أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - نعيم إيليا - بؤس الفلسفة الماركسية (3)















المزيد.....

بؤس الفلسفة الماركسية (3)


نعيم إيليا

الحوار المتمدن-العدد: 3292 - 2011 / 3 / 1 - 20:28
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


قبل أن أمضي في عرض مثالب جديدة للماركسية، لا بدّ من أن أنكفئ إلى حديث الأمس عن معضلة (الوعي والمادة) إذ رأيت سامعي الحديث يرجمونه (بتصويت) عنيف كاد أن يبلغ به درجة الصفر المطلق. ولمّا كنت أرى في هذا الرجم الصامت، انتهاكاً لحقيقة لم أبلغ مشارفها إلا من بعد المكابدة، عزّ عليّ الأمر ودفعني إلى أن أنفر اليوم إلى راجميها بالحجة والمنطق تأييداً لها وانتصاراً. والانتصار للحقيقة واجب كل مفكر مهما صغر حجمه، وذلَّ مقامه.
ولا مفرّ هنا من العودة إلى تعريف المادة من بعد أن عزمت ثانية على جلاء الحقيقة أمام خصومها؛ الحقيقةِ التي تؤكد فساد رأي الماركسيين في تفسير المادة وفهم العلاقة المتينة بينها وبين الوعي. وسأختار هنا تعريف لينين لها؛ فهو - كما ذكرت في حديثي السابق - التعريف المعتمد لدى جمهور الماركسيين:
يقول لينين: " المادة مقولة فلسفية للإشارة إلى الواقع الموضوعي الذي يُعطى للإنسان في إحساساته، والذي تستنسخه، وتصوره، وتعكسه إحساساتنا، وهو موجود بصورة مستقلة عنه".
فإذا عكفنا الآن على هذا التعريف بمبضع التحليل والتشريح بعد تقسيمه إلى أجزائه، تكشّفت لنا فيه عيوب لا يسيغها العقل:
1- " المادة مقولة فلسفية للإشارة إلى واقع موضوعي يُعطى للإنسان في إحساساته": فالمادة كما نرى في هذا الجزء من التعريف؛ مقولة فلسفية. والمقولة هي المفهوم العام الكليّ الذي يستغرق أجزاء موضوعه استغراقاً تاماً كمفهوم الإنسانية الذي يستغرق كلّ أفراد هذا الجنس. وبناء على هذا ينبغي أن يدلّ مفهوم المادة على الوجود المطلق، وليس (فقط) على جزء من هذا الوجود. إلا أنّ لينين يقسم هنا الوجود إلى قسمين، هما: الواقع الموضوعي ثم الإنسان ويجعلهما متقابلين. وهذا تقسيم غير جائز عندما يكون الغرض منه تعريف ماهية المادة؛ لأن الإنسان ليس كياناً مستقلاً في هذه الحالة عن الوجود أو منفصلاً عنه، بل هو داخل في كينونة الوجود. ومن هنا لن يكون استنباط تعريف للمادة جامعاً مانعاً من بعد هذا التقسيم إلا مهمة شاقة أو مستحيلة. فإنّ تحديد المادة وفق هذا التقسيم، بإضافتها إلى الإنسان الذي هو مادة أيضاً، أو بإضافتها إلى أحاسيسه؛ هي إضافةً تشبه في عدم جدواها إضافة الماء إلى الماء لمعرفة جوهره، أو بالإضافة المستحيلة؛ إضافة الكلّ إلى الجزء المتضمن في الكل. لذلك فلا مندوحة من الاستعانة بالعلم، إذا أردنا الحصول على تعريف صحيح لماهية المادة، وذلك بتحليلها في مخابر الفيزيائيين باستخدام أدوات متطورة حساسة، ومعادلات رياضية شديدة الدقة لهذه الغاية. وقد فطن أرسطو قبل ما يقرب من ثلاثة آلاف سنة، إلى أن المادة (الهيولى) التي تُرد إليها جميع الأشياء تفرّ من الحواس، ولا يمكن تحديدها بها البتة.
لقد سعى لينين – ولم يكن فيلسوفاً بل سياسياً - إلى أن يحدَّ المادة، ولكنه لم يرَ إلا صورها المتحققة في موجودات الكون كالنجوم والماء والحديد والشجر... في ما أسماه بالواقع الموضوعي. وهذه الرؤية ناقصة عصية على الترجيح.
2- "والذي تستنسخه، وتصوره، وتعكسه إحساساتنا، وهو موجود بصورة مستقلة عنه" .
يفترض لينين أن الأحاسيس، جوارحَها - بمعنى أدق - كجارحة اللمس، وجارحة البصر، وجارحة السمع، وجارحة الشمّ، ليست سوى آلات تنسخ وتصور وتعكس الواقع الموضوعيّ. وهذا الافتراض لن يخلو من الصحة، إذا ما نظرنا إليه من زاوية خاصة؛ أي من الزاوية التي نرى منها الإنسان مستقلاً عن الواقع الموضوعي. بيد أن الإنسان في الحقيقة ليس مستقلاً بجوارحه عن الواقع المادي، بل هو على تماس دائم معه بوساطة هذه الجوارح. فالبصر مثلاً لا يعمل إلا إذا احتكَّ بموضوعه أي بالمبصَر. وهذا الاحتكاك اتصال؛ ولأنه كذلك، فمن السذاجة أن نتخيل العين مستقلةعن واقعها. إنّ استقلال الأشياء بعضها عن بعض بمفهومه الفلسفي، يعني أنّ هذه الأشياء لا تتمتع بالوحدة، وفقدانُ الوحدة بين الأشياء، سيقود إلى نتيجة هي الإقرار بوجود العدم.
فإذا تركنا الآن جوارح الإنسان، وعلاقتها بالواقع الموضوعي جانباً، ومضينا إلى الجزء الثاني من مسألة (المادة والوعي)؛ لنتحرّى أمر الوعي في علاقته بالمادة، تبيّنّا الحقائق التالية:
يقول لينين: "أن يكون الفكر والمادة واقعيين، أي انهما موجودان، هذا صحيح. لكن القول ان الفكر مادي هو خطوة فاسدة نحو خلط المادية والمثالية".
وهذا قول لا يحتاج منا إلا لنظرة سريعة نلقيها عليه، فندرك بيسر ما فيه من التخبط والتناقض. فأن يعزل لينين الفكرَ عن المادة، ويجعلَ لكليهما وجوداً في الواقع والذهن، ثمّ يعلن في الوقت ذاته، أنّ الفكر ليس مادياً، أمرٌ لا يمكن وصفه إلا بالتناقض والتخبّط .
إذ كيف يكون الفكر واقعياً موجوداً، ثم لا يكون مادياً؟ هل يمكن أن يكون لشيء وجودٌ في الواقع وهو غير ماديّ؟!
ماذا يعني غيرُ الماديِّ؟ أليس غيرُ الماديّ هو العدم بعينه؟ أليس هو المثال والروح، إن لم يكن عدماً؟
فما بال لينين وهو الماديّ ينزلق بقدمه نحو هاوية المثالية في عين اللحظة التي يحذِّر فيها من الانزلاق إليها؟!
يجيب تلامذته مبررين تناقضه على النحو التالي: صحيح أن الفكر (الوعي) ذو منشأ مادي؛ إذ هو وليد الدماغ والدماغ مادة، إلا أنَّ هذه الولادة، وهذا المنشأ، لن يجعلا من الوعي مادةً لها وجود مستقل على أرض الواقع. ويتمثلون لهذا بمثال شائع بينهم، فيقولون: "إنّ الدماغ بمشاركة الحواس كالمرآة التي تعكس صورة وردة ما من الأوراد حين تُعرض عليها، وهذه الصورة المنعكسة للوردة إنْ هي إلا الوعي والفكر، وهي شيء ذهني بحت لا يلمس، ولا يشم، ولا يرى، ولا يذاق، ولا يسمع؛ أي ليس بذاتٍ. فلمّا كانت هذه الصورة في زعمهم مجرّدة من خصائص المادة؛ فهي إذاً "لامادة". ومع أنّ (اللامادة) لا وجود لها إطلاقاً، فإنه ينبغي الإقرار بوجودها هنا، وإلا فسيستحيل تفسير الوعي في علاقته مع المادة.
بهذا المنهج العجيب يرغمون عقولهم على تقبل المستحيل الذي هو (اللاشيء، اللامادة)، من أجل تفسير خاطئ للوعي.
ولا شكّ في أنّهم حينما يرغمون أنفسهم على تقبل هذا المستحيل، فإنما يعبّرون عن عجزهم عن تفسير معضلة الوعي في علاقته بالواقع الموضوعي، وعن إيجاد الحلّ لها. ولو أنهم حرروا عقولهم من أسر العقيدة وتقديس رموزها، لعلموا أنّ الحلّ المنطقيّ المعقول لهذه المعضلة، لن يتأتَّى لها إلا باعتبار الوعي شكلاً من أشكال المادة كما هي الطاقة بالنسبة للمادة، وذلك بالاستناد إلى المعرفة القائمة على أن كلّ ما في هذا الوجود ليس شيئاً غير المادة متحدةً بطاقتها في فراغ داخلي.
وهذا الحل وإن لم يرتدِ ثوب اليقين الخالص، خيرٌ بما لايقاس من اعتقادهم "بوجود لامادة"؛ إذ أن هذا اعتقادٌ بوجود ما لا وجود له. وهو من أشنع وأنكر أنواع الاعتقاد.






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,166,141,380
- بؤس الفلسفة الماركسية (2)
- بؤس الفلسفة الماركسية
- نقد نقد النظرية الماركسية
- إلهٌ جديد
- حنَّا هاشول يصرخ في الوادي
- حياتي في خطر. قصة قصيرة


المزيد.....




- اللوحة الجنسية -ليدا والبجعة-.. ما السبب وراء مشهدها المثير ...
- منها مضحكة وأخرى تعبر عن الدهشة .. هذه تغريدات الناس عن أجوا ...
- فيديو: جنازة مهيبة للطالبة الفلسطينية آية مصاروة التي قتلت ف ...
- فيديو: صاحب أرض يطرد عائلة سورية من خيمتها لعدم قدرتها دفع ا ...
- ماذا قال اللاعب الأرجنتيني إيميليانو سالا قبيل اختفاء طائرة ...
- فيديو: جنازة مهيبة للطالبة الفلسطينية آية مصاروة التي قتلت ف ...
- فيديو: صاحب أرض يطرد عائلة سورية من خيمتها لعدم قدرتها دفع ا ...
- ماذا قال اللاعب الأرجنتيني إيميليانو سالا قبيل اختفاء طائرة ...
- ووتش: مكاتبنا مغلقة والوضع بمصر والسعودية يسوء
- مقاتلة الجيل الخامس الروسية تستخدم لغرض غير معلن


المزيد.....

- الفلسفة هي الحل / سامح عسكر
- مجلة الحرية العدد 4 2019 / كتاب العدد
- تأثير الفلسفة العربية والإسلامية في الفكر اليهودي – موسوعة س ... / شهد بن رشيد
- الإله الوهم والوجود والأزلية / سامى لبيب
- الطريق إلى الكائن الثالث / معتز نادر
- في محبة الحكمة / عبدالله العتيقي
- البُعدُ النفسي في الشعر الفصيح والعامي : قراءة في الظواهر وا ... / وعد عباس
- التحليل النفسي: خمس قضايا – جيل دولوز / وليام العوطة
- نَـقد الشَّعب / عبد الرحمان النُوضَة
- التوسير والرحلة ما بين أصولية النص وبنيوية النهج / رامي ابوعلي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - نعيم إيليا - بؤس الفلسفة الماركسية (3)