذ محمد الشرفي بدراسة تحديث وتعصير مواد التربية والتعليم كنّا نعايش هذا الإطار: «أمّا دروس التربية الإسلاميّة فقد غابت فيها الحركات الإصلاحيّة كلّها وأضحى كلّ من محمد عبده وجمال الدين الأفغاني والطاهر الحداد..، من النكرات، والحديث عن الروحانيات أساسه التقتير، والكلام في الفقه والسياسة إسهاب وتكثير، كما يجد المرء، في الكتب المقرّرة، عودة العقوبات البدنيّة إلى الظهور من جديد، ويكشف أن الأحكام الفقهيّة الأكثر رجعيّة تدرس على حساب المستحدثات الكبرى الواردة بمجلّة الأحوال الشخصيّة. فقد أصبح يدرس للناشئة أنه بإمكان الزوج طلاق زوجته في أي وقت رغما عن كلّ حركة تحرير المرأة وأنه بإمكانه أن يضربها رغم وجود قانون يعاقب مقترف مثل هذه المخالفة (كتاب التربية الإسلامية؛ السنة الرابعة ثانوي، ط 1988). كما أننا نجد –على الرغم من الدستور الذي قام عليه النظام الجمهوري- أن الخلافة هي النظام الشرعي الوحيد، وأنّ الذي لا يطيع الخليفة هو بمثابة كافر، وأنّ الديمقراطيّة هي مما يجب تجنّبه لأنّها مذهب أجنبيّ غريب عن حضارتنا (كتاب التربية الإسلاميّة، السنة الخامسة ثانوي، ط1988، ص39، وتحتوي الطبعات السابقة نفس الكلام مع اختلاف في الصفحات) ومخالف للإسلام (نفس المرجع ص73)؛ بل لقد ذهب الأمر إلى أبعد من ذلك حيث تعلمت الناشئة أن الجهاد واجب مقدّس وأن أسرى الحرب مآلهم العبوديّة(نفس المرجع ص124 إلى 139)، وأنّ من ينكر وجوب الصلاة فهو مرتدّ وأن الواجب فيه أن يقتل شأن كلّ مرتدّ (نفس المرجع ص 170)، ويُتّجه بالنقد إلى فلاسفة الغرب المعاصرين نقدا تحقيريّا ساخرا في جملة أو جملتين؛ فهم كفّار (برتران روسل)، وهم صهاينة (جون بول سارتر)، وغير ذلك؛ مع التنبيه بتجنّب قراءة مؤلفاتهم(كامل كتاب التربية الإسلامية، السنة السادسة ثانوي)»(7). وأمام هذا الوضع، وحينما تلفّظ الأستاذ محمد الشرفي بما يلمس منه رفضا لهذا التردّي، من موقع المسؤوليّة باعتباره وزيرا للتربية، كان نصيبه التكفير والدعوة إلى عزله من طرف حركة النهضة التونسيّة(8). فهل الدعوة إلى مراجعة النظام التعليمي، اليوم، قائم على مراد أساسه العودة إلى مثل تلك المآسي التربويّة، أم أن الحركة تمتلك راهنا، موازين أخرى، لا تفصح عنها في برامجها، وعلينا أن نكتفي بحسن النيّة فقط؟

في إطار آخر، وحينما تدعونا حركة النهضة التونسيّة إلى احترام الهويّة العربيّة الإسلاميّة في البرامج الدراسيّة، ما مفهومهم للهويّة العربيّة الإسلامية، هل معنى الهويّة يتصل بالمعنى الذي يفهمه به دعاة الأصولية: مرجعيات راشد الغنوشي؟ لكن قبل ذلك، لعلّكم تتساءلون معي، هل النظام التعليمي في تونس لا يحترم الهويّة العربيّة الإسلاميّة في برنامجه ومواده؟ للإجابة عن هذا، دعنا نطالع موقف الأستاذ محمد الشرفي من تدريس المسألة الدينيّة، يقول: «بإمكاننا أن نعلّم الفقه في درس التاريخ كما يمكن أن نعلّمه في درس التربية الدينية على شرط أن تقدّم مجموع القواعد الفقهيّة على أنّها وقائع تاريخيّة، وأن تفسّر الأسباب التي من أجلها وقع التخلّي عنها... أما فيما يتعلّق بكلّ المسائل ذات الصبغة الاجتماعية أو القضائيّة مثل القانون العام والقانون الخاص والقانون المدني والقانون الجزائي أو الأحوال الشخصيّة والعلاقات الدوليّة فينبغي أن تدرس فيها نظريات المفكرين المسلمين الذين بينوا بإعادة النظر في الفقه، أن الإسلام يماشي الحداثة على أحسن الوجوه، وأن ذلك التوافق بينهما هو بالنسبة إلينا من أهم رهانات عصرنا. وبهذا التقدير وجب أن يكون لآثار رفعة الطهطاوي ومحمد عبده وعلي عبد الرزاق وطه حسين والطاهر الحداد ومحمد الطالبي وعبد المجيد الشرفي –وأمثالهم كثيرون- من تونس الصدى الواسع في المتون المدرسيّة. والواجب يقضي بأن تفسّر نظرياتهم حتى يهتدي الشباب إلى الملاءمة بين واقعه ومثله الأعلى. فإذا ما تمت على سبيل المثال، مراجعة القانون الإسلامي فإن تمييز بين الرجال والنساء أو بين المسلمين وغير المسلمين ينبغي أن ينقد ويستبعد. وخلافا لذلك فإن المسائل الماورائيّة وكذلك المسائل المتصلة بعلاقة المسلم بالإله (العقائد، الصلاة، الصوم، الخ...) فمن الطبيعي أن نبقي على تدريس الإسلام في شأنها كما توارثناه. ومن الطبيعي أيضا أن نعلم الناشئة قيم الإسلام الأساسيّة، قيم المحبّة والتعاون والسلام، قيم المساواة والحريّة على النحو الذي أدركه المؤلفون المحدثون المستنيرون»(9) مثل هذا الخطاب القائم على تاريخية الفهم الفقهي ونقده، والقائم على آثار تنبع من صلب الثقافة العربية الإسلامية المنفتحة على الثقافات الإنسانيّة المستنيرة، عدته الحركة، خروجا عن مقومات الهويّة، وتجفيفا لمنابع الدين، نظرا لإيمانهم المطلق بأن الهويّة مسألة أصوليّة مثاليّة، وهي ثابتة لا تتململ؛ فوصايتهم على معنى الهوية، لا يغرب عن كونه تنصلا من أي مكسب حداثي حققته البلاد التونسيّة، إذ «التبجح بالهويّة ليس من فعل فاعل متقدّم في التاريخ يحدّث بفعله المجتمع، إنما هو شعار أو رمز يستخدم في النضال من أجل الهيمنة وذلك بتعليم المجتمع وإطلاعه على واقعه المفترض وإرشاده إلى التشكيل السابق على الاختلالات التي أحدثتها قوى الحداثة»(10). ولعلّنا هنا نتوقف عند هذه الأسئلة التي أرهقت الأستاذ احميدة نيفر، إذ يقول: «هل الحرص على الهويّة الثقافيّة يستلزم إنكار القول بأنها مكوّنة من جملة عناصر مختلفة وبأنّها دوما في حالة تشكّل وحراك؟ أيجوز لنا علميّا أنّ نعتبر أن التراث حاو للتاريخ والواقع في آن؟ وكيف يتأتّى عندئذ تفسير حالة تعطّل المؤسسات الجامعيّة التقليديّة وعجزها عن الإبداع الفكري والعلمي؟»(11)؛ احميدة نيفر المؤسس الفعلي للنواة الأولى لحركة النهضة التونسيّة ورئيس تحرير مجلة المعرفة الناطقة باسم الحركة في السبعينات، والذي اضطرّ لمغادرة الحركة اعتبارا لمواقفه التقدميّة(12)، يتحدّث هنا من منطلق المشرف على عملية التحديث التربوي في تونس باعتباره كان مستشارا لوزير التربية محمد الشرفي آنذاك.

هم يعتقدون أنّ المقوم الوحيد للشخصيّة التونسيّة هو الثقافة العربيّة الإسلامية بشكلها العام(13)، دون الحاجة إلى تفصيل التعدّد التاريخي داخل هذا الإطار الثقافي ذاته أو إمكانية تجاوز منجزه، لهذا هم يتحدثون عن "الخصوصيات التونسيّة" لا باعتبارها مصدر ثراء وتعدّد وإنما باعتبارها انتماء قهريا وحيدا لهويّة يسبغون عليها المعنى الأصولي. ضمن مجال فكرهم، لا يتوقعون أن كلّ هويّة ثقافيّة مفترضة يمتلك الإنسان معها حريّة الانفلات والتحرّر من صلب حتمياتها الناجزة والمؤسسة، وبالتالي وجود الإنسان داخل الهويّة لا يعني انصهاره الكلّي داخل جبريّة كيانها، وإنّما هو في كلّ لحظة يكونها يختلق هوية أخرى تنبع منها؛ إذ «الإنسان في وسطه الطبيعي والثقافي يوسّع دائرة العالم فهو بتجذّره في ما هو طبيعي وبانفتاحه اللامكتمل والمستمرّ على الحياة الإنسانيّة المشتركة إنما يواصل ما هو سابق عليه فضلا عمّا يضيفه إليه ويغيّره فيه. إذ بتلك الإضافة وبذلك التغيير يتّسع مجال الممكنات وينبثق المعنى في هذه الحركة الملتبسة بين ما يشكّلنا ولكنّا مع ذلك نقدر على زعزعته واختراقه فكّا للأقمطة ولضروب الانحباس»(14).
بالإضافة إلى هذا، وفي إطار الخصوصيّة الثقافية التونسيّة، لم يحاول هؤلاء أبدا تفهّم مفكرينا أمثال سعد الغراب في مقاربته لطبيعة فهم الهويّة الدينية عند الشخصية التونسية المتسمة بالانفتاح والمرونة(15)، ولم يتفهّموا أبدا هشام جعيط وهو يقارب الشخصيّة العربية الإسلامية ليفتح، من خلالها، منفذا يسميه بالشخصية الأساسيّة وليكتشف، عبرها، خصوصيّة وتعدّد مكونات وبنية الشخصيّة التونسيّة(16)، كما لم يتفهموا الدرس الاجتماعي القائم على دراسة الشخصيّة القاعدية في تونس والتي توصلت، في بعض دراساتها، إلى خلاصة مفادها: «إن الشخصيّة التونسية هي اليوم مكتملة الهويّة والمرجعيّة؛ فهي مغاربيّة وعربيّة وإسلاميّة وإفريقيّة ومتوسطيّة؛ وهي أبعاد متكاملة ومتماسكة لا يمكن إنكارها، مهما تباينت القراءات التاريخيّة والانتروبولوجيّة. وهي شخصيّة مستقرّة، سواء في الحواضر أو في القرى والأرياف وقادرة على مواجهة مختلف الظروف والسيطرة عليها. وهي موحدة دينيّا وعرقيّا ولغويّا ومعيشيّا»(17). إنه التعدّد داخل الوحدة، كما التعدّد داخل الوطن الواحد، ففضاء تونس مفتوح تتلاقح فيه كلّ الثقافات، دون مصادرة لأي ثقافة فـ«الانتساب إلى هذه الأرض بمناخها وبما فيها من شعب يصهر كلّ من احتكّ به ويضفي عليه مقوّمات ممّا يجعل منه فردا من أفراده»(18).

لا يعني ممّا أسلفنا قوّله أن التعليم في تونس منزّه، مكتمل، لا تشوبه أية أخطاء، وإنّما المعنى المراد تبليغه هو وجوب الحذر أمام كلّ مطلب حزبي موضوعه تغيير المتاهج التربوية أو المواد التعليميّة، خاصة أمام إعراض أصحابه عن تقديم شرح لهذا التغيير قائم على احترام مكتسبات الحداثة وثقافة حقوق الإنسان. في النهاية، الثورة التي ولدت هذا الزخم المتحوّل الهائل هي ثورة لم تكتسي طابعا ثقافيّا محدّدا، فهي ثورة اتسمت بعمقها الإنساني حتى بدا أنّها لامست كلّ القلوب في كلّ أقطار العالم كافة. فهي في البدء وفي الأخير: ثورة إنسانيّة.


ملحق: في ملامح التربية الأصوليّة
مهما اختلفت مقاربات المسألة التربويّة، من الناحية التقنية، ومهما تداخلت الطرق والمنهجيات في تحديد الغاية من التعليم والتصوّر المستقبلي المتكامل لأبعاده، يمكن ردّ المواقف والتوجهات المتعلّقة بموضوع التربية، اختزالا، إلى الأسئلة التالية:
أ. أي إنسان نريد بناءه في الألفيّة الجديدة؟
الإنسان كما يجنح المدّ السلفي، من منظاره الديني واهم، إلى ترسيخه: هو الإنسان المتماهي مع الأصل.
- «هذه المحاولة الرامية إلى شدّ وثاق الجماهير إلى الأصليّ خلقت حالة ذهول ونكران لدى البعض، ولكنّها خلقت حالة تنويميّة استبدّت بالكثير من أفراد الشّعب ومن الطبقات الوسطى. إنّها كانت سبيلا إلى خلق حالة استعداد طفوليّ للذاكرة، وحالة خلط تاريخيّ يحلّ فيهما العتيق مع المثاليّ في الساحة العموميّة بكثير من الهرج والمرج. فالمنفّرات والمظاهر الكريهة تكاثرت في كلّ مكان ، مرتسمة على الأجساد نفسها، عبر اللباس وعبر أسلوب العيش والتّعايش، وكأنّ العفونة والرثاثة هما الضامن الوحيد للأصالة. وأصبح الكلام اجترارا لخليط من أقوال السلف. بل إنّ بعضهم أصبح يشعر بالضيم لميلاده في هذا العصر. و أصبحنا نرى هؤلاء يتّبعون ما يفترضون أنّه كلام أهل "فجر الإسلام"، وحركاتهم وسكناتهم. وأصبحت الأحداث الرّاهنة تشبّه بالأحداث الغابرة ويتمّ تصوّرها على أنها طرس للسالف من الزمان، يطفو على سطح الزمن المعيش ليبتلع الحاضر.
يمكن للإنسان أن يستلقي من الضحك جرّاء هذا "الرّيمايك" الواقعي، إلّا أنّ الضاحك سرعان ما يتبادر إلى ذهنه الطابع الخطير لهذا الشّغف بالأصل، لأنّه يحمل في ثناياه مشاعر الضيم والإهانة والحقد، وموجات عارمة من الضّغائن المتنامية. إنّ الرغبة المفرطة إلى هذا الحدّ في اللحاق بالأصل لا يمكن أن تخلو من الرغبة في الانتقام المريع من الأزمنة الحاضرة. لقد تمّ ردّ البؤس الاجتماعيّ والنفسيّ إلى الارتداد عن الأصل، الذي أسيء إليه نتيجة تعريض مجراه إلى الانقطاع. ولذلك فإن الإسلاميين كانوا يحاولون إقناع الناس بأنّ انفصالهم عن الأصل يعني مساهمتهم في تجفيف منابعه، وبأن مآسيهم الحاضرة ليست سوى جزاء عادل لجريمة الابتعاد عن البدايات. لم يكن لوجود هؤلاء من معنى خارج استرداد الخاص الخالص الذي كان لهم. هذا الارتباط بين النقاوة والاستثناء، بين الامتلاك والنظافة، بين الانتماء والطهارة.»(19)
ب. ما هي خصائص هويّته؟
الهوية كما تتشبث بعتباتها الحركات الأصولية لا تخرج عن كونها ترسيخا لمعنى الأصل الطاهر النقي والمفارق للتاريخ.
- «إن خطابات الهويات سواء أكان إسلاميّا أم مصطبغا بالقومية الثقافية يقوم على توهّم حالة الطهارة والبراءة السابقة على الوضع المتردّي الذي أحدثته الاختلالات التلوثات التي حملها، وما حمله الأجانب معهم من قوميات مدخولة. ثم إن ضروب تحول المجتمعات العربية قد رُفضت كما لو كانت حرمانا من الروح الخاصة بهم- ويجب أن يحتفظ الإنسان بالمعجم الفلسفي والميتافيزيقي حتى يستطيع أن يفهم دور وأداء هذه الأنواع من الخطابات. فماهية العرب، أو إن العرب المسلمين وروحهم هي حسب ظنّهم ماهية لا تزال نقيّة، ولا يدلّ عجزهم الظاهر، في الوقت الحاضر إلّا على توقف الهويّة التي تنتظر مجيء المنقذ، مثلما ينتظر النصارى رجوع المسيح أو الشيعة ظهور المهدي، أو المجيء المؤكد للنعيم أو جنة عدن»(20)
ت. وأي تربية نريد أن نبرمجها له؟
البرنامج التربوي الأصولي المعتمد في العالم العربي سيقوم، بطبيعة الحال، على ترسيخ قيم الأصل الموهومة، حتى لو تعارض ذلك مع مبادئ حقوق الإنسان.
- «منذ سنة 1996 بدأ المعهد العربي لحقوق الإنسان، الذي مقرّه بتونس، في إنجاز دراسة حول موضوع "التربية وحقوق الإنسان" من خلال البرامج والكتب الرسميّة المقررة في اثنتي عشرة بلدا عربيّة انخرطت جميعها في الآليات العالميّة المتصلة بحقوق الإنسان. والتقارير الوطنيّة المتوفرة إلى الآن الواردة من البلدان المعتمدة في الدراسة، تثبت أنّ أشكال التعليم المخالف لحقوق الإنسان موجودة في جميعها حتى ولو اختلفت تواترها وتفاوتت خطورتها من بلد إلى آخر. ولأنّنا لسنا بصدد تقديم دراسة مقارنة ولا حتى رسم جدول شامل فإننا سنكتفي، في هذا الصدد، باستعراض بعض النماذج المعبّرة في إبانة والكاشفة في تجلّ.
ففي كتب الدراسيّة الموجهة إلى التلاميذ بالسودان يكتشف المرء الحضور المكثّف لـ "الجهاد" والتأكيد والإلحاح عليه، ولئن كان ذلك تفسّره أوضاع الحرب التي تدور رحاها بين المسلمين وغير المسلمين والتي مضت على اندلاعها سنوات عديدة، فإنه لا يبرره خاصة و أنّه يرد في إطار تمجيد العنف والتذكير المستمرّ بأحكام الفقه المتعلّق به. (راجع بالخصوص: التربية الإسلامية، السنة الثالثة من التعليم المتوسط ص 8، 15، 37، 40، وكتاب السنة الخامسة، ص 83 إلى غير ذلك)
ويدور الحديث في المتون المدرسيّة المصريّة عن التسامح، ولكنّ ذلك يكون مشفوعا بالقول إن الإسلام هو الدين الحقيقيّ الوحيد (راجع كتاب التربية الإسلامية، الصنف الثاني إعدادي ص40)، كما يرد ذكر المبدأ الفقهي الخاص بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع إضافة تفسير يتحدّث عن مقاومة المنكر، أو الشرّ، بالكلام وبالفعل، وهو ما يمثّل تبريرا لا يكاد يخفى للعنف الممارس من قبل بعض جماعات الأصوليين ضدّ الدولة والأشخاص(تقرير المعهد العربي لحقوق الإنسان: تقرير حول مصر ص39 راجع أيضا في خصوص نقد الكتب المدرسيّة نصر حامد أبو زيد: نقد الخطاب الديني ط سينا، القاهرة، 1992، ص104).
وأمّا المرأة فإنّها تظهر دائما في وضعيّة دونيّة بالنسبة إلى الرجل، فالأمّ في المطبخ والأب في المكتبة (كتاب القراءة المصري السنة الأولى ابتدائي، ص28 و30). ولا يقتصر الأمر على واقعة اجتماعيّة بل يتعلّق بقاعدة دينية ناهيك أن كتابا يمنيّا يذهب بالأمر إلى أبعد من ذلك إذ يذكّر بالقاعدة الفقهيّة التي تعتبر أن طاعة المرأة للّه عز وجلّ، أي إسلامها، غير مقبولة ما لم تشفع بطاعتها لزوجها وعلى هذا النحو تكون صلاة الزوجة غير مقبولة يوم يكون زوجها غاضبا عليها وهو ما يوجب عليها طاعة دائمة (كتاب التربية الإسلامية –إعدادي- الصف الثالث، ص 37)...»(21)


1. في خبر صحفي معنون بـ"دعوة لاحترام الهوية العربيّة الإسلامية في البرامج الدراسيّة" يرد ما يلي: «بإشراف الأستاذ سمير ديلو عضو المكتب التنفيذي لحركة النهضة، نظم المكتب الجهوي لحزب حركة النهضة يوم الأحد 05 جوان الجاري بمدينة أكودة ندوة سياسيّة خاصة برجال التعليم تحت عنوان "حركة النهضة: الواقع ومتطلبات المستقبل" حضرها جمع من المربين والأساتذة المباشرين للعمل في الحقل التربوي، وقد أشاد سمير ديلو في مفتتح اللقاء بالدور الهام الذي يضطلع به المربي في مختلف مراحل التعليم مشيرا إلى تقدير حركته لرجل التربية وجسامة المنوطة بعهدته. وشدّد الأستاذ المحاضر على ضرورة مراجعة البرامج التعليميّة في كل ما هو متصل بمواد التاريخ والعربيّة والتربية الإسلاميّة حيث اتضح في فحواها أنها نابعة من خلفية إيديولوجيّة معينة تخدم مصالح النظام البائد وحاشيته، لذا بات جديّا أخذ قرارات مستعجلة وموضوعيّة لاستنباط برنامج دراسي وتوجه تعليمي وتربوي يتماشى وخصوصيات تونس» جريدة الفجر، 10 جوان 2011، ص7. راجع أيضا مطالب الحركة في ما يتعلّق بالتعليم الديني الموازي للتعليم العمومي كمقال "حتى لا تتحوّل المساجد إلى قميص عثمان" لمحمد الشاذلي بخاري جريدة الفجر، 22 أفريل 2001 ص5 ومقال "هل للزيتونة حظ من ثورة 14 جانفي؟" الهادي بريك، جريدة الفجر، 03 جوان 2011، ص21.
2. راشد الغنوشي، مقالات، بدون تاريخ، ص12.
3. نفس المرجع، ص13-14
4. نفس المرجع، ص14
5. نفس المرجع، نفس الصفحة.
6. راشد الغنوشي، الحريات العامة في الدولة الإسلاميّة، النسخة المعتمدة بموقع: http://www.ghannoushi.net، القسم الأوّل، ص36-37
7. محمد الشرفي، الإسلام والحريّة: الالتباس التاريخي، نشر الفنك، الدار البيضاء، 2000، ص 216-217
8. اعليّة علاني، الحركات الإسلامية بالوطن العربي: تونس نموذجا، دفاتر وجهة نظر، الطبعة الأولى 2008، ص243. عبد الله العمامي، التنظيمات الإرهابية في العالم الإسلامي: أنموذج النهضة، الدار التونسيّة للنشر، 1992، ص237.
9. محمد الشرفي، الإسلام والحريّة... ذكر أعلاه، ص229-230
10. عزيز العظمة، دراسة عنوانها: سؤال ما بعد الحداثة، ضمن كتاب: الهويّة، سلسلة مفاهيم عالميّة، مجموعة باحثين، ترجمة عبد القادر قنيني، المركز الثقافي العربي الدار البيضاء، ص19.
11. احميدة نيفر، مقال بعنوان: أي تعليم إسلامي لمجتمع حديث؟، جريدة الحياة 25 أوت 2007
12. اشتهر بنقده للتجربة الإخوانيّة ممّا أدى إلى فصله عن التنظيم فكوّن تيارا عرف باسم "الإسلاميون التقدميون" أو"اليسار الإسلامي"، والجدير بالذكر أنه لم يسلم هو وتياره من التكفير فقد: «صدرت عن الحركة دراسات في نوفمبر 1983 تتهم فيها اليسار الإسلامي بمعاداة الدين والتغريب: "وقد يكون اليسار الإسلامي حيلة افتعلها الفكر المتغرّب لإحساسه بفشله في العالم الإسلامي فأدرك أن معاداة الدين جهارا نوع من السذاجة وقلّة الذكاء فأظهر التعاطف مع الإسلام لرفع تهمة الإلحاد عنه وللمناداة بالتجديد على أساس الماركسيّة بغلاف الاعتقاد الإسلامي" (محسن الميلي، ظاهرة اليسار الإسلامي، طبعة ثانية، مطبعة تونس قرطاج ص136). وإن النقد اللاذع الموجه للإسلاميين التقدميين واتهامهم صراحة بالكفر والإلحاد ربما بهدف تحذير بعض عناصر التنظيم من الانضمام لهذا التيار.» اعلية العلاني، الحركات الإسلاميّة... ذكر أعلاه، ص230
13. يقول راشد الغنوشي: «ومهما بحث فلاسفة التربية في بلادنا ورجال الفكر والسياسة عن إنسان تونسي بعيد هن العربية لسانا والإسلام قلبا ومضمونا فلن يجدوا» مقالات...ذكر أعلاه، ص38.
14. عبد العزيز العيّادي، مسألة الحريّة ووظيفة المعنى في فلسفة موريس مرلو-بونتي، صامد للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 2004، ص496.
15. سعد الغراب، العامل الديني والهويّة التونسيّة، الدار التونسيّة للنشر، الطبعة الثانية 1990.
16. هشام جعيط، الشخصيّة العربيّة الإسلاميّة والمصير العربي، نقله إلى العربيّة المنجي الصيّادي، دار الطليعة للطباعة والنشر بيروت، الطبعة الأولى 1984، ص155-181.
17. المنصف ونّاس، الشخصيّة التونسيّة: محاولة في فهم الشخصيّة العربيّة، الدار المتوسطيّة للنشر، الطبعة الأولى 2011، ص38-39
18. البشير بن سلامة، الشخصيّة التونسيّة: خصائصها ومقوماتها، مؤسسة عبد الكريم بن عبد اللّه، تونس 1974، ص23.
19. فتحي بن سلامة، الإسلام والتحليل النفسي، ترجمة رجاء بن سلامة، رابطة العقلانيين العرب ودار الساقي، الطبعة الأولى 2008، ص 42
20. عزيز العظمة، دراسة عنوانها: سؤال ما بعد الحداثة... ذكر أعلاه، ص25
21. محمد الشرفي، الإسلام والحريّة... ذكر أعلاه، ص221-222. وفي هذا الإطار، يمكن مراجعة وثائق المعهد العربي لحقوق الإنسان حول مناهج التعليم في العالم العربي ومدى التزامها بثقافة حقوق الإنسان عبر هذا الموقع: http://www.aihr-iadh.org





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- حركة النهضة التونسيّة: نزوات العنف
- حركة النهضة التونسيّة والأدب: ذهنية التحريم
- حركة النهضة التونسية: مصادرة الممتلكات تأسيسا على الشريعة
- حركة النهضة التونسية: مؤشرات التمويل الأجنبي
- حركة النهضة التونسية: سفور المعنى


المزيد.....




- إيران تعلن نهاية تنظيم الدولة الإسلامية
- البابا فرانسيس يدعو للترفق بمخالفي قواعد المرور
- ما صحة وجود مدوّن إسرائيلي في المسجد النبوي؟
- مدون إسرائيلي مشهور ينشر صورا له في المسجد النبوي!
- ما صحة وجود مدوّن إسرائيلي في المسجد النبوي؟
- قائمة الأزهر لتحديد المختصين بالفتوى تفجر صراعاً حاداً 
- الأمن المصري يعتقل الملحد -خرم- بتهمة الانتماء لجماعة -الإخو ...
- اشتباكات بين مئات اليهود المتدينين والشرطة الإسرائيلية
- اشتباكات بين مئات اليهود المتدينين والشرطة الإسرائيلية
- وزير إسرائيلي يتحدث عن علاقات -سرية- مع دول عربية وإسلامية


المزيد.....

- الإرهاب ....... الأسباب ........ المظاهر .......... سبل التج ... / محمد الحنفي
- هل يوجد في الإسلام أوصياء على دينه ...؟ !!! / محمد الحنفي
- التوظيف الأيديولوجي للدعوة إلى تطبيق -الشريعة الإسلامية- ينا ... / محمد الحنفي
- الاجتهاد ... الديمقراطية ... أية علاقة ؟ / محمد الحنفي
- الإسلام و دموية المسلمين / محمد الحنفي
- http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=20090 / محمد الحنفي
- الاقتصاد الإسلامي بين الواقع والادعاء / محمد الحنفي
- بين إسلام أمريكا و إسلام الطالبان… / محمد الحنفي
- دولة المسلمين لا إسلامية الدولة / محمد الحنفي
- الإسلام/ الإرهاب…..أية علاقة؟ / محمد الحنفي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محمد نعمان - حركة النهضة التونسيّة: التربية الأصوليّة (1)