أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - منتهى عبد جاسم - سيكولوجية الدين عند وليم جيمس















المزيد.....


سيكولوجية الدين عند وليم جيمس


منتهى عبد جاسم
الحوار المتمدن-العدد: 3352 - 2011 / 5 / 1 - 19:38
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


قد تكون مقولة موريس بلوندل (( ليس هناك ملحدون بمعنى الكلمة )) مدخلاً ملائماً لفهم وتحليل أهمية فكرة الدين عند جيمس ، فلم يكن الدين عنده كموضوع بحث في ذاته ، ولكن في أثار الانفعال الديني ، وهل هذه الأثار حسنة تحقق الأمل ؟ وهل يمكن الحصول عليه بطريقة أخرى ؟ وهكذا كان بحث جيمس في الدين قائم على أساس سيكولوجي وليس على أساس ميتا فيزيقي .
النقطة الأساسية في فلسفة جيمس الدينية هي حق الاعتقاد لكل شخص ، ويعد الاعتقاد هوالأيمان بشيء يمكن الشك فيه من ناحية نظرية اوهو الرغبة في العمل فالاعتقاد هو الاستعداد والتأهب للعمل ( ).
فهو يرى أن الاعتقاد بداية كل موقف فلسفي وغير فلسفي وليس الإقناع والعقل فأنه يرى أن طريق العقل أما أن ينتهي إلى الشك وأما إلى الفلسفة الواحدة أو المطلقة وكلاهما لا يلاءم الحياة الدينية .
وهكذا قد شعر جيمس بأن الدين في مأزق حرج فأما أن نقول مع أصحاب المذهب العقلي والمذهب المطلق بأقوالهم البرهانية ولا جدوى فيها في سلوك الأفراد في أن الذهن ليس كل الطبيعة الإنسانية وإنما أيضاً يصاحبه الوجدان والإرادة وأما أن نخلص للعلوم التجريبية وبهذا سنبطل الدين وسنعني فقط بالوقائع .
وبما أن الدين عند جيمس يعتمد على الأيمان بعالم غير منظور وأن العقل عاجز على المبرهنة على وجودهم ولكن عجز العقل لا يبرر رفض هذا الوجود لأن ما يحقق وجود هذا العالم الخفي هو الوجدان والغريزة وليس العقل ( )
وهذا يتفق مع قول كانط في كتابة ( نقد القل الخالص ) بأن العقل البشري عاجز عن أنتاج حقيقة في ما وراء عالم الحس منتهي إلى الاستحالة الفعلية لتأسيس معرفي ميتا فيزيقي .

وبما أن هناك أفكار لا يمكن الحكم عليها بأنها صحيحة أو كاذبة أي أنها لا تدخل ضمن دائرة المحسوس والمعقول فما العمل إزائها ؟
يرى جيمس أنه في مثل هذه الحالات نأخذ بأنفع الفروض ويكون النفع هنا بعينه صدق الفرض الذي أخذنا ، وعليه فالاعتقاد بالصواب في مثل هذه الحالة قد خلق الصواب فعلاً . وعليه فالاعتقاد سيكون في الحالات التي لا تحسم فيها الشواهد ، وإنما يتوقف على أرادة الإنسان المعتقد .
أذن معالجة جيمس بالمسألة الدينية تقتضي الأبتداء أولاً برؤيته إلى الاعتقاد أو أرادة الإعتقاد .
1ـ أرادة الاعتقاد :
يتفق البراجماتيون على أن الجملة لا تكون ذات معنى ألا بمقدار ما لها من نتائج عملية تقع في خبراتنا البشرية ، لكن جيمس يستطرد بالنظرية آذ يجعل أن جملة مثل ( الله موجود) ذات معنى ويوضح ذلك بقوله : أن وجود الله يستحيل بالطبع أثباته أذا احتكمنا إلى خبرتنا العملية لأننا لا نراه أو نسمعه ولا نمسه ، وإذا فلا يجوز أن يكون ذلك طريق أثباته ، ومع ذلك فهناك طريق غير مباشر إلى أثبات ذلك إذا رجعنا في ذلك لا إلى النتائج الحسية المباشرة بل إلى النتائج العامة التي تحدث في وجهة نظر المؤمن بصدقها فالذي يؤمن بأن الله موجود يختلف شعوره في حياته كمن لا يؤمن بذلك فتراه مثلاً متفائلاً قوي الرجاء وبالتالي هو مستبشر بحياته فرح مطمئن ، على خلاف زميله المنكر آذ يغلب أن يكون هذا متشائماً مقبض النفس معدوم الرجاء والأمل وهذا الاختلاف في وجهة النظر كاف وحده أن يجعل الجملة معنى لما لها من نتائج ( ).


وبهذا فأن الاعتقاد سيكون عاملاً لتحقيق ما نؤمن أو نريد والاعتقاد يساعد على تحقيق ما نريد كون العقل ليس مجرد بل هو محكوم بالرغبة أنه يختار فمن حقنا أن نعتقد في شيء ما يتخطى حدود ما هو معروف فالأيمان يحقق نفسه بنفسه .
أذن مصدر تثبيت العقيدة الدينية هو الوجدان والرغبة وليس الذهن لآن مجال الاعتقاد لا يستلزم برهاناً ولا دليلاً فكل إنسان حر في صياغة أرائه الخاصة .
وعليه يرى جيمس أن جوهر الأيمان ليس العاطفة أو العقل بل الإرادة فأننا في مجال الدين لا نحتاج إلى الأدلة واليقين العقلي بل إلى الإرادة .( ).
وبالتالي ليس هناك لاهوت عقلي ، لأنه يرى أن الصحة العقلية أمر شاذ بالنسبة للدين ، بأعتبار أن الدين شيئاً فوق العقلي آذ لم يكن فوق الطبيعي ، لذلك قال بالنزعة ( الفوق الطبيعية )( ).
لذلك رفض القبول بالأديان السماوية الثلاث ومن جميع الحجج العقلية التي قدمها لاهوتيوا الأديان لإثبات عقائدهم ومنها وجود الله وكل ما قدمته الفلسفات المثالية لإثبات عالم روحي ، فما يهم جيمس هو الديانة الشخصية.وبالتالي رفض أمكانية جعل الدين كلياً ، لأنه يرى أن الأنسان حر بصياغة أرائه الخاصة .
فأذن معالجة جيمس لأشكالية الدين ترتكز عنده على رؤيته بطبيعة الاعتقاد أو أرادة الاعتقاد .


2ـ موقف جيمس في العاطفة :
ينكر جيمس أن يكون جوهر الأيمان العاطفة لأنه يرى بأن لا وجود لعاطفة يقال لها عاطفة دينية ، بل لا يوجد أساس لافتراض وجود انفعال ديني مجرد أنما نجد مخزونات من الانفعالات ، فهو ينظر إلى الانفعالات الدينية على أنها مجرد أمور نفسية لها وجودها وتتميز عن بقية الانفعالات المحسوسة الأخرى وهي جميعاً حالات محسوسة للعقل قائمة على وجدان أولي متميز بذاته قائم لكل خبرة دينية بلا استثناء وكي يبدو أنه ليس هناك انفعال ديني أولي وإنما خزين عام من الانفعالات قد تستدعيها موضوعات دينية لأننا لا نتصور أمكان وجود أثبات سلوك ديني أولي معين يضاف أليه موضوع معين ولكن الأساس لافتراض وجود انفعال بسيط كوجدان عقلي مثل ( الحب الديني أو الخوف الديني وغيرها) .
وبالتالي ليس هناك سوى وجدانات ترتبط بموضوعات دينية ارتباطا وشعوراً بعالم غير منظور ليس حتماً أن يكون الهاً ، بل لايمكن أن نسمي شخصاً متديناً دون أن يكون معتقد بوجود أله .
فالدين عند جيمس هو الاعتقاد بعالم غير منظور وان خيرنا الأسمى كائن في أيجاد تلائم بيننا وبين ذلك العالم، وما يدلنا في وجود ذلك العالم هي التجارب الدينية والصوفية والنفسية ، وعليه فأن جيمس يقدم لنا تحليلاً سيكولوجيا يرفض على أساسه أن يكون جوهر الأيمان العاطفة والعقل بل الإرادة وهو ما نحتاج أليه ( ) .




3ـ نظرية الشعور :
عرفنا فيما سبق أن علم النفس الجيمسي جوهرة أرادة الاعتقاد ،فهو ينهي بحثه على أساس أن الدماغ مرن ووجد ليوجه والواضح أن الشعور وجد ليوجه ويميز ، وبالتالي الدماغ والشعور يجب أن يعملا معاً أذن هناك تفاعل ما بين الدماغ والشعور ولكنه في علم النفس رفض وجود هذا التفاعل كمسألة علمية وأحال إلى القسم الميتا فيزيقي ( ).
وقد قدم جيمس تحليلاً لطبيعة الشعور فالشعور حسب وصف جيمس (مقاتل من أجل غايات ) أو هو تيار كشيء مستمر ترتبط أجزاءه في ما بينها ارتباطا عضوياً ومن المتوقع بعد هذا منه أن يؤدي وضيفته كعضو لكن حين حاول أن يجعل هذا النشاط العقلي المتحد صالحاً لعالم مادي عناصره ذرية وعلاقاته خارجية رأى أن مهمته ميؤس منها لأن الوقائع الوحيدة طبقاً لفلسفة الأجسام أو الفلسفة الآلية هي أن الجزيئات المنفصلة أو الخلايا التي تجمع في المخ وهم من الأوهام ومثل هذا الوهم لا يمكن أن يكون من الزاوية الموضوعية بمثابة نسخة مطابقة لآية حالة نفسية ، لأن الواقعة المادة الخالصة هي وحدها التي يمكن أن تنتهي في مثل هذا الدور .
ولكن الواقعة الجزئية هي الواقعة المادية الوحيدة الخالصة ويترتب على ذلك أنه يبدو أننا أذا كان علينا أن نحصل على قانون نفساني مادي مبدئي ان نرتد إلى الوراء إلى شيء معين قبيل النظرية الخاصة بالذهن أذ أن الواقعة الجزئية من حيث هي عنصر من عناصر المخ التي تبدو مطابقة لا لمجموع الأفكار، بل لعناصر الفكر ( ).
أن جيمس يرى أن كل معارفنا تبدأ من ميدان الشعور وليس كما كان يعتقد جون لوك عدد معين من العناصر التي هي أحساسات وصور وأفكار والتي يجب أن نفرض بينها علاقات خارجية حتى نتمثلها حقيقة متميزة متعالية ( ) .
وهكذا فأن الثورة التي ظهرت في علم النفس اعتبرت أن المعطي لكل معارفنا هو ما يسمى بميدان الشعور وتعني حالة الشعور الكلية في وقت من الأوقات عند شخص مفكر وأن الخاصية المميزة لهذا المعطي الجديد أنه بدلاً أن يكون محدوداً المعالم يصبح له امتداد لا يمكن تحديد نهايته بالضبط ذلك أن حالة الشعور تتركب في بؤرة هامشها يزيد أو يقل في التحديد وهذا الهامش يتعلق بطريقة مستمرة بمنطقة ثالثة لا يمكن بأي درجة قياسها لا من حيث الامتداد أو العمق ولا يدركها شعورنا ولا حتى إدراكا غامضاً مما هو معطى حقاً وهو البداية الصحيحة لكل نظر وعمل .
فليس المجموع المتوهم لحالات شعورنا ، بل هذا الميدان غير المحدود الذي لا تكون فيه بؤرة المعرفة والواضحة إلا نقطة تتعدل على الدوام بما لها من علاقات مع الأوساط المرتبطة بها وهذه البؤرة شديدة التعقيد ولا ترد إلى عدد محدود من العناصر التصورية فهذه هي المعطيات الأولية التي بها يباشر ذهن الإنسان نشاطه.
والسؤال هنا ما دور هذه المعطيات الأولية في التجربة الدينية ؟
4ـ التجربة الدينية :
أن نقطة البداية في الدين هو المحسوس ، أي الواقعة في أوسع مداها التي تشتمل على العاطفة مع الفكر وقد تشمل أيضاً الإحساس الخفي بمشاركة في حياة الكون، فالدين في أساسه هو تجربة وأمر نحسه ونعيشه ، أنه أحساس بتوافق تلقائي أو مجبول بين الإنسان وبين نفسه وهو في نفس الوقت أحساس بصلة الإنسان بموجود أعظم منه هو الذي يحدث هذا التوافق ، فالنشاط الديني الذي يميل إلى تزويد الشعور بوساطة أللاشعور ولما كان أللاشعور يتميز في الشعور من أجل اللاشعورية فليس على علم النفس ألا أن يسلم بأن النفس الإنسانية في منطقتها ألا شعورية تتصل بكائنات بعضها اعظم منها وهذه الكائنات كأنها معطاة للتجربة الدينية ( )
أذا سلمنا مع جيمس بأننا نشارك مشاركة لا شعورية في موجود أعظم منا نستطيع أن نسميه الله، اوالإلوهية وأنها تدخلنا بالفعل في عالم تتصل فيه الأرواح وتتفاعل لا من خارج وبوساطة ألفاظ وإشارات بل من الداخل وبدون واسطة لأنها شعور قوي غير منازع بحضور ألهي يمنحنا ما لم تكن لتوفره لنا وجودنا واستدلالاتنا وعلى هذه التجربة تقوم العقائد الثلاث التي ترجع أليها الحياة الدينية وهي :
1ـ عقيدة أن العالم منظور جزء من عالم غير منظور يمده بكل قيمه .
2ـ عقيدة أن غايات الإنسان الاتحاد بهذا العالم غير المنظور .
3ـ عقيدة الصلاة أي المشاركة مع الإلوهية فعل له أثر بالضرورة .
ويعد جيمس التجربة الدينية تتفق مع وقائع التجربة النفسية لأنها تدلنا على أن تحت المجال الضيق للشعور منطقة عميقة تستمر فيها الحياة الباطنية ، ومن هذا التيار السفلي تطفر عواطف والهامات فجائية تبدو في الشعور ، فهناك نوعاً عالياً مما تحت الشعور يرفع النفس فوق الحياة الجسمية إلى حياة روحية ممتنعة على العقل والإرادة .
أذاً في المنطقة أللاشعورية يتم الاتصال بيننا وبين الله وبين سائر النفوس وعلى هذا يلوح أن خصائص التجربة الصادقة تجتمع في التجربة الصوفية.
5ـ التجربة الصوفية: تقوم على حدس أصيل ولها أثار نافعة ، وأنها بما تحت الشعور تتصل بطائفة من ظواهر معلومة .
على أن الشك يظل ممكن إذ أن التجربة الصوفية شاذة فردية غير قابلة للتحقق بالملاحظة، والخروج من حالة الشك يكون بالخروج من الذاتية وإبراز حالات يكون فيها التصور هو الفعال لا الاعتقاد بالتصور ، أي أن نوصل بين التجربة الدينية والتجربة النفسية وكذلك الفيزيقية بالمضي من فكرة حالة الأرواح وتفاعلها إلى ظاهرة فيزيقية محسوسة في المجتمع في الإحساس عن بعد وحضور الأرواح والتعاطف عن بعد وما عن ذلك من الشواهد( ).
وقد ذكر جيمس في كتابه تنوع أو صنوف التجربة الدينية الخصائص المشتركة للتجربة الصوفية وهي :
1ـ الاستعصاء عن التعبير بمعنى أن هذه التجربة ذاتية وفردية خالصة وتمثل حالة من حالات الوعي المفارق والتي لا يمكن التعبير عنها أو وصفها بالكلام ونقلها للآخرين .
2ـ النسقية الفكرية : الأمر الطبيعي أن تتعارض معطيات الخبرة الصوفية وتجافي النسقية الفكرية من حيث أنها وعلى تنوع أنماطها وصورها مواجيد وجدانية عاطفية لا تقع في نطاق العلم ، لأن العلم منهجه الاستقراء والخبرة الحسية لذا لا يمكن التحقق من صدقها ، بينما الخبرة الصوفية تمد صاحبها بنوع من النسقية الفكرية ، بل هي المعرفة اليقينية ، لكن لا يمكن التصديق على هذه المعرفة النورية وعلية الصوفية بمختلف بقاع الأرض وباختلاف الزمان فأنهم متفقون على جوهر التجربة .



3ـ اللحظية والتلقائية ويراد بها الغياب للحظة المؤقتة للوعي والإدراك بالذات وبالاعتبار.
4ـ السلبية التامة :ويقصد بها أن السالك بالطريق الصوفي من حيث انه معراج روحي صاعد ، ورغم ما يبذله من جهد ومعاناة أثناء سيره المحفوف بالعقبات للارتقاء من مقام إلى أخر ( ).
وقد ذكر جيمس في كتابه البراجماتية خاصية أخرى وهي .
5ـ التأحد بين الذات والموضوع : وهذه من أخص أوصاف التجربة الصوفية ( ).
وهكذا يعد جيمس بأن أساس الدين تجربة وقد ربط بين التجربة الدينية والتجربة الصوفية أي بين العقيدة الأولى والتي هي أن العالم المنظور هو جزء من العالم الغير منظور والعقيد الثانية والأتحاد بهذا العالم الغير منظور عن طريق التجربة الصوفية .
مبيناً كيف أصبح الأيمان في التجربة الصوفية حدساً، كذلك يدخل في التجربة الدينية والعامة التي يرى فيها النمو المطابق لقوانين علم النفس العام ، عناصر موجودة في كل فعل شعوري مباشر ، ولو ان هذه العناصر تمر عادة دون أن تلحظ ( ).حيث يرى جيمس أن الأحساس بوجود امر موضوع أو غير واقعي أو بالأتصال مع الكائنات فوق الطبيعية كما تعرفنا هذه الأنطباعات بظروف هذه العاطفة واحوالها ، فهذه الأنطباعات تدخل فيما يبدو في جملة الأوصاف الذاتية للأضطرابات النفسية والهلوسة ويظهر أن جيمس نفسه لم يفهم منها أول الأمر ألا هذه الدلالة ، ومع ذلك فأنه شيئأ فشيئاً عندما درس صور أسمى من حالات كبار الصوفية رأى أن هذه العاطفة تكاد تدل بذاتها على وجود حقيقي موضوعي لكائن روحي مفارق للإنسان يتصل به عن طريق الشعور فالشخص حين يستغرق كليا في الإحساس بالاتصال مع اللامتناهي لا يميز قط بين الواقعي والوهمي فتكون أنفعالاته في مثل هذه الظروف حقيقية أو أنها ليست ألا تلك الأنفعالات المزعومة الكاذبة موضوعياً بالرغم من عمقها ووضوحها .
وقد ميز جيمس بين التجارب فمنها الصادق ومنها الكاذب لكن جيمس لا يدلنا على محك للتمييز ، بل يقبل كل تجربة حتى استحضار الأرواح باعتبارها تجربة قاطعة حيث يعد المعتقدات الميتافيزيقية ثابتة بالتجربة ( ).
لكن ما يميز التجربة الدينية هي أنها أكثر التجارب مباشرة وحسية وسعة وعمق ونمو وعليه فأن أساس الدين امر واقعي شخصي وليس الدين في ذاته الدين الواحد الثابت ألا حقيقة مدروسة فارغة ، لأن الدين لا يوجد ألا مع وجود النفوس المتدينة والحياة الدينية ، فهناك عدد من الاديان بمقدار ما يوجد من الأفراد فالسر الديني يتم داخل نفسه حين يمسه الضر يصح طالباً العون فيسمع صوتاً يجيبه عن شجاعة لقد أنقذك أيمانك والنفس الإنسانية منقسمة بالطبع على نفسها وعاجزة فإذا أطمأنت وأضيفت أليها قوة لا يمكن ان تستمدها من ذاتها فأنما ذلك لأن موجود أعظم منها يعنيها ( ).
أما عن كيفية تكوين فكرة وجود الله يصفها جيمس في كتابه ( عالم متكثر ) بأنه يرى أن العالم قوامه كائنات كثيرة لا كائن واحد وأن المظهر الواحد من المظاهر الشيء المعين قد يكون جزء من الشيء الذي اصطلحنا أن نصفه بالمادية والموضوعية وأن يكون جزء من الإدراك الحسي الشخصي مدرك ومن ثم فهو حالة من مجموع الحالات الشعورية لذلك الشخص وهي المجموعة التي اصطلحنا على أن نسميها عقلاً فكذلك المدرك الحسي الواحد قد يكون حالة شعورية في أكثر من عقل واحد فالمدرك الحسي لآي شيء هو جزء من الحياة الشعورية لأي فرد من الناس ويكون في الوقت نفسه جزء من الحياة الشعورية لعقل أشمل من عقل ذلك الفرد بحيث يشمل كل هذا العقل الفردي بجميع حالاته .
مضافاً أليه مدركات أخرى وبالتالي يكون المدرك أو الفكرة حالة من حالات عقل أصغر وحالة من حالات عقل أكبر وبذلك يكون للفكرة الواحدة وضعان مختلفان ، وعليه فالعالم كله محتوى في عقل واحد كبير احتواء الأدنى في الأعلى يشمل كل العقول الفردية ، وبالتالي فأن أي أدراك من أداكات العقول الفردية إدراكا في العقل الالهي الشامل ، وأن هذا الإله الذي هو عقل يشمل سائر العقول ليس منفصلاً عن الكون انفصال الخالق عن خلقه بل هو أله بينه وبين العقول الفردية قسط مشترك هو الاشتراك في الأدراكات بعينها لكنه في نفس الوقت يتميز بفردية مستقلة كما يتميز كل فرد بفردية مستقلة وبذلك تتكون لدينا فكرة عن أله يختلف عن الفكرة التي تتحدث عنها الديانات التقليدية والفلسفات الأخذة بمبدأ وحدة الوجود .
أراد جيمس من فكرة العقول المتصاعدة أن يحتفظ لكل فرد أنساني بإرادته المستقلة ( الإرادة الحرة) فالإرادة الحرة هي التي تجعل القدرة لدى الإنسان لتغير ما هو كائن ليصبح أفضل مما هو أكمل .
أذن جيمس أعتبر العقل نمطاً من السلوك يعالج به الإنسان بيئته على نحو يعينه على الحياة فالدين ليس مجرد مثل عليا خاصة أو منهج خاص للتفكير أنما هو روح تسري في مواقف الإنسان كلها إزاء خبراته( ) .



نقــــــــد
تعرض جيمس لانتقادات الدارسين حول فلسفته الدينية لا سميا فكرة أرادة الاعتقاد وقوله أننا لا يمكننا أن نحيا ونعيش دون قدر من الأيمان والاعتقاد، وليس الاعتقاد من وجهة نظره ألا فرضا ناجحاً، فلماذا لا نلتجئ إلى أرادة الاعتقاد وباعتبارها عامل فعال من عوامل تحقيق ما نؤمن به وما نعتقده .
لذلك يرى رسل أن القول بالاعتقاد لا يقنع مؤمناً مخلصاً في أيمانه لأن المؤمن لا يطمئن إلا متى استراح إلى موضوع لعبادته وأيمانه فالمؤمن لا يقول أني أذا أمنت بالله سعدت ولكنه يقول أني مؤمن بإلهي ومن أجل هذا فأنا سعيد فالأيمان والاعتقاد بوجود الله في نظر المؤمن الصادق مستقل عما يحتمل أن يترتب على وجوده من نتائج وأثار .
فالاعتقاد حسب رأي رسل يعتمد أولاً وقبل كل شيء على وجود العقل فإذا لم يوجد عقل يستحيل وجود اعتقاد وثانياً لا تعتمد الاعتقادات على العقل بالنسبة لحقائق الأشياء آذ أن حقائق الأشياء مستقلة تماماً عن العقل ( ).
يذكر جيمس في أرادة الاعتقاد بأن اعتقادك في وجود الله يبرر وجوده ويحققه وأن لوجود الله في نفسك أثراً على سلوكك أي سيخلق التفاؤل والخير وستحقق الأمن والسعادة وبالتالي فأن جيمس يستدل على وجود الله مما أنتج من أثار فالتجربة الدينية هي التي تدلنا على وجود الله ونحن نسلم بهذه التجربة أذن لا يهتم جيمس بكون أن الله موجود وجوداً موضوعياً أولاً ، كذلك لا يهتم أن يعرف هل أن هذا العالم من خلق الله أم المادة وغيرها من التساؤلات التي لا تهم جيمس بأي حال فأن كل ما يهمه هو الجانب العملي لأي اعتقاد أو أيمان فأذا كانت النتيجة ايجابية بهذا الأيمان والاعتقاد فهو فرض ناجح وصحيح لا بد أن نأخذ به .
وكما مر سابقاً فأن جيمس يرى بأن الإله ليس مفارق ولا ألهاً متحداً بالعالم لأن الإله المفارق الكامل الثابت لا يدخل في علاقة مع الإنسان فذلك راجع لاعتقاده بأن هذه العلاقة تستلزم تغيراً في اله والواقع أن الأله المتناهي ليس ألهاً بمعنى الكلمة لأنه ليس العلة الأولى وما دام الله لا متناهي بالضرورة فيجب القول بأنه ليس له سوى فعل واحد يتضمن جميع المعقولات فلا يجري التغيير فيه بل في المخلوقات وبالتالي هو يرفض فكرة التدبير الكوني كونه يرى بأن الله متناهي في قدرته وأفعاله وعليه فأن العالم ليس خاضع لسلطان الله بل يعتقد بأن في استطاعة الإنسان أن يحقق في هذا العالم كل شيء والنتيجة أنه ينكر لله الخلود ، لأنه يرى أن الله ذاته خاضع للزمن باعتباره حقيقة متناهية تخضع للزمن وان أي أنسان يصر على أن العقل الخالق لا اعتبار عنده للزمان يعتبره مجرد خرافة وهذا القول يوصلنا إلى أنه يرفض فكرة الخلاص أي أن الله يخلص الذات بعونه ورحمته بل أنه يرى بأن الإنسان يتخلص من خطاياه بما يقدم من عمل ، فهو لا يرى معنى لفكرة الخلاص في عالم قد تم أكتمال كل أجزائه ولا معنى لخلاص العالم الذي أتى دفعة واحدة كشيء ألهي للخلاص معنى أذا اعتقدنا أن العالم ناقص وأن الكمال تم على دفعات بإضافات الجزيئة ،فإذا رغبت أنا وأنت وسائر الناس في الخلاص وحقق كل منا مثله أو بعضها فقد أكتمل النقص وأبتعد القلق والخوف ونتيجة هذا القول هوان الله سبحانه وتعالى لا يستطيع أن يضمن لنا خيرية العالم وأن الإنسان يشارك الله في خلقه واكتماله وهذا يتنافى مع الوحدانية التي لله تعالى .
وقد أعتبر جيمس أن الذي يكون صميم الدين هوالشعور الديني والعاطفة ولكن من المعروف ان العاطفة متقلبة دائماً وبهذه الحالة فالإنسان يؤمن بحالة مزاجية ومن ثم يعود إلى الإلحاد عندما تتغير هذه الحالة وهذا لا يصلح في الأيمان لأنه يقوم على أسس عقائدية ثابتة .
كذلك نجد نظرية أللاشعورية التي تحدث في التجربة الصوفية ليست كافية لتسويقها لأن أللاشعور نفسه لا يصبح واقعياً بالنسبة للشعور ،
الا حين يدخل فيه ،أي حين يلبس ثوب الصورة الشخصية والظاهرة الجوهرية فعل الأيمان الذي يجئ الشعور معد بالانفعالات خاصة ، فيعلن أن هذه الأنفعالات حقيقية وأنها من عند الله و التجربة الدينية ، لا يمكن أن تكون في نفسها مستقلة عن صاحبها موضوعية ولكن الشخص يضفي عليها قيمة موضوعية بهذا الاعتقاد الذي يدخل عليها . يتضح من ذلك وحسب رأي الدكتور عبد الأمير(( بأن جيمس يعد المعتقدات الدينية نوع من التجربة النفسية الواقعة ، لكنه في الحقيقة يعبر عن موقف غير ديني ولا أخلاقي بالمعنى المعروف ))( )












المصادر
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
1- احمد، جمال الدين ، ومحمد زيادة / البحث العلمي الحديث ، دار الشروق ،جدة،ط1، 1979.

2- بوترو، اميل / العلم والدين في الفلسفة المعاصرة ، ترجمة أحمد فؤاد ألأهوائي ، الهيئة المصرية العامة الكتاب ،1973.

3- جيمس ، وليم / أرادة الأعتقاد ، ترجمة محمود حسب الله ، دار أحياء الكتب العربية ، 1946.

4- جيمس ، وليم / البراجماتية ، ترجمة محمد علي العريان ، تقديم زكي نجيب محمود دار النهضة العربية ، القاهرة ، نيويورك ، 1965.

5- جيمس، وليم / العقل والدين، ترجمة د. محمود حسب الله ، دار الحداثة ، بيروت ،د،ت.

6- ديورانت ، ول / قصة الفلسفة من أفلاطون إلى جون ديوي ، حياة وأراء اعاظم رجال الفلسفة في العالم ، ترجمة فتح الله المشعشع ، منشورات مكتبة المعارف ، بيروت ، ط4 ، 1979.

7- زيدان ، محمود / وليم جيمس ، الفكر العربي / دار المعارف بمصر القاهرة ، 1958.

8- سعيد ، عبد الأمير الشمري/ براجماتية وليم جيمس الدينية ، مجلة فصلية محكمة يصدرها قسم الدراسات في بيت الحكمة / العدد عشرين تشرين الأول / كانون الأول / 2007.

9- شيندر ، هربرت/ تاريخ الفلسفة الأمريكية، ترجمة محمد فتحي الشنيطب، مكتبة النهضة المصرية، 1964.

10- كرم ، يوسف / تاريخ الفلسفة الحديثة ، قلب الدراسات الفلسفية ، ط4، دار المعارف بمصر ، 1966.

11- محمود، زكي نجيب/ حياة الفكر في العالم الجديد ، دار الشروق ، بيروت، لبنان ،ط2، 1982.

12)-William James ,The Varieties of Religious Experience,(N.Y.1903)





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,054,011,775





- جبل الجد المقدس بأذربيجان.. ما صلته بالسعودية؟
- المغرب تستقبل أول قطار فائق السرعة في أفريقيا
- رجل يعيش وحده على -جنة الأرض- منذ 29 عاماً
- فرنسا: أكثر من 400 جريح وقتيل واحد في حصيلة جديدة للاحتجاجات ...
- خلافات صينية أمريكية تعرقل إصدار بيان ختامي لقمة أبك
- 250 ألف دولار ثمن جائزة حصلت عليها مارلين مونرو
- تعرف على فوائد جديدة لزيت السمك وفيتامين د
- نتنياهو محذرا: الانتخابات المبكرة -كارثة على إسرائيل-
- 250 ألف دولار ثمن جائزة حصلت عليها مارلين مونرو
- تعرف على فوائد جديدة لزيت السمك وفيتامين د


المزيد.....

- تأثير الفلسفة العربية والإسلامية في الفكر اليهودي – موسوعة س ... / شهد بن رشيد
- الإله الوهم والوجود والأزلية / سامى لبيب
- الطريق إلى الكائن الثالث / معتز نادر
- في محبة الحكمة / عبدالله العتيقي
- البُعدُ النفسي في الشعر الفصيح والعامي : قراءة في الظواهر وا ... / وعد عباس
- التحليل النفسي: خمس قضايا – جيل دولوز / وليام العوطة
- نَـقد الشَّعب / عبد الرحمان النُوضَة
- التوسير والرحلة ما بين أصولية النص وبنيوية النهج / رامي ابوعلي
- مفاهيم خاطئة وأشياء نرددها لا نفطن لها / سامى لبيب
- في علم اجتماع الجماعة- خمسون حديثا عن الانسان والانتماء والا ... / وديع العبيدي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - منتهى عبد جاسم - سيكولوجية الدين عند وليم جيمس