أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - سلام ابراهيم عطوف كبة - ابراهيم كبة غني عن التعريف















المزيد.....



ابراهيم كبة غني عن التعريف


سلام ابراهيم عطوف كبة

الحوار المتمدن-العدد: 1003 - 2004 / 10 / 31 - 09:26
المحور: اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
    


ابراهيم كبة غني عن التعريف . من مواليد 1919 في النجف . ترعرع في بيئة وطنية دينية وتتلمذ على يد خاله الشيخ محمد مهدي كبة الذي لعب ادواره السياسية في العهد الملكي واستوزر اكثر من مرة الا انه كان مع كامل الجادرجي قطبي المعارضة المحافظة الوطنية العراقية ضد السياسات البريطانية والاحلاف ، وتزعم حزب الاستقلال . وكان محمد كبة عضو في مجلس السيادة بعد ثورة 14 تموز 1958 .
تشرب ابراهيم كبة بالحس الوطني وتأثر بأفكار جعفر ابو التمن والحزب الوطني قبل سفره خارج العراق الى حد كبير واكتسب منه دور الجماهير كصانعة للتاريخ وأهمية الدفاع عن النقابات المهنية ورعاية مصالحها المختلفة واهمية الحياة الحزبية التي كانت قد الغيت بفتوى ملكية عام 1934 .. وهو العام الذي نهض فيه الحزب الشيوعي العراقي كحزب للوطن الحر والشعب السعيد متمردا على الارادة الملكية من جهة وعلى الاحزاب الافراد وضيق اهدافها وابتعادها عن الجماهير من جهة أخرى .... الا ان الحرب العالمية الثانية وسيادة المباديء الفاشية في العالم ونهوض وانتعاش الحركة الديمقراطية العالمية من بعد كانت الفيصل الحاسم في بلورة وصياغة منهج ابراهيم كبة الفكري الاشتراكي الماركسي . فقد عاصرها بتماس مباشر متنقلا بين العواصم الاوربية والعربية وبالأخص باريس ولندن ومدريد والقاهرة وشارك في عضوية الحلقات العراقية الماركسية في العاصمة الفرنسية . وفي القاهرة ربطته ب ( حدتو – الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني المصرية ) وشائج وطيدة ....
تابع ابراهيم كبة وهو خارج العراق اخبار وطنه وسيطرة الروح الدكتاتورية واشغال الجيش بالسياسة الفردية وتفشي مظاهر الفساد في جميع أجهزة الدولة ، وسيادة الروح القومية الضيقة الشوفينية في سياسة التعليم والثقافة العامة ، والاهتمام بالمظاهر دون اللباب في التربية القومية ، وتشريع القوانين المعادية للديمقراطية والاتجاهات الشعبية والمثبتة للإقطاع والقوى الرجعية الأخرى ( تعديلات قانون العقوبات المتصلة بجرائم الأمن العام ، واصدار القوانين المتصلة بالصحافة ، وتشريع وتطبيق الأحكام العرفية المختلفة ، واصدار قوانين التسوية والقوانين الأخرى المتصلة بمشكلة الأرض الخ …) . كما تابع بتمعن حركة الطبقة الجديدة التي خلفها الاستعمار الانكليزي من أبناء المدن من كبار رجال السياسة وابناء العائلات الكبرى والتي أرتبطت مصالحها الاقتصادية مباشرة بمصالح الانكليز عن طريق تكوين الشركات المالية الكبرى المرتبطة بروؤس الأموال الأجنبية ، والمعتمدة في نشاطها المالي على الأسواق و روؤس الأموال الاستعمارية .

عاد ابراهيم كبة الى بغداد عام 1952 وقد ناهضته السلطات الملكية _ السعيدية وطاردته في العمل والسكن . أثناء ذلك ساهم كبة في صياغة ميثاق جبهة الاتحاد الوطني سنة 1957 وكان على صلة مباشرة بالحركة الديمقراطية العراقية .
استوزر ابراهيم كبة في اول حكومة وطنية بعد ثورة 14 تموز 1958 المجيدة وتولى حقيبة التجارة كما تولى حقائب وزارية أخرى بالوكالة كالنفط والاصلاح الزراعي ... وكان له الفضل الاول في كسر القطيعة الاقتصادية مع البلدان الاشتراكية وبالاخص الاتحاد السوفييتي والمانيا الديمقراطية والصين الشعبية .. واستقبلته الجموع الحاشدة بشعار ( ابراهيم كبة للأمام ... ديمقراطية وسلام ). الا ان تردد السياسة القاسمية في حقل الحريات العامة وبناء أسس المجتمع المدني الحديث وإطالتها الفترة الانتقالية ، وتأخير تشريع الدستور الدائم ، وتسييرها ماكنة الدولة على يد نفس الجهاز الإداري خريج المدرسة الملكية في قمع الشعب ... دفعت كبة لتقديم استقالته اكثر من مرة وجوبهت برفض الزعيم عبد الكريم قاسم ... حتى اواسط عام 1960 . في هذه الفترة شارك كبة بهمة في حركة انصار السلام والعمل الاكاديمي التدريسي والبحثي في جامعة بغداد .. وارتبط تنظيميا بالحزب الشيوعي وكان من دعاة تشديد الصيانة الحزبية وارساء المركزية الديمقراطية على اسس وطيدة بحكم استقواء اعداء الشعب وبالاخص زمر البعث والرجعية واتسمت شخصيته بالحزم اللامتناهي والصرامة التي يشهد عليها القاصي والداني ، العدو والصديق ..

اعتقل بعد 8 شباط الاسود وتنقل في معتقلاته بين مركز شرطة المأمون حيث شهد اعدام الشهيد متي الشيخ ، وبين الموقف المركزي رقم 1، وسجن نقرة السلمان ، ومعسكر الرشيد ... وعرضته شاشة تلفزيون بغداد في لقاء مقتضب ردا على الحملة العالمية التضامنية لأطلاق سراحه وبالاخص الوسائل الاعلامية السوفييتية .
دافع ابراهيم كبة عن ثورة 14 تموز امام المحكمة العسكرية بنفسه في وثيقة تاريخية فريدة من نوعها ، نشرت فيما بعد في كتاب (هذا هو طريق 14 تموز - دفاع ابراهيم كبة امام محكمة الثورة ) وحكم عليه بالسجن 10 سنوات مع الاشغال الشاقة ثم اطلق سراحه عام 1965 في عفو رئاسي. بعد ذلك عاود كبة التدريس الجامعي في مادة الاقتصاد السياسي – تاريخ الفكر الاقتصادي في جامعتي بغداد والمستنصرية . وبادر ابراهيم كبة لنشر دفاعه عن ثورة 14 تموز مجددا عام 1966 بسبب استشراء الفكر الرجعي في العراق آنذاك وتزييفه جميع أحداث التاريخ القريب ، وتركيزه خاصة على تزييف أحداث ثورة تموز المجيدة في جميع معطياتها وجوانبها المختلفة ، وانبعاث جميع حملات الكذب والمسخ والافتراء ، التي حاول الدفاع تفنيد المهم منها على الأقل.
في ايلول 1966 رفع ابراهيم كبة ومحمد سلمان حسن ومصطفى علي وعبد الوهاب محمود مذكرة الى ناجي طالب ( رئيس الوزراء ) ابرزت حقيقة الحقائق... وهي ان المسألة الأساسية في الوضع العام في العراق بعد نجاح ثورة 14 تموز في دك النظام الملكي الاستعماري وإزالة قشرته السياسية ، تمحورت حول المسألة الاجتماعية ، أي مسألة الثورة الاجتماعية التي نضجت مستلزماتها الموضوعية اي ديناميكية الصراع الطبقي الاجتماعي ، وبالتالي ، السياسي ، بعد ان كان المحور قبل تموز يدور حول المسألة الوطنية . وفي 3/8/1968 اي بعد ايام قلائل من الانقلابات البعثية قدم كبة مذكرة للنشر الى صحيفة التآخي .. لكنها ترددت في نشرها بعنوان (نصيحة للحكام الجدد _ من اجل حل سلمي لأزمة الحكم في العراق) عرج فيها الى حكم البعث الثاني ومسألة الشرعية وعرض مهام الحكومة الجديدة والاخطاء التي يجب تجنبها وفكرة المراحل الثلاث . مرحلة الحكم الانقلابي ، مرحلة الحكومة الائتلافية المؤقتة ، ثم أخيرا مرحلة حكومة الاتحاد التقدمي ، وان يباشر الحكام الجدد على الفور ومن دون تلكؤ بأداء مهام المرحلة الأولى وذلك بإطلاق الحريات الديمقراطية وعلى رأسها حرية النشاط الحزبي للقوى السياسية الفعالة في المجتمع ، والإقلاع نهائياً عن مفهوم الحزب الواحد او الحزب القائد ، والتخلي عن أسطورة الوصاية على الجماهير او الانفتاح الصوري على بعض القوى الأخرى ، وذلك تمهيداً لعقد حوار حقيقي ومفتوح مع جميع القوى المعادية للاستعمار والإقطاع والاستغلال ،من اجل صياغة منهاج عام مشترك يكون أساسا لتأليف ( جبهة اتحاد تقدمي ) تنبثق عنها عن الانتخابات العامة (حكومة اتحاد تقدمي ) تتصدى لحل المشاكل الأساسية للبلاد وتقود عملية التطور الاجتماعي والسياسي وفق المراحل العلمية المعروفة في علوم السياسة والاجتماع . وختم مذكرته ب( هذه نصيحة خالصة أقدمها للحكام الجدد ليثبتوا جدارتهم بتحمل المسؤولية وليقدموا ربما الفرصة الأخيرة لانصار الحل السلمي والمصالحة الوطنية والجبهات العريضة ، بعد أن بلغت التناقضات الاجتماعية في قلب المجتمع حدود الانفجار الثوري . إن الفرصة مؤاتية فاغتنموها قبل فوات الأوان و( قل هاتوا برهانكم أن كنتم صادقين).)
حارب البعث الفاشي ابراهيم كبة وأحاله على التقاعد عام 1977 وبذل الجهد لتقزيمه منذ استلامه السلطة 1968 وأرسل له الوفود أفرادا وأفواجا لأستمالته في اعادة كتابة التاريخ العراقي المعاصر من وجهة النظر الصدامية والقومية المتطرفة، واتخاذ مواقف استسلامية خضوعية، والانصياع لمشيئة البعث الفاشي ، وتركيع افراد عائلته وتشويه سمعته دون جدوى ... وظل ابراهيم كبة وفيا لمبادئه في الفكر المادي الاصيل والاشتراكي العلمي والماركسي والديمقراطي ... وبقي في شيخوخته حبيس الضغوطات الدكتاتورية المنهالة عليه من كل حدب وصوب وذكريات الماضي البعيد والقريب وذكرى رفاقه واصدقاءه الذين رحلوا وغيبتهم زنازين الاعدام والسجون والنسيان .. لكنه خلف لنا خزين من المؤلفات والترجمات منها لا على سبيل الحصر :

أزمة الفكر الاقتصادي _ 1953
معنى الحرية _ 1954
تشريح المكارثية _ 1954
الاقطاع في العراق _ 1957
حول بعض المفاهيم الاساسية في الاشتراكية العلمية – 1960
انهيار نظرية الرأسمالية المخططة _ 1960
الماركسية والحرب الامبريالية _ 1960
البراغماتية والفلسفة العلمية _ 1960
ماهي الامبريالية _ 1961
تشريح الكوسموبوليتية _ 1961
هذا هو طريق 14 تموز _ 1969
دراسات في تاريخ الاقتصاد والفكر الاقتصادي _ 1970
الرأسمالية نظاما _ 1972
مشاكل الجدل في الرأسمال لماركس _ 1979

والعشرات من المقالات في الثقافة الجديدة ، الاقتصاد والعلوم السياسية ، الاقتصاد ، مجلة الجامعة المستنصرية ، الاقتصادي ، الاقلام ، الثقافة ، المثقف العربي ، .....

توفى ابراهيم كبة الساعة التاسعة صباحا الثلاثاء 26 /10 /2004 والمصادف 12 رمضان اي في نفس الشهر الهجري الذي شهد انقلاب 1963 وقبل يومين من موعده . ( وان الله لفي خلقه شوؤن ).
تحية للشهداء محمد الجلبي ( مسوؤل خط المثقفين في الحزب الشيوعي العراقي ابان انقلاب 1963 ) ، ومتي الشيخ ، وعبد الجبار وهبي، وصفاء الحافظ ، وصباح الدرة ، ومحمد سلمان حسن والآخرين . والذكر الطيب لأبراهيم كبة ومصطفى علي وصلاح خالص وعبد اللطيف الشواف وصاحب حداد ورفاقهم.



(2)
التاريخ 3 /8/1968
نصيحة للحكام الجدد
من اجل حل سلمي لأزمة الحكم في العراق
بقلم إبراهيم كبــة

أزمة الحكم في العراق أزمة مزمنة لازمت نظام الحكم فيه منذ تأسيس ما سمي بالحكم (الوطني) في العراق في أعقاب الحرب العالمية الأولى . وقد تطورت هذه الازمة وتعقدت مع تطور وتعقد العلاقات الاجتماعية. إن ازمة الحكم بعد ثورة 14 تموز تعبير عن ازمة اعمق واشمل هي ازمة المجتمع العراقي بالذات . وقد سبق لكاتب هذه الكلمة أن شارك مع الأخوان مصطفى علي وعبد الوهاب محمود ومحمد سلمان حسن في تقديم مذكرة تفصيلية بتاريخ أيلول /1966 للسيد ناجي طالب رئيس الوزراء حينذاك تضمنت تحليلاً مركزاً لازمة الحكم هذه في مرحلتها الجديدة ، مرحلة بعد تموز ، ووضعتها في مكانها المناسب من ازمة النظام الاجتماعي الشاملة . كما اقترحت الحلول الضرورية لحل هذه الازمة حلاً سلميا. وحبذا لو عمدت (التآخي) الغراء لنشرها مع سائر الوثائق والمذكرات السياسية العديدة التي وضعت من قبل مختلف القوى السياسية في السنوات الأخيرة كمساهمة لتوضيح مشكلة الحكم والقاء الضوء على أبعادها من الزوايا المختلفة ومساعدة الحكم الحالي في تبين وجهات النظر المختلفة في هذا الصدد.
• الحكم الحالي ومسالة الشرعية
لا يمكن أن يكتسب الانقلاب العسكري الجديد أية شرعية من مجرد نجاحه في السيطرة على مقاليد السلطة ، شأنه في ذلك شأن أي تغيير في الحكم يأتي عن غير طريق الانتخابات العامة. إن المصدر الوحيد الذي يمكن أن يضفي الشرعية على الحكم الجديد هو اضطلاعه بالمهام الأساسية التي تناسب طبيعة المرحلة كبداية لازمة في طريق إرجاع السيادة للشعب ، المصدر الوحيد للشرعية والمالك الوحيد للسيادة.
إن هذه المهام تتلخص في تمهيد السبيل وتهيئة الظروف لاقامة النظام الديمقراطي .وكل تقصير في أداء هذه المهام او تجاوزها لمهام أخرى خارجة عن طبيعة الحكم يدمغه بالخروج على الشرعية وباغتصاب السلطة . ويمكن تلخيص هذه المهام المترابطة والمتكاملة بأربع:-
1. ازالة العقبات القائمة في طريق التطور السياسي الديمقراطي . ويندرج تحت هذه المهمة عدة إجراءات نشير إلى أهمها فيما يلي:-
أ- ازالة الأوضاع الاستثنائية وإلغاء جميع القوانين والنصوص والمراسيم والإجراءات المتعارضة مع المبادئ الدستورية العامة ، مع إلغاء المحاكم الاستثنائية.
ب- إصدار عفو عام عن جميع المحكومين السياسيين واطلاق سراح جميع الموقوفين او المحتجزين لاسباب سياسية.
ج- إلغاء أوامر العزل والفصل والإحالة على التقاعد لاسباب سياسية واعادة من شملتهم من المواطنين – مدنيين وعسكريين- الى وظائفهم واعمالهم في الدولة والقوات المسلحة .
د- إعادة جميع المغتربين والمبعدين خارج العراق لاسباب سياسية واعادة جنسياتهم إليهم وإرجاعهم لوظائفهم السابقة.
2. الاعتراف المطلق بحقوق القومية الكردية على أساس الحكم الذاتي ضمن وحدة التراب العراقي.
3. إطلاق الحريات العامة على اختلاف أنواعها لجميع القوى السياسية والاجتماعية المحركة للتطور السياسي والاجتماعي ، بما في ذلك حرية الاجتماع والتنظيم الحزبي والنقابي والمهني الى جانب الحريات الفكرية والمدنية والشخصية . وتحتل حرية الأحزاب السياسية مكان الصدارة في قائمة الحريات العامة ، وهي دون غيرها المحك الأول لاختبار شرعية أي حكم جديد . وكل تهرب من هذه المهمة او التفاف حولها او تجاوز لها يدمغ الحكم بالتسلط والاغتصاب ويدفع به حتماً لنفس المصير الذي آلت أليه الحكومات العسكرية السابقة منذ 14 تموز.
4. فتح حوار حر مفتوح مع جميع الأحزاب والمنظمات والشخصيات السياسية التقدمية دون استثناء ( من الحزب الشيوعي إلى أحزاب الوسط الوطنية والقومية) إلى جانب ممثلي القومية الكردية ، بعد لاقبل ازالة الأوضاع الاستثنائية القائمة واطلاق الحريات العامة والسياسية ، وذلك لبلورة منهاج مشترك يكون أساسا لتأليف ( حكومة ائتلافية مؤقتة) تتحدد مهامها أساسا بالأشراف على الانتخابات النيابية ، وهذه هي المرحلة الثانية من المراحل الثلاث المشار أليها في آخر هذه الكلمة.
• مهام الحكومة المؤقتة
إن مهام هذه الحكومة التي يجب أن تضم ممثلين عن جميع الأحزاب والمنظمات السياسية التقدمية والوطنية تنحصر في ثلاثة إجراءات أساسية:-
الأول : إصدار دستور مؤقت وفق مبادئ الديمقراطية الموجهة ( او الشعبية او الثورية او الجديدة كما تسمى أحيانا).
الثاني : تشريع قانون الانتخابات.
الثالث : الأشراف على الانتخابات العامة للمجلسين التأسيسي والوطني الذي تنبثق عنه(حكومة الاتحاد التقدمي)على أساس التمثيل النسبي ، للاضطلاع بالمهام الأساسية لحل مشاكل العراق الكبرى التي بقيت دون حل منذ ثورة 14 تموز المجيدة ، وفق منهاج او ميثاق وطني عام، ينفذ على مراحل ، تتفق عليها الأحزاب المذكورة.
• أخطاء يجب تجنبها
يتضح من الكلمة المختصرة أعلاه والتي يمكن أن تلقي مذكرة أيلول /1966 الضوء الكافي عليها مدى الخطأ الجسيم الذي تقع فيه بعض القوى السياسية في الوقت الحاضر بصدد طرح مشكلة الحكم وطبيعة الحلول اللازمة لها. إن محاولة الحكم الحالي مثلا التصدي بمفرده لمشاكل البلاد الكبرى بمعزل عن القوى الأساسية في المجتمع ، كمسألة النفط او الإصلاح الزراعي أو تجسيد حقوق القومية الكردية، تجاوز لصلاحياته من جهة واستحالة مادية بسبب عجزه من جهة أخرى ، إذ أن ذلك من صلاحية ومهمة ( حكومة الاتحاد التقدمي وحدها) المنبثقة عن الانتخابات العامة. كما إن محاولة هذا الحكم الانفتاح الشكلي على القوى الأخرى واشراك بعض ممثليها في الحكم في هذه المرحلة المبكرة وقبل القيام بالمراحل التمهيدية الأخرى وفي ظل الاحتكار السياسي القائم هي محاولة عقيمة بالمرة كما أثبتت تجربة الشقيقة سوريا مثلا، إذ أن تأليف الحكومة الائتلافية الحقة يأتي تتويجاً لعملية التحول السياسي ولا يكون تدشيناً لها. كذلك فأن الآمال التي يعلقها بعض الأخوان الأكراد على أية حكومة غير ديمقراطية ومن ذلك الحكومة الحالية لحل المسألة الكردية هو سراب خادع لا يضع المسألة المذكورة في موضعها من القضية السياسية والاجتماعية العامة.
• فكرة المراحل الثلاث
وبالخلاصة إن الحكام الجدد إن أرادوا حقاً تحقيق وعودهم الأخيرة للشعب والاستفادة من عبر التاريخ القريب والخروج من دوامة الانقلابات العسكرية المدمرة وتجنب الطريق المسدود تاريخياً فما عليهم ألا الأخذ بالفكرة التي اعرضها هنا وهي فكرة المراحل الثلاث لحل ازمة الحكم في العراق :
مرحلة الحكم الانقلابي الحالي ، مرحلة الحكومة الائتلافية المؤقتة ،ثم أخيرا مرحلة حكومة الاتحاد التقدمي ، وان يباشروا على الفور ومن دون تلكؤ بأداء مهام المرحلة الأولى وذلك بإطلاق الحريات الديمقراطية وعلى رأسها حرية النشاط الحزبي للقوى السياسية الفعالة في المجتمع ، والإقلاع نهائياً عن مفهوم الحزب الواحد او الحزب القائد ، والتخلي عن أسطورة الوصاية على الجماهير او الانفتاح الصوري على بعض القوى الأخرى ، وذلك تمهيداً لعقد حوار حقيقي ومفتوح مع جميع القوى المعادية للاستعمار والإقطاع والاستغلال ،من اجل صياغة منهاج عام مشترك يكون أساسا لتأليف ( جبهة اتحاد تقدمي ) تنبثق عنها عن الانتخابات العامة (حكومة اتحاد تقدمي ) تتصدى لحل المشاكل الأساسية للبلاد وتقود عملية التطور الاجتماعي والسياسي وفق المراحل العلمية المعروفة في علوم السياسة والاجتماع .
هذه نصيحة خالصة أقدمها للحكام الجدد ليثبتوا جدارتهم بتحمل المسؤولية وليقدموا ربما الفرصة الأخيرة لانصار الحل السلمي والمصالحة الوطنية والجبهات العريضة ، بعد أن بلغت التناقضات الاجتماعية في قلب المجتمع حدود الانفجار الثوري . إن الفرصة مؤاتية فاغتنموها قبل فوات الأوان و( قل هاتوا برهانكم أن كنتم صادقين).

بغداد

ملاحظة:- منعت الرقابة نشر هذه الكلمة في جريدة (التآخي) الغراء .



(3)


5/5/1967

الفكـر الرجعـي في العـراق
بقلم إبراهيم كبــة

بالرغم من إنني ألقيت دفاعي أمام محكمة الثورة في أوائل عام 1964 ، ألا أنني سجلت جميع خطوطه ونقاطه في الأشهر الأولى التي أعقبت انقلاب شباط عام 1963 في تلك الظروف الإرهابية المعروفة وفي داخل أسوار المواقف المتعددة ، وبمعزل عن الوثائق الرسمية واعتماداً على الذاكرة وحدها.ولذلك أنني أول من يدرك نواقص هذا الدفاع الشكلية والموضوعية . وقد كان بودي إكمال هذه النواقص ، وتعزيزه بالوثائق التي تحفل بها اضبارات الدولة للمرحلة التي يتناولها ، ألا إن فقداني جميع وثائقي في تلك الفترة واستحالة الوصول أليها ثانية في ظروف الحكم العسكري القائم ، حالا دون تحقيق هذه الأمنية . أما الذي دعاني إلى المبادرة لنشر هذا الدفاع رغم نواقصه الواضحة فهو استشراء الفكر الرجعي في العراق الآن، وتزييفه جميع أحداث التاريخ القريب ، وتركيزه خاصة على تزييف أحداث ثورة تموز المجيدة في جميع معطياتها وجوانبها المختلفة ، وانبعاث جميع حملات الكذب والمسخ والافتراء ، التي حاول الدفاع تفنيد المهم منها على الأقل.
إن انبعاث الفكر الرجعي في العراق الآن ، لا يعود لأسباب فكرية خالصة تتصل بتشبثه بحجج جديدة مقنعة تستحق المناقشة ، بل هو يعود في الأساس إلى دوره القديم – الجديد كسلاح من أهم أسلحة الردة المستشرية الآن في البلاد ، والتي بدأت طلائعها في الواقع منذ السنوات الأخيرة للحكم القاسمي ، وبلغت ذروتها في الوقت الحاضر عبر انقلابي شباط وتشرين ، وذلك لاسباب موضوعية كثيرة أهمها تغير المواقع الطبقية بعد تموز، قيادة البرجوازية وبعض مراتب البرجوازية الصغيرة لحركة الردة ، وتطلعها للسيطرة السياسية المطلقة في ظل الاستعمار الجديد واعتمادها على جبهة رجعية واسعة تضم اليمين الرجعي القديم ( الإقطاع ، البرجوازية العقارية الكبيرة ، البرجوازية الكومبرادورية) والوسط الرجعي الجديد ( البرجوازية الوسطى او الوطنية ) وبعض مراتب البرجوازية الصغيرة المتخلفة المتقنعة بالأقنعة القومية .
إن الردة الفكرية الحاضرة ، بقدر ما هي أداة من أدوات المعركة الاجتماعية ، تعكس بنفس الوقت هذه المعركة وتنطوي على نفس منابعها وجذورها الطبقية والاجتماعية .
* * * *
من الواضح أن هناك ثلاثة تيارات تصب في مجرى ( الردة الفكرية) ، ولكنها متداخلة بشكل يصعب أحيانا تمييزها عن بعضها ، وذلك بسبب تداخل الطبقات والمراتب الاجتماعية التي تعبر الردة عن مصالحها وتطلعاتها وتحالفها الطبقي العريض لمناهضة الثورة.
التيار الأول هو تيار الفكر الرجعي القديم ، الممثل للطبقات المتسلطة في النظام الملكي المندثر ، النظام شبه الإقطاعي شبه الاستعماري ، والقائم على تخطيط العودة بالعراق إلى العهد السعيدي الأسود بمؤسساته السياسية والقانونية والاقتصادية والفكرية ، وإلغاء مرحلة ما بعد تموز نهائياً والقضاء على جميع ما يمثلها من الاتجاهات السياسية والفكرية ، واحياء فكرها المتخلف المتحجر ، المتقنع بأقنعة الليبرالية الكلاسيكية في السياسة والاقتصاد وسائر الميادين الأخرى. لقد استطاع قادة هذا الفكر وخاصة من الأساتذة المثقفين المزيفين الوصول الى أعلى المراكز القيادية في الوزارات والأجهزة التخطيطية والجامعة والإصلاح الزراعي ومؤسسات القطاع العام والسلك الدبلوماسي … الخ وهم يمثلون في الوقت الحاضر راس الحربة لحركة الردة والجسر الموصل مباشرة بالاستعمار الجديد .
على أن هذا التيار الرجعي القديم ، يندر أن يطرح اليوم بشكله الفج المتخلف ، بل هو يختلط بتيارين آخرين : الأول هو التيار الوسطي الممثل لفئات الاجتماعية الوسطى وخاصة البرجوازية الوطنية بمراتبها المختلفة ، والتي تنحاز بشكل متسارع نحو مواقع اليمين الرجعي القديم ، بعد أن برزت المسألة الاجتماعية الى سطح الأحداث وبدأت تفجر التناقضات التي كانت كامنة في صلب الحركة الوطنية في المراحل التاريخية السابقة. ان البرجوازية الوطنية ، لظروف تاريخية مختلفة لا محل لشرحها الآن ( اتخاذ الإمبريالية شكل الاستعمار الجديد ، وحدة الثورة العالمية ، انصباب جميع الحركات الثورية في المجرى الرئيسي للثورة الاشتراكية العالمية ، تداخل البرجوازية العراقية بالطبقات الاجتماعية الأخرى وخاصة الإقطاع ، ارتباطها التاريخي والموضوعي العضوي بالإمبريالية ….الخ ) تطرح نفسها الآن ويرشحها الاستعمار الجديد فعلاً لقيادة الثورة المضادة في العراق ، وبذلك اصبح التيار الفكري الوسطي الآن هو السائد فعلاً في حركة الانبعاث الرجعي الفكري . أما التيار الآخر في الردة الفكرية فهو تيار البرجوازية الصغيرة المستترة غالباً بستار الفكر القومي والمتشبثة عبثاً بأسطورة الاحتكار السياسي والمنجرة عملياً ( بالرغم من حسن نية غالبية قواعدها ) الى مواقع الرجعية ، اليمينية والوسطية ، المعادية للديمقراطية والوحدة القومية التقدمية ولجميع التحولات الاجتماعية ، وهذه البرجوازية الصغيرة تعاني من ازدواجية رهيبة بين شعاراتها التقدمية والاشتراكية الشكلية وبين سلوكها الحقيقي المعرقل لأي تطوير فعلي لحركة الثورة إلى أمام ، بسبب إصرارها على القيادة الانفرادية ومعاداتها الهستيرية للديمقراطية والاشتراكية العلمية .
ان وحدة (تداخل) هذه التيارات الثلاثة في الفكر الرجعي رغم تمايزها ، حددت لنا منهجنا في هذه المقدمة : سوف لا نستعرض هذه التيارات بشكل منفصل ، بل سنكتفي بالتطرق الى الموضوعات الرئيسية التي يتناولها هذا الفكر الرجعي ، ونركز على الأفكار الأساسية التي يتخذها (خاصة بشكلها الوسطي السائد) والأهداف السياسية الرجعية التي يستهدفها ، ثم نستعرض بعض نماذجه البارزة . إن هذه المقدمة لا تتسع طبعاً لدراسة تفصيلية للفكر الرجعي في العراق ، والتي نأمل أن نستطيع إكمالها ونشرها عن قريب ، ولذلك سوف نكتفي باستعراض الأفكار الأساسية دون الإشارة الى مضامينها التفصيلية في مئات المصادر التي راجعناها من مؤلفات ومقالات ودراسات نظرية ، الى تصريحات ووثائق رسمية إلى برامج ومناهج سياسية للمنظمات المختلفة ، إلى الصحافة العلنية والسرية .. الخ مرجئين ذلك الى الدراسة التفصيلية المزمع نشرها عن قريب . على إن تحديد الجذر الاجتماعي لهذا الفكر الرجعي في الصراع الطبقي في العراق وحركة تناقضات المجتمع العراقي ، لا تعني انفصال هذا الفكر عن الفكر الرجعي العربي والغربي ، بل على العكس فأن قادة هذا الفكر في العراق يغترفون مباشرة من المؤلفات العربية والغربية ، دون إشارة صريحة في غالب الأحيان ، والظاهرة الطاغية على إنتاجهم هي التقليد والسطحية وعدم الاستيعاب .
* * * *
إن الموضوعات التي يتناولها الفكر الرجعي في العراق تشمل جميع الموضوعات المتصلة بالصراع الطبقي من قريب او بعيد – تشمل الماضي والحاضر والمستقبل ، الوضع الداخلي والعربي والدولي ، المسائل النظرية والتطبيقية على السواء . إن حملة المسخ والتشويه التي يمارسها هذا الفكر الرجعي تتناول ثلاث مجموعات كبرى من القضايا الأساسية . فعلى الصعيد التاريخي، يتناول المسخ مجموع تاريخ العراق الحديث . انه يتناول على سبيل المثال المحرك الحقيقي لهذا التاريخ وهو كفاح الشعب العراقي بقواه الوطنية الأساسية حسب ظروف تطور التناقض الطبقي في المجتمع ، ويستبدل به محركات وهمية ، من قبيل التناقض بين الاتجاه الشعوبي والاتجاه القومي(1) ، يشوه فيها الماضي الثوري لجميع القوى المذكورة ( جماعة الأهالي ، الحزب الوطني ، الأحزاب الديمقراطية بعيد الحرب العالمية الثانية ، الحركة الديمقراطية الكردية ، وخاصة الشيوعيين ) ويضع مقابلها القوى السياسية التساومية (الاخائيين مثلاً) او الفئات الانقلابية المعادية للديمقراطية . ومن هذه الزاوية التحريفية تقيم جميع أحداث العراق السياسية (وزارات الاخائيين ، انقلاب بكر صدقي ، حركة 1941 الوطنية ، حركة الموصل ، انقلاب شباط وتشرين … الخ )، ويدافع صراحة او ضمناً عن سياسات العهد الملكي في جميع الميادين ، ويركز على التفسيرات الطائفية او الشوفينية لهذا التاريخ . على إن مركز الثقل في جملة التشويه الرجعية على الصعيد التاريخي يتركز حول ثورة تموز المجيدة وكل ما يتصل بها من مفاهيم وأحداث . فمن ناحية أهداف الثورة ، أما أن يجردها الفكر الرجعي من أية أهداف مرسومة ، او ينسب أليها أهدافا وهمية ( كإقامة النظام الاشتراكي فوراً او الالتحاق بالعربية المتحدة فوراً ) مهملا أهدافها الحقيقية ، كالتحرر السياسي والاقتصادي ، وتحقيق الديمقراطية ، ووضع الأسس المادية للتحول الاجتماعي ، كما عبرت عنها وثائق الثورة وبيانات جبهة الاتحاد الوطني . ومن ناحية عوامل الثورة ، تهمل العوامل الحقيقية ( كفاح الشعب العراقي ، الجبهة الوطنية ، وحدة الثورة العربية والعالمية ) وتحصر بعوامل وهمية او ثانوية او جزئية او خارجية صرفة ( القوى القومية وحدها ، المد العربي ، المخطط الشيوعي الدولي ، التناقضات بين الاستعماريين ، دور الجيش وفصله عن الخلفية السياسية والاجتماعية …. الخ ). ومن ناحية طبيعة الثورة ، إما إن تجرد من طبيعتها الثورية وتفهم كحركة عسكرية انقلابية ، او حتى من طبيعتها الوطنية وتنسب إلى مخططات الاستعمار البريطاني او (الشيوعي )مثلاً ، او تمسخ هذه الطبيعة وتحمل محتويات اعتباطية مفتعلة . كذلك يتناول الفكر الرجعي في هذا الإطار التموزي تشويه طبيعة الحكم القاسمي فينظر أولا على انه وحدة متجانسة دون تقدير المرحلتين المتناقضتين اللتين مر بهما الحكم المذكور (2) ، ويقيم ثانياً وفق مقاييس تبريرية رجعية واضحة البطلان ، أما على أساس انه حلف ثنائي (3) من قاسم والشيوعيين ، او حلف ثلاثي (4) شعوبي من قاسم والشيوعيين والحزب الوطني الديمقراطي ، او حلف رباعي (5) شعوبي من هذه العناصر الثلاثة مضافاً إليها عنصر الأكراد ، او حتى على أساس انه حلف شعوبي _ استعماري يضم جميع هذه القوى والعناصر في تحالفها المزعوم مع الاستعمارين الشرقي والغربي على السواء (6) . أما جوهر الحكم القاسمي (الديمقراطي في المرحلة الأولى ، والدكتاتوري الفردي في المرحلة الثانية ) فيحاول الفكر الرجعي عبثاً طيه في غياهب النسيان . ومن الطبيعي أن يركز هذا الفكر حملته التشويهية على جميع الجوانب الإيجابية من الحكم القاسمي وإنجازاته الكبرى في جميع الحقول خلال المرحلة الأولى (ممارسة الحريات الديمقراطية ، شعار الاتحاد الفدرالي ، سياسة التحرر والسلم ، جيش المقاومة الشعبية ، الإصلاح الزراعي، القطاع العام ، الاتفاقات مع الدول الاشتراكية ، السياسة النفطية الوطنية ، سياسة الاستيراد الموجه …)، ويعتبر هذه الإنجازات جوهر الانحراف القاسمي باعتبارها إنجازات شيوعية او شعوبية ( معادية للعروبة ) او تكرس التبعية الأجنبية (لموسكو طبعاً) او إنها خاطئة من الوجهة العلمية (7) .. الخ ، بينما تبذل كل المحولات لطمس الجوهر الحقيقي للانحراف القاسمي في سنواته الأخيرة المتمثل في الدكتاتورية الفردية ومعاداة الديمقراطية وتمزيق الوحدة الوطنية واطلاق العنان لليمين البرجوازي والقوى الوسطية والبيروقراطية المتفسخة ، والمساومة المكشوفة مع الطبقات الرجعية واصحاب المصالح المركزة والفئات الانتهازية ، وهو الأمر الذي لم يؤد فقط الى تجميد الثورة بل تمكين قوى الردة من تنفيذ مخططها لإسقاط الحكم القاسمي لا لتطوير جوانبه الإيجابية والعودة لمنطلقات تموز الأصلية ، بل للإجهاز على الجوانب المذكورة في عملية واضحة لتصفية جميع إنجازات الثورة والعودة بالعراق لعهد ما قبل تموز . إن انقلابي شباط وتشرين ، كما أثبتت الأحداث ، كانا (تتويجاً ) للانحراف القاسمي في جوهره الدكتاتوري الفردي المعادي للديمقراطية ، مع تطوير هذا الانحراف خطوات واسعة للأمام ، وتحويله إلى السياسة الرسمية للدولة . ان الشعارات السائدة اليوم في تصريحات المسؤولين ( الأفكار الوافدة ، مضار الحزبية ، ابتعاد النقابات المهنية عن السياسة ، الطابع اللاطبقي للاتحاد الاشتراكي ، اتهام المعارضة بالتبعية والعمالة ، صيحة التجمع القومي المعادي للديمقراطية والشيوعية ، الاشتراكية المستمدة من روح الإسلام ، مبدأ العمل الكامن في دمائنا ، محاربة التأميم بحجة ظروف العراق الخاصة ، الدعوة للحزب الواحد بحجة صهر الشعب في بودقة واحدة ، إدانة الإضراب بحجة شراكة العمال في المعامل ، التقشف الاقتصادي ….الخ) هي نفس الشعارات القاسمية التي ازدهرت في فترة الأنحراف ،بعد ان خلعت ثوبها (الديمقراطي) لتتخايل بثوبها ( القومي التقدمي الوحدوي ) الجديد.ان القاسمية ليست ظاهرة فردية متصلة بشخص تاريخي معين ، بل ظاهرة سياسية تتبع من ملابسات الصراع الطبقي في المجتمع ،ومن هنا أهمية تحليل الظاهرة القاسمية والتذكير بها على الدوام ،خلاف ما تظن بعض القوى السياسية الثورية.أما عن أسباب الأنحراف وتوزيع المسوؤليات،فتتجاهل هذه التيارات الفكرية الرجعية بالطبع العوامل والمسوؤليات الحقيقية (القوى المناهضة للثورة ..خارجيةوعربيةوداخلية)،وتركيز المسوؤليات او تحصرها بالقوى الشيوعية والديمقراطية وحدها(الشيوعيون،أنصار السلام ،الشعوبيون،الشيوعية الدولية،الأكراد…الخ)،ولا تمل من القاء تهمها البالية في محاولة اجرامية لتأجيج الأحقاد بين القوى الثورية وتعطيل أية جهود لأستعادة وحدتها وفعاليتها السياسية (المد الأحمر ، المغول والتتر ،الحبال الحمراء ،أعمدة الكهرباء…الخ)(8).
أما على الصعيد العربي ،فيحاول الفكر الرجعي طمس الصورة الحقيقية للصراع الطبقي على هذا الصعيد ، واخفاء التناقض الأساسي بين الثورة العربية من جهة ، وبين الاستعمار العالمي بركيزتيه الأساسيتين..الصهيونية والرجعية العربية من جهة ثانية ، وفصل الارتباط العضوي بين قوى الثورة المضادة على الصعيد الداخلي والعربي والدولي،ورفع شعارات تضليلية مزيفة لأخفاء هذه الصورة (وحدة الصف العربي ،وحدة الدول العربية ضد الصهيونية ،مؤتمرات القمة العربية …)ثم الى جانب ذلك مسخ جميع المفاهيم الأساسية في القومية العربية ، لتبرير القيادة الأنفرادية اللاديمقراطية للثورة العربية ( نظرية وحدة المركز القيادي ،فصل القومية عن الديمقراطية ،وضع القومية كبديل عن الأممية ،الخلط في مسألة الوحدة بين المحتوى والأشكال ، إنكار الواقع الطبقي لمفاهيم الوحدة ، إنكار الظروف القطرية المختلفة ودورها في صياغة أشكال ومضامين الوحدة ، الخلط بين مفهوم الوحدة ومفاهيم سياسية واجتماعية أخرى مختلفة نوعيا من قبيل الأمة والحقيقة القومية والحركات الثورية المختلفة…).
واما على الصعيد الدولي فتتركز حملات الفكر الرجعي بشكل جنوني لعزل الثورة ( في العراق والبلاد العربية الأخرى ) عن أطرها وأبعادها الدولية ،وذلك بتشويه صورة الوضع الدولي في سماته الأساسية الراهنة (الاستعمار الجديد،وحدة الثورة العالمية بتياراتها الثلاثة ،دور المعسكر الاشتراكي ،التناقض الأساسي بين الإمبريالية والاشتراكية في العصر الراهن…)وتركيز العداء ضد الدول الاشتراكية (المخطط الشيوعي ، الاستعمار الشرقي ، سرقة الثورة الروسية ، الصين والغطاء الذهبي...)وضد النظرية العلمية للثورة ( الماركسية اللينينية ) ، والترويج لجميع نظريات ومفاهيم الاستعمار الجديد ( الحياد الآيديولوجي ،لا شرقية ولا غربية ، الأفكار الوافدة ).
ان حملات المسخ والتشويه لابسط المفاهيم الماركسية تصل لحد الأبتذال (مفاهيم الثورة والأشتراكية والكفاح الطبقي ودكتاتورية الطبقة العاملة والثورة البورجوازية …الخ).كما تقدم بدائل اشتراكيـة كاريكاتوريـة عن الاشتراكيـة العلميـة ، تقيمها على أسس محض تنظيميـة (التأميم)(9) او تكنولوجيـة( التنمية )(10)او شوفينية (خصائص العنصر ) او سلبية (أسلوب التنمية اللاراسمالية ) او أخلاقية (العدالة) أو دينية (الأيمان بالروح) او نفسانية (الضمير والإرادة) او إصلاحية لا ثورية (ترميم نظم الاستغلال) او حتى رجعية معادية للثورة . وكل ذلك يجري باسم (الاشتراكيـة البناءة) (11) او (الاشتراكيـة الرشيدة ) (12) او ( الاشتراكيـة الواقعية) (13)او الاشتراكيـة (المستمدة من روح الإسلام) (14) . كما يجري في هذا الإطار أيضا تشويه مفهوم (الديمقراطية) وذلك بتجريده من محتواه الطبقي ، والترويج لأفكار الطبقات البرجوازية والبرجوازية الصغيرة في هذا المجال ( الديمقراطيـة الليبراليـة ، الحزب الواحد و الحزب القائد ، المنظمة السياسية اللاحزبية ، الحركة العربية الواحدة ، الجبهات السياسية الاحتكارية ..الخ ).
ومن هذا الاستعراض السريع لطبيعة المواضيع التي يركز عليها الفكر الرجعي الراهن في العراق يتضح بجلاء الدور السياسي الرجعي الذي يقوم به الفكر المذكور ، كانعكاس وأداة للثورة المضادة ، وكجزء من الصراع الطبقي الكبير المشتد حول الموقف من الثورة الاجتماعية . إن الهدف المركزي الذي يوجه الفكر الرجعي ضرباته أليه هو وحدة القوى الثورية وذلك بتأجيج الأحقاد والضغائن بينها وتضخيم الخلافات الثانوية وطمس نقاط الالتقاء ضد الرجعية والاستعمار . والتكنيك الرئيسي الذي يستخدمه هو تكنيك (اللاديمقراطية ) ، بالترويج لنظم الحكم الفردية والمؤسسات السياسية القائمة على المبدأ الأبوي ، مبدأ الوصاية على الجماهير الشعبية ، وفلسفة وتبرير الاحتكار السياسي والقيادة الانفرادية . والشعار الرئيسي الذي ما زال يستخدمه للتغطية والتضليل هو شعار ( معاداة الشيوعية ) مع توسيع هذا المفهوم ليشمل جميع المؤمنين بالديمقراطية وسيادة الشعب الحقوق القومية والاشتراكية العلمية .
* * * *
قلنا سابقاً بان الفكر الرجعي الجديد ، بتياراته ومنابعه المختلفة ، يقوده الفكر الوسطي في المرحلة الراهنة ، مرحلة الحلف الطبقي العريض المناهض للثورة بقيادة البرجوازية في عصر الاستعمار الجديد والانتقال الى الاشتراكية على النطاق العالمي . ان (جوهر) الفكر الوسطي هو طمس الفروق النوعية بين السياسات التحررية والسياسات الرجعية ، وتغليف السياسات الأخيرة بأغلفة تقدمية او علمية او موضوعية او شعبية مزعومة ، واستثمار السلبيات الجانبية في ثورة تموز لافراغ هذه الثورة العظيمة من نواتها الثورية واعطائها محتوى رجعياً وفرض قيادات وسطية (برجوازية أساسا ) جديدة عليها – وكل ذلك يجري باسم الاعتدال والطريق الوسط والتوازن بين القوى ، والوحدة الوطنية ، وتجمع التموزيين (15) وضرورة الاستقرار وسيادة القانون ، والتآلف الوطني (16) والأخوة الحقيقية بين جميع العراقيين ، وتجاوز مرحلة الطفولة السياسية ، وتحكيم العلم والخبرة والموضوعية والحياد والنضوج والتعقل … الخ . ان هذا الخط العام للقوى الوسطية ينعكس في مواقفها من جميع القضايا الداخلية والخارجية ، السياسية والاقتصادية والفكرية .. واكتفي الآن بذكر (عينات ) من هذه الأفكار والنظريات الوسطية ، مقتبسة من آخر (أعمالها ) في الحقول المختلفة .
ففي حقل السياسة النفطية مثلاً ، نجد حملة مبدئية على فكرة التأميم ، ونسبته إلى مؤامرات تخريبية او استعمارية او شيوعية ، ومهاجمته بحجج اقتصادية ( خنق الاقتصاد الوطني ) وقانونية ( مخالفته للقانون الدولي العام ) وعقائدية ( إجراء شيوعي) – واقتراح حلول تساوميـه مع الشركات النفطية ( كمبدأ المشاركة الوطنية الأجنبية في الامتيازات ) ، والدفاع عن المادة الثالثة من القانون رقم 80 بالرغم من استغلالها بتخريب هذا القانون ، والترويج لمفهوم ( نزع الطابع الاستغلالي للامتيازات بالتدريج ) وتحسين شروطها بالاتفاق بدل إدانتها المبدئية ، واستنتاج نتائج سياسة خاطئة من تحليل المسألة النفطية ( تجمع وطني بدل اتحاد تقدمي) (17) ، والتركيز على الجانب الكمي للقطاع النفطي (زيادة عوائد الحكومة ) بدل الجانب النوعي ( دوره في التبعية الاقتصادية ) ، هذا فضلا عن التشكيك في قدرة الدول المنتجة على الاستثمار الحكومي المباشر ، وتجريد المسألة النفطية من جوهرها السياسي الاستغلالي الإمبريالي ، وترديد حجج الشركات التقليدية ( استحالة سياسة عربية موحدة للنفط ، استحالة التسويق المستقل ، ارتفاع سعر النفط العراقي وارتفاع أرباح العراق بالنسبة للدول المنتجة الأخرى ، عدم الخروج على سياسة الأوبك ، استحالة الخروج من الطوق الاحتكاري ، استحالة التعاون مع المعسكر الاشتراكي …الخ) ، وكل ذلك لتبرير تصديق اتفاقية 1965 الخيانية ، وتعطيل القانون رقم 80 وتجميد شركة النفط الوطنية وتحويلها لأداة بيد الشركات نفسها ، واعادة الحقول المنتزعة الرئيسية إلى الشركات ، وتعميق الآثار المدمرة للتبعية الاقتصادية . إن هذه الآراء قد تطرح بصورة ذكية مقنعة ، او تطرح أحيانا بصورة فجة مكشوفة ، كما هي الحال في التقرير الذي أعدته شركة النفط الوطنية عن دورها في تطوير نفط العراق (18) ، او في تعليقات بعض كبار المسؤولين الحكوميين في القطاع النفطي (19) . ومن الواضح إن هذه الآراء التساومية تجد كل التشجيع من الحكومة التي سارت فعلاً على تجميد القانون رقم 80 وتجميد شركة النفط الوطنية والتمهيد لامرار اتفاقيات 1965 ، والإصرار على حصر السياسة النفطية ( باتفاقيات مشاركة ) مع الشركات الاحتكارية واعادة اكبر مقدار ممكن من الأراضي المنتزعة للشركات باسم تطبيق المادة الثالثة (20) .
وفي حقل الإصلاح الزراعي نجد الحملة مركزة على شجب فكرة القانون من حيث الأساس وتحميله مسؤولية تدمير الجهاز الإنتاجي في البلاد ، والزعم بأن الغرض من تشريعه كان محاربة القوميين الوحدويين لا الإقطاع ، وانه مشوب بالأفكار الماركسية (21) والمساس بحق الملكية المقدس ، وتركيز الحملة بوجه خاص على القطاع العام في الزراعة (المزارع الحكومية الكبرى) ومسخ دورها الإنتاجي الكبير الى دور المزارع النموذجية لتحسين البذور (22) ،وعلى التعاونيات الجماعية والتنظيمات الجماهيرية الفلاحية الضرورية لنجاح الإصلاح ، مع صرف الأنظار عن الجوهر الطبقي للإصلاح ( تغيير علائق الإنتاج ) والتركيز على جوانبه التكنولوجية ( تنمية قوى الإنتاج ) وتحويله عن دوره الثوري كمحرك وقاعدة للثورة الاجتماعية ، إلى مجمد وقاعدة للثورة المضادة ( برجزة الإقطاع ، تنمية أغنياء الريف ، تسليم مصائر الفلاحين بأيدي الأجهزة البيروقراطية الرجعية ، الحيلولة دون الحلف الطبقي العمالي – الفلاحي )، واخيراً اقتراح الحلول المعروفة للاستعمار الجديد في القطاع الزراعي ، وتسليم التنمية الزراعية للشركات الاستثمارية الأجنبية (23).
وفي حقل التنمية الاقتصاديـة ، يركز الفكر الوسطي على طمس التناقض الجوهري بين التنميـة الكومبرادورية ( الاستثمار الأجنبي المباشر او المقنع ، اعتماد المؤسسات الأجنبية والتابعة للقيام بالتنمية ، تبني أسلوب الشركات الاستشارية والمقاولة ، أسلوب المناقصات العالمية الرأسمالية …الخ) والتنمية الوطنية والقومية ( التحرر الكامل من الاستعمار الجديد ، وضع الأسس المادية للتحولات الاجتماعية ، قاعدة الصناعة الثقيلة ، الترابط والتوازن والتفاعل بين الهياكل الاقتصادية والقطاعات الأساسية ، الدور القيادي للقطاع العام ، رفض التنمية الرأسمالية ، أسلوب التعاون مع الدول الاشتراكية والمتحررة ، التخطيط العلمي للاقتصاد العربي …الخ ) ، واقتراح حلول وسطية تساومية ، هي من حيث الأساس استمرار للتنميـة الكومبرادوريـة وتكييفها مع مستلزمات الاستعمار الجديد وتنامي الوعي الوطني ، واحلال استثمار البرجوازية بفئاتها القديمـة والجديدة ( البيروقراطيـة ، العسكريـة ، التكنوقراطيـة … الخ) محل استثمار الطبقات القديمة .وفي هذا الإطار الاستغلالي الطبقي الصرف ، ترفع القوى الوسطية اليوم شعارات المشاركة الوطنية الأجنبية في الاستثمار ، مشاركة القطاع العام والخاص ، إعادة المشاريع المؤممة الى القطاع المختلط ، تعريق المؤسسات الأجنبية ، التمويل من المؤسسات المالية الدولية المشبوهة التي تمثل الاستعمار الجماعي في الواقع (24) ، محاربة القطاع العام والتأميم وأسلوب التعاون التكنيكي والاقتصادي مع الدول الاشتراكية ، الترويج لأفكار الاعتماد على الزراعة (25) والصناعة الاستخراجية والخفيفة والخدمات غير الإنتاجية ، وتجنب الصناعة الثقيلة (غير الاقتصادية ! ) وفصل التنمية عن شروطها الاجتماعية والسياسية والتركيز على مستلزماتها التكنولوجية والتنظيمية (26) ، واخيراً وليس آخراً الدفاع المكشوف او المقنع عن سياسة مجلس الأعمار سيئة الصيت . إن الدفاع عن مجلس الأعمار للعهد الملكي ، لم يقتصر على ساسة العهد المذكور التقليديين (مثلا خليل كنه في كتابه عن العراق ) ولم يقتصر على الأساتذة الجامعيين الذين كانوا وما يزالون أبواقا للفكر الاقتصادي الغربي الليبرالي والليبرالي الجديد ، وفي احسن الأحوال ،الكينزي ،بل تعدى ذلك إلى كبار المسؤولين من وزراء ومخططين وكبار الموظفين ، حتى بين أولئك المنتسبين لبعض الفئات القومية التي تدعو للاشتراكية والاشتراكية فوراً . مثال ذلك السيد وزير التخطيط في كلمته التي قدم بها ( المذكرة التفسيرية للإطار العام للخطة الاقتصادية للسنوات الخمس 1965 /1969 ) حيث جاء فيها دفاع صريح عن سياسـة مجلس الأعمار . يقول السيد الوزير ( كان العراق … أول قطر عربي يتحرك إلى حل مشكلة التخلف الاقتصادي منطلقا من تصور صحيح لطبيعتها وشروط مواجهتها ) ( ولذلك وجه العراق الحديث منذ البداية الجزء الأكبر من موارده النفطية إلى أعمال العمران رغم المغريات الكثيرة الحافزة على تبذير هذه الثروة القومية ) ، وواضح انه يشير بذلك إلى عراق نوري السعيد ومجلس أعماره . ثم يتابع قوله كما يلي ( وحرص العراق منذ البدايـة على أن تكون برامجـه العمرانيـة برامج مدروسة ، فكان من أوائل الدول التي استعانت بالبنك الدولي وبغيره من مصادر الخبرة العالميـة لتصميم هذه البرامج ) . وإذا كان هذا هو تصور الوزير المسؤول لمفاهيم الأعمار والتخطيط والعلم والخبرة ، فهو من عجب أن ترى المذكرة التفسيرية للخطة مشبعة بهذه الآراء التي تدافع صراحة عن مفاهيم الاستعمار الجديد تحت اسم النظام الاشتراكي او العدالة الاجتماعية ؟ وكمثال واحد على ذلك نشير الى الفقرات المتعلقة ب (القروض الأجنبية ) والدفاع المكشوف عن الاستثمار الأجنبي الخاص المباشر ، وذلك – كما تقول المذكرة – ( بإنشاء الشركات الأجنبية مشروعات في العراق وأدارتها والحصول على الأرباح وسيطرة ورقابة المستثمر الأجنبي على المشروع )، على أساس إن هذا النوع من الاستثمار الأجنبي ( يساعد على زيادة المعرفة الفنية والإدارية والتنظيمية وعلى تنميتها والاستفادة من المستخدمات العراقية وتشغيل الأيدي العاملة وتدريبها وتوسيع السوق المحلية وزيادة التصدير ) . أما أسلوب اتفاقيات التعاون الفني والاقتصادي مع الدول الاشتراكية ، وهو الأسلوب الذي تميزت به التنمية اللاراسمالية في العالم الثالث كما هو معروف ، فان هذا التقرير الرسمي يهاجمه بما لم يجرأ عليه حتى عملاء الغرب المكشوفون . فهذه القروض العينية هي قروض ( مقيدة ) وهي ( اخطر أنواع القروض الأجنبية وأكثرها مشاكل ) كما أنها فضلا عن ذلك قروض ( احتكارية ) وان السلع التي تقدمها ( مشكوك في جودتها ومرتفعة الثمن ) بل إن ( الانخفاض النسبي لسعر الفائدة إنما هو انخفاض صوري من السهل تحميله على ثمن السلع او على حساب نوعيتها وجودتها ) . ويوصي التقرير ضمناً بإلغاء هذا الأسلوب من أساليب التنمية ، باشتراط عرض المشاريع التي تتضمنها الاتفاقيات على ( جهات استشارية عالمية ) ثم (إعلانها في مناقصة عالمية ) ثم ( إحكام الرقابة على تنفيذ المشروع من قبل نفس الشركات الاستشارية العالمية …) . هل نكون متجنين إذا اتهمنا الحكم الذي يسمح بتبني مثل هذا اللغو ، بأنه يتحول موضوعياً الى مجرد أداة لتنفيذ مخططات الاستعمار الجديد ؟.
وفي حقل العمل والسياسة الاجتماعية ، نجد الفكر الوسطي يرفع شعارات ( المشاركة الاختيارية ) كستار للاستغلال الطبقي للعمال ، و ( السلام الاجتماعي ) كبديل عن الصراع الطبقي ، و ( طرق المزاملة في السيطرة الاجتماعية ) كبديل لأشكال النضال الطبقي للطبقة العاملة … الخ (27) .
أما في ميدان نظام الحكم فان القوى الوسطية تستغل كل سلبيات الحكم العسكري القائم في العراق وكل سلبيات تمزق الوحدة الوطنية ، وكل سلبيات تموز وما بعد تموز ، فتحمل الفئات (المتطرفة) مسؤولية ذلك ، وتطرح نفسها كبديل سياسي (لقيادة) المجتمع نحو الحرية والنظام والاستقرار والازدهار . وضمن هذا الخط العام لقيادة الثورة المضادة ، يطرح الفكر الوسطي الشعارات السياسية للاستعمار الجديد ، مع استغلال بعض الشعارات الشعبية ، من أمثال الديمقراطية الليبرالية والوحدة الوطنية والجبهة الوطنية وحكم القانون … الخ ولكن بشرط بسيط واحد هو احتكار الوسط للحكم وتفرده بالعمل السياسي وعزل الفئات التي ( لا تؤمن بالأسلوب الديمقراطي البرلماني وسيلة وغاية ) او كان ( في ماضيها ما يتعارض وذلك ) (28) .
واخيراً ففي ميدان السياسة الخارجية يروج الوسط لسياسة (التدرج في ربط العراق بنفس العوامل والمؤثرات التي كانت تحكمه قبل ثورة 14 تموز ) (29) ، أي العودة لسياسة المجال الإقليمي والارتباط بالمعسكر الغربي ، تلك السياسة البالية التي انعكست سابقاً في مواثيق ومشاريع سعد آباد والهلال الخصيب وحلف بغداد ، والتي تهدف الى تثبيت مواقع الاستعمار الجديد ، وتحويل العراق عن دوره الذي أهلته له ثورة 14 تموز كطليعة رائدة في معركة العرب التحررية ، وكقلعة من قلاع الكفاح ضد الإمبريالية بالتعاون المبدئي الدائم مع العالم الثالث المتحرر والمعسكر الاشتراكي .
* * * *
لقد أشرنا سابقاً الى المصدر الغربي الاستعماري لهذا الفكر الرجعي ، وهاك بعض الأمثلة – من مئات غيرها - على ذلك : في مقالة عن ( بعض اوجه المنظر الاقتصادي في العراق ) نشرتها مجلة (ميدل ايست أند جورنال /1964 ) هاجمت الأستاذة الأمريكية كاتلين لانكلي اتفاقيات التعاون الاقتصادي والفني مع الاتحاد السوفييتي زاعمة ان اهتمامات الخبراء السوفييت تتركز في تجهيز البلدان النامية بالتجهيزات التي لم تعد صالحة للاقتصاد السوفييتي اكثر من اهتماماتها بفائدة تلك البلدان . وفي دراسة أخرى نشرتها نفس المجلة عام 1965 عن (تطور العراق الزراعي) هاجم الكاتب الإنكليزي جون سيمونز قانون الإصلاح الزراعي واعتبره المسؤول الأول عن انخفاض الإنتاج وركز هجومه على القطاع العام والمزارع الحكومية الكبرى . وفي كتاب مشهور للكاتب الفرنسي بيير روسي عن (عراق الانتفاضات/1962 بالفرنسية) تشكيك واضح بطبيعة ثورة 14 تموز الوطنية ، والزعم بوجود دور للإنكليز في تفجيرها ، مع تعريض صريح بالاتفاقية العراقية السوفييتية ودور الرئيس مكملان البريطاني المزعوم في إقناع الروس للتوقيع عليها ، هذا بالرغم من بعض الجوانب الإيجابية في تحليلات الكاتب السياسي المذكور . إن مثل هذه الآراء وجدت صداها المدوي في كتابات مئات الكتاب العرب والعراقيين .
لا يمكن أن نستعرض في هذا المجال ألا بعض النماذج القليلة من هذا الفكر الرجعي القائم أساسا على محاربة الديمقراطية وتبرير الحكم الإرهابي وتمزيق الوحدة الوطنية والقومية وخدمة الاستعمار الجديد . وسوف نستعرض هذه النماذج بتفصيل واف في دراستنا المقبلة عن الفكر الرجعي في العراق . سنكتفي في هذه المقدمة بالإشارة فقط إلى بعض الآراء الاعتباطية للتسجيل لا للمناقشة .
لنبدأ النماذج بالسيد خلدون الحصري في كتابه (ثورة 14 تموز وحقيقة الشيوعيين في العراق /1963) . إن الخطوط العامة لهذا الكتاب هي معاداة الشيوعية ، معاداة الدول الاشتراكية ، معاداة الاشتراكية العلمية ، الدعاية للاستعمار الجديد ، تشويه مفاهيم القومية والاشتراكية والديمقراطية ، مسخ كل ما يتصل بثورة 14 تموز ، تشويه تاريخ العراق الحديث . إن بعض مسلماته التي ينطلق منها هي التالية :- الصراع الأساسي منذ اليوم الأول من ثورة تموز هو الصراع بين (القوميين العرب) و (الشيوعيين) – وليس بين الشعب وبين الاستعمار والرجعية – ، هدف ثورة تموز التي صنعها القوميون وحدهم هو إقامة النظام الاشتراكي والوحدة الفورية أما هدف الشيوعيين فهو سرقة الثورة بإدامة ( اصطناع المؤامرات) وخلق (السلطة المزدوجة) لغرض إقامة السلطة الشيوعية ، المنجزات الديمقراطية للثورة ( المنظمات الجماهيرية الشعبية ، الجبهة الوطنية المتحدة….الخ) هي منجزات ومؤسسات شيوعية لاغتصاب الحكم ، يحمل الشيوعيين وحدهم (لا الرجعية) مسؤولية فشل الإصلاح الزراعي وهزات الاقتصاد العراقي ، يعتبر منجزات الثورة الاقتصادية وسياستها الخارجية التحررية ( الاتفاقيات مع الاتحاد السوفييتي ، التمييز بين الدول الاشتراكية والإمبريالية ) دليلا على الانحياز للشرق ، يعتبر بداية العهد البائد هو عام 1941 أما قبل ذلك فعهد الاستقلال ، يشوه المفاهيم الماركسية بشكل مبتذل ( الاممية تعادي القومية ، البرلمانية تقابل الثورية ، الصراع الطبقي يساوي الصراع الدموي ، المادية الفلسفية تستبعد القيم الروحية ، المادية التاريخية تستبعد العوامل الجغرافية والنفسية وتساوي المادية الآلية ، الثورة الديمقراطية تعني إقامة حكم البرجوازية ، تحميل الاشتراكية العربية مفاهيمه الرجعية من قبيل الطابع القومي لا الطبقي ، البراغماتية لا الجدلية ، الغيبية لا العلمية …) ، يدين الثورات الاشتراكية وخاصة الروسية والصينية ويمجد التجارب الاشتراكية الديمقراطية الغربية كالعمالية في إنكلترا وحتى اشتراكية موليه في فرنسا ، جوهر الانحراف القاسمي شعوبي معاد للعروبة ، الحكم القاسمي هو ثمرة زواج الشيوعيين بقاسم ، يدين الإشارة إلى الطابع المتعدد للقوميات في العراق ، يعتبر الحزب الديمقراطي الكردي تابعا للشيوعيين ، مهرجان أنصار السلام هو الذي أدي إلى انفجار حركة الموصل …الخ .
أما دراسته الجديدة ( مقدمة في تاريخ العراق الحديث ) المنشورة في مجلة ( دراسات عربية /نيسان 1967) فانه يعمم التشويه والمسخ على مجموع التاريخ المذكور وخاصة على الفترة التاريخية 1936-1941 . انه يعقد مقارنة شكلية صرفة بين بعض المظاهر السياسية لهذه الفترة وبين سياسة الجمهورية العربية المتحدة بعد عام 1952 ، دون إدراك المحتوى الاجتماعي المختلف تماما بين الفترتين . أن المرحلة المذكورة في تاريخ العراق هي مرحلة مد رجعي مرتبطة بمرحلة المد الفاشي في العالم قبيل الحرب العالميـة الثانية ، تتميز بإلغاء الحياة الديمقراطية تماما ( إلغاء الأحزاب ، تزييف البرلمان ، إقامة نظم عسكرية مقنعة ، استخدام الجيش كأداة لقمع الشعب ، استخدام الطائفية كسلاح سياسي ، زج العشائر في السياسة الرجعية ، فهم القومية بمفهوم شوفيني وفاشي ، رفع الشعارات الوحدوية البروسية ، بسمارك العرب … الخ ) بعد خيانة الاخائيين لمبادئهم الوطنية التي تظاهروا بالدعوة اليها فترة طويلة ، وتكريس سياسة المساومة مع الاستعمار البريطاني التي لم تكن سياسة نوري السعيد إلا امتدادا طبيعيا لها . إن الكاتب يمجد هذه السياسة الرجعية التوفيقية ويصفها بالسياسة القومية ، بينما يصف المعارضة الوطنية والديمقراطية ( جماعة الأهالي ، الحزب الوطني ، جمعيـة الإصلاح الشعبي … الخ ) بالعداء الصريح للقوميـة ، على افتراض سخيف هو إن هذه المعارضـة كانت ( اشتراكية أعلنت الطلاق مع القومية ) ، وان هذا الطلاق كان فيما بعد سبب انتكاسة ثورة 14 تموز ، كما انه يصف الفترة الثانيـة الإرهابيـة من حكم السيد حكمت سليمان ( بعد استقالة الجادرجي وزملائه ) بأنها الفترة (العربية ) التي نتجت عن تعاون العناصر القومية مع حكمت وبكر صدقي (يقصد السادة علي محمود الشيخ علي ومحمد علي محمود وبقية الشلة ). كما انه يصنف ضباط الجيش إلى (الكتلة القومية ) و (الضباط الإقليميين ) ، وان الكتلة الأولى كانت نتاج السياسة التعليمية القومية لوالده السيد ساطع الحصري (30) . إن القومية العربية بمحتواها التقدمي والديمقراطي براء من هذا التزييف المبتذل لتاريخ العراق الوطني (31) . إن هذه الشكلية العلمية ، والتي تؤدي عمليا إلى تشويه تاريخ الشعب الوطني هي من السمات الثابتة للمدرسة التاريخية البرجوازية في العهد الإمبريالي . وبمناسبة الحديث عن جماعة الأهالي أشير إلى مقالة السيد مجيد خدوري عن ( اتجاهات الفكر السياسي في الوطن العربي –مجلة – حوار -/ نيسان 1967) حيث يعقد مقارنة شكلية أيضا بين هذه الجماعة وبين الحزب القومي السوري لأنطوان سعادة ، على أساس إن مبادئ كل منهما هي ( مزيج من الديمقراطية والاشتراكية!).
إن نسبة حركة الشواف في الموصل إلى (انصار السلام) او ( افتعال الحزب الشيوعي ) او استفزاز ( الأكراد والشعوبيين)…الخ من المسلمات الشائعة في الفكر السياسي ( القومي) . ولكن السيد محمود الدرة في دراسته الجديدة للموضوع ( ثورة الموصل بعد سبع سنوات – دراسات عربية /نيسان 1966) – إذا تركنا دفاعه عن مجلس الأعمار الملكي وهجومه على ثورة تموز وجميع إنجازاتها وعلى الحركة الديمقراطية الكردية وسائر القوى الوطنية – كشفت عن حقائق مهمة :- التفكير في الحركة بدأ من أواخر آب 1958 (أي قبل تفجيرها بستة اشهر) وان التخطيط لها كان واسع النطاق جداً يشمل قادة الجيش والأحزاب القومية ورئيس مجلس السيادة والتركمان في كركوك والعشائر الكردية وخاصة عشائر شمر ، وان الشواف لم ينضم للحركة الا قبل أسبوع واحد من قيامها ، وان دور العربية المتحدة في إثارتها والمساهمة في تنفيذها كان بارزاً ، وان أنصار السلام لم يشتركوا في المعركة إلا بعد (لا قبل ) احتدامها في الأيام القلائل اللاحقة لاندلاعها . ان الدرة خبير في هذه الحركة لانه واضع بيانها الأول كما يؤكد ( ولا ينبئك مثل خبير ) . هذا وبالمناسبة فان اكثر المعلقين السياسيين الأجانب كانوا قد كشفوا عن بعض هذه الحقائق منذ مدة طويلة ، نشير مثلا الى مؤلف موريس هراري ( الحكومات والسياسة في الشرق الأوسط /1962 ) حيث جاء فيه أن القوى الرئيسية التي قامت بحركة الموصل هي ( شيوخ العشائر ، تجار الموصل الأغنياء ، وبعض ضباط الجيش العاطفيين على عبد الناصر – ص 102/103 من النص الإنكليزي ) .
* * * *
من المقولات السياسية التي ما يزال يرددها أغلبية القوميين ، هي إن ثورة تموز فجرتها القوى القومية وحدها او الكتلة القومية في الجيش ، وان القوى الديمقراطية التي لم تستسغ الوحدة الثورية بعد تموز لمحتواها اللاديمقراطي ، هي التي انقلبت على الثورة وخططت منذ البدايـة لسرقتها وانتزاع السلطة . ولكن السيد فؤاد الركابي يفند كلا المقولتين ، في كتابه عن ( القومية ، حركتها ومحتواها /1963). وهذه هي بعض الأفكار الرئيسية التي يهمنا التأكيد عليها في هذا الصدد : - يرى إن ( الجبهة الوطنية ) هي التي تمثل ( القوى الرئيسية ) لثورة تموز ، أما (القوى العسكرية الوطنية ) فهي ( قوى ثانوية ). كذلك يعترف صراحة بان معركة المرحلة الجديدة بعد نجاح ثورة تموز في إسقاط النظام الملكي هي ( معركة تحقيق الوحدة مع العربية المتحدة ) ، ولما كان من الواضح عدم استعداد الحكم في العراق للوحدة الفورية ، أصبحت استراتيجية المرحلة الجديدة إسقاط هذا الحكم . يعترف صراحة بان مخطط الوحدويين كان (السباحة مع التيار ) الثورة ، والخضوع ( لظروف زخم الثورة ، ثم محاولة تعويض هذا التيار رويداً رويداً ويوما بعد يوم ) وذلك لكسب الجماهير ، ثم بعد ذلك ( خوض المعركة مع الحكم ) لإسقاطه والحاق العراق بالعربية المتحدة . يعتبر القوى المعادية للثورة العربية أربع :
قوى الاستعمار العالمي ، قوى الصهيونية العالميـة ، قوى الرجعية العربية ، واخيراً قوى الشيوعية ( كعقيدة وحركة) ، ويقصد بها ليس الأحزاب الشيوعية العربية فقط بل ( العناصر والقوى المؤيدة لها) أما السبب في اعتبار الشيوعية قوة معادية للثورة فهو التزامها ( بالإيديولوجيـة الماركسية اللينينية) وهي إيديولوجيـة مستمدة في نظره ( من واقع غير الواقع العربي) ، ومعادية ( عداء حقيقيا لاهداف الأمة العربية) . هذا مع العلم بان الكتاب من ألفه إلى يائه محاولة ساذجة لاستخدام الماركسية لفلسفة الاحتكار السياسي والتبعية للناصرية .
* * * *
اغلب القوميين يرون إن جوهر الانحراف القاسمي هو ( الشعوبية ) أي معاداة القومية العربية . ولكن السيد محمد جميل بيهم رئيس المجمع العلمي اللبناني يؤكد على طابع (التبعية) في الحكم القاسمي ، او حسب تعبيره (الارتماء في أحضان موسكو ) . والسبب في هذا اللقاء بين قاسم وموسكو هو سحق العروبيين ، وان دليله على هذه التبعية هو الوفود المتبادلة بين البلدين وتزويد العراق بالسلاح والمساعدات الاقتصاديـة ( لتوهمها بان هذا القطر وقع في قبضتها ) . أما مصادره الموثوقة عن هذه التقديرات والأحكام فهي وزارة الخارجية البريطانية من جهة واقوال هاشم جواد بعد انقلاب شباط 1963. أما الاتفاقيات المكبلة للعراق في زعمه فهي الاتفاق الثقافي والاتفاقيات التجارية وعلى الأخص طبعاً اتفاق التعاون الاقتصادي والفني مع الاتحاد السوفييتي ، الذي أفسح المجال لاستخدام 200 أخصائي سوفيتي للعراق أو بكلمـة أخرى (200 عين من عيون موسكو ) . إن ما يثير المؤلف الأكاديمي المحترم هو( إن صادرات العراق للاتحاد السوفييتي تزايدت يوما بعد يوم حتى ان منظمات التجارة الخارجية السوفييتية اشترت 15% من صادرات العراق من التمور و20% من الصوف و70% من الجلد الخام ). ومعنى ذلك إن العراق الجمهوري ( تحول إلى موسكو من الناحية السياسية أيضا بعد أن كان العراق الملكي يضع كل اعتماده على لندن). أما دليله على هذه التبعية السياسية فهو ( إن أربعة من ممثلي الكتلة الشرقية دعوا للكلام في حفلة الاحتفال بوفاة الكندي بينما لم يكن الخطباء إلا واحد من الكتلة الغربية ). ولله في خلقه شؤون.
* * * *
السيد ياسين خليل يطرح نفسه (كمنظر) للحكم العسكري القائم في العراق ، وهذه بعض آرائه التي يتناسب بمستواها مع مستوى الحكم المذكور (الأيديولوجية العربية 1966). إن هدف ثورة تموز – حسب زعمه – هو (انضمام العراق إلى الجمهورية العربية المتحدة) ، وعليه فأن جوهر الانحراف في الثورة هو الامتناع عن ذلك . يدعي إن مخطط الحزب الشيوعي العراقي كان يستهدف (إقامة جمهورية شعبية شيوعية في العراق تكون نقطة انطلاق لاتحاد او وحدة البلدان العربية تحت ستار الشيوعية الدولية )، غير مدرك انه هنا يناقض نفسه فيما سبق ، إذ لو صح وهمه المذكور ، كان معناه إن الحزب الشيوعي لم يكن ضد ( الوحدة) بل ضد شكل ومضمون محددين للوحدة المطروحة . يدعي أن الدعوة ( للاتحاد الفيدرالي )(ماهي ألا نتيجة حتمية منتظرة لنظرة الشعوبية للأقطار العربية على أساس إنها كيانات مختلفة لا يمكن أن تتوحد في دولة واحدة )، والظاهر إن الأستاذ الجامعي يتوهم ان الاتحاد الفيدرالي لا يكون دولة واحدة . ينقد الرأي الذي (ينظر للمجتمع العربي على أساس طبقي تتصارع فيه الطبقات ) وعدم النظر ( إلى الأمة برباطها القومي )، متوهما وجود تناقض بين الإطار القومي والتركيب الطبقي للامة. واخيرا فهو يؤكد بان طرح شعار ( الأحزاب المتعددة ) يستهدف ( إثارة التناقضات الطبقية) ، متجاهلا بان التناقض هو محرك التطور ، وان تعدد الأحزاب يقتضيه بالضبط وجود التناقضات الاجتماعية .
* * * *
في ذروة الازمة النفطية التي أثارتها شركة نفط العراق في خريف 1966 ضد سوريا والعراق كجزء من مخطط استعماري مكشوف لقلب الأوضاع نهائيا في المنطقة العربية لصالح الثورة المضادة ، قام السيد محمود الدرة ( مع بعض الساسة الآخرين) بنشاط بارز ، سجل أحداثه الرئيسية فيما بعد في كتيب بعنوان ( آراء في مشاكل عراقية /1967)، نلخص فيما يلي بعض آرائه لدلالتها البالغة : يزعم السيد الدرة إن النفط هو(المورد الأساسي الوحيد الذي تبقى له بعد أن وجهت إلى اقتصاده القومي وصناعته النامية الضربة تلو الضربة ). يعترف بان شركات النفط تريد الضغط على العراق لاعادة بعض حقول النفط المنتزعة بموجب قانون رقم 80 ، ولكنه يؤكد على جانب آخر يسميه الجانب السياسي وهو ( إن ثمة صراعا دوليا لمحاولة السيطرة على العراق ). يزعم إن سوريا هي التي تسببت في وقف ضخ النفط العراقي ( لمنعها الشركات من شحن البواخر) من بانياس ، دون الإشارة إلى السبب الحقيقي وهو امتناع الشركات عن تنفيذ التشريـع السوري الجديد . يطلق على الوطنيـين الذين أيدوا الموقـف السوري ( الغوغائيين والوصوليين)، وعلى الذين أيدوا موقف الشركات ( الأحرار العراقيين). يتهم الحكومة باتخاذ موقف يتسم (بالتخاذل والخوف) ، ليس أمام الشركات طبعا، بل أمام الحكومة السورية . يتهم سوريا ( بالإضرار بمصالح العراق الحيوية ) وبتدبير (مؤامرة تريد السوء بالوطن والشعب ) ( وبالمساس بالسيادة الوطنية ). يكرر اعتقاده بوجود (مخطط دولي للقضاء على الكيان العراقي ) بوقف نفطه . يزعم انه من غير الممكن عمليا ( وضع سياسة نفطية موحدة) في المستقبل القريب ، وان ( الغرب يستطيع أن يستغني عن نفط العراق بدون مصاعب تذكر) وان ( الشيوعية الدولية) ترغب بقيام العرب بما يؤدي إلى إيقاف الإنتاج ليتسنى ( لكلا المعسكرين الوصول إلى أهدافهما السياسية في العراق )، وان فكرة بيع النفط إلى دول المعسكر الشرقي إنما هو ( تضليل من خبثاء على مغفلين). يتنصل من مسؤولية دعوته إلى ( التأميم ) وينكر هذه (التهمة) بتاتا .
وفي مقال كتبه السيد الدرة في صحيفة( المنار /18/2/1967) بعنوان ( لماذا نفط العراق ؟) سجل الآراء التالية: إن دعوة التأميم معناها التدليل بنفط العراق من قبل ماخوس والطريقي والاشتراكيين العرب و (خلفاء حبال السحل الحمراء) . يكرر كون (العراق هو الهدف الخطير الذي يتوخاه كلا الاستعمارين الشرقي والغربي). أما الهدف من ذلك فهو ( إفقار العراق بالقضاء على موارده خطوة بعد خطوة ومرحلـة بعد مرحلـة ) . يهاجم الإصلاح الزراعي ( وبعد سنة واحدة فقط من قيام الثورة صرنا نستورد … الخ )، وفكرة التأميم ( النفط هو الهدف الأخير الذي تركزت حوله جهود أعداء الشعب العراقي لكي يلحقوه بركبهم ، ولهذا السبب أعلنوا إن نفط العراق للعرب) . يزعم إن (المنطقة المطرية في شمال العراق هي وحدها التي خففت من تدمير جهاز البلاد الزراعي لان قانون الإصلاح الزراعي لم يدخلها بعد ) . يهاجم الدول الاشتراكيـة زاعما مثلا إن الصين ( باعت غطاءها الذهبي كله لتشتري لقمة عيشها ) . لم يتردد في نشر النص الكامل لبيان شركات النفط في كتيبه دعما لوجهة نظره . واخيرا يهيئ الجو لبداية معركة رجعية أخرى ضد مشروع سد الفرات السوري ، وقد بدأتها الرجعية العراقية والعربية فعلا ، كما يعلم الجميع .
* * * *
المحامي عبد الرزاق شبيب يتصدى اليوم لقيادة إحدى الكتل السياسية الاشتراكية في العراق ، فلا بد من الإشارة الى بعض مفاهيمه القيمة في هذا الموضوع الخطير ( الاشتراكية العربية /1963) : يهاجم الكاتب النظامين الرأسمالي والشيوعي معا باعتبارهما عدوين للامة العربية على صعيد واحد ، ثم ينتهي إلى هذا المفهوم للاشتراكية العربية التي يدعو أليها ( اشتراكية تقدمية عادلة ذات وجه عربي وضاح الملامح والقسمات ، تنبع من ضمير الشعب العربي ، غير مقتبسة من غرب ولا مستوردة من شرق ، نبتت مبادئها في رحاب الجزيرة العربية قبل الإسلام ثم تناولها الإسلام بالصقل والرعاية والتنفيذ ، هي حرة في تفكيرها واتجاهها وهدفها ، فهي من العرب والى العرب ) . إلا أن تفاصيل الكتاب نفسه يكذب زعم المؤلف بأنها غير مقتبسة من الغرب ، فهي في الحقيقة مسخ كاريكاتوري لبعض خطوط الاشتراكية الديمقراطية الغربية وخاصة الاتجاه الفابي ، من دون هضم واستيعاب . وأننا لنكتفي بهذه الفكرة ( الخلاقة) للكاتب ، حيث يرى إن الاشتراكية – كنظام اجتماعي واقتصادي – قد مرت في ثماني مراحل تاريخية وهي ( مرحلـة الرق ، مرحلة الإقطاع ، مرحلة الدولـة ، مرحلة الرأسمالية الحرة ، مرحلة الاشتراكيـة الإسلاميـة ، مرحلة الشركات الاحتكارية ، مرحلة الشيوعية ، مرحلة الاشتراكية الحديثة ) ، وهو يدعو طبعا للاشتراكية في آخر مراحلها واصفا إياها بأنها ( الاشتراكية الإسلامية المتطورة ).
إن موقفنا من الفكر القومي الجديد ، وهو يمثل من حيث الأساس فكر البرجوازية الصغيرة بمراتبها المختلفة ، موقف مختلف طبعا عن موقفنا من الفكر الرجعي بشكليه القديم والجديد . إننا إذ ندين الفكر الأخير ونعتبره في الطرف الآخر ( الإمبريالي ) من الصراع الاجتماعي ، ندرك الطبيعة الرجراجة المتناقضة ، الانتخابية ، البراغماتية ، الانتهازية ، التقدمية نسبيا ، للفكر القومي على العموم . إن المرحلة الحالية في البلاد العربية المتقدمة على الخصوص، تشهد انفجارا مدويا في عناصر الفكر القومي بسبب تقدم الثورة العربية إلى أمام ، وتضافر العوامل الموضوعية والذاتية لوضع حد للدور القيادي لقيادات البرجوازية الصغيرة رغم إصرارها على الاحتكار السياسي والقيادة الانفرادية . وهذا هو السبب الحقيقي لما يسمى ب (ازمة الثورة العربية ) وما هو في الحقيقة إلا ازمة ( القيادة البرجوازية الصغيرة ).
إننا في هذه المقدمة الموجزة لن نستعرض المنطلقات النظرية الخاطئة ، والتخريجات (الماركسية) المتعددة لهذا الفكر، كما إننا لن نشير إلى جوانبه الإيجابية المتعددة وخاصة الجوانب النقدية للفكر القومي التقليدي ( فتلك ستكون بعض موضوعات دراستنا المقبلة) ، ولكننا نكتفي باستعراض لبعض الأخطاء في تقييم ثورة تموز ، مما يتنافى في نظرنا حتى مع التحليلات النظرية لبعض الفئات القومية المتقدمة نفسها من الفكر القومي ، وتلتقي –للأسف- مع تقديرات الفكر الرجعي والوسطي المشبوه .
* * * *
في كتاب السيد ياسين الحافظ ( حول بعض قضايا الثورة القومية /1965)-وهو يضم دراسات على مستوى مختلف جدا من الجدية والعلم ولا يخلوا من بعض التناقضات الواضحة – بعض التحليلات النافعة ، ولكنه بسبب بعض مسلماته النظرية الخاطئة ، ينتهي إلى تقديرات ، هذه بعض الأمثلة عليها : ثورة تموز هي ( صدى مباشر وغير مباشر ) لولادة الجمهورية العربية المتحدة . نزول القوات الاستعمارية في لبنان والأردن كان (لمنع انضمام العراق للعربية المتحـدة ) على افتراض مزعوم هو ( وضوح إمكانية الانضمام ) عند نزول القوات المذكورة . يعترف بان ( اقتتال القوى التقدميـة المعاديـة للاستعمار ) هو الذي ( هيأ موضوعيا سبيل النجاح لمخططات الإمبرياليـة ) وان ( المسؤولية مشتركة يتحملها الطرفان) ولكنه لم يحدد مسؤولية القوميين . سبب جلاء القوات من لبنان والأردن ( في قمة المرحلة الكاستروية ) هو اطمئنان الاستعمار لعدم تأييد السوفييت لسلطة شيوعية في منطقة بترولية حاسمة ، مما يؤكد في نظره أن الغاية من نزول القوات كانت منع الوحدة ، بينما الصحيح والواضح إن خطر الثورة زال بزوال وحدة القوى الثورية ، مما يدل – عكس ما يقول المؤلف –على إن الخطر هو التحول الثوري وليس الوحدة الفورية . يرى إن انحرافات الحزب الشيوعي العراقي مزدوجة : ( يمينية) من جهة – دفاعه عن مصالح البرجوازية العراقية- و(إقليمية) من جهة أخرى- تنكره لعروبة العراق- بتدليل كلامه ( عن الطابع المتعدد القوميات للجمهورية العراقية). حجر الزاوية في استراتيجية الاستعمار ضد الثورة العربية هو (منع الوحدة ) ، في حين أن نفس تحليله يقضي إلى اعتبار ( الرجعية) هي حجر الزاوية، وليس التجزئة ( يخلط الكاتب هنا بين الإطار والقوى الاجتماعية ). وبالمناسبة ، ففيما يتعلق بموقف الاستعمار العامة ، والأمريكي خاصة ، من الحكم القاسمي والحكم الناصري ، يتضح من تحليلات السيد هيكل الأسبوعيـة ( الصحف العراقيـة الصادرة بتاريخ 28/4/1967) - وهو الخبير الناصري المطلع على بواطن الأمور – إن الخطر الأكبر في نظر الاستعمار المذكور لم يكن الخطر الناصري ، بل على العكس، خطر التحول الثوري الجذري في العراق . كذلك نجد أن المسلمات النظرية الخاطئة التي ينطلق منها السيد الياس مرقص في كتبه النظرية ، تنتهي به الى نتائج عملية بالغة الخطر على مستقبل الثورة العربية ، يلتقي فيها من حيث النتيجـة بآراء اليمين الرجعي في مسخ تاريخ العراق بعد تموز. وهذه بعض النماذج من هذه الآراء : ( تاريخ الأحزاب الشيوعيـة في الوطن العربي /1964 ). من منطلقات نظرية خاطئة لا تهمنا الآن ينتهي الكاتب إلى الأحكام التاليـة : تداعي الأحزاب الشيوعيـة في الوطن العربي قانون تاريخي ، وذلك لتبرير ( تصفيـة) هذه الأحزاب ، أي إلغاء الديمقراطية واقامة الدكتاتورية الفردية واتهام المعارضة بالخروج على الثورة أي الخيانـة – وكل ذلك باسم (الماركسية الحيـة) . هدف الحزب الشيوعي العراقي بعد ثورة تموز هو (( الوثوب للحكم)) . اتهام جميع الأحزاب التي تعترف بتعدد القوميات في العراق بمعاداة العروبة . التركيز على (شعوبية) قاسم كجوهر للانحراف . يفهم استراتيجية (الجبهة الوطنيـة) باليمينية والمنشفية، خالطا بين ( قوى الجبهة ) و ( قيادتها) . يفلسف (الاحتكار السياسي ) والدكتاتوريـة الطبقيـة ، بحجة ( وحدة المركز القيادي للثورة ). يهمل كفاح الشعب العراقي في تفجير ثورة تموز وينسبها الى العوامل الخارجية للثورة ، كالمد العربي والجيش. يمسخ شعار ( الاتحاد الفدرالي ) الذي أجمعت عليه القوى الديمقراطيـة ، ويعتبره معاديا للوحدة . ينسب ( الصراع والتمزق) بعد تموز الى الشيوعيين وحدهم ، متجاهلا ابسط حقائق التاريخ المعاش. يشوه بفضاعة دور الحكم القاسمي وينسب أليه عملية ( فصل سوريا عن مصر ) ويضعه بجانب الاستعمار ضد القومية العربية .
* * * *
في الندوة التي عقدها وفد ( الاتحاد الاشتراكي العربي )في العراق – الذي لم تتح له فرصة الحياة - ، وقد ضم في حينه أقطاب ما يعرف اليوم بمنظمة ( الحركة الاشتراكية العربية) في العراق ، أبدى أعضاء الوفد آراء في تقييم أحداث ما بعد ثورة تموز ، لا تكاد تختلف عن الخطوط العامة للفكر الرجعي اليميني في أسوأ أشكاله ، وهذه نماذج منها نذكرها دون ذكر الأسماء : غالبية الشعب العراقي تكره الحزبية كراهية شديدة ، جميع الأحزاب في العراق كان لها ارتباطات مع الاستعمار او الإقطاع او الرأسماليين ، الشيوعيون كانوا وطنيين حتى عام 1959 والبعثيون حتى عام 1962 ، موقف القوميات غير العربية في العراق يميل إلى تجريد العراق من عروبته ، الحزب الشيوعي العراقي يحاول هدم التأميم ، أجريت التاميمات في العراق قبل الوحدة حتى لا تتحمل تجربة الوحدة أخطاء التأميم المحتملة ،الاستعمار على استعداد لتسليم الحكم لأشخاص اشتراكيين بشرط أن لا يكونوا وحدويين ، نحن في العراق نهتم بالقضايا العربيـة قبل اهتمامنا بالقضايا العراقيـة ، الثورات الاجتماعيـة في التاريخ الإسلامي ( الزنج ، القرامطة … الخ ) تتنافى مع مبادئ الإسلام ، نحن نخشى الأخذ بالمفاهيم الحديثة للقومية وفي أصولنا القديمة ما يغني عن ذلك ، اسما كردستان وعراق العجم لم يظهرا إلا أخيرا ، لم تنشأ أية ثورة في الشمال بسبب قومي ، اتهام الحركة القومية الكردية بأنها من صنع الاستعمار او الروس او إيران وتركيا او الإقطاع او الرجعية او شركات البترول ، قضية الأكراد لا تحلها سوى الوحدة العربية ، لا يمكن إعطاء الأكراد اكثر من الحقوق الثقافية والاعمارية، الحكم اللا مركزي لا يحل المشكلة بل على العكس يفتح الباب لمطالب اكبر …الخ . ليت شعري ما هي الرابطة بين هذه الآراء وبين الاشتراكية او الوحدة العربية التقدمية ؟
وضع السيد هاشم علي محسن كراسا عن (تطور الحركة النقابية في العراق – الجزء الثاني/ 966) وبالرغم من ان هذا الكراس نموذج صارخ ( للانتخابية) ، لانه يضم أربعة اتجاهات وخطوط متناقضة :
الأول هو الخط ( الماركسي الجديد او العربي) كما يسمونه ، نقلا عن ياسين الحافظ حرفيا . والثاني هو الخط الناصري الذي يمثل أفكار البرجوازية الصغيرة او بعض فئاتها . والخط الثالث هو ( الجبهوي التقدمي) الذي عبرت عنه مذكرة السادة مصطفى علي وزملائه والمشار أليها لاحقا ( راجع نصها في مجلة دراسات عربية أكتوبر 966). واخيرا الخط اليميني الرجعي المناهض للثورة تماما ( خاصة في تحليله لطبيعة تموز واسباب انحرافها) والذي عبر عنه بفجاجة كراس خلدون الحصري المشار أليه سابقا وكتابات أمثال تحسين السوز (31) . أقول بالرغم من انتخابية الكتاب فانه ينتهي عمليا إلى إهمال الديمقراطية وتبرير الاحتكار السياسي والدعوة لتصفية الأحزاب الشيوعية خاصة .ومن ابرز أخطائه التقييمية لأحداث تموز ما يلي : يعتبر ثورة تموز ثورة ( قومية) بمعنى أنها ( استهدفت الالتحاق بالعربية المتحدة). الانحراف القاسمي انحراف ( شعوبي) أي معاد للعروبة . الحزب الشيوعي العراقي يتحمل (القسط الأكبر) من مسؤولية الانحراف ، وبذلك يكون قد خرج على مبادئ الجبهة الوطنية . الحزب الشيوعي كان واجهة وأداة بيد (الإمبريالية العالمية ) ضد القومية العربية ، وانه تابع يدور في فلك ( البرجوازية الإقليمية ) العراقية ، مخططة الانحراف القاسمي . شعار الاتحاد الفدرالي رفع للتضليل ومنع ( الاندماج ) بالعربيـة المتحدة . الحكم القاسمي هو حلف ثلاثي شعوبي ( لقاسم والشيوعيـين والحزب الوطني الديمقراطي ) . قانون الإصلاح الزراعي شرع لضرب (القوميين الوحدويين ) وليس الإقطاع ، وانه فشل بسبب جر الفلاحين لشعارات الشيوعيين(32) …الخ .
* * * *
كتيب السيد جميل كاظم المناف دراسة طويلة عن (قضايا المجتمع والثورة في العراق – الطليعة/ العدد السادس/ 966)، ونحن نستشهد بها كمثال للخلط الفكري وعدم استيعاب المبادئ الأولية للبحث العلمي. فبعد خلط غريب في أوليات المادية التاريخية وفي أوليات التاريخ الأوربي الحديث ( نشوء القومية الأوربية ، الحروب الصليبية ، الفكر الأوربي …الخ ) ، واضطراب في فهم ظروف نشأة الشعور القومي في البلدان العربية وفي فهم ابسط الحقائق عن تاريخ العراق والعرب ( الحكم المركزي ، الإقطاع الكبير ، أيديولوجية الطبقات الاجتماعية …الخ ) وابسط المفاهيم السياسية والاقتصادية ( إمبريالية ، كولونيالية..) ينتقل لتحليل ( ملامح المجتمع في العراق منذ الاستقلال الصوري حتى عام 1958)، وهنا يقع في تناقضات واحكام غريبة يظهر انه لم يفهم دلالتها بالمرة . فتارة يفهم منه بان النضال الوطني في العراق في هذه المرحلة كانت تقوده البرجوازية الصغيرة ، وأخرى يفهم منه إن القيادة كانت بيد الطبقة الوسطى ، وثالثة يفهم منه إن القيادة كانت بيد الضباط الوطنيين الملتفين حول الملك غازي والذين كانوا يمثلون ( الوجه القومي للعراق ) . وهنا وهناك ، وبين ركام هائل من الغموض والاضطراب والتناقض ، نجد آراء لا يكاد يصدقها العقل . مثلا إن معاهدة 930 هي التي أعطت حقوق استثمار البترول للإنكليز ، وان التناقضات داخل التحالف الإقطاعي الاستعماري هي التي أتاحت المجال لتسلل العناصر ( شبه البرجوازية ) داخل الأجهزة الحكومية ونمو الحركات المعادية المنحدرة من بقايا القوى التي تحالفت مع الشريف حسين . وان الكادر العسكري تحول بعد 1941 من البرجوازية الصغيرة إلى ( النبلاء والأرستقراطية) مما أدى إلى انحراف الجيش عن الأهداف الشعبية ، وانه بينما كان ( القوميون) يصارعون الإنكليز كان ( أبناء البرجوازية المتوسطة يتعاونون مع الإقطاع) و( البرجوازيون الصغار يتبادلون الولائم مع السفير البريطاني) ، وان حرب فلسطين كانت ( الحد الفاصل في تصدر البرجوازية الصغيرة للقيادات الحزبية والكفاح الوطني والقومي) ، وان فترة 1948-1958 شهدت اندحار (القيادات الليبرالية )، وان ( فترة حكم نور الدين محمود – الأيوبي- الجمالي هي نقطة التحول الحاسمة في عملية الانتقال مع الإقطاع إلى الرأسمالية النامية) (33) ، وان هذه الفترة اتفقت مع التوسع الشامل والنشيط للرأسمالية العالمية وبداية تحولها إلى الاحتكار الواسع الشامل … وهكذا.. أما عن الفترة الحالية التي تبدأ من ثورة تموز 1958 ، والتي يضع لها الكاتب عنوان ( مع الكفاح الوطني إلى الكفاح الاجتماعي )، فأن تحليله لها حافل بنفس الأحكام المبتسرة والتناقضات العجيبة : نجد هنا مثلا بان الجيش أصبحت تقوده الطبقة الوسطى ، وان الحركات والمنظمات السياسية كشفت عن خيانة البرجوازية الوطنية واستسلامها للحكومة ، وان بريطانيا كانت تفضل (الوحدة العربية الكاملة) بعد 941 لخلق دولة كبرى تحت الحماية البريطانية … الخ . وبعد الإشارة إلى (جبهة الاتحاد الوطني ) وتمزقها مع ثورة تموز ( حيث أخذت بعض الأحزاب طابعا إقليميا وأخرى طابعا قوميا) ، ونقد سريع للحزب الشيوعي والبعثي (34) ، ينتهي إلى مفهوم ( وحدة الثورة العربية ) دون مس المشاكل الأساسية لهذه الثورة (طبيعتها ، مراحلها ، استراتيجيتها ، قيادتها ، قواها ، القوى المضادة لها ، تناقضاتها.. الخ) ولكن كل هذه السلبيات في الدراسة لا يجوز أن تغطي العنصر الإيجابي البارز فيها ، وهو إدراك ضرورة ( وحدة اليسار العربي) وعدم استثناء أية قوى ثورية منه ( بما في ذلك الشيوعيين) ، وهو عنصر متقدم على أي حال بالنسبة للكثير من المنتسبين لما يسمونه ( بالمعسكر القومي).
* * * *
لقد قلنا بأننا نثمن الجانب النقدي من كتابات القوميين اليساريين ، وخاصة الفئات التي تقترب في مواقعها من مواقع الاشتراكية العلمية . أنى أود أن أشيد على سبيل المثال بالآراء التالية الواردة في كراس ( ازمة الثورة العربية /1966) (35) : وحدة 1958 لم تكن شعبية او ديمقراطية ، شعار الوحدة الفورية (36)يعبرعن إصرار البرجوازية (والبرجوازيـة الصغـيرة) على تثبيت مواقعها السياسيـة والاجتماعيـة ،(الاتحاد القومي) كان ذا مضمون رجعي ، المفهوم الناصري بالتنظيم السياسي مفهوم تبريري لدعم السلطة وتكريس التبعية لها ، المفهوم الناصري للوحدة ( مفهوم سكوني مصبوب في قالب واحد نموذجه القاهرة )، الوحدة الصحيحة لا يمكن أن تولد إلا على يد الجماهير وخاصة الطبقة العاملة ، إدانة الماركسيـة لا تخدم قضية الوحدة ، الأسلوب التآمري للوحدة اصبح مسدودا ، مؤتمرات القمة تكريس لتراجع الثورة العربيـة ، ( الاتحاد الاشتراكي) المصري ليس حزبا او حركة طليعية ، تتميز الناصرية باستمرار سيطرة اليمين والوسط للبرجوازية الصغيرة ، ازمة الثورة العربية في المشرق هي أساسا ازمة الناصرية ، وحدة الثورة العربية لا تعني وحدة المركز الثوري او القطري- المنطلق الوحيد للثورة ، شعار لقاء الثورات يقتضي وحدة القوى القطرية وإلا تحول إلى احتكار سياسي ، الاشتراكية تقتضي المشاركة السياسية للجماهير وهي تعني تبديلا في البنى التحتية والفوقية جميعا ، لابد من قيادة الطبقة العاملة في المرحلة الجديدة للثورة العربية لتجاوز الازمة التي هي أساسا ازمة القيادات البرجوازية الصغيرة ، ربط الثورة العربية بأبعادها الدولية شرط أولي لرسم إستراتيجية علمية ، أهمية ثورتي أكتوبر والصين ، تقييم صحيح لانقلابي رمضان وتشرين .. الخ .
ولكن مع ذلك ، لم يخل هذا الكراس من الوقوع في تناقض واضح مع منطلقاته النظرية وتحليلاته الصحيحة ، بتبني أمثال الآراء الخاطئة التاليـة : البرجوازيـة الصغيرة ما زالت مؤهلـة وقادرة على قيادة الثورة العربيـة في جانبها ( الوحدوي ) – لاسباب واضحـة البطلان خاصة في العراق – مع عجزها المعترف به عن قيادة الثورة في محتواها ( الاجتماعي الاشتراكي) ، الخلط في طبيعة الثورة العربيـة في مرحلتها الحالية ، والانتهاء إلى نتيجـة خياليـة هي ( ضرورة حرق المراحل ) ، والخلط بين قوى الثورة ومسألة القيادة في الموقف من البرجوازية الوطنية ، عدم اتخاذ موقف حاسم من أهم مسالة للثورة حاليا وهي مسألة (القيادة ) ، وترك قيادة الطبقة العاملة إلى مراحل لاحقة من تقدم الثورة .
* * * *
كذلك نجد نفس التناقض في دراسة السيد أياد سعيد ثابت ( حول ازمة الثورة الاشتراكية العربية – الكاتب ، يناير /1967)، حيث أدان أسلوب التبرير والدفاع والمهادنة الذي اتبعته الجمهورية العربية المتحدة أحيانا واتسام الثورة فيها بالانتهازية والانحراف بتأثير البيروقراطية أحيانا أخرى ، ولكنه انتهى – بشكل غير منطقي _ إلى الثقة والأيمان ( بالاتحاد الاشتراكي ) كحل لازمة البيروقراطية في مصر ، ثم توسيع التنظيم المذكور على نطاق الوطن العربي لتجاوز الازمة المصرية والعربية عامة .
كذلك نجد تناقضا ملحوظا بين الجانب النقدي الإيجابي من دراسة السيد وميض نظمي عن ( القومية وحركة الوحدة العربية – الكاتب ، آذار /1967) ، حيث يعلل انتكاسة وحدة 1958 بعجز الأحزاب القومية عن أدراك (طبقية الوحدة العربية وبنيتها الاجتماعية ) بحكم ( تكوينها البرجوازي الصغير وغموضها الفكري وترددها إزاء الاشتراكية العلمية ) وبين الاستنتاجات التبريرية الصرفة التي ينتهي أليها ، حيث ( يفترض) – دون دليل- على أن المؤسسات الناصرية تمثل فعلا ( تحالف الشعب العامل ) ، وتسلك ( سبيل الاشتراكية ) … الخ إلى أن يصل إلى الحل ( البلسمي) المعروف – ( الحركة العربية الواحدة ).
يظهر إن أغلبية الأخوان من القوميين الناصريين لم يستوعبوا بعد الدلالات العميقة لبعض الجوانب الإيجابية من الباب التاسع من الميثاق الناصري ، ولا التطورات الإيجابيـة اللاحقة في الفكر الناصري في هذا الصدد . يقول الميثاق ، على سبيل المثال إن الوحدة لا يمكن ، بل لا ينبغي أن تكون فرضا … وان القسر بأي وسيلة من الوسائل عمل مضاد للوحدة … وخطر على الوحدة الوطنية داخل كل شعب من الشعوب العربية … ومن ثم على وحدة الأمة العربية … ليست الوحدة العربية صورة دستورية واحدة لا مناص من تطبيقها ، لكن الوحدة العربية طريق طويل قد تتعدد عليه الأشكال والمراحل وصولا إلى الهدف الأخير … إن استعجال مراحل التطور نحو الوحدة يترك من خلفه – كما أثبتت التجارب – فجوات اقتصادية واجتماعية تستغلها العناصر المعادية للوحدة كي تطعنها من الخلف … إن الجمهورية العربية المتحدة لا بد لها أن تحرص على أن لا تصبح طرفا في المنازعات الحزبية المحلية في أي بلد عربي … الخ . وفي حديث الرئيس عبد الناصر إلى ممثلي مؤتمر المحامين العرب بتاريخ 8/3/1967 ، أكد على أهمية ( الظروف القطرية الخاصة ) لكل بلد عربي ، وعلى استحالـة ( الوحدة الاندماجية) ، وعلى أسلوب ( الجبهة) كمدخل لوحدة القوى الثورية ، وعلى أسبقية ( الوحدة القطرية ) على الوحدة القومية . ترى ألا تدعوا هذه النصوص والأفكار ( الجديدة ) إخواننا القوميين اليساريين إلى إعادة تقييم أحداث الماضي القريب وخاصة أحداث ما بعد تموز ؟
نكتفي بهذا القدر من نماذج الفكر القومي ، تاركين مناقشي المسألة تفصيلا – عبر عشرات النماذج الأخرى – إلى دراستنا القادمة .
* * * *
والآن بعد انتهائنا من استعراض التيارات الرئيسية في الفكر الرجعي السائد في العراق الآن وإدراكنا دوره الفعال وارتباطه العضوي وعكسه ، على السواء ، لمعركة الصراع الطبقي الكبرى القائمة على قدم وساق حول الموقف من الثورة الاجتماعية ، لابد من التأكيد على إن أي موقف سليم من هذه المعركة المصيرية التي يتوقف عليها مستقبل ثورة تموز ومستقبل الثورة العربية بوجه عام ، يتوقف على الموقف من ثلاثة قضايا عربية : الأولى تقييم الماضي القريب تقييما صحيحا باستيعاب كامل دروس الأحداث الكبرى منذ تموز حتى الآن ، والثانية تشخيص خصائص الوضع الاجتماعي والسياسي في المرحلة الراهنة ، والثالثة الإمساك بمفاتيح الحل للخروج من المأزق السياسي الحاضر ، ومتابعة مسيرة الثورة الى أمام . إن الدفاع الذي انشره اليوم يحاول تقييم العهد القاسمي بإيجابياته وسلبياته ، كما ان القضايا الأخرى سبق وان درست بشكل مركز في المذكرة التي قدمناها ( أنا وبعض الأخوان من ساسة العراق ) الى السيد رئيس الوزراء بتاريخ أيلول /1966 (37) . لقد لخصت المذكرة العبر الاساسية من أحداث تموز بالشكل التالي : ( لابد من تلخيص الحقائق الأساسية التي كشفت عنها جميع الأحداث التي أعقبت تموز حتى الآن . وهي حقائق تتفق في جملتها مع القوانين الاجتماعية التي أثبتت صحتها جميع التجارب الثورية الأخرى في العالم . ويشكل فهم هذه القوانين والحقائق واستيعابها والعمل بموجبها من قبل جميع القوى التقدمية ، نقطة البداية في السير في الطريق السليم لحل مشاكل ثورتنا وتحقيق أهدافها المعطلة حتى الآن .
1. الحقيقة الأولى هي ان المسألة الأساسية في الوضع العام في العراق ، أصبحت بعد نجاح ثورة تموز في دك النظام الملكي الاستعماري وإزالة قشرته السياسية ، هي المسألة الاجتماعية ، أي مسألة الثورة الاجتماعية التي نضجت مستلزماتها الموضوعية ، وتحولها الى محور الصراع الطبقي الاجتماعي ، وبالتالي ، السياسي ، بعد ان كان المحور المذكور قبل تموز يدور حول المسألة الوطنية . اما أهداف الثورة باختصار فهي : سلبيا ، القضاء على التبعية الاستعمارية والاستغلال الداخلي ، وإيجابيا ، خلق مجتمع انتقالي جديد يضع الأسس المادية وينضج الشروط الموضوعية والذاتية للانتقال الى المجتمع الاشتراكي .
2. الحقيقة الثانية هي ان موقف الطبقات المختلفة وقواها السياسية من الثورة ، هو وحده الذي يقرر طابعها التقدمي او الرجعي ، وان أي تصنيف آخر للقوى الاجتماعية والسياسية وفكرياتها المختلفة يتجاوز هذا الموقف الأساسي ويركز على جوانب سطحية او ثانوية من الصراع ، هو تصنيف مضر بالحركة الوطنية والتقدمية : مثلا تصنيف القوى السياسية الى قومية ولا قومية ، عسكرية ومدنية ، وحدوية وانفصالية ، او تقسيم الفكريات الى مادية وروحية ، نابعة من تربة الوطن او مستوردة … الخ .
3. الحقيقة الثالثة هي ان نضوج الظروف الموضوعية للثورة غير كاف لإنجازها ، فلا بد من توفر القوى الذاتية لذلك ، وما هذه القوى سوى الأحزاب والتنظيمات السياسية والمهنية والنقابية الممثلة للقوى الاجتماعية صاحبة المصلحة في الثورة .
4. الحقيقة الرابعة هي انه لا يمكن لأية فئة تقدمية وحدها ان تنجز مهام الثورة لتعدد الطبقات الثورية، ولاشك ان هذه الحقيقة هي أهم الحقائق التي تمخضت عنها أحداث ما بعد تموز ، ولذلك فان الشرط الجوهري لانجاح الثورة ، هو اتحاد جميع القوى التقدمية لتخطيط وإنجاز التحولات الثورية بحيث ان استبعاد أية قوة سياسية تقدمية بأية حجة من الحجج ، إنما هو انحراف عن الخط الثوري السليم .
5. الحقيقة الخامسة هي انه لابد من رسم (منهاج مشترك ) تتفق عليه جميع القوى التقدمية ، يركز على نقاط الالتقاء الجوهري المشتركة ، ويستبعد النقاط التفصيلية الخلافية ، على ان يعلن للشعب ويلتزم به ممثلوها السياسيون في الحكم .
6. الحقيقة الأخيرة هي ان الصيغة السياسيـة الوحيدة المناسبة لهذا الوضع الاجتماعي ، هي صيغة (الديمقراطيـة الموجهـة ) القائمة على إطلاق الحريات الكاملـة ، وخاصة الحزبيـة للقوى التقدميـة والتعايش السلمي بينها ، وتأليف (جبهة اتحاد تقدمي ) تنبثق عنها ( حكومة اتحاد تقدمي ) لممارسة السلطة باسمها ، لإنجاز مهام الثورة .
……) أما تشخيص المرحلة الحالية ، فتلخص المذكرة سماتها الاساسية بالشكل التالي : ( يجتاز الوضع الاجتماعي والسياسي في البلاد احدى نقاط تحوله المهمة ، ويتميز بالسمات التالية :
1. استفحال التناقضات الاجتماعية واشتداد حدة الصراع الطبقي وزيادة الاستقطاب في مواقف القوى الاجتماعية والسياسية من الثورة ، وحصول تغييرات جوهرية في مواقف بعض القوى منها ، مما يتطلب تشخيصا جديدا لهذه القوى وتقييما جديدا لمواقفها . ان الطبقات الرئيسية المرتبطة بشكل حاسم بالثورة في هذه المرحلة هي الطبقات المنتجة ( الفلاحين والعمال والبرجوازية الصغيرة ). اما الإقطاع والبرجوازية المرتبطة اقتصاديا بالاستعمار فتقف في الصف المعادي للثورة .وتحتل القوى الوسطية (البرجوازية الوسطى وبعض الفئات من البرجوازية الصغيرة الواقعة تحت نفوذها ) مراكز قلقة رجراجة قابلة للتحول السريع المنسجم مع وجهة تطور التحول الاجتماعي.
2. استشراء قوى الرجعية واستيعابها لعناصر جديدة من البرجوازية والبرجوازية الصغيرة كانت حتى الأمس القريب محسوبة على الثورة ، ولكنها انحازت الآن الى الرجعية بعد ان برزت المسألة الاجتماعية الى سطح الأحداث ، واصبح التحول الثوري يهدد مصالحها الاقتصادية ومراكزها الاجتماعية ، وبهذا اشتد خطر الرجعية وتعددت أساليبها وشعاراتها : وزادت قدرتها التضليلية وآثارها السلبية ، وأصبحت تتمتع ببعض الشعبية لتبنيها بعض مطالب الشعب ، وتسخيرها لأهدافها الخاصة ( مثلا : الازدهار الاقتصادي ، العودة الى الأوضاع الطبيعية ، إزالة العسكريين من الحكم ، الديمقراطية البرلمانية ، سيادة القانون .. الخ ) ، كما ان زحفها الى أعلى مراكز المسؤولية في جميع أجهزة الدولة سار خطوات خطرة حتى الآن.
3. زيادة التمزق في الصف التقدمي نتيجة الأهداف الدامية التي أعقبت 14 رمضان ، ونتيجة لسياسة الاحتكار السياسي التي أصبحت السياسة الرسمية العادية للدولة وفلسفتها مذهبيا وتغطيتها بشعارات تقدمية وشكلية .
4. طغيان السياسات الانحرافية نتيجة لغياب الديمقراطية ، وشيوع التكتلات على أساس طائفي او عنصري او إقليمي ، مما أدى الى استفحال التمييز السياسي والطائفي والديني والقومي بين المواطنين في جميع الميادين . كما ان الانقلابات العسكرية أصبحت الأسلوب المفضل ، بل الوحيد تقريبا ، لتغيير الحكومات .
5. تفاقم الوضع الاقتصادي والمعاشي ، واستشراء البطالة بنتيجة تردي الوضع السياسي وحرب الأشقاء في الشمال ، وعدم توفير الشروط الأولية لنجاح سياسة التخطيط والتأميم ، وموقف البرجوازية المعادي من كل ما يتصل بسياسة تموز ، مما كان ولا يزال يهيئ تربة خصبة جدا لعبور المؤامرات الاستعمارية والرجعية .
6. تعقد المسألة الكردية بنتيجة الإصرار على تجاهل طبيعتها القومية السياسية ، والوهم بإمكان حلها بالقوة المجردة ، وتجاهل صلتها العضوية بالمسألة الديمقراطية العامة .
7. استفحال المؤامرات الاستعمارية في المنطقة العربية والشرق الأوسط وتنسيق النشاطات المضادة للثورة للرجعيات العربية ، لتنفيذ مخططات الاستعمار والصهيونية في المنطقة .
….) وانتهت المذكرة من هذا التقييم للماضي ، والتحليل للحاضر ، الى طرح الحلول التالية للمستقبل :(ان أي حل جدي للمشكلة الاجتماعية وانعكاساتها السياسية ، يجب ان يتضمن ، في نظرنا النقاط والخطوات الأربع التالية :
1. المبادرة بطرح ( منهاج مشترك ) يكون مقياسا لتقييم القوى السياسية المختلفة وتحديد طابعها التقدمي او الرجعي .
2. تأليف جبهة اتحاد تقدمي من القوى السياسية التي تلتزم بالمنهاج ، كحد أدنى مرحلي للتحول الاجتماعي .
3. تأليف (حكومة مؤقتة ) لانجاز المهام الاولية الممهدة للانتقال الى الوضع الدستوري الطبيعي .
4. ( حكومة اتحاد تقدمي ) تنبثق عن الجبهة للاضطلاع بمهام التحول الثوري .
…)وبعد تلخيص المذكرة ل (المنهاج المشترك) وطرحه على القوى السياسية التقدمية للدراسة ، اعتبرت ( الحلقة المركزية) في السلسلة كلها ، هي مسألة نظام الحكم ، أي المسألة الديمقراطية . ( إن ما يجب تركيز الأنظار عليه هو إن المدخل الوحيد لحل جميع مشاكل البلاد كان وما يزال مسألة نظام الحكم ، أي مسالة الديمقراطية ، وبدون حلها على النحو الصحيح لا يمكن الخروج من دوامة الانقلابات ، وكسر الحلقة المفرغة التي تدور فيها الحياة السياسية على نفسها منذ تموز حتى الآن . إن صيغة ( جبهة الاتحاد التقدمي ) بالأسلوب الذي اقترحناه هي أنسب صيغة ملائمة لوضعنا السياسي الراهن . ولكن في حالة عدم قبول فكرة الجبهة وإصرار الفئات الأخرى على أي من صيغ الاحتكار السياسي ، لابد من الرجوع إلى رأي الشعب ضمن إطار الديمقراطية الموجهة ، بعد إزالة الأوضاع الاستثنائيـة على الفور بإطلاق الحريات الحزبيـة واعلان الدستور الدائم وأجراء الانتخابات العامـة ، ليقرر الشعب ، صاحب السيادة ، بإرادته الحرة ، ماهية القوى التقدمية الجديرة بتحقيق أمانيه وآماله . أننا واثقون إن جماهير الشعب تزداد إدراكا وحدسا لهذه الحقيقة الأساسية ، وأملنا إن تكون القوى التقدمية الأخرى على مستوى الأحداث ، فتتجاوز نظراتها الضيقة ، وتوسع من افقها التاريخي ، وتتطهر من السخائم والأحقاد ، فتتحد في جبهة ثورية متماسكة لمواصلة إنجاز الأهداف الكبرى لثورة تموز المجيــدة . )



الهوامش
(1) خلدون الحصري : ( مقدمة في تاريخ العراق الحديث ) – دراسات عربية – نيسان /1967.
(2) أدرك بعض الكتاب الأجانب التعارض بين المرحلتين : مرحلة الصعود الثوري ، ومرحلة الانتكاسة . وقد أطلق أحدهم على المرحلـة الأولى (المرحلة الكاسترويـة) ، وعلى الثانية (المرحلة المكسيكيـة) ، وجعل إعفائي من الحكم (16 شباط 960 ) الحد الفاصل بين المرحلتين . راجع كتاب بيير روسي ( عراق الانتفاضات ، باريس / 1962 ، بالفرنسية ) .
(3) خلدون الحصري : (ثورة 14 تموز وحقيقة الشيوعيين في العراق /1963) .
(4) هاشم علي محسن : ( تطور الحركة النقابية في العراق – الجزء الثاني / 1966) .
(5) عبد الكريم احمد : (أضواء على تجربة الوحدة /1962).
(6) محمود الدرة : ( ثورة الموصل بعد سبع سنوات –دراسات عربية – نيسان /1967).
(7) يفسر بعض الجامعيين العراقيين النكسة الاقتصادية في المرحلة الثانية بأسباب تابعة وليست أصلية ، مع إهمال السبب الأصلي وهو دور الرجعية وقوى الردة ، مع إعطاء أوصاف تضليلية لبعض اوجه السياسة الاقتصادية للمرحلة الأولى ، كوصف سياسة الاستيراد الموجه بالسياسـة التقشفية ، بدون تركيز الانظار على التركيب الحسي للسياسة المذكورة ( مواد إنتاج ، مواد استهلاك جماهيري ، مواد استهلاك ترفي …الخ ) وتبرير الردة الاقتصادية المتمثلة بإطلاق سياسة الاستيراد في المرحلة الثانية . انظر مثلا مقالة محمد علي الاطرقجي ( التوسع الاقتصادي لصناعة النفط في العراق ، مجلة الاقتصادي ، آب /1966 ، القسم الإنكليزي ، الفقرة الثالثة من النتائج) . وكذلك مقالة جان ارنست ( توزيع حجم الاستثمار على سنوات الخطـة – الاقتصادي ، مايس/ 1965).
(8) راجع الوثائق الواردة في كراس محمود الدرة (آراء في مشاكل عراقية / 1967).
(9) راجع رأي منعم السيد علي : الاشتراكية هي مجرد ( تأميم وسائل الإنتاج ) ، ورأي كاظم عبد الحميد : إنها ( ملكية الدولة لوسائل الإنتاج الاحتكارية ) – مجلة الصناعي ، آذار / 1964 .
(10) من هذا الرأي ، عبد العال الصكبان ، في مقالـه : ( العلاقـة بين الاشتراكيـة والتنمية الاقتصاديـة مجلة الاقتصادي ، آب/ 1966) ، حيث يؤكد على المضمون الاقتصادي للاشتراكيـة والمضمون التكنولوجي للتنميـة ، دون التركيز على الجوهر الطبقي ( سيطرة الطبقات المنتجـة ، تعديل البنى التحتيـة والفوقيـة جميعا … الخ ).
(11) هذا هو تعبير عبد الحسين العطية الذي يدعو لفكرة المشاريع المختلطـة ، واعادة المؤسسات المؤممـة إلى ( القطاع المختلط) – راجع صحيفة ( صوت العرب – 17/4/1967).
(12) شعار عبد الرحمن البزاز ، الذي لا يحتاج إلى أي تعليق .
(13) تعبير خالد الشاوي الذي يدعوا من هذا النوع من الاشتراكية ( الذي لا يرمي إلى نزع وسائل الإنتاج من يد أصحابها كما تفعل الاشتراكية الماركسية بل يكتفي بالدعوة لتحقيق العدالة الاجتماعية ). راجع مجلة الاقتصادي ، آذار / 1964.
(14) التعبير ل احمد الدجيلي الذي يرفض جميع الاشتراكيـات ( التي لا تضرب بجذورها في أعماق مجتمعنا العربي) ، ويرفع نفس الشعار ، الصحافي الطائفي صدر الدين شرف الدين في مقاله ( الاشتراكية والإسلام ، صحيفة الأمل الأسبوعية 5/5/1967).
(15) رفعت جريدة (البلد ، 3/4/1967) هذا الشعار باعتباره نقطة البدء في تصحيح الأوضاع السياسية بينما أثبتت أحداث ما بعد تموز إن السبب الأساسي للانحراف هو انفجار الصراع الطبقي بين (التموزيين) أنفسهم بسبب تناقض مواقفهم من الثورة الاجتماعية .
(16) ترفع غالبية القوى الوسطية ، عربية وكردية بما فيها القوى الديمقراطية التقليدية ، هذا الشعار وأشباهه في دعوة لتجميع قوى الوسط وفرض (التعاون ) صراحة او ضمنا مع الحكم العسكري القائم في العراق على أساس ( اقتراب أهدافها من أهدافه ومبادئه).
(17) راجع عبد اللطيف الشواف : ( حول قضية النفط في العراق /1967).
(18) انظر ( أبحاث ووقائع مؤتمر الاقتصاديين العرب الأول /1965).
(19) وخاصة تصريحات غانم العقيلي وعبد الله إسماعيل (المنار ، 19/1/1967) في الدفاع المكشوف عن سياسة الشركات أثناء تأزم المسألة النفطية ، وكذلك تصريحات عبد العزيز الوتاري ، المسؤول الأول عن مشروع اتفاقية 1965 ( صحيفة العرب ، 1/4/1967).
(20) راجع مقال (شركة النفط الوطنية ) في صحيفة (الاشتراكي، نيسان/1967).
(21) هذا هو رأي خالد الشاوي ، أحد وزراء الحكم الحالي ، في مجلة ( الصناعي ، آذار /1964).
(22) راجع تقرير (أبو ربيع ) عن هذه المزارع والجو العدائي المحيط بها ، في صحيفة ( الثورة العربية، 17/4/1967 ).
(23) راجع دفاعا مكشوفا عن هذا الرأي في دراسة خالد تحسين علي : ( سبل الإنتاج الزراعـي ، صحيفـة المنار ، 5/2/1967)،حيث يؤكد على ضرورة ( إعطاء ضمانات للمستثمرين الأجانب بإزالة الارتباكات التي نتجت عن تطبيق قانون الإصلاح الزراعي ، وضمان الأمن وسيطرة القانون ).
(24) دافع عن هذا الرأي بحماس عبد الرزاق الربيعي في مقالته عن ( رؤوس الأموال الأجنبية ، مجلة الاقتصادي ، آب وأيلول /1962) باعتبار إن هذه المؤسسات الاستشارية المشبوهة تعكس ( تحسن الضمير العالمي في مضمار الإنماء ) وبحجة (القضاء على الازدواج السلوكي الذي يطبع تصرفات العهود المندثرة )، وهو يقصد طبعا إدانة السياسة الاقتصادية التحررية لثورة تموز .
(25) يروج اقتصاديو العهد الحالي ، وهم نفس اقتصاديي العهد الملكي ، بشدة لفكرة أولوية الزراعة على الصناعة ، وطرح الزراعة كبديل عن الصناعة او كمرحلة يجب أن تسبق المرحلة الصناعية ، بدون أدراك الطابع الجدلي والحركي لعملية النمو الاقتصادي ( الوحدة ، الترابط ، التوازن ، الآثار التراكمية … الخ لقطاعات الاقتصاد ) – راجع على سبيل المثال عبد الوهاب الأمين ( دور الزراعة في التنمية الاقتصادية ، مجلة الاقتصادي ، آب /1965 ، القسم الإنكليزي) ومقالة عبد الوهاب الداهري : ( الملابسات في السياسة الزراعية ، مجلة الاقتصادي ، مايس/ 1966).
(26) إن هذه الظاهرة ، ظاهرة عزل التكنولوجيا عن إطارها الاجتماعي ، تميز اكثر كتابات الجامعيين هذه الأيام ، وان كان بعضهم يصدر في ذلك عن حسن نية فيما يبدو ، مثال ذلك دراسة محمد عبد السعيدي : (تنسيق البحوث الزراعية في العراق ، صحيفة العرب ، 8/4/967). وقليل منهم من أدرك الشروط الاجتماعية والسياسية للتنمية ، مثلا دراسة محمد سعيد الخياط عن ( مميزات الإنتاج الحيواني في العراق ، صحيفة المنار ، 24/2/1967).
(27) مهدي حسن زويلف : ( مكانة العامل والدولة في العلاقات الصناعية – الاقتصادي ، آب وأيلول / 1965).
(28) من مذكرة حسين جميل وفائق السامرائي ومحمود الدرة الى السيد رئيس الجمهورية بتاريخ كانون الثاني /1967.
(29) راجع صحيفة الاشتراكي ، نيسان /1967.
(30) كشفت (مذكرات) ساطع الحصري ( الجزء الأول /1967) عن آراء شوفينية (موقفه من التعليم في كركوك ) وطائفية ( موقفه المتحامل من الوطني الكبير الشيخ رضا الشبيبي ) وتساومية مع الإنكليز والبلاط الملكي ( مواقفه من الملك فيصل الأول على الخصوص ). راجع كذلك الكتاب النقدي الممتاز الذي كرسه الياس مرقص للفكر القومي اليميني المثالي لساطع الحصري ( نقد الفكر القومي – ساطع الحصري ، 1967).
(31) راجع عن تاريخ جماعة الأهالي كتاب فاضل حسين : ( تاريخ الحزب الوطني الديمقراطي /963).
(32) تحسين السوز: ( لماذا ترفض الجماهير الحزب الشيوعي العراقي ، صحيفة الثورة العربية ، عدد 12/4/1967).
(33) راجع كتعبير مركز عن مجموع أفكار (الردة ) في الإصلاح الزراعي ، تشريعا وتطبيقا ، نقدا للماضي ورصدا للمستقبل ، دراسة يوسف جواد المعمار ( من مشاكل الإصلاح الزراعي في العراق ، الاقتصاد نيسان/1967) ، والشعار الرئيسي –كالمعتاد- شعار (معاداة الشيوعية).
(34) في دراسة أخرى عن مشاكل التقدم الاقتصادي ، جريدة الثورة العربية ، 21/3/967)يرى السيد مناف ( بان فترة الأربعينيات والخمسينيات هي فترة تحول العراق من الاقتصاد شبه الإقطاعي إلى الاقتصاد شبه البرجوازي) .
(35) في دراسته عن ( مشكلة الأرض والإصلاح الزراعي في لعراق ، الثورة العربية ، 16/4/967)، يعرض الكاتب ضمنا بالحزب الشيوعي ويجعله مسؤولا عن النكسة في تطبيق قانون الاصلاح الزراعي حيث يرجعها إلى ( الطفولة السياسية ) التي أعقبت ثورة تموز و ( الكسب الدعائي الكمي الذي أضاع النوعيـة على الفلاحين ).
(36) يؤيد هذا الرأي الكثير من خبراء الشرق الأوسط الأجانب ، مثال ذلك ( جورج كيرك : السياسة العربية المعاصرة ، 1961 ، بالإنكليزيـة ) حيث يرى (إن فكرة القاهرة عن الوحـدة هي الفكرة المركزيـة الدكتاتوريـة ، وقد عارضتها الفكرة العراقية الأكثر تحررية وديمقراطية ، والتي كانت تلتف حولها الطبقة المثقفة اليسارية ).
(37) مذكرة السادة مصطفى علي وجماعته (دراسات عربية ، عدد أكتوبر ، 1966) .

بغداد

سلام كبة / مهندس استشاري في الطاقة الكهربائية وباحث وصحفي وكاتب .





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,327,839,976
- المجتمع المدني في كردستان العراق
- كردستان العراق والمجتمع المدني الحديث
- كردستان العراق والمجتمع المدني الحديث
- الشبيبة العراقية …ما لها وما عليها !
- آليات العقلنة واللاعقلنة في المنظمات غير الحكومية


المزيد.....




- سلخت وقتلت بأبشع الطرق.. حيتان تسيطر من جديد على جزيرة نائية ...
- رئيس الوزراء الفرنسي السابق فيون وزوجته أمام القضاء مجددا في ...
- ليبيا: قوات حكومة السراج تدفع قوات حفتر للتراجع في جنوب طراب ...
- أبعاد الخلفية بمقابلة الحوثي تثير تساؤلات إن كانت -مفبركة-.. ...
- مراسلتنا: مقتل شخص وإصابة 5 آخرين نتيجة انفجار في منطقة نهر ...
- زوبيدة عسول ليورونيوز: "سقوط عبد القادر بن صالح وشيك وا ...
- زوبيدة عسول ليورونيوز: "سقوط عبد القادر بن صالح وشيك وا ...
- الجزائر.. بن صالح يقيل مدير شركة سوناطراك للطاقة
- بعد مشاورات مع البرهان.. واشنطن تدعو لسرعة تشكيل حكومة مدنية ...
- ظريف ينتقد السعودية على الإعدامات الأخيرة بحق مواطنيها


المزيد.....

- 14 تموز والتشكيلة الاجتماعية العراقية / لطفي حاتم
- المعوقات الاقتصادية لبناء الدولة المدنية الديمقراطية / بسمة كاظم
- الدين، الدولة المدنية، والديمقراطية / ثامر الصفار
- قراءات في ذاكرة عزيز محمد السكرتير السابق للحزب الشيوعي العر ... / عزيز محمد
- رؤية الحزب لمشروع التغيير .. نحو دولة مدنية ديمقراطية اتحادي ... / الحزب الشيوعي العراقي
- نقاش مفتوح حول اللبرالية واللبرالية الجديدة وواقع العراق؟ ال ... / كاظم حبيب
- مبادرة «التغيير نحو الإصلاح الشامل» في العراق / اللجنة التحضيرية للمبادرة
- القبائل العربية وتطور العراق / عصمت موجد الشعلان
- تحليل الواقع السياسي والإجتماعي والثقافي في العراق ضمن إطار ... / كامل كاظم العضاض
- الأزمة العراقية الراهنة: الطائفية، الأقاليم، الدولة / عبد الحسين شعبان


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - سلام ابراهيم عطوف كبة - ابراهيم كبة غني عن التعريف