أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - هشام غصيب - من الفلسفة إلى علم الإنسان












المزيد.....

من الفلسفة إلى علم الإنسان


هشام غصيب

الحوار المتمدن-العدد: 3329 - 2011 / 4 / 7 - 09:41
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


جاء كارل ماركس تتويجاً لتراث التنوير، ذلك التراث الذي يعود في جذوره إلى طاليس وأفلاطون وأرسطو في الحضارة الإغريقية وإلى المعتزلة وابن رشد وابن خلدون في الحضارة العربية. وقاده نقده المادي المفصل لهيغل وفويرباخ إلى اعتبار العمل الاجتماعي جوهر الحياة الإنسانية وعالم الإنسان وتاريخه. فالعمل الاجتماعي هو في جوهره عملية أنسنة الطبيعة والبشر في آن واحد. إنه عملية خلق الإنسان لذاته وبيئته الطبيعية، أي تحقيق الإنسان لذاته وقدراته الكامنة والتحكم فيها. وفي ذلك تكمن حرية الإنسان. فالعمل الاجتماعي في جوهره حرية خلاقة لأنه يمكن الإنسان، من حيث المبدأ، من النمو الذاتي الداخلي الحر من دون قسر خارجي (قيود الطبيعة). لذلك، اعتبره ماركس المبدأ الأساسي التوحيدي لعالم الإنسان، أي المفهوم الجوهري لفهمه. فعالم الإنسان هو نتاج العمل الاجتماعي وإطار فعله في آن واحد. إن العمل الاجتماعي ينتج ذاته ويعيد إنتاجها عبر عالم الإنسان وبه. فالمصدر والمرجع هو العمل الاجتماعي في كل ما يمت للتاريخ الإنساني بصلة. ويتلخص المشروع الماركسي العلمي أو المعرفي في تفسير ظاهرات المجتمع والتاريخ جميعاً بهذا المفهوم الجوهري وما ينطوي عليه من مفهومات جزئية، أي في اشتقاق هذه الظاهرات جميعاً من هذا الكيان الاجتماعي التاريخي، الذي يوحد هذه الظاهرات ويجعل منها كلاً مفتوحاً على الطبيعة. وبهذا المعنى، فإن النقد الفلسفي، الذي وجهه ماركس في كتاباته المبكرة، صوب هيغل وفويرباخ وما أسماه الآيديولوجيا الألمانية، كان في الواقع تمهيداً وتوطئة لتوضيح معالم مشروعه العلمي ولتحديد المبدأ الجوهري التوحيدي لعلم الإنسان. إذ اعتبر ماركس العمل الاجتماعي، بالمعنى المطروح أعلاه، المفتاح الأساسي والضروري للفهم العلمي لظاهرات المجتمع والتاريخ جميعا، وفي مقدمتها ظاهرات الاقتصاد السياسي في الحقبة الحديثة: السوق، السلع، الأجور، الأسعار، القيم، المال، الرأسمال، التجارة، المدن الصناعية، الربح، الريع، الفائدة، البنوك، الدولة، إلخ… إذ رأى ماركس أن هذه الظاهرات لا تفهم فهما علمياً صحيحاً إلا بمفهوم العمل الاجتماعي، لأنها جميعاً نتاجات تاريخية للعمل الاجتماعي. فالأخير يعدّ مبدأها التوحيدي لأنه أساس وجودها ومصدره ومنبعه. هكذا يستعمل ماركس نقده الفلسفي أساساً لنقده الاقتصاد السياسي البرجوازي وبنائه علم التشكيلات الاجتماعية، المادية التاريخية. وهذا بالطبع يفسّر لماذا انتقل ماركس من نقد الفلسفة في كتاباته المبكرة إلى نقد الاقتصاد السياسي في كتاباته المتوسطة والمتأخرة. فالنقد المبكر هو الذي زوده بمفاتيح نقده الثاني وأسس لمشروعه المعرفي.

ويذكرنا مشروع ماركس العلمي بالمشروعات الكبرى في علوم الطبيعة. ففي فيزياء نيوتن مثلاً نجد أن مفهوم التفاعل المادي بين الجسيمات المتحركة في المكان والزمان المطلقين أدى دوراً شبيهاً بدور العمل الاجتماعي في العلم الماركسي. فهو المفهوم الذي تتوحد عبره الميكانيكا، بل وباقي فروع الفيزياء والكيمياء. إذ تعتبر فيزياء نيوتن هذا المفهوم الأساس التفسيري لجميع ظاهرات الطبيعة، بمعنى أن مشروع نيوتن العلمي يهدف إلى اشتقاق جميع الظاهرات الطبيعية، الفلكية والميكانيكية والحرارية والضوئية والكهربائية والمغناطيسية والكيميائية، من التفاعلات المتنوعة بين الجسيمات المتحركة في المكان والزمان المطلقين. وكان الأنموذج النيوتني الذي بنيت على أساسه صدقية هذا المشروع هو أنموذج المجموعة الشمسية. إذ أفلح نيوتن في اشتقاق جلّ ظاهرات المجموعة الشمسية وتفسيرها من أنموذج جسيمين يتفاعلان معاً وفق قانون الجاذبية العام النيوتني. ومع أن نيوتن نفسه لم يفلح تماماً في إكمال مهمته التفسيرية تلك، الأمر الذي ألجأه إلى الغيبيات، إلا أن من تلاه من رياضيي أوروبا وفيزيائييها الأفذاد، وعلى رأسهم لابلاس الفرنسي، أفلحوا تماماً في إكمال هذه المهمة من دون اللجوء إلى الغيبيات والفرضيات الدينية.

ونجد الشيء ذاته في كيمياء القرن العشرين وفيزياء الحالة الصلبة. فالمبدأ التوحيدي لهذين الحقلين هو قانون (معادلة) شرودنغر لحركة الإلكترونات وتفاعلاتها معاً ومع أنوية الذرات. فهذا المبدأ هو الذي يزودنا بالمفهومات والطرائق الرياضية اللازمة لتفسير ظاهرات الكيمياء والحالة الصلبة وتحديدها وتوحيدها.

وبالمثل، فإن ماركس يرى أن العمل الاجتماعي وبناه وآلياته هي التي تفسر ظاهرات المجتمع والتاريخ المتنوعة في حركيتها وجذور هذه الظاهرات ونشوءها وشرائط تخطيها. فطبيعتها ووحدتها وركائزها تكمن في العمل الاجتماعي. وهذا ما عجز الاقتصاد السياسي البرجوازي عن إدراكه، الأمر الذي جعله أقرب إلى الآيديولوجيا التبريرية منه إلى العلم الموضوعي.

لقد اعتبرت فلسفة العصور الوسطى (الإسلامية والمسيحية) الذات الإلهية مصدر كل يقين ووجود وفعل. وبدأ الانقلاب العلماني على هذه الرؤية على يد مفكري البرجوازية الأوروبية الصاعدة. فسحبت هذه الصفات تدريجيا من الذات الإلهية إلى العقل. فاعتبر العقل مصدر اليقين (ديكارت)، ثم اعتبر مصدر النظام الكوني المحسوس (كانط)، إلى أن أضحى مصدر الوجود الطبيعي (فخته) والتاريخي (هيغل). وها هو ذا ماركس يكمل مسيرة العلمنة بنقل القدرة الخلاقة من عقل هيغل المطلق إلى العمل الاجتماعي. بذلك يكون ماركس قد استبدل العمل الاجتماعي العياني التاريخي بالذات الإلهية القروسطية والعقل المطلق الخلاق لدى مفكري البرجوازية الأوروبية الصاعدة. إذ أضحى العمل الاجتماعي لدى ماركس المبدأ التوحيدي لعالم الإنسان، ومصدر اليقين المعرفي، ومنبع النظام الاجتماعي، وأساس الوجود التاريخي للإنسان.

لقد أدرك ماركس على أساس مبدئه الجديد أن الظاهرات الاجتماعية التاريخية، وبخاصة الاقتصادية منها، كالمال والرأسمال والربح والأسعار، ليست سوى علائق اجتماعية ونتاجات للعمل الاجتماعي، أي أنها عمل اجتماعي مخثر أو ميت. لكنه أدرك أيضا، على أساس هيغل أصلاً، أنها عمل مخثر مغترب لأنها نتاج عمل حي مغترب. ههنا نجد ماركس يدرس العمل الاجتماعي في عيانيته وتاريخيته، أي في واقعه المادي وكما يظهر فعلا في التاريخ، ثم يقارنه بجوهره وطبيعته الداخلية. وليس مفهوم الاغتراب الهيغلي مطبقاً على الواقع الفعلي للإنسان سوى الأداة العلمية لإجراء هذه المقارنة وفهمها.

لقد كان مفهوم العمل الاجتماعي المغترب أداة ماركس الرئيسية لتفسير الواقع الاقتصادي والثقافي الرأسمالي ونقده في سياق محاولة تغييره، وبخاصة في تشريح المجتمعات الطبقية وبيان أسس الصراع وآليات الاستغلال والتشويه والتزوير فيها، ومن ثم بيان ضرورة تخطيها لتعارضها مع الجوهر الإنساني. فالأصل في الوجود الإنساني أن يكون الإنسان حرّاً، بمعنى أن يمارس حياته، أي عمله الاجتماعي، بحرية ومن دون قسر خارجي، أي أن تنبع ممارسته من حركته الداخلية، من تكوينه الداخلي. إن الأصل هو أن تحول البشرية بيئتها إلى بيئة مونسنة توفر عناصر البقاء والحياة الحرة الكريمة والسعيدة لأفرادها، وأن تتيح المجال لجميع أفرادها لتملك الطبيعة وخلق ذواتهم المتوافقة معاً بحرية. إن الأصل أن يبنى عالم الإنسان بما يتيح للفرد خلق ذاته الإنسانية وإطلاق قدراته الكامنة جميعاً بتجسيدها واقعاً ماديا يتملكه الفرد ويتملك الطبيعة والمجتمع عبره. فالفرد يستقي اعتباره وإنسانيته من ممارسته العمل الاجتماعي الطوعي الحر، الذي يربطه إنسانياً بغيره من البشر. هكذا يشعر الفرد بوجوده الإنساني وبأنه سيد نفسه وبيئته الطبيعية وتاريخه البشري. وهكذا يتخطى الفرد حدوده ومحدوديته إلى رحاب المجتمع والتاريخ، فيتغلب بصورة أو بأخرى على الموت نفسه.

هذا هو الأصل في الوجود البشري. هذا هو جوهره وحالته الطبيعية. ولكن، بالمقابل، ما هو الحال السائد للإنسان في عالم اليوم، في الحقبة الحديثة؟ كيف نجد إنسان اليوم من منظور جوهره وحالته الطبيعية؟ ما هو الوضع الفعلي المتحقق لإنسان اليوم؟ كيف يمارس إنسان اليوم عمله الاجتماعي، وفي ظل أي نمط من العلائق الاجتماعية؟

إن عالم اليوم، في نظر ماركس، هو عالم مغترب تماماً. وأساس اغترابه هو العمل الاجتماعي المغترب الذي ينتجه مغترباً عن الإنسان. فالمنتج هو صورة عن الفاعلية التي أنتجته. ويرى ماركس، في مخطوطات باريس لعام 1844، أن العمل الاجتماعي في الرأسمالية يعاني من أربعة أوجه مترابطة من الاغتراب. أما الوجه الأول فهو اغتراب الناتج عن منتجه. فالناتج يجابه المنتج بوصفه شيئاً غريباً، أو قوة مستقلة عن المنتج. إذ يتملكه المالك (صاحب العمل، الرأسمالي) حال إنتاجه، محولاً إياه إلى رأس مال، أي إلى قوة خارجية مستقلة عن العامل، تجابهه وتلحقه بها. فبدلاُ من أن يكون الناتج ملحقاً بالمنتج، أي بدلاً من أن يلحق المخلوق بالخالق، يحدث العكس، فيلحق الخالق بالمخلوق. ويتعلق الوجه الآخر باغتراب المنتج عن فاعليته الإنتاجية، أي انسلاخه عن جوهره. إذ تغدو هذه الفاعلية سلعة تتحكم فيها قوى الرأسمال والسوق، وكأنها لا تخصه ولا تشكل جوهره. من ثم، فبدلاُ من تأكيد ذاته بعمله، فإن المنتج ينكرها. وبدلاً من أن تكون مصدر سعادته وسلامته العقلية والجسدية والنفسية، فإنها تغدو مصدر شقائه وإجهاده وتحطيمه جسديا ونفسيا. وعليه، فإنه لا يشعر بذاته إلا خارج نطاق العمل، أي لا يجد عزاءه في جوهره الإنساني المنسلخ عنه، وإنما في وظائفه الحيوانية كالأكل والنوم وممارسة الجنس، التي تغدو بالفعل وظائف حيوانية بمعزل عن العمل الاجتماعي الخلاق. أما الوجه الثالث، فهو اغتراب المنتج عن المجتمع بوصفه كلا يعبر عن الطبيعة الإنسانية والتاريخ. فبدلاً من أن يكون المجتمع امتداداً لإرادة المنتجين، يغدو بناء شبه طبيعي تحركه قوانين صماء خارج الإرادة البشرية وتعمل على إعاقتها. وأخيراً، فإن الإنسان يغترب عن أخيه الإنسان، لأن العلاقة التي تربطه فيه هي علاقة استغلال وتنافس، بدلاً من أن تكون علاقة تعاون وتبادل حر.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,562,271,938
- فلسفة ماركس
- سمير أمين مستغرباً
- هشام غصيب في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: من الثورة ا ...
- جدل العلم والثورة
- الفلسفة والجماهير
- الشيوعية وفخ الوجودية
- المغزى النهضوي للفلسفة
- الاستغراب وتحدي الحداثة
- تميز العقلانية الماركسية
- علمنة الوعي
- من الفلسفة إلى نقد الاقتصاد السياسي
- مفهوم النهضة عند الحركات اليسارية العربية
- ماذا يعني لك أن تكون يساريا اليوم؟
- هل الماركسية علم؟
- تجديد لينين في مجابهة تجديد ماخ


المزيد.....




- الحرب من أجل بقاء أردوغان تعني الفقر والموت بالنسبة لنا!
- «الديمقراطية» تدعو السلطة وحكومتها إلى مكاشفة الرأي العام بم ...
- وزيرة الداخلية اللبنانية تدعو المتظاهرين إلى عدم التعرض للأم ...
- عون يدعو لعقد جلسة طارئة للحكومة اللبنانية في ظل تصاعد الاحت ...
- السكرتاريا العامة لاتحاد الشباب الديمقراطي الفلسطيني - تستنك ...
- بدعوة من الجبهة الديمقراطية: لقاء حواري لبناني فلسطيني حول ا ...
- متحدث باسم حزب العمال البريطاني: التصويت على اتفاق الخروج سي ...
- فخر إفريقيا: أفضل تقاسم ما أملك مع الفقراء بدل شراء 10 سيارا ...
- مراسلة فرانس24: بدء تجمع المتظاهرين من جديد في بيروت غداة اح ...
- بعد حرائق الغابات.. ضريبة واتساب تشعل لبنان ضد سياسة قتل الف ...


المزيد.....

- راهنية التروتسكية / إرنست ماندل
- المادية التاريخية هي المقاربة العلمية لدراسة التاريخ / خليل اندراوس
- الشيوعية ليست من خيارات الإنسان بل من قوانين الطبيعة / فؤاد النمري
- دروس أكتوبر [1] (4 نوفمبر 1935) / ليون تروتسكي
- التشكيلة الاجتماعية العراقية وتغيرات بنيتها الطبقية / لطفي حاتم
- ما هي البرجوازية الصغيرة؟ / محمود حسين
- مقدمة كتاب أحزاب الله بقلم الشيخ علي حب الله / محمد علي مقلد
- ملخص لكتاب فريدريك انجلز-أصل العائلة و الملكية الخاصة و الدو ... / عمر الماوي
- رأس المال: الفصل الثاني – عملية التبادل / كارل ماركس
- من تجلّيات تحريفية حزب العمّال التونسي و إصلاحيّته في كتاب ا ... / ناظم الماوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - هشام غصيب - من الفلسفة إلى علم الإنسان