أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - هشام غصيب - الشيوعية وفخ الوجودية















المزيد.....

الشيوعية وفخ الوجودية


هشام غصيب

الحوار المتمدن-العدد: 3313 - 2011 / 3 / 22 - 08:25
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


تتلخص الرؤية – المشروع الماركسي في الصورة الآتية: لدينا، بادىء ذي بدء، الطبيعة (المادة، الكون المادي)، التي تتبدّى لنا عبر حواسنا ومعاناتنا وممارساتنا، وبخاصة عبر العلم الطبيعي. إنها منطلقنا ومرجعنا. ولدينا، من جهة أخرى، الإنسان، ذلك الكائن الطبيعي المتميز، الذي جاء حصيلة مليارات السنين من تطور الحياة على سطح الأرض. ويكمن تميز هذا الكائن في قدرته على العمل الاجتماعي، والتي تنطوي على قدرته على التجريد وإدراك وحدة الطبيعة، ومن ثم تصور الممكن على أساس الكائن، وتجسيد الممكن كائنا، أي تحويل الكائن وفق تصور الممكن. لذلك اعتبر ماركس أن جوهر الإنسان يكمن في الكيفية الموضوعية الموروثة التي يجتمع بها الأفراد من أجل تحويل البيئة الطبيعية بما يحقق أهدافهم ويتيح سدّ حاجاتهم. وفي سياق تحويل بيئته الطبيعية وخلقها وأنسنتها، فإن الإنسان يخلق ذاته، وما التاريخ سوى عملية الخلق المزدوج هذه. بذلك، فإن الإنسان يحقق ذاته وقدراته وينميها بالعمل الاجتماعي، أي يتملك الطبيعة ويجعلها جسده غير العضوي ويتملك ذاته وقدراته المتنامية بالعمل الاجتماعي. هذا هو الإنسان بالقوة. أما بالفعل، فهو شيء آخر. فالإنسان البدائي يكاد لا يتميز عن الحيوان برغم قدرته على الإنتاج، حيث إن الأخيرة تكون كامنة ومحدودة الأثر والفاعلية. ومع تراكم الخبرات والمعارف، تبدأ هذه القدرة تتفتق وتتسع، أي تتحول من القوة إلى الفعل. لكنها، في سياق ذلك، تغترب عن ذاتها وتنقلب على ذاتها، أي تدخل في صراع مع ذاتها. ويصل هذا الاغتراب أوجه في الرأسمالية، لكن الرأسمالية تفلح في تحويل العمل الاجتماعي إلى قدرة كونية شاملة وفكه من قيوده وحدوده ومحدوديته وإطلاق طاقاته اللانهائية في جميع الاتجاهات، وإن كانت تفعل ذلك بصورة اغترابية. لذلك، فإن المهمة الكبرى التي تنتظر البشرية هي إنهاء هذا الاغتراب من دون إنهاء ما أحرزته الرأسمالية من شمولية وكونية ولانهائية، أي تخطي الرأسمالية صوب الشيوعية، التي يصبح فيها الإنسان بالفعل ما كانه بالقوة. وهذا، في نظر ماركس، هو مغزى التاريخ البشري: تحول الإنسان من حاله القوة إلى حالة الفعل مروراً بحالة الاغتراب. ألا يذكرنا هذا التصور بأرسطو وهيغل في آن واحد؟

هناك بالفعل عناصر واضحة من أرسطو وهيغل في ماركس. بل، إن ماركس، بمعنى من المعاني، أرسطي وهيغلي. لكن هذه العناصر تترابط معاً في ماركس بطريقة جديدة وتكتسب معنى ومغزى جديدين. بل يمكن القول إنها تجد تفسيرها الحقيقي وتبريرها المقنع في ماركس. وبصورة خاصة، فإن مفهوم الاغتراب يأخذ معنى جديداً في ماركس، معنى ماديا تاريخيا ثوريا، لا نجده لدى هيغل ولا لدى أرسطو. فالعمل الاجتماعي، الذي يمثل جوهر الوجود الإنساني، هو قوة طبيعية (مادية) متطورة تنبع من تركيبة الدماغ والجسد البشريين، وليس منطقاً روحيا عقليا بحتا، كما في هيغل. وعليه، فإن حالة الاغتراب التي يمر فيها في سياق تطوره ليست حالة ملازمة لوجوده وطبيعته. إن العمل الاجتماعي ليس مغتربا في جوهره وفي ذاته، كما في هيغل، وإنما يغترب في مراحل تاريخية معينة بفعل ظروف اجتماعية تاريخية معينة. وبتخطي هذه الظروف، أي تحويلها بالثورة الاجتماعية، يمكن التغلب على هذا الاغتراب وإزالته وتخطيه. فحالة الاغتراب تعبر عن واقع اجتماعي معين وعن بناء اجتماعي تناحري معين. ومن ذلك تنبع ضرورة فكرة الثورة الاجتماعية في نظام ماركس الفكري. فالاغتراب الذي يعاني منه البشر عبر التاريخ لا يزال إلا بالثورة الاجتماعية. فهو ليس حالة ذهنية أو روحية بحتة حتى يزال بالمعرفة أو الأخلاق أو التصوف أو انتظار أن يحقق العقل المطلق ذاته. كلا! إنه حالة مادية اجتماعية تاريخية لا تزال إلا بالممارسة الثورية التاريخية المادية التي تهدف إلى إزالته. بذلك، فإن فكرة الثورة الاجتماعية ليست عرضية في الماركسية، وإنما تدخل في جوهرها وقلبها، الأمر الذي حدا الفيلسوف المجري الكبير، غيورغ لوكاتش، إلى تعريف الماركسية بأنها علم الثورة. ونحن نؤكد هذه المقولة في مجابهة من أسميهم شيوعيي ما بعد الانهيار (انهيار الاتحاد السوفييتي)، الذين يسعون إلى تدجين الماركسية وتحويلها إلى نوع هزيل مسالم من الليبرالية، بحثا عن دور لهم في النظام العالمي الجديد (المسالم جدّاً!).

إن الاغتراب إذاً يمثل طوراً من أطوار العمل الاجتماعي، وليس خاصية جوهرية من خصائصه. هذا ما أكده ماركس مراراً وتكراراً في العديد من كتاباته، المبكرة منها، مثل مخطوطات باريس لعام 1844، والمتوسطة، مثل ما يسمى الغروندريسا، والمتأخرة، مثل الرأسمال بمجلداته الأربعة. ومع ذلك، نجد بعض الفلاسفة المحسوبين على الماركسية ينزعون بجلاء إلى تأكيد جوهرية الاغتراب في العمل الاجتماعي، متفقين في ذلك مع هيغل في اعتباره عملية التجسيد (التموضع)، أي تحوّل العمل الحي إلى عمل مخثر مطبوع في الطبيعة، عملية اغترابية في جوهرها. فوفق أولئك، فأن تعمل يعني بالضرورة، وبحكم طبيعة العمل، أن تحول الذات إلى الآخر الغريب، الذي تحكمه قوانين أخرى غير قوانين الذات. إنه يعني أن تتجسد الذات آخر غريبا عنها، أن تقيد وتكبل ذاتها بالطبيعة وقوانينها. إن العمل الاجتماعي يعني، وفق أولئك، الانتقال من مملكة الحرية (الروح) إلى مملكة الضرورة (المادة). فهو يخلق الذات آخر يكبل الذات ويسحقها ويستعبدها. إن أولئك الفلاسفة يقسمون الوجود إلى مملكتين: مملكة الحرية (مملكة الذات الجوانية) ومملكة الضرورة (الطبيعة، المادة)، ويفصلون مطلقاً بينهما، على غرار ما فعله إيمانويل كانط. لذلك، فهم يعتبرون الذاتية والغرق في الذاتية والجوانية الممارسة الوحيدة للحرية. أما خروج الذات من قمقمها وتحولها موضوعاً بالعمل الاجتماعي، فيعتبرونه نوعاً من الضياع والاغتراب والخضوع لقوانين الطبيعة ومنطق الضرورة، أي يعتبرونه ممارسة للعبودية وفقداناً للحرية. ونرى هذه النظرة جلية في الفلاسفة الوجوديين (كيركغور، هيدغر، سارتر، تحديداً). لكننا نجدها أيضاً في بعض الفلاسفة المحسوبين على الماركسية.

وعلى سبيل المثال، فقد تبنى هذه النظرة الثنائية الفيلسوف الألماني هربرت ماركوزه، أحد أشهر فلاسفة مدرسة فرانكفورت وبطل الثورة الطلابية عام 1968، وذلك في مقالة له نشرت عام 1933 تحت عنوان: حول الأساس الفلسفي لمفهوم العمل في علم الاقتصاد. وفيها يعمد ماركوزه إلى توكيد العلاقة الجوهرية بين الإنسان والعمل، لكنه يؤكد أيضا ملازمة الاغتراب جوهريا للعمل ويفصح عن اعتبار العمل مغتربا بحكم كونه جسراً أو وسيطا رئيسيا بين الذات الإنسانية بحريتها وبين الطبيعة بضرورتها. لذلك نرى ماركوزه يقلل من قيمة العمل الإنتاجي ويعلي من شأن اللعب، ثم يطرح مشروع تحرر الإنسان من العمل لصالح اللعب. فهو، بذلك، يعد العمل أدنى درجات النشاط البشري، ويعتبراللعب أعلى درجاته والتعبير الأصفى للذاتية الجوانية، أي الحرية، الإنسانية. فالعمل، وفق ماركوزه، مغترب بطبعه، في حين أن اللعب منسجم مع الذات وحريتها تماماً. إن العمل يقيد الذات ويسلبها حريتها في سياق خلقه العالم. أما اللعب، فهو الآلية التي تخلق الذات بها ذاتها، بمعزل عن العالم. لذلك رأى ماركوزه أن هدف الثورة الاجتماعية هو تحرر الإنسان من العمل صوب اللعب. ولا ننسى أن نذكر هنا أن ماركوزه، حين كتب هذه المقالة، كان لا يزال تحت تأثير أستاذه المشهور، مارتن هيدغر، أبي الوجودية الألمانية، وبطل ما بعد الحداثة.

لقد أغفل ماركوزه في تصوره ذلك جدل (ديالكتيك) العمل، المتمثل في التوتر بين وجهيه، الذاتي والموضوعي، فوقع من حيث لا يدري في فخ النظرة اللاهوتية، التي تدين العالم (المادة) وتمجد الروح البحتة، فأكد الجانب الذاتي للعمل بمعزل عن الجانب الموضوعي، مع أن العمل هو كل مفتوح على الطبيعة والإنسان يتحد فيه الجانبان اتحاداً جدليا تناقضيا. لقد أعاد ماركوزه فصم ما وحده هيغل وماركس، فأوقع نفسه في الفخ الوجودي الذي نصبه له أستاذه هيدغر. ومع أن ماركوزه سار بعد 1933 صوب ماركس، مبتعداً عن هيدغر، وبرغم أن تطورات الحياة دفعته صوب محاولة الخروج من فخ هيدغر، إلا أن هذه النزعات الهيدغرية اللاهوتية ظلت ملازمة له حتى في كتاباته المتأخرة، مثل كتابه “الرجل ذو البعد الواحد” وكتابه “إيروس والحضارة”.

أما ماركس، فقد كان واضحاً تماماً في نظرته إلى العمل الاجتماعي واغترابه. إذ اعتقد أن الحرية هي إدراك الضرورة، ومن ثم السعي إلى تسخير مملكة الضرورة (الطبيعة) وقوانينها، بالعمل الاجتماعي الموجه معرفيا وعلميا، من أجل تحقيق الغايات الإنسانية وسد حاجات الإنسان. فهو لم يفصل بصورة مطلقة بين الإنسان والطبيعة، وإنما فقط بصورة جدلية تؤكد علاقة التحول المتبادل والتناقض النسبي بينهما. فالإنسان لا يؤسس مملكة الحرية برفض الطبيعة وإدانتها واعتزالها، وإنما بتملكها ورعايتها وأنسنتها، متملكا ومؤنسنا ذاته في السياق. إن الشيوعية هي نظام الحرية، لأنها النظام الذي يتيح للإنسان التحكم بذاته (مجتمعه) وبيئته المؤنسنة بما يتيح لكل فرد أن يتطور ويتفتح بفعل ديناميته الداخلية ومن دون قسر خارجي. فالحرية ليست العشوائية والاعتباطية التي لا يحكمها مبدأ، كما تعتقد الوجودية، وإنما هي تطور النظم والعضويات بقوانينها الداخلية من دون قسر خارجي. فالفرد في المجتمع الشيوعي يكون في حالة تناغم مع ذاته ومجتمعه وبيئته الطبيعية بما يمكنه من التطور الحر الشامل والمتعدد الأبعاد.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,567,781,859
- المغزى النهضوي للفلسفة
- الاستغراب وتحدي الحداثة
- تميز العقلانية الماركسية
- علمنة الوعي
- من الفلسفة إلى نقد الاقتصاد السياسي
- مفهوم النهضة عند الحركات اليسارية العربية
- ماذا يعني لك أن تكون يساريا اليوم؟
- هل الماركسية علم؟
- تجديد لينين في مجابهة تجديد ماخ


المزيد.....




- الليبراليون يفوزون بالانتخابات الكندية وترودو يتجه لتشكيل حك ...
- الليبراليون يفوزون بالانتخابات الكندية وترودو يتجه لتشكيل حك ...
- -ناموا بسلام-.. لبنانيون يتفاعلون مع -حماية الجيش للمتظاهرين ...
- بيان حزب العمال التونسي دعماً لانتفاضة الشعب اللبناني.
- الحزب الشيو عي العراقي: النصر للشعب اللبناني في انتفاضته
- حزب الشعب يعرب عن تضامنه مع الحزب الشيوعي والشعب اللبناني ال ...
- متظاهرو صيدا اكدوا مواصلة احتجاجهم في الشارع حتى تحقيق مطالب ...
- اهالي قضاء مرجعيون اعلنوا استمرار تحركهم بقطع الطريق والمبيت ...
- حشد لأهالي القرى عند مثلث كامد اللوز جب جنين احتجاجا على الو ...
- حشود طرابلس صامدة بمشاركة مغتربين


المزيد.....

- أولرايك ماينهوف المناضلة الثائرة و القائدة المنظرة و الشهيدة ... / 8 مارس الثورية
- الخطاب الافتتاحي للحزب الشيوعي التركي في اللقاء الأممي ال21 ... / الحزب الشيوعي التركي
- راهنية التروتسكية / إرنست ماندل
- المادية التاريخية هي المقاربة العلمية لدراسة التاريخ / خليل اندراوس
- الشيوعية ليست من خيارات الإنسان بل من قوانين الطبيعة / فؤاد النمري
- دروس أكتوبر [1] (4 نوفمبر 1935) / ليون تروتسكي
- التشكيلة الاجتماعية العراقية وتغيرات بنيتها الطبقية / لطفي حاتم
- ما هي البرجوازية الصغيرة؟ / محمود حسين
- مقدمة كتاب أحزاب الله بقلم الشيخ علي حب الله / محمد علي مقلد
- ملخص لكتاب فريدريك انجلز-أصل العائلة و الملكية الخاصة و الدو ... / عمر الماوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - هشام غصيب - الشيوعية وفخ الوجودية