أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - شادي الشماوي - الماوية : نظرية و ممارسة - 4 - - الثورة الماوية فى الصين : حقائق و مكاسب و دروس- ( 1)






















المزيد.....

الماوية : نظرية و ممارسة - 4 - - الثورة الماوية فى الصين : حقائق و مكاسب و دروس- ( 1)



شادي الشماوي
الحوار المتمدن-العدد: 3274 - 2011 / 2 / 11 - 09:39
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    



الماوية : نظرية و ممارسة -4- :

" الثورة الماوية فى الصين : حقائق و مكاسب و دروس "

بقلم شادي الشماوي



فهرس كتاب " الثورة الماوية فى الصين : حقائق و مكاسب و دروس "
1- مقدمة
2- الفصل الأول : الثورة الماوية فى الصين :
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
1- حقيقية ماوتسى تونغ و الثورة الشيوعية فى الصين.
2 - مقتطفات من وثيقة صيغت فى الذكرى الخمسين للثورة الصينية .
3 - حقيقة الثورة الثقافية .
4 - حقيقة الحرس الأحمر.
5 - حقيقة التيبت :من الدالاي لاما إلى الثورة.
6- خرافات حول الماوية .
3 - الفصل الثاني : شهادات حية :
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
1- " كنا نحلم بأن يكون العالم أفضل مما هو عليه اليوم ".
2 - نشأة فى الصين الثورية.
3 - " الثورة الثقافية المجهولة - الحياة و التغيير فى قرية صينية."
4- الفصل الثالث : من الصين الإشتراكية إلى الصين الرأسمالية :
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
1- من صين ماو الإشتراكية إلى صين دنك الرأسمالية: برنامج دنك الذى طبّق إثر إنقلاب 1976 يميط اللثام حتى أكثر عن الخطّ التحريفي الذى ناضل ضدّه الشيوعيون الماويون.
2- كابوس سوق دنك الحرة.
3- الوجه الحقيقي لل"معجزة الصينية ".
4- إنهاء عمل "الأطباء ذوى الأقدام الحافية " و الأزمة الصحية فى الريف الصين .
5- نهاية دنك سياو بينغ عدو الشعب.
5- الفصل الرابع : من تحرير المرأة إلى إستعبادها :
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
1- كسر سلاسل التقاليد جميعها .
2- كيف حررت العناية الجماعية بالأطفال النساء فى الصين الماوية.
3- النساء فى الصين : السوق الحرة الرأسمالية القاتلة.
4- النساء فى الصين : عبودية السوق الحرة .
5- النساء فى الصين : منبوذات السوق الحرة .
6- الفصل الخامس : من مكاسب الثورة الماوية فى الصين :
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
1- المكاسب الإقتصادية و الإجتماعية فى ظل ماو.
2- المعجزات الإقتصادية للصين الماوية، حين كانت السلطة بيدي الشعب.
3- كيف قضت الثورة الماوية على الإدمان على المخدرات فى الصين.
4- كيف حررت العناية الجماعية بالأطفال النساء فى الصين الماوية.
5- كسر سلاسل التقاليد جميعها.
6- معطيات و أرقام من كتاب "25 سنة من الصين الجديدة ".
7- الفصل السادس : إلى الأمام على الطريق الذى خطّه ماو تسى تونغ
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
8 – خاتمة

المراجع : بإستثناء-1- نصّ "مقتطفات من وثيقة صيغت..." و " إلى الأمام...."وهي نصوص للحركة الأممية الثورية صدرت فى "عالم نربحه" و-2- "خرافات حول الماوية " للرفيق أريك سميث من كندا ، و "معطيات و أرقام من كتاب " 25 سنة من الصين الجديدة"، و-3- المقدّمة العامة و مقدّمة "حقيقة ماو تسى تونغ والثورة الشيوعية فى الصين" و مقال "من صين ماو الإشتراكية إلى صين دنك الرأسمالية..." للمترجم ،
فإن بقية الوثائق مرجعها "الثورة" جريدة الحزب الشيوعي الثوري، الولايات المتحدة الأمريكية.











مقدمة :
لقد مثل الإنقلاب التحريفي على الخط الثوري فى الحزب و الدولة السوفياتيين وبالتالي صعود البرجوازية الجديدة للسلطة أواسط الخمسينات ضربة قاسية للغاية بالنسبة للحركة الشيوعية العالمية . و تصدى الحزب الشيوعي الصيني لقيادة الحركة الماركسية-اللينينية المناهضة للتحريفي المعاصرة التى كان على رأسها التحريفيون السوفيات . فكان الجدال العظيم الذى سمح للصين الماوية بالدفاع عن مكاسب تجربة دكتاتورية البروليتاريا فى الإتحاد السوفياتي و إستخلاص الدروس منها لتشييد تجربة أرقى و محاربة التحريفية بكافة تلويناتها.
و مكن ذلك الصراع الشرس داخل الحركة الشيوعية العالمية إلى جانب الصراع الطبقي المحتدم داخل الصين أفشتراكية و داخل الحزب الشيوعي الصيني ذاته من بناء تجربة دولة بروليتارية أرقى وصلت قمة تطورها مع الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى و إرتقت من ثمة بغلم الثورة البروليتارية العالمية من الماركسية-اللينينية إلىمرحلة ثالثة جديدة و أرقى هي الماركسية –اللينينية –الماوية .
و مثل الإنقلاب التحريفي و صعود البرجوازية الجديدة إلى سدة الحكم فى الصين سنة 1976 ،فى ظروف يطول شرحها و ليس هذا مجالها، ضربة أقسى حتى إذ بهذه الخسارة الفادحة لآخر قلاع الثورة البروليتارية العالمية لم تعد البروليتاريا تمسك بزمام سلطة دولة فى أي ركن من أركان العالم . و بهذا أغلقت الدائرة بمعنى إنتهت مرحلة الموجة الأولى للثورة البروليتارية العالمية لتبدأ مرحلة أخرى لكن التجربة المراكمة عظيمة الشأن و علم الثورة الذى إغتنى فصار م-ل-م كفيل بفتح المجال أمام المرحلة الجديدة أو الموجة الجديدة من الثورة البروليتارية الهالمية التى تلوح فى الأفق و التى لن تشق طريقها و تتطور إلا بقيادة الماوية كأرقى ما بلغه علم الثورة إلى يومنا هذا و بشقها طريقها و تتطورها ستطورو تثرى ، فى علاقة جدلية بين الممارسة و النظرية، علم الثورة البروليتارية ذاته . وهذه السيرورة بعدُ أبتدأت مع الثورة الماوية فى البيرو منذ بداية الثمانينات و الثورة الماوية فى النيبال و غيرهما من البلدان إضافة إلى الإعدادللثورة فى أماكن أخرى من عالمنا اليوم .
و لكن البرجوازية العالمية و الرجعية عموما فى جميع أرجاء العالم إستغلت إنهيار الإتحاد السوفياتي و البلدان الإشتراكية سابقا فى منعطف الثمانينات –التسعينات لتشن حملة عالمية غير مسبوقة ممتدة إلى يومنا هذا ضد علم الثورة البروليتارية العالمية و ضد البروليتاريا و الشعوب والأمم المضطهدة فرضة نظامها الدولي الجديد القديم و مدعية "موت الشيوعية " و "نهاية التاريخ" بمعنى أن الشيوعية فشلت فشلا تاريخيا مطلقا و لا بديل عن النظام الرأسمالي الذى على الجميع الخضوع له و الإستسلام إليه بما هو الأفق الوحيد الممكن .
يدعى أعداء الشيوعية أن الشيوعية فشلت كليا فحتى الأحزاب التى بلغت السلطة لم تنشأ سوى دول شمولية و فى الأخير عادت إلى مجرى التاريخ و أعادت تركيز الرأسمالية .
تسلح الشيوعيون الماويون عبر العالم بالفهم المادي الجدلي الماوي القائل :
" إثارة الإضطراب ، ثم الفشل ، و العودة إلى إثارة الإضطرابات ثانية ، ثم الفشل أيضا ، وهكذا دواليك حتى الهلاك ،ذلك هو المنطق الذى يتصرف بموجبه الإمبرياليون و جميع الرجعيين فى العالم إزاء قضية الشعوب و هم لن يخالفوا هذا المنطق أبدا .إن هذا قانون ماركسي ...
النضال ، ثم الفشل ، و العودة إلى النضال ثانية ، ثم الفشل أيضا ، ثم العودة إلى النضال مرة أخرى ، و هكذا حتى النصر ، ذلك هو منطق الشعب ، وهو أيضا لن يخالف هذا المنطقأبدا . و هذا قانون ماركسي آخر. لقد إتبعت ثورة الشعب الروسي هذا القانون ،كما تتبعه ثورة الشعب الصيني أيضأ. ( ماو تسى تونغ أب 1949 " أنبذوا الأوهام و إستعدوا للنضال " م 4).
و أخذوا على عاتقهم إعادة تنظيم الصفوف و الإنطلاق أو مواصلة حرب الشعب أو الإعداد لها و لم ينخدعوا بضخامة الدعاية لهكذا خطاب معاد للشيوعية . لقد درس الشيوعيون الماويون و أدركوا كل الإدراك الخداع البرجوازي الرجعي الذى يحول إنهيار التحريفية إلى إنهيار للشيوعية فهم منذ عقود قد شرحوا بالتفصيل الردة التحريفية فى الإتحاد السوفياتي .
فردوا بالجرءة الثورية اللازمة بشعار يلخص فحوى فهمهم العميق : "ماتت الشيوعية المزيفة ...عاشت الشيوعية الحقيقية".
و كانت نتيجة المعركة بفعل التطور اللامتكافئ لمكونات الحركة الشيوعية الماوية و ظروف نشاطها و قدرة فعلها متباينة من ناحية إلى أخرى من نواحي العالم فمثلا فى آسيا و فى جنوبها الشرقي تحديدا مرّ الشيوعيون الماويون من الدفاع إلى الهجوم المعاكس متقدمين ليس نظريا فحسب بل عمليا كذلك فى أتون حروب شعبية مستعرة نحو إفتكاك السلطة و إقامة دول تقودها البروليتاريا كقلاع للثورة البروليتارية العالمية .

أما فى القطر و عربيا فلم يجد الهجوم الإيديولوجي البرجوازي الرجعي على الشيوعية الرد المناسب وكانت الإنعكاسات هدامة و نحن لا نزال فى مرحلة الدفاع بل فى بداياتها . و لئن وجدت بعض الردود الجزئية و غير العميقة و غيرالعلمية وغير المقنعة بالتالي ،فكانت قطريا على الأقل من جانب بعض الخوجيين المفضوحين و على نطاق محتشم للغاية . و بالنتيجة سادت البلبلة و ساد الإضطراب صفوف المجموعات و التنظيمات و بخاصة صفوف المناضلين المتعاطفين أو غير المنتمين تنظيميا الذين أذهلهم الهجوم الكاسح و ما كانوا مستعدين له هم حتى الكثير من المنتمين تنظيميا لهشاشة تكوين الكثير منهم و للتوجهات الخوجية و الشرعوية لآخرين و لفشل الشيوعيين الماويين فى القيام باللازم و رد الهجوم العام المعادى للشيوعية و الهجوم الخوجي المفضوح و المتسترعلى الماوية الذى تزامن معه .
فشهدت القوى الشيوعية الحقيقة أساسا – و الشيوعية المزيفة إلى حدود – تراجعا ملموسا إتخذ شكل إحباط و يأس لفقدان البوصلة و الشك فى الهدف الإستراتيجي و مدى إمكانية تحقيقه لدى عدد لا بأس به من العناصر و شكل إنشقاقات و سيادة توجهات إنتهازية يمينية، زيادة على تعمق إنحرافت أربع ميزت الحركة الشيوعية فى القطر ألا وهي القومجية و الخونجة و الشرعوية و النقابوية حيث أضحت علانية مجموعات تدعى الشيوعية تنقاد بمقولات الفكر القومي و تدافع عنه و غدت أخرى تهلل للأخوانجية أو تتحالف معهم و أضحت ثالثة شرعوية و أمست رابعة نقابوية لا غير .
لقد أثبت تاريخ الصراع الطبقي قطريا و عربيا و عالميا أن الماوية وحدها قادرة على قيادة العمل الشيوعي الثوري و على إرساء أسس صلبة لحركة ثورية فعلا . فالحركة الشيوعية فى القطر حين كانت ماوية فى الأساس رغم هناتها الهامة و النواقص فى فهمها و تطبيقها أفرزت إلى حد ما حركة ثورية قوية و عندما تعرضت الماوية للتعتيم و التشكيك و المحاصرة و التشويه من كل صوب و نحب فى إرتباط بالصراع الطبقي قطريا و عربيا و عالميا إنحصر المد الشيوعي و إستحالت غالبية المجموعات و التنظيمات إنتهازية بصورة أو أخرى .
و مثلما قال لينين : لا حركة ثورية دون نظرية ثورية يمكننا اليوم أن نقول لا حركة ثورية دون الماوية كمرحلة ثالثة جديدة و أرقى فى علم الثورة البروليتارية العالمية .
لهذا علينا أن نتبنى و نضع موضع الممارسة شعار :" إستيعاب الماوية و رفع رايتها و الدفاع عنها و تطبيقها و تطويرها "و أن نعمل على جعل الماوية قائدة للموجة الجديدة للثورة البروليتارية العالمية بتياريها : الثورة الديمقراطية الجديثدة / الوطنية الديمقراطية فى المستعمرات الجديدة أو المستعمرات و أشباه المستعمرات و الثورة الإشتراكية فى البلدان الإمبريالية ، هذه الموجة التى تلوح فى الأفق.
فى إطار التمسك بهذا الشعار و تكريسه واقعيا يتنزل هذا العمل التأليفي القائم كليا تقريبا على ترجمات لمقالات ووثائق ماويين عبر العالم قمنا بتبويبها حسب محاور و مواضيع ذات دلالة وهي تتناول بصورة ملخصة بعض حقائق و مكاسب و دروس الثورة الماوية فى الصين، بمرحلتيها الديمقراطية الجديدة و الإشتراكية منذ 1956، لمواجهة أعداء الشيوعية و الثورة من برجوازيين إمبرياليين و رجعيين و تحريفيين معاصرين و تروتسكيين و خوجيين مفضوحين و متسترين الذين إلتقوا لقاءا رجعيا يشوه الثورة الماوية و يهيل عليها ظلالا من التعتيم و الإفتراء بغرض طعن الماوية و بالتالي المشروع الشيوعي القابل للتطبيق و الفعال و بالطبع لتركيز بديل يقول البعض منهم زيفا أنه بديل شيوعي.
يلتقى أعداء الثورة و الشيوعية ضمن ما يلتقون حوله : حول إعتبار أن الماوية أضرت بالصين قالبين الحقائق رأسا على عقب و متنكرين كليا للمكاسب التى تحقت فى ظل للشعب الصيني فى ظل القيادة الماوية للحزب الشيوعي الصيني، وحول إدانة الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى، قمة ما بلغته تجارب دكتاتورية البروليتاريا فى العالم ، على أنها إنقلاب قصر و سبب تعاسة عدد لا يحصى من الصينيين و يلتقى الخوجيون جميعا المفضوحين منهم و المتسرين حول عدم التفريق بين ماو و أعدائه ( دنك سياو بينغو ليوشاتشى و لين بياو مثلا) فى حين يكيل التحريفيون السوفيات و من لف لفهم إلى جانب الإمبرياليين عبر العالم المديح لدنك على أنه مخلص الصين من الماوية و صانع تقدمها ( و لا تزال ندوة بروكسال التى يحتضها سنويا حزب العمل البلجيكي تعتبر الصين إشتراكية !) و بالتالي يلتقى أعداء الشيوعية و أعداء الثورة هؤلاء حول غاية قبر الماوية و الشيوعية الحقيقية .
و لتشويه أرقى تجربة دكتاتورية البروليتاريا عالميا يحيكون الأساطير و ينسجون الأرقام و الروايات المضللة و التى لا أساس لها من الصحة . فعلى سبيل المثال من الأفكار الخاطئة التى يروج لها أعداء الماوية و الشيوعية :
- أن ما بين 16 و 30 مليون صيني ماتوا خلال القفزة الكبرى إلى الأمام (58-1960) بسبب السياسات الماوية فى حين عدد الذين لقوا حتفهم أقل من ذلك بكثير و الأسباب الأساسية هي أولا المجاعة التى نتجت عن الفياضانات من جهة و شح الأمطار من جهة ثانيةو ثانيا سحب التحريفيين السوفيات لآلاف التقنيين العاملين فى الصين فى مدة لا تتجاوز الشهر فإنجر عن ذلك غلق عشرات المصانع (و لم ينجزوا التقنيين إلا 154 مصنعا من أصل 300 المقرر إنجازها ) .وهذا لا يعنى طبعا عدم حصول أخطاء ثانوية خلال القفزة الكبرى إلى الأمام فالماويون أنفسهم قدموا نقدهم الذاتي لهذه الأخطاء الثانوية .
- أن ماو يعارض المثقفين و التعليم وأنه إضطهد العاملين فى مجالات الفن و الثقافة و التعليم و فى الوثائق التى ستطالعون لاحقا فى طيات هذا الكتاب ستجدون ردودا كافية و شافية على هذه التخريجات المعادية للشيوعية و الماوية وكذلك على أسطورة أن ماو شجع على ممارسة العنف خلال الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى .
ثمرة عملنا الذى نضع بين أيديكم تنخرط فى مجهود تمكين أولا المناضلين و المناضلات الشيوعيين الماويين ثم غيرهم من إستيعاب أعمق لملخص بعض حقائق و مكاسب و دروس الثورة الماوية فى الصين التى حبرت بصددها عشرات بل مئات الكتب وبلغات متنوعة و ذلك بغاية أن يرفعوا راية الماوية عاليا و يدافعوا عنها بوعي تام و يطبقوها و لما لا يطوروها مع تطوير ممارساتهم و تنظيراتهم الثورية .
الماوية كمرحلة ثالثة جديدة و أرقى طورت المكونات الثلاث للماركسية –اللينينية : الفلسفة و الإقتصاد السياسي و الإشتراكية العلمية سلاحنا فى تفسير الواقع من أجل تغييره و ستكون سلاحا جبارا فى الصراع الطبقي متى ملكت ناصيتها الجماهير الواسعة المعنية بتغيير العالم ،لا سيما منها جماهير العمال المعنية بقيادة الثورة الديمقراطية الجديدة و جماهير الفلاحين حليفهم الأوثق.
و مثلما قال إنجلز فى معرض حديثه عن أهمية النضال النظري إلى جانب النضال على الجبهتين الإقتصادية و السياسية : " سيكون واجب القادة على وجه الخصوص أن يثقفوا أنفسهم أكثر فأكثر فى جميع المسائل النظرية و أن يتخلصوا أكثر فأكثر من تأثير العبارات التقليدية المستعارة من المفهوم القديم عن العالم و أن يأخذوا أبدا بعين الإعتبار أن الإشتراكية ،مذ غدت علما ، تتطلب أن تعامل كما يعالم العلم ، أي تتطلب أن تدرس . والوعي الذى يكتسب بهذا الشكل و يزداد وضوحا ،ينبغى أن ينشر بين جماهير العمال بهمة مضاعفة أبدا..." ( لينين – ما العمل؟ ) .










الفصل الأول
الثورة الماوية فى الصين
( عقب عقود من الصراع الطبقي و الوطني المسلحين تمكن الحزب الشيوعي الصيني بقيادة ماو تسى تونغ من تحقيق الظفر للثورة الديمقراطية الجديدة سنة 1949 فبنى دولة الديمقراطية الشعبية لتحالف شعبي قوامه العمال و الفلاحين بقيادة الطبقة العاملة و حزبها الشيوعي و منذ أواسط الخمسينات شُرع فى التحويل الإشتراكي الذى أعدت له الأرضية المرحلة السابقة . فكانت الثورة الماوية تجربة فذة و رائدة إستفادت من التجارب الإشتراكية السابقة و شيدت صرحا أرقى فأرقى قمته الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى التى خطت أبعد الخطوات فى التقدم صوب الشيوعية ).
1/حقيقة ماوتسى تونغ و الثورة الشيوعية فى الصين :
مقدّمة بقلم المترجم :
بإعتباره مادي جدلي وليس مثالي ميتافيزيقي ،إعترف ماو تسى تونغ بأن الحقيقة وليس الأوهام والخيالات تصبّ على الدوام فى خدمة الشعب ذلك أن الحقيقة مثلما قال لينين هي وحدها الثورية وأن تغيير الواقع الملموس يتطلب تفسيره تفسيرا صحيحا ماديا جدليا علميا وعندما أدرك ماو ان التحريفيين الخروتشوفيين – الطبقة البرجوازية الجديدة كما ستسمى لاحقا- قد إغتصبوا السلطة فى الإتحاد السوقياتي وحوّلوا دولة وحزب البروليتاريا اللذان قادهما لينين ثم ستالين إلى دولة وحزب برجوازيين وأعادوا تركيز الرأسمالية ودمروا الإشتراكية ، لم يتردّد كشيوعي صريح فى إقرار تلك الحقيقة المؤلمة للغاية ولم يهادن التحريفيين ولم يغضّ النظر عن سياساتهم الرجعية داخليا وخارجيا وبالتالي لم يسلك إزاءهم سلوكا إنتهازيا كما فعل بعض قادة الأحزاب الشيوعية الأخرى وإنما تحمّل بجسارة مسؤولية التصدّى لهم داخل الحركة الشيوعية العالمية ثمّ القطع معهم مهما كلفه و كلف الحزب و الدولة الصينيين و الحركة الثورية وفضحهم ودافع عن الماركسية-اللينينية ورموزها لينين و ستالين .وأكثر من ذلك عمل جاهدا لحثّ و قيادة الحركة الشيوعية العالمية فى إلحاق الهزيمة بالتحريفية المعاصرة من جهة و على البحث و التنقيب و الدراسة النقدية للتجربة السوفياتية لإستخلاص الدروس الإيجابية منها و السلبية خدمة للمستقبل وتشييد تجارب بروليتارية ثورية أرقى فأرقى.
وبفضل هذا الخط الماوي الثوري تمّت مقاومة التحريفية فى الصين و عالميا ونتيجة الجدال العظيم الذى قاده ماو تسى تونغ ضد التحريفية المعاصرة منذ الخمسينات و خاصة فى الستينات ولدت الحركة الماركسية-اللينينية وإن كانت القطيعة التى أجرتها تنظيمات و أحزاب شيوعية غير تامة أحيانا أومشوبة بإرث ثقيل من الإنتهازية و الدغمائية . وأبرز رموز الحركة الناشئة كان بلا منازع ماوتسى تونغ الذى زاد صيته وعلا أكثر نجمه مضيئا درب الثورة البروليتارية العالمية بتياريها الثورة الإشتراكية فى البلدان الرأسمالية الإمبريالية والديمقراطية الجديدة /الوطنية الديمقراطية بقيادة شيوعية فى المستعمرات وأشباه المستعمرات،مع قيادته للثورة الثقافية البروليتارية الكبرى كمواصلة للثورة فى ظل دكتاتورية البروليتاريا .
وعربيا و قطريا يشهد التاريخ رغم تنكّر البعض و تعنّتهم أن المجموعات الماركسية-اللينينية التى تشكّلت خارج الأحزاب الشيوعية التقليدية-التحريفية وبعيدا عن التروتسكية المفضوحة تبنّت بدرجة أو أخرى أفكار الحركة الماركسية-اللينينية التى كان ماوتسى تونغ ألمع قادتها . بيد أنه إثر هزيمة البروليتاريا والثورة الصينيين وإستيلاء الطبقة البرجوازية الجديدة الصينية على الحزب و الدولة و إعادة تركيز الرأسمالية فى الصين ،عقب وفاة ماو تسى تونغ فى 1976 ، عوض أن ترفع الحركة الماركسية-اللينينية راية ماوتسى تونغ الحمراء الخفاقة الثورية،و فى الوقت الذى كانت فيه التحريفية الصينية- البرجوازية الجديدة و على رأسها دنك سياو بينغ تكيل التشويه و تبثّ الضبابحول الماوية نظريا و تقبرها عمليا، تقدّم أنور خوجا ،زعيم حزب العمل الألباني ليهاجم بضراوة وفجاجة ماوتسى تونغ وأفكاره الثورية بشتى الوسائل المنحطّة البعيدة البعد كلّه عن الحقيقة والنزاهة و المنهج المادي الجدلي،و القائمة على الكذب و التزوير وإختلاق التهم .وإستغل الإنتهازيون داخل الحركة الماركسية-اللينينية عربيا و فى القطر خصوصا البلبلة داخل الحركة الشيوعية العالمية الناجمة عن نشر كتاب أنور خوجا الذى كان قبل ذلك يرفع ماو إلى السماء ("الإمبريالية و الثورة" ) ليخرجوا من جحورهم وينفثوا سمومهم فى محاولة لإهالة التراب على الشيوعية الثورية بما ييسّر لهم فرض برامجهم وتنظيماتهم الإصلاحية .وبعد سنوات من بثّ الشك و المراوغات نظمت حملة شعواء ضد الماوية بداية بالترويج لكتاب أنور خوجا ثم بنشر ...كتب و "بحوث" مناهضة للماوية وقد نجحت التحريفية و الدغماتحريفية عربيا و قطريا فى هذا الهجوم السافر لأسباب متعدّدة ومعقدة ليس هذا مجال تفصيلها ،فى عزل الماوية ومحاصرتها وفى بسط هيمنة الإصلاحية و النقابوية على الحركة الشيوعية.
ومحاولات الردود الأولى قطريا التى طالت أنور خوجا ... لم تستمرّ كما ينبغى لتأخذ مداها و تتابع الكتب و "البحوث" بالنقد التفصيلي و الصراع المبدئي لكشف تهافتهما بأسرع وقت ممكن لذلك تظل هذه المهمّة ،بعد عقود الآن ، قائمة الذات إذا ما رام الثوريون أن يعيدوا بناء حركة شيوعية ثورية حقا كجزء من الثورة البروليتارية العالمية خاصة و أن وقائع الصراع الطبقي عالميا أكّدت و لا تزال أن التيارات و المنظمات التى إنحرفت و نبذت الماوية كمرحلة ثالثة جديدة و أرقى فى علم الثورة البروليتارية العالمي إنتهت إلى التفسّخ و لم تعد ثورية بل أمست إصلاحية و نقابوية و ما إلى ذلك و أنّ الماويين المتمسّكين بالماركسية-اللينينية-الماوية قطعوا أشواطا فى تقييم الموجة/المرحلة الأولى من الثورة البروليتارية العالمية و فى خوض الصراع الطبقي من موقع متقدّم بغاية تحقيق الهدف الأسمى ،الشيوعية و الماويون اليوم على راس أهمّ الحركات الثورية فى العالم لا سيما فى آسيا . بقدر ماإستوعبوا الماوية و رفعوا رايتها و دافعوان عنها و طبقوها و طوروها بقدر ما تقدّموا بالحركة الثورية البروليتارية و العكس بالنسبة لأعداء الماوية بقدر ما إبتعدوا عنها بقدر ما نزلوا إلى حضيض التفسّخ و الإنتهازية و الدغمائية و حتى الخدمة الجلية لأعداء الثورة.
وفى إطار هذه المعركة الفكرية الضرورية لتقدّم الماوية ،و بمناسبة الذكرى 60 لإنتصار الثورة فى الصين – سنة 1949- نساهم مساهمة بسيطة بهذه الترجمة لمقال ماوي من الصحافة الماوية عبرالعالم فى دحض الترهات الخوجية و الدفاع عن الماوية ورفع رايتها من خلال عرض مقتضب لحقيقة ماوتسى تونغ و الثورة الماوية فى الصين ينفض بعض الغبارالتحريفي و الرجعي العامل على حجب الماوية عن المثقفين و الجماهير ويقدّم بعض التوضيحات لمن له فكرة غير تامة عن موضوع الحال أو يمثّل مدخلا للإبحار فى دراسة جدّية للتعرّف على حقيقة الماوية كمرحلة جديدة ثالثة و أرقى فى علم الثورة البروليتارية العالمية ، الماركسية-اللينينية-الماوية ،لا سيما بالنسبة للأجيال الجديدة.
ولأن التحريفين و الدغماتحريفيين الذين يروجون أباطيل ملخّصها أن ماو ما كان يوما شيوعيا و أن الصين ما كانت يوما إشتراكية أقاموا صرح جانب كبير من نقدهم على عقد مقارنات دغمائية لاتصحّ بين ثورة أكتوبر والثورة الماوية فى الصين بمرحلتيها الديمقراطية و الإشتراكية رأينا قبل كلّ شيئ، ختام هذه المقدّمة ، أنه من الضروري أن ندع لينين و ماو يعطياننا فكرة عن الرابطة الحقيقية بين الثوريتين.
ماو حول ثورة أكتوبر المجيدة و المسألة الوطنية :
" الحرب الإمبريالية العالمية الأولي و الثورة الإشتراكية الظافرة الأولي ، ثورة أكتوبر ، قد غيرتا إتجاه تاريخ العالم كله و إنتجتا عصرا جديدا .
ففى العصر الذى إنهارت فيه الجبهة الرأسمالية العالمية فى جزء من الكرة الأرضية (سدس مساحة الأرض) بينما ظهر للعيان تفسخ الرأسمالية فى أجزاءها الأخري ، العصر الذى أصبحت هذه الأجزاء الرأسمالية الباقية لا تستطيع أن تحيا فيه بدون مزيد من الإعتماد على المستعمرات و شبه المستعمرات ، العصر الذى قامت فيه دولة إشتراكية و أعلنت رغبتها فى خوض النضال من أجل دعم حركة التحرر فى جميع المستعمرات و شبه المستعمرات ، العصر الذى تتحرر فيه البروليتاريا فى البلدان الرأسمالية يوما فيوما من نفوذ الأحزاب الإشتراكية الديمقراطية –الأحزاب الإشتراكية الإمبريالية –
و تعلن تأييدها لحركة التحرر فى المستعمرات و شبه المستعمرات ، فى هذا العصر إذا نشبت فى أي بلد مستعمر أو شبه مستعمر ثورة موجهة ضد الإمبريالية ، أي ضد البرجوازية العالمية و الرأسمالية العالمية ، فهي لا تنتسب إلى الثورة الديمقراطية البرجوازية العالمية بمفهومها القديم ، بل تنتسب إلى مفهوم جديد ، و لا تعد جزءا من الثورة العالمية القديمة البرجوازية و الرأسمالية ،بل تعد جزءا من الثورة العالمية الجديدة ، أي جزءا من الثورة العالمية الإشتراكية البروليتارية ، و إن مثل هذه المستعمرات و شبه المستعمرات الثورية لم تعد تعتبر فى عداد حليفات الجبهة الرأسمالية العالمية المضادة للثورة ، بل أصبحت حليفات للجبهة الإشتراكية العالمية الثورية .
و على الرغم من أن مثل هذه الثورة فى البلد المستعمر و شبه المستعمر لا تبرح خلال مرحلتها الأولى ثورة ديمقراطية برجوازية بصورة أساسية من حيث طبيعتها الإجتماعية ، وعلى الرغم من أن رسالتها الموضوعية هي تمهيد الطريق لتطور الرأسمالية ، إلا أنها ليست ثورة من النمط القديم تقودها البرجوازية و تهدف إلى إقامة مجتمع رأسمالي بل هي ثورة جديدة تقودها البروليتاريا و تهدف ، فى مرحلتها الأولى ، إلى إقامة مجتمع للديمقراطية الجديدة و دولة خاضعة للدكتاتورية المشتركة التى تمارسها جميع الطبقات الثورية . و هكذا فإن هذه الثورة من ناحية أخرى تقوم ، على وجه التحديد ، بتمهيد طريق أوسع و أرحب من أجل تطور الإشتراكية...
إن هذا التعريف الصحيح الذى طرحه الشيوعيون الصينيون يستند إلى نظرية ستالين .
فقد قال ستالن فى مقال كتبه فى عام 1918 إحياء للذكرى الأولى لثورة أكتوبر :
" إن المغزى العالمي العظيم لثورة أكتوبر يتمثل بصورة رئيسية فى أنها :
1) وسعت إطار المسألة القومية إذ حولتها من مسألة جزئية خاصة بالنضال ضد الإضطهاد القومي فى أوروبا إلى مسألة عامة متعلقة بتحرر الأمم المضطهدة و المستعمرات و شبه المستعمرات من نير الإمبريالية ،
2) أتاحت إمكانية عريضة و شقت طرقا واقعية نحو تحقيق هذا التحرر ، وهي بذلك دفعت كثيرا قضية تحرر الأمم المضطهدة فى الغرب و الشرق و إجتذبت هذه الأمم إلى التيار العارم للنضال الظافر ضد الإمبريالية ،
3) أنشأت بذلك جسرا بين الغرب الإشتراكي و الشرق المستعبد ، إذ خلقت جبهة جديدة من الثورات ضد الأمبريالية العالمية تمتد من البروليتاريا فى الغرب ، عبر الثورة الروسية ، إلى الأمم المضطهدة فى الشرق ."
( ماو تسي تونغ –حول الديمقراطية الجديدة / م 2، ص 479-481 ، يناير –كانون الثانى 1940)
لينين حول مهمة إحداث طرق جديدة للثورة :
فى تقرير فى المؤتمر الثاني لعامة روسيا للمنظمات الشيوعية لشعوب الشرق فى 22 نوفمبر 1919 ، ورد على لسان لينين :" أنتم تمثلون منظمات شيوعية و أحزابا شيوعية تنتسب لمختلف شعوب الشرق . و ينبغى لى أن أقول إنه إذا كان قد تيسر للبلاشفة الروس إحداث صدع فى الإمبريالية القديمة ، إذا كان قد تيسر لهم القيام بمهمة فى منتهى العسر وإن تكن فى منتهى النبل هي مهمة إحداث طرق جديدة للثورة ، ففى إنتظاركم أنتم ممثلى جماهير الكادحين فى الشرق مهمة أعظم و أكثر جدة ...
و فى هذا الحقل تواجهكم مهمة لم تواجه الشيوعيين فى العالم كله من قبل : ينبغى لكم أن تسندوا فى الميدانين النظري و العملي إلى التعاليم الشيوعية العامة و أن تأخذوا بعين الإعتبار الظروف الخاصة غير الموجودة فى البلدان الأوروبية كي يصبح بإمكانكم تطبيق هذه التعاليم فى الميدانين النظري و العملي فى ظروف يؤلف فيها الفلاحون الجمهور الرئيسي و تطرح فيها مهمة النضال لا ضد رأس المال ، بل ضد بقايا القرون الوسطى . وهذه مهمة عسيرة ذات طابع خاص ، غير أنها مهمة تعطى أطيب الثمرات ، إذ تجذب إلى النضال تلك الجماهير التى لم يسبق لها أن إشتركت فى النضال ، و تتيح لكم من الجهة الأخرى الإرتباط أوثق إرتباط بالأممية الثالثة بفضل تنظيم الخلايا الشيوعية فى الشرق ... هذه هي القضايا التى لا تجدون حلولا لها فى أي كتاب من كتب الشيوعية ، و لكنكم تجدون حلولها فى النضال العام الذى بدأته روسيا . لا بد لكم من وضع هذه القضية و من حلها بخبرتكم الخاصة ..."
و جاءت تجربة الثورة الديمقراطية الجديدة الصينية بقيادة الشيوعيين و على رأسهم ماو تسي تونغ لتخط بدماء الشعب الثوري طرقا جديدة للثورة ثم جاءت الثورة الثقافية البروليتارية الكبري طريقة و وسيلة لمواصلة الثورة فى ظل دكتاتورية البروليتاريا .
---------------------------------------------------------------------------------------------------------
نص لى أونستو من جريدة " الثورة" لسان الحزب الشيوعى الثوري للولايات المتحدة الأمريكية :
"القصّة الحقيقية لماو تسى تونغ و الثورة الشيوعية فى الصين."
---------------------------------------------------------------------------------------------------------------
فى الستينات و السبعينات ، كان ماوتسى تونغ من أشهر الناس عالميا. فقد قاد الشعب الصيني فى إنجاز الثورة رغم العقبات المتنوعة . وبالنسبة لملايين الذين كافحوا بحماس من أجل العدالة والتحرّر فى تلك الأيام ، مثلت الثورة الصينية منارة .وماو نفسه كان معروف للغاية لكونه رفض بصرامة إيقاف الثورة فى نصف الطريق إذ ما إنفك وما توقف عن الكفاح فى سبيل عالم خال من الإنقسامات إلى طبقات وإلى أمم و إلى ممضطهِد ومضطهَد. والكثير من الناس من أساتذة و عمال وأطباء وعلماء وطلبة وثوريون من شتى البلدان زاروا الصين لمشاهدة المجتمع الإشتراكي الذى كان يبنى بقيادة ماو. وعاد الكثير منهم إلى ديارهم وقد ألهمهم ما رأوه وملأهم بالتفاؤل بإمكانية تحرير المجتمع حقا.
وفى الصين ذاتها ،وقّرت الجماهير ماو كقائد للطليعة الثورية فى الصين ،الحزب الشيوعي الصيني فهو قد قاد إلى النصر فى حرب التحرير التى دامت 22 سنة ضد كلّ من المحتلين الأجانب و الرجعيين المحليين.و بعد ذلك الكفاح الملحمي ، قاد الشعب فى بناء مجتمع جديد وحياة جديدة فى الصين الإشتراكية ،وفى المضي قدما فى الدفاع عن الثورة وتغيير المجتمع أثناء الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى.
لكن كان هنالك أيضا أولئك الذين عارضوا ماو ،بالضبط ضمن قيادة الحزب الشيوعي الصيني. مثل ماو ، ساهموا فى ثورة التحرير بيد انه على خلاف ماو لم تكن عيونهم مركزة على الطريق إلى الشيوعية. فى الحقيقة ، لم تتجاوز أهدافهم حقا بناء الصين لجعلها أمة قوية. وبإسم بناء صين قوية حديثة تبنوا برامجا وسياسات تعزّز جوهريا العلاقات والأفكار الرأسمالية.

وإثر وفاة ماو فى 1976 ،إفتكّ هؤلاء " أتباع الطريق الرأسمالي " فى الحزب الشيوعي الصيني السلطة وأطاحوا بالإشتراكية وأعادوا تركيز الرأسمالية وإعتقلوا مئات الآلاف وقتلوا الآلاف إبان الإنقلاب. وبالرغم من أن الحكومة الصينية واصلت دعوة نفسها إشتراكية وشيوعية، صارت الصين مذاك دولة رأسمالية. ودُمّرت مبادئ ماو التى ناضل من أجلها ،و حوّل حكام الصين الجدد ماوتسى تونغ إلى أيقونة قومية.
واليوم نشأت أجيال جديدة لاتعرف عن ماو والصين سوى الروايات الرسمية للطبقات الحاكمة...وللإعلام السائد.وما يعرفونه فى جزء كبير منه خاطئ تماما. يقال للناس إن ماو كان قاسيا "دكتاتورا مهووسا بالسلطة " إرتكب جرائم كبرى ضد الشعب. لكن الحقيقة هي أن ماو تسى تونغ كان شيوعيا ثوريا عظيما قاد ربع سكان الأرض لتحرير الصين من ربقة المضطهِدِين الإمبرياليين ثم إنتقل إلى بناء مجتمع تحرري إشتراكي لمدّة 25 سنة. ألا إن فهم حقيقة ماو مهمّة لكلّ شخص ذلك أن الثورة التى قادها مثّلت معلما رئيسيا من معالم التاريخ الإنساني وعلى كلّ شخص أن يعرف الحقيقة بشأن مثل هذه الثورة ومثل هذه الشخصية. وبالنسبة للذين يتطلعون حقا لتغيير العالم ، يكتسى الأمر درجة أكبر من الأهمية فتفكير ماو وممارسته الثوريين يشكلان جزءا حاسما فى أساس ونقطة إنطلاق إعادة بناء الحركة الشيوعية اليوم.
و إليكم القصّة الحقيقية لماوتسى تونغ و الثورة ذات البعد التاريخي العالمي التى قادها فى الصين.
نشأ فى بلاد أطلق عليها وصف "رجل آسيا المريض"
ولد ماو فى 26 ديسمبر 1893 ونشأ فى صين غزتها وقسمتها بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة وروسيا وألمانيا و اليابان. وقد سيطرت هذه القوى الإستعمارية على إقتصاد الصين وسياستها وعاملت الشعب الصيني معاملة الكلاب وإستغلته فى "الأشغال الشاقة" فى المزارع وفى المناجم فى جميع أنحاء العالم.
كانت القوى الأجنبية موجودة فى كل مدينة كبيرة وكانت القوارب المسلحة البريطانية والأمريكية تقوم بدوريات فى المياه الإقليمية الصينية وكانت البلدان الأجنبية تسيطر على الموانى والنظام البريدي و الشحن والسكك الحديدية .و كان يُقرأ على لافتة معلّقة بمدينة شنغاي الكبيرة "ممنوع على الكلاب و الصينيين". كانت الصين مضطهَدَة إلى درجة أنه أطلق عليها وصف "رجل آسيا المريض".
وكان غالبية سكان الصين أين نشأ ماو من الفلاحين الفقراء الذين يعانون من النظام الإقطاعي. وكان الإقطاعيون الكبار يملكون جلّ الأراضي و أجبروا الفلاحون بلا أرض على العمل عندهم والحصول بالكاد على ما يسدّ رمقهم و الديون لم تكن تفارقهم وهم عرضة لإستبداد الإقطاعيين . وتميّزت ظروف عيشهم بالفقر و الجوع و المرض.وباعت عائلات أطفالها لأنها لم تكن قادرة على إطعامهم. كما تسببت المجاعات فى موت الآلاف.
و ما كانت الحياة بالنسبة لعامة الشعب من سكان المدن بأفضل بكثير من تلك بالريف. ففى شنغاي ،كلّ سنة ،كان يتمّ إلتقاط حوالي 25 ألف جثّة من الشوارع. وأغرق البريطانيون الصين فى الأفيون محوّلين ما يفوق ال60 مليون صيني إلى مدمنين بينما درّت تجارة المخدرات المال الوفير على الرأسماليين البريطانيين والأمريكان.
لنتوقف لحظة ونفكّر فى الناس وراء تلك الأعداد ودرجة البؤس الإنساني والمعاناة التى يمثلها ذلك ،عاما بعد عام.
ونشأ ماو أيضا زمن إنتفاضات الفلاحين .فمن 1901 إلى 1910، سجّل تقريبا ألف نضال من النضالات العفوية التى شارك فيها عشرات ملايين الناس. وكطالب ، درس ماو تمرّد تيبينغ حيث حمل الفلاحون السلاح وركزوا حكومة ثورية ( من 1850إلى 1864). وهكذا عرف ماو كيف أن 20 مليون شخص قتل حين أرسلت الحكومة الصينية ،سوية مع الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا قواتا لقمع التمرّد.
مجدّدا لنقف ولنفكّر فى الناس وراء ذلك العدد من القتلى.
فى 1906 ، لماّ كان ماو بعمر 12 سنة، ضربت الحرب و المجاعة و الفيضان الصين .وعندما حدثت "إنتفاضة هونان" ، قال ماو إنها أثرت على حياته كلّها .زحف الآلاف من عمال المناجم والفلاحين على العاصمة الإقليمية وهاجموا مخازن حبوب الإقطاعيين. وقمع الجنود التمرّد وعلقت رؤوس الثوّار المذبوحين على باب المدينة تحذيرا للناس. قال ماو:" نوقشت هذه الحادثة فى مدرستي لعدّة أيام .وولدت إنطباعا عميقا لديّ. وتعاطف أغلب الطلبة الآخرين مع "المتمردين" ولكن فقط من وجهة نظر المتفرّج. لم يفهموا علاقة ذلك بحياتهم الخاصة. إهتموا بها مجرّد إهتمام بحادثة مثيرة. أما أنا فلم أنساها.شعرت بأن الثوار كانوا أناسا عاديين مثل عائلتى الخاصة وإستأت عميق الإستياء من معاملتهم بظلم."
لكن على الرغم من بطولتها وتضحياتها ،أثبتت هذه الإنتفاضات عجزها حقا عن حلّ المشكلة و تغيير المجتمع جوهريا. وماو شأنه شأن الكثيرين من جيله ، صمّم على إيجاد طريق التقدّم. وفى 1909، فى عمر 16 سنة ، ترك ماو المنزل العائلي للإلتحاق بالمعهد ليصبح معلّما. قال:" للمرّة الأولى رأيت ودرست بإهتمام كبير خريطة العالم".ودرس ماو تاريخ فلاسفة الأمم الأخرى من مختلف البلدان. وإطلع على الصحف الصادرة فى جميع أنحاء الصين. ولأول مرّة قرأ "بيان الحزب الشيوعي" لماركس وإنجلز.وفى 1917 ، أسّس ماو "رابطة دراسة الشعب الجديد" . وعارضت هذه المجموعة من النشطاء و الشبان تدخين الأفيون و القمار وشرب الخمر والدعارة و الفساد وعارضت إضطهاد النساء أيضا. وجادل ماو بأن النساء يجب أن يكنّ " مستقلات" و لا يمكن أن يكون الرجال أحرارا طالما لم يتمّ تحرير النساء أيضا. وأخذت المجموعة تنظم دروسا مسائية للعمال حيث درّس ماوالتاريخ و ناقش " الشؤون العامة الراهنة " وقرأ الصحف للعماّل. ورد فى مصلق يعلن دروسه :" تعالى وإستمع إلى خطاب صريح وبإمكانك إرتداء أي ملابس تريد".
طلقات المدافع من روسيا:
فى 1917 ، إفتكّ البلاشفة السلطة فى روسيا وأرسوا دولة جديدة إشتراكية. فأرسلت هذه الثورة التى قادها لينين موجات زلزلت العالم و نشرت الشيوعية إلى بلدان أخرى وربطت مع النضالات المناهضة للإستعمار القائمة حينها. ولعديد الأجيال ، قاومت جماهير الشعب الصيني دون أن تملك لا نظرية و لا قيادة و لا خطّة لبلوغ التحرير. لكن الآن كما وضع ذلك ماو : " جلبت طلقات مدافع أكتوبر الماركسية-اللينينية إلى الصين".
وعقب الحرب العالمية الأولى ،حوّلت القوى التى كسبت الحرب الحقوق والإمتيازات الإستعمارية الألمانية فى الصين إلى اليابان.وفى 4 ماي 1919 ، تظاهر 3 آلاف طالب فى العاصمة بيكين ضد هذا القرار. فأعلن الحكم العرفي / حالة الطوارئ وشرعت الشرطة و الجيش فى إعتقال الناس . دعا الطلبة لإضراب عام فى المعاهد.ومباشرة بعد هذا الإضراب الذى تركز فى شنغاي بمشاركة 90 ألف عامل،أغلق أكثر من مائة شركة و مصنع. وحينما بلغ الأمر سمع ماو والأعضاء الآخرين لرابطة دراسة الشعب الجديد حول "حركة 4 ماي " ، دعوا إلى إضراب وشكلوا إتحاد طلبة فى هونان. وطوال 1919 تلقت هذه الحركة المناهضة للإمبريالية دعما واسعا عبر الصين وسيّست الملايين.
ومبكّرا تحدّث ماو ضد الطريقة التى كانت تضطهد النساء إعتمادا على التقاليد الإقطاعية. وفى 14 نوفمبر 1919 ، ذبحت إمرأة نفسها عند نقلها على كرسي حمال ضمن زواج مرتّب. ولماّ بلغ ماو الأمر نشر سلسلة من 10 مقالات تنحى باللوم على الظروف الإجتماعية القائمة على هذه المأساة. قال إن النساء "قوّة كامنة كبيرة " لأن " النساء تتعرّض لإضطهاد أكبر من إضطهاد الرجال ،إذ بينما يوجد على ظهر الرجال جبال ثلاثة ،على ظهر المرأة أربع لأن الرجل هو الآخر يستغلّها". وظلّ هذا الموقف الأساسي لماو ورغبته الحارقة فى التخلّص من كلّ السلسلة المكبلة للإنسانية مصاحبين له طوال حياته.
وفى 1921 ، إنضمّ ماو إلى مجموعة صغيرة من الماركسيين وسوية شكّلوا الحزب الشيوعي الصيني. وبتبنى الإيديولوجيا الماركسية –اللينينية أمكن لهم أن يشرعوا فى معالجة القضايا النظرية والعملية لإنجاز الثورة فى بلاد مثل الصين.
وفى 1921 أيضا ، تزوج ماو يانغ كيهيو التى إلتحقت بالحزب الشوعي وظلت ثورية حتى 1927 عندما أسرها الكيومنتانغ وقتلها لماّ رفضت ترك زوجها ماو وأفكارها السياسية الثورية.لاحقا ، فى 1961، كتب ماو قصيدة إحياء ذكراها وهي من قصائده الأشهر وعنوانها" قصيدة لزهرة الإجاص" .
بداية الثورة :
خلال هذه الفترة ، كان الفلاحون يتمرّدون عفويا ، كانوا يصادرون الأرض ويهاجمون الإقطاعيين و المسؤولين الفاسدين. وفى 1925 تنقّل ماو بين قرى محافظة خونان/يانان. وبقي بين الفلاحين وعمل معهم مقابل وجبات طعامه وسكنه. وجلس وإستمع إليهم وقام ببحث مباشر عن نمط حياتهم. وساعد فى بعث إتحادات الفلاحين وجعل العديد منهم ينخرطون فى الحزب.
وأراد بعض قادة الحزب الشيوعي الصيني أن يشطبوا الفلاحين معتبرينهم "متخلفين ومحافظين جدّا" . لكن ماو ناضل ضد هذه النظرة وجادل أنه "دون الفلاحين الفقراء لن تكون هناك ثورة". ومتحدّثا عن إنتفاضات الفلاحين قال:
" ...أما الأحزاب الثورية و الرفاق الثوريون فإنهم سيجدون أنفسهم جميعا أمام إختبار الفلاحين الذين سيقررون قبولهم أو رفضهم.أتسير على رأس الفلاحين وتقودهم ؟ أم تقف وراء ظهورهم معيبا لهم؟ أوتقف فى وجوههم تناهضهم؟ "
الكيومنتانغ حزب صيني كان فى الأصل تنظيما قوميا يكافح من أجل صين مستقلّة وضد الهيمنة الأجنبية. لكن فى العشرينات ، سيطر عليه تشانكاي تشاك وحوّله إلى أداة بيد الإمبرياليين و البرجوازية الكبرى والإقطاعيين فى الصين. وكان يتمتع بتأييد خاص من الولايات المتحدة وبريطانيا اللذان أرادا إبقاء الصين فى موقع شبه المستعمرة. وفى 1927 أطلق الكيومنتانغ العديد من الحملات التى إستهدفت تحطيم الحزب الشيوعي و الحركة الثورية .فى المدن ضيّق الكيومنتانغ على الإجتماعات السياسية و على الصحافة وعلى المنظمات العمالية وحقّ الإضراب. وقتل آلاف العمال ،وجُمّع الشيوعيون والمتعاطفون معهم وأعدموا علنيا. حينها لم توجد حكومة وطنية مستقرة ومتحدة فى الصين إذ فى بعض مناطق البلاد، كان أمراء الحرب ( جماعات عسكرية إقطاعية) يتحكمون فى الأمور وفى أماكن أخرى كان الكيومنتانغ يسيطر (والكيومنتانغ نفسه كان منقسما إلى عدّة كتل).
ونتيجة كافة إراقة الدماء هذه أقام تشانكاي تشاك حكومة الكيومنتانغ فى مدينة ننكينغ و على الفور إعترفت به القوى الإمبريالية الغربية كحكومة الصين الشرعية الوحيدة.
فى هذه ألثناء ،فى الريف، كان الإقطاعيون يذبحون الفلاحين. وجرى طرد النساء المتمرّدات من قطع أرضهن وتقطيعهن قطعا وحرقهن أحياء. فى منطقة واحدة، فى خمسة أشهر فقط 4،700 ألف فلاح منهم 500 إمرأة قتلوا ،وقطعت رؤوسهم ودفنوا أحياء،وخنقوا وأحرقوا وقطعوا إربا إربا. والأرض التى صادرها الفلاحون أعيدت للإقطاعيين. وجُمع زعماء الفلاحين والعمال وأعدموا رميا بالرصاص. فى محافظة خونان وحدها ، فى سنة واحدة، قُتل أكثر من 100ألف فلاح وعامل.وخسر الحزب 15 ألف عضو من أعضائه.
الثورة فى الريف :
فى 1928، أُبيدت أربعة أخماس الحزب وأجبر الحزب على العمل السرّي فى المدن. وتطلّبت الهزيمة الكبرى تحليلا أعمق وإختراقا فى النظرية الثورية.
إستراتيجيا الثورة البروليتارية فى الإتحاد السوفياتي قامت على الإنتفاضة فى المدن تتلوها حربا أهلية. وحاجج البعض بأنه على الثورة فى الصين أن تتبع هذا النموذج. إلا أنه بحكم الهزائم التى منيوا بها فى المدن عند محاولة الإنتفاضة ، رأى ماو أن ذلك لن ينجح فى بلد مضطهَد مثل الصين.وإعترف بأن الثورة المضادة كانت قوية جدا فى المدن ومهما كانت محاولات العمال بطولية لإفتكاك السلطة ومسك المدن فإنها تنحو إلى الفشل.
وجادل ماو أن الثورة لا بدّ أن تبدأ فى الريف وتبنى وتوسّع مناطق إرتكاز حيث الثورة يمكن أن ترسي سلطة سياسية وعلى الكفاح المسلّح ضد العدوّ أن يرتبط بسيرورة إنجاز إصلاح زراعي وإيجاد بذور المجتمع المحرّر الجديد. وهذا عنى أن على الشيوعيين أن يعبّؤوا سياسيا وأن يقودوا الجماهير من أجل تحقيق إصلاح زراعي وتركيز أشكال محلّية جديدة من سلطة الشعب و الكفاح ضد إضطهاد الأقليات القومية و النساء وإرساء ثقافة ثورية جديدة ضمن صفوف الشعب. بهذه الطريقة ، يمكن أن تفعل مناطق الإرتكاز فعل المغناطيس وتشكّل مراكزا لنموّ الدعم فى صفوف الشعب. ويمكن للثورة أن تطوّق فى النهاية المدن وتستولى عليها وتركز سلطة عبر البلاد بأسرها . بهذه الإستراتيجيا وبهذا الهدف ، قال ماو ما معناه : " بدون جيش شعبي لن يكون هناك شيئ للشعب".و تشكّل جيش أحمر جديد.
وطوّر ماو مبادئ بناء جيش واعي سياسيا و منضبط تنظيميا. عندما كان الجيش الأحمر يزحف على البلدة ،كان ماو يدعو فورا إلى تجمّع السكاّن. غير أن ذلك لم يكن جدّ سهل دائما. ففى بلدة ، هرب الناس وإختفوا فى الغابات.وكان هذا روتينيا. فالجميع يهربون حين تأتى الجيوش لأنهم عانوا من طرق النهب والإغتصاب التى تدرّب عليها الجنود العاديون فى جيوش أمراء الحرب والإمبرياليين. بيد أن ماو أمر جنوده بألا يدخلوا أبدا بيتا أو يأخذوا شيئا وكافح بشدّة ضد أي تفكير فى الجيش الأحمر يردّد عقلية النهب والإغتصاب لدى الجيوش البرجوازية والإقطاعية أو جماعات قطاع الطرق. لذلك كان السلوك المهذّب لجنود الجيش الأحمر مغاير تماما! مع اليوم الثالث رجع السكان المحليون والذين كانوا يراقبون من مخابئهم على المنحدرات ،إلى البلدة. تحدّث معهم ماو وحثّهم على العودة. ووزّع مالا ولباسا كانا قد أخذا من الإقطاعيين. وأخبر الناس أن هذا الجيش بعلمه الأحمر جيشهم وهو مكرّس لمصالحهم وتحريرهم. فأطعم الفلاحون وأسكنوا جنود الجيش الأحمر وإنضمّ بعضهم إلى هذا الجيش الثوري.وتكرّر هذا المشهد مرارا مع زحف الجيش الأحمر بقيادة ماو على الأرياف.
طوال كلّ هذا الوقت ،كان ماو يدرس النظرية العسكرية وتاريخ الحرب الثورية فى الإتحاد السوفياتي وغيرها من الحروب بما فيها الحروب فى الصين. وفى نهاية الثلاثينات ، بات ماو أوّل من طوّر خطا عسكريا ماركسيا شاملا ونظام تفكير فى الشؤون العسكرية. وكان هذا المذهب متجذّرا فى فهم أن الحرب الثورية تعتمد على الجماهير ولا يمكنها أن تنجح إلا على قاعدة التمتّع بدعمها ومشاركتها النشيطة فى الكفاح.
كان تفكير ماو العسكري غاية فى العلمية. جادل بأنه بما أن الجيش الأحمر بدأ أضعف بكثير من القوات الحكومية ، فإن إنتصارا سريعا غير ممكن. وخوض معارك عسكرية شاملة لن يؤدى إلا إلى سحق القوى الثورية. لكن بتجنب المعارك الحاسمة وخوض حرب الأنصار /العصابات بإمكان القوى الثورية فى الصين أن تهزم العدو وتضعفه فى المعارك الأصغر وعبر سيرورة طويلة الأمد، تكسب الدعم الشعبي وتعزّز من قوتها وأعدادها وتوسّع من نفوذها. قال ماو إنه من الضروري متابعة سياسة إستراتيجية من الحرب طويلة الأمد فى الريف لإحداث تغيير تدريجي فى ميزان القوى غير المتناسب. ولتجسيد هذا ، طوّر ماو العديد من مبادئ حرب الأنصار/ العصابات مثل "عندما يتقدّم العدوّ ،نتراجع،وعندما يتوقف العدوّ ،نضايقه وعندما يتعب ،نهاجمه وعندما يتراجع نتابعه".
المسيرة الكبرى :
فى 1932 ،غزت اليابان الصين وشنّ اليابانيون حملة " قتل الكلّ ،حرق الكلّ " خلالها ،على مرّ السنين، قتل 30 مليون صيني. فى ديسمبر 1937 ، دخلت قوات يابانية نانكين وسُمح ل 150 ألف جندي ياباني بإطلاق العنان للعربدة من إغتصاب وقتل ونهب. فى أسابيع أربعة ، قُتل 300 ألف شخص. وقطع الجنود اليابانيون رؤوس الأطفال الرضع وإغتصبوا آلاف الإيناث ومنهن البنات الشابات و النساء العجائز. وجرى إيقاف آلاف الرجال ورميهم بالرصاص. وإستعملت مجموعات من الصينيين لممارسة الحربة. وآخرون غطسوا فى النفط الأبيض وأحرقوا أحياء. تلك كانت حربا وحشية مجنونة إستهدفت إخضاع الشعب الصيني كليا وكسر إرادته المقاومة.
قاد الشيوعيون الشعب فى محاربة اليابان بينما رفض تشانكاي تشاك تعبئة قواته إلا لمهاجمة الشيوعيين. وشنّت قواته المسنودة من قبل الإمبريالية هجمات هائلة ضد الجيش الأحمر. وفى 1933 جرت تعبئة مليون من جنود الكيومنتانغ ودبابات وطائرات ضد الجيش الأحمر.وفى 16 أكتوبر 1934 ، أجبر ماو والجيش الأحمر على القيام بتراجع إستراتيجي من كيانغسى و الشروع فى المسيرة الكبرى المدهشة.
قطع الجيش الأحمر بقيادة ماو أكثر من 6 آلاف ميل عبر بعض التضاريس الأكثر وعورة على الأرض. مروا ب 12 محافظة كان يعيش بها 200 مليون شخص. وعبروا 18 سلسلة جبلية و24 نهرا وإحتلوا 62 مدينة وبلدة. قاتلوا وتصارعوا مع مليون جندي من الكيومنتانغ بتقريبا متوسّط معركة واحدة يوميا وقاموا ب 235 نهارا و18 ليلة من السير على الأقدام. لقد إعتبر ماو المسيرة الكبرى بيانا عاما ، قوّة دعاية وآلة بذر . قال:
" بذرت العديد من البذور التى ستبزغ وتورق وتزهر وتثمر وستنتج حصادا فى المستقبل".
إثر ثلاثة أشهر من المسيرة الكبرى ، فى جانفى 1935 ،بلغ الجيش الأحمر تسونيي ، فى محافظة كويشو. هناك ،عقد قادة الحزب الشيوعي الصيني ندوة هامة للغاية غدت نقطة تحوّل حاسمة ذلك أنه للمرّة الأولى ، يتوحّد الحزب حول خطّ ماوتسى تونغ فى الإستراتيجيا السياسية والعسكرية وقيادته العامة. حين غادرالجيش الأحمر تسونيي ، إنضمّ إليه تقريبا 4 آلاف فلاح من المنطقة.
فى أكتوبر 1935 ،سنة بعد مغادرة كيانغسى، إنتهت المسيرة الكبرى إلى منطقة شمال شنسي. وبدأت المسيرة الكبرى بحوالي 100 ألف وإنتهت بفقط 20 ألف.ولئن مثّلت المسيرة الكبرى تراجعا إستراتيجيا ، فإنها لم تكن هزيمة . فالجيش الأحمر وصل منطقته الأساسية الجديدة وقيادته سليمة وإرادته السياسية أصلب من أي وقت مضى.
وأثبت الشيوعيون أنهم كانوا أفضل المقاتلين ضد المحتلين اليابانيين. وفى سنة 1936 ، جادل ماو بأنه يجب على الكيومنتانغ والشيوعيين أن يشكلوا جبهة متحدة ضد المحتلين اليابانيين.لكن فى حين كان تشانكاي تشاك ،رئيس الكيومنتانغ، يوفّر أسلحته وجنوده لمحاربة الشيوعيين ،خاض الجيش الأحمر75 بالمائة من المعارك ضد اليابان بين 1937 و1945 . كما خاض الجيش الأحمر 92 ألف معركة وقتل مليونا من جنود قوات العدوّ وأسر 150 ألف منهم.
تطوير النظرية الشيوعية :
ولم يكن شيئا من هذا ليجدّ عفويا. فماو طوّر نظرية معالجة قضايا الثورة وتوجيه مسارها. خلال كلّ هذا ، قام بمساهمات جديدة ضرورية هامة فى علم الشيوعية. ففى هذه الفترة عالج ماو قضايا الإستراتيجيا لإنجاز ثورة فى أمة تضطهدها الإمبريالية وكذلك القضايا العسكرية و الفلسفية. أعمال مثل "فى التناقض" و " فى الممارسة العملية " و "حول الديمقراطية الجديدة "وغيرها كثير قدّمت مساهمات مهمّة فى فهم الثوريين عبر العالم قاطبة وإلى يومنا هذا لا زالت صالحة. علاوة على ذلك، من الأهمية بمكان هما منهج ماو ومقاربته فى معالجة هذه القضايا وينبغى التعلّم منها . فى كافة هذه المجالات لم يشيّد ماو صرحه كليا على النظرية الماركسية فحسب وإنما إستجاب لضرورة القطع مع المألوف فى نواحي ذات بال.
فى نهاية 1939 ، كتب ماو ما يعدّ إختراقا " حول الديمقراطية الجديدة " متناولا بالبحث المسألة الخاصة بالصين ، بيّن أنه نظرا للسيطرة عليها من قبل القوى الإمبريالية لعقود ، لم يسبق أن إستطاعت الصين أن تتطوّر كأمة مستقلّة وكان إقتصادها مشوّها وغير مستقلّ. و ادى التطوّر الإمبريالي إلى تحويل جزء من علاقات الإنتاج الأكثر تخلفا فى الصين .لكن العلاقات الإقتصادية الإقطاعية وشبه الإقطاعية –مثل إمتلاك الإقطاعيين للأرض وإضطهادهم للفلاحين- وجدت جنبا إلى جنب وأدمجت فى العلاقات الرأسمالية.والمؤسسات السياسية والأفكار المتخلفة التى ترافقها لا تزال سارية المفعول بينما الأمة الصينية عموما تقع تحت سيطرة القوى الإمبريالية.
إرتأى ماو الثورة فى الصين وأمم مضطَهَدة أخرى كسيرورة من مرحلتين. المرحلة الأولى هي الثورة الديمقراطية الجديدة التى توحّد كل من يمكن توحيده لطرد الإمبريالية والإطاحة بالإقطاعية وشبه الإقطاعية وطبقة الرأسماليين البيروقراطيين/الكمبرادوريين ونظام الدولة المعتمد على الإمبريالية وخادمها. وثمة مهام ديمقراطية هامة يجب إنجازها فى هذه المرحلة الأولى ، لاسيما الإصلاح الزراعي القائم على "الأرض لمن يفلحها " بالإضافة إلى مطالب ديمقراطية أخرى كإنهاء إضطهاد الأقليات القومية و النساء. وبينما تتنزل هذه المطالب ضمن سياق الثورة الديمقراطية البرجوازية ويمكن أن تفتح الباب على التطوّر الرأسمالي ،جادل ماو بأنه إذا كانت الدولة التى تنشئها الثورة شكلا من السلطة السياسية الثورية بقيادة البروليتاريا وفى وحدة مع الفلاحين بأفق وبرنامج إنتقال سريع نسبيا إلى الإشتراكية فبالتالي يمكن للثورة ويجب أن تتحد فى مرحلتها الأولى مع أقسام من الرأسماليين وكذلك مع الشرائح المستنيرة التى تعارض الهيمنة الإمبريالية.
فى تناقض مع البعض فى الحزب الشيوعي الصيني ،تمسّك ماو بحزم بأن السيرورة الثورية كلّها ينبغى أن تكون بقيادة البروليتاريا وتنفّذ منذ البداية بأفق إستراتيجي واضح إشتراكي شيوعي.
لذا بينما تمرّ الثورة بمراحل مختلفة ،يجب رؤيتها وقيادتها كسيرورة موحدة بشبكة خيط أحمر تقوده وجهة نظر البروليتاريا وإيديولوجيتها وسياستها وهدفها عالم شيوعي.
الحرب و النصر:
إثر المسيرة الكبرى ، أرسى ماو و قواته منطقة إرتكاز يانان حيث أعادوا بناء الجيش الأحمر و الحزب بهدف ليس طرد اليابانيين فقط وإنما أيضا إلحاق الهزيمة بالكيومنتانغ وإفتكاك السلطة عبر البلاد قاطبة.وإلتحق آلاف الفلاحين والعمال و المثقفين بيانان أين كانت تزرع بذور المجتمع الإشتراكي الجديد وأين تشكلت مجموعات ثورية حول جميع نواحى الحياة. وأنشأت هناك جمعيات نسوية وشبابية وجمعيات فلاحين وعمال وتلامذة و مسنين. ووجدت حتى جمعية " المتسكعين" التى إجتمع أعضاؤها ليناقشوا كيفية التحوّل إلى أعضاء منتجين فى مجتمع جديد.
ووقع إستنهاض الجماهير لإجتثاث الوحشية و الفقر الإقطاعيين. ووقع إلغاء الزواج المرتّب وتدخين الأفيون وقتل الأطفال وإستعبادهم والدعارة.واخذ يجرى إستبدال الدين و الخرافة بالمعرفة العلمية و الثورية. وما عاد يسمح للإقطاعيين المتوحشين بالإستغلال الوحشي للشعب ومع إلحاق الهزيمة باليابان فى 1945 ومع بداية الحرب الأهلية ، تمت إعادة توزيع الأرض بشكل واسع على الفلاحين الذين كانوا يعملون بها.
ضمن الفنانين و المثقفين من المدن الكبرى الذين إلتحقوا بيانان كانت تشيانغ تشنغ التى إنضمت إلى الحزب فى 1933 وجاءت إلى يانان فى 1937 .أخذت تدرس الفنّ المسرحي فى آكاديمية الفنون التى كانت أسست فى يانان وإنضمت إلى فرقة الدعاية التى بعثت إلى الريف لتعرض مسرحيات للفلاحين. وكان ماو مهتماّ جدّا بالكتّب والشعراء و الفنانين وقدّر الثقافة أعلى تقدير فى تشكيل رأي عام فى المجتمع. وحضر المسرحيات و الحفلات الموسيقية و الرقص فى الأكاديمية. قابل تشيانغ ووقعا فى الحب وتزوجا فى 1939.
إندهش الصحفيون الغربيون على غرار إدغار سنو و آن لويس سترونغ الذين زاروا يانان بعلاقة ماو مع الشعب وطاقته وقدراته الفلسفية. كتب مؤرخ : " هنالك العديد من صور ماو ، فى البنطلونات المرقعة ،و الستر البالية و المتهدّلة شوهتها على الدوام الكتب و الصحف.هناك أيضا الكثير من ذكريات لمقابلات صحفية طويلة معه كانت أحيانا تدوم طوال الليل وصبر ماو لا ينفذ وهويشرح و يدخل فى التفاصيل كان يشارك فى حفلات المرح و يضحك من الأدوار المسرحية ، وفى الصور كان ماو عادة ما يتجنب إحتلال المركز .وتركت لنا آنا لويس سترونغ صورة لفظية ساحرة عن ماو وهو يرقص لوحده – ليس راقصا جيدا- وعن أطفال يركضون جيئة وذهابا فى كهفه بينما كان يعمل.هناك نوع من المرح الطفولي لدي ماو لكنه يمكن أن يتغيّر إلى منتهى الجدّية فى ثانية ... فى حديثه ، لديه طريقة عرض أكثر المواضيع المعقدة على نحو يمكن أن يفهمه حتى الأُمّيّ لا يحدّث جمهوره بفوقية أبدا و أبدا لا يحدّثهم بدونية. ثمّة تدفق حقيقي من الألفة بينه و بين الشعب. يبدو دائما على إتصال معه." ( هان سويين فى "طوفان الصباح").
وغدت يانان مركزا منفتحا لتوسيع المناطق المحررة عبر الصين. و بحلول 1945 ، كان هناك 19 قاعدة حمراء فى 9 محافظات وكان عدد السكان فى ظلّ إدارة الشيوعيين حوالي مائة مليون شخص.
وفى 1945، هُزم أخيرا المحتلّ الياباني .حينها غيّرت الولايات المتحدة التى لم تهاجم الشيوعيين لما كانوا يحاربون اليابان تكتيكها على الفور. فبذلت أقصى جهودها لمساعدة الكيومنتانغ لإلحاق الهزيمة بالشيوعيين. بعثت ب90 ألف جندي من المارينز لإحتلال المدن الرئيسية وحماية المواني و المطارات ومراكز الإتصالات ومناجم الفحم و السكك الحديدية خدمة للكيومنتانغ. ودرّب المستشارون الأمريكان ضباط الكيومنتانغ كما أعطت الولايات المتحدة تشانكاي تشاك أسلحة ودبابات حديثة.وحصل تشانكاي تشاك فى السنتين التاليتين على 1.5 بليون دولار من التجهيزات و القروض من الولايات المتحدة (بما يساوى اليوم تقريبا 13 بليون دولار).لكن جيش التحرير الشعبي إنتصر فى النصف الأول من 1949 ومُني نصف مليون من قوات الكيومنتانغ بالهزيمة . وسقطت حكومة تشانكاي تشاك فى أفريل وحرّر جيش التحرير الشعبي المدن الكبرى فى الأشهر التالية.
وفى غرّة أكتوبر 1949 ،وقف ماو فى ساحة تيان آن مان فى العاصمة بيكين ليعلن تأسيس جمهورية الصين الشعبية. خطب فى حشد ضمّ الملايين وأعلن "نهض الشعب الصيني!".
قاد ماو الشعب الصيني طوال 20 سنة من الكفاح المسلّح للإطاحة بمضطهِدِيه وطرد الإمبرياليين الأجانب. والآن يمسك الشعب سلطة بناء الإشتراكية كمجتمع إنتقالي غايته عالم شيوعي خال من الطبقات وكافة العلاقات والأفكار الإضطهادية التى ترافق المجتمع الطبقي.
فى ذلك اليوم التاريخي ،شارك ماو الشعب البهجة والإحتفال لكنه أدرك أيضا ،مثلما أشار إلى ذلك أن "الثورة الصينية ثورة عظيمة إلا أن الطريق بعدها سيكون أطول و العمل أعظم وأصعب...".
صين جديدة إشتراكية :
كانت جماهير الصين ،لاسيما فى الريف ، خضعت لعدد من الأشياء الرهيبة ، من فقر وجوع لا ينتهيان إلى إستبداد الإقطاعيين ودونية النساء وإضطهادهن فى جميع مجالات الحياة وإدمان على المخدرات وأمّية وقلّة الرعاية الصحية. وما كانت لدي جماهير الشعب وسيلة لتغيير هذا الواقع. كانت ترزح تحت رحمة نظام إقتصادي إجتماعي مستبدّ وإضطهادي .والطبقات الحاكمة فرضت هذا كلّه.
وهكذا ورثت الصين الجديدة الإشتراكية جراحات المجتمع القديم لكن الآن صارت سلطة الدولة بأيدى الجماهير. الآن ،يستدعى جهاز الدولة و الحزب جهود الشعب للتخلص من جميع بقايا المجتمع الإضطهادي .والآن بإستطاعة الشعب مقاربة المشاكل على نحو مغاير تماما.
على الفور إتخذت الحكومة الجديدة إجراءات فورية لمصادرة الأعمال التجارية و السيطرة عليها ، تلك الأعمال التى كان يمتلكها الإمبرياليون الأجانب والرأسماليون الصينيون الكبار وصادرت ملكية الإقطاعيين الكبار ووزعتها على الفلاحين.
وإستصدرت قوانينا جديدة لمنع الزواج المرتّب وإعطاء النساء و الرجال حق الطلاق. وجرى منع بيع الأطفال الذى كان تقليدا شائعا جراء الفقر كما منع عملهم. وخفضت ساعات يوم العمل من 12-16 ساعة إلى 8 ساعات.
أنجزت أشياء كثيرة لتحسين فوري وبشكل مثير لحياة الشعب. وفى نفس الوقت ، إستُنهض الشعب ليشارك فى كامل سيرورة معالجة المشاكل الإجتماعية . فمثلا ، كانت المخدرات و القمار و الدعارة مشكلة ضخمة. فتمّ إعتقال أفراد العصابات الكبرى وباعة المخدرات المتجولون والقوادون الذين إرتبط العديد منهم بالشرطة السرية للحكومة الرجعية القديمة. كما جرت تربية وإسكان وتقديم رعاية صحية وشغل للمدمنين سابقا على المخدرات والمومسات سابقا و المجرمون الصغار و مُكّنوا بالخصوص من فرصة المشاركة فى العملية الشاملة لإعادة تشكيل المجتمع.
وتغيّرت حياة الشعب الإجتماعية والسياسية وإلتحق ملايين الفلاحين بالجمعيات وإتحادات العمال و التنظيمات النسوية و الرابطات الشبابية والثقافية و العلمية و الجمعيات التربوية والحرفية وجمعيات المثقفين. ووفرت هكذا منظمات للشعب طريق إتخاذ وتنفيذ قرارات مهمة ساعدت على تغيير مختلف أوجه المجتمع. فى المدن ،على سبيل المثال ، ساعدت لجان الأحياء ممثلة لمئات العائلات على حلّ النزاعات داخل العائلات و بين الجيران ،وتعاملت مع النشاطات الإجرامية وإعتنت بتصريف المجاري العامة و الحماية من الحرائق وإغاثة العائلات المحتاجة وببرامج الحيّ الثقافية والترفيهية. ونظّمت حملات محو الأمّمية فى القرى و المصانع والأحياء الفقيرة.
وتكفلت المنظمات المعتمدة على الفلاحين الفقراء والذين لا يملكون أرضا بمسؤولية تنفيذ الإصلاح الزراعي .و كرّس هذا تغييرا إقتصاديا وإجتماعيا راديكاليا وحصلت النساء لأول مرّة فى تاريخ الصين على أرض. و بحلول 1952 ،وُزعت تقريبا نصف الأرض الصالحة للزراعة وحصل 300 مليون فلاح فقير أولا يملك أرضا على قطعة أرض.
إختراقات فى الإقتصاد الإشتراكي :
عندما بلغت الثورة السلطة ،واجهت فورا قضية كيفية تحويل المجتمع. بعض الزعماء الذين ساروا إلى جانب ماو فى الثورة ضد الإقطاعيين و البرجوازية الكمبرادورية و الهيمنة الإمبريالية ، أصروا على أنه يجب تشجيع الرأسمالية دون قيود. جادلوا بأنه ليس بإستطاعة الفلاحة التقدّم إلى أن تتطوّر الصناعة الثقيلة. سايروا وجهة النظر المهيمنة بشأن التطوّر الإقتصادي الإشتراكي فى الحركة الشيوعية العالمية ،خاصة فى ما يتعلق بالبلدان المستعمرة سابقا والمتخلفة ،والقائلة بأنه لابدّ أن تنشأ أولا قوى إنتاج عصرية ، مصانع كبرى وآلات ثقيلة وتقنية جديدة إلخ ، وفقط عندها يمكن أن تحوّل العلاقات بين الناس .
لكن ماو جادل بأنه ينبغى التركيز على تثوير أشكال الملكية و التوزيع و جميع طرق عمل الناس معا للإنتاج وعلى هذه القاعدة يتمّ تحفيز تطوّر قوى إنتاج متقدّمة أكثر.على هذا النحو إنجاز التغييرات والتحويلات الثورية فى صفوف الشعب بالشروع بإعادة توزيع الأرض وكذلك جهود تشجيع طرق جماعية للعمل ،إضافة إلى القضاء على الأفكار المتخلفة بفعل قرون من الإقطاعية ، يمكن أن يحفّز أشياء مثل تقنيات الزراعة العلمية وإستصلاح أراضى جديدة وتحسين حفظ الماء. هذا مثال عن فهم ماو المتطوّر بأن تثوير كيفية تفكير الناس حاسم فى كافة سيرورة تغيير المجتمع.
وضع تطوير الصناعة العصرية قبل تحويل العلاقات الإقتصادية والإجتماعية بين الناس يؤدى إلى لامساواة أعظم لأنه يعنى التركيز على تطوير المصانع التى هي بعدُ أكثر تقدّما وتطوير المصانع فى المدن الكبرى. وهذا من شأنه أن يعمق الإختلافات و التفاوتات بين الريف و المدن وبين المناطق الفقيرة والأفضل حالا ،بدلا من تقليصها.عوض ذلك ، دافع ماو عن ديناميكية أكبر فى جدلية القفزات فى الوعي و القفزات فى الإنتاج وهو ما صاغه بصورة مركزة لاحقا فى شعاره الشهير "القيام بالثورة مع دفع الإنتاج". وبشكل حاسم ،كان ماو قادرا على كسب الصراع داخل الحزب فى ذلك الوقت حول الخطّ والمقاربة بصدد هذه القضايا الجوهرية.
قيادة ماو :
إن الطريقة الشاملة لمعالجة ماو وحلّه للقضية تعطى صورة عن ما كان عليه وعن كيفية قيادته. وهذه المقاربة الثاقبة لبناء إقتصاد إشتراكي جديد تعود إلى دراسة شاملة وتقييم للتجربة الإيجابية والسلبية فى بناء الإشتراكية فى الإتحاد السوفياتي إلى ذلك الوقت، وللتحقيق والمناقشة العميقين مع جماهير الشعب ،و لتطبيق المبادئ والمنهج الشيوعيين على الواقع الملموس للصين ،و على ذلك الأساس ، نشأ فهم جديد لكيفية التقدّم.
فى 1951 ، تجوّل ماو فى الريف وتحدّث مع الفلاحين وحصل على نظرة أولية عن ما كان يحدث. صادرت الثورة الأرض التى كانت على ملك الإقطاعيين الكبار ووزعتها على أفقرالفلاحين الذين كانوا لايملكون أو يملكون قطعة صغيرة من الأرض .غير أنه فقط بواسطة تطوير الأشكال الجماعية لفلاحة الأرض يمكن للفلاحين ليس أن ينمو الإنتاج فحسب وإنما سيغيّر راديكاليا علاقات الناس بعضهم ببعض.
تشكلت فرق التعاون المتبادل حيث إشترك الفلاحون بحيواناتهم وأدواتهم وساعدوا بعضهم البعض فى العمل فى قطع الأرض الخاصّة. وبحلول 1952 ، كان أكثر من 40 بالمائة من الفلاحين فى مثل تلك الفرق. لكنها لم تكن واسعة بما فيه الكفاية لتتعاطى مع الجفاف أو الفياضانات إذ لم تكن تستطيع أن تدخل تحسينات تقنية كبرى وكان الكثير من هذه الفرق تحت هيمنة الفلاحين الأغنياء.
كان الفلاحون يجرّبون ويبدعون طرقا جديدة لتثوير الإنتاج. وعنى هذا ثورة فى الأفكار وتغييرات حقيقية من صفوف الشعب ومواجهة الأفكار الكنفشيوسية حول الدور الدوني للنساء وتعويض "فكر أنا أولا" بموقف "خدمة الشعب".
لوحدهم ، طفق بعض الفلاحين يشكّلون تعاونيات أكبر وتابع ذلك ماو بحماس وشجعهم وقاد الحزب فى تعبئة جنود جيش التحرير الشعبي للمساعدة على قيادة هذه الحركة. وأواسط 1956، كانت 90 بالمائة من عائلات الفلاحين منخرطة فى مثل هذه التعاونيات.
هذا هو ماو يقود ويخوض الصراع الطبقي لتطوير إقتصاد إشتراكي جديد. هذه هي الديناميكية بين الطاقة الخلاقة للشعب فى ظل الإشتراكية ودور القيادة الشيوعية.
القفزة الكبرى إلى الأمام :
تخطت رؤى ماوتسى تونغ للإشتراكية مجرد توفير الغذاء واللباس والحقوق الأساسية. كان هدفه هو ثورة يتخلّص بموجبها من العلاقات الإقتصادية والإجتماعية الإضطهادية القديمة، ثورة تتحدّى الأفكار و القيم المتخلفة التى عليها تستند وهي تحافظ على العلاقات الإضطهادية الباقية، ثورة فى طريقة تفكير الناس وممارساتهم.
فى 1958 ، رسم ماو خطّة جديدة جريئة للتنمية الإقتصادية الإشتراكية إنطلاقا من هذه الأهداف ألا وهي القفزة الكبرى إلى الأمام وعنصرها الأساسي هو إطلاق العنان فى عموم البلاد لحركة تشكيل كمونات الفلاحين بما هي تعاونيات كبيرة لسكان الريف تجمع بين النشاطات الإقتصادية والإجتماعية و الثقافية والمقاومة الشعبية والتسيير الإداري.
واليوم يقع التهجّم على القفزة الكبرى إلى الأمام على أنها تجربة طوباوية لاعقلانية. بيد أن الحقيقة هي أنها مثّلت تقدّما فعليا فى ما يتصل بتطوير علاقات إقتصادية وإجتماعية تحرّرية أكثر.
مكّنت الكمونات التى ضمت من 15 ألف إلى 25 ألف شخص من السيطرة على الفيضانات الهائلة و رسم وتنفيذ مشاريع إعادة تشجير الغابات وبناء الطرقات ما بين المقاطعات أو محطات الكهرباء على النطاق الضيق وبعث معاهد عليا إلخ. وأنشأت مراكز بحوث لتطوير بذور جديدة من الحنطة والأرز و محاصيل أخرى ذات مردود أوفر. وسُوّيت سفوح الجبال لتوفّر مزيدا من الأراضي الفلاحية الجديدة.
بات الناس فى الكمونات يعيشون حياة جديدة وتحررية سياسيا وإجتماعيا وثقافيا. كما وفرت الكمونات الحلول الجماعية تلبية للحاجيات الإجتماعية ولم تترك كلّ عائلة تعيل نفسها ،ومكّنت النساء من المشاركة بصورة أكمل فى القضية المشتركة ونقصد تشييد مجتمع جديد. ونظّمت الكمونات عمليات إصلاح المنازل و بعثت مطاعما جماعية ودور حضانة ورياض أطفال وفرق مسرحية هاوية.
فى خضم هذه التغييرات الإقتصادية والإجتماعية الكبرى ، جرى تحدّى العادات و القيم القديمة والخرافة والأفكار المسبّقة و التقاليد الإقطاعية.و قُلّصت الفجوات بين المدن و الريف وبين العمال و الفلاحين.
ونسمع اليوم أن القفزة الكبرى إلى الأمام كانت كارثة وأن الناس عرفوا المجاعة بسبب سياسات ماو وأن الكمونات كانت حقا شكلا من أشكال العمل العبودي . إلا أن هذا أيضا كذب.
حصلت مجاعة فى تلك السنوات ومات العديد من الناس . بيد أن صعوبات تلك السنوات ظاهرة معقدة مركبة : ففى 1959 شهدت الصين ظروفا مناخية قاسية جدا من الجفاف و الفيضان من أسوأ ما عرفته فى القرن العشرين.وكان لهذا تأثيرا هائلا على إنتاج الغذاء. والإتحاد السوفياتي الذى أعاد تركيز الرأسمالية فى منتصف الخمسينات ،سحب المستشارين الفنيين ومساعدته للصين.
فضلا عن ذلك ، إرتكبت القيادة أخطاء فعلى سبيل المثال ،صرف وقت أكثر من اللازم فى المناطق الريفية فى مشاريع غير زراعية بما أضرّ بإنتاج الأغذية. وبالغ المسؤولون المحليون فى التقارير عن الإنتاج جاعلين من العسير معرفة كمية الحبوب المتوفرة فعلا و التخطيط بدقة. لكن ماو سوية مع القيادة الثورية للحزب حاولا معالجة هذه المشاكل بسياسات جديدة فمثلا خفّضت كمية الحبوب المسلمة للدولة وأجّلت مشاريع غير زراعية لصالح إنتاج مزيد من الغذاء وحصّصت الحبوب وأرسلت كميات من الحبوب بصفة طارئة إلى المناطق المنكوبة.
والحقيقة هي كما يثبت التاريخ أن التغييرات التحويلية الجذرية حقا للمجتمع يمكن أن تسبّب فى البداية تفكّكا وصعوبات لكن على المدى البعيد تجلّى أنه إختراق حقيقي.و ينطوى مثل هذا التغيير على القطع مع الطرق القديمة ويجرّب أخرى جديدة ويتحدّى العادات والمتعارف عليه. كان هذا هو حال القفزة الكبرى إلى الأمام. والحقيقة الفعلية هي أنه بحلول 1970 ، للمرّة الأولى فى تاريخها ، إستطاعت الصين أن توفّر لسكانها 600 مليون حمية دنيا وأمنا غذائيا وهو أمر وثيق الإرتباط بالمكاسب الإقتصادية والإجتماعية و السياسية المحققة خلال القفزة الكبرى إلى الأمام.
مزيد توضيح طبيعة الإشتراكية :
يعدّ الإنقلاب على الإشتراكية فى الإتحاد السوفياتي فى منتصف الخمسينات خسارة مفجعة لكل الذين حلموا بعالم أفضل . كانت تلك المنطقة الأولى التى أنشأ فيها مجتمع إشتراكي جديد و قد أنجزت تلك التجربة الإشتراكية الأولى أشياء عظيمة بمثابة الإختراقات (... ) لذا ماذا يعنى أن يمكن الإنقلاب على الثورة ويمكن أن يعاد تركيز الرأسمالية؟
أخذ ماوتسى تونغ على عاتقه إجراء دراسة عميقة جدّا للمجتمع السوفياتي متعلّما من المكاسب الإيجابية وأيضا مميّزا وناقدا بشدّة الأخطاء فى الفهم و الممارسة اللذان أبقيا وحتى عزّزا اللامساواة فى المجتمع وأبعداه عن هدف عالم شيوعي خال من الطبقات. وإتخذ ماو موقفا نقديا أيضا من التجربة الإشتراكية الصينية إلى حينها.
بوضوح، يعنى بناء الإشتراكية العمل على التخلّص من كافة "بقايا" المجتمع الإضطهادي القديم ، وهي سيرورة لا يمكن أن تحصل بين ليلة وضحاها. ويعنى بناء الإشتراكية الحفر المستمر وتغيير طرق العمل الإقتصادية والإجتماعية القديمة وكذلك الطرق القديمة والإضطهادية للتفكير التى ترافق كل ذلك.
وكان ماو يصارع و يتوصّل إلى ما هو أبعد من ذلك. إنه كان يصارع من أجل تحليل جديد وأعمق لطبيعة المجتمع الإشتراكي الإنتقالي إلى الشيوعية.وما زاد تعميق فهمه هو- وهذا إلى حينها لم تدركه حق الإدراك الحركة الشيوعية العالمية – أن إنتصار الثورة وبداية تطوّر الإشتراكية لا يعنى نهاية الطبقات والصراع الطبقي .وصاغ ذلك لاحقا قائلا :
" يمتدّ المجتمع الإشتراكي على فترة تاريخية طويلة إلى حدّ كبير. طوال المرحلة التاريخية للإشتراكية توجد طبقات وتناقضات طبقية وصراع طبقي ويوجد صراع بين الطريق الإشتراكي و الطريق الرأسمالي وهناك خطر إعادة تركيز الرأسمالية. علينا أن نقرّ بالطابع الطويل الأمد و المعقّد لهذا الصراع ".
أدرك ماو أن الذين نظّموا إنقلابا وأطاحوا بالإشتراكية فى الإتحاد السوفياتي جاؤوا بالضبط من داخل أعلى مراتب الحزب الشيوعي . وألقى نظرة حوله ورأى أصداء المشكلة عينها. رأى زعماء ضمن أعلى مراتب الحزب الشيوعي الصيني يريدون إعادة تركيز الرأسمالية، بالضبط كما حدث فى الإتحاد السوفياتي.
عندئذ بحث ماو بقلق عن وسيلة للتعامل مع هذه المشكلة. ومن النظر فى تجربة الإتحاد السوفياتي لمس أن مجرّد طرد مثل هؤلاء الزعماء من الحزب لا يحلّ المشكلة. حتى إذا لم يعُد بعض الأفراد فإن آخرين سيتقدّمون لتمثيل خطوط مماثلة، طالما أنه لم يقع تحديد المشاكل التى تقف وراء ذلك والنضال ضدّها. وبحث ماو عن وسائل تعبئة الجماهير الشعبية الواسعة لتنخرط أكثر فأكثر بعمق ووعي فى النضال حول التوجّه الشامل للمجتمع والتمييز بين الطريق الرأسمالي والطريق الإشتراكي ولنقد قادة الحزب أتباع الطريق الرأسمالي ومحاولة إعادتهم إلى الطريق الثوري. وجرّب العديد من الأمور ليطلق العنان للفكر النقدي للجماهير ولروحها التمرّدية لكن كما لخّص ذلك لاحقا ، إلى حينها لم يجد بعدُ هو و القيادة الثورية طريقة ووسيلة لإستنهاض الجماهير "لنقد جانبنا المظلم ،على نحو شامل ومن القاعدة".
إحتداد الصراع الطبقي فى الصين:
أرادت القوى المحافظة فى الحزب أن يُقرّر الربح أولويات الإستثمار. وروّجت لنظام تعليمي يتخرّج منه المختصون ذوو الإمتيازات ونخب الحزب.وشجعت أعمالا ثقافية لا تزال تسيطر عليها المواضيع و الشخصيات الإقطاعية القديمة. نظرتها للعمال و الفلاحين كانت جوهريا "أبق أنفك على المسن وإنس نقاش المسائل الكبرى لكيفية تسيير وتغيير المجتمع بأسره و المساهمة فى الثورة عبر العالم".
فى المجتمع الإشتراكي نحتاج لدكتاتورية البروليتاريا لخوض الصراع ضد القوى الطبقية البرجوازية وإلحاق الهزيمة بها. حتى والمجتمع الإشتراكي يجرى تثويره بإستمرار، ستواصل اللامساواة والإختلافات الإجتماعية الباقية توفير قاعدة للبرجوازية ، للعلاقات والتفكير الرأسماليين، قاعدة إعادة تركيز النظام الرأسمالي. وما توصّل ماو لفهمه هو أن الخطر الأعظم هنا ليس المستغِلِّين و المضطهِِِدين من المجتمع القديم وإنما طبقة برجوازية جديدة تفرزها تناقضات المجتمع الإشتراكي ذاته وهي موجودة بالأساس وبالضبط فى المستويات العليا للحزب.
نظرا لمواقعهم فى السلطة ، يسيطرزعماء الحزب على الموارد ويتخذون القرارات ويصوغون السياسات التى تحدّد إتجاه المجتمع. لذا كيف يمارسون السلطة وبأية أهداف يجعل الأمر مختلفا تماما فى ما يتصل بما إذا كان المجتمع ككلّ يتقدّم إلى الأمام نحو الشيوعية أو يتراجع نحوالرأسمالية. فمثلا ، هل كان قادة الحزب يدعمون السياسات التى ستقضى على اللامساواة أم التى ستوطدها؟ هل يعملون على إطلاق عنان المبادرة الواعية للشعب فى معركة تغيير المجتمع؟ هذا هو محور الصراع الطبقي فى ظلّ الإشتراكية. والبنية الفوقية للمجتمع الإشتراكي ،القوانين والفنّ والثقافة والرياضة و العلم و المؤسسات السياسية ،لا تعكس هذه التناقضات الطبقية فحسب بل يمكن أن تأثّر عليها تأثيرا كبيرا بطريقة أو أخرى.
لقد كان ماو بحاجة إلى إيجاد وسيلة لتغيير المجتمع بأسره ، وسيلة لتثوير الحزب وكافة مؤسسات المجتمع، وسيلة لتغيير تفكير الناس وفهمهم، وتشريك الجماهير الشعبية الواسعة فى الصراع الطبقي للإبقاء على الصين على الطريق الإشتراكي.
الكفاح من أجل البقاء على الطريق الإشتراكي :
فى صيف 1965 ، سافر ماو إلى جبال تشينكانغ أين فى 1927 كان قد قاد 800 جندي من الجيش الأحمر لبناء أوّل منطقة إرتكاز والشروع فى حرب الشعب . كان الوضع خطرا إذ كان أعداء الثورة الذين يريدون إعادة تركيز الرأسمالية يجمعون قوّتهم ويعدّون لمعركة شاملة للإستيلاء على السلطة. فى قصيدة "إعادة الصعود لتشينكانغ شان" كتب ماو :
" لطالما تطلعت نحو السحب
وأنا أصعد تشنكانغ شان من جديد
جئت من بعيد لرؤية مزارنا القديم
وجدت مشاهدا جديدة بدل القديمة ...
يمكن أن نشبك القمر فى السماء التاسعة
نصطاد السلاحف فى أعماق المحيطات الخمس:
ونعود وسط غناء وضحك المنتصرين
ليس من شيئ صعب فى هذا العالم
لو تجرأنا على تسلّق الجبال".
وفى ماي 1966، أطلق ماو الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى، داعيا الشعب ل " قصف مقرّ القيادة ". لقد دعا الشعب بمئات ملايينه للنهوض والإطاحة بأعلى مسؤولي الحزب و الحكومة الذين كانوا يحاولون إعادة تركيز الرأسمالية. كانت " ثورة داخل الثورة " .
لقد اطلق ماو عنان مئات الملايين ليصارعوا ويناقشوا إتجاه المجتمع و لتحمّل مسؤولية مصير المجتمع. كافح ماو وقيادة الحزب ليساعدوا الصفوف الواسعة للشعب على التمييز والنقد وعند اللزوم على الإطاحة بأتباع الطريق الرأسمالي وإستعادة أجزاء من سلطة الدولة حيث يطبّق أتباع الطريق الرأسمالي خطوطا وسياسات تحيد عن هدف الشيوعية. كانت تلك الثورة سيرورة لمزيد تثوير المجتمع ووضع السلطة بأيدى الجماهير.
إنّ الثورة الثقافية وقيادة ماو لها هي تقريبا الفترة من تاريخ الصين " الأكثر والأوسع تشويها ". لعقود الآن ،روّج المدافعون عن الرأسمالية جملة من الأكاذيب التى تفترى على ماو وتصوّر الثورة الثقافية كابوسا. (لنقاش ودحض الأكاذيب السائدة حول الثورة الثقافية راجعوا نصّ : "حقيقة الثورة الثقافية"...).
" الأشياء الإشتراكية الجديدة" ومزيد تغيير المجتمع :
مثلما شرح ماو لاحقا ، هدف الثورة الثقافية كان " أولئك فى السلطة أتباع الطريق الرأسمالي". لكن الهدف الإستراتيجي من الصراع كان مساعدة الجماهير على تغيير نظرتها إلى العالم ومن خلال ذلك تغيير المجتمع حولها بإتجاه أصحّ نحو عالم شيوعي.
لنضرب مثالا على ذلك بشأن الرعاية الصحية. فى 1949 ، كان بالصين فقط 12 ألف طبيب غربي التدريب لبلاد تعدّ 500 مليون ساكن. وبحلول 1965 ،كان هناك 200 ألف. بيد أن العناية الطبية ما زالت مركّزة فى المدن. وكان يتمّ تشجيع الأطباء الجدد على العمل فى مستشفيات المدن النخبوية وعلى التركيز على مهنهم خدمة لذواتهم. فى هذه الأثناء لم يكن يتوفر لغالبية الفلاحين وهم الأغلبية الساحقة للصين الشعبية أو كان يتوفر لهم القليل من الرعاية الطبية العصرية. ومثل هذه المقاربة لا يمكن إلا أن تساعد على تعمّق اللامساواة فى المجتمع وتعزّز تأثير الميول الرأسمالية.
بشدّة نقد ماو والذين إلتفوا حول خطّه الإتجاه الذى تتبعه وزارة الصحّة ودعوا إلى تغييرات جذرية. وفى ظلّ قيادته إنتقلت بؤرة الرعاية الصحية إلى الريف،حتى مع التحسّن الشامل للصحّة فى المدن. وإحدى أكثر التطورات المثيرة للثورة الثقافية كانت حركة " الأطباء ذوى الأقدام الحافية" .الفلاحون الشبان والشباب الحضري أرسلا إلى الريف وتدربوا على الرعاية الصحية و الطب الأساسيين بغاية تلبية الحاجيات المحلّية ومعالجة الأمراض الأكثر شيوعا. وذهب الأطباء إلى المناطق الريفية وفى كلّ وقت معيّن ،وجد ثلث الأطباء فى الريف. وتضاعف أمل الحياة خلال حقبة قيادة ماو من 32 سنة فى 1949 إلى 65 سنة فى 1976.
فى التعليم ، كان أتباع الطريق الرأسمالي يجادلون بأن الصين كانت تحتاج إلى العناية أولا
ب" أفضل" المدارس و " ألمع" الطلبة لأجل بناء صين حديثة. ودافعوا عن وضع حدّ لممارسة من زمن القفزة الكبرى إلى الأمام حين كان يبعث بالطلبة ليصرفوا جزءا من وقتهم فى الزراعة فى المدارس أو فى المطاعم الجماعية أو فى العمل فى المصانع الصغيرة المرتبطة بالمدارس.
بصرامة نقد الثوريون هذا مشيرين إلى أنه من المستحيل الإستمرار بالتحرّك إلى الأمام نحو الشيوعية ما لم يتمّ القضاء بصورة تصاعدية على الإختلافات بين العمل الفكري و العمل اليدوي وبين الأخصائيين وعموم جماهير الشعب.
وواحدة من نتائج نداء ماو لتغيير التعليم أن خاض ملايين الطلبة نضالا ضد النخبوية فى التعليم العالي. قبل الثورة الثقافية ،كانت الجامعات مجالا لأبناء وبنات أعضاء الحزب و القوى الأخرى ذات الإمتيازات. وكان الأطفال يتنافسون فى إمتحانات للدخول لمجموعة من المدارس الإعدادية الإنتقائية جدا. ولقرون أوجد النظام التعليمي فى الصين الكنفشيوسية نخبة مميّزة صغيرة،منبتّة وبعيدة عن عامة الشعب و العمل المنتج فى المجتمع.
ألغت الثورة الثقافية هذا النظام الباحث عن النخب و المعتمد على الإمتحانات التنافسية. إثر إكمال الدراسة العليا، صار الطلبة يذهبون إلى الحياة و العمل فى المناطق الريفية البعيدة أو يضطلعون بالعمل فى المصانع. وبعد سنتين أو ثلاث سنوات يمكن للطلبة من أية خلفية إجتماعية التقدّم للإلتحاق بالكليات. ويتضمّن جزء من عملية دخول الكلية تقييمات زملاء العمل والأوساط التى يعيش فيها المتقدمون للإلتحاق بالكليات.
وولدت مثل هذه" الأشياء الإشتراكية الجديدة " فى كلّ قطاع من قطاعات المجتمع مع إستجابة الشعب لنداء ماو بتثوير المجتمع وتثوير نفسه فى خضمّ العملية.
وكجزء حيوي من هذا ،بدأ الحزب عينه يشهد تثويرا. وافق قسم كامل من الحزب على هذا الخطّ الثوري ، معمّقا فهمه للهدف الشيوعي و المرحلة الإشتراكية الإنتقالية وقائدا تغييرات فى كلّ المجالات. ونشأ قادة ثوريون جدد من بين الجماهير أثناء هذه الثورة والكثير منهم إنضموا إلى الحزب. وعرفت العلاقات بين كوادر الحزب و الجماهير موجات من التعزيز و التغيير ،رافعة الوعي ومطلقة المبادرة الجماهيرية ومتبنية روح الإنفتاح على النقد و النقد الذاتي فى صفوف الكوادر.
خسارة الصين الإشتراكية والدروس المستخلصة من أجل المستقبل :
على الرغم من هذه التغييرات ،حذّر ماو من أن النصر النهائي لم يتحقّق بعدُ. وأشار إلى أنه "سيكون من السهل للغاية إعادة تركيز النظام الرأسمالي" بحكم الضغوطات الإمبريالية و "بقايا" الرأسمالية (مثلا ، الإختلافات بين المدن و الريف وبين العمل الفكري و العمل اليدوي إلخ) وبحكم أن بعض القوى الشديدة البأس لا تزال فى قيادة الحزب ولم تُكسب بالكامل إلى الخطّ الذى جسدته الثورة الثقافية وبالفعل فى مناسبات عدّة أظهرت معارضة عميقة له.
فى 1976 توفّي ماو ،عندئذ إغتنم أتباع الطريق الرأسمالي فى الحزب الشيوعي الصيني بقيادة دنك سياو بينغ الفرصة للقيام بإنقلاب. فجرى إعتقال مئات الآلاف بمن فيهم أقرب رفاق ماو الذين أطلق عليهم "عصابة الأربعة" وضمنهم زوجته كيانغ تشنغ. وقُتل آلاف آخرين.
وبينما دعا ماو ل"خدمة الشعب " نعق دنك "من المجيد أن تصبح غنيا". الإنقلاب و تدمير الإشتراكية جعلا الصين جحيما كما هي اليوم بالنسبة للغالبية الغالبة من الصينيين وهي مرّة أخرى تحت هيمنة الإمبريالية والإستغلال الرأسمالي والإضطهاد الإقطاعي المتخلف إضافة إلى ما رافق ذلك من إستقطاب إقتصادي وإجتماعي حاد للغاية.
الأسباب وراء نجاح أتباع الطريق الرأسمالي معقّدة وتشتمل على عوامل وتطورات عالمية كبيرة وكيفية تداخلها مع الصراع الطبقي فى الصين.وضمن هذا وجدت بعض الأخطاء التى وقع فيها ماو و الثوريون المجتمعون حوله أضعفت قدرتهم على صدّ هجمات أتباع الطريق الرأسمالي خاصة بعد وفاة ماو.
لكن والدرس الذى نستخلصه ليس أن الإشتراكية مستحيلة. الثورة لم تفشل إنما هُزمت. وحقيقة أن أتباع الطريق الرأسمالي إستولوا على السلطة ما كانت واضحة جدا فى ذلك الوقت وليس فقط لأنهم لبسوا لبوس الإشتراكية والماوية وإستعملوا مفرداتها. فى هذا الظرف التاريخي البالغ الأهمية ، بعمق لخّص [الشيوعيون الماويون] مساهمات ماوتسى تونغ فى علم وممارسة الثورة الشيوعية. وحلّلوا الطبيعة الطبقية للقيادة الجديدة فى الصين وبيّنوا بكثير من التفصيل أن ثورة مضادة ضد ماو والإشتراكية حصلت .وفى نفس الوقت ، أشاروا إلى مهام الشيوعيين الحقيقيين فى كافة أنحاء العالم و التحدّيات التى تواجههم فى تلخيص سليم للتجربة التاريخية-العالمية غير المسبوقة للثورة الصينية و النظرية التى طوّرها ماو فى خضمّ قيادته لها، لتعلّم أكبر قدر ممكن تعلّمه منها ولمزيد التقدّم فى سيرورة الثورة البروليتارية العالمية. واليوم لا وجود لبلدان إشتراكية فى العالم. لقد أشّرت خسارة الصين الإشتراكية فى 1976 إلى نهاية مرحلة ، الموجة الأولى من الثورة البروليتارية العالمية.
كان ماو تسى تونغ شيوعيا ثوريا عظيما قاد ربع سكان الكوكب لتحرير الصين من نير المضطهِدين الإمبرياليين ، ثمّ إنتقلوا لبناء مجتمع إشتراكي تحرّري لأكثر من 25 سنة. وقاد ماو الشعب الصيني " ليرتفع بالمجتمع إلى السماء " ليغيّر راديكاليا ظروف حياته ويغيّر نفسه فى السيرورة.
وبلا هوادة بحث عن طريقة لمنع طبقة برجوازية جديدة من الإستيلاء على السلطة وإلى اواخر أنفاسه ، قاد الشعب للإطاحة بها. فى ظلّ قيادته أقيمت أكثر التجارب الثورية تقدّما فى تغيير المجتمع وتغيير الناس ، أبعد ما بلغته الإنسانية فى صنع عالم خال من الإستغلال والإضطهاد.
فهم حقيقة ماو مهمّ لكلّ شخص فالثورة التى قادها تمثّل معلما من المعالم الرئيسية فى التاريخ الإنساني وعلى كلّ شخص معرفة حقيقة هذه الثورة وهذه الشخصية. وبالنسبة للذين ينشدون حقا تغيير العالم ،هناك درجة أوفر من الأهمية لأن فكر وممارسة ماو الثوريين يشكلان جزءا حيويا من أسس ونقطة إنطلاق إعادة بناء الحركة الثورية اليوم./.
بعض المراجع الهامة بصدد الصين الماوية :
عديدة هي المؤلفات التى تناولت الثورة الماوية فى الصين وهي لا تحصى على الأنترنت و بمختلف اللغات غير أننا كي لا نطيل نقترح عليكم أهم المراجع المشهورة والمتداولة و المتوفرة بشكل عام منذ عقود.
- تاريخ الثورة الثقافية البروليتارية فى الصين ، جون دوبيه (بالعربية ،دار الطليعة 1971 وبالفرنسية مسبيرو/1971)
- La chine nouvelle a 25 ans. / Editions en langues étrangères , Pékin 1975
- Mao Tsé- toung et la construction du socialisme /Seuil , Paris 1975.
-Les communes populaires chinoises./ Patrick Tissier /10/18 Paris 1976.
- De la révolution culturelle au X congrès du parti communiste chinois / Gilbert Mury / 10/18,Paris 1973.
- Le parti communiste chinois au pouvoir . / Gacques Guillermaz ,Petite Bibliothèque Payot, Paris 1979.
- Révolution culturelle et organisation industrielle en Chine ./ Charles Bettelheim, Maspero , Paris 1973.
- La construction du socialisme en Chine ./ Charles Bettelheim, Maspero , Paris 1973.
- Questions sur la Chine après la mort de Mao Tsé-toung ./ Maspero ? Paris 1978.


2/مقتطفات من وثيقة صيغت بمناسبة الذكرى الخمسين لإنتصار الثورة الصينية فى 1949
الوضع فى الأرياف :
كان السواد الأعظم للشعب الصيني فلاحين يعملون فى الأرض و مع ذلك كانوا يملكون قليلا أو لا يملكون شيئا من هذه الأرض . كانوا كالنائمين على صخور زلقة فى ماء يبلغ أعناقهم فطالما أن الأمور تسير على أفضل ما يرام ،بإمكانهم البقاء على قيد الحياة لكن مع أقل تموج ،سيغرقون . فى السنوات الحالكة كانوا يأكلون أوراق الشجر و قشورها و يتسولون الغذاء من الكنائس ...و بعض السنوات كانت تحصد حياة الملايين منهم .
لما هزم الجيش الثوري جيوش تشنغ كاي تشاك و قوى الملاكين العقاريين المحليين ، جرت الإطاحة بالنظام الإقطاعي بسرعة . و فى واقع الأمر ، شرع فى الإطاحة بهذا النظام فى المناطق المحررة قبل الإنتصار عبر البلاد كافة ثم إمتدت الإطاحة إلى أنحاء الصين كمياه النهر و قد دمرت سدا . ذهبت فرق العمل التى قادها الحزب إلى القرى لتنظيم نقاشات طويلة و عميقة مع الفلاحين بصدد ظروفهم و مشاكلهم . قال الحزب للفلاحين إنه عليهم أن ينهضوا و ينظموا صفوفهم و يفتكوا الأرض فقام الفلاحون بمسيرات إحتجاجية كبرى ضد الملاكين العقاريين و أتباعهم و "تحدثوا عن المرارة ". و ألغيت كافة ديون الفلاحين للملاكين العقاريين و المرابين . و كان على الملاكين العقاريين أن يعيدوا ما سرقوه . و الذين منهم إقترفوا الجرائم الدموية الأهم ضد الشعب تم عقابهم و إلا ما كان الناس الذين قد تعرضوا للقسوة ليتجرأوا على الكلام .
و تقاسم الفلاحون فى ما بينهم الأرض و أدوات العمل و الحيوانات خلال تجمعات جماهيرية كان فيها لكل فرد فى القرية كلمته . و ما جعل المسألة معقدة هو كيفية التعامل مع مختلف الطبقات فى صفوف الفلاحين بطريقة تسمح للفلاحين الفقراء بأن يحصلوا على ما يحتاجون إليه و فى الوقت نفسه يتم توحيد أكبر عدد ممكن من الناس لمساندة السلطة السياسية الجديدة .
و سلمت حجج ملكية لكل فرد ، رجالا و نساءا و أطفالا و ليس فقط للزوج . و قد كان هذا إجراء فى منتهى الثورية إذ فى السابق لم تكن النساء تعامل مطلقا بمساواة مع الرجال أو تملك كالرجال ...
الوضع فى المدن :
قبل الثورة لم تكن مدن الصين أقل فظاعة من أريافها .
لنأخذ مثال شنغاي ، أكبر مدن الصين .
لقد كانت شنغاي عاصمة باهرة و حافلة و نابضة كأحد أكبر مدن العالم . و مع ذلك كانت عدة مدن مختلفة مجمعة تجميعا على شاكلة عديد المدن فى العالم الثالث اليوم . فكانت تملك حركة تجارية فى مغازات مصطفة وسط مدينة عصرية ذات نزل على الشاكلة الغربية و مراكز إدارات عامة لجمعيات . و هنالك مغازات قطاعات رفاهة و مغازات مختصة أين يمكن للأغنياء أن يشتروا سلعا مستوردة و هنالك نوادي ليلية أين يستطيع المسؤولون و الموظفون و أصحاب الملايين أن يحافظوا على أماكن المقامرة و دور الدعارة ...و أحياء خاصة للفرنسيين و الأنقليز و الأمركان أين يمكن لسادة المدن الكبار الحقيقيين أن يعيشوا فى قصورلها حراس ، لا يقلقهم الصينيون . الذين يمضون حياتهم فى العمل على المراكب و السفن و فى مستودعات و مصانع و مطاعم و مطابخ و مغازات و فى قيادة عربات ذات دولابين أو ثلاثة دواليب و وسائل نقل أخرى ، كل هذا فى خدمة الأغنياء . و كانوا يعيشون مزدحمين فى حظائر غرفة واحدة على أرصفة شوارع و أنهج ضيقة ،تسودها العتمة و القذارة أو على الشارع ذاته ...
و عندما إستولى الجيش الأحمر على أكبر المدن الصينية الواحدة تلو الأخرى ، إتجه إلى أكبر البنوك و المصانع و مؤسسات أخرى ووضع يديه عليها . و نظم مؤونات إستعجالية من الريف ، مؤونات قطعت عن المدن خلال الحرب .
لم يبق العمل الوافر و الرخيص للغاية الذى أفرزه النظام الإقطاعي فقط على الأجور فى مستوى الجوع و إنما شد أيضا إلى الخلف تصنيع الصين . لماذا إزعاج النفس بإستعمال آلات حديثة بينما ثمة تزويد لا نهاية له بالناس الوافدين من الريف الذين يمكن تشغيله حد الموت عوض الآلات ؟ و لم يكن عديد العمال يتلقون معاملة تختلف كثيرا عن المعاملة التى يتلقاها الفلاحون . و كانت الأبواب تغلق على النساء الشابات اللاتى كانت تعمل فى معامل النسيج كالعبيد . و كان الأطفال و الرجال الذين يعملون فى المناجم يتعرضون للضرب و إساءة المعاملة و كان الأسياد يعاملون الحمير أفضل من معاملتهم .


التحويل الثوري :
بين عشية و ضحاها وضع الحزب حدا لكل و صار يوم العمل يمتد على 8 ساعات بدلا من يوم العمل من 12-16 ساعة و إرتفعت الأجور مرتين أو ثلاثة فى السنوات الأولى للثورة . ونظرا لأتهم كانوا يعلمون أن عملهم سيحرر الصينو يساعد على جعلها قلعة للثورة العالمية ، أصبح العمال مهتمين بالإنتاج و لأول مرة جرى تشجيعهم على إعادة تنظيم العمل لجعله فعالا أكثر فأكثر . و أصبح كل العمال الذين لم يكونوا أبدا أكثر من قوة عمل أحرارا فى المشاركة فى تغيير حياة البلاد الإجتماعية و الثقافية و السياسية . كما جرى حثهم على الإلتحاق بالحزب الشيوعي . و شكلوا إتحادات و جمعيات أخرى لكافة العمال الذين شرعوا فى المشاركة فى إدارة مراكز العمل . و شيدت المصانع مساكن و حضانات و مقاهى جديدة ووفرت خدمات أخرى لم تكن معروفة قبل فى الصين .
ووقع تنظيم مليون من العاهرات سابقا فى مجموعات قادها الحزب . فى السابق وقع بيعهن أو إختطافهن و بقيت العديد منهن سجينات لسنوات طوال . فساعدت هذه المجموعات النساء على فهم أسباب إضطهادهن و كذلك ناضلت ضد أي توجه أناس آخرين للنظر على تلك النساء نظرة دونية . فإستطاعت العاهرات سابقا أن تتدرب على الشغل أو أن تعود إلى الريف .
فى وقت قصير ، أمست شوارع و طرقات البلاد التى كانت من أكثر الشوارع و الطرقات عنفا و خطرا فى العالم ، أمست آمنة نسبيا . يحبذ الرجعيون المحاججة بأن طريق القضاء على الجريمة هو مزيد من القمع الحكومي . و الصين أكدت العكس أي أنه حيث تتغير الظروف التى عنها نجمت الجريمة ،تراجعت نسبة الجريمة بصورة مثيرة . و أكثر من ذلك ، عندما صار الناس و خاصة منهم الفقراء أحرارا و بدؤوا فى التحكم فى المجتمع بأنفسهم ، تمكنوا من جمع قوتهم الجماعية للتصدى للجريمة .و اليوم يحلو لحكام رجعييين فى بلدان كثيرة أين يوجد مئات الآلاف و حتى الملايين من الناس خلف القضبان، يحلو لهم إدعاء أن الإشتراكية سجن كبير و الحقيقة هي أن الصين الإشتراكية أبقت فقط على عدة ىلاف من الناس فى السجن و وفرت للناس حرية التنقل فى أي وقت دون خوف .
النساء :
شهد وضع المرأة تغيرات عظمى بسرعة مذهلة . فقد كانت النساء الصينيات تحت حكم الرجال طوال حياتهن ، الآباء طوال الطفولة و اتلأزواج عند الشباب و الأبناء أو أقارب ذكور آخرين عند الترمل . و إعتاد الناس قول : " لا يفرح أحد لما تولد بنت " . و لم يكن ذلك كذلك لأن الفقراء كانوا قسات القلوب و إنما لأن بعض الناس يشعرون بعدم القدرة على تنشئة بنت صغيرة مصيرها خدمة عائلة شخص آخر .
لئن عانى العمال و الفلاحون من نير الإقطاعية و الرأسمالية و الإمبريالية ، فإن النساء كذلك عانت من كل هذا مع إضافة أخرى هي أنها كانت مضطهدة أيضا لأنها نساء مما ولد لدى النساء قدرات ثورية هائلة . فضلا عن ذلك ، لم تستطع الصين أن تتحرر كليا من النظام الإقطاعي دون الإطاحة بأحد أهم أعمدته ألأي النظام البترياركي – تحكم الذكر كرئيس عائلة فى النساء و الأطفال . و كانت جماهير النساء قوة فعالة فى قلب العلاقات افجتماعية القديمة و الأفكار و القيم الأخلاقية المتخلفة التى كانت منتشرة فى صفوف الشعب .
كان البعض يقول :" الإصلاح الزراعي جيد و التجارة الجديدة جيدة لكن عندما لا يدعون رجلا يضرب زوجته يذهبون بعيدا ". جواب الصين الثورية لم يكن التعويل على القمع الحكومي للقضاء على ضرب النساء . فمثلا أثناء الإصلاح الزراعي لم يسمح عديد الرجال لنسائهن بحضور تجمعات جمعيات الفلاحين . و حين كانت النساء تتحدث ،كان الرجال يضحكون و يتهكمون . و هذه التصرفات المتخلفة صارعها الشيوعيون و النساء المتقدمات اللاتى إنتظمت فى جمعية نسائية . و إن ضرب رجل زوجته ،يمكن أن تقوم جمعية نساء القرية بزيارته . و تتظافر جهودها مع جهود الزوجة فى نقده و محاججته و توعيته بأن مثل ذلك النمط من التصرف يخدم المجتمع القديم و يعمل ضد مصالح الفلاحين . و فى الحالات القصوى ، تذيق النساء الرجل طعم تصرفه .
إذا قارنا ذلك الذى جرى فى الصين حينها بما كان يجرى فى بلدان أخرى قلنا عن فى عديد البلدان الأوروبية لم يكن مسموحا للنساء الإنتخاب . ففى 1950 ، كان من الصعب الحصول على الطلاق فى تقريبا كل البلدان الأخرى فى العالم و كان تحديد النسل غير متوفر و الإجهاض غير قانوني .و النساء فى أغنى البلدان، شرعوا اليوم فى نيل بعض حقوقهن القانونية التى نالتها الصين الاثورية قبل جيلين . لكن مرة أخرى مثلما سنرى بشأن الإصلاح الزراعي ، ذهبت الثورة الصينية أبعد من مجرد المساواة القانونية و أخذت تقضى على أسباب اللامساواة و الإضطهاد .
و كان هذا مجرد خطوات أولى على طريق طويل .

الصراع فى صفوف الحزب :
من البداية ، وجد صراع فى صفوف الحزب الشيوعي الصيني حول الطريق إلى الأمام . أحد أهم المواضيع كان كيفية تحقيق التعصير . أي هل يتم ذلك عبر وضع الربح موضع القيادة و مجرد تعصير ذات نوع افقتصاد الذى كان للصين قبلا و بالتالي الإبقاء على الصين تابعة للسوق العالمية التى تهيمن عليها الإمبريالية ؟ إن تم التعصير على هذا النحو فسيكون الطريق طريقا رأسماليا و سيؤدى إلى العودة إلى حياة يكرهها العمال و الفلاحون و النساء الصينيون .[و إتخذت الصين طريقا آخر ،الطريق الإشتراكي] .و قد كانت الصناعة على ملكية الشعب بأسره ، ينبغى أن يجري التطور على أساس مختلف و ليس فقط بضخ الموارد على تلك الصناعات المولدة لأوفر الأرباح . أضحت غاية الإقتصاد إنتاج ما يحتاجه الشعب و تشجيع التطوير عبر البلاد كافة . بما يعنى إيلاء الأولوية للفلاحة لتغذية الشعب و تزويد الصناعة بالمواد الأولية و تزويد السوق لإنتاج السلع الصناعية . و كان على الصين أن تطور توازنا بين الصناعة الثقيلة و الصناعة الخفيفة و أن تبنى إقتصادا وطنيا ذو إكتفاء ذاتي وأن تعاضد الثورة عبر العالم .
قال ماو عن الثورة الديمقراطية الجديدة فتحت الباب أمام الرأسمالية غير أنها فتحته حتى أكثر أمام الإشتراكية . فمثلا ، تمخض عن الإصلاح الزراعي بلد من المزارعين الصغار غلا ان الثورة لم تستطع أن تقف عند هذا الحد . أولا ، لو فعلت فإن بعض الذين كانوا يملكون أكثر بقليل من غيرهم من الأرض و أدوات الفلاحة و الحيوانات أو حتى من قوة العمل سيزدهرون فى حين أن بعض الذين كانوا يملكون أقل سيضطرون فى النهاية إلى بيع أراضيهم . و كانت السيرورة الرأسمالية ستخلق إستقطابا فى الريف بين الأغنياء و الفقراء . ثانيا ، و لو أن إطاحة الفلاحين بالإقطاعية بدأ يدفع الريف الصيني خارج الركود و الفقر فإن مزيد تقدم الفلاحة مرتهن بتحويل مالكي قطع الأرض الصغيرة إلى عاملين جماعيا.
و ثالثا ، كان هذا التخلف يعيق التطور الشامل للإقتصاد الإشتراكي .
لقيت الحاجة إلى هذه التغييرات الكبرى مقاومة فى صفوف الحزب ذاته بيد أن ماو آمن بأن حماس الفلاحين الكامن للمشركة قادر على تخطى جميع العراقيل .
قبل تحرير البلاد بأسرها ، وحتى قبل إتمام الإصلاح الزراعي ، شكل الفلاحون فرق عمل تعاوني ليساعدوا بعضهم البعض فى الزراعة و الحصاد . وبعد بضعة سنوات من التحرير ، شكلوا تعاونيات من المستوى الأدنى . و إشتغلوا فى الأرض كلها معا ووزعوا المنتوج وفق نسبة الأرض و الأدوات الفلاحية و الحيوانات و العمل الذين ساهمت بهم العائلة . و مع ذلك لا زالوا يحتاجون إلى القنوات و السدود و مراقبة الفيضان و أيضا إلى تسوية الأرض و خنادق الري و ما إلى ذلك . ومثلت الملكية الفردية عائقا يشد إلى الخلف قدرة الفلاحين على الإنتاج .
و أواسط الخمسينات ، شكل الفلاحون تعاونيات من المستوى الأعلى . فقد أحرقوا حجج ملكية أراضيهم لأنهم الآن صاروا يملكون الأرض و أدوات الفلاحة و الحيوانات بصورة مشتركة . و كانت هذه السيرورة ملتوية تحركت خلالها مناطق مختلفة بأنساق مختلفة .فكان من العادي أن يلتحق الفلاحون بالتعاونيات ثم ينسحبوا و يلتحقوا مجددا و ينسحبوا حسب حالاتهم النفسية و ثقتهم فى الطرق الجديدة . غير أنه فى بعض مراحل هذه السيرورة وجدت قائمات غنتظار من الفلاحين الذين يودون الإلتحاق بالتعاونيات . مع تجميع الفلاحين اراضيهم و عملهم ،متخلين عن قطعهم المنعزلة و مشتغلين معا على تشغيير وجه قطع الأرض ، تمكنوا من إستعمال الجرارات و آلات أخرى فى مناطق لم تعرف سابقا أية محراث حديدي . فسمح تطور الفلاحة للصناعة بالنمو .
القفزة الكبرى إلى الأمام :
فكانت الصين مستعدة إلى القفزة الكبرى إلى الأمام . كانت القاعدة الأساسية للحكومة فى الريف الصيني هي المقاطعة . بإتحاد تعاونيات المقاطعة بأسرها خلق شيئ جديد ، وحدة إقتصادية و سياسية من خلالها يبنى عشرات الآلاف فى الناس حياة جماعية . فمثلت الكمونات الشعبية خطوة عملاقة فى المضي قدما نحو القضاء على البون بين الفلاحين و الحكومة بما أنها من هنا فصاعدا ستدير بشكل تصاعدي كل شيئ بنفسها . و بينما ظلت فرق العمل تعتمد على عديد العائلات كوحدة أساسية ، تم تخطى حدود العشيرة و القرية بتحول هذه الفرق إلى جزء من منظمة أوسع حتى .و جرى التمكن من التخطيط على نطاق واسع للري و مراقبة الفيضانات و الطرقات و ما إلى ذلك ، و ذلك بمعرفة و مشاركة الفلاحين الذين ينهضون بدور محدد فى ما يجب القيام به و كيفية القيام بذلك .
لقد شددت سياسة ماو على المناطق الريفية من أجل التقليص التدريجي للبون الشاسع بين المدينة و الريف و بين العمال و الفلاحين فجعلت حركة الكمونات الشعبية من الممكن إحداث تقليص هام لهذا البون ببناء مستشفيات و معاهد و إنشاء صناعات جديدة فى المناطق الريفية ، بصورة أبعد من مجرد توسيع التسهيلات الموجودة فى المدن و إن كان هذا الأمر الأخير من "الأرخص" بالمعنى الضيق للإقتصاد.
ما كان تطوير الإقتصاد ليحدث دون الكمونات الشعبية فقد تلقى النساء و الرجال التشجيع على المبادرة بتنظيم معامل جديدة و إنشائها و على إيجاد طرق جديدة لتلبية حاجيات الناس . و قاد الحزب هذه السيرورة و قدمت الحكومة المساندة حسب المخططات الإختصاصية الشاملة للبلاد لكن إعتمد كل شيئ على جهود الشعب ذاته و مبادرته.
عالجت القفزة الكبرى إلى الأمام عديد المشاكل و حققت أشياء عظيمة . إلا أنها مرت بصعوبات إذ شهدت سنوات ثلاث من الجفاف الشديد . و عمل الإتحاد السوفياتي على تخريب الإقتصاد الصيني كرد فعل على نقد الصين للطريق الرأسمالي الذى إتبعه فى ظل خروتشوف . و برزت كذلك معارضة للقفزة الكبرى إلى المام من داخل الحزب الشيوعي الصيني ذاته . حيث إستغل أتباع الطريق الرأسمالي هذه الصعوبات تعلة إضافية للمطالبة بتغيير مسار الصين . و إدعوا أن الثورة أضحت تلهية عن العمل الحقيقي للشعب الكادح ، عن الشغل . و من المفروض ،بالنسبة لهم ، ألا يشغل الناس بالهم بشؤون الدولة و كيفية تنظيم مراكز العمل و تسييرها و ما إذا كان عملهم يخدم تدرجيا تحرير قدرات الشعب باسره و أي إتجاه تتخذه المجتمع ككل .
الثورة الثقافية :
من دراسة تجربتي الإتحاد السوفياتي و الصين ، توصل ماو و الثوريون الصينيون الآخرون إلى فهم أن الإشتراكية لا تنهى الصراع بين الطبقات المتناحرة بل بالعكس ، بعد إلغاء الطبقات الحاكمة القديمة ، تتحول المعركة إلى داخل الحزب الشيوعي عينه . فالصراع حول السياسات و الإستراتيجيات المتعارضة – حول الطرق المختلفة – يجسد صراعا بين طبقات متعارضة . فيحث العمال و الفلاحون وقادتهم فى الحزب على المثابرة على الطريق الإشتراكي بما يعنى القضاء خطوة خطوة على الإختلافات و اللامساواة الإجتماعية الموروثة عن المجتمع القديم و على الأفكار القديمة التى تتماشى مع هذه العلاقات ، و يعنى مساندة الثورة عبر العالم برمته و جعل البلاد قاعدة للتقدم صوب الشيوعية عالميا .و يجد الثوريون أنفسهم مجبرين على خوض معركة حياة أو موت ضد قادة حزبيين سامين يمثلون طبقة إستغلالية جديدة تظهر و تبحث بعناد عن الحفاظ على العلاقات القديمة و توسيعها و عن التأقلم مع النظام الإمبريالي العالمي . و يساند هؤلاء التحريفيين ثقل العادات و كذلك الموقع الهيمني للإمبريالية فى العالم .
و بلغ هذا الصراع أشده مع الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى . و فى 1966 ، دعى ماو و الثوريون فى الحزب الشيوعي الصيني أعضاء الحزب و الجماهير إلى "قصف مراكز القيادة" – إلى نقد هذه السياسات الرأسمالية و للإطاحة بالذين حاولوا فرضها عليهم و لدراسة الماركسية و تطبيقها و لأخذ المبادرة فى خلق أشياء إشتراكية جديدة بإمكانها أن تعمق تغيير المجتمع .
كان الهدف المباشر للثورة الثقافية الإطاحة بقادة الحزب الذين يريدون إعادة الصين إلى الطريق الرأسمالي غير أن الثورة الثقافية كما شرح ماو، تهدف بعمق أيضا إلى تغيير نظرة الناس إلى العالم كي يستطيعوا على أفضل وجه إدراك الفرق بين الماركسية و التحريفية. و مفاد هذا أن تفكير الناس ينبغى أن يتغير مع تغير العلاقات الإقتصادية و الإجتماعية بين الناس ، العلاقات التى تعكسها هذه الأفكار .
المعرك الأولى للثورة الثقافية خاضها الحرس الأحمر المكون من طلبة و شباب جريئين إستجابوا لنداء ماو لمعارضة أقوى الناس فى الصين . و نادى ماو أيضا الطبقة العاملة لتقود كل شيئ . و ناضل من أجل تعزيز قدرة الحزب على القيادة كممثل للمصالح البعيدة المدى للعمال فى قلب المجتمع و العالم رأسا على عقب.
فى جانفى 1967 ، إثر أشهر من التجمعات و الجدال الحاد لتوضيح المسائل ، فى ظل قيادة أعضاء الحزب الثوريين ، اطاح متمردومصانع و أحياء و معاهد شنغاي بإدارة المدينة القديمة التى كانت بقوة بين يدي أتباع الطريق الرأسمالي و أحلوا محل الإدارة القديمة لجنة مدينة واسعة من ثلاثة-فى-واحد ممثلين عن المنظمات الثورية و قادة الحزب الثوريين و ممثلى الجيش الأحمر . فقد إفتكت الجماهير السلطة كليا من أسفل . و مع أواخر 1968 ، تشكل هذا النوع من اللجان الثورية فى كل ناحية من نواحي الصين .
و تنقل ملايين الشباب المثقف لينقلوا الثورة الثقافية إلى الريف . و بقي العديد منهم هنالك بصفة دائمة . و ذهب أناس من المدن لم يتعودوا على العمل اليدوي كذلك لفترات من الزمن للعمل فى المزارع ليتعرفوا على الفلاحين و ليفهموا بشكل أفضل حاجياتهم و لإعانتهم على تغيير نظرتهم إلى العالم .
كانت لجان الثلاثة-فى –واحد من العمال و التقنيين و الإداريين هي التى تدير المصانع ،و فى المستشفيات كانت اللجان متكونة من أطباء و عمال و ممثلين عن المرضى و هكذا . و مثلما تكهن ماو بذلك حين يتم تثوير الدور الذى يضطلع به العمال فى الإنتاج ، حين يشرعوا فى التصرف كمفكرين و مديرين و ليس فقط كيد عاملة و حين يتم مزيد تثوير تفكير كل فرد ، حينئذ يتحرر الإنتاج أيضا . فى مصنع تكرير نفط بشنغاي كانت غازاته تلوث الهواء، درس العمال بإنتباه المشكل بما فى ذلك دقائق الأمور التقنية و تصوروا كيفية رسكلة الغازات لإستعمالها فى صناعة مواد كيمياوية لصنع ثياب و بلاستيك و أدوية . كان يبدو أرخص بالنسبة للمصانع مجرد إطلاق هذا السم بحرية فى الجو . و كان هذا يجعل المصنع يظهر أكثر ربحا و يتطلب أقل مجهودا من العمال و ربما وفر لهم أموالا إضافية . لكن العمال أكدوا أن ذلك ليس أفضل شيئ بالنسبة للمجتمع و حتى للإقتصاد ككل.
و كانت النشاطات الثقافية الصينية – الأفلام و المسرحيات و الأوبيرا و الكتب إلخ – قلعة لأتباع الطريق الرأسمالي و إرثا من المجتمع القديم .فمثلت هيمنة أتباع الطريق الرأسمالي على الأفكار و المنظور على نطاق الثقافة حاجزا ضخما امام مزيد تثوير المجتمع . فقال ماو تسى تونغ إن وزارة الثقافة ينبغى ان يعاد تسميتها بوزارة الأباطرة و الملوك و الجنرالات و الوزراء و ذوى المواهب و المومياء ات و خريجي المعاهد و الجميلات ،إذا رفضت التغير.
و برزت تشانغ تشنغ فى حد ذاتها كقائدة حزبية كبيرة لعبت دورا هاما فى قيادة إنتفاضة الجماهير للإطاحة بأتباع الطريق الرأسمالي أينما إغتصبوا سلطة . و أسهمت كذلك إسهاما نوعيا فى الثورة على المستوى الثقافي . كانت الأوبيرا شعبية للغاية فى الصين و كانت بعدُ تحتاج إلى أن تتغير . و فى لقاء جمعها بخمسة آلاف ممثل عن فرق الأوبيرا عبر البلاد ، سألتهم تشانغ تشنغ بإستفزاز عن ما إذا كانوا ينشدون خدمة مصالح الشعب أو خدمة مصالح زمرة من أتباع الطريق الرأسمالي الذين هم إستمرار للمجتمع القديم . " الحبوب التى نأكل يزرعها الفلاحون و الثياب التى نلبس و المساكن التى نقطن جميعها من صنع العمال و جيش التحرير الشعبي من أجلنا يحرس حدود الدفاع الوطني و مع ذلك لا نعرضهم على الركح . هل بإمكاني أن أسأل أي موقف طبقي تتخذون ؟ " إن المهمة الأولى للأوبيرا ،قالت ، هي تقديم أبطال ثوريين و بصورة خاصة إنتاج بعض الأوبيرا المتقدمة التى يمكن أن تستخدم كنماذج للأوبيرا و الثقافة بشكل عام .
و مع الثورة الثقافية جرى إصلاح شامل للتعليم .فقد وقع إنشاء جامعات فى الريف حتى يستطيع الساتذة و الطلبة أن يتعلموا من بعضهم البعض و من الجماهير و ينتجوا مخريجيين فى آن قريبين من الجماهير و مدربين علميا ، بكلمات أخرى ، فى آن معا حمر و خبراء.
خاتمة :
ما الذى جعل من الممكن إنجاز كل هذا ؟ إنه قيادة الحزب الشيوعي المسترشد بالإيديولوجيا التى نسميها اليوم الماركسية –اللينينية –الماوية . فقد قاد ذلك الحزب حربا ثورية حطمت السلطة السياسية للطبقات الحاكمة القديمة ووضعت السلطة الجديدة بين يدي الشعب . و قد جعل من تلك الإيديولوجيا ملكا للمعدمين و قادهم فى مواصلة الثورة ، خطوة خطوة ، نحو تحرير البشرية جمعاء .
ظلت الصين بلدا فقيرا لكن إشتراكيتها كانت نظاما أفضل من النظم الأخرى . و قد إستطاعت أن تلبي حاجيات الشعب منذ الأيام الأولى بعد التحرير فضمنت لكل فرد المأكل و الملبس و الوقود ...و التعليم ،سواء كان يعمل أم لا . ما كان هنالك من أحد خائفا مما يمكن أن يحدث لأبناءه . بإختصار ، وضعت حدا لخضوع الشعب كالسجين للجوع فأمكنه التطور بكرامة بشرية .
و قد حصل هذا التطور على نحو لا يمكن حدوثه فى بلاد رأسمالية إذ إستطاعت الصين ان توفر حاجيات شعبها دون إستغلال شعوب بلدان أخرى –و هذا الإستغلال هو سر مستوى الحياة الأعلى فى البيلد=ان الإمبريالية .و عوض أن صيستفحل إنقسام البلا=د إلى قلة غنية و غالبية فقيرة ، عملت الثورة الصينية [غطراد على تقليص الفوارق و اللامساواة فى المجتمع ، بين المدن و الأرياف و بين العمال و الفلاحين و بين العمل الفكري و العمل اليدوي و بين الرجال و النساء .و بالرغم من أنه لم يتمكن الجميع بعد ُ من الحصول ببساطة على ما يحتاجون إليه ، دون إختلافات ، فإن الحاجيات الأساسية للحياة كانت مجانية أو بمقابل زهيد بالنسبة للجميع
و لم تستطع الثورة الثقافية أن تقضي على كافة اللامساواة و التناقضات افجتماعية و كما قال ماو فإن الشيوعية لا يمكن أن تتحقق إلى ان يجري القضاء النهائي على الطبقات ،ليس فى الصين فحسب و إنما عبر العالم . و طالما وجدت طبقات ، يكون المحدد هو الخط الذى يتبعه الحزب أو بكلمات أخرى ، الإتجاه الذى يسير وفقه المجتمع .
لقد حاك أتباع الطريق الرأسمالي إنقلابا عسكريا و اوقفوا أقرب رفاق ماو و تشانغ تشنغ و تشانغ تشن –تشياو أبرزهم و شنوا موجة إرهاب ضد الثوريين . لقد غختلسوا من جماهير الصين سلطتها السياسية .
و فككت الطبقة الحاكمة الجديدة كل ما هو إشتراكي . فقد حلت الكمونات الشعبية . و أصبح بعض الفلاحين أغنياء و أصبح مائة مليون فلاح أو اكثر يجولون البلاد طولا و عرضا دون مسكن و أنصاف جياع ، باحثين عن عمل . و ابُعد العمال عن الإدارة المؤسسات و أمروا بتكميم أفواههم و التعبير فقط عن الإمتنان لتمتعهم بعمل – هذا إذا "حالفهم الحظ" . و تم تشغيلهم فى ما يجده الإمبرياليون مربحا . إن ما سمي "تعصيرا" للصين عني إغلاق أغلب الصناعات الثقيلة الصينية و إلقاء الناس فى الشوارع ليواجهوا لوحدهم مصيرهم . إنشاء صناعات جديدة كصناعة النسيج و أجهزة التلفاز ، عنيت إستعمال يد عاملة رخيصة تحت سلطة الرأسمال الأجنبي وفى الغالب من أجل السوق الأجنبية . و الأعمال القذرة التى لا تقام فى البلدان الغنية تتم فى بلدان مثل الصين حيث الفواضل الصناعية السامة و الخانقة فى كل ركن . إن حكام الصين الجدد يديرون شؤون البلاد لفائدة الإمبرياليين الذين عليهم يتصاعد إعتماد الإقتصاد الصيني.
و بالنتيجة ، للصين اليوم أعلى نسب مستوى فساد عالمي على الأصعد جميعها . وحدثت إنتفاضات فلاحين كبيرة ضد العبء الثقيل للداءات و أشكال أخرى من الإستغلال . و تتعرض البنات الصغار للقتل بنسب مفجعة و عاد العهر و الإدمان على المخدرات للإنتشار من جديد . و مرض السيدا يهدد بمنافسة أو تخطى الأوبئة التى تفشت فى الصين قبل أن يوضع لها حد فى 1949.
من الممكن أن يظل فى السلطة أتباع الطريق الرأسمالي الذين إستولوا على الحزب الشيوعي طالما طالما كان ذلك يرضى أسيادهم الأجانب بيد أنه ما عادت ثمة علاقة للشيوعية بالحزب الشيوعي الصيني . مرة أخرى على الشعب الصيني أن يفتك السلطة بقوة السلاح و بمساندة ثورييى العالم و شعوبه .ومع ذلك ليس على الشعب الصيني ،و ليس علينا ، أن نعيد كل شيئ من البداية ، من الصفر ،فلدينا تجربة إشتراكية تطورت عبر نضال مئات الملايين و لدينا الخط الذى قادها و الدروس المستخلصة .إن الثورة الصينية تقدمت أبعد من أي ثورة أخرى قبلها على الطريق صوب الشيوعية و هذه التجربة إرث مشترك لشعوب العالم و مثال ساطع عن أفضلية النظام الإشتراكي مقارنة مع الأنظمة الأخرى . /.
3/ حقيقة الثورة الثقافية
فى ما يلى سنبين أكثر و إن بصورة مقتضبة لماذا كانت الثورة الثقافية ضرورية و سنشرح و نستخلص الدروس من المشاكل التى طرأت خلال السيرورة و سنبرز مكاسب هذه الإنتفاضة الجماهيرية التى ساهم فيها مئات الملايين من الناس .
--------------------------------------------------------------------------------------------------------------
ما كان مدار الثورة الثقافية ؟
فى 1949 ، أطاحت ثورة العمال و الفلاحين الصينيين بالنظام القديم واضعة نهاية لآلاف السنين من الإضطهاد الإقطاعي و مائة سنة من الهيمنة الأجنبية على الصين . و أرست الثورة نظاما سياسيا و إقتصاديا إشتراكيا وضع السلطة بين يدي الجماهير و حقق فوائد ذات بال للشعب لكن إختلافات إقتصادية ذات دلالة و لامساواة إجتماعية ظلت قائمة فى المجتمع الإشتراكي الجديد. و الأخطر هو أن نخبة من ذوى الإمتياوات الجدد أخذت تظهر و كان مركزها السياسي-التنظيمي بالضبط داخل صفوف الحزب الشيوعي الصيني و كان تأثيرها السياسي و الإيديولوجي يزداد نموا .
مع أواسط الستينات ، كان على أتباع الطريق الرأسمالي ( هكذا وقعت تسميتهم لأنهم كانوا قادة سامين فى الحزب يتخفون وراء لبوس ماركسية لتعليل وضع الصين فى طريق سياسي-إقتصادي يقود إلى إعادة تركيز الرأسمالية ) يناورون لإستيلاء على السلطة .و كان هدفهم إعادة تركيز أنظمة إستغلالية و فتح أبواب الصين أمام الهيمنة الإمبريالية ، بإختصار هدفهم هو تحويل الصين إلى "جنة معمل يعمل بها العمال بعناء و فى ظروف سيئة " كما هي اليوم !
بعيدا عن أن تكون "صراعا حول سلطة قصر " ، كانت الثورة الثقافية صراعا عميقا حادا بشأن إتجاه المجتمع و بشأن من سيحكم المجتمع الكادحين أم طبقة البرجوازية الجديدة .
عبأ ماو و القوى الثورية فى صفوف الحزب الشيوعي الشعب لينهضوا و يحولوا دون افنقلاب الرأسمالي و لحلحلة المستويات العليا للحزب التى أضحت بصورة متصاعدة متشكلة من قالب برجوازي –بيروقراطي . و لكن الثورة الثقافية كانت أكثر من ذلك إذ كانت الجماهير تنجز التحويل الثوري للإقتصاد و المؤسسات الإجتماعية و الثقافة و القيم و كانت تثور الحزب الشيوعي ذاته . هذا ما سماه ماو تسى تونغ مواصلة الثورة فى ظل دكتاتورية البروليتاريا .
لكن هل كان ذلك الحدث نهوضا شعبيا حقيقيا ؟
لم تكن الثورة الثقافية عملية "تطويق" الناس يبعث بهم إلى "مخيمات الأعمال الشاقة " أو "فكرة مجموعة شمولية " . فوسائل الثورة الثقافية كانت مختلفة عن ذلك على وجه التمام . حيث ساهم العمال و الفلاحون و الناس من كل مجالات الحياة فى نقد جماهيري لفئة الموظفين الحكوميين الفاسدة . و ساهموا فى نقاشات ضخمة بصدد السياسة الإقتصادية و النظام التعليمي و الثقافة و العلاقة بين الحزب الشيوعي و الجماهير الشعبية . لل يكن هم ماو هو " تطهيرات " فقد كان يدعو إلى حركة جماهيرية من الأسفل لإلحاق الهزيمة بأعداء الثورة .
و إليكم بعض الأمثلة عن كيفية خوض الثورة الثقافية .
-- الحرس الأحمر :
تنظم ملايين الشباب فى كتائب سياسية نقدت قادة الحكومة و الحزب الذين كانوا يدفعون المجتمع نحو الطريق الرأسمالي . و شجبوا الممارسات النخبوية فى الجامعات و إستنهض1وا العمال و غيرهم الأكبر سنا منهم ليرفعوا رؤوسهم و ليسائلوا و يتحدوا السلط و السياسات الرجعية . و سافروا إلى الريف لنشر الحركة و الإطلاع على ظروف حياة الفلاحين .
-- المعلقات ذات الحروف الكبيرة / الدازيباو:
ألصقت هذه المعلقات المكتوبة بخط اليد على جدران المعاهد و المصانع و الجوار . و مثلت تعبيرا لا يصدق عن النقد الجماهيري للسياسات و للقادة . و كان الورق و الحبر يقدمان مجانا . و بما أنها فى متناول كل فرد فإنها وفرت أرضية مباشرة للنقاش فنشر أكثر من 10 آلاف نوع من الجرائد و الكراريس من قبل اناس عاديين فى الصين كوسيلة لنقاش المواضيع السياسية على نطاق واسع ( و فى بيكين لوحدها نشرت أكثر من 900 جريدة ) .
-- الإطاحة باتباع الطريق الرأسمالي و إرساء هياكل سلطة جديدة من أسفل :
شارك أربعون مليون عامل فى أكبر مدن الصين فى صراعات سياسية حادة و معقدة لإستعادة السلطة من النخب المتحصنة . وكان الجو مكهربا – فى مدينة شنغاي وجد ما يفوق 700 منظمة فى المصانع . و عبر النقاش السياسي و التجربة و بقيادة أتاحها لها الثوريون الماويون ، شيدت مؤسسات سلطة بروليتارية جديدة .
ألم يقترف كثيرا من العنف خلال الثورة الثقافية ؟
إن الروايات الغربية [و الرجعية ] الشائعة توحى بأن ماو كان رسميا وراء هجمات عنيفة ضد الناس و الإعتداء الجسدي على المعارضين و أن الأساليب العنيفة –سياسية أم غير سياسية – كانت منتشرة . هذه الإدعاءات مطلقة الخطإ.
كان توجه ماو أثناء الثورة الثقافية مسجل بوضوح فى وثائق رسمية وواسعة الإنتشار .ففى قرار ال16 نقطة ، تم التشديد على : " عندما تقوم مناظرة يجب إدارتها بالمحاكمة العقلية و ليس بالإكراه و القوة " . و سطرت توجهات ماوية أخرى حدودا للناس حيث حددت الأعداء فى حفنة صغيرة من "ذوى السلطة أتباع الطريق الرأسمالي ". و فى صفوف المثقفين و فى الجامعة ، رسمت السياسات الخط الفاصل بين حفنة من الطغاة الأكاديميين البرجوازيين الذين كانوا يسعون للتحكم فى الناس و لفرض القيم القديمة الإقطاعية و البرجوازية ،و عدد أكبر من المثقفين الذين تمت تربيتهم فى المجتمع القديم و تشبعوا بالكثير من منظوره ولكنهم كانوا أصدقاء للثورة و ينبغى كسبهم حتى و إن كانت ثمة تناقضات معهم . و هدفت سياسات أخرى إلى تحديد الضرر بإعتبار أنه أُدرك أنه ستوجد حتما تجاوزات . فمثلا لم يكن يسمح للحرس الأجمر بحمل الأسلحة أو بإيقاف أو محاكمة أي شخص.
لقد دعا ماو الجماهير " قنبلة مراكز القيادة " و الإطاحة بحفنة من أتباع الطريق الرأسمالي الذين يحاولون قيادة المجتمع إلى الخلف نحو القبضة الرأسمالية . فحدثت إنتفاضات سياسية شاملة . النقاش الجماهيري و النقد الجماهيري و الإستنهاض السياسي الجماهيريهذه هي أهم أشكال الصراع الطبقي فى خضم الثورة الثقافية . و قد وفرت فرص للمسؤولين الحوبيين و الإداريين على كافة المستويات لإصلاح أنفسهم و المساهمة فى الصراع ( و لا أكثر من 3 بالمائة من الكوادر تتم طردهم من الحزب – ليس على وجه الضبط تطهيرا فى غاية القسوة ) .
هل حدث عنف ؟ نعم حدث . كان هذا الصراع صراعا طبقيا حادا و مضطربا . فى حركة جماهيرية غير مسبوقة على هذا النطاق( نتحدث عن حوالي 30 مليون ناشط شبابي فقط) فى بلد بهذا الحجم ( 800 مليون حينها) سيكون من العسير أن نتصور حدوث الأمور على نحو مغاير . و من طريق الحتم أن أي حركة إجتماعية كبرى تصحح اللامساواة ستقوم ببعض التجاوزات لكن يجب أن نشدد هنا على نقاط ثلاث :
أولا ، كان العنف محدودا و متقطعا لم يشمل سوى أقلية من الحركة.
ثانيا ، حيث إستمرت التيارات الضارة فى صفوف الشعب ، نقدت القيادة الماوية هذه الأعمال وأدانتها و ناضلت ضدها ، و مثال ذلك أن الحرس الأحمر من الطلاب كان يعتدى بالعنف الجسدي على أناس أو يهينهم أو يستعمل البعض الحركة لإستيفاء حق قديم فنقدوا و أدينوا . و متحدثين عن مرحلة أساسية من الثورة الثقافية قلٌما يسمع عنها ، نذكر بأن فى بيكين ،توجه عمال يتبعون الخط الماوي إلى الجامعات لإيقاف قتال كتلوي ضمن الطلبة و لإعانتهم على حل خلافاتهم .
ثالثا ،الكثير من العنف الذى حدث حرّكه فعلا أتباع الطريق الرأسمالي ذوى المناصب العليا الباحثين عن الدفاع عن مواقعهم المتحصنة . حين صاروا عرضة لنقد حاد ، إلتجأوا إلى أحد تكتيكاتهم ألا وهوتعبئة مجموعات من العمال و الفلاحين لمهاجمة قطاعات من الشعب بإسم الثورة الثقافية . و كونوا للغرض حتى تشكيلات خاصة من الحرس الأحمر دخلت فى هياج جامح . و كان هذا يتنزل ضمن سشعيهم لحرف الثورة الثقافية عن أهدافها .
كان الوضع معقدا . و بالتأكيد أنه ثمة ضحايا أخطاء خلال الثورة الثقافية . كان من الحتمي تقريبا فى هذا اللون من النهوض الجماهيري الثوري و لكن هذا لا يعنى أنه أمر جيد . غير أنه إذا أردنا إحداث قطيعة على الوجه الأكمل على الطريق الإشتراكي و اليلولة دون العودة إلى الرأسمالية ،وهو ما قام به الثوريون الماويون ، نحتاج إلى التثوير الشامل و إعادة هيكلة الحزب فى خضم ذلك ،وهو ما قاموا به أيضا ، إذا أردنا ذلك فستحصل تجاوزات و علينا أن نحاول تطويقها (و هذا ما فعل ماو ) . لو لم يحدثوا النهوض الجماهيري للثورة الثقافية ، كانت الصين ستعود بسرعة إلى الرأسمالية .
و فى واقع الأمر ، فى 1976 ، نجح فعلا أتباع الطريق الرأسمالي فى الإطاحة بسلطة البروليتاريا . و بصدد العنف الرجعي ، إن أتباع الطريق الرأسمالي هم الذين وجهوا الجيش ليطلق النار على الطلبة و العمال المحتجين فى ساحة تيان آن مان فى 1989.
ماذا عن سياسة بعث الناس إلى الريف و معاملة الفنانين و المثقفين ؟
أحد أهداف الثورة الثقافية كان تخطى عدم التوازن الثقافي الموجود فى الصين . إتسم الوضع الإجتماعي بأن الفنانين و المثقفين و المهنيين مركزين فى المدن أين كان عملهم مطلقا بصورة جدية عن المجتمع الأ وسع و بالخصوص عن ال80 بالمائة من الذين يعيشون فى الريف حينذاك . لقد نشرت الثورة الثقافية النقاش على طول المجتمع و عرضه حول الحاجة إلى تقليص اللامساواة بين العمل الفكري و العمل اليدوي و بين المدينة و الريف و بين الصناعة و الفلاحة و بين الرجال و النساء .
و دٌعي الفنانون و الأطباء و العاملون فى المجال التقني و العلمي و جميع المتعلمين إلى الإختلاط بصفوف العمال و الفلاحين و إلى إستخدام مهاراتهم لتلبية حاجيات المجتمع و تقاسم الحياة مع الكادحين و تبادل المعرفة و التعلم من القاعديين . و إستجاب عدد ضخم من الشباب و المهنيين انداء ماو ل"خدمة الشعب " و قصدوا الريف.
و الآن لإحداث التغيير الإجتماعي المرجو ،كان لزاما تقنين السياسات الإجتماعية الجديدة . مثلا ، كان المتخرجون من المعاهد العليا مطالبين بتمضية على الأقل سنتين فى القرى الريفية أو فى المصانع قبل تعيينهم للعمل فى الإعداديات . لذا وجد نوعا من الإكراه (سياسات مفروضة ) لكن هل سنحتج على إبطال التفرقة العنصرية فى المعاهد لأن ذلك مفروض ؟ و بالنسبة لعديد المثقفين ، كان التخلى عن الإمتيازات و الإنضمام إلى جماهير الريف تجربة هائلة.
إن الهجمات على الثورة الثقافية على أنها "دمرت حياة " و "حطمت مستقبل" أناس هي هجمات فى الواقع تعارض لسياسات الثورة الثقافية الإجتماعية المناهضة للنخبة و الراديكالية.
وعادة ما يزعم أن سياسة بعث الأطباء و المهندسين و المثقفين و ذوى المهارات الآخرين إلى الريف كانت "عقابا". لا لم تكن كذلك . هي سياسة ينبغى أن ينظر إليها فى إطارها الأوسع الإجتماعي –الإقتصادي لبحث الصين الماوية عن تحقيق تطور متوازن و متساوى . فى العالم الثالث ، ثمة أزمة بناء فوضوي محكم للمدن ذات الأحزمة المتكونة من مدن الصفيح ، و نزوح شعبي للريفيين الذين لا يعثرون على عمل، والسياسات الإقتصادية و الأنظمة التعليمية والبنية التحتية للرعاية الصحية حرفت من أجل محظوظي المدن على حساب فقراء المدن و الريف .
لقد كانت الصين الماوية تسعى لتجنب بناء المدن الضخمة على النمط الغربي و لدمج التطور الصناعي و الفلاحي و لإيجاد عدم مركزة للقدرات الإنتاجية و لتجاوز اللامساواة الجهوية . إعتنت إسترتيجيا التطور هذه برفاه الريف و أعطت الأولوية لحاجيات المضطهدين و المنبوذين فى السابق.
و قد جرى تشجيع الفنانين على المساهمة فى الحركة الثورية . و شمل هذا القيام بتقييم ذاتي لمعرفة مدى مساهمة أعمالهم فى التقدم بالثورة أو فى شدها إلى الخلف و النظر إلى أعمالهم فى إطار الصراع من أجل مجتمهع جديد . لقد إستهدفت الثورة الثقافية ترويج الفن الثوري الذى كان يصور الجماهير و يساعدها على دفع عجلة التاريخ إلى الأمام و أنجزت أعمالا ثقافية مزلزلة نموذجية غير مسبوقة .
و فى الوقت نفسه ، يمكن أن يكون قد إنجر عن تركيز الإهتمام على تلك الأعمال أمر سلبي هو عدم إطلاق مزيد التنوع فى التعبير الفني . هنا ثمة علاقة جدلية بين من جهة ،إنجاز أعمال نموذجية وفق طريقة تدرس من خلالها الجزئيات و المعيير من قبل المستويات العليا و إستنهاض الفنانين فى هذه السيرورة و من جهة أخرى تشجيع المثقفين و الفنانين على إبداع أعمال جديدة و تجارب دون مثل هذه العناية المرشدة اللصيقة و ثم عبر الزمن قيادة الجماهير لتمحيص ما تم إبداعه من وجهة نظر التغيير الثوري للمجتمع . درس ... هذه المسألة فى كتاباته الأخيرة و دعا إلى التعمق فى البحث و الصراع لإدراك إنعكاساته .
و نقد ... كذلك إتجاه ضمن الثوريين الصينيين بمن فيهم ماو إلى شيئ من التعصب القومي بهذا الصدد . لقد طرح مسألة إذاما كان الإعتبار القومي ينسحب على التعامل مع المثقفين و الفنانين الذين تدربوا ضمن ثقافة غربية و تأثروا بها كأناس ينبغى نقدهم بغض النظر عن محتوى أعمالهم أو حتى معاملتهم كأعداء . و نادى إلى تقييم النقد خلال الثورة الثقافية فى إطار المكاسب العظمى المحقة فى تلك الحقبة : إزدهار الفن الثوري و الثقافة إنخرطت فيه جماهير الشعب كما لم يقع ذلك أبدا فى السابق ، كل هذا بغرض إستخلاص دروس مفيدة لمستقبل الثورة الإشتراكية .
ماذا عن الروايات من المصادر الأصلية التى تصور العذابات الفردية ؟
إن للطبقات الإجتماعية المختلفة و ممثليها فى المجال الأدبي مفاهيم مختلفة حول ما هو "صحيح" و ما هو "خاطئ" و حول ما هو "مرعب " و ما هو "تحرري" . و كون إنسان ما "عايش حدثا ما " لا يغير من هذا ولو نغييرا بسيطا ، أو يعطيه أو يعطيها بالضرورةنفاذ بصيرة خاص .
لقد شعر عديد المهنيين المدينيين ذوى الإمتيازات فى الصين بأنه "وقع التجنى عليهم " .فقد تعرضوا للنقد و كسر روتين حياتهم العادية و سحبت منهم إمتيازاتهم . هذه هي "الجراح " التى آلمتهم و هذه هي الحكاية التى يروونها ...مع كمية كبيرة من التحريف . بالكاد يفاجئنا أن تمتدح بإسهاب هذه الأعمل و تشجع فى الولايات المتحدة الأمريكية و فى الصين ( حيث إستولى أعداء الثورة الثقافية على السلطة منذ 1976 ) . أما التقييمات الإيجابية للثورة الثقافية و "الروايات الداخلية " الإيجابية لما عنته هذه الثورة بالنسبة للكادحين العاديين فلا تنشر عادة .
لنفكر للحظة . أي نوع من الفهم للثورة الفرنسية سنحصل عليه من إنسان كان فردا من الأرستقراطية القديمة ؟ ما الذى سنعلمه عن الحرب الأهلية فى الولايات المتحدة من عنصر من أعيان مزارعي القطن؟ أو عن النضال اليوم حول العمل الإيجابي فى التعليممن إنسان أبيض يصف "إضطهاده" حين لم يحصل على القبول فى معهد الحقوق الذى إختاره؟ هذا ما يجعلنا نفكر أن مثل هذه الروايات ،و إن كانت صادرة عن "شاهد عيان " ستكون بعمق متأثرا بمناهضة التغيير الإجتماعي .
و هذا ينطبق على الثورة الثقافية . فالقوى الإجتماعية الأوفر إمتيازات ،تنظر للثورة الثقافية و تحرفها من خلال عدسات إجتماعية خاصة . و هذا لا يعنى أنه ليس هنالك من شيئ يمكن تعلمه من أيا منهذه الأعمال أو أنه لم ترتكب أخطاء فى كيفية معاملة الناس . لكن هذه الروايات الشخصية إلى أبعد الحدود تشوه بشكل كبير الأحداث الواقعية و الحركة الجماهيرية و التوجهات الأساسية للثورة الثقافية . إنها ترمى ضلالا من العتمة على المصالح الطبقية و البرامج الإجتماعية التى كانت فى تعارض و صدام حقيقيين .
هل بإمكانكم الإشارة إلى المكاسب الحقيقية للثورة الثقافية ؟
أولا و قبل كل شيئ ، نجحت الثورة الثقافية فى الحفاظ على الحكم البروليتاري و فى الحيلولة دونالإنقلاب التحريفي فى الصين لعقد من الزمن (1966-1976) . و قادت كذلك إلى تغييرات إجتماعية و مؤسساتية عميقة و جذرت توجه تنظيم المجتمع حول مبدأ "خدمة الشعب" .و هذه بضعة أمثلة لذلك:
التربية :
تغيرت الجامعات الصينيةالتى كانت فى بداية الستينات بعدٌ مجالا لأبناء و بنات المثقفين و الكوادر و الطبقات ذات الإمتيازات السابقة لقد تم إصلاح مناهج اللتدريس القديمة كجزء من تلبية حاجيات تشييد مجتمع المساواة . و تم نقد طرق التدريس الأوتوقراطية . على جميع المستويات إعتبرت التربية أكثر من مجرد حضور فى فصل ، إعتبرت سيرورة إجتماعية واسعة على مدى الحياة . و مزجت الدراسة والبحث العلمي مع العمل المنتج . و أدمجت السياسات الثورية و الدراسة السياسية فى السيرورة التعليمية . و هاجمت الثورة الثقافية مفهوم أن التعليم سٌلّم "للصعود" و أن المهارات و المعرفة تذكرة عبور للفوائد و الإمتيازات على حساب الآخرين . لقد شجعت قيم جديدة و إعتبار أن المعرفة التى يتعين تحصيلها ينبغى إستعمالها فى خدمة المصلحة الجماعية .
و قد أرست الجامعات التسجيل الحر . و مع بدايات السبعينات ، شكل الطلبة من العمال و الفلاحين الأغلبية الساحقة ارواد الجامعة . و إنتشرت المصادر التعليمية بشكل واسع إلى المناطق الريفية فمثلا إرتفع التسجيل فى المعاهد الوسطى من 15 مليون إلى 80 مليون .
تعد تهمة أن الثورة الثقافية كانت "عقدا ذهب سدى " بالنسبة للتربية تشويها كبيرا و مثالا آخر عن الإجحاف الطبقي.
الثقافة :
"الأعمال الثورية النموذجية " فى الأوبيرا و الباليه شددت بصورة جديدة على العمال و الفلاحين و مقاومتهم للإضطهاد ( عوضا عن الدرامى القديمة لحاشية الإمبراطور) . فأدمجت التقنيات الغربية مع الأشكال التقليدية الصينية و قدمت عديد عروض الأعمل الجديدة تجسيدا قويا للنساء الثوريات اللاتى تحدت العلاقات الأبوية /البطريركية . و إنفجر الإبداع الجماهيري مولدا قصصا قصيرة و شعرا و رسما و نحتا و موسيقى و رقصا . و تضاعف عدد الفرق الثقافية ووحدات صناعة السينما عبر الابلاد . بين 1972 و 1975 ، نظمت بيكين أربعة عروض وطنية للفنون الجميلة ( علما أن 65 بالمائة من الأعمال المعروضة أبدعها هواة ) جذبت إليها جمهورا قدر ب7.8 مليون وهو رقم قياسي لم يبلغ أبدا قبل الثورة الثقافية .
الإدارة الإقتصادية :
فى المصانع و فى أماكن عمل أخرى ، وقع التخلص من الأشكال التقليدية "لإدارة رجل واحد" .و أخذت تركيبات جديدة "ثلاثة –فى-واحد" من صفوف العمال و التقنيين و أعضاء الحزب الشيوعي ، أخذت على عاتقها مسؤولية التسيير اليومي للمصانع و أنواع أخرى من النشاطات . فكان العمال يمضون وقتا فى الإدارة و كان الإداريون يمضون وقتا فى العمل اليدوي .
تسيير العلم بطرق جديدة :
أدخلت "الأبحاث ذات الأبواب المفتوحة " فإنتشرت مراكز البحث عبر البلاد و ساهم فيها الفلاحون و فتحت المخابر التقنية أبوابها بصورة صحيحة للعمال و ركزت الجامعات مخابر للتوسع فى المصانع و فى الجوار. و جعلت الكتب المبسطة المعرفة العلمية فى متناول الجماهير .
خاتمة :
كانت الثورة الثقافية حدثا تاريخيا غير مسبوق . فى وضع جرى فيه تركيز نظام إشتراكي ، إستنهض ماو و الثوريون فى الحزب الشيوعي الصيني نشاط الجماهير و روحها الإبداعية للحيلولة دون إعادة تركيز النظام القديم و للمضي قدما بالثورة الإشتراكية صوب الشيوعية . ، صوب إلغاء الطبقات و العلاقات افضطهادية كافة .
لم يشهد التاريخ أبدا حركة جماهيرية و صراعا على هذا الدرجة من الكبر قادتها مثل هذه السياسات ومثل هذا الوعي ثوريين . لم يشهد التاريخ أبدا مثل هذه المحاولة الراديكالية لتغيير العلاقات الإقتصادية و المؤسسات السياسية و الإجتماعية و الثقافة و العادات و الأفكار .
هل وجدت أخطاء و نواقص فى سيرورة الثورة الثقافية ؟ نعم وجدت حتى بعض الأخطاء الجدية . لكن إذا ما نظرنا إليها فى إطار المكاسب العظيمة و فى مقارنة بفظائع المجتمع الرأسمالي فبالتأكيد هي أخطاء ثانوية .
غير ان الثورة الشيوعية لا يمكنها الوقوف. عليها أن تتعلم بنظرة نقدية من تجربتها و لا تخشى مساءلة ذاتها و التقدم أكثر و القيام بما هو أفضل .../




-----------------------------------------------------------------
4/ حقيقة الحرس الأحمر
- القصّة الحقيقية للحرس الأحمر -
الحرس الأحمر : وانغ واي بينغ
فى 1966 ، نهض ملايين الشبان كالإعصار خلال الثورة الثقافية الصينية.

... عندما توفي القائد الثوري العظيم ماو تسى تونغ فى 1976 ، إستولى المعادون للثورة على السلطة و أعادوا تركيز الرأسمالية فى الصين. لكن طوال ال25 سنة كانت الصين الماوية بلدا إشتراكيا. ففى ظلّ قيادة ماو، ساهمت جماهير الشعب فى النضال الثوري لتحويل المجتمع ، للقضاء على الطبقات و كافة اللامساواة و الإضطهاد. و أثناء الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى، جرى إستنهاض ملايين الطلبة و العمال و الفلاحين لفضح و طرد القادة السامين و قادة الحزب الذين كانوا يسعون إلى إعادة الصين إلى الطريق الراسمالي.
لقد أشار ماو إلى أنّه حتى مع العلاقات الإشتراكية الجديدة ثمّة بقايا المجتمع الرأسمالي و قاعدة اللامساواة. كما أشار إلى أن الإنقسامات الأساسية تستمر فى الوجود فى المجتمع الإشتراكي، بين العمل الذهني و العمل اليدوي ،و بين المدينة و الريف ،
و بين العمال و الفلاحين. و قال إن برجوازية جديدة تظهر بإستمرار فى ظلّ الإشتراكية و نواتها المركزية فى أعلى مستويات الحزب و إنّ الصراع الطبقي يتواصل فى ظلّ الإشتراكية ، على طول الطريق نحو إلغاء الطبقات و تركيز الشيوعية على النطاق العالمي.
مع الثورة الثقافية، طوّر ماوالشكل و الطريقة الأساسيين لتثويرالحزب والمضي قدما فى تحويل المجتمع بأسره، بإطلاق العنان للنشاط الثوري الواعي للجماهير للإطاحة بالبرجوازية داخل الحزب. ويعدّ هذا الصراع للحيلولة دون إعادة تركيز الرأسمالية خطوة عملاقة فى النضال الثوري عبر العالم.
و فيما يلى قصّة الحرس الأحمر التى تبيّن كيف أنّ ملايين الشبان إستنهضوا خلال الثورة الثقافية لتحفيز الصراع الطبقي و نشره.هذه قصّة سير الديمقراطية البروليتارية فى واقع ملموس.
فى 18 أوت 1966 ، ظهر لأوّل مرّة على الملإ الحرس الأحمر بمسيرة بمليون شخص فى ساحة تيان آن مان. كتائب من الشباب ، منخرطين فى الثورة الثقافية ، كانوا يجوبون الشوارع و يغنون " الإبحار عبر المحيطات مرتهن بالرباّن" وأعلن ماو دعمه لهؤلاء المقاتلين الجدد ووضع على ساعده شارة حمراء للحرس الأحمر، وقد كتب عليها بحروف ثلاث هي "وانغ واي بينغ" .و من الصباح إلى المساء كان يرحّب بالحرس الأحمر مشجعا حماسهم و تساؤلاتهم النقدية و قائدا إياهم على طريق الثورة داخل الثورة.
--------------------
كان الحرس الأحمر فى جامعة بيكين إفرازا لإحتداد الصراع الطبقي حيث ظهرت عشرات الآلاف من النصوص الحائطية المكتوبة بحروف كبيرة ( الدازيباو) وبات النقاش الساخن والصراع السياسي بسرعة على جدول الأعمال اليومية. وفى 5 أوت، أصدر ماو دازيباوه هو حاثاّ الشباب على "إطلاق النار على القيادات"، لنقد و معارضة الذين يوجدون فى مواقع سلطة و يعملون على جرّ الصين إلى الطريق الرأسمالي. و صدر "قرار ال16 نقطة" وهو وثيقة غاية فى الأهمية أقرّها الإجتماع العام الحادى عشرة للجنة المركزية الثامنة الذى إنعقد فى أوت. ثمّ أمست هذه الوثيقة ،"قرارال16 نقطة"، تمثّل المبادئ المرشدة لخوض الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى. لقد تناولت الدورالمهمّ للشباب و إستخدمت كنداء لأكثر العناصر ثورية ليلتحقوا بالمعركة:" لقد قام عدد كبير من الشباب الثوريين الذين كانوا مغمورين فى الماضى يشقون الطريق بشجاعة و إقدام. إنهم أقوياء فى العمل و أذكياء. و بواسطة الإعلانات بالحروف الكبيرة ( دازيباو) و المناظرات الواسعة، يقومون بمناقشة الأمور،و يفضحون و ينقدون على نحو ناجز، و يشنون الهجمات الحازمة على ممثلى البرجوازية المكشوفين و المتسترين. و يكاد يستحيل، فى مثل هذه الحركة الثورية الكبيرة، ألا تبدو منهم نقائص من نوع أو آخر، إلاّ أنّ إتجاههم الثوري العام كان صحيحا منذ البدء،و هذا هو التيار الرئيسي فى الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى. و هو المنحى العام الذى تواصل هذه الثورة التقدّم فيه." ( جان دوبيه " تاريخ الثورة الثقافية البروليتارية فى الصين1965/1969"، دار الطليعة، بيروت، ص288)
و أضاف ماو فى رسالته الخاصّة "من حقنا أنونثور ضد الرجعيين" :" أقدّم لكم دعمى الحار ..." . و قد تمّ التعويل على الشباب بعفويته وروح جرأته ليكون محفّزا ،قوّة دفع ملايين الآخرين فى المجتمع إلى حلبة الصراع الحاسم للحيلولة دون إعادة تركيز الرأسمالية.
على نطاق واسع فى بيكين:
إنطلق صراع فى جامعة بيكين دافعا الجامعات الأخرى إلى حلبة الصراع. فكانت أبواب الجامعة مفتوحة على مصراعيها وإلتحق بها آلاف الناس، البعض لمجرّد الفضول، وآخرون على إستعداد للسماع ،و العديد ريغبون فى المساهمة بتجاربهم الخاصّة فى الصراع. و جاء الفلاحون إلى الجتمعات فى أفضل لباس لديهم من الكمونات ( فلاحة جماعية/ نظام سياسي). لم يحلم العديد منهم بتجاوز عتبة الجامعة و الآن يرحّب بهم الطلبة بحماس. وكبرت الحشود و تشكّلت و أعادت التشكّل حلقات نقاش كبرى عبرالكليات الضخمة و حتى ساعات متأخرة من الليل. و جُهّزت الكلّيات بمكبرات الصوت و لكن حيث لم يستطع الناس السماع ، شكّل الطلبة محطّات ليشرحوا للحشود ما كان يجدّ و يقال. ومثلما صرّح أحد الطلبة إلى زائر غربي: " الآن و قد تجرأنا على الكلام،على التحرّك، صار الأمر رائعا! لم نشعر بهذا من قبل أبدا." و تواصل الكمّ الهائل من الدازيباو مع تعليق النقد والتهم والإستشهادات بمقولات لماو فى الأروقة و قاعات الدرس و جدران مؤقتة و الأسقف و حتى الأرصفة.
و كان عمر عناصر الحرس الأحمر يمتدّ بين 12 و 30 سنة، والغالبية من طلبة المعاهد العليا، وعمرهم بين 12 و 17 سنة ، نظّموا أنفسهم فى أقسام و كتائب، وعيّنوا قيادات على مستويات الأقاليم والبلديات و إنتخبوا قادتهم الذين كانوا بإستمرار عرضة للإقالة.
كان حينها شاب من أمريكا يدرس بمعهد من المعاهد العليا فى بيكين و شارك فى نشاطات الحرس الأحمر. و فى لقاء صحفي فى 1968، وصف كيف إندفع إلى الصراع فى جامعة بيكين قائلا:
" مثلما ذهب أناس من معهدى العالى إلى جامعة بيكين ليكتشفوا ما كان يحدث، كان للناس من المدن الأخرى ذات الفضول فجاؤوا إلى بيكين. لقد سمعوا عن الغاضبين يجوبون الشوارع و يقومون بالثورة متبعين الرئيس ماو و "من حقنا أن نثور ضد الرجعيين" فجاؤوا. كان معهدنا يعدّ 1800 طالب عادي و فجأة وُجد به أكثر من 7 آلاف من تياندجينغ، يعيشون منتشرين فى المكان. و برزت فكرة إمكانية نشر الثورة بالتوجّه إلى خارج بيكين. و قرّرت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني أن تلك الفكرة جيّدة. و قد أدركت أن النظام التعليمي لا يمكن أن يغيّره سوى الطلبة ذاتهم و انّ الطلبة لا يمكنهم جعل النظام التعليمي فى خدمة الشعب إلاّ إذا عرفوا من يخدمون... كانت الفكرة فى الأصل إبقاء بعض الطلبة فى بيكين للحفاظ على جذوة الصراع هناك و إرسال المجموعات الأخرى إلى خارج بيكين لتبادل التجارب بيد أنّ كلّ شخص أراد السفر وسافر الجميع. أمّا أنا فبقيت لفترة أخرى وساعدت على توفير سكن للناس والتزويد بالغطاء و الغذاء لجميع الزوّار. كانت بيكين تعدّ خمس ملايين و إلتحق بها ثلاثة ملايين و نصف المليون. وجدت فوضى مطلقة، لكن ما من أحد مات جوعا إذ توفرت أماكن النوم للجميع ،إن لم يكن فى المعهد ففى منزل أحدهم. و ظلّ الناس فى بيكين لشهرين أو ثلاث أشهر".
و لم يقف شباب الحرس الأحمر عند هذا الحدّ. ففى أوت و نوفمبر رحّب ماو بمسيرات مليون من الحرس الأحمر لثماني مرّات. وفى كلّ فترة زمنية إنضاف حوالي المليونين من "الزائرين" إلى سكان بيكين .إجمالا غزا حوالي 13 مليون شاب العاصمة فى تلك الفترة مردّدين نداء ماو: "لتأت بقية البلاد إلى بيكين أو لتذهب بيكين إلى بقية البلاد". و صدرت أوامر إلى جيش التحرير الشعبي لتسهيل تنقلات الشباب و بمساعدة السكان المحليين تصرفوا ليوفروا الغذاء و المأوى و النقل.
جاء الشباب من كلّ حدب و صوب و كانت المسيرات ما تنفكّ طوال اليوم تمرّ بالشوارع و كانت مكبرات الصوت تصدح من كافة الجهات. و كانت الرايات منشورة و كانت الملصقات فى كلّ مكان ووزّع الحرس الأحمر المناشير و الجرائد بينما كانت حلقات نقاش تتشكّل فى كلّ زاوية من زوايا المدينة. وصف جان دوبيه فى كتابه "تاريخ الثورة الثقافية البروليتارية فى الصين" المشهد الحيّ فى شوارع بيكين وقتذاك: " وقد إتخذت الشوارع مظهرا غير عادي: كان يحاذى الفتيان المونغوليين، بأحذيتهم الضخمة و جلابيبهم الطويلة تشدها إلى خصورهم حزامات جلدية، فتيان الويغوريين بلباسهم البراق التقليدي لمقاطعتهم سنكيانغ البعيدة، و بين الحراس الحمر الآتين إلى هذه المنطقة الشرقية من الصين، ملتقى مختلف موجات النزوح خلال قرون عديدة، كان يميّز إلى النماذج المحلية الخالصة ، القريبة من السلالة التركية، أشخاص ذوو عيون زرقو شعر أشقر. و يشاهد أيضا فتيان من التيبت بقاماتهم القصيرة و الوجه لوحته شمس القمم العالية، يرتدون جلابيب ضخمة ملونة و يعتمرون قبعات من القشّ عريضة الجوانب، شبيهة بقبعات هنود البيرو. المحلات و حافلات الترام ، الحدائق و المطاعم، تدوى باللهجات و اللغات المختلفة."( جان دوبيه "تاريخ الثورة الثقافية البروليتارية فى الصين" ، دار الطليعة ،بيروت، ص81).
و ركّزت الجهود الأولى للحرس الأحمر على فضح بقايا الإقطاعية والرأسمالية و مهاجمتها. فقد غيّر أسماء الشوارع و شارات المغازات التى تشير إلى أو تذكّر بالصين الإمبراطورية ، مسجّلا سياسيا أنّ التأثيرات الإقطاعية لا تزال موجودة و ينبغى النضال ضدّها بوعي. و قد طبع الشباب الثوري بميسم أحمر كلّ مكان قصده. و حين ذهب إلى مدينة شنيانغ ( سابقا مكدن) جرى تغيير إسم المدينة على يافطة محطّة القطار.عندما تكتب سشيانغ بحروف مقتضبة فإنها تعنى "غروب الشمس" فغيّر الحرس الأحمر الإسم ليصبح " الشمس الحمراء" .و قد صادر الحرس الأحمر كذلك أشياء مثل المسدّسات و قوالب الذهب و قطع الفضّة ورايات الكيومنتانغ ( الحكومة الرجعية المطاح بها) وسنوات قديمة و إشارات إلى أنّ بعض العناصر فى المجتمع لم تكن فقط تأمل فى العودة إلى "الأيام الخوالي" لكن عمليا كانت " على إستعداد" لدعم إعادة تركيز الرأسمالية.
فى المعاهد عمل الشباب على تثوير النظام التعليمي بأسره. لقد نقدوا بقوّة المضامين القديمة و مناهج التدريس التى كانت تشدّد على الدروس المجرّدة مطلّقة عن الممارسة. و هاجموا الإداريين الذين كانوا مسؤولين عن جعل المعاهد محاضن تفريخ النخبة التكنوقراطية و الأكادميين ذوى الإمتيازات. و قد نشر مجموعة من الطلبة المقترح التالى فى " يومية الشعب":
1- إثر إنتهاء الثورة الثقافية الكبرى ، يتخرّج كلّ الطلبة الذين قضّوا على الأقلّ سنتين فى كليات الآداب و يرسلون للمساهمة فى الحركات الثورية الثلاث الكبرى أي الصراع الطبقي و الصراع من أجل الإنتاج و التجريب العلمي و لمدّة طويلة يندمجون دون قيد مع العماّل و الفلاحين و الجنود.
2- يجب أن تستعمل كليات الآداب أعمال ماو تسى تونغ كمادة تدريس و أن يكون الصراع الطبقي موضوع بحث عميق.
3- من الآن فصاعدا على كليات الآداب أن تغيّر برامجها لتدرس سنة، سنتين أو ثلاث سنوات ، تبعا لتوجيعهات الرئيس ماو
و متطلبات البلاد. زيادة على ذلك ، ينبغى تخصيص كمّية معيّنة من الوقت كلّ سنة للمساهمة فى العمل بالمصانع أو المزارع
و التدريب العسكري و الصراع الطبقي فى المجتمع.
4- بشأن مناهج التدريس ، يتعيّن أن يتمّ التشديد على التربية الذاتية و النقاش. وعلى الأساتذة أن يقدّموا التعليم المناسب،
و يمارسوا المنهج الديمقراطي للتدريس و يتبعوا الخطّ الجماهيري و يلغوا منهج التدريس بحشو الرؤوس بالمعلومات غير المهضومة.
5- من الآن فصاعدا يجب ان تضمّ المدارس العليا إلى صفوفها طلبة جددا من ضمن الشباب الذين صلّبوا عودهم فى الحركات الثورية الكبرى و الذين يملكون إيديولوجيا تقدّمية، و الذين بلغوا مستوى معيّنا من التعليم ،و ليس بالضرورة فقط من الذين مرّوا بالمعاهد الثانوية بما يسمح لأعداد كبيرة من البارزين من العمال و الفقراء سابقا و الفلاحين الفقراء و المتوسطين و رجال الجيش المسرحين بالإلتحاق بالمدارس العليا. " ( من " مقترحات للجنة المركزية و الرئيس ماو بشأن إدخال نظام آكاديمي جديد تماما فى كليات الآداب فى الجامعات").
ذهاب بيكين إلى بقية البلاد
لقد شجعت القيادة الثورية للحزب الشيوعي الحرس الأحمر على " ذهاب بيكين إلى بقية البلاد" ، أي السفر عبر البلاد الصينية الممتدّة الأطراف لنشر الحماس الثوري و دفع ملايين الصينيين إلى حلبة الصراع الطبقي. و بالخصوص عقب إستقبال ماو للحرس الأحمر بساحة تيان آن مان، فى أوت، نشر الراديو و الهاتف أخبار الصراع فى جامعة بيكين إلى الأقاليم لكن الآن يرسل الشباب إلى أبعد و أعمق لخوض الصراع و نشره بطريقة ملموسة و عملية و لتبادل التجارب الثورية. و إتخذت إجراءات خاصّة لتيسير هذه "العلاقات الكبرى" حيث صدرت توجيهات لجيش التحرير الشعبي لمواصلة مساعدة شباب الحرس الأحمر فى سفره كما صدرت تعليمات لوسائل النقل لتسمح للشباب بالتنقل مجانا. و شرع الملايين من الشباب فى السفرعبر طول البلاد الممتدّة و عرضها. و أعيدت للعمل القاطرات و الزوارق المتوفرة القديمة ...أو ما شابه و أحيانا جرى تحويل وجهة بعض القطارات.
و قد قطع بعض الحرس الأحمر مسافات هائلة. و نظّم "مسيرات كبرى" من 600 كلم و أكثر، معرجين فى طريقهم على المصانع و الكمونات فى محاولة لنشر التمرّد. لاحقا ، عندما تمّ تشجيع الحرس الأحمرعلى عدم إستعمال القطارات لأن النقل صار مختلا، قطع الشباب مئات الكلومترات مشيا على الأقدام إلى أماكن بعيدة مثل منشوريا و التيبت.
لم يُرد الشبان أن يتقاسموا تجاربهم فى خوض الصراع الطبقي فى المركبات الجامعية فحسب بل أيضا أن يدفعوا الجماهير إلى الإنتباه إلى موظفى الحزب فى منطقتهم و إستعمال الدازيباو و تنظيم مقاومة البيروقراطيين التحريفيين الذين سيحاولون تخريب الصراع و تجنب إفتضاح أمرهم. حيثما ذهب الحرس الأحمر حمل معه أسلحته أي نسخ من " الكتاب الأحمر"
( "مقتطفات من أقوال الرئيس ماو تسى تونغ") و كذلك "وثيقة ال16 نقطة". و طبع الشباب فضلا عن ذلك دعاية على عين المكان، مستعملين طابعات صغيرة محمولة صارت إحدى علاماتهم المميّزة و بهكذا طريقة صار الملايين من الصينيين جزءا حيويا من إنجاز الثورة الثقافية. و تمّت تعبئة النشاط الواعى للناس على نطاق واسع لكشف و إستهداف أتباع الطريق الرأسمالي. و فى السيرورة، عمّقوا فهمهم الخاص للضرورة و لكيفية خوض الصراع الطبقي فى ظلّ الإشتراكية.
واحدة من الروايات فى جان مردال و كتاب فان كاسل :" الصين : الثورة مستمرّة " تلتقط تأثير الحرس الأحمر عندما زار الكمونات. لقد ورد فى لقاء صحفيا مع فو هاي تساو فى قرية ليولينغ حول تجربته مع الحرس الأحمر: " جاء الحرس الأحمر فى خريف 1966. فى المرّة الأولى ، سبعة منهم. و فى المرّة الثانية ،عشرة . و من سبتمبر إلى ديسمبر 1966 ، جاء ت مجموعات حرس أحمرمختلفة. و بقيت كلّ مجموعة لأسبوع أو لعشرة أيام. و هكذا بدأت الثورة الثقافية فى صفوفنا.
جاء الحرس الأحمر حاملا كتاب "مقتطفات من أقوال الرئيس ماتسى تونغ " وكانوا يقرأون لنا مقتطفات لم نسمع بها من قبل
و يقدّمون خطابات و ينظّمون نقاشات جماعية. رحبنا بهم بقرع الطبول. وصلوا إلى كهوفنا و جعلنا فراشهم دافئا حتى لا يصابوا بمرض. و قاموا بما جاؤوا من أجله. جميعهم ... الحرس الأحمر كانوا منظّمين للغاية. قسّموا أنفسهم و زاروا كلّ عائلة فى القرية. قرأوا مقتطفات و حدّثونا عن الثورة الثقافية فى بيكين و شنغاي. و لم يسبق أن وجد بالقرية مثل ذلك العدد من الغرباء. و قد سألونا عن حياتنا و أرادوا التعلّم منّا. سألونا عن كيف كنّا ندير الأمورهنا ضمن الفرقة [ وحدة العمل الجماعي] . و دخلوا فى نقاشات مع الكوادر القيادية للفرقة فى إجتماعات مفتوحة و سألوا عن نقاط العمل [ نقاط يحدّد وفقها الأجر] و ما إلى ذلك.
منهم حصلت على كتاب المقتطفات الذى وزّعوه على جميع العائلات. و فى النهاية حصل الجميع على الكتاب. لقد عني لنا الحرس الأحمر الكثير. كنّا نقرأ و نقارن المقتطفات بما كان يحدث هنا فى ليولينغ، وإستخلصنا أنّنا نحتاج إلى تغيير العديد من الأشياء. والذين لم يكونوا يستطيعون قراءة المقتطفات بأنفسهم قرأناها لهم بالصوت العالى."
و روى عن فلاح آخر، ماو باي هسين: " حسنا ، أوّل مرّة قابلت فيها الحرس الأحمر لم أكن حقا أفهمهم و تساءلت عن سبب مجيئهم إلى هنا. تساءلت عن دوافعهم للمجيئ إلى هنا. ثمّ تحدثت معهم و ناقشنا المسألة. فأدركت أنّهم جاؤوا إلى هنا بإعتبارهم صوت الرئيس ماو واللجنة المركزية للحزب.
إلى مجيئ الحرس الأحمر، لم أكن قد قرأت المقتطفات. لقد سمعت فقط عن مؤلفات الرئيس ماو. لكن كان من العسير الحصول عليها. و كان ثمنها غاليا أيضا. و كذلك لم تكن قراءتها سهلة لهذا كان من المهمّ بالنسبة إلى ّ الحصول على "مقتطفات من أقوال الرئيس ماوتسى تونغ". درستها عن كثب و بعد قراءتها ، إستجمعت شجاعتى و كتبت نصّى الحائطي ذى الحروف الكبيرة وألصقته فى الخارج على الجدار".
بالفعل كانت أدوات دعاية الحرس الأحمر ضرورية و بعد قرار الإجتماع 11 للجنة المركزية بإعادة طبع كتاب ماو الأحمر ، بداية من أوت 1966، طبعت ملايين النسخ ووزّعت عبر البلاد. وفى إجتماعات الحرس الأحمر سواء الكبرى منها او الصغرى كانت تتمّ دراسة و نقاش مؤلفات ماو وكذلك ماركس و إنجلز و لينين و ستالين. و تشير أرقام منشورة بالنسبة لسنة 1967 إلى الدورالواسع الذى لعبته هذه الدعاية فى الصراع : "المؤلفات المختارة لماو تسى تونغ/ 350 مليون نسخة،"القراءات المختارة " / 48 مليون نسخة، "الأشعار" / 575 مليون نسخة.
و قد غزى الحرس الأحمر كذلك المصانع و أحيانا كثيرة أوقف الإنتاج بها. كانوا يأتون فى أي وقت دون سابق إعلان و يدخلون أقسام العمل و ينظمون إجتماعات فورية ومن هذه الحركات ، أخذ العمال يتبعون مثال الحرس الأحمر و نظّموا عديد أنواع المنظمات الثورية. و تمّ توفير الورق و الحبر للمعلقات ذات الحروف الكبيرة فى أماكن العمل مجانا وأرسلت عربات إلى مختلف القطاعات و المؤسسات لتكون فى متناول "المتمرّدين". و كانت مصاريف طباعة المناشير وتركيب مكبرات الصوت
و تنظيم الإجتماعات تغطيها أيضا مختلف المؤسسات و المصانع المحلّية.
و أشار ماو إلى أنّ نشاطات الطلبة لم تكن، فى حدّ ذاتها، حاسمة. فمن وجهة نظره، كان بمستطاع الشباب أن ينهض بدور المحفّز لكن فقط العمال و الفلاحون و قد إستنهضوا سياسيا، كانوا فى موقع يخوّل لهم تغييرميزان القوى و الإسترجاع الحيوي لمواقع و أجزاء السلطة من أيدى الذين يحاولون إعادة تركيز الرأسمالية. لذا كان غاية فى الدلالة أن تشرع المنظمات الثورية ضمن البروليتاريا فى الظهور و بالتالى فى لعب دور قيادي فى مواصلة الثورة الثقافية.
من حقنا أن نثور ضد الرجعيين
ألقى الحرس الأحمر على عاتقه بحماس مهمّة فضح الرجعيين. و بينما جرى نقد التحريفيين المحليين ، إستهدف أولئك فى المواقع العليا من الحزب أتباع الطريق الرأسمالي بصفة خاصة. و لكن هذا لم يكن مجرّد مسألة نعت للناس ثمّ طردهم من وظائفهم. لقد خيض الصراع و تمّت الدراسة من أجل أن تعمّق الجماهير فهمها لمسائل الخطّ السياسي و الإيديولوجي.
لقد كانت الجدران وواجهات المغازات و حتى الأرصفة مغطاتا بالملصقات و الشعارات ذات الحروف الكبيرة و الكاريكاتور و كانت الشوارع مزدانة و المسيرات تتحرّك على إيقاع الطبول و كانت تنظّم الإحتفالات بالإنتصارات الثورية أي نقل السلطة فى معهد أو كمونة أو مصنع. و فى مثل هذه الحالات كانت الإشارات تعلّق على الأبواب معلنة تشكّل لجنة ثورية و إنتصارا على أتباع الطريق الرأسمالي.
فى بدايات سبتمبر، كان الحرس الأحمر قد واجه مقاومة. إذ هوجم البعض، بإسم ماو، من قبل مجموعات من العمال و الفلاحين إستنهضهم أتباع الطريق الرأسمالي فى الحزب. و صارت هذه الرجعية كذلك أكثر تنظّما حيث شكلت مجموعات و سافرت و ركّزت قيادات خاصة لعرقلة أعمال الحرس الأحمر، و بعثت بممثلين إلى بيكين لتبليغ شكاويها إلى اللجنة المركزية. "لا يسمح بالقمع" صرّح ماو عندما سمع عن الهجومات ضد الحرس الأحمر. و دعّم و ساند الحرس الأحمر فى سعيه لعدم السماح لهذه الهجمات بإيقاف التمرّد : " فى بلد كبيرمثل بلدنا لا يجب أن يكون المرء مستاء من الإضطرابات التى تتسّب فيها حفنة من الناس ... إنها تصلب عود الشباب و تساعدهم على فهم أن ّ الطريق الثوري طريق وعر".
و عاد غالبية الحرس الأحمر إلى معاهدهم وواصلوا خوض الصراع هناك. لكن بسفرهم إستنهضوا الملايين للمشاركة فى و الصراع حول المسائل المفاتيح لخوض الصراع الطبقي فى ظلّ الإشتراكية. و بالطبع، غالبا، لم تكن الأمور واضحة من الوهلة الأولى فالذين يعارضون ماو يدعون رفع رايته و يقولون إنهم الثوريون الحقيقيون. لذا على الجماهير أن تتعلّم التمييز بين ما هو ثوري و ما ليس بالثوري بالتحليل العميق لما يتمّ قوله ثمّ و أكثر حسما، ما يمارس عمليا. و المهمّ هو كشف ما يحدث تحت السطح و المرور من الظاهر إلى باطن الأشياء، بمعنى هل أنّ الأمور تسير فى الطريق المؤدى إلى الشيوعية أم طريق آخرهو العودة إلى الرأسمالية.

على نحو غير مسبوق تاريخيا، عبّأت الثورة الثقافية الجماهير على نطاق واسع حقّا، وكان شعارها فى المعارك تأكيد ماو:
" من حقنا أن نثور ضد الرجعيين" بهذا تجرّأ الحرس الأحمر إلى درجة عالية و كبيرة على الإطاحة بالتقاليد و دافع بجسارة عن الخطّ الثوري لماو تسى تونغ و كرّس روح و جوهر مضمون الثورة الثقافية فى كلّ ركن من أركان البلاد./.
5 / حقيقة التيبت : من الدالاي لاما إلى الثورة :
(مقتطفات من مقال صدر فى "العامل الثوري " 15و22 فيفري 1998 )
إنّ الخرافات المنسوجة حول الدالاي لاما مضلّلة للغاية. و بالتالى فى الولايات المتحدة ، [وغيرها من البلدان] يعتقد الكثير من المثقفين و الفنانين بأنّ الدالاي لاما يمثّل نضالا عادلا لتحرير التيبت. و تُطالب العديد من الأفلام عن حياته و عديد حفلات موسيقى الروك بعودته إلى السلطة.
و حسب أساطير هذه الحركة ، كان التيبت التقليدي مجتمعا متناغما و مثّلت الثورة الصينية فى 1949 غزوا دشّن كابوسا طويلا لشعب التيبت. و يعتقد البعض حتى أنّ مساندة الدالاي لاما شكل من أشكال المعارضة للحكومة الأمريكية التى لها علاقات بالحكومة الصينية.
و الحقيقة عكس ذلك بالضبط.
فى التيبت القديم ، كان الدالاي لاما على رأس مجتمع إقطاعي إضطهادي و حين وصلت الثورة الصينية التيبت بعد 1950 ،كان الكهنة ( المسمون لاما ) و الأرستقراطيون يعملون ضد تحرير الأقنان الذين كانوا يعيشون فى ظروف عبودية. و خلال الخمسينات من القرن أرسى الدالاي لاما ( الذى ظلّ فى السلطة) و عائلته علاقات مع السى آي آي التى كانت تموّل و تزوّد بالسلاح إنتفاضات فى التيبت و فى المنطقة المجاورة ل "كهام" . و عندما غادر الدالاي لاما البلاد فى 1959 ، رافقه عميلان من السي آي آي ( طبّاخه و العامل على التليغراف). و فى المنفى ، بعد 1959، تآمرت عائلته مع السي آي آي لتخريب التغييرات الثورية التى غيّرت وجه المنطقة.
لعلّ الدالاي لاما "مناضل من أجل الحرّية" أو "كاهن متواضع" ( مثلا إعتاد هو نفسه القول) ؟ أبدا! إنّه خادم وفيّ لنظام إجتماعي إضطهادي و دمية مفضّلة لدى السي آي آي .
------------------------
مناخ قاسي و مجتمع لا يعرف الرحمة:
تعدّ التيبت من أبعد مناطق الكوكب. وهو يقع على سلسلة جبال فى قلب آسيا ، تفصله عن جنوب القارة سلسلة جبال الهيمالايا ، أعلى جبال فى العالم. و عدد لا يحصى من الممرات و ستّة جبال تقسم المنطقة إلى أودية منعزلة. قبل الثورة الصينية لسنة 1949، لم يكن يوجد و لو طريق واحد فى التيبت للعربات ذات العجلات. و الطريقة الوحيدة للسفر فى المسالك الوعرة و الخطيرة الجبلية كان الحمار، و السير مشيا على الأقدام أو ركوب ظهر الياك ( حيوان جبلي يشبه البقرة و جلده صوفي). و لم تكن توجد تقريبا تجارة و مواصلات و حكومة مركزية.
فى معظم التيبت لا تنمو أشجار بسبب الإرتفاع و هناك القليل من الأكسيجين. و لا ينمو تقريبا أي شيئ فى مثل هذا المناخ. و زراعة ما يُاكل و البحث عن الحطب كان نضالا شاقا(...)
لقد شاهد الثوريون الماويون "نواقص ثلاث كبرى" فى التيبت القديم ألا وهي نقص المحروقات و نقص المواصلات و نقص عدد السكّان. لكن هذه النواقص الثلاث الكبرى" لا تُعزى للوضع الجغرافي و إنّما رئيسيا للنظام الإجتماعي. كان الماويون يقولون إنّ سبب هذه "النواقص الثلاث الكبرى" كان "الوفرات الثلاث" وهي وفرة الفقر ووفرة الإضطهاد ووفرة الخوف من قوى ما وراء الطبيعة.
المجتمع الطبقي فى التيبت القديم :
كان المجتمع القديم بالتيبت ( ما قبل التغييرات الثورية التى بدأت فى 1949) مجتمعا إقطاعيا. و الطبقتان الرئيسيتان المشكلتان له هما الأقنان والأرستقراطيون ملاكي الأقنان(...)
كان الأقنان الأرستقراطيون يزرعون الشعير فى الأرض القاسية مستعملين محاريثا و مناجلا من الخشب. و كانوا يربّون الماعز و الشياه و الياكو للحصول على الحليب و الجبن و اللحم. و كان الأرستقراطيون و لاما المعابد أسيادا للأقنان و للأرض و لمعظم الماشية. و كانوا يفرضون على الأقنان ان يمدّوهم بالقسط الأكبر من الحبوب و كانوا يملون عليهم شتى أنواع العمل القسري (المسمى أولاغ). و كان الأقنان ،نساء و رجالا على حدّ السواء ، يشاركون فى العمل الأصعب و فى العمل القسري. و كذلك كانت مجوعات الرحّل فى المنطقة الجافة الغربية ملكا للنبلاء(...)
و كان الأقنان يعاملون ب "دونية" و مكروهين مثلما كان يعامل ملاكو العبيد السود فى جنوب الولايات المتحدة الأمريكية. ما كان بمستطاعهم إستعمال ذات المقاعد و الكلمات و أدوات المطبخ التى يستعملها أسيادهم. و كانوا يتعرّضون للعقاب بضربات السوط إن لمسوا شيئا من أدوات المالك. لقد كان السادة و الأقنان بعيدين عن بعضهما البعض إلى درجة أنّهم فى عديد الأماكن كانوا يتكلمون لغاتا مختلفة(...).
و الوضع الوحيد الأتعس من وضع الأقنان فى التيبت كان وضع العبيد الذين لم يكن لهم و لا حتى حق زراعة قطعة من الأرض. كان العبيد عرضة للضرب و لا يحصلون على طعام و يعملون حدّ الموت. و بإمكان السيّد أن يجعل الأقنانم عبيدا إن عنّ له ذلك. فى العاصمة ، لهاسا ، كانوا يبيعون و يشترون الأطفال. و كان 5 % من السكّان عبيدا و على الأقلّ 10% آخرون رهبان فقراء ،"عبيد الثياب".
وكان نظام اللاما يحاصر كلّ محاولة فرار إذ لم يكن الأقنان الفارون يستطيعون فلاحة أراضي واسعة بور فى الريف. و قد شرح أقنان تحرّروا للكاتبة آنا لويس سترونغ أنّه قبل التحرير " ما كان بالإمكان العيش فى التيبت دون سيّد و أي إمرء يمسك و ليس له سيّد يعتبر مجرما".

أن تكونى إمرأة دليل على إثم فى الحياة السابقة؟
لقد كتب الدالاي لاما : " فى التيبت لم يكن يوجد ميز ضد المرأة". و يقول كاتب سيرته الذاتية الرسمية روجى هيكس إنّ المرأة كانت تعيش سعيدة بموقعها الإجتماعي و كانت "تمارس تأثيرا على زوجها". لكن ، فى التيبت، كانوا يعتقدون فى كون أن تكون إمرأة هو عقاب على سلوك "غير مستقيم" (خطيئة) خلال حياة سابقة.و مصطلح "إمرأة" ،كمان، يعنى "المولودة الدونية". و كان على النساء أن تدعو السماء بأن "تغادر هذا الجسد الأنثوي و أن تولد ذكرا".
تربط خرافات اللاما المرأة بالشرّ و الخطيئة. و قول شائع كان " من عشرة نساء تسعة شيطانات". و كان هناك إعتقاد بأنّ ما تلمسه المرأة يتضرّر و هكذا كان يفرض على النساء كلّ ضروب المحرمات كلمس الأدوية مثلا. و ورد فى مؤلفات الكاتبة هان سويين،:" ما كانوا يسمحون لأية إمرأة بلبس أمتعة لاما، و ما كانوا يسمحون لها ببناء جدار و غلاّ "سقط الجدار" ؛ ...و كان يستهان بالأرملة و تعتبر شيطانة. و ما كانوا يسمحون للنساء بلمس الحديد و لا بإستعمال أدوات حديدية. و يمنعهم الدين من رفع أعينهن أعلى من ركبة الرجل،و نفس الشيئ بالنسبة للأقنان و العبيد الذين لم يكن مسموحا لهم برفع أعينهم إلى مستوى وجه النبلاء أو اللاما الكبار".
و الرهبان من الطائفة البوذية التيبيتية كانوا ينبذون العلاقات الحميمية (بما فى ذلك اللمس) مع النساء من أجل بلوغ القداسة. قبل الثورة ، لم تدخل أية إمرأة لأغلبية المعابد الرئيسية أو لقصور الدالاي لاما.
و كتن من الشائع حرق النساء على إعتبار أنهن "ساحرات"، غالبا لأنهن تمارس الطبّ التقليدي أو عادات الدين التقليدي ما قبل البوذي (المعروف ب "بون") . و كانت ولادة توأم نعدّ دليلا على أن المرأة قد ضاجعت روحا شريرة وفى المناطق الريفية كان شائعا حرق الأمّ و التوأم المولودين حديثا.
و مثلما هو الحال فى مجتمعات إقطاعية أخرى، كانت نساء الطبقات العليا تباع فى إطار زواج مصالح. و كان بوسع الزوج ، حسب العادة ، أن يقطع مقدّمة أنف زوجته إن إكتشف أنّها قد مارست الجنس مع رجل آخر. و من العادات البطريركية الأخرى تعدّد الزوجات ( يمكن لرجل غني التزوّج من عدّة نساء) و ضمن ذوى الأرض القليلة ، هناك ما يسمى "البولأندري" ( حيث على المرأة أن تكون زوجة لعديد الرجال الإخوة فى آن معا) (...)
و شائعة هي ممارسة إغتصاب النساء من الأقنان فضمن نظام العمل القسري ، كان بوسع السيد أن يطالب ب" زوجات بصفة مؤقتة".
الأسياد الثلاثة :
كان شعب التيبت ينعت حكّامه ب " الأسياد الثلاثة الكبار" لأن الطبقة السائدة من ملاّكي الأقنان كانت منظّمة فى مؤسسات ثلاث : معابد اللاما كانت تملك 37% من الأراضي القابلة للزراعة و الرعي؛ و النبلاء العلمانيين يملكون 25% و البقية 38% كانت على ملك موظّفي الحكومة الذين تعيّنهم الحاشية العليا للدالاي لاما ، الإلاه –الملك.
و حوالي 2% من السكّان يمثلون الطبقة العليا و 3 % عملائها ورؤساء عمالها و موظفو مزارعها و قادة جيوشها الخاصّة.(...) كتب هان سويين : "فقط 626 شخصا يملكون 93% من الأراضي و الثروة الوطنية و 70 % من الياك فى التيبت. و ضمنهم 333 رئيس معبد و سلطة دينية؛ و 287 سلط مدنية علمانية ( بما فيهم نبلاء الجيش) و ستّة وزراء حكومة".
و يتبع التجار و الحرفيون هم كذلك لمالك. و ربع سكّان لهاسا كانوا بالكاد يعيشون من التسوّل من الحجيج . لم تكن توجد صناعة حديثة و لا طبقة عاملة.كان عليهم سكان التيبت أن يستوردوا أعواد الثقاب و المسامير. قبل الثورة ، لم يكن أحد يحصل على أجر مقابل عمله.
هذا النظام قائم على الإستغلال الذى يمثّل نواته. حيث كان الأقنان يعملون 16 إلى 18 ساعة يوميا لأجل أن يصير سيدهم ثريّا و لم يكونوا يحصلون إلاّ على ربع المحاصيل.
كتب أ. تزم غرونفالد :" كانت المزارع مصدر ربح كبير. قال أرستقراطي قديم أن مزرعة "صغيرة" نموذجية كانت تملكآلاف الشياه ،آلاف الياكو و عدد غير محدود من الرُحّل و 200 من الأقنان الفلاحين. و كان الإنتاج السنوي يبلغ أكثر من 36 ألف كغ من الحبوب و أكثر من 1800 كغ من الصوف و تقريبا 500 كغ من الزبدة... و كان موظّفو الحكومة يتمتعون ب"سلطات غير محدودة للجباية غير القانونية و كان بمستطاعهم مراكمة ثروة من خلال الالرشوة مقابل عدم السجن أو توجيه غرامة. و فضلا عن ذلك ، كان بمقدورهم إستخراج المال من الفلاحين أكثر من الأداءات الرسمية".
و كان ملاكو الأقنان طفيليون. وصف متابع للمسألة ، السيد شارل بال،موظّفا نموذجيّا فقال:" كان يمضى ساعة يوميا فى خدمة واجباته الرسمية. و فى إحتفالاتها ، كانت الطبقة العليا تمضى اليوم تلو اليوم فى الأكل و فى اللهو و فى الكسل. الأرستقراطيون اللاما لا يعملون بتاتا.كانوا يقضون يومهم فى الغناء و فى ذكر الدوغما اليدني و فى الخمول " .
المعابد : معاقل الإقطاعية:
يصوّر المدافعون عن التيبت القديم بوذية اللاما على أنّها جوهر ثقافة الشعب فى التيبت. لكن الواقع هو أنّها إيديولوجيا نظام غجتماعي إضطهادي بشكل خاص. و للدين اللاما ذاته بالضبط ذات سنّ المجتمع الإقطاعي. فالملك الأوّل للتيبت ،سنغتان غمبو، أرسى نظاما إقطاعيا موحّدا فى التيبت حوالي سنة 650 و تزوّج أميرات من الصين و النيبال ليتعلّم منهنّ الممارسات الإقطاعية خارج التيبت. فجلبت هذه الأميرات معهنّ البوذيّة التنترستا إلى التيبت ،حيث توحّدت مع المعتقدات الروحانية القديمة و أفرزت دينا جديداهو دين اللاما(...)
بين القرن 15 و القرن17 ، حصل تعديل دموي فى السلطة إذ عزّز رؤساء المعابد الكبرى سلطتهم. و نظرا لرؤيتهم الدونية للمرأة و ممارستهم العزوبية ، لم يكونوا قادرين على تركيز نظامهم السياسي إعتمادا على وراثة الإبن لأبيه فخلقوا عقيدة جديدة لدينهم : أعلنوا أنهم قادرون على التعرّف على المواليد الجدد الذين يمثلون إنبعاثا للحكّام اللاما الذين ماتوا. و أعلنوا أنّ مئات اللاما الكبار هم "بوذا أحياء" (بوديستفاس) ،من المفروض أنهم قد حكموا طوال قرون ، مغيّرين أجسادهم أحيانا(...)
بين 1751 و 1950 ،خلال 77% من المدّة لم يوجد دالاي لاما كهل على العرش. رؤساء المعابد الأقوى كانوا حكمون ب"الوكالة" عن الدالاي لاما الذين يعلمونهم و يتحكمون فيهم و حتى يقتلونهم فى صغرهم.
لم تكن المعابد جنّة مقدّسة للرحمة ،كما يدعى المدافعون عنها الآن، بل كانت قلاعا مظلمة للإستغلال الإقطاعي،و تجمعات الرهبان مسلّحين و مخازن عسكرية و جيوش خاصة. كان الحجيج يقصدون الأماكن المقدّسة لطلب حياة أفضل ، إلاّ أنّ النشاط الرئيسي للمعابد كان سرقة الفلاحين المجاورين. فكان الرهبان يزرعون القليل ممّا يؤكل ،و تغذيتهم كانت مهمّة شاقة على كاهل الشعب(...)
و كذلك كانت المعابد تفرض عددا لا يحصى من الإتاوات الدينية لسلب الشعب : آداءات مجحفة للغاية ، آداءات لبناء نوافذ جديدة و عتبات، آداءات على المواليد الجدد و الماشية ،و آداءات على أطفال يولدون برمشين إثنين... و هلمجرا. و ربع مداخيل الدريبونغ مأتاه فوائد القروض المالية للفلاحين. و إضافة إلى ذلك ، كانت المعابد تطالب الفلاحين بتقديم العديد من الذكور ليكونوا أطفالا- رهبانا.
تقع عملية إعادة إنتاج العلاقات الطبقية فى التيبت فى إطار المعابد ذلك أنّ غالبية الرهبان من العبيد و الأقنان تابعين لرؤساء المعابد الكبار و يعيشون نصف جياع، عاملين كبيادق و مصلين و كانوا يتعرّضون للضرب بشكل روتيني. و كان الرهبان الكبار قادرين على أن يفرضوا على الرهبان الفقراء إجراء إمتحانات دينية أو تقديم خدمات جنسية لهم. ( وضمن الطوائف الأقوى كانوا يعتبرون المثلية الجنسية دليلا على الحفاظ على المسافة اللازمة المقدّسة مع المرأة) و نسبة مئوية ضئيلة من الإكليروس كانت من النساء(...)
و الآن يقولون للعالم إنّ الدالاي لاما إنسان مقدّس لا يهتمّ بالأشياء المادية. و الحقيقة هي أنّه كان المالك الأكبر لأقنان التيبت. وفق القانون ،كان الملك يملك كافة البلاد و العباد . و عمليا ، كانت عائلته تتحكّم فى 27 مزرعة و 36 مرجا و 6170 من الأقنان الفلاحين و 102 من العبيد الخدم.(...)
و لمّا فرّ لأوّل مرّة نحو الهند فى 1950 ،حمل الدالاي لاما و أتباعه مئات الحمير المحمّلة بسبائك الذهب للعيش حياة مرفّهة فى المنفى. و المرّة الثانية التى فرّ فيها فى 1959 ، أعلمت "أخبار بيكين " أنّ عائلته أبقت وراءها الكثير من الذهب و الفضّة، إلى جانب 20331 قطعة مصوغ و 14676 قطعة لباس.
بؤس كبير و حياة قصيرة :
كان الشعب يعيش فى برد و جوع دائمين. فالأقنان كان عليهم أن يجمعوا الصوف لأسيادهم بينما فى أكواخهم كانوا يحصلون على التدفئة بالكاد بنار من روث الياكو عادة ما يستعملونها كحطب للطبخ. و قبل التحرير لم يكن هناك كهرباء فى التيبت؛ كان لديهم فقط ضوء قناديل بزيت الحيوانات و كان المرض منتشرا فى صفوفهم لسوء التغذية . و الأكلة التقليدية للأقنان هي خليط من شاي و زبدة الياكو و فارينة الشعير المسمّاة تسانمبا. و لم يكن هؤلاء يأكلون قطّ تقريبا اللحم. و جاء فى بحث أُجري سنة 1940 أنّ فى شرقي التيبت 38% من العائلات لم تكن تملك أصلا شاي ،كانت تتغذّى فقط بشراب الحشائش التى تجدها أو ب "الشاي الأبيض"( ماء ساخن). و أحيانا ، 75% من العائلات تجد نفسها مضطرّة لأكل العشب ؛ و نصف السكّان ما كانوا يملكون شراء زبدة وهي المصدر الرئيسي للبروتايين.
و فى نفس الوقت ، فى الكنيسة القديمة جوخان ، كانوا يحرقون كهبة دينية أربعة أطنان من زبدة الياكو يوميا. و يقدّر أن ثلث زبدة البلاد تحرق فى 3000 معبد ،دون حساب مذابح العائلات الخاصة.
فى التيبت القديم لم يكن الناس يعرفون شيئا عن الصحّة و لا كون الجراثيم تسبّب الأمراض. عموم الناس و سوادهم ما كان لديهم دورة مياه و لا مجاري صرف صحّي. كان اللاما يعلّمون الناس أنّ الأمراض و الموت تعزى إلى "كفر" آثم و يقولون إنّ الطريقة الوحيدة لمنع الأمراض هي الصلاة و الطاعة و دفع المال للرهبان و إبتلاع أوراق مكتوبة...(...)
بعد ذلك ، فى ظلّ قيادة ماو تسى تونغ ، قلصت الثورة الأمراض لكن ذلك إستدعى نضالا طبقيا حادا ضد اللاما و ضد الخرافات الدينية. فقد عارض الرهبان الأدوية المضادات الحيوية و حملات الصحّة العمومية. كانوا يقولون إنّ قتل القمل و الجراثيم خطيئة دينية! و كذلك كانوا ينتقدون جيش التحرير الشعبي لقضائه على الكلاب المسعورة التى كانت تبثّ الرعب فى صفوف السكّان. ( إلى هذا التاريخ ، إحدى "التهم" الموجهة ضد الثورة الماوية هي أنّها "تقتل الكلاب"!)
عنف اللاما :
فى التيبت القديم ، كانت الطبقات العليا تدافع عن الفكرة الروحية البوذية القائلة بعدم إقتراف العنف. لكن شأنها شأن كافة الطبقات السائدة فى التاريخ ،كانت تقترف العنف الرجعي للحفاظ على سلطتها (...)
و كانت جبال التيبت تعجّ بقطّاع الطرق و كان لكلّ مزرعة جيشها الخاص بما يكشف أن هناك صراع مستمرّ ، تارة مفتوح و طورا سرّي ، يميّز مجتمع التيبت و علاقاته بالسلطة(...)
و كان العنف اليومي للتيبت القديم موجه ضد الجماهير الشعبية. وكان كلّ مالك يعاقب أقنانه "هو" و ينظّم مجموعات مسلّحة لحماية سلطته. فكانت فرق الرهبان المسمّاة " قواضيب الحديد" تضرب الناس بالحديد(...)
كتب غرونفالد:" لم تكن المعتقدات البوذية تسمح بالقتل. لكن إن ضربوا أحدا حدّ الموت فإنهم يدعوه بعد ذلك يموت فى مكان آخر ليمكنهم قول إنّ موته كان "بمشيئة الإلاه". و من الطرق ال×رى الوحشية للعقاب كان قطع الأيدى؛ و سمل الأعين بحديد ساخن ؛ و تعليق الإنسان من الرجلين و اليدين؛ و جرحه ووضعه فى كيس و رميه فى النهر."
و كإستعراض للقوة ، تقليديا ، كان اللاما يستعملون بقايا الأجساد البشرية فى إحتفالاتهم : نايات مصنوعة من عظام بشرية و أونى مصنوعة من الجماجم و آلات إيقاع من جلد بشري. بعد الثورة ، فى قصر الدالاي لاما وجدت زهرة مصنوعة من 108 جمجمة بشرية. و بعد التحرير، عبر كافة التيبت روى الأقنان بأنّ اللاما كانوا يقدمون الأضاحى البشرية؛ فعلى سبيل المثال ، كانوا يدفنون أحياءا الأطفال حيث كانوا ينوون بناء معبد. ورووا أنّهم فى 1948 ضحّوا على الأقلّ ب21 شخصا على أمل منع إنتصار الثورة الماوية.
يبرّرون الإضطهاد بدغما الكرما :
العقيدة الرئيسية لدين اللاما هي إعادة البعث و الكرما. يقال إنّ فى كلّ كائن بشري تحيا روح لا تموت وُلدت و أعيدت ولادتها عدّة مرّات و إثر الموت ،يفترض أن الروح تتحصّل على جسد آخر.
حسب دوغما الكرما، كلّ روح تحصل على الحياة التى تستحقّها فالسلوك الجيّد يخلق كرما جديدة تؤدّى إلى تحسين الوضع الإجتماعي فى الحياة التالية. و السلوك السيئ يخلق كرما سيئة و فى الحياة التالية يمكن أن يصير المرء حشرة (أو إمرأة).
و فى الواقع لا وجود لإعادة بعث. لا يعود الموتى إلى الحياة فى أجسام أخرى. لكن فى التيبت ، الإعتقاد فى إعادة البعث كانت له تبعات فظيعة. فالذين يؤمنون بأنّ الروحانية فى التيبت مهمّة يحتاجون لرؤية الدور الإجتماعي الذى تلعبه هذه الإعتقادات داخل التيبت، فبوذية اللاما أنشأت و تركّزت و إستمرّت لفرض الإضطهاد الإقطاعي.
يروى أتباع اللاما الآن أنّ مملكة قديمة تاريخيا سعت لردم الهوّة بين الأغنياء و الفقراء لكنّها لم تفلح. سأله عالم دين لماذا لم تفلح " يقال إنّ عالما دينيا شرح له أنّ الهوّة بين الأغنياء و الفقراء لا يمكن ردمها بالقوّة ، لنّ ظروف الحياة الحالية هي على الدوام إفراز لسلوكات الحياة السابقة و بالتالى ،من غير الممكن تغيير مسار الحياة بقوّة الإرادة".
كتب غرونفالد :" من وجهة نظر علمانية محضة ، ينبغى أن تعتبر هذه العقيدة شكلا من الأشكال الأكثر ذكاءا و ضررا للسيطرة الإجتماعية التى جرى إختراعها. بالنسبة لسكان التيبت العاديين يعنى القبول بهذه العقيدة القبول بفكرة أنّه من غير الممكن تغيير مصيرهم. إن وُلد أحدهم عبدا ،وفق عقيدة الكرما، ليس الذنب ذنب مالك العبيد بل هو ذنبه هو لأنه إقترف آثاما فى حياته السابقة. و بدورها ، الحياة المتميّزة لمالك العبيد جزاء يحصل عليه مقابل ما فعله فى الحياة السابقة. و هكذا إذأ كلّ من يحاول كسر سلاسل إضطهاده يحكم على نفسه بحياة مستقبلية أسوأ من تلك التى يعانى منها. و بديهيا ، لا تقود هذه الأفكار إلى الثورة".
(...) تعلّم هذه الأساطير و الخرافات أنّه لا يمكن أن توجد تغيّرات إجتماعية ،و أنّ العذاب مبرّر و أنّه كي لا يتواصل العذاب على المرء أن يقبل بالعذاب فى هذه الحياة. و هذا تقريبا ذات الشيئ الذى تعلمه الكنيسة الكاتوليكية فى أوروبا القرون الوسطى للدفاع عن نظام إقطاعي مشابه.
و هكذا مثلما كان فى أوروبا القرون الوسطى ، كان الإقطاعيون فى التيبت يناضلون للقضاء على كلّ ما قد يقوّض نظامهم المغلق. كلّ الملاحظين متفقون على أنّه قبل الثورة الماوية فى التيبت لم توجد جرائد و مجلات و كتب و راديو و لآ أشياء مكتوبة مهما كان نوعها لم تكن دينية. كانت الجماهير تخلق الفولكلور، لكن اللغة المكتوبة خُصّصت للدوغما و النزاعات الدينية. و الجريدة الوحيدة بلغة التيبت كان ينشرها كالينبونغ مسيحي، و المصدر الوحيد لأخبار الخارج هم المسافرون و عدد قليل من الراديو ذات الذبذبة القصيرة يملكها أعضاء من الطبقة العليا. كان يُبقى على الجماهير و على الأرجح على غالبية الرهبان أمّيين . و كان التعليم و الأخبار الخارجية و التجربة يعتبرون من المشكوك فيهم و منبع شرّ.
يريد المدافعون عن فكر اللاما أن يجعلونا نعتقد بأنّ هذا الدين كان جوهر ثقافة ( ووجود) شعب التيبت. و الأمر ليس على هذا النحو. مثل كافة الأشياء فى المجتمع و الطبيعة ، كانت بوذية اللاما بداية و ستكون لها نهاية. قبل فكر اللاما وجدت ثقافة و إيديولوجيا فى التيبت. ظهرت هذه الثقافة و الإيديولوجيا الإقطاعية مع الإستغلال الإقطاعي. كان حتميا أن تنتهى ثقافة اللاما مع نهاية هذه العلاقات الإقطاعية.
و بالفعل، حينما وصلت الثورة الماوية فى 1950، كان النظام بعد فى غنحلال. و حتى الدالاي لاما ذاته يقرّ بأنّ عدد السكّان كان فى تناقص. منذ أكثر من ألف سنة تمّ إدخال البوذية ، عندئذ يقدّر أن التيبت كان يعدّ عشرة ملايين نسمة و لمّا وصلت الثورة الماوية ، لم يبق سوى مليونين أو ثلاثة ملايين. و يقدّر الماويون أنّ تقلّص عدد السكّان يتسارع بشكل أنّ!ه فى 150 سنة الأخيرة تقلّص العدد إلى النصف.
إنّ منتهى إستغلال نظام اللاما كان يثقل كاهل الشعب و يسحقه. كان يملى عليه أن يبقى على الإكليروس العظيم طفيليا متكونا من 200 ألف شخص لا ينتجون شيئا و يستهلكون 20% أو أكثر من الرجال. كان النظام يمنع تطوّر القوى المنتجة. لم يكن يسمح بإستعمال محاريث الحديد ،و بإستخراج الفحم الحجري كمحروقات، و بالصيد البحري و البرّي و لا بإدخال تحديثات طبية أو صحية من أي نوع كانت. و كان الجوع و قلّة خصوبة النساء بفعل الأمراض التناسلية و البوليأندري – زواج إمرأة من عدّة إخوة- يخفضان من عدد الولادات .
ليس بوسع الغطاء الروحي لفكر اللاما أن يحجب عنّا أن مجتمع التيبت كان دكتاتورية إقطاعية. ما كان رومنطيقيا بتاتا. كان الأقنان و العبيد يحتاجون إلى ثورة!
فى الثلاثينات و الأربعينات من القرن العشرين، شرع فلاّحو المنطقة الوسطى للصين فى حرب شعب ثورية. و فى ظلّ قيادة الحزب الشيوعي و رئيسه ماو تسى تونغ ، إفتكّت الثورة السلطة فى المناطق الكثيفة السكّان من شرقي الصين فى 1949. و مذّاك بعدُ قد بدأت مؤامرات الولايات المتحدة فى كوريا ،فى شمال الصين، و الغزو الإستعماري الفرنسي للفتنام، جنوب الصين. و كان الثوريون الماويون يريدون تحرير المضطهدين فى كافة أنحاء الصين و رمي المعتدين الأجانب بعيدا عن المناطق الحدودية.
لكن التيبت مثّل مشكلا خاصا: فى 1950 ، ظلّت هذه المنطقة الشاسعة جدّا منعزلة تماما تقريبا عن الزوابع الثورية التى هزّت بقية الصين . و لم توجد حركة شيوعية سرّية لأقنان التيبت . و بالفعل لم يكن هؤلاء يعلمون حتى بحصول ثورة فى جزء آخر من بلادهم أو حتى بأنّ "الثورة" ممكنة.
معانقة السماء : وصول الثورة إلى التيبت :
فى 1949، هزم جيش التحرير الشعبي الجيوش الرجعية الرئيسية فى المقاطعات الوسطى. لقد حلّ يوم الفقراء و المضطهَدين! لكن القوى العالمية العظمى كانت تناور لسحق الثورة و "إيقافها". فغزت فيالق فرنسية الفتنام ، جنوب الصين . و فى 1950، أرسلت الولايات المتحدة قوّة غازية كبيرة لكوريا لتهديد الصين(...)
كان الثوريون الماويون يريدون نشر الثورة إلى التيبت للدفاع عن المناطق الحدودية ضد غزو الإمبرياليين و لتحرير ملايين الأقنان المضطهَدين(...)إلاّ أنه وجد حاجز حيث ظلّت منطقة التيبت ، القليلة السكّان ، معزولة تماما عن الحرب الثورية التى هزّت الصين هزّا. و فى 1949، لم توجد مجموعة من الجماهير من التيبت تستطيع تحمّل مسؤولية تحرير التيبت. بعدُ لم توجد حركة تمرّد سرّية للأقنان. لم يوجد تقريبا شيوعيون من التيبت و لا شيوعيون من قومية الخان يتحدّثون لغة التيبت. و الجماهير لم تكن حتى تعلم بالثورة العظيمة التى زعزعت بقية البلاد . كان يقال للأقنان إنهم يعيشون فى بؤس و فقر شديدين فى هذه الحياة لأنهم إقترفوا آثاما فى حياتهم السابقة.
من المبادئ الأساسية لدى ماو تسى تونغ أنّه على الثورة أن تعتمد على الجماهير ، على حاجيات و رغبات و نشاطات المضطهَدين أنفسهم. و هذا يسمّى الخطّ الجماهيري. قال ماو : " إننا لنجد الجماهير فى كثير من الأحيان تحتاج موضوعيا إلى إجراء إصلاح معيّن ،و لكنها لا تعى هذه الحاجة ؛ فلا تصمم على إجراء الإصلاح و لا ترغب فيه،و فى مثل هذه الحال علينا أن نتحلى بالصبر و ننتظر ريثما تعى معظم الجماهير بعد أن نبذل مجهودات فى نشر الوعي بينها،و يصحّ عزمها على الإصلاح و ترغب فيه،و حينئذ فقط نستطيع أن نقدم على الإصلاح، و إلاّ فسننفصل عن الجماهير. و هكذا ، فإنّ كلّ عمل يستدعى مشاركة الجماهير سيتحوّل إلى مجرد شكل و يؤول أمره إلى الإخفاق إذا لم تشارك فيه عن وعي و بمحض إرادتها".
فى أكتوبر 1950، تقدّم جيش التحرير الشعبي نحو سهول و جبال الجنوب الشرقي للصين. و فى شمبو هزم بسهولة الجيش الذى أرسلته الطبقة السائدة فى التيبت. هناك توقّف و بعث برسالة إلى عاصمة التيبت ، لهاسا.
عرضت الحكومة الثورية إتفاقا: تنضمّ التيبت إلى الجمهورية الصينية ، لكن لفترة من الزمن ، يمكن لحكومة ملاّك الأقنان ( المسمّاة الكاشاك) أن تواصل الحكم، فى ظلّ توجيه الحكومة المركزية الشعبية. لم يكن بمستطاع الماويين إلغاء الممارسات الإقطاعية و لا تحدّى ديانة اللاما إلى أن يساند الشعب مثل هذه التغييرات. سيتولّى جيش التحرير الشعبي حماية الحدود لمنع تدخّل إمبريالي و سيطرد العملاء الأجانب فى لهاسا. و حوالي نصف سكّان التيبت كانوا يعيشون فى منطقتي تسنغاي و شمسو اللتين لم تكونا تحت سيطرة الحكم السياسي للكاشاك. و ظلّت هذه المناطق خارج هذا المقترح.
و أمضى ملاكو الأقنان "إتفاقية ال17 نقطة" و فى 26 أكتوبر 1951دخل جيش التحرير الشعبي لهاسا سلميا. كان الجانبان يعلمان أن فى الأخير سيندلع صراع. " إلى متى سيمكن للأرستقراطيين و المعابد أن يواصلوا إستعباد الأقنان" و الحال أنهم الآن يقدرون على رؤية الفلاحين من قومية الخان و قد تحرّروا من وضع مشابه بالأسلحة و بالماوية ؟ و أخذت العائلات ذات السلطة الأقوى تطرح التمرّد المسلّح. فسافر أخ الدالاي لاما إلى الخارج ليعزّز القنوات مع السى آي آي و للحصول على أسلحة و إعتراف سياسي. و نظّمت المعابد ندوات سرّية و نشرت إشاعات مغرضة مثل إشاعة أنّ الثوريين من قومية الخان يستعملون دم أطفال التيبت كمحروقات لشاحناتهم. و أُدخلت قوافل طويلة من الحمير محمّلة بالأسلحة الأمريكية إلى التيبت عبر الهند،موجهة إلى معابد معينة. و أنشأت السى آي آي مراكز تدريب على القتال لعملائها فى التيبت، فى كمبوهالي فى الكولورادو، نظرا لقممه العالية. و سرّبت كذلك السى آي آي أسلحة إلى كهام ،وهي منطقة فى الشرق ، عن طريق الطائرات.
تطبيق الخطّ الجماهيري لماو على الظروف الخاصة بالتيبت:
وفى ذلك الوقت ، بعث ماو بتوجيهات للقوى الثورية كي تكسب الجماهير الجماهير إلى جانب الثورة، دون إحداث إستقطاب قبل أوانه يدفعها لأن تكون ضد الثورة. كتب ماو : " إنّ التأخير لن يضرّنا كثيرا ،و بالعكس يمكن أن يجلب إلينا ميزات . هم ( الطبقات السائدة اللاما) هناك بإساءاتهم و ظلمهم للشعب ، و هنا نحن ،بدورنا سنكرّس أنفسنا للقيام بأشياء جيدة مثل الإنتاج و التجارة و بناء الطرقات و الخدمات الطبية و العمل الجبهوي المتحد ( الإتحاد مع الأغلبية و التربية الصبورة) بهدف كسب الجماهير"(...).
فى السنوات الأولى ، بنى جيش التحرير الشعبي أوّل طريق يربط التيبت بالمقاطعات الوسطى.إمتدّت سلسلة طويلة من مخيمات العمل على إمتداد آلاف الكيلومترات من الجبال و الوديان اللامتناهية. و إلى جانب المخيمات كان الجنود من قومية الخان يزرعون الأرض ليوفروا غذاءهم الخاص بطرق جماعية جديدة. و كذلك كانوا يستأجرون الأقنان لأعمال البناء .
كانت الطبقة السائدة بالتيبت القديم تعامل الأقنان ك "حيوانات ناطقة" ، مجبرة إيّاهم على العمل لساعات طوال دون أجر و هكذا بدت لهم المعاملة التى حصلوا عليها من قبل الجيش الصيني غير معقولة. قال أحد الأقنان: " كان الخان يعملون اليد فى اليد معنا. . لم يكونوا يضربوننا بالسوط. لأوّل مرّة عاملونى كإنسان" و روى آخر أنّ جنديا قدّم له ماءا من كأسه الخاص :" لم أصدّق عينايا!" و علموهم إصلاح العربات و هكذا نشأ أوّل البروليتاريون فى تاريخ التيبت. و قال أحدهم فرّ من سيده:" أدركنا أنّ الأمر لم يكن مشيئة الآلهة و إنّما قسوة البشر أمثالنا هي التى كانت تبقينا عبيدا".
لقد كانت مخيمات بناء الطريق بمثابة مغنطيس بالنسبة للعبيد و الأقنان و الرهبان الذين يلوذون بالفرار. و كان الشباب من القنان يُسألون إن كانوا يريدون الإلتحاق بالمدارس للمساعدة على تحرير شعبهم. ومثلوا أوّل الطلبة من التيبت فى المعاهد المخصّصة للأقليات القومية فى مدن شرق الصين. تعلّموا القراءة و الكتابة و المحاسبة "لأجل الثورة الزراعية القادمة".
و على هذا النحو أخذت الثورة تخرّط فى صفوفها نشطاء سرعان ما سيقودون الشعب. و أوّل مناضل من التيبت الوسطى إلتحق بالحزب الشيوعي أواسط الخمسينات. و حوالي أكتوبر 1957، كان الحزب يعدّ 1000 مناضل من التيبت و 2000 ضمن رابطة الشباب الشيوعي (...)
التغيير البسيط قوّض المملكة المنغلقة:
حين تمّ بناء أوّل طريق من الرمل الأبيض ، جاءت قوافل طويلة من شاحنات جيش التحرير الشعبي بسلع مهمّة مثل الشاي و أعواد الثقاب. التجارة الأوسع و بالخصوص وجود شاي رخيص الثمن ، حسّن من الغذاء اليومي لعموم سكان التيبت. و فى أواسط الخمسينات فتحت أوّل الهواتف و التلغراف و الإذاعات و المطابع. و نشرت أوّل الجرائد و الكتب و المطبوعات بلغة قومية الخان و بلغة التيبت . و إثر 1955، أنشأت أوّل المدارس فى التيبت. و فى جويلية 1957، أحصيت 79 مدرسة إبتدائية يؤمها 6000 تلميذ. و راح كلّ هذا يحسّن حياة الفقراء و أغاظ الطبقات العليا التى كانت دائما تحتكر التجارة و معرفة الكتب و العلاقة مع العالم الخارجي.
و عندما شرعت الفرق الطبيّة الثورية فى معالجة و إنقاذ الناس ، تقدّم بما فى ذلك الرهبان و الناس من الطبقات العليا لطلب العلاج(...) فقوّض هذا الخرافات التى كانت تندّد بكافة التحديثات و تدّعى أنّ المرض عقاب لإثم إقترف.
فى 1956، نظّم الملاكون الكبار الإقطاعيون للمناطق الحدودية سلسلة من التمرّدات المسلّحة القوية. وفى تلك المناطق ما كان يطبّق إتفاق ال17 نقطة ،و كان الثوريون يشجعون الأقنان على الكفّ عن دفع إيجار للكنائس و لأصحاب المزارع(...)
لقد أرادت بعض القوى فى الحزب الشيوعي أن توجد حلاّ وسطيا ، و إقترحت التعديل فى سير الإصلاح الزراعي و غلق المدارس و المصحّات، التى يعارضها أتباع اللاما. فسحب الحزب المعلّمين و الفرق الطبية لكن هذا لم يوقف مآمرات أتباع اللاما(...)
تمرّد ملاكى الأقنان يشعل نار الثورة :
فى مارس 1959، هاجم رهبان و جنود مسلحون ثكنة ثوريين فى لهاسا و شنّوا تمرّدا على طول الحدود مع الهند. لاحقا قال أحد الرهبان:" قالوا لنا إذا قتلنا واحد من قومية الخان ، سنصبح بوذا أحياء و سيشيّدون كنائسا بإسمنا". دون الكثير من الدعم الشعبي ، سرعان ما ألفى أتباع اللاما أنفسهم متحصّنين فى عديد المعابد. و إنطفأت شعلة التمرّد فى بضعة أيام.
خلال الصراع ، فرّ الدالاي لاما إلى المنفى . و يصوّر أتباعه ذلك على أنّه رحلة بطولية روحانية. لكن من الموثّق توثيقا جيّدا أنّ ذلك كان عملية من عمليات السى آي آي التى أرادت أن تبقيه خارج التيبت كرمز لحرب ضد الثورة الماوية.
و عندما فشل التمرّد ، تبعت فئات كثيرة من أعلى هرم المعابد و الأرستقراطية الدالاي لاما إلى الجنوب نحو الهند، مرفوقين بعديد العبيد الأقنان و الحرس المسلّح و قوافل من الحمير المحمّلة بالثروات. إجمالا ، فرّ 13 ألف شخص ،لا سيما القوى الإقطاعية الأكثر عنادا و أتباعها. و فجأة تبخّر الكثير من أسياد التيبت الثلاثة – اللاما الأغنياء و الموظفون الحكوميون السامون و الأرستقراطيون-!
و تحرّكت القوى الثورية لسحق كلّ مؤامرة إقطاعية. فعاد ألف طالب من التيبت على جناح السرعة من المعاهد المخصّصة للأقليات القومية ليشاركوا فى تنظيم اوّل موجة كبرى من التغيير الثوري.
لقد ساندت أغلبية الكاشاك ،حكومة الدالاي لاما، التمرّد فوقع حلّها. و أنشأت فى كافة المناطق أجهزة سلطة جديدة أطلق عليها إسم "مكاتب سحق التمرّد". و سمّيت الحكومة الجهوية الجديدة " اللجنة التحضيرية لمنطقة الحكو الذاتي للتيبت" ، ضمنها عمل معا كوادر من التيبت و كوادر خان محنّكين.
و أطلق على المرحلة الأولى من الثورة " الثلاث ضد و التحدّيات" : ضد مؤامرة اللاما، ضد العمل القسري،و ضد العبودية. فى الماضي كان الأقنان يدفعون ثلاثة أرباع محاصيلهم إلى الأسياد ؛ و الآن صارعت الثورة من أجل خفض هذا "الإيجار" إلى ال20 % .و التقليص الآخر ألغى الديون الهائلة التى كانت على كاهل الأقنان.
لقد وجّهت الحملة ضرباتها إلى نواة العلاقات الإقطاعية.و ألغت العمل القسري الأولاغ. و حرّرت الأقنان ننغزان من النبلاء و المعابد، وفجأة وجدت جماهير العبيد الرهبان أنّ بإمكانهم مغادرة. و صادرت الأسلحة المخبأة فى المعابد و أوقفت المتآمرين الرئيسيين(...)
وشُرع فى تحرير المرأة وفق الشعار المذهل حينها " الرجل و المرأة متساويان"!. و خففت التغييرات الثورية فى المملكة من الضغط لممارسة تعدّد الزوجات. و بتوفّر موجة جديدة من الرجال الذين بإمكانهم الزواج ، لم يعد على النساء الضغط ذاته للقبول برجل لديه بعد زوجات. و مع إعادة توزيع الأراضي ، لم يعد على النساء نفس الضغط للزواج بعدّة إخوة من العائلة ذاتها، مثلما جرت العادة لتقليص عدد الأشخاص الذين يجب أن يعيشوا من قطع الأرض الصغيرة.
و دون مال أجرة الأراضي ، أخذت المعابد الهائلة الطفيلية تصبح مرهقة و غادرها نصف الرهبان ثمّ أغلق نصفها.
وفى الإجتماعات الشعبية كان يجرى تشجيع الأقنان على تنظيم جمعيات للفلاحين للنضال من اجل مصالحهم. و خلالها كان يتمّ أيضا فضح و عقاب المضطهِدِين الكبار و فى لهب كبير كانت تحرق وثائق ديون الأقنان للملاكين(...)
صراع طبقي حاد :
و قد تحقّق كلّ هذا من خلال صراع طبقي شديد و دموي، شهد مدّا و جزرا،و تعقيدات و بطولة كلّ ثورة فى الحياة الحقيقية(...)
برز جيش التحرير الشعبي قوّة عتيدة فى دعم النهوض فأراد العديد من الأقنان الإنضمام إليه. لكن التيبت أرض واسعة للغاية من الوديان المعزولة. و كان على منظّمى كلّ منطقة عموما أن يتصرّفوا بإستقلالية. و خاطروا بكلّ شيئ من أجل الشعب فمات العديد على أيدى مجموعات تابعة للإقطاعيين،مثلما حصل فى الولايات المتحدة حيث لقي عديد العبيد المحرّرين الموت على أيدى الكلوكلوكس كلا نفى السنوات الأولى لتحرّرهم، إثر الحرب الإنفاصالية(...)
لقد وقعت تجزءة غالبية الأراضي إلى قطع فردية ، لكن أيضا وجدت تجارب ملكية جماعية إشتراكية. لقد كان ماو يشجّع على أنّ طريق التحرير فى الريف كان يتطلب أشكالا جديدة من التعاون. و فى التيبت تشكّلت "مجموعات التعاون المتبادل" جديدة تقاسمت أدوات العمل و الحيوانات، و معا كانوا يعملون فى الحقول ، و يشقون القنوات و يقيمون سدودا على الأنهار،و يجمعون السماد و يبنون الطرقات.
و فى خضمّ هذه الإعصارات الكبرى من الصراع، خلقت الثورة الماوية قاعدة إجتماعية واسعة فى صفوفالأقنان المحرّرين فى التيبت.
ثورة داخل الثورة :
لقد خدع الصراع الطبقي المحتدم فى التيبت قوى مكينة معينة وسط الحزب الشيوعي الصيني ذاته: التحريفيون الذين كانوا يعارضون الخطّ الثوري لماو والمجتمعين حول ليوتشاوتشى و الجنرال لين بياو و دنك سياو بينغ ( الحاكم الأوّل الحالي). و كانت فكرتهم عن ما يجب القيام به فى التيبت مغايرة جدّا ،و رأسمالية للغاية.
لم يكن التحريفيون يرغبون فى إستنهاض الجماهير لتقبر ملاكي الأرض الإقطاعيين. كانوا "شوفينيين خان" ،كانوا ينظرون بدونية إلى شعب التيبت و يعتبرونه متخلفا خرافيا غير قابل للشفاء. و كانوا يعتقدون أنّ الطلبة من التيبت الذين كانوا فى معاهد الأقليات القومية يجب أن يدرسوا الإدارة ، لا التنظيم الثوري. و كانوا يعتقدون أنّه يجب حكم التيبت بواسطة الطبقات العليا المتعلّمة ، بإعانة من الجيش ليظلّ كلّ شيئ " تحت المراقبة".
كان الصراع الطبقي الذى أسعر ناره ماو يعدّ "تشويشا" لمخططات هؤلاء التحريفيين الرامية لإستغلال التيبت. لم يكونوا يرون هناك إلاّ حدودا يجب الدفاع عنها و مواردا طبيعية يجب إستغلالها و منطقة فلاحية لها إمكانية تغذية الصين. لقد كانوا يفكرون أنّ بعث صناعات مستقلّة أو تنويع الفلاحة كان "غير فعّال" و هدرا للوقت. كانوا يتصوّرون أن بإمكانهم التوصّل إلى إتفاق مع الطبقة السائدة من اللاما يكون مفيدا للطرفين. لكن فى تلك الفترة، لم تكن كلّ السلطة بأيدى أتباع الطريق الرأسمالي.كان ماو تسى تونغ يناضل من أجل الثورة ،حاثا للجماهير و يناضل من أجل تطبيق خطّ ثوري فى التيبت و فى مناطق أخرى للأقليّات القومية.
بعدُ فى 1953 كتب ماو ضمن نصّ "نقد شوفينية الخان الكبرى" :" فى بعض الأماكن تشهد العلاقات بين القوميات أمورا خطيرة. ووضع من هذا القبيل غير مقبول بالنسبة للشيوعيين. لا بدّ من نقد عميق للأفكار الشوفينية للخان الكبيرالتى تظهر على نحو خطير ضمن العديد من مناضلي و كوادر حزبنا ، أفكار رجعية لطبقة ملاكى الأراضي و البرجوازية ...تنعكس فى العلاقات بين القوميات...بكلمات أخرى ، تهيمن الأفكار البرجوازية على عقول جزء من الرفاق و من الشعب الذين لم يحصلا على تربية ماركسية و لم يستوعبا سياسة اللجنة المركزية بشأن المسألة القومية"(...)
لقد كانت الزوابع الثورية فى التيبت بعد 1959 دفعا كبيرا للخطّ الماوي . و فى حين كان الأقنان يناضلون من أجل الأرض ، ضمن الطليعة الشيوعية ،كان يدور صراع حاد لتحديد كيفية قيادة هذه الحركات. و فى أماكن كثيرة من التيبت كان بعدُ هناك أغنياء و فقراء حتى إثر إعادة توزيع الأرض. وبعدُ هناك عادات و ممارسات إقطاعية قويّة. و المنظّمات الثورية الجديدة بالكاد أخذت تقف على رجليها. فكان على الثورة أن تقطع طريقا طويلا.
فى بدايات الستينات من القرن العشرين ، إقترح التحريفيون "تعزيزا لمدّة خمس سنوات" فى التيبت،وهو تكتيك لكسب الوقت لإيقاف الصراع. و هكذا جرى التخلّى عن التجارب الإشتراكية فى التيبت،من مثل الكمونات الريفية و عديد المصانع الجديدة.
لكن لم تكن للتحريفيين "خمس سنوات من للتعزيز" و سحق شعب التيبت. فى 1965 إندلع صراع خطين وسط اللجنة المركزية للحزب الشيوعي و أطلق ماو "ثورة داخل الثورة" لم يشهد لها مثيل من قبل هي الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى.
(...) فى 1976، عقب صراع حاد ، توصّل التحريفيون إلى الإستيلاء على السلطة على النطاق الوطني. و بقيادة دنك سياوبينغ، أرسوا سياسات تحريفية فى كافة مجالات المجتمع ، بما فى ذلك فى المناطق حيث تعيش الأقليات القومية. فى التيبت ، ألغوا ثقافة التيبيتيين و حثّوا على هجرة مئات الآلاف من الخان (القومية الأغلبية فى الصين) نحو التيبت. و هذه ليست سياسات ماوية بل سياسات أتباع الطريق الرأسمالي، أي ، أعداء ماو(...) و كانت لهذه الأحداث تبعات خطيرة على شعب التيبت.
مذّاك ، طبّق الإمبرياليون الأمريكان تكتيكا "مزدوجا" حيال هذه الحكومة الصينية الرجعية و نهض الدالاي لاما بدور أساسي فيه. فمن جهة للإمبرياليين روابط عدّة ، سواء إقتصادية أو جيوإستراتيجية مع الصين.فإعادة تركيز الرأسمالية فتح الأبواب أمام الإستثمارات و أشكال الهيمنة الجديدة و قامت واشنطن بكل ما فى وسعها للإستفادة من هذه الفرص. و من جهة أخرى ، يضغطون كذلك على قادة الصين ليخضعوا لطلباتهم . لهذا يستغلّون وضع التيبت و يشجعون الدالاي لاما.
و أفضت هذه التكتيكات المزدوجة بأناس تقدّميين إلى الإعتقاد بأنّ مساندة الدالاي لاما و إستقلال التيبت ( أي التيبت ضد الصين) موقف صحيح و معارض لحكوماتها "الخاصة" . و فى الواقع جرى تضليلهم.
لا علاقة لبرنامج الدالاي لاما أًلا بتحرير شعب التيبت. إنّه يطالب ب"مساومة" بين حكومة الصين و الطبقة السائدة القديمة للتيبت (حاليا فى المنفى) .يريد أن يستعيدوا بعض الإمتيازات و نوعا ما من التأثير على الرئاسة الدينية و بالمقابل يقدّم العون لجعل السكّان مسالمين بفلسفة مسالمة(...)
إنّ الثورة الحقيقية فى التيبت و كذلك دور الدالاي لاما ، ليسا كما جرى تصويرهما.و فى الواقع الحلّ الوحيد لشعب التيبت هو النضال ضد الذين أعادوا تركيز الرأسمالية فى الصين ،و الإمبرياليين الأمريكان و كافة القوى الإمبريالية، الذين يستغلون اليد العاملة و الموارد الطبيعية للمنطقة.
6/ خرافات حول الماوية :
أفكار مغلوطة متداولة :
1- حوالي 30 مليون شخص قضوا خلال "القفزة الكبرى إلى الأمام" جراء المجاعة و الإعدامات التى إقترفها ماو.
2- العنف الذى مارسه ماو إنتشر و إتسع مداه خلال الثورة الثقافية.
3- ماو كان معاديا للمثقفين ضد التربية و ضدّ الحرّية الشخصية .
1- القفزة الكبرى إلى الأمام : " ماو كان جزّارا"
زعم مختصون غربيون أنّ بين 16،4 و 29،5 مليون شخص قد هلكوا أثناء "القفزة الكبرى إلى الأمام "(1) و الحجة التى يتداولها هؤلاء تزعم أن ذلك مردّه الإعدامات التى أمر بها ماو و الحزب الشيوعي الصيني.
و العارفين أكثر بتاريخ الصين يعلمون جيدا أن المجاعة و الكوارث الطبيعية التى وقعت فى تلك الفترة بالذات كانت إحدى أسباب تلك الوفيات. و رغم ذلك تصرّ الدعاية الرأسمالية الرخيصة على إلصاق التهمة بالقيادة الصينية و نظامها الجديد الذى يتحمّل حسب رأيها المسؤولية ل" برامجه الخاطئة و سوء التصرّف فى المجال الصناعي و توزيع الثروات بين الناس" إبّان تلك الحقبة.
و أوّل مشكل تطرحه هذه الأساطير الكاذبة هو أنها إستندت إلى إحصائيات خاطئة للدوائر الرأسمالية التى تعتمد الإفتراض عوض الرجوع إلى الوقائع. فنسبة الوفايات المرتفعة إعتمد فيها على مقارنات بين النموّ السكاني المتوقّع
) و العدد الفعلي الذى تمّ تسجيله فيما بعد. Croissance prévue(
تفترض هذه الطريقة نموّا مستقرّا للمجتمع و السكان و لكن هذا المنهج يجانب الحقيقة فى الفترات المضطربة من التاريخ كالثورة. ثمّ إنّ هذه الإحصائيات الإفتراضية نابعة عمدا من أرقام صادرة عن البرجوازية و التحريفيين الذين كانوا معادين للقفزة الكبرى إلى الأمام.
فى الحقيقة ، كان الموتى المنسوبين للقفزة الكبرى إلى الأمام ( 1958-1960) نتيجة للمجاعة و ليس للإعدامات. فالفياضانات و الجفاف كانت لهما إنعكاسات خطيرة على أكثر من نصف الأراضي الصينية فى تلك الفترة. يضاف إلى ذلك أن الإتحاد السوفياتي قطع المساعدة التى كان يقدّمها فى المجال الصناعي ممّا أدّى إلى توقف غالبية
الصناعة الصينية. كان الإتحاد السوفياتي قد وعد بإقامة 300 مصنعا عصريا ، لكن حتى 1960 لم يكتمل البناء إلاّ فى 154 مشروعا فقط(2).و قد غادر آلاف التقنيين السوفيات الذين كانوا فى الصين للمساعدة فى تطوير الصناعة و ذلك فى غضون شهر واحد و أخذوا معهم خططهم التنموية و أوقفوا شحن المواد الصناعية.(3)
لقد إعترف ماو بصراحة بأنّ الحكومة كانت مسؤولة عن 800 ألف إعدام ما بين 1949و 1954 أيدتها الجماهير فى إطار محاكمات شعبية واسعة ضد الملاك العقاريين و عملاء اليابان( عملاء الإمبريالية) الممقوتين الذين مارسوا الإرهاب ضد الجماهير خلال الحرب العالمية الثانية و إثرها.(4)
و أبدا لم يقل لا ماو و لا الحزب الشيةعي الصيني إنّ القفزة الكبرى إلى الأمام لم تشهد بعض الأخطاء. فالنقد الذاتي خاصية من خصائص الماوية الأساسية و ماو نفسه وجّه نقدا لجوانب معينة من القفزة الكبرى إلى الأمام. وخلافا للسوفيات يعترف الصينيون بأنّ بعض أهدافهم كان سقفها أعلى من اللازم و غير منطقي.
ليس غريبا إذا أن تنتشر هذه الأساطير عن طريق الدول الرأسمالية التى تستحق أكثر من غيرها يافطة "الجزاّرين" . كلّ سنة ، 14 مليون طفل أغلبيتهم من البلدان الرأسمالية الآسيوية يموتون جوعا (5) . كما أنه إعتمادا على إحصائيات أخصائيين برجوازيين ، قرابة 75980 أسود ماتوا فى الولايات المتحدة الأمريكية وحدها سنة 1986 بسبب النقص فى الرعاية الصحية(6). وفرضا حسابيا ، مثلا لو كان عدد سكان الولايات المتحدة الأمريكية يضاهى مثيله فى الصين ، فإن ذلك يعنى هلاك أكثر من 300 ألف مواطن فى السنة الواحدة ( أو 2،5 مليون إذا كان عدد السكان السود فى الولايات المتحدة يعادل عدد سكان الصين).
لو لم تتحرّر الصين التى تعدّ ربع سكاّن العالم من قبل ماو و الحزب الشيوعي الصيني لكان وضعها أسوأ بكثير اليوم. فى الواقع، قد توفي 22 مليون صيني جراء المجاعة خلال الحرب العالمية الثانية و بسبب الإمبريالية اليابنية و النظام الذى كانت تسنده الولايات المتحدة الأمريكية. فى ظلّ قيادة ماو و الحزب الشيوعي الصيني، قفز أمل الحياة من 35 سنة فى عهد حكم الكيومنتانغ إلى 69 سنة(7) . و بالعكس، المجاعة فى البلدان الرأسمالية و نقص الرعاية الصحية للسود فى الولايات المتحدة الأمريكية باتا جدّ عاديين و يمرّان فى كنف الصمت إلى درجة أنه لا يوجد سياسي يتحمّل عناء حتى إثارة المشكلة .
2- الثورة الثقافية : " ماو إرتكب العنف"
تعتبر الثورة الثقافية أهمّ الأهداف التى صوّب الإمبرياليون نحوها نيرانهم الرجعية. فالتحليل الغربي الرأسمالي يلصق غالبا بماو كلّ العنف الذى حدث خلال الفترة الممتدّة من 1966 إلى 1976.
رغم تواجد حفنة قليلة من الملاحظين و المتابعين الأجانب المقيمين بالصين إباّنالثورة الثقافية فإن معظمهم ، يلصقون جزافا مئات الآلاف من الضحايا و حتى الملايين بهذه الثورة. عادة لا تقدّم تفاصيل لأنه لا يوجد إلاّ عدد ضئيل جدّا من التقارير من عين المكان للغربيين. و لا أحد من الغربيين يمكنه أن يدّعي أنّه قام بتحقيق ضافي . و رغم أنه من الممكن أن يصل عدد الموتى الملايين أثناء الثورة الثقافية فمن المتأكّد أنها لم تكن بأوامر من ماو الذى بالعكس طلب و بكل وضوح أن تكون الثورة الثقافية بعيدة عن العنف. و أولى التعليمات الصادرة عن اللجنة المركزية للحزب ظلت تذكر و منذ البداية بأنه "الطريقة التى ينبغى إتباعها فى المناظرات هي عرض الوقائع و محاكمة الأمور بالمنطق و الإقناع من خلال المحاكمة العقلية. و لا يجوز إستعمال الإكراه لإخضاع أقلية تحمل أراء مخالفة "(8) . وقد ثبت فضلا عن ذلك أن العنف المرتكب خلال هذه الحرب الأهلية كان فى جزء كبير منه من صنع فصائل معارضة لماو.
وأعداء ماو فى الصين كانوا أكثر واقعية فى هذا الصدد من نظرائهم الغربيين فى دعايتهم حيث حمّلوا ماو و مناصريه
–الذين نعتوهم ب" عصابة الأربعة " - مسؤولية عدد جملي من الإعدامات و القتلى يبلغ 34 ألف بوسائل أخرى من القمع خلال العشر سنوات من الثورة الثقافية.و لئن كان أعداء ماو محقين ، هل يمكن ان نفكّر فى أن 34 ألف قتيل مبرّرين؟ من الصعب علينا الإجابة إذ يجب أن يوجّه السؤال لأنصار ماو المسجونين و لأعدائه فى المناصب العليا للحزب و للجماهير عموما التى لم يطلب منها أبدا النقاد الأجانب و بصفة منظمة رأيها.
قائما بالنقد الذاتي ،أكّد ماو حصول إعدامات أكثر من اللازم خلال الثورة الثقافية .حينها عبّر عن فلسفته التى نشاطره إياها. قال ماو : " من الممكن أن يكون مبررا إعدام مجرمأو شخص فجّر مصنعا، لكن فى غالبية الأحيان ، بما فى ذلك الحالات فى المعاهد و فى الحكومة و الجيش ، اكّد ماو " أي سوء فى عدم إعدام الناس؟ إن الذين لهم إستعداد أن يصلحوا من أنفسهم بالعمل عليهم أن يتجهوا ليصلحوا أنفسهم بالعمل ،حتى يتمّ تحويل الفاسدين إلى عناصر مفيدة. فرؤوس البشر ليست كرؤوس الكراث . إذا قطعت ،لا تنبعث من جديد . إذا قطعنا رأسا على وجه الخطإ ، لا توجد طريقة لإصلاح الخطإ ،حتى و إن أردنا ذلك "(9) و لو أن الذين يدعون بأنهم ماويون مارسوا عكس هذه الفلسفة ، لسنا على إستعداد للدفاع عنهم.
و زيادة على ذلك من البديهي و الإحصائيات بهذا المضمار متوفرة للجميع حتى فى الولايات المتحدة الأمريكية ، أن ماو أنجز أفضل من أي قائد سياسي آخر فى القرن الماضي و من الممكن فى التاريخ كلّه ، فى تقليصه للعنف بكافة أشكاله.
و عديد أعداء ماو الذين طُردوا من الحزب مع ذلك بقوا على قيد الحياة. فمثلا دنك سياو بينغ ظل على قيد الحياة رغم بعض التطهيرات و بعث إلى إعادة التأهيل بواسطة العمل. فى 3 و 4 جوان 1989 ، دنك ذاته – معارض لماو و الإبن المفضّل لدى الرأسماليين- هو الذى أصدر الأوامر للجيش لإطلاق النار على مئات المتظاهرين و المتظاهرات فى إطار تمرّد بيكين . و هذا العنف ليس طبعا سوى النزرالقليل من العنف الذى تسببت فيه إعادة تركيز الرأسمالية فى الصين.
لقد إستطاع ماو و الحزب الشيوعي الصيني ، و بمساعدات خارجية بسيطة ، إحداث تغييرات عظيمة فى بلد فى طريق النموّ ،و هم ينجزون ثورة و يخوضون حربا أهلية. و من غير السليم تحميل المسؤولية للحزب الشيوعي الصيني أو لماو بالخصوص عن كلّ ما حدث تحت قيادته. ففى الولايات المتحدة وهو بلد متقدّم له ظروف لا تقارن بأية حال مع ظروف جمهورية الصين الشعبية – هناك سنويا 20 ألف جريمة قتل و 75 ألف أسود يموتون بسبب الإضطهاد القومي المنظّم ، و فى كلّ خمس دقائق يموت عامل أو تموت عاملة بسبب حادث شغل أو مرض صناعي، وفى كلّ 50 دقيقة ، يموت طفل بسبب لسوء التغذية أو الفقر. (10). لكن لا نسمع تقريبا أبدا قول إنّ ضحايا العنف الرأسمالي "قتلهم" الرؤساء ريغان و بوش و كلينتون و من لفّ لفهم ، كما نسمعه دائما عن الذين ماتوا من الجوع فى ظلّ قيادة ماو للصين.
3- إضطهاد المثقفين و التربية فى عهد ماو
يعتقد عديد الغربيين بأن ماو كان معارضا للتربية " الحقيقية " وللمثقفين خلال الثورة الثقافية و بأن المدارس لم تكن سوى أدوات مسخرة ل"غسل العقول" "للدعاية "المحضة.
و تعزى هذه الإعتقادات إلى بعض القصص المروية بشأن غلق الجامعات فى الصين و بشأن الظروف الجديدة و القوانين الجديدة التى جرى تركيزها بالنسبة للكتب الدراسية و البحث العلمي و للحدود المفروضة على مختلف أنواع الفنون و المسرح. و جزء من هذه المعلومات بلغ الغربيين عن طريق المثقفين الصينيين الذين غادروا الصين قبل أو أثناء الثورة الثقافية : لقد غادروا لأنهم إعتقدوا أن نمط حياتهم و مكانتهم الإجتماعية مهدّدة جراء التغييرات الحاصلة.
يعرّف الغربيون التربية "الحقيقية"بمدى تطابقها مع مواضيع و جداول أعمال الغربيين أي دراسة التاريخ و الأدب من وجهة نظر المضطهِدين و الإمبريياليين ،و الرياضيات و العلوم بهدف تحقيق تقدّم تقني أو طبّي يمكنهم من مراكمة الثروة و يعزّز سلطة الطبقات الحاكمة، و الدراسة إلى حدّ التحوّل إلى أخصاّئي و كسب هيبة أكاديمية لكن دون معرفة التجربة العملية أو درجة إفادة تلك المعارف للمجتمع.
ينظر الرأسماليون فى الغرب إلى التربية فى الصين الماوية على أنها مجرّد أداة "دعاية "لأنها تشجّع على قيم و أهداف تتناقض مع أهداف الرأسمالية. و تتطابق هذه القيم و الأهداف التى وقع تعليمها فى الصين إبان الثورة الثقافية مع مهام بناء الإشتراكية . و ما يبعث على العجب أنّ التربية كما نعرفها فى الأمم الغربية لا ينظر إليها على أنها" دعاية "عن قصدأو عن غير قصد من قبل الذين يتفقون مع أهداف الرأسمالية ، و الإمبريالية و النظام الأبوي.كما أن الإشهار للمنتوجات الرأسمالية، رغم الإعتراف بأن تأثيره هائل على آراء و أفعال الناس، لا يُنظر له بإعتباره شكلا ل"غسل الأدمغة" من قبل أولئك الذين يستفيدون من النظام الرأسمالي و بالتالى يدعمونه.
إن نظرة الغرب الرأسمالي للمواقف الماوية بصدد التربية و المثقفين و الفن إنبنت أساسا على معلومات بعض الصينيين المعادين للإشتراكية أو أجانب تعاملوا مع الأحداث فى الصين بوجهة نظر خارجية.
و نستطيع الحصول على صورة أكثر واقعية حول الثورة التربوية بقراءة كتب أولئك الذين يساندون ما هو أفضل للشعب و الذين ساهموا بعمق فى تغيرات تلك الحقبة. و على سبيل المثال يمكن ذكر كتاب :
William Hinton, Hundred day war : The Cultural Revolution at Tsinghua University
و فيه فسّر الكاتب تفسيرا جيدا كيف تطورت الإشتراكية و كيف وقع تفكيك الأفكار البالية الإضطهادية عن التربية فى كلية شهيرة فيها تدرّس العلوم و الهندسة :
" صار الطلبة الآن يقضون نسبة من وقتهم فى حضائر أشغال البناء فى بيكين الكبرى تضاهى الوقتالذى يقضونه فى قاعات الدرس و المخابر و صار الأساتذة يبذلون جهدا فى تطوير العلاقة مع عشرات المصانع و المؤسسات الإقتصادية المرتبطة بالجامعة بقدر الجهد الذى يبذلونه فى تقديم المحاضرات و تأطير الطلبة.و الطلبة الشباب ذوى الإمتيازات لن ينسحبوا على بلاد العجائب الذى تحدّه الأشجار و المسمّى تسنغهوا ليمضوا فيه وقتهم فى القراتءة إلى أن يمسوا مسنين للغاية إلى درجة عدم قدرتهم على الضحك.لم يعودوا يملؤون رؤوسهم بتركيبات رياضية حول الممارسات الصناعية التى عفا عليها الزمن من أوروبا و أمريكا ما قبل الحرب ،و لن يتصببوا عرقا بفعل الإمتحانات من نوع " الهجوم المفاجئ" ليتخرجوا ، بعد سنوات من العزلة عن الإنتاج و السياسة ، غير قادرين على التمييز بين الحديد الصلب العالي التركيز بالكربون و الحديد الصلب العادي ، أو بين " بروليتاري ثوري " و "تحريفي".(11)
قبل رحيله ، كان ماو يؤكد على أن نتذكّره بوصفه رئيسيا "مربّيا" وهو لا يعارض التربية بشكل عام و إنما يعارض التربية الغربية البرجوازية ،تلك التربية التى لعبت دوما دورا خطيرا فى تبرير هيمنة الطبقات السائدة و التى لا تخدم مصالح الجماهير. على عكس ، بالنسبة لماو ، التربية و المثقفين لا يجب أن يكواوا إلا فى خدمة الشعب، لذا أمر ماو المثقفين بالتوجه إلى الفلاحين لمساعدتهم و تربيتهم و التعلّم منها أيضا.
كانت أغلبية الشعب الصيني فقيرة ،و أمّية و لم يكن يتوفر لها إلاّ القليل التربية و الرعاية الصحية. بصدد مسألة التكوين فى الطبّ ، قال ماو سنة 1965 : " يجب إصلاح التكوين الطبّى . فلا حاجة لقراءة هذا الكمّ الهائل من الكتب ... يكفى إجراء ثلاث سنوات من التكوين ليحصل الطلبة على شهادة علمية . و من ثمّ سيواصلون تعلّمهم و يرفعون مستواهم فى جزء كبير من خلال الممارسة العملية. لو أرسل طبيب بهذه المواصفات إلى صفوف الفلاحين ،حتى و إن لم يكن يتمتع بقدرات كبيرة ، فإنه سيخدمهم أفضل من المتطببين و المشعوذين ... إن التكوين الحالي للأطباء لا يخدم سوى المدن الكبرى مع أن فى الصين أكثر من 500 مليون من السكان فلاحون."( 12)
فى الواقع ، أحد أهمّ البرامج الإشتراكية الأكثر تطوّراهو برنامج " الممرضين المعاونين" أو " الأطباء ذوى الأقدام الحافية" ،وهم قرويون تلقوا تكوينا لبضعة أشهر فى مجال الرعاية و العلاج ، ثمّ عادوا إلى قراهم لتوعية السكان ووقايتهم ضد الأمراض و الجراح و تحسين الرعاية الصحية و معالجة المشاكل الصحية البسيطة.(13)
المقتطف التالي من توجيهات صادرة عن اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني فى بداية الثورة الثقافية سنة 1966:" أما العلماء و التقنيون و الموظفون العاديون فما داموا وطنيين و يعملوا بنشاط و ليسوا ضد الحزب و الإشتراكية ،و لا يتواطؤون مع أية دولة أجنبية فيجب أن نستمرّ فى الحركة الراهنة على تطبيق سياسة "وحدة-نقد-وحدة" ".(14)
شهد نظام التربية فى الصين تطورا كبيرا فى عهد ماو إذ وقع وضع الكتب و المنشورات الرأسمالية القديمة جانبا لتستعمل الكتب الجديدة لتدريس التاريخ و السياسة من وجهة نظر الأعلبية من الشعب من ذلك نشر كتاب "لندرس الإقتصاد السياسي" الصادر سنة 1974 فى شنغاي ليصبح معتمدا فى المعاهد و الكليات. وفضلا عن ذلك تراجعت نسبة الأمية فى الصين بصفة بارزة للعيان.
و رغم هذه النجاحات العظيمة فإن الإصلاحات لم تكن كلّها موفقة ز و وجد من يدعون أنهم "ماويون" و دافعوا عن فكرة الهجوم على المثقفين و على 95 بالمائة من أعضاء الحزب الشيوعي أثناء الثورة الثقافية. و قد وصفهم ماو بأنهم
" متطرفون يساريون" لأنهم كانوا يستعملون لغة و أفكار شيوعية لتبرير ممارسات متطرفة دون محاولة محاورة المثقفين و دون تشجيعهم على تصويب نظرتهم و سلوكهم. (15) ============
1) Roderick MacFarquhar, Origins of the Cultural Revolution: Great Leap Forward 1958-60 (New York: Columbia University Press, 1983), p. 330.
2) Wheelwright, E.L. et McFarlane, Bruce, The Chinese Road to Socialism: Economics of the Cultural Revolution (New York: Monthly Review Press, 1970), p. 35.
3) Ibid, p. 53.
4) « Qui avons-nous exécuté ? Quel type de gens ? Les éléments qui étaient énormément détestés par les masses et qui étaient criblés de dettes de sang. » (Chairman Mao Talks to the People, New York: Pantheon Books, 1974), p. 77. Mao a dit aussi que moins d exécutions seraient faites à l avenir. (Ibid., 78)
5) Ruth Sivard, World Military and Social Expenditures 1987-8, p. 25.
6) Dans la comparaison des populations noire et blanche du même âge aux États-Unis, le taux de mortalité des NoirEs était 7,8 par mille en 1986, comparativement à 5,2 pour les Blancs. (Statistical Abstract of the United States 1989, p. 74) Il y avait 29,223 millions de Noirs en 1986. (Ibid.)
7) Associated Press, cité dans Ann Arbor News, 01/10/1989, p. B9.
8) Comité central du Parti communiste chinois, 08/08/1966, dans People s China: Social Experimentation, Politics, Entry onto the World Scene 1966 through 1972 (New York: Vintage Books, 1974), p. 277.
9) Chairman Mao Talks to the People, p. 78.
10) Vincente Navarro, « Historical Triumph: Capitalism or Socialism? », Monthly Review, novembre 1989, pp. 49-50.
11) Hinton, William, Hundred Day War: The Cultural Revolution at Tsinghua University (Monthly Review Press, New York et Londres, 1972), pp. 13-14.
12) « Directive on Public Health, June 26, 1965 », Chairman Mao Talks to the People: Talks and Letters: 1956-1971, éditeur Stuart Schram, Pantheon Books, 1974, p. 232.
13) Le programme de « médecins aux pieds nus » a commencé dans les années 50 et s est poursuivi jusqu au milieu des années 70. Ces aides-soignants utilisaient le manuel paramédical officiel chinois A Barefoot Doctor s Manual, Running Press, 1977.
14) Comité central du PCC, 08/08/1966, Chairman Mao Talks to the People, p. 281
15) Pour lire des exemples d essais écrits par des ultragauchistes opposés au maoïsme, voir The 70s, China: The Revolution Is Dead, Long live the Revolution, Montréal: Black Rose Books, 1977.



الفصل الثاني
شهادات حيّة
-1- " كنا نحلم بأن يكون العالم أفضل مما هو عليه اليوم "
اللقاء الصحفى التالى أجراه "مشروع حقيقة ما حدث" مع وانغ زهانغ أستاذة دراسات المرأة فى جامعة ميشغان وهي مؤلفة كتاب " أضواء على النساء فى صين التنوير: قصص شفاهية و مكتوبة " و عديد البحوث منها "وضع الحركة النسائية ؟ الجندر و الإشتراكية فى الصين الماوية".و تتميّز أعمال وانغ زهانغ بأفق نسوي.
و فضلا عن ذلك هي ناشرة و مساهمة فى "البعض منّا: نساء صينيات نشأن فى عهد ماو"( صحافة جامعة جوتجارس ، 2001) وهو جملة من المذكرات صوّر فيها المساهمون التسعة العلاقات الأسرية و الحياة فى المعاهد و الأحياء و أماكن العمل و الثقافة الشعبية و التوجه إلى الريف خلال الثورة الثقافية ،و تأثير "سياسات العدالة الجندرية لعهد ماو "كما ورد فى مقدّمة الكتاب. و تتحدّى هذه المذكرات ما يسميه المؤلفون "الروايات الأساسية عن عهد ظلمات " الصين الإشتراكية و الثورة الثقافية على وجه الخصوص. و كما يصف ذلك غلاف الكتاب ، فإن هذه الكتابات تمزّق الأفكار المسبقة و القوالب الجاهزة عن الملاحقة و القمع و الضحايا و الجلادين فى الصين الماوية" .
-------------------------------------
مشروع حقيقة ما حصل: هناك العديد من المذكّرات التى كتبها أناس عاشوا فى الصين خلال السنوات الإشتراكية ، أو "عهد ماو" ( 1949-1976) لا سيما حول عقد الثورة الثقافية . ما الذى دفعكم لكتابة " البعض منّا..."؟
وانغ زهانغ: هذا الكتاب عبارة عن مذكّرات جماعية لمؤلفين تسعة ، جميعهم من جمهورية الصين الشعبية . كنّا جميعا طلبة محرزين على شهادات جامعية فى البلاد وقام غالبيتنا بمهام تعليمية هناك. و الدافع لتأليف الكتاب هو أن عديد المذكّرات المنشورة من قبل المهاجرين الصينيين و صينيين آخرين قد أذهلتنا. فتلك المذكّرات التى جرى تشجيعها أو التى حققت أكبر النجاحات فى السوق هي مذكّرات تصوّر الصين عهد ماو ك "عهد ظلمات"، فظيع ، لا شيئ فيه سوى ملاحقة و دكتاتورية و قتل ،و كلّ القصص الرهيبة هذه لا تعدو أن تكون صوتا إحادي الجانب.
و رغم أننى لا أستطيع أن أقول إنهم يكذبون ، فإن الكثير من المادة المروية خيالي ، مثل كتاب أنشي مين" أزالية الحمراء" الذى إستغل هنا على نحو واسع ، حتى فى الجامعات. فقد إدعت أنّ الكتاب سيرة ذاتية حينما كانت فى الولايات المتحدة الأمريكية لكن لمّا ذهبت إلى الصين ، ضمن كافة أصدقائها و أقربائها ، كافة الناس الذين يعرفونها والذين تحدثت عنهم سألوها عن كتابها فقالت إنه رواية خيالية. هذه نقطة.
و هذا الضرب من السيرة الذاتية يحقّق أكبر النجاحات فى السوق بحكم سياسات النشر فى هذه البلاد . ما هي الكتب التى يجرى تشجيعها فى هذه البلاد؟ تشاهدون ذات المخطّط هناك لا زالوا يتاجرون بذهنية الحرب الباردة فى الولايات المتحدة
و فى الغرب قائلين إنّ الرأسمالية أرض حرّية رائعة و إنّ البلدان الإشتراكية فظيعة والصين الشيوعية ، الصين الحمراء ، فظيعة تشبه جهنّم. و هكذا يروون لكم كلّ تلك الروايات المرعبة. و تتميّز تلك الكتب على الدوام بأوسع الإنتشار و تتلقى على الدوام الكثير من الإهتمام الإعلامي.
وجهة نظري هي أنّ ما يعتبر كوارث ملاحقة لم تحدث. أودّ فقط أن أقول إنّ وجهة نظرنا هي أنّ الصين بلد ممتدّ الأطراف ، بلد قارة و سكانها يعدّون مليار نسمة . الفئات الإجتماعية مختلفة و تجاربها متنوعة حتى فى ذات الحقبة التاريخية. كصينيين ، حين نقرأ هذه المذكّرات ، لا نشاطر الكثير من تجاربهم و مهما كانت تجاربهم ، حتى و إن كانت صحيحة فهي ليست تجاربنا.
لقد وجدت فى مجموعة من النساء الصينيات اللاتى تقاسمت ذات الشعور تجاه تلك المذكّرات . لذا أردنا القيام بشيئ ما . بوسعنا الإصداح بأصواتنا، على الأقلّ. إذا كانوا يروون قصصهم ... ماذا عن قصصنا و تجاربنا نحن التى لا تروى؟ فشرعرنا و شعرت أنا بصفة خاصة بوصفى مؤرخة، أنّ الأمر المهمّ ليس الطعن فى أي إنسان و إنما هو بالأحرى تقديم الصورة المعقّدة للتاريخ.
و كذلك إن نظرت لمن كتب كلّ " أدب الإدانة هذا" فإنهم عادة أناس من الطبقات النخبة. إنكم لا تستمعون إلى أصوات طبقات العمّال و الفلاحين من الطبقات الدنيا، فى قاع المجتمع. ما هي تجربة هؤلاء الناس فى ظلّ الصين الماوية ، أو الصين الشيوعية ؟
و الحزب الشيوعي كان معقّدا للغاية تتخلّله كتل مختلفة ذات رؤى مختلفة عن الصين ،و حتى رؤى مختلفة عن الإشتراكية. ووجهات النظرداخل الحزب الشيوعي كانت مختلفة. فى تلك السنوات ،وجد كافة الأنواع المتنوعة من الناس المساهمين فى أشياء و سياسات متنوعة مقترحة من أناس مختلفين داخل الحزب و كان لذلك شتى الإنعكاسات .
كان وضعا فى منتهى التعقيد . لكن فى هذه البلاد ، ما تسمعونه هوفقط صوت واحد ، صوت إدانة أي كيف أنّ أناسا من طبقات النخبة عانوا فى تلك السنوات. و إنه لتشويه فظيع للصورة الأوسع أن يظنّ أن هذه هي الحقيقة ، الحقيقة الوحيدة.
مشروع حقيقة ما حصل : لماذا لعب "أدب الإدانة" هذا مثل هذا دور؟
وانغ زهانغ : وجدت حركة جماهيرية لإنتاج روايات عن الضحايا فى أواخر سبعينات و بدايات ثمانينات القرن العشرين فى الصين، وهو خطّ جرى نقله لاحقا بصورة واسعة إلى الغرب مع أولئك الصينيين الذين وجدوا سوقا مربحا بصورة خاصة فى "أرض الحرّية" الرأسمالية ليدعوا وضع "الضحايا" الذين ظهروا فى عهد ما بعد ماو. " الإنكار الكلّي للثورة الثقافية " كان خطّة دنك سياو بينغ(1) لتعبيد الطريق لتفكيك الإشتراكية بينما يعزّز السلطة السياسية. كان طريقة لتبييض وجه أو حرف الإنتباه عن جرائمه هو و من معه.
إثر نداء دنك سياو بينغ لإنكار كلّي للثورة الثقافية ، صار التحوّل إلى ضحيّة للثورة الثقافية مكانة رمزية هامة فى الصين. و قفز المثقفون الصينيون لركوب هذه العربة و إنتاج روايات ضحايا. و لقي هذا التشجيع من دنك سياو بينغ إذ كان الأمر يساعده على تعبيد الطريق الإيديولوجي للمرور إلى الليبرالية الجديدة و الداروينية الإجتماعية لتترافق مع ظهور السوق الإقتصادي الرأسمالي. و فى هذه السيرورة ، إستعادوا سلطتهم و إمتيازاتهم التى تقلصت فى عهد ماو ، لا سيما أثناء الثورة الثقافية. و الذين يبتعدون عن رسم المهندس الجديد، دنك سياو بينغ، منعوا من الإمتيازات التى تتمتّع بها النخبة الجديدة هذا إذا لم يتعرضوا للعقاب بالسجن.
مشروع حقيقة ما حصل: إحدى الروايات فى مذكراتك موضوعها هو أنك عندما أتيت للوهلة الأولى إلى الولايات المتحدة ، سمعت إمرأة تصف إبنتها بأنها قائدة مشجعات و كيف كان ردّ فعلك على ذلك؟
وانغ زهانغ: حسنا ، كان ذلك إثر شروع دنك سياو بينغ فى إدانة ماو و الثورة الثقافية. فى روايتى ، تحدثت عن ذلك . كان الأمر متداخلا إذ أنّ كلّ إنسان كان يتحدّث عن كيف أنهم كانوا ضحايا الثورة الثقافية و الحزب الشيوعي الصيني لكنّى لم أستطع أن أجد أي أمثلة فى حياتي لأحدّد نفسى كضحية أو جلاّد. لقد كانت فترة نوعا ما متداخلة. لم أعرف حتى كيف أدرك الوضع لأنّ فى الصين وقتها ، كان عديد المثقّفين يتحدّثون عن ذلك و ينتجون هذه الأنواع من "روايات الضحايا" .
ثمّ إن تجربتى فى الولايات المتحدة جعلتنى أرى بأكثر وضوح دلالة الثورة الصينية ،والتغييرات التى أحدثتها الثورة ذلك أنه صار لديّ أفق مقارنة سمح لى بمقارنة عقلية النساء هنا مع عقلية النساء عهد ماو، فى الحقبة الإشتراكية.
مثال من حياتى هنا ، لمّا كنت مع عائلة أمريكية ، حين جاءت صديقتى من الصين و تحدثت مع إبنتها. سألتها " ما العمل الذى تقوم به إبنتك؟" فأجابت بفخر و حماس كبيرين " آه ، هي قائدة مشجعات" بصوت حيوي. لم أكن أعرف معنى تلك المفردة و فكّرت فى أي نوع من القائدات هي؟ كنت مهتمة جدّا و عندما شرحت لى المفردة ، لم أصدم فحسب بل إنقبض قلبي. فكّرت : شيئ عجيب ، تشعرين بهذا القدر من الفخر لهذا النوع من السخافة؟ قلت فى نفسى إنّ هذه المراة لم تتصوّر أبدا إبنتها قائدة تشجّع الرجال.
لذا كانت أشياء صغيرة هي التى أدّت إلى الشعور بتضارب حاد بين تجربتى كإمرأة شابة نشأت فى الصين الحمراء ، الصين الإشتراكية ، و تجربة نساء عموما بصورة واسعة نشأن فى هذا المجتمع ، و ذهنيتهن ووجهات نظرهن حول ما يمكنهم فعله و نظرتهن لحياتهن – ثمّة إختلاف شديد.
مشروع حقيقة ما حصل: إنه موضوع قويّ يبرز فى عديد المذكرات فى الكتاب.
وانغ زهانغ : المسألة الجندرية محور كتاباتي حاليا. و أودّ أن أقول إنّ الحزب الشيوعي ،منذ تأسيسه، كانت له أجندا نسوية و جلب إلى صفوفه ناشطات نسويات ، حتى و إن لم تكن المساواة بين المرأة و الرجل ، فى تاريخ الحزب المديد ، فى الحرب، و فى نضالات حيوية أخرى، فى أولويات أجندا الحزب. لقد بيّن بحثي أن كافة السياسات المرتبطة بالنساء و بالمساواة الجندرية شجعت عليها ناشطات نسويات داخل الحزب الذى لم يكن أبدا جسما ذا وحدة صمّاء بل كان على الدوام يضمّ أناسا ذوى رؤى سياسية و مصالحا متباينة. و كلّ سياسة هي نتيجة مفاوضات و صراعات بين مختلف المصالح. بمعنى أنّ الناشطات النسويات الشيوعيات نجحن نجاحا جيدا فى الحثّ على سياسات تصبّ فى خانة المساواة الجندرية.
- مشروع حقيقة ما حصل: - ما هي بعض هذه السياسات؟
- وانغ زهانغ : - قوانين الزواج. لأن كافة هذه النساء عملن بجهد جهيد منذ اليوم الأول ، منذ 1949، على التشجيع على المساواة الجندرية ، باتت المساواة بين المرأة و الرجل الإيديولوجيا المهيمنة. ليس الآن ، و إنما فى تلك السنوات ، باتت مهيمنة عبر كافة أنواع الإنتاج الثقافي و الأدبي و السينمائي و فى الملصقات و فى كلّ مكان. فى كلّ مكان ، كسرت النساء القيود الجندرية فى كافة المجالات : سياقة الطائرات ، المليشيا ، سياقة القطارات ، و كلّ ضروب الأشياء المماثلة. كلّ ما كان ينظر إليه قبلا على أنه عمل و حرفة رجال ...جرى تشجيع النساء على كسر القيود و الإلتحاق بهذه المجالات التى كان يهيمن عليها الذكور.
جيلى من النساء اللاتى ولدن فى هذا النوع من الجوّ الثقافي و الثقافة السياسية و هكذا إعتبرنا المساواة الجندرية من تحصيل الحاصل. و طبعا ، ينسحب هذا على الفرص المتساوية فى التعليم و فى الشغل و الأجر المتساوي. هذه هي تجربتنا ، لا سيما خلال الثورة الثقافية. لقد تبنّى النظام الإشتراكي فكر المساواة الذى عمل لصالح النساء و كذلك سعى النظام الإقتصادي الإشتراكي إلى المساواة فى حصصهن من الموارد. و قد إستفادت النساء من هذا أيضا. وكانت عطلة الأمومة مضمونة إن كانت المرأة تعمل فى مؤسسات الدولة و لم يوجد فى الشغل و فى التعليم أي ميز جندري.
لكن عليّ أن أقول إنّ عديد هذه المكاسب كانت منحصرة غالبيتها فى نساء المدن. ففى المناطق الريفية وجدت سياسات إقتصادية مغايرة. و حتى أثناء فترة الكمونات فى المناطق الريفية ، كان من العسير جدّا بالنسبة للنساء كسب أجر متساوي لعمل متساوي لأنه فى المجتمع الريفي كانت مقاومة المساواة الجندرية جدّ قوية ، حتى و إن كانت النساء تقمن بنفس العمل فإنها كانت تحصلن على أجر أقلّ ، على خلاف ما يقع فى المدن.
إنه لأكثر صعوبة أن تشجّع المساواة فى الصين اليوم لأن الفروقات كافة حاليا الجندرية منها و الطبقية و الجهوية جميعها إلى إتّساع. بالطبع فى السابق و بصفة خاصة خلال الثورة الثقافية حين كان ماو يريد تقليص البون بين المدينة و الريف و بين العمال و الفلاحين ، تبنّى الحزب بعض السياسات ، مثل سياسة الأطباء ذوى الأقدام الحافية(2) و إرسال المعلمين و الأساتذة فى الريف ليحثّوا على التعليم و يبذلوا الجهد لتعليم الأجيال فى تلك السنوات.
- مشروع حقيقة ما حصل: - عادة ما نسمع أن المعاهد أغلقت خلال الثورة الثقافية و أن الكتب أحرقت و لحق الأذى بتعليم الجميع.
- وانغ زهانغ - نعم ، هذه أسطورة من الأساطير. أثناء الثورة الثقافية ، و فى السنتين الأولتين أغلقت المعاهد لكن هذا لم يكن يعنى أننا لم نكن نستطيع الدراسة . فى الواقع ، قرأنا الكثير لأنه جرى توزيع كتب المكتبات و كان الحرس الأحمر يأخذون الكتب من المكتبات و يوزّعونها.
كنّا نقرأ الكثير من الكتب. و بالفعل ، كان للعديد من الشباب إستعدادات كبيرة و توفّر لهم الوقت حيث لم يكن عليهم الإلتحاق بالمعاهد و هكذا طوّروا ملكاتهم. و الذين كانوا يرغبون فى تعلّم العزف على البيانو أو المهتمين بالرياضيات و الفيزياء قاموا بذلك ببساطة. لذا العديد من الناس لم يذهبوا إلى المعاهد لكنهم إنغمسوا فى تطوير ملكاتهم. و فعلا عديد الناس فعلوا ذلك. تسمعون فقط عن العنف الفظيع الذى تسبب فيه الحرس الأحمر و أن كلّ فرد من ذلك الجيل من الشباب كان من الحرس الأحمر .كلاّ! بالعودة إلى المعلومات الحسابية ، كان الحرس الأحمر مجموعة صغيرة من ذلك الجيل. أنا لم ألتحق أبدا بالحرس الأحمر. و العديد منّا لم يفعلوا. كنّا ندعى ب" إكسياو ياو باي". لم نكن نحبّ العنف و لا الصراعات ، فقط إنسحبنا و لم نشارك فى العنف و لم نقم بأي شيئ من تلك الأشياء. فقط كنا نعود إلى منازلنا لنقوم بكلّ ما نودّ القيام به.
إنّ نقدي لشريط "شمس الصباح" لكرمليتا هنتون، الذى أبلغته إياها، هو أنّ الجزء الأوّل من الفلم أعجبنى لكننى لم أستسغ الجزء الثاني لأنه ركّز على عنف الحرس الأحمر. فقبل كلّ شيئ ، لم يشارك كافة الحرس الأحمر فى العنف و ثانيا كان الحرس الأحمر نسبة مائوية صغيرة من جيلنا. لماذا لا تُروى قصص حياة الغالبية أبدا؟ وُجد الإكسياو ياو باي الذين إنسحبوا ليطوروا ملكاتهم فى تلك السنوات. و كانت إجابتها [ إجابة كرمليتا هنتون] أنه فلم وثائقي ،و نريد مقاطع مصوّرة و لم نحصل علي مقاطع تخص الإكسياو ياوباي. إذا كنت تقوم بشئ هام فإن الناس سيلتقطون لك صورا أما إذا كنت قابعا بالمنزل تطالع فإن ذلك غير مسلّي فلا أحد يودّ أن يلتقط لك صورة و أنت تقرأ. كانت تلك الصور تقدّم الحرس الأحمر وهم يكسرون شيئا أو يضربون شخصا . نعم ، قام العديد من الحرس الأحمر بذلك ، لكن أخشى أنّ الأمر لم يكن من أفعال الأغلبية.
- مشروع حقيقة ما حصل: - من بحثنا ، من الواضح جدّا أنّ الحرس الأحمر لعب دورا إيجابيا للغاية فى الثورة الثقافية. كانوا بمثابة محلحلى الوضع.رفعوا وعي الشعب بما يحدث فى المجتمع. لقد ألهمت روحهم النقدية و تحدّيهم للسلطة الرجعية العمال و الفلاحين و غيرهم ليرفعوا رؤوسهم و أصواتهم مناقشين قضايا المجتمع. و لم يكن العنف الذى جدّ إلاّ بفعل تشجيع قيادات أتباع الطريق الرأسمالي الذين وجهت إليهم أسهم النقد و كانوا يحاولون تشويه الحركة. كانت الثورة الثقافية تهدف إلى منع الإنقلاب على الثورة و كان هدفها تحويل المجتمع بصورة أعمق و تغيير تفكير الناس.
- وانغ زهانغ - المسألة هي أنّ فى وقت ما بالنسبة لجيلنا ، هناك هدف. كنّا نعلم أنّنا نتطلّع إلى أن نكون بشرا من نوع آخر ، نوعا جديدا من البشر، و أن نصنع مجتمعا جديدا لذا ثمّة أفقا وغاية و هؤلاء الناس المختلفين لم يكونوا يبحثون ببساطة عن تكديس الممتلكات المادية و المنازل و السيارات و المواد الإستهلاكية.
كنّا نرغب فى المساهمة فى الصالح العام و كنّا منشغلين بالبشرية ككلّ ، بالمجتمع بأسره، و ليس فقط بالصين بل بالعالم برمته، وبكيفية التمكّن من تحويل العالم قاطبة إلى عالم يعمّه السلم و السعادة دون إستغلال و إضطهاد. بمعنى ما يمكننا أن نقول إنّه حلم طوباوي نشأ منذ زمن بعيد و سحيق فى البعد. سواء كان طوباويا أم لا ، كنّا نحلم بأن يكون العالم أفضل مما هو عليه اليوم.
لن أصفح أبدا عن أي عنف. مع ذلك تتضمّن الثورة لبلوغ مجتمع مساواة بعض الإجراءات الصارمة للغاية مثل الإصلاح الزراعي لمصادرة أراضي الملاك العقاريين ولإعادة توزيعها على الناس الذين لا يملكون أرضا. لذا إذا توجهتم لسؤال ملاك عقاري فإن أبناءه سيقولون لك بأن أرض الملاك العقاريين صودرت و الملاك العقاريين أعدموا و إذا سمعتم هذه الرواية بالطبع ستلمسون أنهم يطفحون حقدا. لكن لو توجهتم بالسؤال إلى طبقة الفلاحين الذين لا يملكون أرضا و حصلوا على أرض بفضل الشيوعيين ستستمعون إلى رواية مغايرة تماما. و من هنا أهمّية الحصول على صورة أتمّ عن ما حصل. فعلاقة الفلاحين الفقراء بالثورة الشيوعية مغايرة كليا. إلاّ أنّ هؤلاء الفلاحين الفقراء لا يستطيعون كتابة مذكراتهم باللغة الأنجليزية. و عليه لم تسمعوا بتاتا إلى فلاّح يتحدّث. و حتى أبناء هؤلاء الفلاحين، الذين بإمكانهم الكتابة باللغة الأنجليزية ، لا تُشجّع كتاباتهم البتّة فى هذه البلاد لأن الذين يسيطرون على سوق النشر لن يشجعوا على هذا الجنس من الروايات.
يجب أن تعمّ المساواة و العدالة العالم. كنّا نرنو إلى تحسين أنفسنا ذاتيا كي نستطيع بناء ذلك النوع من العالم. لا أرى أي خطإ بشأن هذا الحلم. و لا أزال على رأيى هذا ، حتى و إن قال البعض إنه طفولي. لكن أعتقد أن الإنسانية فى حاجة إلى شيئ أجمل فى عقولنا و إلاّ سنتحوّل جميعا إلى حيوانات بشعة. ما الفائدة من العيش فى هذا العالم الذى فيه يحكم قانون الغاب ، عالم بشع؟ ما الفائدة؟ بينما هناك غناء مادي كبير يتمّ تحطيم الكوكب؟ ما الفائد؟ بوسعنا أن نحيا بطريقة مغايرة ، لهذا الأحلام هامة.
- مشروع حقيقة ما حصل: - إنها مسألة هاّمة أنه لا ينبغى أن يكون العالم كما هو الآن و خلال حقبة الثورة الإشتراكية فى الصين ، أخذت هذه التغييرات فى الحصول لأنه لم يكن مجرّد حلم طوباوي. و أودّ أن تحدثنا عن حركة الشباب من المدن مثلك الذين أرسلوا إلى الريف وهي مسألة تتعرّض للهجوم.
- وانغ زهانغ : - أجل ، أجل ، ثمّة نقاشات عدّة عن دوافع ماو و الحزب فى القيام بذلك. حتى اليوم ، لا أعتقد أنّه من الخطإ مطالبة الشباب المتعلّم بالمساهمة فى النهوض بالمناطق الفقيرة حتى و إن أمكن عدم اللجوء إلى مثل ذلك الضرب من الإجراءات الصارمة. و مع ذلك لا أزال أعتقد أنّه من الضروري للمتعلّمين أن ينتقلوا إلى المناطق الفقيرة ليساهموا بمعارفهم فى تطوير تلك المناطق.
و رغم أنه تمّ إرسالي إلى الريف ، لم أذرف يوما دمعة على تلك السنوات التى قضيتها فى المزارع. إذا قرأتم كلّ تلك المذكّرات المتحدّثة عن مدى فظاعة "إرسال البنات" إلى الريف مثلما هو الحال فى " ويلد سوام/ سباحة ماهرة"مثلا حيث تروى جونغ تشانغ تجربة" إرسالها إلى الريف"، تجربتها فى الريف... لقد شعُرت أنها مظلومة للغاية .و لأنها كانت من عائلة موظّف سام من كوادر الحزب الشيوعي ، كيف يمكن إرسالها للعمل فى مزرعة كفلاحة ؟ ببساطة لا تستطيع العمل كفلاحة. إنّه لأمر فظيع! حين قرأت ذلك الجزء ، شعرت بالإمتعاض من فهمها للألقاب و للنخبة، كيف يمكنها أن تقوم بذلك النوع من العمل؟ لذا عندما ذهب أولياؤها من الأبواب الخلفية ليعيدوها من الريف ، عندها شعرت بالسعادة. و حتى زمن كتابتها ، لم تصوّر ذلك على أنّه إمتياز.
لماذا ليس بوسعها أن تعمل كفلاحة بينما 90 بالمائة من الصينيين فلاحين حينئذ؟ على أي أساس لا تستطيع العمل كفلاحة؟ هل لها تاج على رأسها؟ أنا لا أراه. إذا قرأتم كلّ تلك الإدانات فإنها حافلة بالشكاوى، قائلة إنهم أناس من المدن ، إنهم متعلّمون و أباؤهم أساتذة أو موظفون سامون و لديهم كلّ هذه المواهب و الآن عليهم العمل بالفلاحة. ما الخطأ فى ذلك؟ يمكن أن يساهموا بقدراتهم فى مساعدة الفلاحين و فى النهوض بالمجتمع الريفي. إلى الآن لا أرى خطأ فى ذلك.
- مشروع حقيقة ما حصل: - "مشروع حقيقة ما حصل "هو كذلك يعمل على تناول التشويهات و الأكاذيب بالبحث لإبراز حقيقة تاريخ الإشتراكية . و نظرا لإهتمامك الخاص بهذا التاريخ ، كيف ترين توسيع مجال عملنا؟
- وانغ زهانغ - أجل ، يشجعهم النظام بأسره و نحن نفتقد إلى ذلك. أجل، كيف نضخّم من طاقة صوتنا فى هذا الإطار. لقد سعينا إلى رفع أصواتنا لنجعلها مسموعة لكن عادة ما يغطّى علينا السوق أو يقمعنا. هذه قضية كبرى لأننا نعيش ضمن سوق إقتصادي رأسمالي.
لعلّ من المهمّ بالنسبة للأكاديميين عدم الإنحصار فى الأوساط الأكاديمية. فى المدّة الأخيرة عدت من ندوة حول الصين .
و يرى عديد الأكاديميين أن كتاب جونغ تشنغ الجديد ( "ماو : الحكاية المجهولة " ) و روايته عن ماو لا يحفل بهما. إن هؤلاء الأكاديميين يبحثون فعلا و يدرسون التاريخ و الوثائق و يعلمون أنّ هذا الكتاب لا يمكن أن يصمد فى وجه المعايير الأكاديمية. و أعتقد أنّ الأكاديميين فى مجال الصين ، جميع زملائي، على حدّ علمي ، كانوا يحاولون إعلام طلبتهم. لكن تعرفون أن فى هذه البلاد الكثير من الطلبة لا يهتمون بشيئ آخر سوى أمريكا. لذلك لا يحضر أقسامنا عددا كبيرا منهم. هذه هي القضية الكبرى ، المشكل الكبيرهنا . كيف يمكن أن تجعل عملك فى متناول جمهور واسع و توزعه فى أوساطهم؟ إنها مسألة من يمكنه أن يروّج لك. إذا هذه هي القضايا السياسية فى هذه البلاد ، لأن السائد من مصلحته أن يجعل من الإشتراكية شيطانا.
و دعونى أقول كم من المال تستثمره حكومة الولايات المتحدة فى الحرب فى العراق ؟ أكثر من 70 بليون دولار الآن ، اليس كذلك؟ حسنا ، فى هذا النظام يمكنك أن تستثمر أموالا طائلة فى قتل أناس لهم دين آخر ، عوض توفير تعليم مجاني ، تعليم فى معاهد ،لجعل المواطنين مواطنين متعلمين. هل هذا النظام أفضل من الصين حين كانت إشتراكية عندما كان عديد الناس يتعلمون مجانا؟ هل ثمّة جهود فى هذه البلاد لتوفيررعاية صحية مجانية،و تعليم مجاني عوض رصد الأموال الطائلة لقتل الأبرياء؟ هذا هو الشرّ عينه. إذا كنتم تتحدثون عن شرّ فهذا هو الشرّ عينه .
لئن هُزمت الثورة الشيوعية الصينية لعدّة أخطاء او عدّة قوى فنحتاج إلى البحث عن طرق جديدة و مهما كانت أخطاء الحزب الشيوعي الصيني فإنها لا تثبت تفوّق الرأسمالية.
لقاء صحفي مع باي دي
-2 - نشأة فى الصين الثورية.
نشأت باي دي فى المجتمع الصيني ( قبل إعادة تركيز الرأسمالية إثر وفاة ماو فى 1976) و شاركت فى الثورة الثقافية (1966-1976). وهي مساهمة فى تأليف كتاب " البعض منّا: نساء صينيات نشأن فى عهد ماو" وهي مديرة "دراسات صينية و آسيوية " فى جامعة درو.
هذا اللقاء الصحفي أجرته لي أونستو مراسلة "الثورة" فى فيفري 2009.
---------------
لى : قال لى شاب إستمع إليك تتحدّثين عن تجاربك و قد نشأت فى الصين الإشتراكية إنّه لم يكن قبل ذلك لديه أدنى فكرة عن صورة الصين خلال الثورة الثقافية ، بما فى ذلك صورة المرأة حينذاك.
باي : زمن جيلنا ، كانت غالبية النساء تأمل أن تحقّق أشياء عظيمة. لمّا كنّا شبابا ، لمّا كنّا مراهقين و مراهقات ، كانت لدينا مثُلُُ عليا ثورية. كنّا نعمل من أجل بعض الأهداف و نشعر بأنّ حياتنا مليئة بالمعاني ، ليس بالنسبة لنا فقط بل بالنسبة لكافة أهداف المجتمع الواسعة. هذا ما كنّا نناقشه حينذاك. كنّا مثاليين بشأن العالم الذى كنّا نتصوّره. كان عمرنا 15 سنة تقريبا عندما إلتحقنا بالريف ، حوالي 1972. ساعتئذ أتممت الدراسة فى معهد عالي أعيد فتحه بعد حوالي سنة من إغلاقه سنة 1966. و قضينا معظم الوقت فى دراسة مؤلفات الرئيس ماو و بعض الرياضيات و الكيمياء و الفيزياء. و فى ما بعد حفرنا أنفاقا فى ساحة المعهد بسبب التهديد السوفياتي بالحرب. سعينا إلى حماية بلادنا.
فى قسمنا وُجد أكثر من ألف طالب و أربعة منا ، كلّنا نساء ، تجمعنا و قرّرنا أن نكتب ملحمة تروى تاريخ الحرس الأحمر. أتذكّر أن طموحنا كان كبيرا. و قد حاول شابان أن يلتحقا بنا فأجرينا معهما لقاءا و طرحنا عليهما أسئلة و أذكر أن كلّ منهما قدّم شيئا من الشعر كتبه و نظرنا لهما نحن الأربعة و قرّرنا أن لا نضمّهم إلى مجموعة الكتابة لأنهما لم يكونا جيدين بما فيه الكفاية .فقط ضحكنا من كتاباتهما لأنهما لم يبلغا مستوانا و نبذناهما كليا. أربعتنا كنّا نعتقد أنّنا الأفضل. و كنّا نريد أن نسجّل ما نقوم به فى محاولة تربية أناس آخرين بتعاليم الرئيس ماو. و نظّمنا أوّل "فرقة دعاية لفكر الرئيس ماو" فى المعهد.
لى : حين يسمع غالبية الناس مصطلح "فرقة دعاية" لا يعرفون معناها و/أو ينظرون إليه كشيئ سيئ كما لو انّه ببساطة يقال للناس ما الذى يجب التفكير فيه و أنّها ضد الفكر النقدي.
باي: فرق دعاية ماو تسى تونغ فى بداية الثورة الثقافية نظمها الحرس الأحمر الثوري لكي يستطيع المتعلمون و الطلبة ، مسلّحين بأغان و أشعار ، التوجه إلى الأحياء فى المدن و بعد ذلك فى الريف لينشروا المعارف بين الناس الأقلّ تعلّما. كانوا يحاولون تعليم ما يسمّى ب"الناس الأقلّ تعلّما" توجهات الحزب و أفكار ماو. علّمت فرقة دعايتنا الناس الأغاني الثورية و قرأت لهم الصحف لمتابعة الأحداث. و نظّمنا طلبة معهدنا للذهاب لتنظيف الأحياء و بعد ذلك أقمنا حفلات الرقص و الغناء و دعونا الناس لتنظيف الأحياء لأنّ النظافة مهمّة جدّا. كنّا نشعر أنّ ذلك جزء من بناء مجتمع أكبر.
لى : كيف كنتم ترون ذلك فى علاقة بمُثُله العليا ؟
باي : الفكرة كانت أنّه يمكننا إحداث تغيير ، أنّه هناك كلّ هذه الفرص. كنّا نتوجه إلى تغيير العالم، كنّا نغيّر الصين. كانت تلك مهمّة جيلي لأننا كنّا نعيش فى حقبة خاصة: الستينات و السبعينات. و دعونا تلك الحقبة فجر الشيوعية.هذه هي المسألة. كنّا نعمل على بناء هذا المجتمع الكبير و كنّا نشعر بأنّ كلّ إمرء فى المجتمع يجب أن يحصل على تعليم. و بما أننا طلبة و بإمكاننا القراءة و الكتابة إستعملنا ذلك لمحاولة إلهام الناس ، لتعليمهم الغناء و أقساما من مؤلفات ماو. هذا ما كانت تقوم به فرق الدعاية. عند ترجمة هذا المصطلح إلى الأنجليزية يفقد شيئا من معناه. فى الصينية اليوم لا يزال هذا المصطلح يشير إلى ما يعتبر شيئا جدُ إيجابي. مصطلح فرقة الدعاية ليس شيئا سيئا ،إنه يفيد جعل إنسان يعرف ما يحتاج إلى معرفته، أفكار اللجنة المركزية ،و أفعالها . خلال الثورة الثقافية كان كلّ إنسان يحتاج إلى معرفة ذلك إذ كانت الصين بلدا ممتدّ الأطراف ، و تنظيم الحكومة على كلّ مستوى كان يشمل قسما للدعاية وهو أمر واجب فى كلّ مستوى . ذلك أن الأمية كانت منتشرة و لم تكن تعاليم الرئيس ماو جميعها سهلة جدا وهي قابلة للتأويل، إذا غيّرت سطرا واحدا يتغيّرالمعنى. لم يكن علينا تعليم الكلمات و حسب و إنما أيضا شرحها.
لنأخذ مثلا ما يسمّى "القراءة المستمرّة للمقالات الثلاث" لماو و نقصد " لنخدم الشعب" ، " الشيخ الجاهل أزاح الجبلين"
و" فى ذكرى نورمان بيثيون".أنظروا القصة القديمة للشيخ الجاهل لماذا علينا الحديث بشأنها ؟ إنها قصّة شيخ صيني معلومة من الجميع. هي قصّة شيخ دعا أبناءه لإزالة جبلين كبيرين كانا يسدّان الطريق أمامهم. فضحك آخرون منه قائلين إنّه من المستحيل أن يزيلوا الجبلين الكبيرين. لكن الشيخ الجاهل ردّ عليهم " حين أموت سيواصل أطفالي المهمّة ،و حين يموتون يواصل أحفادي ثم أطفالهم وأحفادهم و هكذا إلى النهاية ". فأثّر هذا الإصرار فى الإلاه الذى بعث بملكين إثنين رفعا الجبلين على ظهريهما. لكن الرئيس ماو غيّر القصّة و قال إنه العمل الشاق للشعب هو الذى أزاح الجبلين. وقال الآن ، نحن الشيوعيون ،الحزب مثل الشيخ الجاهل ، سنسعى لإزاحة هذه الجبال الثلاث – الإمبريالية و الإقطاعية و الرأسيمالية البيروقراطية- لكن لا يمكننا القيام بذلك لوحدنا. لذا علينا أن نأثّر فى الشعب الصيني ، إنه هو الإلاه. فقط الشعب بوسعه إزالة هذه الجبال الثلاث التى تضطهده. و يجب أن نثق فى الشعب. هل فهمتم هذا؟ علينا أن نزيحها ، يجب أن نفهم ما نحن بصدده . يجب أن تشرحوا ذلك للشعب و لماذا يعدّ هذا هاما جدّا. ينبغى الإستمرار بالعمل و تعريف الشعب بما نفعل. ينبغى أن نربّي الشعب سياسيا ،هذه هي مهمّتنا.
عندما أسترجع ذكرياتي ، هذه هي مهمتنا الشاملة . لقد كنّا محظوظين لكوننا إستطعنا الكتابة و فهم الأشياء و آخرون لم يفهموا ذلك، لم يدركوا العلاقة القائمة. إذن هذا ما كنّا نقوم به. و حين أفكّر فى ذلك أتذكّر مدى الثقة التى كنّا نتمتّع بها.
لى : ما هي إنعكاسات الثورة الثقافية على مكانة النساء فى المجتمع؟
باي : مثال ذلك سبق و أن تحدّثت عنه. غيّرت النساء الشابات أسماءهن. فى بداية الثورة الثقافية فى 1966 ،كان الرئيس ماو يحيى الحرس الأحمر فى مسيرات هائلة بساحة تيان آن مان ، لثماني مرّات على ما أذكر.و فى إحدى تلك المسيرات ، تقدّمت شابة فى ساحة تيان آن مان ووضعت شارة الحرس الأحمر بزند ماو. فسألها عن إسمها. أجابت ، سونغ بنبن. فردّ ماو هذا إسم كنفشيوسي للغاية ، بنبن يعنى الحذروالتواضع و أضاف لماذا نكون حذرين ، لماذا نكون متواضعين؟ يجب أن تكونى أيوو، يجب أن تحبّى النضالية فى النساء ومن ثمّة غيّرت إسمها من بنبن إلى أيوو الذى يعنى حبّ النضال و القتال و بعد ذلك إنطلق تيّار فى المجتمع حيث غيّرت من أسماءها الفتيات التى أسماؤها أنثوية مثل وردة و زمرّدة أو ما شابه.
حسب الثقافة الصينية لإسمك معنى . و لإسمى أنا دلالة وهو يعنى شجرة الأرز. إنّه قبل كلّ شيئ لقب كبير. كنت المولودة الأولى و أبوايا كانا جدّ تقدّميين حينها ، فى الخمسينات. و أخذا يبحثان فى المنجد للحصول على إسم. أبى كان قد نشأ فى النظام الشيوعي و كان ضمن الدفعات الأولى لمعهد اللغات الأجنبية التى كان يديرها الحزب الشيوعي فى 1946، عندما تحوّل القسم الروسي لذلك المعهد ، تحوّلت يانان إلى هربين. كان فى قسم مع أبناء عديد الشيوعيين الشهيرين بما فى ذلك الإبن الثاني للرئيس ماو. هو وأمّى كانا ثوريين للغاية. لذا توجّها إلى المنجد ووجدا "دي" و مفاده لوح، و مع أنه غير رنّان إلاّ أنه سهل البقاء على قيد الحياة و يبدو أننى عشت مع الإسم. عندما حاولت الشابات تغيير أسمائهن من أسماء أنثوية إلى أسماء ثورية، لم يكن عليّ تغيير إسمى لأنه بعدُ كان يعنى الإستقلالية. سعت البنات لتغيير أسماءهن إذا لم تكن أسماءا ثورية أو كانت أنثوية للغاية. كانت تغيّرها إلى أسماء قتالية و قوية مثل أسماء الرجال. وعقب إعادة تركيز الرأسمالية، حدثت الحركة العكسية و لى على ذلك مثلين إثنين.الأول مثال إحدى صديقاتي حيث قبل الثورة الثقافية ، كان إسمها جدّ أنثوي لذا غيّرته إلى ونج و معناه حرفيا "ثورة ثقافية". لكن فى المدّة الأخيرة سمعت أنّها تراجعت عن ذلك و لى صديقة أخرى هي ناشرة فى وكالة نشر بيكين و إسمها هو "حمراء" و غيّرته إلى "زهيرة".
لى : لقد كتبت كثيرا عن دور النساء فى الصين الثورية. هل يمكنك أن تقارنى مكانة النساء قبل 1949 و بعدها إلى الثورة الثقافية، ثمّ خلال الثورة الثقافية و كيف هو الحال الآن بالنسبة للنساء فى ظلّ الرأسمالية؟
باي : أريد دائما أن أنظر إلى الإختلافات ضمن الأجيال الثلاث من النساء فى عائلتى كمؤشّر على كيف أنّ الصين تغيّرت فى ظلّ الحزب الشيوعي. جدّتاي كلتاهما ولدت فى منعرج القرن العشرين و كلتاهما تزوجتا مبكّرا ،واحدة فى عمر 14 سنة و الأخرى 15 سنة. كانت لهما أرجل مربوطة و كلّ منهما ولدت 14 طفلا. و وجدتا نفسيهما فى زواج مرتّب. و كانتا أمّيتين. و لم تفعلا شيئا طوال حياتهما عدا الولادة و العناية بالأطفال و قد شاهدتا وفاة بعض المولودين الجدد دون القدرة على القيام بأي شيئ. أمّا حياة أمّى فكانت مغايرة جدّا. لقد ولدت فى الثلاثينات و فى 1949 لحظة تأسيس جمهورية الصين الشعبية ، كانت فى معهد ثانوي فى بداية الخمسينات و ذهبت للمعهد لدراسة الروسية ، حالمة بان تصبح دبلوماسية. كلا والداي مثّلا أوّل جيل من المتعلمين بالمعهد فى كلا عائلتيهما. كانت امّى مترجمة و باحثة فى الأدب الروسي قبل تقاعدها. ثمّ أفكّر فى جيلي .أنا أستاذة جامعية بدرجة دكتوراه كنت أسافر عبر العالم أدرّس و أكتب. بالمقارنة مع جدتاي و أمّى ، أنا أكثر طموحا و أكثر مثالية و ثقة. أنا ممنونة جدّا لكوني نشأت فى لحظة خاصة للغاية من تاريخ الصين. كانت الإيديولوجيا المهيمنة تقول إنّ النساء نصف السماء و ما يقدر الرجال على فعله بإمكان النساء القيام به. هذه الشعارات يمكن أن تبدو الآن فارغة ، لكنى عشت فى تلك الحقبة واثقة فعلا من نفسي و من قدرتى على إحداث تغيير فى حياتي ذاتها و فى حياة أناس آخرين.و ثمّ أفكّر فى الجيل الرابع من العائلة. ليست لدي بنت وعليه سأستعمل إبنة أختى كمثال. سنّها اليوم حوالي 26 سنة، حصلت على شهادة جامعية ولها وظيفة عالية الأجر جدّا فى الصين. يبدو أنّ كلّ ما يعنيها هو علامات أسماء حقائب و ثياب. تحبّذ الحديث عن من يملك مالا ، و من لا يملك حقائبا ذات أسماء وعلامات ،ما هو نوع الزوج هناك.و ببساطة أنظر إليها الآن و أرى أنّ هناك جيل آخر بالضبط اليوم ،إنه جيل " ما بعد الثمانينات " فى الصين ، جيل يضع معظم طاقاته فى الثقافة الإستهلاكية. لمّا كنت شابة ، كان المثل الأعلى الإجتماعي هو تقديم شيئ جيّد للناس الآخرين، و العمل على تغيير العالم إلى نظام أفضل. كنّا نتطلّع إلى التضحية. و جميعنا آمنّا بالتوزيع العادل للثروة الإجتماعية. لكن حاليا بالنسبة للشباب الذين ينشأون فى الصين ، المثل الأعلى هو ذاتي ، ذاتى ثمّ ذاتي و لا شيئ غير ذلك. و الثقافة بأسرها تردّد ذلك. و الشيئ نفسه يمكن قوله بالنسبة لدور المرأة الذى تراه راسخ فى الأساسفى كونه يجب أن تكون المرأة جيدة و حاليا الثقافة الشعبية الصينية مليئة بهذا النوع من النقاش. ففى القناة التلفزية الصينية الرسمية ، فى برامج النساء ، كلّ من المقدّمين و الضيوف يركّزون على نوع الرجل الذى معه تكون النساء سعيدة و كيف بإمكان المرأة أن تكون أكثر أنثوية و جذّابة أكثر. يقع إستدعاء النساء الشهيرات من كافة مجالات المجتمع للحديث فى هذا الموضوع . هل يمكنكم تصوّر برنامج فيه يتحدّث الرجال الشهيرين عن كيفية أن يكونوا رجالا جيدين؟ لا يسألون أبدا الرجال مثل هذا السؤال.
لى : من الأشياء التى حصلت خلال الثورة الثقافية دحض التفكير الكنفشيوسي و كيف أنّه تفكير إضطهادي ، خصوصا بالنسبة للنساء ،و كذلك التفكير الإقطاعي و البطرياركي. هل بإمكانك أن تحدثينا عن هذا و أن تقارنيه بالوضع فى الصين اليوم؟
باي : هذا النوع من النقد للإقطاعية يعود إلى حركة الرابع من ماي فى بداية القرن العشرين. لكن الإصلاح القانوني الفعلي بدأ فى الثلاثينات فى مناطق السوفياتات الحمراء التى سيطر عليها الحزب الشيوعي الصيني . و إثر تأسيس جمهورية الصين الشعبية ، أوّل قانون أصدرته الحكومة الجديدة لم يكن الدستور ، فالدستور صدر فى 1954. و أوّل قانون أصدرته الحكومة الشيوعية فى 1950 هو قانون الزواج و لأوّل مرّة ألغي نظام التسرّي و ألغي الزواج المرتّب مصرّحا أن الرجال و النساء يجب أن يكونا شريكين فى الزواج و أنّ النساء ينبغى أن تتمتّع بالمساواة فى الإرث و حقوق الطلاق ، وألغي تعدّد الزوجات و تزويج الأطفال و كذلك مفهوم الأطفال "غير الشرعيين" فمثّل ذلك لحظة عظيمة فى التاريخ. فكّروا فى كيف أن الحكومة رأت دور القضايا الجندرية فى تغيير أفكار الشعب و حياته.
من أجل بناء عالم جديد ، يجب تحرير النساء. مثلما قال ماركس ، لأجل تحقيق الحرّية ، يجب تحرير الجميع. و إذا لم يقع تحرير النساء لا يمكننا قول إنّ الأمة تحرّرت. و هذا يبيّن تقدّمية الحزب الشيوعي الصيني. و هكذا صدر قانون الزواج و القانون الثاني الذى صدر بعد شهرهو قانون الإصلاح الزراعي. وبالتالى يمكن أن نرى فى الأساس أن فى الخمسينات ، السنة الموالية لتأسيس جمهورية الصين الشعبية ، صدر قانونان أساسيان تكريسا لأجندا الحكومة الجديدة. أولا ، تغيير البناء الفوقي لأن العائلات كانت مبنية وفق الهيكلة الكنفشيوسية. كان ذلك متجذّرا فى الثقافة الصينية و وجب تغييره بما رمز إلى تغيير فى الثقافة.
ثانيا ، جاء التغيير فى البنية التحتية الإقتصادية ، تغيير يهمّ الفلاحين الفقراء و إمتلاكهم للأرض. لا يجب أن يحدث تغيير فى الهيكلة الإقتصادية و حسب بل فى البنية الفوقية أيضا بما فى ذلك أفكار الناس. والقانون جزء من البنية الفوقية. هذه هي فكرة ماو العظيمة ، تغيير كلّ من البنية التحتية والبنية الفوقية و ليس الإقتصاد وحسب. و من جهة أخرى ، قال الذين يريدون إعادة تركيز الرأسمالية ، مثل دنك سياو بينغ ، إنه إذا غيّرتم الإقتصاد فقط ، فإن كلّ شيئ آخر سيتغيّر. لكن فى البداية رأى الحزب الشيوعي الصيني أنّه عليكم أن تقضوا على الإشياء القديمة الإضطهادية . هناك جدلية ، يمكنكم رؤية ذلك فى كلّ شيئ كمسألة قانون الزواج. ووجدت مقاومة كبيرة طوال المسيرة إذ أن الأمر ليس كأن تصدر قانونا و ببساطة تاليا كلّ الناس سيتبعونه : ظلت هناك قضايا نساء بعد 17 سنة من 1949 من بداية الحكومة الإشتراكية الجديدة إلى بداية الثورة الثقافية فى 1966.
عند تأسيس الصين الجديدة فى1949 ، واجهت الحكومة الجديدة عددا كبيرا من التحدّيات : مشاكل البغاء و التسرّي و المخدرات . و بصورة معجزة ، فى غضون سنتين أو ثلاث سنوات جرت إعادة تأهيل كافة العاملات فى البغاء و جرت معالجة كافة المدمنين على المخدّرات. حدّثنى جدّى عن ساحة هربين حيث كان يوجد حيّ للبغاء ثم صار مكان إقامة عاديّ.و لسوء الحظّ اليوم عادت تلك المنطقة ل "عاداتها" القديمة.
لى : تغيّرت عديد الأشياء فى السنوات 17 الأولى ، لكن ما الذى جعل من الضروري المضيّ قدما؟ ما هي المشاكل التى حاولت الثورة الثقافية معالجتها ، بما فى ذلك قضية المرأة؟
باي : هناك مجموعة النخبة الجديدة التى ظهرت فى صفوف الحزب و الدولة. وقعت تسميتهم بأتباع الطريق الرأسمالي خلال الثورة الثقافية و قد إستهدفتهم الثورة. بيد أننى أعتقد أن " أتباع الطريق الرأسمالي " سوء تسمية يمكن أن يؤدى إلى مغالطة . إنهم أناس كانوا يسعون إلى العودة إلى الهيكلة القديمة للمجتمع. و كذلك هناك الفكرة الإجتماعية التى كانت تبرز
و القائلة بأنّ الناس المتعلمين يجب أن يظلّوا فى المدن ثمّ صاروا ينظرون نظرة دونية إلى أوليائهم فى الريف. كان هذا من الأعراض المرضية فى 17 سنة التى حاولت الثورة الثقافية التخلّص منها.
قال الفلاحون لأبنائهم الذين كانوا محظوظين كفاية ليذهبوا إلى الكليات فى المدن مابات قولا مأثورا و مفاده انّ فى السنة الأولى يصيرون جفات ريف، و السنة الثانية يندمجون مع أناس آخرين ،و السنة الثالثة ، يهجرون آباءهم فى الريف. وهذا تغيير لدى أبناء الفلاحين المرسلين للمدن. و كان هذا المثال يستعمل للتعبير عن المشاكل الأشمل و القضايا الإجتماعية الأوسع. و الحزب الشيوعي أيضا أتى من قاعدة فلاحين و كان يمثّل مصالح الفلاحين. وإذن أرسله الشعب ليحكم البلاد . ذهبوا إلى بيكين أليس كذلك؟ فى البداية كانوا جيّدين و حافظوا على لونهم الأساسي و قيمهم و مهمّتهم. لكن بعد فترة ، الفترة الثانية ، إندمجوا مع بقية الناس و حاولوا الإنصهار و نسوا سبب وجودهم هناك قبل كلّ شيئ.
لى : تقولون إنّ هذا بمثابة تشبيه للذين من المفترض أن يخدموا الشعب لكنهم إنتهوا بعد ذلك إلى شيئ آخر. و سبب شروع ماو و آخرين فى تسميتهم أتباع الطريق الرأسمالي هو كونه ثمّة طريقان بإمكان الصين السير فيهما، واحد هو طريق إشتراكي والآخر هو طريق رأسمالي و لهذا جرت تسميتهم ب" أتباع الطريق الرأسمالي".
باي: لكنّنى لا أعتقد أنّ هؤلاء الناس كانوا يريدون العودة إلى الرأسمالية ، إنهم كانوا يحاولون العودة بالناس إلى الوراء ، إلى التقاليد القديمة [الإقطاعية] و كانوا يحاولون إعادة تركيز الإقطاعية. فى السابق لم تكن الصين فعلا رأسمالية. لكن دنك سياو بينغ كان فعلا من أتباع الطريق الرأسمالي و أراد أن يضاهي النظام الرأسمالي . و كان ليوتشاوتشي يحاول هو الآخر أن يضاهي النظام الرأسمالي.
لي : ماذا عن دور نماذج الأوبيرا و دورالنساء وأهمّية البنية الفوقية – فللبنية الفوقية الكنفشيوسية صورة معيّنة عن النساء - مومياء و جميلات إلخ على الركح.
باي: لقد ألقت تشانغ تشنغ خطابا فى 1965 و قالت إنه علينا أن نصلح من شأن الأوبيرا والأدب، وهو ما اشّر إلى البداية الرسمية للثورة الثقافية .
لي : لماذا يعتبر ثوريا للغاية ما قاموا به من نماذج الأوبيرا؟
باي : حول هذا الموضوع يتمحور بحثى. أشعرأنّه قبل الثورة الثقافية ، حتى مع أن الحزب الشيوعي الصيني كان قويا جدّا من الناحية السياسية إلاّ أنه ثقافيا ظلّ يكرّس نوعا من الأفكار المحافظة. قانون الزواج صدر و مثّل لحظة عظيمة فى تاريخ الصين ، شيئ تقدّمي للغاية. إلاّ أنه ثقافيا ، فى نفس الوقت كان ينطوي على شيئ تقليدي جدّا. لماذا قانون الزواج؟ إنه لا يزال يعتبر أن النساء تحتاج إلى أن تكون متزوجة. هذه حجّتى. ما قامت به تشانغ تشنغ كان أكثر راديكالية من ذلك. أنا بصدد كتابة وثيقة حول هذا سأقدّمها هذه الصائفة بصدد أوبيرا وأدب الثورة الثقافية. ما أودّ قوله هو أنّه بالمقارنة مع الأعمال القديمة، تغيّرت الأدوار الجندرية فى نماذج الأوبيرا والباليه.
ينبغى تسليط الضوء على نماذج المسرح ،هكذا ينبغى أن تكون الثورة. لا نستطيع تصويرالثورة الثقافية على أنها غاية الكمال لكنها واجهت مشكلة أن هناك 600 مليون شخص لا زالوا يحملون إرثا قديما معهم. يجب أن يُوجد جيل ثاني و ثالث إذ يظلّ ثمّة إرث يحمله الناس معهم. حاليا من الصعب جدّا الحديث عن هذا فالذين يدرسون الثورة الثقافية يقولون إنّ نماذج الأوبيرا قد أوجدت كلّ هذه الصور و الأنماط .نعم ثمّ ماذا؟ فكلّ عمل فنّي يوجد و يشجّع بعض الصور و الأنماط.
لي : وهي تستعمل لتشجيع أفكار معيّنة...
باي : بالضبط . ما الخطأ فى ذلك مقارنة بتشجيع أنواع من المثل العليا؟ إذا نظرتم إلى "سوام لايك" فهي نظرة معيّنة لجمال المرأة. ثمّ ماذا فى " فيلق النساء الأحمر" حيث يجرى إستعمال ذات الشكل من الباليه لكن تقدّم صورة مغايرة عن النساء. هناك هذه المقارنة . لقد إستغلت تشانغ تشنغ أوبيرا بيكين التى هي مجرّدة جدّا ،جدّا لتحميلها رسالة خاصة ، صورة خاصة. يقول الناس هذه النساء ليست حقيقية ، ليست لهنّ أسر. لكن هذه هي المسألة. إنّ المرأة المصوّرة ليست مثقلة الكاهل بالأسرة. لذا بهذا المعنى الثقافي ، كانت تشانغ تشنغ أكثر تقدّما. و إنظروا الآن إلى الأمور فى ظلّ الرأسمالية. إنّ العائلة مصدّعة كلّيا للنساء. و بمعنى الدور العام للنساء ، تحريرهن و دورهن الإجتماعي ، عليكم الخروج من العائلة. لا سيما فى الثقافة الصينية ، كلمة عائلة / أسرة كلمة محملة بالمعاني ، مفهوممحمّل بالمعاني ، لديك وفقه دور و إلتزام.
لي : إنه صحيح فى ثقافة الولايات المتحدة كذلك ، هناك علاقات لامتساوية و إلتزامات و هناك البطرياركية...
باي: بالضبط لا تستطيع النساء أبدا أن تكون متساوية فى هيكلة الأسرة. و هنا بالذات يكمن الفكر النسوي الراديكالي جدّا لتشانغ تشنغ. يمكن للنساء أن تكون ثوريات و يمكن أن تكون قائدات عظيمات فقط حين تتحرّر من الأمومة ،هذه هي صور نموذج المسرح فى الثورة الثقافية.
لي:هل تحدثيننا أكثر عن ما حققته الثورة الثقافية وما تعنيه النشأة فى مجتمع إشتراكي؟
باي: نشأت هناك و بالنسبة إليّ كان لى على الدوام هدف. هذا هو جوهر التعليم. و لم نكن لنخشى أي شيئ كنوع الأزمة المالية التى تعرفها الرأسمالية دوما على نحو دوري. لم يكن لدينا الكثير –بدلتان من الثياب – لكنّنا لم نشعر بتاتا بالحاجة إلى المزيد. لم تكن لدينا ذلك النوع من الرغبة الجنونية لإمتلاك كلّ شيئ، مثل الحاجة إلى التسوّق طول الوقت. أشعر أنّ الرأسمالية جيّدة جدّا فى خلق فراغ نفسي لدى الناس. إنهم يعلمونكم أن الطريقة الوحيدة لتشعروا بأنكم على ما يرام هي رغبتكم فى المزيد. إنها الثقافة الإستهلاكية. عندما نشأت لم أكن أقضى وقتا كبيرا أبدا فى الأشياء المادية. لذا كانت لدينا طاقة للقيام بأشياء أخرى لها أكبر الفوائد. لقد درسنا كافة ضروب المواضيع و كنّا نعتقد أن وجودنا كان جزءا هاما من المستقبل. نعم كنّا متوجهين نحو المستقبل بصفة كبيرة و كانت نظرتنا كذلك أوسع من الصين فقط فكانت تشمل الإنسانية جمعاء. و كان هذا فى منتهى الإلهام . أشعر أنّ هذا هو محور التعليم.
بعض الناس يؤمنون بالفردية. غير أنه إذا ما إعتقدت أنّك الأهمّ ، بالتالى ستكون الحياة مملّة لأنّ وجودك غير ذى فائدة للآخرين، هذا ما أشعر به. و لا يمكنك مواصلة ذلك لفترة طويلة. ينبغى أن تضع نفسك ضمن تاريخ الإنسانية. و من ثمّة ستكتسى حياتك و سيكتسى وجودك بعض المعنى. هذا ما قاله الرئيس ماو. فى تأبينه للدكتور نورمان بيثون ، قال على كلّ فرد منّا أن يموت. بيد أن معنى الموت مختلف. يموت البعض ميتة تعتبر أثقل من جبل تاي . و يعدّ موت البعض الآخر أخفّ من الريشة. جميعنا تعلّمنا هذا. نشعر بأننا جزءا من شيئ. وهذا يجعل حياتك و موتك أوفر مغزى. الآن عندما نفكّر فى ذلك نكتشف أننا كنّا عميقي التفكير كمراهقين. كنّا بعد نتناول المسائل الوجودية للإنسانية كافة: الحياة و الموت.
لم أحي قط فى مجتمع رأسمالي وعليه لم أعرف كيف أقارنه بالمجتمع الإشتراكي. لكن و أنا أنظر إلى الأمور الآن فى كلّ من الصين و الولايات المتحدة ، أشعر أن هناك ،حينها ، تفاؤل يعبق فى الجوّ ، كنّا على الدوام متفائلين. ما كان الناس يشتكون. و حاليا الجميع يشتكى حتى و إن كان/كانت بعدُ يملك/تملك الكثير. فى ظلّ الرأسمالية هناك مجمل هذه الرغبات لكافة الأشياء. حاليا عندما أعود إلى الصين يشتكى الجميع و لا حديث إلاّ عن المال ثمّ المال ثمّ المال. لكن قبلا فى ظلّ الإشتراكية لم يكن الهدف من الحياة هو المال. كما قال لي فانغ بإقتضاب: لا يمكننا أن نعيش دون غذاء لكن حياتنا ليست غذاء. إنها من أجل صنع مجتمع أفضل. و هذا يلخّص جيدا تلك الروح. كان لى فانغ جنديا عاديا فى جيش التحرير الشعبي و توفّي وهو يحمى موقعه. لقد قضّى حياته القصيرة من 22 سنة فى خدمة الآخرين. و قد دعا الرئيس ماو الأمّة بأسرها
ل "التعلّم من الرفيق لي فانغ" فى 1964.

----------------------------------------------------------------------------------------------------------------

دونغبينغ هان :
- 3- "الثورة الثقافية المجهولة- الحياة و التغيير فى قرية صينية."
شملت الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى فى الصين من 1966 إلى 1976 ،رُبُع سكان العالم و رفعت الإنسانية إلى قمم غير مسبوقة فى النضال من أجل التحرير. لكن اليوم ، ما يسمعه الناس غالبا حول الثورة الثقافية الصينية هو خليط من الكذب و التشويه.
لقد نشأت دونغبينغ هان خلال الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى وهي مؤلفة كتاب " الثورة الثقافية المجهولة – الحياة و التغيير فى قرية صينية"
و هذا منها مساهمة مرحّب بها للغاية فى النضال من أجل إبراز القصّة الحقيقية للثورة الثقافية البروليتارية الكبرى. فى ديسمبر 2008 ، شاركت دونغبينغ هان فى ندوة هامة جدّا فى مدينة نيويورك تحت عنوان " إعادة إكتشاف الثورة الثقافية الصينية: الفنّ و السياسة ، التجارب و إرث التحرير" بدعم من " كتب ثورية" و "مشروع حقيقة ما حصل" و معهد المعرفة العامة ، جامعة نيويورك...
/ المداخلة : I
موضوع كتابي هو إصلاح التعليم أثناء الثورة الثقافية التى عشت أحداثها من الداخل. نشأت فى مزرعة تعاونية صينية. شرعت فى العمل فى المزرعة لمّا بلغ عمرى 9 سنوات. حينها ، كانت المدارس الصينية تغلق أبوابها ليومين فى الأسبوع. و كانت المزرعة التعاونية تدفع مقابل عمل التلامذة نقاطا (1). فالكبار يحصلون على عشر نقاط يوميا. و كنت أحصل على 5.7 نقطة لكلّ يوم عمل فى المزرعة. و بالتالى كنت قادرا على إعالة نفسي و أنا بعمر 9 سموات. كان بمستطاع كلّ إنسان العمل فى المزرعة و إذا أردت العمل فستجد ما تشتغل به على الدوام. و كان عملي وقتئذ عملا سهلا. مثلا ، كان الكهول يجلبون الماء من النهر إلى الحقل و كنت أسقى النبتات بالمغرفة.
فى كتابي ناقشت إصلاح التعليم أثناء الثورة الثقافية و تأثيره على الريف. لماّ كنت صغير السنّ، كان غالبية الناس فى القرية أمّيين. والدايا كليهما كانا أميين. قبل وصول الشيوعيين الصينيين إلى السلطة ، كان غالبية المزارعين الصينيين فقراء جدّا بحيث لا يذهبون إلى المدارس.لقد شرع والدى فى العمل فى مصنع لوقت كامل و عمره فقط 12 سنة . و أمّى شرعت فى العمل لوقت كامل فى مصنع تطريز فى مدينتنا عندما كان عمرها 6 سنوات لا غير. و هكذا لم يحصلا على أي تعليم و كان لدي خمسة أشقاء . و أنا طفلة ، لم يقدر عديد الأطفال الذين يفوقوننى سنّا على الذهاب إلى المدارس. فغالبية أبناء عمومتى ،و أختى الكبرى، لم يكونوا قادرين على الذهاب إلى المدرسة.
لقد ورث الحزب الشيوعي الصيني نظاما تعليميا كان مناهضا للريفيين. فغالبية تمويلات التعليم كانت تتركّز فى المناطق المدينية. و كان من الصعب جدّا على الأطفال بالريف الذهاب إلى المدرسة. وعندما شرعت فى الدراسة فى الدرجة الأولى من التعليم ، كان علي أن أجتاز إمتحانا قبول. إذا أراد الأطفال الإلتحاق بالمدارس كان عليهم تعلّم الكتابة قبل ذلك كما كان عليهم أن يحسنوا العدّ إلى المائة ليقبلوا فى المدرسة.
لكن غالبية الآباء لم تكن لديهم القدرة على تعليم أبناءهم لذا جرى رفضهم جميعا. و كان هذا الإمتحان لازما لأنه لم توجد أقسام كفاية فى المدارس العمومية فى القرية آنذاك. لكن بعد ثلاث سنوات ، خلال الثورة الثقافية ، رصدت إعتمادات لكلّ قرية فى مدينتي لتركيز مدرسة إبتدائية تابعة لها. فى مقاطعتنا كان هناك 1050 قرية حينها. و كلّ قرية بنت مدرسة إبتدائية خلال سنوات الثورة الثقافية. و إستطاع كلّ طفل الإلتحاق بالمدرسة و الدراسة مجانا. و الآن تتحدّث الحكومة و النخبة الصينية عن كيف أنّ التعليم أثناء الثورة الثقافية كان كارثيا. هذا محض كذب.
تحسّن التعليم بقدر كبير فى الريف خلال عقد الثورة الثقافية. و شيّدت كلّ أربع قرى فى مقاطعة معهدا ثانويا مشتركا. و هكذا كان التلامذة الذين ينجحون من المدرسة الإبتدائية قادرين على التوجه إلى المعهد الثانوي دون أي إمتحان قبول. كان بمقدور الجميع الإلتحاق بالمعهد الثانوي أين كان التعليم مجانيا و كانت كلّ كمونة فى مقاطعتنا تتوفّر على أربع معاهد تعليم عالي فى حين وجد فقط معهد عالى واحد به قسمان وحسب قبل الثورة الثقافية. من 1950 إلى 1966 ، لمدّة 17 سنة ، تخرّج من ذلك المعهد 1500 مجاز. من هؤلاء ال1500 متخرّج ، توجّه 800 للدراسة بالكليات و لم يعودوا أبدا إلى القرية. و بقية ال700 عملوا بالوظائف الحكومية أو إلتحقوا بالجيش. و لم يوجد تقريبا أي متخرج من المعاهد العليا بالريف.
فى 1972 عندما إلتحقت بالمعهد العالي للكمونة، كان ثمّة ألف طالب فى سنتى و فى معهدي فقط. و لمّا تخرجت من المعهد وجد أكثر من مائة معهد عالى فى قريتى. لقد لعب هؤلاء المتخرجون من المعاهد العليا دورا هاما جدا فى تطوير الريف الصيني. لقد إستطاعوا فعل أشياء أكثر للقرية من ما قدر عليه أبدا الذين يكبرونهم سنّا.
قبل الثورة الثقافية، كنّا نقوم بالزراعة لا غير. و خلال سنوات الثورة الثقافية، ساعد المتخرجون من المعاهد العليا فى تنويع إقتصاد قريتنا. كوّنوا فرقة غابة من المتخرجين و زرعوا عديد أنواع الأشجار المثمرة و أشجار المصطكى و غيرها. و إضافة إلى ذلك ، أنشأنا مصنعا عمل به 175 شخص. وفى صين اليوم ، يضطرّ الشباب الريفي لمغادرة القرية للحصول على عمل فى المدن. لكن خلال سنوات الثورة الثقافية لم نكن نحتاج إلى البحث عن شغل فى المدن
و لم نكن نحتاج للذهاب إلى أي مكان. لم نكن عبيد أي إنسان آخر. كنّا نعمل من أجل مستقبلنا نحن. و ال175 شخص العاملين فى المصنع كانوا قادرين على الحصول على دخل للتعاونية بما حسّن بدرجة كبيرة من مستوى حياة المزارعين.
و كذلك حافظ المصنع على أدوات الزراعة فى القرية. كان لدينا جرارين وعربتا جرّ و بالنظر إلى الوراء ، أشعر أنّ سنوات الثورة الثقافية حسنت حياة المزارعين بطرق شتّى لأن الإنتاج إرتفع. و فى مقاطعتى، تضاعفت و أكثر زراعة الحبوب فى ذلك العقد. و تضاعفت و أكثر المداخيل فى نفس الفترة . و اليوم تقول الحكومة الصينية إنّ الإقتصاد الصيني كان على حافة الإنهيار. هذا هراء.
و عندما طالبت الحكومة من المزارعين أن يحلّوا التعاونية ليشتغل كلّ لحسابه الخاص ، قاوم ذلك مزارعو مدينتنا مقاومة شديدة. فكان على الحكومة أن تنقل كلّ قادة حكومة المقاطعة من البلدية لأجل تفكيك التعاونية. و قريتى لم تخصخص كلّ مقتنياتها رغم شراء الحكومة لكافة الأرض من القرية. لكن قريتى شدّدت على أنّه إذا ما أخذوا أرضنا فإنهم يحتاجون إلى تعويضها بأرض من منطقة أخرى. و هكذا لم نخسر أرضنا. و لا يزال للقرية الكثير ممّا كانت تمتلكه سابقا وهي تعمل جيّدا اليوم و بمقدور المزارعين الحصول على التقاعد حاليا. أمّى تحصل على جراية تقاعد من التعاونية كلّ شهر. و فى قرى أخرى حيث تمّت خوصصة الأرض ، يعانى المزارعون الأمرّين .
إلتحقت بالجامعة فى 1978. فى 1977 وجد حوالي 12 ألف متخرّج فى كمونتنا. جميعهم تخرّجوا من المعاهد العليا للكمونة خلال الثورة الثقافية. و جميعهم كان بوسعهم إجتياز إمتحان الإلتحاق بالكلية فى 1977. من هؤلاء فقط 2000 جرى إمتحانهم و منهم كنت الوحيد الذى تمكّن من الإلتحاق بالجامعة. كنت الوحيد من كمونتنا التى تعدّ 50 ألف شخص. تخرّجت من الكلية و إتجهت إلى كلّية أخرى لأواصل الدراسة ثمّ ذهبت للتدريس فى جامعة زهانغ زهو.
فى 1986 ، إلتحقت بفرقة أبحاث أمريكية فى الصين للقيام ببحوث ريفية. كانت تلك الفرقة متكوّنة من أستاذين أمريكيين وأنا. قصدنا بعض القرى فى يانان. حينها كان من النادر جدّا رؤية أجانب فى المناطق الريفية. لذا حيثما ولاّينا وجوهنا فى القرية، كانت تتشكّل وراءنا مجموعة كبيرة من الناس الذين يتبعوننا وغالبيتهم من الأطفال ذكورا و إناثا يريدون رؤية كيف هو الأجنبي.
فى إحدى الأيام ، بينما كنت أتناول الغداء ، سألت الأطفال أن يقرؤوا بعض العناوين فى جريدة إلاّ أنهم هزّوا رؤوسهم بالنفي. فى البداية ظننت أن الخجل تملكهم ثمّ قال بعض الأطفال إنهم لو يكونوا يأمّون المدارس! لقد أذهلنى أيما إذهال سماع ذلك. لقد كنت أعتبر من تحصيل الحاصل أنّ كلّ طفل يدرس فى مدرسة. لكن منذ تفكيك الكمونة ، كلّ نظام المدرسة العمومية و نظام الرعاية الصحية اللذان كانت الكمونة توفرهما ، تلاشيا مع تفكيك الكمونات.وأخذت أفكّر فى أهمّية الإصلاحات التعليمية خلال الثورة الثقافية.
غادرت الصين فى 1988 ، لأدرّس فى سنغافورا. و من هناك حصلت على منحة لأدرس فى الولايات المتحدة . وكنت أنوى دراسة السياسة الخارجية الأمريكية، دراسة التاريخ الفكري و الدبلوماسي، لكن فى الولايات المتحدة ، قرأت ما كتبه الأكاديميون عن صين الثورة الثقافية وأدركت أنّه لا يشبه ما حصل أثناء الثورة الثقافية التى عايشتها. لقد ذعرت من طريقة تصويرهم الصين والإشتراكية و بالطبع أذهلنى ما كان يحدث فى الولايات المتحدة ذاتها.
عندما أتيت لأول مرّة إلى الولايات المتحدة ، لم أكن أعرف كيف هي أمريكا. كنت أسمع من النخبة الصينية عن مدى جمال أمريكا. وأوّل مكان عشت فيه كان برلينغتون فى الفرمونتوهو مكان جميل جدّا يقع قرب بحيرة شمبلاين.عشت شمالي المدينة، فى حيّ فقير. و كان أطفال جاري على الدوام يعانون من الجوع. كلّ يوم بعد عودتهم من المدرسة كانوا يأتون إلى منزلى ليلعبوا مع إبنى و كانوا يقولون إنهم جائعون و يطلبون منّى إعطاءهم قطعة من الخبز الصيني. لقد اذهلنى عمليا أن أرى أناسا جياعا فى أمريكا وهي أغنى بلد فى العالم .قضيت هناك سنتين.
ثمّ إنتقلت إلى بوسطن حيث سكنت فى حيّ غني. فى إحدى الأيام ، طلب منى صاحب البيت الذى أجرته رأيى فى أمريكا فقلت إننى غير مندهش فأزعجه ذلك و سألنى لماذا. أجبته بأننى عندما كنت فى الصين ، كنّا شديدي الفقر لكن لم يكن لدينا أناس دون مأوى. و فى ظلّ الإشتراكية كان لكلّ شخص شغل و كان كلّ شخص يتمتّع برعاية صحّية و تعليم مجانيين. و فى أغنى بلد فى العالم، لا توجد مثل هذه الأشياء.و شعر صاحب البيت الذى أجرته أن لدي موقفا إشكاليا.
عند إنتصار الثورة الصينية فى 1949 ، شعر الموظفون الشيوعيون أنهم عانوا من خوض قتال شديد من أجل الثورة. و الآن و قد ظفرت الثورة فإنه حان وقت التمتّع بالحياة. فشيّدوا مدارسا خاصّة لأبنائهم. و رغم أنه من المفروض أنّنا كنّا نشيّد نظاما إشتراكيا فى الصين، فإن الوضع الطبقي فيها كان محتدّا للغاية. و كان الموظفون السامون يتمتّعون بإمتيازات خاصّة.
مثّلت الثورة الثقافية ثورة داخل الثورة لتمكين الجماهير من السلطة و لتغيير المجتمع الصيني إلى مجتمع إشتراكي حقيقي و كذلك للحيلولة دون حصول ما حصل فى الإتحاد السوفياتي فى الصين. فى سنوات الثورة الثقافية طُولب كافة الموظفين الصينيين و كافة النخب بالعمل مع الطبقة العاملة على أسس عادية. كما طُولب طلبة المعاهد و أساتذتهم و أساتذة التعليم العالي جميعا بالمشاركة فى العمل اليدوي على أسس عادية. كنت مديرا لمصنع القرية.ولم أكن أحصل على أجر أعلى من أي شخص آخر يعمل فى المصنع ذاته. و كان أساتذة معاهد القرية يحصلون على نفس الأجر ، نقاط العمل. و كان الأطباء ذوو الأقدام الحافية (2) يحصلون على ذات نقاط العمل فى القرية. هكذا ينبغى أن تعمل الإشتراكية و لئن ظلت الصين إشتراكية لتجنبنا الفوضى المالية التى تعرفها الآن.
فى الأسابيع القليلة الماضية ، مع إندلاع الأزمة المالية فى هذه البلاد [أمريكا]، خشي العديد من طلبتى الأمر. و قلت لهم يمكن أن يكون ذلك فرصة هامة بالنسبة لنا. لقد كنّا نستهلك بتهوّر لمدّة طويلة . إنه وقت التوقّف و إعمال الفكر . لسنا مضطرين للعيش على هذا النحو. لسنا مضطرين للقبول بأن يوجد أناس دون مأوى و لسنا مضطرين للقبول بعديد الأمراض الإجتماعية الأخرى. توجد موارد كبيرة فى هذا المجتمع. لدينا إنتاجية كافية لتوفير حياة كريمة لكل فرد. لكن هناك مشكل هو أن فئة قليلة ، جشعة تريد المزيد. بإمكاننا أن نشيّد مجتمعا مختلفا فيه يحقّق الناس ذواتهم.
---------------
1) " نقاط العمل" : تحيل على طريقة توزيع الدخل على الفلاحين فى ريف الصين الإشتراكية. فى التعاونيات حيث كان الناس يعيشون و يعملون، كانوا يحصلون على عدد معيّن من نقاط العمل مقابل كمية العمل التى يبذلونها. و قيمة كلّ نقطة عمل مرتبطة بالإنتاج و مداخيل التعاونية. كان هذا تطبيقا خاصا للمبدأ الإشتراكي ل " من كلّ حسب قدرته إلى كلّ حسب عمله".
2) "الأطباء ذوو الأقدام الحافية" : خلال الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى ، إنتقل التركيز على الرعاية الصحية إلى الريف ، حتى مع التحسّن الشامل للرعاية الصحية فى المدن. كانت حركة "الأطباء ذوى الأقدام الحافية" جزءا من هذا التغيير الثوري. إذ جرى إرسال شباب من الفلاحين و من المدت للريف و جرى تدريبهم على الرعاية الصحية و الطبّ الأساسيين و إعدادهم لتلبية الحاجيات المحلّية و معالجة الأمراض الأكثر إنتشارا . و توجّه الأطباء إلى المناطق الريفية- و فى كلّ لحظة من الزمن ، كان ثلث أطبّاء المدن فى الأرياف. فتضاعف أمل الحياة فى حقبة قيادة ماو من 32 سنة سنة 1949 إلى 65 سنة فى 1976.
==================================
/ الأسئلة و الأجوبة : II
1- البداية
سؤال1: حين تنقلت عبر البلاد فى 1986 و شرعت فى القيام بالبحث، ما الذى بدأت أنت و آخرون مثلكم فى رؤيته من إختلاف المجتمع الصيني الحالي عن ما كان عليه خلال الثورة الثقافية؟
جواب 1: أعتقد أنّنا أدركنا ذلك فى الحال. لقد جرت خوصصة الأرض فى الصين فى 1983. و كان العديد من الناس يفكّرون فى أنّ المزارعين كانوا أغبياء و جهلة. لكننى أعتقد انّ المزارعين أناس أذكياء جدّا. و العديد منهم أدركوا فورا تبعات خوصصة الأراضي الفلاحية. لذلك قاوموها مقاومة شديدة فى البداية. و فى قريتى و فى قرى أخرى عاينتها، غالبية الناس ، تسعون بالمائة، قالوا إنّ الحزب الشيوعي لم يعد يهتمّ بالفقراء فى الريف. و تراجعت إستثمارات الحكومة فى المناطق الريفية من 15 بالمائة من الميزانية فى السبعينات إلى فقط 3 إلى 4 بالمائة فى الثمانينات. و من هنا أدرك عموم الصينيين أن الحكومة الصينية لم تعد تهتمّ بهم بفعل تفكيكها للكمونات. حينها كنت فى المعهد و لم أشرع فى التفكير فى الموضوع بقوّة إلاّ فى 1986.
سؤال 2 :هل يمكنك مزيد شرح كيف أنّ الثورة الثقافية بلغت قريتكم و ما هو دور أعضاء الحزب الشيوعي فى الثورة الثقافية؟
جواب 2 : إنطلقت الثورة الثقافية ببطئ . قبلها وجدت دعوة لدراسة مؤلفات ماو. لقد تحدثت عن أهمّية ذلك فى كتابي. جاء جيش التحرير الشعبي الصيني للقرية لقراءة مؤلفات الرئيس ماو. و أقام عروضا فى القرية. دقّوا أبواب المنازل ليعلّموا الناس قراءة المقالات الكلاسيكية الثلاث لماو أي " لنخدم الشعب" و " فى ذكرى نورمان بيثون" و " الشيخ الجاهل الذى أزاح الجبلين". شرحوا للقرويين ما تعنيه تلك المقالات. و بعد مغادرة جنود جيش التحرير الشعبي، طفق عديد التلاميذ مثلى هم بدورهم يعلّمون القرويين مؤلفات ماو. وعندما أعلنت الحكومة المركزية بداية الثورة الثقافية ، غادر طلبة المعاهد العليا و الوسطى المعاهد و أخذوا يكتبون اللافتات ذات الحروف الكبيرة فى الطرقات. جلب طلبة المعاهد العليا 20 أستاذا من أساتذتهم إلى ساحة السوق و فضحوا سلوكاتهم السيئة على الملإ و حلقوا نصف شعرهم أمام الحضور الكثيف. لا أعتقد أنّ غالبية الناس قد إستوعبوا فى البدئ ما ستكونه الثورة الثقافية.
أخذ الكثير من الطلبة ينشرون صحفا و كراريسا عديدة فيها كانوا ينقدون موظفى الحكومة. بداية كان يكتب نصوصها الطلبة و بعيد ذلك ، طفق المزارعون و العمال يكتبون هم بدورهم. كانت المعلومات حينها غزيرة. ثمّ وجدت مجموعة طلبة من المعهد العالي و الأوسط من مقاطعتنا سافروا إلى بيكين لمقابلة الرئيس ماو. و لمّا عادوا فى أوت 1966 شرعوا فى تنظيم أنفسهم فى كتل الحرس الأحمر. و شرعوا فى تنظيم مسيرات حاشدة لنقد قادة المقاطعة و الكمونة. فألفى كافة الموظفين أنفسهم تحت نوع من الفحص الدقيق و الهجوم الشعبيين حينها. فكلّ فرد تقريبا - حوالي 90 بالمائة من السكان -كان منخرطا فى منظمة جماهيرية.
وقتذاك كنت فى السنة الثالثة . أنشأت و خمسة من أصدقائي تنظيما للحرس الأحمر. و حدّدنا الشعارات و أخذنا ننشر جريدة من صفحة واحدة. و جمّعنا مالا كافيا للحصول على طابعة لطبع جريدتنا. فى معهدى ، وجدت 13 جريدة صغيرة الحجم. وقد إنتدبنا آخرين و كتبنا أشياء وزعناها على الناس فى ساحة السوق. هكذا إنطلق الأمر. ألصقنا اللافتات فى كلّ مكان فكانت شوارع القرية مغطّات بملصقات حائطية ذات الحروف الكبيرة غالبيتها تنقد قادة القرية. قبل الثورة الثقافية ، كانت لقادة القرية سلطة واسعة. وعادة لم يكونوا يشتغلون فى الحقول و يأكلون و يشربون الكثير على حساب القرية. فأتت الثورة الثقافية لتعيدهم إلى العمل.هكذا بدأ الأمر فعلا.
فى كافة هذه النشاطات كانت الملصقات ذات الحروف الكبيرة جميعها مكتوبة من قبل المزارعين أنفسهم. و أذكر أنّ بعض الفلاحين لم يكونوا يعرفون الكتابة. كانوا يأتوننا، كانوا يتوجهون إلى أطفال المدارس ليكتبوا لهم. و هكذا كانت حركة حاشدة جدّا طالت كلّ فرد فى القرية.
و من أهمّ الأشياء التى أفكّر بها اليوم هو أن فساد الموظفين اليوم بينما لم يكونوا كذلك فى سنوات الثورة الثقافية يعود إلى كون الجماهير كانت تمتلك سلطة فعلية. كان هناك إجتماع جماهيري كلّ ليلة فيه كانت تقرأ سياسات الحكومة و توجيهاتها للفلاحين. و كان الإجتماع مطلوبا حكوميا آنذاك. وكانت السياسات و التوجيهات تقرأ للفلاحين ثمّ يفسح لهم المجال لنقاش هذه الوثائق وهكذا كان الجميع يعلمون ما يحدث و لماذا. و يعزى كون الشعب الصيني كان يتطلع إلى القراءة و حفظ مؤلفات ماو حينها إلى أنه كان يجد أن ما قاله ماو كان يمثّل جوهر مصالحه. و قال ماو ما أراد الشعب سماعهو مثال ذلك مقال ماو "لنخدم الشعب" الذى يعدّ صفحة و نصف الصفحة فحسب. لكن فى هذا المقال القصير صاغ ماو كيف يجب على الموظّف الشيوعي أن يتصرّف. لا ينبغى أن تكون له مصالحا خاصة . يجب أن يعمل من أجل الشعب و خدمة الشعب. يجب أن يعتني بالناس والفلاحين الفقراء. و ينبغى أن يرحّب بالنقد. إن لم يكن يقوم بالشيئ الصحيح ، يجب أن يغيّر تصرّفه لفائدة مصلحة الشعب. و هذا شيئ لم يسمعه أبدا الفلاحون و أرادوا سماعه.


2- التعبئة ضد الأفكار التقليدية:
سؤال1 : لماذا وقتذاك ، خلال ذلك العقد من الثورة الثقافية ، لم يبذل مجهود لتطهير الحزب الشيوعي من أتباع الطريق الرأسمالي الإنتهازيين؟ لماذا لم تتخذ أي إجراءات لتطهير مختلف أجهزة الحزب من أتباع الطريق الرأسمالي؟
جواب1 : هذا سؤال جيّد جدّا و قد أثير فى عدّة مناسبات. والجواب هو أن الثورة الثقافية كانت تهدف ليس لتطهير الناس بل لتربية الشعب. الكثيرون من أتباع الطريق الرأسمالي ناضلوا من أجل الثورة و قدّموا مساهمات هامة فى الثورة الصينية. و كانت فكرة تقليدية مقبولة أن يتمتّع الذين قاتلوا من أجل الثورة بإمتيازات عندما تنجح الثورة. و لم يكن يكفى ان يجري تطهير هؤلاء الناس إذ أن المشكل كان الأفكار التقليدية القديمة. لهذا كانت الثورة الثقافية تستهدف القضاء على الأفكار التقليدية و تربية الشعب عبر إستنهاض الفلاحين و العمال. و أعتقد أنّه إذا لم يحدث إنقلاب فى 1976 ، أشكّ فى أن جهاز الحكومة كان سيتغيّر من ذاته. حدث ذلك بسبب الإنقلاب. ولا أعتقد كذلك أنّ تطهير الناس حلّ. أذكر أنّ خلال الثورة الثقافية وجد بعض الموظفين السامين فى جهتى كانوا يحثون أبناءهم على العمل مع الفلاحين و يطالبونهم بأصعب الأعمال و المهام لبناء شخصياتهم. و يبدو أن هؤلاء الموظفين السامين تغيّروا مع تغيّر الجوّ العام و التغيير الإجتماعي خلال الثورة الثقافية . لكن الحركة العكسية حدثت بعد ذلك.
غالبية الناس ما كانوا واعين بحصول إنقلاب فى 1976. لقد تمّ إيقاف زوجة ماو وثلاثة قادة هامين آخرين. و حصلت عملية تطهير واسعة النطاق جدّا عبر الصين. و فورا تمّ إيقاف مئات الآلاف من الذين ساندوا الثورة الثقافية. و جادل البعض بأنّه كان على ماو أن يقتل دنك سياو بينغ و بعض الآخرين ليحول دون إيقاف "الأربعة" . لعلّه كان يجب عليه فعل ذلك لكنّه لم يفعل.
سؤال 2: لقد إستمعت حقّا لمداخلتك. سؤالى هو هل بإمكانك أن ترسم صورة مقارنا مستوى حياتكم و حياة أسركم اليومية خلال الثورة الثقافية و ما قبلها من جهة و من جهة ثانية وضع أسرتك الآن فى الصين الرأسمالية؟
جواب 2 : لقد أطلقت الثورة الثقافية لأن القفزة الكبرى إلى الأمام (1) فشلت جزئيا ذلك أنّه من ناحية جدّت كارثة طبيعية لم تعرفها الصين منذ قرون و من ناحية ثانية لم يكن الموظفون الشيوعيون حينها بعد إشتراكيين حقّا. فقد أمروا الفلاحين بإنجاز ما يفوق طاقاتهم بينما لم يقوموا هم أنفسهم بالأعمال الصعبة. لم يوجد ما يكفى للأكل خلال القفزة الكبرى إلى الأمام بسبب الكوارث الطبيعية من جهة و سوء الإدارة من جهة أخرى لذا أعتقد أن ماو أطلق الثورة الثقافية لأنه أدرك حينها أنّ الموظفين الصينيين يحتاجون إلى التربية و أن الشعب الصيني يحتاج إلى التربية عبر الحركة الإشتراكية. و لهذا إستنهض الفلاحين الصينيين لنقد الموظفين فى القرية. و بالطبع كنت صغير السنّ جدّا و لا أذكر الكثير عن القفزة الكبرى إلى الأمام. لكن أذكر جيدا أحداث الثورة الثقافية.
كنت أعمل فى الحقول مع الفلاحين و فى ذلك الوقت فى المناطق الريفية ، كانت لكلّ قرية فرقة إنتاج و كلّ فرقة كانت منقسمة إلى عدّة فرق إنتاج. فى قريتى، وجدت ثمانى فرق إنتاج كلّ منها متكونة من 40 عائلة تقريبا. و كنّا نستخدم خمسة قادة لفرق الإنتاج كلّ سنة. و كان هناك رئيس فرقة الإنتاج، و قائدتها و محاسب و قابض و حارس مخزن. قبل الثورة الثقافية كان يتمّ تعيين هؤلاء من قبل قادة القرية الذين بدورهم يعيّنهم قادة الكمونة. لم يكونوا منتخبين ديمقراطيا. و خلال سنوات الثورة الثقافية جرى إنتخاب قادة فرق الإنتاج من قبل الفلاحين.
كنّا نعمل معا فى الحقول.و كان الجميع يخرجون للعمل معا. و فى نهاية اليوم كان القابض يسجّل عدد الذين عملوا ذلك اليوم. و فى نهاية السنة ، عند جمع الحصاد ، يرسم محاسب القرية إلى جانب محاسب فرقة الإنتاج، مخطّطا للتوزيع. فيوزّع 70 بالمائة من القمح طبقا لعدد أفراد العائلة و 30 بالمائة يوزّع طبقا لكمّية العمل فى التعاونية. و من هنا إن لم تشتغل فى الحقول تحصل بعدُ على 70 بالمائة من الحبوب من التعاونية. هكذا كان التوزيع على مستوى فرقة الإنتاج. و كان هناك كذلك توزيع على مستوى فرقة الإنتاج. كانت القرية تملك عدّة مؤسسات. و بعد وضع مال العناية الصحّية جانبا و مال إشتراء تجهيزات جديدة و ما إلى ذلك، توزّع القرية مداخيلها وفق كمّية العمل المبذولة فى التعاونية. و كانت التعاونية تنتج أيضا الخضر و الغلال و الفستق و كنا كذلك نربّى الخنزير. و هذه توزّع على القرويين بصورة نظامية وفق ذات معايير توزيع القمح. و علاوة على ذلك كنّا نشترى السمك و الخمر و السجائر جماعيا بالمال الذى تكسبه مؤسسات القرية و يوزّع هذا على كلّ عائلة فى مناسبات هامّة مثل السنة الصينية الجديدة
و عطل أخرى. كنّا نحصل تقريبا على كافة مؤننا من التعاونية.
إثر سنوات الثورة الثقافية ، ذهبت إلى المعهد. وعثرت شقيقتاي اللتان تعوّدتا العمل لأجل القرية على عمل بمصنع تابع للدولة فى بداية الثمانينات. و شقيقتى الأصغر لا تزال تعمل بالقرية كقابضة القرية الآن. و قريتى تسير سيرا حسنا مقارنة بالقرى الأخرى فقد تغيّرت الحياة فى الريف تغيّرا فجئيا وأعتقد أن الحياة تغيرت للأسوء بالنسبة لغالبية الشغالين حتى و إن حصلوا على مال أوفر فإنهم قد خسروا مكاسبا مثل الرعاية الصحية المجانية والتعليم المجاني فى الحقبة الإشتراكية. والآن عليهم أن يدفعوا المال لأجل تعليمهم وعليهم دفع المال أيضا للرعاية الصحية. و غالبية الفلاحين لا قدرة لهم على دفع نفقات الرعاية الصحّية. و لئن أمسوا مرضى لمشكلة صغيرة فإنهم لا يفعلون سوى التحمّل بصمت. و إن كان المرض خطيرا فإنهم يترقبون الموت لا غير. والعديد منهم يعبّرعن أنهم لا يريدون أن يورّثوا أطفالهم ديونا كبيرة بالذهاب إلى المستشفى. إن الرعاية الصحية باهضة الثمن جدا الآن وهي ليست فى متناول غالبية الفلاحين و الشغالين فى المناطق المدينية.
سؤال 3: هل يمكنك الحديث قليلا عن الحياة الثقافية فى قريتكم و كيف تغيّرت؟
جواب 3 : لقد كانت الثورة الثقافية ثورة ثقافية حقّا. والتغييرات التى حصلت فى مجال الثقافة كانت ثورية. قبل الثورة الثقافية ، كانت العروض الفنية الصينية فى غالبيتها حول شباب موهوبين و نساء جميلات و ملوك و جنرالات و ما إلى ذلك. هذه هي مواضيع المسرحيات التقليدية الصينية. و أثناء الثورة الثقافية ، ظهر صنف جديد من الفنّ. فى ذلك الوقت، كانت لكلّ قرية مجموعة فنانين من الفلاحين و كانوا يعزفون على الآلات الموسيقية و ينشدون أغاني ثورية و يرقصون رقصات ثورية و يعرضون مسرحيات ثورية. كلّ ليلة تقريبا كانت تنظّم نوعا من العروض فى القرية. و صارت هذه العروض وسائلا تعليمية بفضلها إنتشرت الأفكار الثورية. وكانت قوية جدّا. لكن بالطبع لم نعد اليوم نرى ذلك فى الريف. و مع ذلك إن ذهبتم إلى الصين اليوم فما زال بإمكانكم رؤية المسنّين يغنون الأغاني الثورية فى الحدائق و الفضاءات العامة ليروحوا عن أنفسهم.
سؤال 4 : فى الأفلام التى تشاهدها عن الصين و الثورة الثقافية ، يصوّر الناس على أنهم موقوفين و يحاكمون أمام محاكم شعبية و يعرضون عبر المدينة و يعاقبون. و سؤالى هو : ما هو منبع هذه الصور ؟ و هل سمعتم عن أشياء مشابهة فى الصين و ما مدى إتساعها؟
جواب 4 : تلك الصورة وجدت فى سنوات الثورة الثقافية. لمدّة بضعة أسابيع فى بداية الثورة الثقافية ، جرى نقد عديد الموظفين الصينيين على الملإ.وكان ذلك شائعا جدّا. لاحظته عدّة مرّات و يمكن أن أقول إنّ غالبية موظفي الحكومة عاشوا شيئا من هذا فى بداية الثورة الثقافية. و فى نفس الوقت ، أجادل بأنّ الكثير من هؤلاء كانوا يستحقون نوعا من العقاب. إذ إرتكبوا أخطاءا فى عملهم. و بسبب أخطاءهم هذه ، عانى الناس و بحثوا عن طريقة للتعبير عن غضبهم. فى القرى، كان الصراع ضد قادة القرى أكثر ليونة وسلمية.
و مثّلت هذه الجلسات من الصراع العام للتعاطى مع الموظفين الذين إرتكبوا جرائما أو أخطاءا طرقا مختلفة للتعاطي مع هؤلاء الناس. وإثر الصراع معهم ليوم أو يومين ، كان يطلق سراحهم بعد تعلّم درس من الناس. فى الولايات التحدة الأمريكية ، يرسل الناس إلى السجن. و لا أزال أعتقد أنّ هذه التربية العمومية خلال الثورة الثقافية كانت فعّالة للغاية ليس فقط لتربية موظفي القرية، لكن كذلك بقية الناس الآخرين. و عقب الجلسة، يطلق سراحهم. إذا لا أعتقد أنّها ممارسة سيّئة بل جيدة.
سؤال 5 : كان عرضك بالأساس حول الثورة الثقافية لكن هل تستطيع أن تخصّص بعض اللحظات للحديث عن الوضع فى الصين راهنا لا سيما الأزمة الإقتصادية و كيف تعتقد أنّها تعتمل خاصة فى المناطق الريفية وأيضا بصورة عامة؟
جواب 6 : تواجه الحكومة الصينية تحدّيا هائلا اليوم و قد أقرّ موظفو الحكومة الصينية ذاتهم ذلك فى مناسبات عدّة.
و يقدّر بعض الناس أن 100 حادث يشارك فيها أكثر من 100 شخص تتحدّى الحكومة و 300 حادث يشارك فيها أقلّ من 100 شخص تتحدّى الحكومة يوميا. قرأت فى وثيقة عن حادث فى مقاطعة غواندونغ حيث أوقف ثلاثة ضباط شرطة سيارة دون لوحة الأعداد و من التعمّق فى البحث إكتشفوا أنّ السائق لا يملك رخصة سياقة. لكن خرج ثلاث أشخاص من السيارة و صاحوا بأنّ الشرطة تهرسل الناس فتجمّع ألفا شخص قلبوا سيارة الشرطة و أحرقوها. و الحكومة تحذّر عناصر الشرطة كي تتحلّى باليقظة لأن التوتّر بين الناس و الحكومة على درجة عالية. و هناك الكثير من الناس فى الريف الغاضبين جدّا من حكومة المقاطعة. روى لى فلاح حادث فى مقاطعة ريفية قائلا إنه فى أحد الأيام كان سكرتير الحزب ينام فى قيلولة لكن 100 فلاح كانوا غاضبين على قرار حكومة المقاطعة بنقل السوق إلى مكان مختلف، قصدوا غرفة نومه. و عمليا جروه من يديه و رجليه إلى ساحة السوق و رموه فى الهواء لمدّة نصف ساعة. لم يؤذوه. ببساطة تلاعبوا به لنصف ساعة و فى النهاية كان على الحكومة أن تزيحه من وظيفته لأنه صار محرجا لها. هذا ما حدث فى السنة الفارطة. وتعرّض موظّف آخر للضرب من طرف الفلاحين إذ طلب منه القرويون مرافقة مريض إلى المستشفى فرفض و قال إنه لا يسمح بأن يركب أيّا كان سيارته. كاد الفلاحون يقتلونه إلاّ أنّ الحكومة لم تعاقب المسؤولين عن ذلك. لهذا أعتقد أنّ الحكومة تدرك مدى توتّر علاقتها بالجماهير.
وفى الماضى، جاء موظّفو الحكومة إلى القرية و عملوا مع الفلاحين.و اليوم لا يقومون بذلك. يجيؤون إلى القرية فى سيارات فاخرة لا لشيئ إلاّ للحصول على المال من الفلاحين و لفرض سياسة طفل واحد. فى إعتقادي تتخبّط الحكومة فى أزمة شرعية. فى الماضي كانت الحكومة الصينية قادرة على الإستمرار رغم تحديات القفزة الكبرى إلى الأمام و التحديات التى تسببت فيها الكوارث الطبيعية و سوء إدارة الموظفين نظرا لشرعية الإشتراكية. و لا أرى أنّ الحكومة الحالية قادرة على البقاء على قيد الحياة لو واجهت تحديات تشبه تحديات القفزة الكبرى إلى الأمام.
سؤال 6 : شكرا لمجيئك . أنا أتطلّع إلى الحصول على كتابك و قراءته. لدي سؤالان . أولا ، لقد أشرت إلى إنقلاب 1976. هل من الممكن أن تحدثنا عن ما حصل و كذلك كيف فهمت الفترة كلّها حيث كنت؟ و كيف فهم الناس الصراع الدائر رحاه بالضبط من ما قبل وفاة ماو إلى الإنقلاب؟ و سؤالي الثاني هو : فى وصف التمرّد الحالي بالصين ، ما نوع التفكير الثوري هناك ؟ هل توجد تيارات توجه نظرها صوب ماو أو الماوية ؟ كيف يتطوّر ذلك؟ ماهي الأفكار التى تستقطب الناس فى هذه الفترة؟
جواب 6 : لا زلت أذكر أين كنت فى 9 سبتمبر 1976. فى الرابعة يومها، كنت أتفسّح راجلا مع صديق لى خارج القرية حينما أعلن عبر مكبّر الصوت أنّه ثمّة خبر هام جدّا. و فى الحال أدركنا أن هناك أمر خطأ و أعلنوا وفاة الرئيس ماو. لا أدرى كيف عدت إلى المنزل يومها. فقط أذكر أن الجميع حولى كانوا يبكون. و فى النهاية وصلت إلى المنزل. و أبى بكى على طول الطريق من المصنع إلى المنزل بينما لم يبك عندما توفيت جدّتى. و جمّع العائلة و قال "اليوم سقطت سماء شعبنا الفقير و لا ندرى كيف ستكون الحياة فى المستقبل". فى ذلك الوقت قلت لنفسي كيف يمكن لسماء الفقراء أن تسقط فقط لأن الرئيس ماو توفّي.
و تبيّن أنه كان محقّا فعندما جرى إيقاف "الأربعة" قالت الحكومة الصينية إن الناس كانوا فعلا سعداء. و لم يكن ذلك صحيحا. فى مسقط رأسى كان عديد الشباب يحترمون حقا تشانغ تشنغ نظرا لحادث حصل فى الكمونة المجاورة.ففى عيد السنة الجديدة فى 1975 ، وضع قائد القرية عبر مكبّر الصوت مسرحية قديمة نقدت خلال الثورة الثقافية . فتوجه شاب من القرية بالنقد إلى قائد القرية لذلك إلاّ أن قادة القرية إتهموا هذا الشاب بإحداث الفوضى فى القرية و جلبوا الشرطة لتأخذه. و لمّا كان فى السجن ،بعث الشاب برسالة إلى تشانغ تشنغ و فى أقلّ من خمسة أيام ، أجابت تشانغ تشنغ على رسالته و امرت بإطلاق سراحه و بإقالة قائد القرية من وظيفته. كان شباب منطقتى يحبون تشانغ تشنغ. و لمّا تمّ إيقاف "الأربعة" بعد بضعة أسابيع من وفاة ماو ، أدركنا أن الأمور ستمسى مختلفة.
لا نعرف إلى الآن لماذا قرّر هواو الذى عيّنه ماو إيقاف "الأربعة" و لا عرفنا ذلك حينها. و اليوم بالنظر إلى تلك اللحظة التاريخية ، أعتقد أن هواو كوفينغ كان المسؤول عن ذلك. ثمّة أناس تحدّثوا عن كيف أنه حينها ،قبل وفاته ، كان ماو ينوى تعيين تشانغ تشنغ لنيابته و أنه على ما يبدو أن هواو كوفينغ لم يكن من المفترض أن ينوب ماو. و أعتقد انه على الأرجح أوقف "الأربعة" ليس لأن لديه أجندا مختلفة لكن من أجل طموحه الشخصي للسلطة. لكن لا أظن أنه كان ينوى تغيير خطّ ماو و بإيقاف"الأربعة" و ضمنهم زوجة ماو ، كان عليه أن يدين الثورة الثقافية لأن "الأربعة" كانوا القادة الحيويين لهذه الثورة الثقافية. و بإدانته للثورة الثقافية عبّد الطريق لعودة دنك سياو بينغ. و بالطبع هذا ما حصل. لا أعتقد أن العمال و الفلاحين كانوا فعلا مثلما قالت الحكومة سعداء لإيقاف "الأربعة" و قام هواو كوفينغ بأشياء أخرى بعد ذلك. إذ قرّر الإحتفاظ بجثّة ماو ضد إرادة هذا الأخير. و لقي هذا القرار تجاوبا شعبيا حينها ذلك أن الشعب الصيني و بالخصوص الطبقة العاملة الصينية إعتبرا ماو قائدهما الأعلى. لذا لمّا قام بذلك ظنوا أن هواو كوفنغ لا يزال يواصل إرث ماو. كما أنه أعلن أنّه سينشر المجلّد الخامس من مؤلفات ماو. و كان ذلك شعبيا جدّا أيضا. لقد قام ببعض الأشياء الجيدة جدّا غير أنه قام بأكثر الأمور الهدّامة أي إيقاف "الأربعة".
و فى ما يتصل بالوضع الآن ، من الصعب للغاية بالنسبة إليّ رسم صورة تامّة . قبل سنتين، قال الإبن الأكبر لدنك سياو بينغ ردّا على سؤال مبعوث صحفي من الآسوشياتد براس إنّ الثورة الثقافية لم تكن فقط مأساوية له و لعائلته بل كذلك للأمة الصينية.و قال إنه فى 10 ديسمبر ، فى غضون 20 يوما ، وجد أكثر من 35 ألف شخص تفاعلوا مع تعليقه على الأنترنت. و حوالى 90 بالمائة من المراسلات أدانته لتشويهه الثورة الثقافية. و كانت الحكومة الصينية قادرة على أن تنجو من إدانة الثورة الثقافية قبلا. و الآن من العسير عليهم فعل ذلك. يبدو أن الشعب الصيني يستفيق حقّا ليرى بوضوح الثورة الثقافية. الآن يقول الناس لقد كذبوا علينا لمدّة 30 سنة. لقد أكّد التاريخ أن الرئيس ماو على صواب،منذ البداية الموظفون الصينيون غارقون فى الفساد. و يفهم الناس أنّ ماو شنّ الثورة الثقافية للحيلولة دون حصول ذلك. لقد أدرك ماو قبل وفاته أنه دون وضع السلطة بأيدى الطبقة العاملة لتكون بمثابة حارسة ، سينزع الموظفون نحو الفساد.
الأزمة فى الصين جدّية للغاية فخلال الثورة الثقافية لم يكن لدينا فسادا مستشريا. من فساد قليل الإنتشار إلى فساد مستشري ، هذا ما يجعل الناس ينزعون إلى رؤية المشكل بجدّية أكبر. حتى نكون منصفين أعتقد أن الموظفين الصينيين ليسوا أكثر فسادا من الموظفين الأمريكان . مثلا إن كان "الحفر الكبير" الذى يحصل فى بوستن يحصل فى الصين ، سيحدث إحتجاج شعبي هائل، لكن هنا لم يوجد أي إحتجاج حوله بالمرّة. لقد إعتاد الناس على ذلك فى الولايات المتحدة.
سؤال 7 : عندما كنت تتحدّث من قبل ، كنت تقول إنّ 10 سنوات من الثورة الثقافية كانت الأكثر إثارة فى حياتك. هل بإمكانك تقديم أمثلة عن تلك الروح التى شعرت بها؟
جواب 7 : ما شعرت به آنذاك هو إحساس قوي بالأمن. لم أكن الوحيد فى هذا العالم. جيرانى ،قادة فرقة الإنتاج ، قادة القرية يعتنون بكل شخص إذا إحتاج للإعانة.
فى 1998 ، أحد أصدقائي الذين عملوا معى إنتحر. حينما بلغنى الخبر من القرية بكيت لأننى شعرت أنه إذا لم يجر تفكيك التعاونية لم يكن ليموت، لم يكن لينتحر. كان من عمرى تقريبا. عندما كان شابا لم يكن يستطيع النهوض باكرا لذا كلّ صباح كان قائد فرقة الإنتاج يرسلنى لإنهاضه. و حين ذهبت لإنهاضه لأوّل مرّة، إستجاب لطلبى و نهض. و قال فى اليوم التالى إنه سينهض لوحده و لم يفعل أبدا. فكان علي أن أخرجه من سريره. و فى اليوم الثالث كانت جدّته جدّ غاضبة من ذلك وقالت لى إنّه يحتاج إلى مزيد من النوم لكن قائد فرقة الإنتاج قال لى " لا تهتمّ لما تقوله الجدّة ، أنهضه إنه يحتاج إلى المساعدة ". و هكذا كان يأتى إلى العمل بمساعدتى و كان يعمل يوميا وهو عامل جيّد و موهوب أيضا. كان يعزف على آلات موسيقية صينية عزفا جيّدا جدّا و كذلك كان يرسم. لكن إثر تفكيك التعاونية ، لم يعد هناك من ينهضه. كان بإمكانه النوم قدرما يستطيع و هكذا إنزلقت حياته لتفوت من بين يديه. و حوالي 1996 -1997 بات مختلاّ عقليا. و قد رأيته لآخر مرّة فى 1997 لمّا عدت إلى منزلنا. رأيته يمشى عاري الجسم فى الطريق العام. رآنى ففرّ عائدا إلى منزلهم. تبعته إلى هناك و سألته لماذا يفعل ذلك فأجاب أن حياته سيئة و لم يعد يريد البقاء قيد الحياة. قلت له إنّه عليه أن يغيّر طريقة تفكيره و إنه عليه أن يواجه التحدّيات. و سألته لماذا لا يعود إلى الرسم إذا لم يستطع فعل أي شيئ آخر. قلت له أيضا أنّنى سأبقى فى القرية لمدّة عشرة أيام و أودّ أن أشتري منه لوحة. فوعدنى بإنجازه لكنه أتانى فى اليوم الموالي و أبلغنى بأنه لا يستطيع إنجازها الآن واعدا بإعدادها فى السنة التالية. فأكّدت له أننى مهتمّ به هو وليس باللوحة إذ كنت أريد أن أراه يقف على رجليه و يمسك مصيره بيديه. لكن بعد أشهر ثلاثة من مغادرتى القرية ،إنتحرشنقا. ولمّا أبلغنى شقيقي الصغير الخبر بكيت بكاءا شديدا. شعرت بأنه إن لم يتمّ تفكيك التعاونية، لم يكن ليحتاج إلى الإنتحار. لم تكن المجموعة إلى جانبه. صار الأصدقاء و الجيران من المنافسين و غرباء عنك. و تلاشت شبكات الأمن. أنتم كأمريكيين إعتدتم على هذا النوع من التنافس. لكن بالنسبة للفلاحين الصينيين الذين عاشوا فى ظلّ النظام الإشتراكي قبلا، كان التغيّر دراميا جدّا بالنسبة للعديد منهم .
سؤال 8 : مثل أي إنسان هنا، أريد حقّا أن أشكرك لإطلاعنا على هذه القصّة الخاصة. و لدي سؤالان إثنان. السؤال الأول هو: لقد أحدثت الثورة الثقافية موجات هزّت العالم هزّا. هل تدركون ذلك فى قريتكم. و ما مدى وعيكم بما حدث فى الوضع العالمي و تداعياته؟
جواب 8 : هذا سؤال جيّد. فى ذلك الوقت عندما كنت فى القرية، شعرت فعلا بأننا كنّا جزءا من الثورة العالمية. كنّا شبابا وكنّا جزءا من صورة كبرى. أذكر أن فى 1971 شهدت منطقتنا جفافا هائلا. و نظّمت حكومة المقاطعة تجمعا ضخما فى ساحة السوق. فى التجمّع قال قادة الحكومة و ممثلو الفلاحين والعمال إننا نناضل ضد هذا الجفاف ليس من أجلنا نحن فحسب و إنما أيضا من أجل دعم قتال الشعب الفتنامي ضد الإمبريالية الأمريكية. كنّا نناضل ضد هذا الجفاف لدعم الشعوب المضطهدة فى أفريقيا و سواها. و إثر التجمع كتب كلّ فرد فى معهدنا تعهد للإلتحاق بالنضال ضد الجفاف إلى جانب القرويين. عملنا جميعا بشدّة و شعرت أنّنى كنت أنجز شيئا له دلالة للمساعدة على الثورة. فى ذلك الوقت ، لم أستوعب أنّ الحكومة تقول لنا إنه لدينا أصدقاء عبر العالم. وعقب الثورة الثقافية، قالت لنا النخبة الصينية إن ذلك كان دعاية حكومية. و لكنه لم يكن دعاية فحسب. إكتشفت هذا حين درست فى سنغافورا. عند وفاة ماو فى 1976 لم تكن للصين علاقات دبلوماسية من سنغافورا. لذا قرّر فرع بنك الصين إقامة حفل تأبين لماو لمدّة ثلاثة أيّام. فجاء سنغافوريون عاديون و بحّارة من العالم قاطبة ليعبروا عن إحترامهم لماو، ليلا نهارا. كان الصفّ طويلا جدّا بحيث كان على مجموعة بنك الصين أن تمدّد حفل التأبين من يومين إلى عشرة أيام. عندئذ أدركت أن نضالنا فى الصين كان مرتبطا بنضال المضطهََدين فى العالم بأسره.
سؤال 9 : هذا ضرب من السؤال المواصل لما سبق. أعلم أن الثورة الثقافية عرفت مراحلا عدّة و فى السنة و نصف السنة تقريبا قبل وفاة ماو ثم الإنقلاب ، كانت فى مرحلة من نوع مختلف، لم تكن الموجة عالية كموجة الملصقات ذات الأحرف الكبيرة و المسيرات الحاشدة طوال الوقت. لكن وُجد البعض منّا الذين كانوا خارج الصين عبر العالم و يتابعون الثورة العالمية و ما تعرفه الصين و يقرأون أشياء. كثيرا ما قرأت مجلّة تسمى " مجلة بيكين" حينئذ. و تحدّثت عن مفعول مقال ماو "لخدمة الشعب" فى القرى. لكن كتبت أشياء فى "مجلّة بيكين" كانت نوعا من الإيحاء إلى الناس فى العالم بأن ماو لن يقطع رأس دنك سياو بينغ و مع ذلك كانت تصرّح بجلاء بوجود صراع خطين فى قمّة الحزب الشيوعي الصيني وأذكر أن على الغلاف كان يوجد عنوان يقول " إنكم تقومون بالثورة الإشتراكية و لا تعرفون أين توجد البرجوازية. إنها بالضبط فى قمّة الحزب الشيوعي ، أتباع الطريق الرأسمالي ". لقد تحدّث كثيرا عن الإختلاف بين الطريق الرأسمالي و الطريق الإشتراكي. هل وُجد معنى لهذا؟ كيف تلقّى الناس ذلك فى القرية؟ أم هل أنّ الثورة الثقافية بلغت نقطة عدم بلوغ هذه الأشياء مسامع الناس؟
جواب 9 : تحدّثت عن هذا فى كتابي ، ما معنى أتباع الطريق الرأسمالي؟ لقد كان الأمر عسير الفهم على البعض. لكن بالنسبة للفلاحين و العماّل الصينيين ، من السهل فهم ذلك. كلمات " أتباع الطريق الرأسمالي " إستعملت على الدوام خلال الثورة الثقافية و صراع الخطين كان موضوع حديث لا ينقطع. و أتباع الطريق الرأسمالي هم الذين لم يريدوا مواصلة الثورة الإشتراكية، الذين يطمحون إلى نمط حياة رأسمالي و الذين لا يريدون العمل. لقد صاروا طفيليين. و أمثلة من هؤلاء كانت واضحة جدا فى القرية قبل سنوات الثورة الثقافية. لم يكونوا يعملون و يحصلون على أكثر من غيرهم. و تحصل عائلاتهم على أكثر من غيرها لكنها لا تعمل من أجل المصلحة العامة. كان الفلاحون يعرفون بالضبط ما يريدون. كانوا يريدون من القادة أن يعملوا معهم. و كانوا لا يريدون العودة إلى المجتمع القديم. الفلاحون و العماّل لا يريدون العودة إلى المجتمع الرأسمالي القديم و لا يريدون كذلك خوصصة الفلاحة.
سؤال 10 : هل هناك أي حركة منظّمة اليوم ضمن العمال و الفلاحين؟
جواب 10 : لا أعلم الكثير عن هذا. لكن هناك عديد المجموعات الصغيرة المختلفة تعمل على تنظيم الشعب. فى محافظة، سنة 2000، وجدت مجموعة من الشباب، من الفلاحين الذين شكلوا تنظيما حول الماركسية و الماوية. و أوقفت الحكومة 200 قائد. و سمعت أن المجموعة نمت بسرعة، إلى أكثر من 2000 شخص فى غضون بضعة أشهر. و الحكومة الصينية تراقب عن كثب هؤلاء الناس. كما وجد البعض الذين حاولوا تنظيم مظاهرات و إحتجاجات. حصلت هكذا أشياء لكنّى لا أرى حاليا منظمة قوية على نطاق البلاد.
سؤال 11: هل هناك أخبار أو تقارير عن تمرّدات واسعة فى الصين ضد الشرطة ؟ هل يمكن أن تحدّثنا عن مدى هذا و سببه؟
جواب 11 : جرى الحديث فى تقرير " النيويورك تايمز" قبل سنتين عن إحتجاجات واسعة النطاق ضد الحكومة فى مقاطعة سشوان. كان عامل مهاجر يعمل فى المدينة حمّلا وهو يحمل سلعا فى شارع المدينة. كان يحمل قطعة حديد طويلة و يعبر الشارع. لمس الحديد إمرأة فغضبت منه و صفعته على وجهه ثمّ دعت زوجها الذى كان عاملا حكوميا من الدرجة الدنيا فجاء فى سيارة حكومية. و ضربا الرجل مجدّدا و قال إن بإمكانه قتل الرجل و لن يكلّفه ذلك سوى 20 ألف دولار. و سمعه الحاضرون فتملّكهم الغضب الشديد. فتجمّع 100 ألف شخص وأشعلوا النار فى سيارته. و توجهوا إلى مقرّ الحكومة و حاصروه لمدّة ثلاثة أيام. و كان على الحكومة أن ترسل حوالي 100 ألف شرطي لتهدئة الحشود. وعقب بضعة أشهر، ايضا فى مقاطعة سشوان جدّ قتال من أجل الأرض وقال التقرير إنّ الفلاحين أمسكوا عمليا بحاكم المقاطعة ليومين و كان على الحكومة أن ترسل عددا ضخما من الشرطة لتهدئة الفلاحين. و إعتقد أن هذا النوع من الأشياء يتواصل فى الصين وغالبية ما يجدّ لا ينقل إلى العالم الخارجي. و كما قلت فى ما مرّ بنا من حديث ، التوتّر مع الحكومة و قدرة الحكومة على التعاطي مع هذا النوع من الأشياء يتقلّص أكثر فأكثر. فى نظر الشعب، الحكومة فى الجهة المقابلة، جهة الأغنياء ،وهي تحاول قمعهم. لهذا أعتقد أن مثل هذا التمرّد يتوسع فى الصين حاليا.
سؤال 12 : سمعت مرّة عن مصادرة أراضي من أجل التطوير الإقتصادي و إنهم إنتزعوا الأرض من الفلاحين لبناء مصنع.
جواب 12 : هذا الضرب من الأمور مستمرّ تقريبا فى كلّ مكان فى الصين. يريد المسؤولون المحليون الصينيون كسب مزيد من المال. يريدون تركيز مناطق تطوّر جديدة. و هكذا حيثما يتمّ تركيز مناطق تطوير جديدة، فإن السكان يجب أن يغادروا المكان و يبيعوا الأرض للمستثمرين. وفى عديد الحالات لم يرد السكان المغادرة و فى أحيان كثيرة أخرى ردّ الفلاحون الفعل. و التناقض بين الفلاحين و المسؤولين المحليين جدّية للغاية فى الصين اليوم.
سؤال 13 : أريد أن أعود إلى تجربتك خلال الثورة الثقافية. فى 1966 كان عمرك 11 سنة و كبرت. لقد وصفت لنا كيف جاء جيش التحرير الشعبي و قرأ تلك المقالات الثلاث، و ناضل الناس فى سبيل مصالهم و غيروا كلّ شيئ و تحدّوا المسؤولين المتخندقين وكنت وأنت صغير السنّ تكتب المعلقات ذات الأحرف الكبيرة و كلّ ذلك. كنت قادرا على الذهاب إلى المدرسة و نشأت و صرت شابا متعلّما فى الريف و مع ذلك وجدت الحملة السياسية التى إمتدّت طوال 10 سنوات. كيف يهمّك هذا، و إلى أي مدى تستمرّ فيه ؟
جواب 13 : لقد تغيّر كامل نظامي الأخلاقي تغيّرا تاما. قبل الثورة الثقافية لم يسمح لى أبى أبدا بالتحدّث إليه، هكذا كانت العائلة الصينية. لم يسمح لى أبدا بالردّ عليه. و كلّما وجد ضيوف فى المنزل لم يكن البتّة يسمح لى بكلمة واحدة. لكن طوال سنوات الثورة الثقافية تغيّر ذلك. قلت: " قال الرئيس ماو بأنّه بإمكانى الردّ عليه!" لكن عديد الناس فى هذه البلاد يرون أنّ الحملة الثورية مثّلت إنقطاعا فى حياتهم. كلاّ. الثورة لم تحدث إنقطاعا فى حياة غالبية الناس ، خصوصا فى القرية. خلال اليوم تواصل العمل و فى الليل كان الناس يخرجون إلى الشارع حيث تنظّم نقاشات كثيرة ، كانت مختلف الجماعات تناقش فى الشوارع. و كنت أنا و أبن عمّى نذهب إلى المتاجر فى بداية الثورة الثقافية لننشر أفكار ماو تسى تونغ. كانت الدكاكين المملوكة للحكومة تمدّد ساعات عملها إلى العاشرة ليلا فى ذلك الوقت. لذا كنّا نذهب إلى المتاجرلقراءة تعاليم ماو و لعرض المسرحيات و ما إلى ذلك. و كان ذلك يسعدنا.
لا أعلم كيف أصف التغيّر فى المناطق الريفية. ربّما أمكننى أن أعطي مثالا عن التغيير. قبل سنوات الثورة الثقافية لم يكن الناس فى منطقتنا يتبرعون بدمهم إلى أي كان، إذا كنت تحتاج إلى نقل دم ، تتجه إلى عائلتك : زوجتك، أبوك أو إخوانك و أخواتك. كان الناس يفكّرون أنّه إذا تبرعت بدمك لإنسان آخر فإنك ستفقد حيويتك فى الحياة. لكن فى يوم من الأيام ، مرض أحد زملائي و إحتاج إلى نقل دم. و كان غالبية عمال المصنع يعملون فى الحقول. كان زمن حركة كبيرة فى القرية. و ذهب عشرون شابا من القرية إلى المستشفى. تحققت الممرضات من نوع دماءنا و تبيّن أننى الشخص الوحيد المؤهّل للتبرّع بالدم. و كنت أعلم وقتذاك أن كلّ واحد من العشرين كان سيعطى دمه لإنقاذ الزميل. و سألنى سكرتير الحزب بالقرية عن ما أنوى القيام به فأجبت بأنه يجب إنقاذ المريض. فنقلوا منّى أكثر من 700 صل و بعد ذلك لم أستطع السير و كان عليهم أخذى إلى المنزل فى عربة. و فى الصباح التالى إستيقظت فوجدت أمّى و خالتى تبكيان. عمليا بكيتا طوال الليل. إعتقدتا أننى لن أقدر على الزواج و أنّ لا فتاة ستقبل أن تتزوجنى. لكن الحياة تغيّرت و لم يشملنى التغيير أنا وحدى. كلّ الذين قصدوا المستشفى يومها كانوا سيكونون سعداء بالتبرّع بدمهم للمريض.
و كلّما حلّت عاصفة، حتى فى منتصف الليل، كان الناس يستفيقون لتغطية المحاصيل الجماعية. و إذا نزل الثلج كان علينا أن ننظّف الطرقات. لم تكن لدينا جرارات كبيرة. كان على كلّ شخص أن يخرج و ينظّف الشوارع. وحصل تغييرهام آخر فى الحياة الريفية ألا وهو عدم وجود تقريبا و لا جريمة طوال سنوات الثورة الثقافية. لسنوات عشر، لم تقع أي جريمة فى القرية. فى كمونة متكوّنة من 50 ألف إنسان، لم أسمع عن أي جريمة جدّية لمدّة سنوات عشر. لكن الآن، أضحى الإجرام أمرا شائعا فى الصين.
سؤال 14: هل يمكن أن تقارن حياتك اليومية أثناء الثورية الثقافية بالحياة اليومية لأجدادك قبل 1949؟
جواب 14 : أجدادى من جهة أمّى من عائلة فقيرة جدّا لكن أجدادي من جهة أبى كانوا يملكون الكثير من التجارة وقتذاك. بيد أن أم جدّى توفيت فعاش جدّى حياة صعبة مع زوجة أبيه لذا هرب و نجح نوعا ما فى منشوريا. ثمّ عاد إلى موطنه و تزوّج. و لاحقا إصطحب أبى عمّتى و جدّتى لتعيشا معه فى منشوريا.
كان تاجرا ومثل غالبية التجار الآخرين، كان يدخّن الأفيون و يرتاد دور الدعارة. فباتت جدّتى مريضة جدّا جراء نمط حياته. و من ثمّة قرّرت العودة إلى القرية دون إعلام جدّى. و إعتقدت عائلتها أنها عادت إلى القرية بعلم جدّى و توقعت أنها أحضرت معها بعض المال للعائلة لكن خاب ظن عائلة جدّتى فغضبت و عندما تقاسمت العائلة الأملاك، لم تحصل جدّتى على أي شيئ. و هكذا كان على أبى أن يشتغل لدى الرأسماليين كعامل طفل من 1942 إلى صعود الشيوعيين إلى السلطة فى 1949. و مردّ مساندة أبى للحزب الشيوعي كان عمله ل18 سنة يوميا. كان عليه أن يلتقط ثمارمزارع الرأسماليين وأن يقوم بالشؤون المنزلية زيادة على العمل لساعات طوال فى المصنع. و لمّا صعد الشيوعيون إلى السلطة بات يوم العمل يعدّ 8 ساعات و من هنا تغيّرت حياة جدّى إلى الأفضل فى ظلّ الإشتراكية. و كان أبى يؤمن بالبوذية ، و بعد صعود الشيوعيين إلى السلطة لم يعد يؤمن بها. و فى الإحتفال بالسنة الصينية الجديدة ، كانت أمّى عادة ما تسأل راكعة آلهة العائلة. و كان والدى يقول لى على الدوام بألاّ أفعل ذلك. قيل له إنه يتألّم لأنه قام بشيئ خاطئ فى حياته السابقة. لقد غيّر حياته السابقة، لكن حياته تغيّرت فجأة للأفضل مع وصول الحزب الشيوعي للسلطة.
كلّ من أبى و أمّى إضطرّا للتسوّل قبل 1949 و كانا طوال الوقت جياعا. و جدّايا توفيا فى 1944 و هما فى الثلاثين من العمرلغياب الرعاية الصحية. و يمكننى تذكّر أننى لم أشعر أبدا بالجوع. على الدوام كان لدي ما يكفيني للأكل. وأبى لم يأتينى بأية ألعاب وأنا طفل. و عادة ما أقارن طفولتى بطفولة إبنى فى الولايات المتحدة. حينذاك، كان لدينا بالحي الكثير من الأطفال نلعب معهم و كنّا نصنع ألعابنا بأنفسنا. لعبنا ألعابا كثيرة. و كنّا نلعب ألعابا شعبية فى الشوارع عندما لم يكن لدينا ما نقوم به فى الحقول. وعادة ما أسأل إبنى ما هي الطفولة الأفضل. و بالطبع من الصعب بالنسبة إليه تصوّر الأمر لكننى أؤمن بقوّة بأنّ طفولتى كانت صعبة أكثر بكثير و أكثر إبداعا من طفولة إبنى الذى لم يكن لديه شيئ آخر سوى الألعاب و لعب الفيديو. كانت حياتنا جماعية و تعلّمنا التعامل مع بعضنا البعض و تعلّمنا كيف نطوّر قدرات قيادية واشياء مشابهة. و ليس لإبنى هذه القدرات. لمّا أتيت إلى الولايات المتحدة لأوّل مرّة ، حضرت درسا عن الثورة الثقافية و قال الأستاذ إنّ التربية أثناء الثورة الثقافية كانت كارثة ووافقه غالبية الطلبة الرأي. و فى النهاية ، قلت للقسم إنّنى نتاج لتربية الثورة الثقافية. و تحدّيت القسم برمّته فى منافسة للتعرّف على من هو أكثر تربية و لم يجرأ أحد على رفع التحدّى.

1) إنطلقت القفزة الكبرى إلى الأمام فى 1958 و كانت حركة لتثوير العلاقات الإقتصادية و الإجتماعية فى الريف الصيني. طوال ثلاث سنوات ، نظّم الفلاحون أنفسهم فى كمونات أوجدت أشكال عمل و تربية و صحّة و رعاية أطفال جماعية أوفر تقدّما. و شهدت القفزة الكبرى إلى الأمام توسّع الصناعة فى الريف و النطاق الواسع للري و بنى تحتية أخرى. و شملت النضال من أجل الوعي الإشتراكي، و العمل من أجل الصالح العام، و النضال ضد الإيديولوجيا الإقطاعية و البرجوازية و البطرياركية.

















الفصل الثالث
من الصين الإشتراكية إلى الصين الرأسمالية
1- من صين ماو الإشتراكية إلى صين دنك الرأسمالية : برنامج دنك الذى طبق فى الصين بعد إنقلاب 1976 يميط اللثام حتى أكثرعن الخط التحريفي الذى ناضل ضده الشيوعيون الماويون:

" إن أسلوب التحليل هو ألإسلوب الديالكتيكي . ونعنى بالتحليل تحليل التناقضات الكائنة فى الأشياء . و بدون معرفة تامة بالحياة و فهم حقيقي للتناقضات المراد بحثها ، يستحيل إجراء تحليل سديد "

(ماو ، مارس ،آذار 1957 ص 226 من مقتطفات من أقوال الرئيس ماو تسي تونغ)




" إذا إفتك التحريفيون مستقبلا قيادة الصين ، على الماركسيين –اللينينيين فى كافة البلدان أن يفضحوهم بصرامة و أن يناضلوا ضدهم و أن يساعدوا الطبقة العاملة و الجماهير الصينية فى قتال هذه التحريفية . " (ماو تسى تونغ ،1965) .



إذا توصل أناس مثل لين بياو إلى السلطة ، سيكون من اليسير عليهم أن يعيدوا تركيز النظام الرأسمالي -
( ماو تسى تونغ ،سنة 1975 : تصريح خلال حملة " دراسة نظرية دكتاتورية البروليتاريا و التصدى للتحريفية "و كان يقصد بجلاء أناس مثل دنك سياو بينغ )

لقد كان ماو تسى تونغ واعيا تمام الوعي بالخطر الحقيقي الداهم و إمكانية ردة تحريفية فى الصين مثل الردة التى حصلت منذ أواسط الخمسينات فى الإتحاد السوفياتي فمسألة من سينتصر فى النهاية ،الطريق الإشتراكي أم الطريق الرأسمالي لم تحسم فى المجتمع الإشتراكي كمجتمع توجد فيه طبقات و تناقضات طبقية تناحرية و صراع طبقات تتمحور بالأساس فى صفوف الحزب الشيوعي فى صراع خطين حول الطريق الإشتراكي و الطريق الرأسمالي. وصحة الخط من عدمه هي المحددة فى تطور المسار و الإتجاه الذى سيتخذه الحزب و الدولة و بالتالى المجتمع الإشتراكي فيبقى على الطريق الإشتراكي و يعمق المضي صوب الشيوعية أو يعيد تركيز الرأسمالية. و وصول التحريفية إلى السلطة يعنى وصول البرجوازية إلى السلطة كما صرح بذلك ماو تسى تونغ .
وهو ينهض بمهمة مكافحة إعادة تركيز الرأسمالية بالصين ، خاض ماوتسى تونغ على رأس الخط الثوري للحزب الشيوعي الصيني بكل ما أوتي من جهد قيادي معارك عدة ضد الخط التحريفي و أعظم تلك المعارك هي معركة الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى التى إمتدت من 1966 إلى 1976 لكن بعد وفاة ماو تسى تونغ ، فى أكتوبر 1976 نظّم التحريفيون إنقلابا فبلغت البرجوازية السلطة فى الصين.
رفع التحريفيون الذين إفتكوا السلطة منذ 1976 إثر إنقلاب على الخط الشيوعي الماوي ممثلا فى من أسموهم "عصابة الأربعة " ( فى الواقع "الخمسة " فماو معهم و قائدهم فى حياته ) راية برنامج "التعصيرات الأربعة " و طبقوه وهو برنامج قد تعرض للنقد من طرف الشيوعيين الماويين قبل وفاة ماو كما تعرض القائد الأعلى للتحريفيين و خطه اليميني فى الصين إلى حملة نقد جماهيرية سنة 1976 قادها الحزب و على رأسه الرئيس ماو .
" المهمة الأساسية للحزب كافة و لشعب البلاد كافة ،و ليس فى الوقت الراهن وحسب ، بل كذلك على طول المرحلة التاريخية الإشتراكية بأسرها ، بما فى ذلك الخمس و العشرين سنة القادمة ، هي النضال تحديدا من أجل تحقيق البرنامج الأساسي لحزبنا [ أنظر "وثائق المؤتمر العاشر للحزب الشيوعي الصيني" ] و تنفيذ خطه الأساسي . هل ينبغى أن نطور الإقتصاد الوطني ؟ هل ينبغى أن نحقق التعصير الشامل للفلاحة و الصناعة و الدفاع الوطني و العلم و التكنولوجيا على مرحلتين قبل نهاية القرن ؟ بالطبع ينبغى ذلك غير أن هذه ليست سوى مهمة علينا الإضطلاع بها لإنجاز البرنامج الأساسي لحزبنا . و بالرغم من أنها مهمة جبارة ، فهي ليست المهمة الأساسية لحزبنا ، و أقل من ذلك حتى ، ليست المهمة العامة لحزبنا . فى أصلها " التعصيرات الأربعة " رُسمت كمخطط فى علاقة بمهمة تطوير الإقتصاد الوطني . مع ذلك لنكشف خدعة خطيرة للغاية هي أن "البرنامج العام " [ وثيقة من ثلاث نصوص تحريفية عرضت الخط التحريفي البرجوازي ساهم فى صياغتها كل من دنك سياو بينغ و هواو كوفنغ رأسا حربة إنقلاب أواخر 1976 ، وهي نصوص نقدها الشيوعيون الماويون مستخلصين أنها "طفيليات سامة " ] يقدم تحقيق "التعصيرات الأربعة" مقدمة عظيمة لجميع العمل كله فى الوقت الراهن و فى الخمس و العشرين سنة القادمة ، مقدمة ينبغى أن يقوم عليها كل عملنا . و هذا يبين أن فى نظر أولئك المتعنتين أتباع الطريق الرأسمالي فى الحزب ،حاليا ، المهمة الوحيدة هي الإنتاج و البناء و لا حاجة إلى الصراع الطبقي و الثورة البروليتارية و دكتاتورية البروليتاريا . و بالتالي يتنكر هذا كليا للبرنامج الأساسي لحزبنا و يتلاعب بصراحة بالمهمة و التوجه الأساسيين للتقدم بالنسبة للحزب كافة و لشعب البلاد كافة ." ( تشانغ يُياه ، مجلة " دراسة و نقد " ،غرة أفريل 1976 ، أثناء " الحملة ضد دنك و الإنحراف اليميني داخل الحزب" ) .
و معلومة شهيرة هي جمل ماو تسى تونغ المقيمة لدنك سياو بينغ و التى روجت خلال الحملة المذكورة أعلاه و منها :
" إنه لا يولي أية أهمية للصراع الطبقي ، لم يذكر هذا المحور البتة . و يكرر على الدوام صيغته :" قط أبيض ، قط أسود " دون التفريق بين الإمبريالية و الماركسية " و " إنه لا يفهم شيئا من الماركسية –اللينينية ، إنه يمثل البرجوازية ".
قبل ذلك ، فى خضم الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى ، كان دنك سكرتيرا عاما للحزب إلى جانب ليوتشاوشى المسمى بخروتشوف الصين هدفا مباشرا لهجمات الخط الشيوعي الماوي و الجماهير الواسعة ضد التحريفية . وأقيل من مناصبه ولم يعد إلى المناصب القيادية إلا فى ظروف معركة محتدمة بين الماويين من جهة و التحريفيين اللين بياويين من جهة أخرى و ذلك إثر محاولة إنقلاب لين بياو سنة 1971 و بعد أن قدم نقده الذاتي و إعتبر خط الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى و منجزاتها مكاسبا وجبت المحافظة عليها و صيانتها و تطويرها . إلا أنه عاد بوضوح إلى التآمر على الخط الثوري الماوي ليكون أحد أهم القادة الذين كانوا وراء أحداث تيان آن مان الرجعية سنة 1976 .
حالئذ ، فى 7 أفريل 1976 ، أصدرت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني القرار التالي :
" قرار اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني حول إقالة دنك سياو بينغ من كل مناصبه فى كل من داخل الحزب و خارجه و هذا القرار ينص على :" بعد نقاش الحدث المعادى للثورة الذى شهدته ساحة تيان آن مان و آخر تصرفات دنك سياو بينغ ، تعتبر اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني أن طبيعة مشكل دنك سياو بينغ غدى تناقضا تناحريا . و بإقتراح من قائدنا العظيم الرئيس ماو ، إتفق المكتب السياسي بالإجماع على إقالة دنك سياو بينغ من كل مناصبه فى كل من داخل الحزب و خارجه بينما يسمح له بالمحافظة على عضويته فى الحزب بهدف مراقبة تصرفه مستقبلا ." ( " مجلة بيكين"عدد 15 ، 9 أفريل 1976 ) . و لن يعود دنك إلى دفة السلطة و فى أعلى مناصبها إلا بعد إنقلاب 1976، فى الإجتماع الثالث للجنة المركزية فى 1977 ، ليمسي الرمز الأول للصين الرأسمالية .
كل هذه الحقائق الدامغة يتجاهلها أعداء الماوية و نقادها من كل الأرهاط و بصورة خاصة الخوجيون المفضوحون منهم و المتسترون و التروتسكيون إلخ ليضعوا فى نفس السلة ماو تسى تونغ و دنك سياو بينغ و لين بياو بل ليعتبروا أعداء الماوية هؤلاء ماويين و مثال ذلك ما فعله و يفعله الخوجيون المفضوحون فى كتبتهم و "بحوثهم"... إنهم يخلطون الأوراق عمدا عامدين و يخلقون تشويشا و بلبلة لينشروا خطهم الدغمائي التحريفي و ينالوا من التجربة البروليتارية الصينية الشيوعية الماوية أرقى تجارب دكتاتورية البروليتاريا العالمية . إنهم يشوهون الماوية و الحقائق التاريخية و كمثاليين يطبقون عكس المنهج الذى دعى إليه لينين العظيم فى "ما العمل ؟"، مطلع القرن العشرين :
" ينبغى للمرء أن يكون قصير النظر حتى يعتبر الجدال بين الفرق و التحديد الدقيق للفروق الصغيرة أمرا فى غير أوانه أو لا داعي له . فعلى توطد هذا " الفرق الصغير " أو ذاك قد يتوقف مستقبل الإشتراكية – الديمقراطية الروسية لسنوات طويلة، طويلة جدا " .
مستقبل الشيوعية لا يهم الخوجيين المفضوحين منهم و المتسترين وغيرهم من التحريفيين ، مستقبل الحركة الثورية للبروليتاريا العالمية لا يشغل بالهم و لا ينعكس ذلك فى هذه المسألة فحسب بل فى مسائل أخرى ليس هذا مجال الخوض فيها . بإختصار شغلهم الشاغل هو الإتقضاض على الماوية ليس إلا .
-------------------------------------------------------------------------------------------------------
و قد أجلينا ما أجلينا من هذه الحقائق الأولية لنمضى إلى تحليل خط دنك الذى طبق فى الصين معيدا تركيز الرأسمالية عقب كسب آخر المعارك الكبرى ضد الماوية التى تمحورت ، بالأساس بعيد المؤتمر العاشر حول خط المحافظة على مكاسب الثورة الثقافية و تطويرها و تعميقها و نقيضه خط التراجع عن الثورة الثقافية و قلب التوجه العام للحزب و الدولة و طبيعتهما .( أما التأريخ الدقيق لتلك المعركة الكبرى الأخيرة لماو تسى تونغ و كيفية خوضها و الإنقلاب و أسباب هزيمة الماويين الصينيين فقد أفرد له ريموند لوتا مقدمة كتابه " و خامسهم ماو" سنة 1978 ) .
1- أهم محطات التخلى عن الماوية :
عقب وفاة ماو تسى تونغ ، عينت القيادة الشيوعية الماوية أن من أوكد المهام الملحة مهمة فضح "الخط التحريفي المعادي للثورة لليوتشاوشى و لين بياو و دنك سياو بينغ " و "تعميق نقد دنك سياو بينغ و مواصلة النضال لصد محاولة اليمين التحريفي الإنقلاب على القرارات الصحيحة و توطيد و تطوير إنتصارات الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى و صيانة الأشياء الإشتراكية الجديدة بصرامة و تقييد الحق البرجوازي و مزيد تعزيز دكتاتورية البروليتاريا فى بلادنا " ( ص 7 و 10 من "مجلة بيكين " عدد 38 ، 1976 )
على هذا الخط الشيوعي الماوي سينقلب التحريفيون و قادتهم هواو كوفينغ و دنك سياو بينغ بعد وفاة ماو تسى تونغ فى أكتوبر 1976 . و لئن فقدوا الكثير من مراكز نفوذهم أثناء الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى فإن التحريفيين لم يفقدوا كل قواهم و مثلما تنبأ بذلك ماو فإن طبيعتهم الطبقية ستدفعهم من جديد و تكرارا فى محاولة الإنقضاض على الخط الثوري و إلحاق الهزيمة به . ومنذ بداية السبعينات كانوا يهاجمون مجددا و بضراوة و يقيمون الإستعدادات للإنقلاب و إفتكاك السلطة بالرغم من مقاومة الشيوعيين الماويين الصلبة فى تلك المعركة الأخيرة قبل الإنقلاب .
حين تمكن التحريفيون و بالتالي تمكنت البرجوازية من إنجاح الإنقلاب و أمست تمسك بخيوط و ناصية الحزب و الدولة أضحى الحزب الذى كان ثوريا فى طرفه أو مظهره الرئيسي المحدد لطبيعته حزبا تحريفيا و أضحت الدولة البروليتارية دولة برجوازية و كان مصير الثوريين الشيوعيين الماويين القتل و السجن و الطرد من الحزب إلخ كل ذلك رغم ما أظهروه من روح قتالية عالية و نضال حازم و متفان بكل الأشكال حتى المسلح منها و طوال أشهر .
و نظرا لأن الماويين فضحوا جماهيريا التحريفيين و برنامجهم البرجوازي لإعادة تركيز الرأسمالية ، لجأت عصابة الإنقلابيين إلى تكتيك توجيه تهم من كل لون "للأربعة " ( بالأحرى "الخمسة "لأن ماو كان معهم و قائدهم ) من جهة و إدعاء هواو كوفينغ أنه سيواصل الطريق الذى خطه ماو تسى تونغ ، غايتهم خلق الضبابية و بث الرماد فى عيون الجماهير ليسهل عزل الماويين عن الجماهير و ضربهم مع تجنب ردود فعل الجماهير الكادحة المناصرة للطريق الإشتراكي و المعادية للطريق الرأسمالي .
و قد أفلح التحريفيون أتباع الطريق الرأسمالي و بالتالي أفلحت البرجوازية الجديدة فى مسعاهم و حققوا تغييرات يمينية نوعية رافعين راية الماوية لإسقاط الماوية و منفذين برنامجا معاديا للماوية على طول الخط . و قد تم لهم ذلك عبر محطات هامة و على "جرعات" بحكم المعارضة التى لقيها توجه هواو كوفينغ – دنك سياو بينغ اليميني بالفعل ، داخل الحزب و خارجه . فالموقف العلني للتحريفيين من الماوية كان يأخذ بعين الإعتبار فى كل خطوة ميزان القوى السياسي منطلقا من إعلان تبنى الإرث الماوي و مواصلة إتباع الطريق الذى خطه منتهيا إلى الهجوم الصريح تماما و كليا على الماوية و منجزاتها .
--------------------------
بداية ، ندعوكم للإطلاع على بعض محتويات مقال للدكتور عبد الرحمان أحمد حسين" الثورة الثقافية فى تاريخ الصين " ورد فى مجلة "عالم الفكر " ، المجلد التاسع عشر ، العدد الأول ،أبريل –مايو –يونيو 1988 علما و أن المقال الموثق فى مجلة متداولة و سهلة الإقتناء يذهب تماما ضد ماوتسى تونغ و يساند دنك سياو بينغ بيد أن ما يهمنا هنا هو بعض الحقائق التاريخية التى سجلها كما سجلتها مئات الكتب بمختلف اللغات عبر العالم .
" ...و كان لدور هواقوة فينغ الأثر الفعال فى إزالة "عصابة الأربعة " فى أكتوبر1976 إلا أنه أعلن " أن كل القرارات السياسية التى إتخذها الرئيس ماو سنؤيدها بحزم ، وكل التعاليم التى أصدرها الرئيس ماو سوف نتمسك بها دون تردد " . و قد أيد المؤتمر الوطني الحادي عشر للحزب المنعقد فى أغسطس 1977 وجهة نظر هواقوة فينغ هذه رغم أنه لم يتردد فى دحض "عصابة الأربعة " و إبراز إنحرافاتهم و محاكمتهم مع من كان يؤيدهم فى المراكز العليا للحزب ." ( ص 138)
و يزيد صاحب المقال الأمر شرحا فى الصفحة ذاتها :
" ... فقد شهد المؤتمر الحادي عشر للحزب الذى أكد نظريات و سياسات الثورة الثقافية وجود 109 أعضاء فى اللجنة المركزية للحزب من بين 201 عضوا من عهد ماو تسى تونغ ، كما كان ثلثا عدد أعضاء المكتب السياسي من عهد ماو أيضا ".
و هكذا ، كان على الجماعة التحريفية " أن تنتظر حتى إجتماع اللجنة المركزية فى دورتها التالية فى ديسمبر 78 بعد أن تساقط [ إقرأ قتل و طرد من الحزب ] كثير من الأعضاء القدامي لتتخذ قرارها الجديد ببدء " ثورة التعصيرات الأربع" بدلا من الثورة الثقافية "
هذه إذا بعض المعطيات التاريخية التى تبرز التكتيك الذى توخاه التحريفيون تجاه ماو و الماوية متقنعين بداية بإتباع نهجه ثم منقلبين علي الماوية فى النهاية كليا ،علنا و صراحة. فعقب الإنقلاب على من سماهم التحريفيون"عصابة الأربعة " (و هم ينتمون إلى أعلى مناصب الحزب الشيوعي الصيني حينها إذ كان وانغ هونغ وان نائب رئيس الحزب منذ 1973 و كان تشانغ شوان كياو عضوا فى اللجنة المركزية الدائمة للمكتب السياسي و كان كل من ياووان يوان و تشانغ تشنغ عضوان بالمكتب السياسي منذ 1969 –مزيدا عنهم فى الملحق ) أي القادة الشيوعيين الماويين حقا ، بعيد وفاة ماو ، شرع التحريفيون فى الهجوم على كل منجزات الثورة الثقافية بتعلة أنها كانت إجراءات أتباع الطريق الرأسمالي الممثلين (و هذا تزوير ) ب "عصابة الأربعة " و لين بياو . و بهذا كان الهجوم على الماوية هجوما غير مباشر و غير علني لم يذكر فيه ماو حرفيا بل كان خطه الثوري الذى جسده الثوريون الصينيون و منهم القادة "الأربعة " هو محل الهجوم الذى إتخذ شكل حملة شعواء .
و تشويها للخط البروليتاري الذى قاتل و لا يزال بضراوة داخل الحزب ، نعت التحريفيون " الأربعة "و بقية الشيوعيين الماويين بكل النعوت التى كانت توجه لليمينيين أيام الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى و ألصقت بهم تهم لا حصر لها و لا أساس لها من الصحة .هذا من ناحية و من ناحية أخرى رُبطت أسماؤهم بإسم المرتد لين بياو و هذا ليس أمرا عرضيا و إنما هو تكتيك سياسي خبيث آخر يرمى التحريفيون من ورائه أولا إلى طمس الخط الفاصل بين لين بياو المرتد و "الأربعة " الماويين الثوريين الذين خاضوا فى أواخر الستينات و أوائل السبعينات صراعا لا هوادة فيه ضد لين بياو و كان ماو يقودهم شخصيا فى ذلك و ثانيا إلى جعل الجماهير تنفض من حول الماويين و ترى فيهم معادين للثورة و مرتدين مثل لين بياو و من ثمة لن يبقى أمام الكادحين من رافع لراية الشيوعية سوى الطغمة التحريفية . فكان هذا التكتيك التحريفي البرجوازي ركيزة جوهرية فى إنتصار الطريق الرأسمالي على الطريق الإشتراكي فى الصين.
و دليل دامغ على ذلك هو ما صرح به دنك نفسه ضمن "إجابات على أسئلة الصحفية الإيطالية أوريانا فالاتشى " فى 21 و 23 أغسطس (آب) 1980:" سؤال : نجد نحن الغربيين أشياء كثيرة عسيرة الفهم . فاللوم يوجه لعصابة الأربعة على كل الأخطاء . و قيل لى أن الصينيين إذا ما تحدثوا عن عصابة الأربعة أشار كثير منهم بخمس أصابع .
جواب : يجب أن نضع خطا واضحا بين أخطاء الرئيس ماو و جرائم لين بياو و عصابة الأربعة ..."( المصدر السابق بالفرنسية و ، ماو تسى تونغ : سيرة حياة –تقييم –ذكريات بيكين 1989 بالعربية ،ص 105)
حتى دنك لم يستطع أن ينكر حقيقة أن الصينيين " إذا ما تحدثوا عن عصابة الأربعة أشار كثير منهم بخمس أصابع ." و لكنه يمضى فى مغالطاته .
و تجنبا للدخول فى صدام مباشر مع الماويين الحقيقيين داخل الحزب و خارجه أعلن التحريفيون ممثلى البرجوازية الجديدة نهاية الثورة الثقافية دون تقديم أي تقييم للجوانب الإيجابية على جميع المستويات وهي بنسبة 70 بالمائة حسب ماو ذاته و دون تحديد الأخطاء التى ينبغى تجنبها وهي بنسبة 30 بالمائة حسب ماو أيضا . و فتح هذا الإجراء الأولي الباب واسعا فى ما بعد فى مرحلة أولى ، أمام بث الشك و الريبة فى أهداف الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى و دورها فى التصدى لإعادة تركيز الرأسمالية و صلوحيتها كأداة ووسيلة مواصلة الثورة فى ظل دكتاتورية البروليتاريا تاريخيا صينيا و عالميا وفى مرحلة ثانية ، أمام مراجعة قرارات و مقررات و تقارير المؤتمرين التاسع و العاشر للحزب الشيوعي الصيني و هما مؤتمرين ساد فيهما الخط الشيوعي الماو
و فى خطوة تالية ، رفض التحريفيون الذين أعلنوا سابقا "سوف نؤيدها و سوف نتمسك بها دون تردد" تطبيق التوجيهات و القرارات التى إتخذت فى ظل قيادة ماو سنة 1976 و منها طرد دنك من المناصب العليا للحزب و بالعكس أعادوه إلى قمة السلطة و تخلصوا من الثوريين الماويين بدعوى أن " ماو ذاته صرح فى عدة مناسبات أن بعض تصريحاته لم تكن صحيحة تماما . و لا وجود لإنسان ، كان يقول ، معصوم من الخطإ إلا الذين لا يقومون بأي عمل " كما ورد فى نص الداهية التحريفي دنك سياو بينغ مؤرخ فى 24 ماي 1977 (ص 42 من "نصوص مختارة " لدنك سياو بينغ 1975-19782 ، الطبعة الأولى سنة 1985 ، عن منشورات اللغات الأجنبية ،بيكين ، الطبعة الفرنسية ).
رغم قتل عديد الماويين الحقيقيين و سجنهم ، لم تكف المقاومة الشيئ الذى أملى على التحريفيين اللجوء من ناحية إلى المهاجمة العلنية و الجريئة للكوادر القيادية المعروفة بتبنيها و تطبيقها للخط الشيوعي الماوي و من ناحية ثانية إلى إرجاع الكوادر التحريفية ،أتباع الطريق الرأسمالي الذين تم طردهم خلال الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى . و قد أعلن ذلك دنك سياو بينغ صراحة فى 23 أوت 1977 متحدثا عن الجيش بأنه :" أولا ، يتعلق الأمر ،بداهة بالقيام بتغيير الجماعات القيادية فى مختلف الدرجات و أيضا تغيير الكوادر التى أوصى بها الرفيق ماوتسى تونغ ". ( المصدر السابق ،ص72) . ثم يضيف بالصفحة ذاتها " فبعضهم [الكوادر العسكرية ] التى كانت موجودة قبل طردها من قبل لين بياو و عصابة الأربعة ، يجب إذا إعادتها إلى مواقعها السابقة ".
وضعنا سطرا تحت كلمتي "بداهة " و "إذا" لأنهما جد معبرتين عن الخط الذى يقود دنك سياو بينغ و هواو كوفينغ المناقض كليا للخط البروليتاري الثوري الماوي .ذلك أن تغيير الكوادر القيادية أمسى بديهيا بعد تغير الخط القائد للحزب و المحدد لطبيعته . و بهذا قطع التحريفيون و قطعت البرجوازية الجديدة شوطا جديدا فى تعرية وجوههم الحقيقة علنيا .
و فى 30 مارس 1979 ، قيم دنك نتائج نشاط الخط التحريفي التخريبي فقال : "خلال السنتين و نصف السنة اللتين تلتا سحق هذه العصابة [نقرأ الإنقلاب على الثوريين و تغيير لون الحزب و الدولة ] توصلنا فعليا إلى القضاء على قوتها السياسية المعادية للثورة و إلى تحرير و تقوية الجماعات القيادية فى مختلف المجالات . فى الحزب و فى الحكومة و فى الجيش و سلطة الإدارة هي حاليا ، فى الأساس بين أيدى كوادر تتمتع بثقة الشعب [نقرأ البرجوازية الجديدة ] ، و العمل رجع فيها إلى مساره العادي ."
و على الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى التى أوقفت دون شرح للأسباب و دون تقييم لها ، قاد دنك الهجوم بدهاء منقطع النظير حيث بعد فتح الباب للشك و الريبة فيها كما ذكرنا أعلاه إنتقل إلى الحمل عليها بما أوتي من جهد تحريفي معربا فى مارس 1980 (ص 288 من مختاراته ) :" صحيح أن الرفيق ماو تسى تونغ إرتكب أخطاء فى العشر سنوات من "الثورة الثقافية " ..."
و لئن لم تعد الثورة الثقافية ثورة ثقافية بروليتارية كبرى بإعتبار أن دنك وضعها بين ظفرين ، فإن بعض الأخطاء ستضحى أخطاء خطيرة و ستستحيل الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى فى كليتها خطأ مريعا فى أعين البرجوازية الجديدة الصينية : " لقد كانت "الثورة الثقافية " فى حقيقة الأمر خطأ مريعا ." ( ص 111 من "ماوتسى تونغ سيرة حياة ...) .
و لم يتوقف الأمرعند هذا الحدّ ، لخلط الأوراق إلى النهاية ،أعلن رمز التحريفية الصينية الجديد عدم صياغة ماو تسى تونغ لفكر ماو تسى تونغ بل إعتبر أن فكر ماو تسى تونغ حصيلة أعمال ماو تسى تونغ و أعداء الماوية أيضاعلى غرار تشو آن لاي و ليو تشاوشى- خروتشوف الصين - و تشو ده و آخرين أيضا لم تذكر أسماؤهم .
ورد فى الحديث الصحفي الذى مر بنا (مع الصحفية الإيطالية ) :
" سؤال : قلتم إن هنالك أشخاص آخرين ساهموا فى تشكيل فكر ماو تسى تونغ . من هم ؟
جواب : إنهم ثوريو الجيل القديم ،مثلا ، الوزير الأول شوآن لاي ، الرفيق ليوتشاوتشى و الرفيق تشو ده و عديد الآخرين أيضا . "
و تنتهى مؤامرة تحطيم الخط الشيوعي الثوري الماوي بالنيل من ماو تسى تونغ على المستوى الشخصي بإتهامه بأنه غير نزيه و متقلب فى مواقفه (ص 292) و بأنه فقد مداركه العقلية !!! إذ نقرأ : "من الصحيح أن الرفيق ماو ، فى نهاية حياته ، لم يعد منطقيا فى تفكيره ."(ص 298) .
-----------------------------------------------------
و قراءة نقدية فاحصة لمقدمة المجلد الخامس من "مؤلفات ماو تسى تونغ المختارة " تبين كذلك تضاد الخط الإشتراكي الماوي و الخط الرأسمالي التحريفي . ففى هذا المجلد المنشور سنة 1977 ، بعد وفاة ماو و الإنقلاب التحريفي بسنة تقريبا، جاء فى التقديم أن ماو تسى تونغ واصل الماركسية-اللينينية و حافظ عليها و طورها فى إطار الصراع الذى خاضه الحزب و الشعب بقيادته للقيام بالثورة و البناء الإشتراكيين و الصراع ضد الخطوط التحريفية التى تظهر لا محالة فى سيرورة الصراع الطبقي تفرزها تناقضات المجتمع الإشتراكي ذاته . و تعدد الخطوط التحريفية كما يلى "كاوكاينغ ، جياو تشوتشى، بنغ تاه هواي ، ليوتشاوتشى ، لين بياو ، وانغ هو نغ وان ، تشانغ شوان كياو ، كيانغ تسنغ ، ياو وان يوان ". (ص5، الطبعة الفرنسية ) .
نلاحظ أن ليوتشاوتشى- الملقب بخروتشوف الصين - و بنغ تاه هواي يعدان تحريفيين فى حين أن دنك سياو بينغ لاحقا (ص 289 من نصوصه المختارة ) قال : " فى الماضى كان يقع الحديث دائما عن عشر صراعات خطية . كيف يجب أن ننظر إليها اليوم ؟
ذلك الذى يخص الرفيق بنغ تاه هواي لا يجب أن يعد ضمنها و الشيئ نفسه بالنسبة لذلك الذى يخص الرفيق ليو تشاو تشى" و يشدد على ذلك " ضمن الصراعات العديدة بين الخطين التى كان يتم الحديث عنها فى الماضي ، هنالك على الأقل إثنان لا يمكن إعتبارهما صراعات خطين و يجب أن نقلب راديكاليا الإستنتاجات المبنية عليهما و أقصد الصراعان الخاصان بليوتشاوتشى ." (ص 305) .
فى مقدمة المجلد الخامس فى فترة حرجة من صراع الشيوعيين الماويين كمعارضة ضد التحريفيين الذين نظموا الإنقلاب و أنجزوه مغيرين لون الحزب و الدولة فى الصين ، إعتبر ماو تسى تونغ أعظم ماركسي-لينيني الستينات و السبعينات و أن لما أضافه للماركسية-اللينينية أهمية لا متناهية لا سيما أثناء الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى .ومتى أمسكت التحريفية بشكل صلب بمقاليد الحكم تغير تقييمها و إتجهت إلى إعتبار كتابات ماو تسى تونغ إلى حد 1957 صحيحة أما التالية فخاطئة و وصمت الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى بأنها خطأ مريعا. وتماشيا مع هذا التقييم التحريفي، ينكث الوعد بنشر كتابات ماو الأخرى (سوف "ننشر الأجزاء الأخرى تباعا" :مقدمة المجلد الخامس ).
---------------------------------------------------------- فى هجومهم المسعور على الخط الشيوعي الماوي إنطلق التحريفيون البرجوازيون الجدد من التقنع براية ماو تسى تونغ ليسقطوها و مرّوا للتشكيك ثم إلى تخطئة ماو تسى تونغ جزئيا وبعد ذلك تخطئته بالأساس فكليا بعد 1957 محطمين الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى كأعظم إسهامات ماو تسى تونغ فى علم الثورة البروليتارية العالمية . و إنتهوا تاليا إلى ذرّ الرماد حول حتى مصدر فكر ماو تسى تونغ جاعلين من أعداء الماوية مساهمين فيه و فى آخر المطاف بثوا سم أن ماو تسى تونغ فى آخر حياته فقد مداركه العقلية .
كل هذه الحقائق التى سجلها التاريخ بجلاء ينكرها الدغماتحريفيون الخوجيون فأنور خوجا فى "الإمبريالية و الثورة " و تلاميذه فى كتبهم و"بحوثهم"... و غيرهم م التحريفيين يصرخون بأن دنك سياو بينغ مواصل لسياسات ماو تسى تونغ و خطه الإيديولوجي و السياسي و التنظيمي . إنهم هكذا يلتقون مع دنك سياو بينغ ليس فى تكتيك خلط الأوراق فقط بل فى نقاط إيديولوجية و سياسية و تنظيمية عديدة و غاية جميعهم النيل من الماوية كأعلى قمة بلغها تطور علم الثورة البروليتارية العالمية لأجل تكريس خطهم هم المعادي للشيوعية.
2- خط التعصيرات الأربعة التحريفي يتناقض مع الخط الشيوعي الماوي "القيام بالثورة مع دفع الإنتاج " أو خط المؤتمر الحادي عشر يتناقض مع خط المؤتمرين التاسع و العاشر
كتب دنك سياو بينغ فى 2 نوفمبر 1979 :" فى الوقت الراهن ، تواجه دولتنا مشكلا عويصا . عقب تحديد الخط و المبادئ الصحيحة لصالح التعصيرات الأربعة ، ما يشغل بالنا هو نقص الرجال الأكفاء الذين يستطيعون وضعها موضع التطبيق ".
خط دنك سياو بينغ تكرس علنيا و رسميا (و إن شرع فى تطبيقه منذ إنقلاب 1976) بعد المؤتمر الحادي عشر و الدورة الثالثة للجنة المركزية وهو بكلمات دنك ذاته "خط و مبادئ صحيحة " نقضت طبعا خطا آخر يعتبره خاطئا هو خط المؤتمرين التاسع و العاشر الماويين و الخط الشيوعي الماوي كان قائما بالأساس على أولوية الصراع الطبقي و الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى وسيلة و طريقة لمنع إعادة تركيز الرأسمالية فى الصين كمهمة مباشرة أما الهدف البعيد المدى فهو فضح التحريفية و تعرية جذورها و تربية الجماهير على التعرف عليها و النضال ضدها و نشر النظرة البروليتارية للعالم و ممارسة دكتاتورية البروليتاريا على كافة الأصعدة للتقدم نحو الشيوعية قدر الإمكان .
و خط دنك مبني على نقيض ذلك أو ما سمي بالتعصيرات الأربعة التى دحضها الماويون كما أشرنا إلى ذلك فى بداية الفصل . فقد كان الخط الشيوعي الماوي الثوري يضع الصراع الطبقي فى المصاف الأول وهو ما يعتبره دنك خطأ مريعا لذلك عوضه بخط التعصيرات الأربعة الذى ينبذ الصراع الطبقي أي الصراع السياسي ضد البرجوازية الجديدة منها و القديمة و يركز على تعصير الإقتصاد على النحو البرجوازي عكس ما مورس فى الصين الماوية بالتعويل على الذات و دفع حركة الجماهير بتعبئتها السياسية و "القيام بالثورة مع دفع الإنتاج " ( مبدأ ماوي رفع و كرس أثناء الثورة الثقافية ) .
يعترف دنك بأن خط التعصيرات الأربعة الذى فرضه التحريفيون بعد الإنقلاب على الثوريين لم يجد من يطبقه ، فى البداية ، فالجماهير داخل الحزب و خارجه شاركت بوجه عام فى حملة نقد دنك سياو بينغ و الإنحراف اليميني فى 1976 و كانت تناصر عموما الخط الثوري الماوي . و يعتبر دنك الخط الذى صاغه "ثورة " وهو بالفعل ثورة مضادة فوصول التحريفية للسلطة يعنى وصول البرجوازية إلى السلطة .
" لقد عين المؤتمر الحادي عشرللحزب [12-18 أوت 1977 ] و المجلس الشعبي الوطني الخامس ، لشعبنا هذا الهدف العظيم : تحقيق التعصيرات الأربعة الإشتراكية [لنقرأ الرأسمالية ] قبل موفى القرن . لذا وجهت اللجنة المركزية للحزب و مجلس الشؤون الخارجية نداء للإسراع فى إنجاز التعصيرات الأربعة و إتخذت جملة من الإجراءات على المستويين السياسي و التنظيمي. و أشارت اللجنة المركزية إلى أن الأمر يتعلق بثورة كبيرة ينبغى أن تضع حدا لحالة التخلف التى عليها إقتصادنا و تقنيتنا و ينبغى أن تعزز دكتاتورية البروليتاريا . و لأن هدفها هو الزيادة المحسوسة للقوى المنتجة ،فإن هذه الثورة ستغير حتما ،على عديد الأصعدة ،علاقات الإنتاج و البنية الفوقية و التصرف فى المؤسسات الصناعية و الفلاحية و طريقة إدارتها من طرف الدولة بصورة تجعلها تتأقلم مع متطلبات إقتصاد عصري كبير . "( ص149 ، التسطير منا) .
دنك سيغير حتى علاقات الإنتاج . و إذا كانت لعقود قبل إنقلاب التحريفيين سنة 1976 إشتراكية فماذا ستصبح بعد" ثورة" دنك سياو بينغ ؟ إنها بالتأكيد لم تمس شيوعية و بما أن الطريق الرأسمالي إنتصر على الطريق الإشتراكي فستمسى بلا ريب رأسمالية و إن تقنعت براية الإشتراكية ثم بالسوق الإشتراكية .
و ندعو الدغماتحريفيين الخوجيين المفضوحين منهم و المتسترين و أضرابهم إلى توجيه نظرهم إلى الواقع ففيه حقيقة الصين و مفادها أن الصين الماوية إشتراكية و صين دنك سياو بينغ صين إعادة تركيز الرأسمالية و نعيدها وجهوا أنظاركم للواقع بجدية إذ "لاوجود للحقيقة المجردة و الحقيقة دائما ملموسة " – لينين .
على أن التحريفيين ، أتباع الطريق الرأسمالي المنتصرين على الطريق الإشتراكي و ممثليه الماويين لم يجدوا الطريق معبدا لوضع خطهم موضع الممارسة بسلام و طمأنينة و لتنفيذ برامجهم البرجوازية الرجعية و المعادية للبروليتاريا و الجماهير الشعبية الكادحة. ولذلك إضطر التحريفيون الصينيون للإعتراف بقوة القوى الثورية الماوية و بذلوا وسعهم فى الضغط عليها بجميع الوسائل و قمعها بالحديد و النار .
و إليكم ما صرح به دنك سياو بينغ فى مناسبات مختلفة حول إستماتة الثوريين الماويين حقا فى المقاومة العنيدة للتحريفية بفضل التنظيرات و الممارسات الماوية فى العقود السابقة و هو ما لم يشهده الإتحاد السوفياتي حين حصلت فيه الردة التحريفية لأن الثورييين فوجؤوا و لم يكونوا يملكون الفهم المتقدم الذى طوره ماو تسى تونغ لا حقا بصدد المجتمع الإشتراكي و الصراع الطبقي فيه و مواصلة الثورة فى ظل دكتاتورية البروليتاريا .
" ما يلفت نظرنا هوأنه لا يزال ثمة العديد من الناس الذين يعارضون الخط السياسي و الإيديولوجي للحزب ، مشاطرين عمليا أفكار لين بياو و الأربعة و يعتبرون السياسة الحالية للجنة المركزية للحزب خطوة إلى الوراء و تحول يميني . إنهم يدافعون عن "الدفاع الثنائي اللا مشروط" و يقولون إنهم أتباع فكر ماو تسى تونغ إلا أنهم فى الحقيقة يبحثون عن الإبقاء بشكل آخر على الأقوال البالية للين بياو والأربعة . غالبيتهم وقعت ترقيتهم خلال الثورة الثقافية ..." ( ص 202 من نصوصه المختارة ، 15 جوان 1979) .
ثم بعد أسطر إستطرد :
" لا نستطيع أن نقلل من قيمة تأثير لين بياو و عصابة الأربعة و لا نرى الأشياء بصورة ساذجة . يجب أن ننظر إلى أبعد و أن نحسن إختيار خلفائنا ما دمنا على قيد الحياة . سنعين الكوادر الجديرة بالثقة و سنجعلهم يعملون طوال بضعة سنوات و سنسهر شخصيا على تكوينهم . من لم نحسن إختيارهم سنعوضهم . فالأمر يتعلق بالمهمة الأكثر أهمية و الأكثر صعوبة و الأكثر إستعجالية على مستوى الخط التنظيمي" (التسطير منا ).
و مواصلا حديثه يسجل بالصفحة الموالية :" طالما أننا ،الرفاق القدماء ، لا زلنا هنا ، هذا المشكل أقل صعوبة فى الحل و لكن إذا لم نتوصل إلى حله ، سيغرق بلدنا فى الفوضى بعد وفاتنا . لا تذهبوا إلى الإعتقاد أن مثل هذه الإمكانية غير واردة فرجال زمرة لين بياو و عصابة الأربعة الذين لا ينضبطون لتوجيهات الحزب موجودون هنا لإحداث الإضطرابات ". إلخ
لقد عبر دنك سياو بينغ من منظور تحريفي برجوازي عن واقع تواصل مقاومة الثوريين الماويين . و حتى الأحداث التاريخية سنة 1989 و غيرها بينت بالمكشوف و حتى قبل موت دنك ذاته تواصل وجود الماويين الثوريين حقا فى الشوارع رافعين راية الثورة البروليتارية و صور ماو تسى تونغ ، فى أحداث ما سمي بربيع بيكين بساحة تيان آن مان و هي أحداث و إن سادتها الشعارات الليبرالية البرجوازية فقد سجلت حضور التعبير الطبقي البروليتاري الشيوعي الماوي .
3- خطان فى فهم السياسة التعليمية :
يذكر جميع من تتبع الصراع الطبقي فى الصين أن التعليم ، بعد الأدب والفن ، كان من أهم المجالات التى تصادمت فيها الرؤى البروليتارية الشيوعية بقيادة ماو تسى تونغ من جهة و الرؤى التحريفية المختلفة و التى تصب فى مصب واحد و ذلك أساسا فى خضم الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى و لا سيما فى بدايتها . و من يود تعميق المعرفة بهذا الشأن نحيله على كتاب جان دوبيه "تاريخ الثورة الثقافية البروليتارية فى الصين ..." ،دار الطليعة ،بيروت 1971.
لقد كانت الجامعات و المعاهد المجال الحيوي الذى إنتشرت فيه و بقوة و جماهيرية رؤى الخط الثوري الماوي إذ كان الطلبة عماد من أهم مكونات الحرس الأحمر فى الخطوات الأولى للثورة الثقافية البروليتارية الكبرى و كانت الجامعات ساحة نشيطة للعمل السياسي لكلا الخطين المتصادمين . و إتخذ هذا العمل السياسي شكل الصدام الدموي أحيانا بين الطلبة بفعل خبيث من أتباع الطريق الرأسمالي إستنكره و أدانه الحزب الشيوعي الصيني بقيادة ماو تسى تونغ و لم يوضع للصدام حد إلا بتدخل العمال و قيامهم بالدعاية البروليتارية فى صفوف الطلبة وتكريس قيادة البروليتاريا للحركة .
إنطلاق الصراع كان مع نقد التوجهات التعليمية لممثلي أتباع الطريق الرأسمالي فى مجال التعليم . فوجهت سهام النقد للبرامج و أشكال التدريس و تحققت إصلاحات ثورية فى التعليم و تعزز الخط الشيوعي الماوي فى هذا الحقل .
و أتى إنقلاب 1976 فصعدت التحريفية و بالتالي البرجوازية الجديدة للسلطة و أتت معه طبعا سياسة تحريفية برجوازية . مثله مثل جميع الحقول فى عهد دنك و أضرابه شهد هذا القطاع تغييرات لا يمكن إلا وصفها على غرار الرفاق الماويين الصينيين الحقيقيين بأنها خطوة نوعية إلى الوراء . ففى وزارة التربية أجريت تحويرات هامة حسب توجيهات دنك سياو بينغ "الرفاق الذين يوافقون على سياسة اللجنة المركزية [لنقرأ السياسة التحريفية لطغمة دنك ] ليبقوا و الذين ليسوا موافقين عليها فليرحلوا " هذا ما أعرب عنه دنك فى محادثة له مع مسؤولي وزارة التربية فى 19 سبتمبر 1977 (ص 82 من نصوصه المختارة ) ثم أردف قائلا :"يجب إخلاء المعاهد من مجموعات الدعاية العمالية ."
و هكذا فى مرحلة أولى دعى دنك لطرد المعارضين لخطه التحريفي المطبق للطريق الرأسمالي داخل الوزارة و هذا غير غريب منه إذ قام بالشيئ عينه فى كافة المجالات . و طلب سحب العمال من الجامعات و ذلك بهدف القضاء على العمل السياسي و الدعائي البروليتاري فى الجامعات فتلك المجموعات أنشأها الخط الشيوعي الماوي فى الحزب من صفوف الطبقة العاملة و فى ظل قيادة ماو تسى تونغ و "الأربعة " الثوريين تكريسا لدكتاتورية البروليتاريا على الأصعدة كافة . و فى ذلك ضرب أيضا لقيادة الطبقة العاملة للعمل السياسي و الصراع الطبقي و تربية الطبقة العاملة ذاتها على أساس النظرة البروليتارية للعالم من أجل صنع الإنسان الجديد فى خضم النضال الثوري .
هذا من ناحية و من ناحية أخرى ، رمى دنك من وراء ذلك إلى عزل العمال عن الطلبة و الطلبة عن العمال ليتمكن من القضاء على الخط الثوري فى صفوف كليهما و ليعيد هيبة المفكرين و العمل الفكري إلى المواقع التى إفتكها أو إسترجعها االثوريون الماويون و الجماهير خلال الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى جوهريا .
و فى نفس المحادثة المذكورة أعلاه ،يستطرد دنك :
" ستوضع هذه الجامعات تحت إدارة مزدوجة [المقصود بين الحزب و الوزارة ] يكون فيها الدور الأساسي للوزارة :ستأخذ الوزارة بأيديها إدارة بعض المعاهد العليا لتجعل منها مراكزا نموذجية و ستتدخل فى تعيين البرنامج الأسبوعي للدروس و تحديد المدى الأقصى للنشاطات السياسية و حل مشاكل أخرى " (التسطير من وضعنا ) .
بكل بساطة ، لن يساهم الطلبة مثلما فعلوا خلال الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى فى التسيير و لن يناقشوا مضامين الدروس و لن تكون لهم كلمة فى البرامج التى ستكون فوقية صادرة عن الإدارة و لن يتمكنوا من النشاط السياسي بحرية و لن يكون للنشاط السياسي الأولوية فى التثقيف . ف"كل مشاغل ميدان التعليم ترجع إلى الآتى : تكوين الموهوبين للقيام بالبحوث العلمية " ( ص 84 من نصوص دنك المختارة ، التسطير منا ) خدمة للتعصيرات الأربعة كخط إنقلب على الخط الثوري لمواصلة الثورة فى ظل دكتاتورية البروليتاريا و "القيام بالثورة مع دفع الإنتاج " و الذى كان يحض على نقد البرامج حتى بعد تغييرها و إصلاحها و تشريك الطلبة وهم المعنيون الأولون فى صياغتها و فى العمل السياسي الذى أعطي المكانة الأولى فى النشاطات الجامعية كما فى كافة المجالات الأخرى بغية تعميق الوعي البروليتاري لدى الطلبة و إشراكهم فى مواصلة الثورة فى ظل دكتاتورية البروليتاريا و فى النهاية السعي شيئا فشيئا إلى حل التناقض ، بين العمل الفكري و العمل اليدوي ، بقيادة العمال للجامعات و تحصيلهم العلم منها و ببعث الطلبة للتعلم عبر العمل اليدوي مع العمال و الفلاحين .
فى عهد الصين الثورية البروليتارية الماوية ،غدت الجامعة مفتوحة الأبواب للجميع فصارت عمليا جامعة شعبية تعمل من أجل نشر العلم فى صلب الطلبة و العمال و الفلاحين سعيا لحل التناقض بين العمل الفكري و العمل اليدوي نحو المضي قدما صوب الشيوعية. و فى عهد صين دنك التحريفية البرجوازية فرضت شروط لدخول الجامعة و أعيدت هيبة الفكر المنفصم عن الشعب الكادح . "فى كلمة ، يجب التأكد من السلوك الحسن للمترشحين و قبول الأكثر إمتيازا " (دنك ، ص82 من نصوصه المختارة ) و فعلا " فى أكتوبر 1977 وقع إنتقاء 20 أو 30 بالمائة من الطلبة مباشرة من بين التلامذة المتفوقين فى الثانوي ( شارل بتلهايم "مسائل حول الصين بعد وفاة ماو " ص 43 ، نشر فرنسوا مسبيرو ، باريس 1978) و من الطبيعي أنهم كانوا من أبناء البرجوازية الجديدة ، من أبناء الكوادر المسيرة للحزب و الدولة و هذه ليست سوى سياسة تعليمية إنتقائية كان الثوريون بقيادة ماو تسى تونغ حاربوها و لسنوات طويلة .
فى غضون السنوات العاصفة للثورة الثقافية البروليتارية الكبرى ،تم إبعاد التحريفيين من المسؤولين الجامعيين و "مع العهد الجديد منذ 1977 عاد كثير من المسؤولين التربويين الذين كانوا قد أبعدوا عن مراكزهم فى عهد الثورة الثقافية و أعادوا كثيرا من سياسات للتعليم الجامعي التى كانت سائدة قبل عهد الثورة الثقافية " ( "عالم الفكر" المجلد التاسع ، العدد الأول ، أفريل –ماي –جوان 1988 ، ص 148) . و بينما ألغيت الإمتحانات خلال الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى و فتحت الجامعات على مصراعيها أمام جميع الطبقات الشعبية و بخاصة أمام البروليتاريا " أعيدت إمتحانات القبول لدخول الجامعة سنة 1977 التى ألغتها الثورة الثقافية و أصبحت المعيار الوحيد للقبول فى الجامعات " ( نفس المصدر السابق و نفس الصفحة ) .
و عوضا عن تثوير الطلبة عبر ممارستهم الثورة أضحى النظام البرجوازي الصيني يحث على إبعاد الطلبة قدر الإمكان عن العمل السياسي " و قد إنعكست هذه السياسة الجديدة على الطلاب أنفسهم ، فلم يعد الشباب يهتمون بالنشاطات المرتبطة بالإيديولوجيا و أصبحوا يميلون إلى المزيد من الديمقراطية و الإهتمام بالربح المادي بدلا من الصراع الثوري و لم يعد إهتمامهم كثيرا بالتربية السياسية ". ( "عالم الفكر " ص 150 التسطير مضاف ).
إلى ذلك ، يجرى إختيار "الممتازين " و يبعث بهم إلى معاهد و جامعات البلدان الإمبريالية ليتعلموا الطرق و المناهج و العلوم البرجوازية و حتى العلوم السياسية البرجوازية . و هكذا يربون الأجيال البرجوازية التى سترثهم .
لا ريب بعد كل هذا أن من له عيون ليرى و لا يتبع نهج الدغماتحريفيين الخوجيين المفضوحين منهم و المتسترين يلمس لمس اليد التناقض العدائي كأجلى ما يكون بين الخطين : الخط الشيوعي الماوي البروليتاري و خط دنك التحريفي البرجوازي .
4- من أدب فى خدمة الشعب و الثورة إلى أدب فى خدمة التحريفية و بالتالي البرجوازية :
فى "أحاديث فى ندوة الأدب و الفن بينان " و فى "حول الديمقراطية الجديدة " و فى نصوص عديدة أخرى كان ماو تسى تونغ واضحا للغاية فى تحديده لدور الأدب و الفن فى علاقتهما بالنضال الشيوعي و بالشعب . و من أشهر مقولاته :
" كل ثقافة و كل أدب و فن فى عالمنا اليوم يتبع طبقة معينة و خطا سياسيا معينا . و ليس هناك فى الواقع فن من أجل الفن ، أو فن فوق الطبقات ،أو فن مواز للسياسة أو مستقل عنها . و الأدب و الفن البروليتاريان يشكلان جزءا من كل القضية الثورية البروليتارية ، و هما كما قال لينين " ترس و مسمار لولبي " فى كل الماكينة الثورية ". ( ص317 من"مقتطفات من أقوال الرئيس ماو تسى تونغ " ).
و "إن أدبنا و فننا يجب أن يستهدفا خدمة الجماهير العريضة من الشعب و فى مقدمتهم العمال و الفلاحون و الجنود ، بحيث يبدعان لأجل العمال و الفلاحين و الجنود و ينتفع بهما العمال و الفلاحون و الجنود . " (المصدر السابق ،ص 318)
و " يجب جعل الأدب و الفن جزءا فعالا من جهازنا الثوري ، ليصبحا سلاحا قويا به نوحد و نثقف شعبنا ،و نهاجم و نحطم العدو ، و نساعد شعبنا ليتمكن من محاربة العدو بقلب واحد و إرادة واحدة . " ( المصدر السابق ،ص 319) .
فى حين كان الإنتاج الأدبي و الفنى فى مجمله و خاصة خلال الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى يخدم البروليتاريا و الشعب و قضية الثورة و فى حين كان الخط الثوري الشيوعي الماوي يهاجم البرجوازية على جبهة الأدب و الفن خصوصا فى بداية تلك الثورة ( لدراسة تفاصيل التثوير الشيوعي الماوي للأدب البروليتاري ، راجعوا "تاريخ الثورة الثقافية البروليتارية فى الصين..." لجان دوبيه و إنجازات أوبيرا بيكين تحت إشراف الرفيقة تشيانغ تشنغ ،زوجة ماو ،و عنصر قيادي من " الأربعة "، و راجعوا كتاب جلبار مورى "من الثورة الثقافية إلى المؤتمر العاشر " بالفرنسية ، نشر سلسلة 10/18 و بصورة خاصة مقال "حول ثورة أوبيرا بيكين " )، نرى أن دنك سياو بينغ على إثر نجاح إنقلابه المضاد للثورة يتنكر كليا للخط الماوي ليفتح الأبواب و النوافذ أمام الأدب و الفن الرجعيين معينا لهما أولا مهمة الإغارة على الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى و الخط الثوري عموما و ثانيا جاعلا إياهما يبتعدان عن التعاطي فى السياسة و الصراع الطبقي و مشاغل الطبقة البروليتاري و الشعب الكادح عامة .
" و جرى تسييس الأدب فى المرحلة الأولى بعد وفاة ماو و حتى 1979 بقصد التذكير بجراح الثورة الثقافية ، و أطلق عليه فى هذه المرحلة "أدب الجراح " و مثلت هذه المرحلة قصة "الجروح" للكاتب لن شن و قصة "المهمة المقدسة " للكاتب وانج يانج و قد إستهدفا نقد و تجريح و محاسبة عصابة الأربعة ووصف للمظاهرات التى مجدت ذكرى زها آن لاي [ شوآن لاي ] رئيس الدولة . أما أشهر القصص التى عالجت موضوع "جراح " الثورة الثقافية فقد كانت قصة "معلم الفصل " للكاتب ليو شن ..." ("عالم الفكر " العدد المذكور أعلاه ،ص 148 ) .
رغم تحامل كاتب هذا المقال فى "عالم الفكر " على الماويين الحقيقيين و الخط الشيوعي الثوري المناهض لسياسات دنك ، رغم تحامله عليهم على طول المقال و عرضه فإننا إقتطفنا و نقتطف لا مواقفه و تأويلاته و إنما وقائع و معطيات تاريخية لا غبار عليها موثقة فى مصادر أخرى بلغات مختلفة تؤكد كما ترون مدى التناقض التناحري بين الخط الماوي وخط دنك .
فبصراحة يقوم الأدب و الفن المطبق لنهج دنك "بالدعاية للحكم الجديد على حساب الحكم القديم و لو بطريق غير مباشر كما ظهرت قصص تجرح الحرس الأحمر الثوري ..." و أشهر قصة تكيل التجريح للحرس الأحمر الذى كان ماو ذاته يدفعه للثورة هي قصة شجرة القيقب للكاتب زهنج لي . ( المصدر السابق ،ص 148) .
و المرحلة التى تلت الإنقضاض على جميع إنجازات الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى و الخط الماوي الذى قادها سميت ب"مرحلة أدب العبر " حيث "لم يعد التناقض الرئيسي فى المجتمع الصيني هو الصراع الطبقي كما رآه ماوتسى تونغ و لكنه أصبح بين "تزايد متطلبات الشعب المادية و الثقافية فى جانب و بين الإنتاج الإشتراكي المنخفض فى جانب آخر " و أصبحت مجمل التناقضات لا تدخل ضمن منظومة الصراع الطبقي " (ص 148 من "عالم الفكر") .
لقد حدد ماو تسى تونغ التناقض الرئيسي الذى يشق المرحلة الإشتراكية بأكملها كتناقض بين البروليتاريا و البرجوازية و طور نظرية مواصلة الثورة فى ظل دكتاتورية البروليتاريا و "القيام بالثورة مع دفع الإنتاج " و خاض الصراع الطبقي بلا هوادة دافعا قدر المستطاع نحو المضي أبعد ما أمكن صوب الشيوعية التى فيها وحدها ينتفى الصراع الطبقي بإنتفاء الطبقات . و ما نظر له و طبقه دنك نقيض هذا الموقف الماوي الشيوعي حقا .
5- من السعي إلى معالجة التناقض بين الريف و المدينة إلى تعميق هذا التناقض :
شهد القطاع الفلاحي شأنه شأن القطاعات الأخرى التى حللنا و التى سنحلل عدة تغيرات نوعية فى توجه تعامل السلط مع الفلاحين ، ففى 1977،أدخلت تحويرات كثيرة على الأجهزة القيادية المؤثرة فى هذا القطاع و وقع تعويض القياديين الثوريين الماويين حقا بعناصر موالية لطغمة دنك سياو بينغ وهو أمر من مأتاه لا يستغرب .
بدعوى "تقوية تحويل الأجهزة القيادية " (" هونجكي " عدد 6 ، 1977 ، مقال لوانغ شوان ) تم طرد المعارضين الثوريين و قمعهم و تنصيب عناصر غير منتخبة وهي عناصر لا تمثل فى شيئ جماهير الفلاحين و لا مصالحها الحيوية بل تمثل السياسة الفلاحية الجديدة للبرجوازية الجديدة الصينية التى إستولت على السلطة إثر إنقلاب 1976 وهي تطبق التوجه التحريفي تحت قناع الفكر الماوي . إن التحريفيين هنا أيضا يستعملون تكتيك "رفع راية ماو لإسقاطها " فهم فى النهاية ينفون فكره كتحريفيين و لكن كتحريفيين يستغلون هيبته و سمعته بين كوادر الحزب و الجماهير الواسعة لضرب العناصر الثورية الماوية حقا و فعلا .
بصدد السياسة الفلاحية يتميز الخط البرجوازي المنقلب على الخط البروليتاري بالآتي :
1- فرض قواعد عمل على الكمونات (بداية ثم ستحل جميعا ) وهي قواعد منبعها خارج الكمونة حيث أن أعضاء الكمونة لم يعد بإمكامهم صياغة القرار ذلك أن واجبهم صار، عوض المساهمة الفعلية فى كل سيرورات العمل و فى تحديد ضوابطه ، صار الخضوع للأوامر الفوقية التى عليهم أن يطبقوها حتى و إن لم يفهموها أو كانت تتضارب و مصالحهم . و هذا فى الفهم الإقتصادي و السياسي و الإيديولوجي الماركسي –اللينيني –الماوي لعلاقات الإنتاج يعنى فصل الفلاحين عن عملية تسيير الإنتاج و إدارته و التخطيط له مما يحولهم إلى مجرد يد عاملة تخدم مصالح المسيرين المحليين و على نطاق البلاد بأسرها .وعملية الفصل هذه تشكل تحويل طبقة الفلاحين من مالكي وسائل الإنتاج كما كان عليه الحال زمن إشتراكية عهد ماو تسى تونغ ، إلى مجرد منتجي أرباح يمتصها البرجوازيون الجدد الذين هم عمليا مالكي وسائل الإنتاج .
2- مصدر التحويرات التقنية هو أيضا خارجي عن الكمونات و أبعد ما يكون عن المنتجين المباشرين و حاجياتهم الدقيقة التى لم تعد ببساطة تؤخذ بعين النظر .لو أردنا وصف هذه السياسة التحريفية البرجوازية لقلنا إنها لا شعبية و من منظور شيوعي ماوي هي سياسة تضرب التحالف بين العمال و الفلاحين كما نظر له و مارسه الماويون الصينيون أي تبادل متساو بين الريف و المدينة و ليس تحالف إقتطاع من الريف لفائدة المدينة ( بهذا المضمار من اللازم دراسة نقد ماو تسى تونغ للتجربة البروليتارية السوفياتية فى "ماو و بناء الإشتراكية " سلسلة سياسة ، منشورات سوي ، باريس 1975) .
3- فى مرحلة تالية ، حلت الكمونات كشكل لتنظيم العمل و الحياة فى الريف نشأ منذ بدايات التحويل الإشتراكي فى الصين و توطد أثناء الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى و جرى الحل بوسائل متنوعة و بالأساس عبر :
أ/ توسيع النشاطات العائلية الموازية للنشاطات الجماعية المشتركة .
ب/ تقليص حجم ثم القضاء على مراكز الصناعات الخفيفة بالكمونات ، هذه الصناعات التى شجع عليها ماو تسى تونغ منذ سياسة "القفزة الكبرى إلى الأمام " وهي مراكز كانت تعمل فى سبيل تلبية الحاجيات المباشرة للكمونة و المنتجين المباشرين . و صار تسيير المراكز بين أيدى التقنيين و غدت التقنية الغريبة عن الكمونات تفرض عليها فرضا وهو شيئ يتنافى على طول الخط مع المبدأ الذى لطالما مارسه ماو تسى تونغ و دعى لتكريسه عمليا ألا وهو مبدأ التعويل على الذات.
إنها سياسة برجوازية (سياسة دنك ) مضادة للثورة حيث هي لا تحل التناقض بين العمل اليدوي و العمل الفكري و بين الريف و المدينة و إنما تعمقه و تضرب فى العمق سيطرة الجماهير على سيرورات عملها فتجعلها فى إغتراب عنها بعبارة لماركس و تضرب إضافة إلى ذلك إمكانية تطوير مبادرة هذه الجماهير الخلاقة صانعة التاريخ . ف"الجماهير هم الأبطال الحقيقيون " و "إن الشعب ،و الشعب وحده ، هو القوة المحركة فى خلق تاريخ العالم " ( ماو تسى تونغ ، مقتطفات من أقوال الرئيس ماو تسى تونغ ،ص 125) .
فى أتون الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى و ضمن الصراع الثوري ضد خط ليوتشاوتشى التحريفي ، كانت الدعاية الشيوعية الماوية تعتبر أن مثل تلك الإجراءات التحريفية لا تثق بالفلاحين بل تخضعهم بالقوة إذ هي تقدم الإنتاج على السيطرة الجماعية على سيرورة العمل المشترك للعاملين أي أنها تقدم تطور قوى الإنتاج على تطور علاقات الإنتاج . و إحدى شعارات الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى كان وضع السياسة بمعنى الصراع الطبقي و تطوير علاقات الإنتاج فى المصاف الأول و إختزل الشعار فى " القيام بالثورة مع دفع الإنتاج " .أما طغمة دنك سياو بينغ التحريفية البرجوازية الجديدة فهي تطبق أطروحة ليوتشاوتشى حول أولوية قوى الإنتاج كأطروحة تحريفية وجه لها لينين و ماو سهام نقدهما من منظور بروليتاري.
و كانت الصين فى عهد ماو تسى تونغ تناضل واضعة نصب عينيها تطوير الإشتراكية نحو الشيوعية على النطاق العالمي و الصين فى عهد دنك سياو بينغ تعيد تركيز الرأسمالية و مفاهيم برجوازية فى ما يتصل بالعلم و التقنية وغيرهما . فالتحريفيون يزعمون أن التقنية محايدة و ينكرون من هنا أن تطور التقنية و العلوم مرتبط بعلاقات الإنتاج الطبقية و أن إستعمال مختلف التقنيات ينطوى على تأثيرات طبقية معينة . علاوة على ذلك ينكرون وجود تطور إشتراكي و آخر رأسمالي لقوى الإنتاج و أن التطور الإشتراكي يرتكز على سيطرة العمال على وسائل الإنتاج فى حين أن التطور الرأسمالي لا يعتنى سوى بغاية مراكمة الربح لا أكثر و لا أقل . موقف التحريفيين يتنكر تماما للماوية .
" من المهم ، يقول دنك ، أن نوضح ما هي الرأسمالية . إنها مرحلة أعلى نسبة للإقطاعية . هنالك بعض الأشياء التى لا يمكن نعتها بالرأسمالية . مثلا ، ترجع التكنولوجيا و التصرف فى الإنتاج إلى ميدان العلم ، وهي مفيدة لأي مجتمع و لأي بلد . نحن نتعلم التقنيات و العلوم و التصرف الطليعيين لوضعهم فى خدمة الإشتراكية و كل هذه الأشياء لا تحمل ، فى حد ذاتها ، طابعا طبقيا ". ( نصوصه المختارة، ص 345)
"إشتراكية " دنك تفقد الفلاحين سيطرتهم على وسائل الإنتاج لفائدة التقنيين و تضع الربح فى المصاف الأول على حساب الثورة و تضرب فى العمق مبدأ التعويل على الذات و تنفى الطابع الطبقي للعلم و التقنية و تحطم كليا الكمونات . يا لها من "إشتراكية " مهزلة ! فى الواقع هي إشتراكية إسما و رأسمالية فعلا .
6- من صناعة من أجل العمال إلى عمال من أجل صناعة ما عادوا يملكونها :
بصورة خاصة خلال الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى ،كانت المصانع ووحدات الإنتاج تحت قيادة و مبادرة اللجان الثورية التى هي لجان تنتخبها الجماهير العمالية لتسيير العمل داخل وحدات الإنتاج فى ظل مراقبة الجماهير عينها . و كان الحزب الشيوعي الصيني آنذاك بقيادة الشيوعيين الماويين قد شجع و أرسى هذا الشكل الجديد فى تنظيم الإنتاج الإشتراكي الذى إبتدعته الجماهير فى خضم نضالها ضد البيروقراطية و التحريفية إذ أن ذلك الشكل كان يسمح لها لا بالمساهمة النشيطة فى صياغة القرارات و حسب بل و أيضا بتعويض العناصر المنتخبة متى إقتضى الأمر ذلك . و العناصر المنتخبة مسؤولة عن تطبيق البرنامج الذى على أساسه إنتخبت و لما تحيد عنه تقع إزاحتها و يتم تعويضها فورا . إذا كان الشكل الجديد الأوسع ديمقراطية بروليتارية يخول للجماهير المبادرة الخلاقة و يجعلها تتحكم فعلا فى سيرورة عملها أي تحدد علاقات الإنتاج و سيروراته بشكل مغاير لما يحدث فى المجتمعات الرأسمالية من إغتراب فى العمل ، فإنه مع صعود التحريفية و رمزها دنك إلى أعلى مراكز السلطة و بالتالي وصول البرجوازية الجديدة إلى دفة الحكم و تغير لون الحزب و الدولة ، لم يتواصل العمل على تلك الشاكلة حيث حدث تغيير نوعي كخطوة إلى الوراء فى التعامل مع العمال و تعامل العمال مع وسائل الإنتاج . فعوض المشاركة الواسعة للجماهير فى صياغة مصيرها أمسى التحريفيون يسعون إلى وضع تلك المشاركة جانبا لصالح تعزيز وحدة القيادة الفردية و مركزتها فى أيدى الكوادر الممثلة للبرجوازية الجديدة. بعد سنة 1976، شُرع فى" تعزيز دور لجان الحزب فى الميدان الإقتصادي فى حين لم يعد يذكر أي شيئ عن مهام اللجان الثورية " ( شارل بتلهايم، " مسائل حول الصين بعد وفاة ماو "، ص17) .
يقول دنك فى أكتوبر 1978 :
" يؤكد العمال تقاليدهم المجيدة أي : العمل بجهد و النضال بنزاهة و الإحترام التام للإنضباط و القبول عن طواعية بأي نقلة و الإرتباط بالمصنع . سيتجمعون كرجل واحد لضرب بقايا الفكر الكتلوي و الفوضوي ...للأربعة . و من البديهي أن الدولة و المجتمع سيولون أكبر الشرف و أكبر المكافآت للذين يساهمون أكثر ". ( نصوصه المختارة ،ص 50-51)
و هكذا الغاية ليست أو بالأحرى ما عادت تحكم العمال بوسائل الإنتاج و تصرفهم فيها بإعتبار أنهم مالكيها و بإعتبار الأفق الشيوعي المستقبلي و صارت غاية التحريفيين هي جعل العمال يعملون و يعملون و لا يهمهم لا الصراع الطبقي و لا التصرف الفعلي فى وسائل الإنتاج التى هي ملكهم الجماعي إشتراكيا . و ما عاد الوعي الثوري الشيوعي الماوي هو القائد فى دفع الإنتاج (القيام بالثورة مع دفع الإنتاج ) بل غدت المكافآت المالية هي المنهج المعتمد وهو منهج و لا شك رأسمالي تماما .
و مسألة " ضرب بقايا الفكر التكتلي و الفوضوي ...للأربعة " ليست سوى خدعة تحريفية صينية للقضاء على المعارضة الشيوعية الماوية حقا . وهذه الرؤية التحريفية لدنك التى تغلب الوحدة و تنفى الصراع الطبقي لا صلة لها بأفكار ماو تسى تونغ لأن الأخير نظر و مارس عكسها أصلا متشبثا بالمادية الجدلية و مطورا إياها و خاصة لقانونها الجوهري ،التناقض/ وحدة الأضداد الذى هو منبع و مصدر و سبب التطورات و الحركة وهو يتميز بالإطلاقية و الشمولية و العمومية أما الوحدة فعرضية و مؤقتة و نسبية ( ماو تسى تونغ "فى التناقض " و لينين "حول الديالكتيك " ) .
و الوجه الآخر لنظرية دنك التحريفية هو الوجه الذى كنا تعرضنا له سابقا و الذى هو إمتداد لفهم علاقة التناقض بالوحدة فهما برجوازيا غايته ليست تحويل الواقع بل تأبيده ذلك أن التحريفيين يهدفون من كل سياساتهم هذه و الدور الموكول للطبقة العاملة تحقيق الأهداف الإقتصادية المحددة " بالتعصيرات الأربعة " و ليس تحويل علاقات الإنتاج لجعل العمال يسيطرون كل مرة أكثر فأكثر على سيرورة العمل الذى ينجزون .
و التحريفيون عكس الشيوعيين الماويين ، يضعون السياسي برجوازيا فى خدمة الإقتصادي حيث رفعت راديو بيكين فى 27 /11/1977 شعار "أن تخدم السياسة الإقتصاد " ( كتاب بتلهايم المشار إليه أعلاه ) و الحال أنه معروف لدى القاصي و الداني أن ماو تسى تونغ كان دائما قبل الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى و أثناءها يضع السياسي بروليتاريا أي الصراع الطبقي و مواصلة الثورة فى ظل دكتاتورية البروليتاريا فى المصاف الأول و كل مصنع ماويا حلبة صراع سياسي طبقي و لزاما على البروليتاريا أن تخوضه بوعي كي تصون دكتاتورية البروليتاريا و تطورها و تتجنب إعادة تركيز الرأسمالية طوال المرحلة الإشتراكية كمرحلة إنتقالية من أسلوب الإنتاج الرأسمالي إلى أسلوب الإنتاج الشيوعي ،خلالها يتصارع بضراوة الطريق الإشتراكي و الطريق الرأسمالي و الإنتصار النهائي لأي منهما لم يحسم ما لم يتم تحقيق الشيوعية عالميا .
و يعلل دنك سياو بينغ و أتباعه التحريفيين دفع العمال نحو العمل و العمل لا غير و تكبيلهم أكثر فأكثر بضوابط عمل تزداد يوما فيوما بأن الضوابط " تعكس القوانين الموضوعية التى تحكم السيرورات المعقدة للإنتاج المعاصر ، الإنتاج على المستوى الضخم " ( المصدر السابق ، ص 18) . و على العمال إذا أن يطيعوا و يعملوا حسب الضوابط الناجمة عن "القوانين الموضوعية " و غالبا ما يقول التحريفيون إنها طبيعية : " و القوانين و الضوابط ، حسب نشرة 14/8/77 لراديو بيكين ، لا يجب أبدا القضاء عليها . مع تطور الإنتاج و التقنيات يجب أن تصبح القوانين و الضوابط أكثر دقة يوما بعد يوم، و على الأشخاص أن يتبعوها حرفيا " !
بالإبقاء على الضوابط و القوانين الرأسمالية نبلغ الشيوعية !!! هذا ما يود دنك أن تعتقده البروليتاريا فى حين أنه أبعد ما يكون عن المهام التاريخية لها فى تحقيق الشيوعية و المجتمع الخالى من الطبقات وهو أبعد ما يكون حتى عن الإشتراكية التى هي مرحلة سابقة تعد الأرضية للشيوعية ، و فيها الهدف هو جعل العمال فعليا يتملكون سيرورات عملهم و نتائجها بصفة جماعية فيحددون البرامج و خطط تحقيقها آخذين بعين الإعتبار فى آن مصالحهم الآنية و الهدف النهائي ألا وهو الشيوعية.
و ما يحيلنا عليه دنك من "أكبر المكافآت " هو نقطة أخرى من السياسة التحريفية تجاه الطبقة العاملة . فكما لم يعد تثوير علاقات الإنتاج هوالمحرك الأساسي للمجتمع الإشتراكي بتعويضه بأولوية تطوير قوى الإنتاج أو برنامج التعصيرات الأربعة ، فإن الوعي الإشتراكي لم يعد ينهض بالدور الذى نهض به خلال الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى . لم يعد الدافع الرئيسي للإنتاج هو الوعي الثوري للجماهير و غدى إستعمال "الدوافع المادية " ( بمعنى الحوافز المالية ) القانون الساري المفعول فى الدورة الإقتصادية الصينية فى ظل حكم البرجوازية الجديدة. أسلوب "أكبر المكافآت " كان قد ألغي أثناء الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى غير أنه أعيد و عمق على أيدى التحريفيين الذين ذهبوا فى توزيع الأجور إلى العمل حتى بالأجر حسب القطعة وهم فى ذلك لا يقفون ، مرة أخرى ، على نقيض من ماو فقط بل كذلك من ماركس ذاته فى "رأس المال" ، الجزء ½ الصفحة 676 :" إن الأجر بالقطعة هو شكل الأجر الأكثر مواتاة للإنتاج الرأسمالي ".
و أضحى الشغل الشاغل للمؤسسات أولا و قبل كل شيئ مزيد الإنتاج و مراكمة الأرباح . و الربح هو المعيار الجديد لنجاح أو فشل المؤسسة و إن أطلق عليه دنك وصف "الربح الإشتراكي " (ضمن السوق الإشتراكي ،لاحقا ) . يؤكد سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني فى 1977 :
" إن الإنتاج فى جميع أنحاء العالم هو الهم الرئيسي لكل مصنع و كل بلد و كل أمة " و هذا طبعا مضاد لما أقره و كرسه الماويون الحقيقيون من وضع الصراع الطبقي فى المصاف الأول يليه الإنتاج ثم البحث العلمي . و لسياسة وضع الربح فى المرتبة الأولى من الأولويات نتائج وخيمة للغاية على الطبقة العاملة ذلك أن إنقساما داخل صفوف الطبقة العاملة ناشئ لا محالة عن التمايزات الكبيرة التى برزت داخل القطاع نفسه و حتى داخل المصنع ذاته و التناقضات بين الريف و المدينة تعمقت بتكاثر المصانع فى المدن و عدم إنشاء أخرى فى الريف لأنها فى البداية ،عند تشغيلها لن تكون مربحة تحريفيا ،هذا مع التذكير بغلق المصانع الصغرى التى أنشأتها الكمونات التى جعلها التحريفيون تندثر هي بدورها .
و عند الحديث عن الربح يُغفل التحريفيون عمدا الكلام عن الفرق بين "ربح المؤسسة " و " الربح الإجتماعي " الذى تمتع بمكانة هامة فى أواخر الستينات و بداية السبعينات . و بوجه خاص فى بداية السبعينات ، تطور ماويا " الربح الإجتماعي " الذى يسمح ، فى حدود معينة ، ب"خسائر مالية " لبعض المؤسسات عندما تكون تلك الخسائر ناجمة عن إجراءات لصالح سكان المنطقة عموما و مثال ذلك قبول تكبد خسائر مالية لمقاومة تلوث البيئة .
و نعود لموضوع الأجور و الإشتراكية وهو موضوع بالغ الدلالة فنؤكد أن ماو تسى تونغ و الشيوعيين الماويين الصينيين من الأنصار المتحمسين للتمسك بمبدأ تقليص الفوارق فى الأجور نحو المساواة بالنظر إلى المستقبل الشيوعي حيث سيقضى بالتمام على الأجر بإعتبار المرور من "كل حسب عمله " إلى " كل حسب حاجياته " . و قد قيم ماو أن النظام الجديد الإشتراكي فى الصين ، فى السبعينات ،و إثر و رغم الجهود المضنية لتثويره ، لا يختلف كثيرا فى مسألة الأجور ،عن النظام الرأسمالي فصرح فى فيفري 1975: " قبل التحرير ، كان تقريبا مماثلا لنظام الرأسمالية . و الآن يطبق بعدُ نظام الأجور ذو الثماني درجات و التوزيع حسب العمل و التبادل عبر النقد [المال] و كل هذا بالكاد يختلف عن المجتمع القديم ". و كان ماو بتصريحه هذا يشير إلى تناقض من تناقضات المجتمع الإشتراكي و يرمى إلى حث الخطى نحو مزيد العمل على تقليص الفروقات فى الأجور إنطلاقا من رفع الأجر الأدنى صعودا لبلوغ مستوى الأجر الأقصى مثلما رسمت و طبقت الخطة الشيوعية الماوية .
على الضفة الأخرى ، يتموقع دنك و أضرابه الذين يرون أن نظام الأجور حسب العمل المبذول مبدأ إشتراكي وجبت صيانته إلى الأبد و من يمس به يعرض نفسه لشتى أنواع الهجمات.و حتى قبل الإنقلاب التحريفي ، عارض دنك سياو بينغ ماو الذى دعى إلى القضاء على نظام الأجور كغاية إستراتيجية بتقليص الفروقات فى مرحلة الإشتراكية ليفسح المجال مستقبلا لتجاوز هذا النظام المولد بإستمرار للرأسمالية . ففى 18 أوت 1975 كتب دنك يقول :
" الإبقاء على مبدأ التوزيع حسب العمل . هذا المبدأ مثل دوما معضلة كبرى فى بناء الإشتراكية . و على الجميع إعمال الفكر فيه ، فى الماضي لم نذهب أبدا إلى ما يسمى " الدوافع المادية " ... و يضيف :" من المهم دراسة نظام الأجور المعقد جدا " . ( "نصوص مختارة " دنك سيو بينغ ، ص 43) .
يعترف هنا دنك بأن المسألة شكلت معضلة كبرى فى الإشتراكية و المقصود طبعا هو أنها كانت محور صراع حاد بين الخط الشيوعي الماوي من جهة و الخط التحريفي البرجوازي من جهة ثانية . وهو يعترف ضمنيا أيضا بأن ماو (فى الماضى و إلى تلك اللحظة 1975 ) حين كان قائدا للخط الثوري للحزب عمل طاقته و قلص الفوارق بين الأجور مرفعا تدريجيا الأجور الدنيا بعد حصر الأجور كافة فى ثماني درجات. و يفيدنا دنك بمعلومة أخرى هي أنه كان حينذاك يدعو فقط إلى إعمال الفكر فى الأمر وهو يستعمل الدوافع المادية بين معقفين مما يدل على إحتراز أو عدم تصريح واضح بمعارضتها و إن كان فى ذلك تشكيك فى السياسة الشيوعية الماوية المتبعة آنذاك .
نظرا لميزان القوى ساعتئذ لم يقدر دنك على مهاجمة سياسات ماو تسى تونغ مباشرة و لعب ورقة التشكيك فى ما كان معمولا به و لما نجح الإنقلاب التحريفي لم يتوانى عن التخلى عن تلك الخطوة ليمضي فى قيادة هجوم سافر علني و يطبق بحماس سياسة الدوافع المادية /الحوافز المالية و كلف من ينظّر للتوجهات التحريفية البرجوازية : " قرأت مقال " تطبيق المبدأ الإشتراكي للتوزيع حسب العمل " المحرر من قبل مكتب الدراسات السياسية للجنة شؤون الدولة .إنه مقال مصاغ بشكل جيد و يبين أن التوزيع حسب العمل طبيعته إشتراكية لا رأسمالية ." ( 28 مارس 1978 ، ص 118 من "نصوص مختارة ") .
و هل يملك العمال إلا الخضوع لما هو ذو طبيعة إشتراكية أي لما هو ملازم للإشتراكية و للقوانين و الضوابط التى سبق نقاشها و المعتبرة قوانينا طبيعية ؟ علاقات الإنتاج والتوجه الذى يروج له دنك رأسمالي و ليس شيوعي . فمنذ زمن حسم ماركس هذه المسألة و بين الموقف الشيوعي إزاءها ففى معرض حديثه عن الحق البرجوازي و الأجور المختلفة و التوزيع المتفاوت ،جاء على لسانه( ماركس) :
" ...فيما يتعلق بتوزيع هذه المواد بين المنتجين بصورة إفرادية ، فإن المبدأ الموجه هو نفس المبدأ الذى يسود فيما يتعلق بتبادل البضائع المتعادلة : فإن قدرا معينا من العمل بشكل ما يبادل لقاء نفس القدر من العمل بشكل آخر .
و هكذا فإن الحق المتساوي يظل هنا ، من حيث المبدا ، الحق البرجوازي ... " (التسطير لماركس ).
و يسترسل بذات الصفحة :" إن الحق المتساوي هو حق غير متساو لقاء عمل غير متساو . فهو لا يقر بأي إمتياز طبقي لأن كل إنسان ليس سوى شغيل كغيره ، و لكنه يقر ضمنا بعدم المساواة فى المواهب الفردية ، و بالتالي فى الكفاءات الإنتاجية بوصفها إمتيازات طبيعية . فهو إذن من حيث المحتوى ، حق قائم على عدم المساواة ،ككل حق . " ( ص 14-15 من "نقد برنامج غوتا " ، دار التقدم ،موسكو ، الطبعة العربية ).
يقول دنك سياو بينغ :" فى الوقت الراهن ، الأجر الأقصى للعامل ، أجر الدرجة الثامنة هو مائة و بعض اليوانس ،سوف يرتفع بتطور الإنتاج مثله فى ذلك مثل أجر أصحاب الدرجات الأخرى . أجر المعلمين منخفض جدا . فى حين أن معلم جيد يجب أن يقوم بعمل ذى قيمة . يجب إذا الرفع من أجره . و أفضل المدرسين ينبغى أن يتحصلوا على معاملة خاصة ." ( "نصوص مختارة " ص 18 ) .
يتعرض دنك لأجر العامل من الدرجة الثامنة فيذكره و لا يقيم إن كان منخفضا و مناسبا أم لا بل يركز حديثه على المدرسين أي على أصحاب العمل الفكري و يشكو حالهم و يوصى بالترفيع فى أجورهم دون أن يربط الترفيع فى الأجر بشروط عكس ما فعل بالنسبة للعمال . و جلي أن دنك، مكرسا سياسة برجوازية ، سيبقى على الفروقات بين الدرجات و سيعمقها و يوسعها حتى فى القطاع الواحد ف" أفضل المدرسين ينبغى أن يتحصلوا على معاملة خاصة ."
و تعزى سياسة دنك تجاه المعلمين لسببين إثنين ،أولهما هو كسب تأييد البرجوازية الصغيرة و توجيه تفكيرها نحو الترقيات و المعاملات الخاصة و ثانيهما هو تكريس النزعة البرجوازية فى تفضيل العمل الفكري على العمل اليدوي و تعميق التناقض بينهما و هذا فى إرتباط طبعا بالأفكار التى عرضنا فى إطار تناولنا للتعليم و" الثورة " البرجوازية المدخلة عليه .
و نواصل مع دنك :" يجب أن نضع موضع التطبيق نظام مراقبة ينبغى أن تكون شديدة و شاملة و مستمرة . و سوف نطبقها فى كافة ميادين النشاط . من الآن فصاعدا ، سيكون تقدم العمال و الموظفين على قاعدة نتائج هذه المراقبة و الذين تنطبق عليهم الشروط الموضوعة سيتمتعون بتقدم و حتى بترقيات أسرع أما الذين ليسوا فى المستوى المطلوب فسيبقون فى الدرجة ذاتها " . ( ص 19) و هذا كلام جلي لا يحتاج منا بيانا .
و من الأهمية بمكان أن نشير هنا إلى تعويض دستور 1976 بدستور آخر ألغى حق العمال فى الإضراب الذى أقرته نضالات الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى طريقة من طرق مقاومة البيروقرااطية و التحريفية و أكد عليه ماو شخصيا عند صياغة دستور 1976 . و أردف هذا الإجراء الرجعي بإقتراح من الجلسة المفتوحة على المجلس الشعبي الوطني تنقيح الفصل 45 من الدستور لإلغاء البند المتعلق بحرية التعبير و العرض العام للأفكار و الدازيباو و النقاش الواسع ( ص 269 من "نصوص مختارة "لدنك سياو بينغ ) و تم للتحريفيين ما أرادوا .
مجمل القول هو أن العاملين فى المصانع و المؤسسات و الكمونات (التى حلوها لاحقا ) لم يعودوا هم المحددين للأجور بما هم المعنيون المباشرون و أصحاب القرار ، و لم يعد بإمكانهم القيام بتقييم ذاتي داخلي للعناصر العاملة ،بل صارت السلطة المركزية هي الفاصلة الناطقة عبر نظام مراقبة فوقي خارج عن نطاق العاملين فى المؤسسات و وحدات الإنتاج . و الأمر نفسه شمل الفلاحين فلم تعد السلطة بأيدى الجماهير التى تشيد الإشتراكية و أعينها مصوّبة نحو الشيوعية وباتت السلطة مركزة فى أيدي التكنوقراطيين و الإداريين و فى النهاية فى يد البرجوازية الجديدة . بالنسبة لمن لا يضع على عينيه نظارات تروتسكية و تحريفية ودغما تحريفية و برجوازية عموما، إنها حقيقة ثورة مضادة ، ردة و قفزة نوعية إلى الوراء مقارنة بعهد الصين الماوية .
7- التنكر للمفاهيم الماوية لمواصلة الصراع الطبقي فى ظل دكتاتورية البروليتاريا :
منذ مدة طويلة و حتى قبل الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى بعدة سنوات ، و قد درس تجربة دكتاتورية البروليتاريا فى الإتحاد السوفياتي ، أوضح ماو تسي تونغ بما لا يدع مجالا لأي لبس أن فى ظل الإشتراكية كمرحلة إنتقالية بين الرأسمالية و الشيوعية ، يستمر وجود الطبقات و تستمر التناقضات الطبقية و يستمر الصراع الطبقي واضعا التناقض الرئيسي الذى يمتد على طول المرحلة الإشتراكية بين البروليتاريا و البرجوازية . ( المجلد الخامس من "مؤلفات ماو تسى تونغ المختارة ") و خلال الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى ، طوّر الرئيس ماو تلك الأطروحات ليصوغ نظرية صراع الخطين داخل الحزب الشيوعي بما هو محور المجتمع الإشتراكي و الدولة الإشتراكية كتعبير مكثف عن الصراع فى جانبه الأهم بين الطبقة التى تعمل من أجل تحقيق الشيوعية و الطبقة التى تعمل من أجل إعادة تركيز الرأسمالية و ذلك لأن الطريق الإشتراكي أو الخط البروليتاري يسعى لبلوغ الشيوعية بينما الطريق الرأسمالي و تعبيرته المركزية داخل الحزب أتباع الطريق الرأسمالي يهدفون إلى إعادة تركيز الرأسمالية .
و فى تحديده للتناقض الرئيسي الذى يشق المجتمع الإشتراكي ، يستنجد دنك سياو بينغ ، بعد الإنقلاب ب "خروتشوف الصين " ، ليوتشاوتشى و مقولته حول التناقض بين القوى المنتجة و علاقات الإنتاج ( ص 193 "نصوص مختارة " ) وهي مقولة تحريفية لطالما حاربها ماو بحكم أنها تقدم الإنتاج على الصراع الطبقي و بالتالي تلحق أفدح الضرر بالثورة ملهية الحزب و الجماهير عن خوض الصراع الطبقي مع دفع الإنتاج (القيام بالثورة مع دفع الإنتاج ) و فاسحة المجال امام إستيلاء البرجوازية الجديدة على أجزاء من السلطة فالسلطة كلها . من منظورهم الطبقي ، لا يرى دنك كما التحريفيون المعاصرون جميعا وجودا لصراع طبقي محتدم فى المجتمع الإشتراكي ينعكس فى صراع خطين داخل الحزب الشيوعي و إنكار هذا الصراع الطبقي يحميهم هم و بقية أتباع الطريق الرأسمالي فى الحزب و الدولة من هجومات الثوريين و الجماهير لإسترداد ما إستولى عليه التحريفيون من سلطة فى المصانع و الكمونات ...و الحزب وهلمجرا و الإعتراف بصراع الخطين و الصراع الطبقي يجعلهم هدفا لهما وهو ما لا يقبلون به أبدا .
فى الصفحة 183 من نصوصه المختارة ، يشكك دنك سياو بينغ فى المفاهيم النظرية الماوية النابعة من تجربة البروليتاريا العالمية و لا سيما فى صراع الطبقات فى المرحلة الإشتراكية و يشكك فى الصفحة 193 فى نظرية "مواصلة الثورة فى ظل دكتاتورية البروليتاريا " و التى لا يوافقها على هدفها المتمثل فى " إفتكاك السلطة من المسؤولين السائرين فى الطريق الرأسمالي " و يعطيها تأويلا آخر تحريفي .
و فى ما يتصل بنظرية صراع الخطين داخل الحزب على وجه الضبط ، فإن دنك راجع فيها تطوير ماو تسى تونغ للماركسية –اللينينية حيث ورد بالصفحة 288 من نصوصه المختارة :
" فى الماضى كان يقع الحديث دائما عن عشر صراعات خطية . كيف يجب أن ننظر إليها اليوم ؟
ذلك الذى يخص الرفيق بنغ تاه هواي لا يجب أن يعد ضمنها و الشيئ نفسه بالنسبة لذلك الذى يخص الرفيق ليو تشاو تشى" و يشدد على ذلك " ضمن الصراعات العديدة بين الخطين التى كان يتم الحديث عنها فى الماضي ، هنالك على الأقل إثنان لا يمكن إعتبارهما صراعات خطين و يجب أن نقلب راديكاليا الإستنتاجات المبنية عليهما و أقصد الصراعان الخاصان بليوتشاوتشى ." (ص 305) .
بتدرج أملاه واقع ميزان القوى و المقاومة الشيوعية الماوية ، فى البداية ينقص دنك سياو بينغ صراعين و لا يعدهما ضمن صراع الخطين ضد التحريفية ثم يرى أن " هنالك على الأقل إثنان لا يمكن إعتبارهما صراعات خطين" و من "على الأقل " يمضى كالعادة من التشكيك إلى الهجوم الصريح ، إلى نهايته المنطقية فيدحض حتى إستعمال مفهوم صراع الخطين داخل الحزب . " ...و لكن (يؤكد دنك بالصفحة 306) حين يتعلق الأمر بصراع داخل الحزب ، يجب نعته حسب طبيعته ، يجب تقديم الخطأ المرتكب كما هو ، يجب تحديد محتواه و يجب ألا يُستعمل بعدُ مبدئيا مفهوم صراع الخطين ..." و فى هذا مثلما فى نقاط أخرى يعانق دنك سياو بينغ التحريفيين السوفيات و الخوجيين المفضوحين منهم و المتسترين .
بهذه المغالطة و هذا التشويه يزرع التحريفيون فى الجماهير فكرة ميتافيزيقية مثالية قوامها عدم إمكانية تحول طبيعة الحزب من حزب ثوري بروليتاري إلى حزب تحريفي برجوازي و من ثمة يرمون إلى غرس فكرة عدم الشك فى القيادات و الثقة فيهم ثقة عمياء مما يخول لأتباع الطريق الرأسمالي ، إن لم يبلغوا أعلى مراكز السلطة بعدُ مزيد الإستيلاء على أجزاء أخرى من السلطة دون مقاومة أو إن بلغوا السلطة و حولوا طبيعة الحزب و الدولة أن يتخفوا وراء قناع مواصلة الطريق المرسوم سابقا قبل أن يرسخوا جذورهم و يعلنوا تحويل الوجهة صراحة و تظل الجماهير مشدوهة لا تحرك ساكنا بينما يجرى القضاء على الثوريين و تصفيتهم هم و على الخط الشيوعي الثوري بشكل سلمي و بسهولة نوعا ما . و يعاد تركيز الرأسمالية و فى الوقت المناسب يصرح بذلك بلا خجل .
8- نقاط إضافية يتناقض فيها خط دنك التحريفي البرجوازي مع الخط الماوي الثوري البروليتاري :
1/ إن الدعاية التى يقوم بها دنك حول علاقة الفلاحة بالصناعة الثقيلة و الصناعة الخفيفة تبث فكرة أن "أولوية تطوير وسائل الإنتاج قانون طبيعي " (لنقرأ رأسمالي / برجوازي ) و تطوير الفلاحة يُنظر إليه بإرتباط أساسا بمساهمته فى مراكمة رأس المال لإنجاز " التعصيرات الأربعة " و الحال أن ماوتسى تونغ و خاصة أثناء الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى حدد الأولويات على النحو التالي : فلاحة – صناعة خفيفة – صناعة ثقيلة على قاعدة مبدأ " الفلاحة هي الأساس و الصناعة هي القائدة " . هدفان متضادان هدف دنك تطوير وسائل الإنتاج أولا و أخيرا خدمة للبرجوازية الجديدة على حساب العمال و الجماهير الكادحة و هدف ماو تطوير علاقات الإنتاج فقوى الإنتاج إنطلاقا من الشعب و تلبية لحاجياته المباشرة و مصالحه الإستراتيجية و الهدف البعيد المدى : الشيوعية .
2/ شدّد ماو على أن تطوير الإقتصاد الإشتراكي يتم بالتعويل على الذات و الإستفادة من المصانع الصغرى و المتوسطة و الكبرى والإستفادة من التكنولوجيا القديمة والتكنولوجيا المعاصرة فى آن و الغاية ضمان الإستقلال و التوازن الإقتصاديين و التخطيط الإشتراكي .فى حين يدفع دنك نحو تطور غير مستقل ، مرتبط بالرساميل الأجنبية و غير متوازن و لا يدخل فى مجال رؤيته سوى التكنولوجيا المعاصرة .
3/ بشأن الحرب ، أعلن ماو أن الجماهير المتسلحة بالوعي السياسي الطبقي و الحاملة للسلاح و ليست الأسلحة هي المحددة و أن إمتلاك أسلحة عصرية لا ينبغى أن يكون على حساب تشويه الإقتصاد أو سببا فى الإرتباط بألف خيط ببلدان إمبريالية . بينما يطبل دنك ككل التحريفيين و البرجوازيين للأسلحة على أنها المحددة فى الحرب.
ماو بنى جيشا شعبيا بأتم معنى الكلمة ، سياسيا و إيديولوجيا و تنظيميا يخدم مصالح و أهداف الطبقة العاملة و الشعب عموما و التحريفيون الصينيون أعادوا البناء على قاعدة برجوازية معيدين الرتب و الدرجات و العلاقات السلطوية داخل صفوف الجيش بل و أخذوا يستوردون حتى البزات العسكرية من بلدان أجنبية .
4/ أمميا ، كان الشيوعيون الماويون الحقيقيون ينهضون بواجباتهم الأممية و يدعون الشعب لمساندة الثورة البروليتارية بتياريها العاملين فى سبيل الثورة الإشتراكية فى البلدان الإمبريالية و الثورة الديمقراطية الجديدة الممهدة للثورة الإشتراكية فى المستعمرات و أشباهها أو فى المستعمرات الجديدة . و المرتدون يدعون الشعوب و الشيوعيين للإستسلام للإمبريالية من خلال نظرية " العوالم الثلاث " التحريفية التى ضمنوها فى دستورهم الجديد وهم أنفسهم يقولون أن "الأربعة " لعنوها لعنا . و يعانق دنك و أضرابه يوغسلافيا و تيتو اللذان فضحهما الماويون عالميا ( "هل يوغسلافيا قطر إشتراكي ؟ " أحد نصوص الجدال العظيم ضد التحريفيين السوفيات ) كما يعانق التحريفيين السوفيات الذين حاربهم الشيوعيون الماويون و لا زالوا يحاربونهم عالميا .
إجمالا نستشف بما لا يدع أدنى ظل من الشك ( إلا بالنسبة للتحريفيين من كافة الأرهاط العاملين بالمثل الشعبي" عنزة و لو طارت " ) أن الصين الماوية إشتراكية و صين دنك رأسمالية . و من واجب الشيوعيين الحقيقيين فرز الأوراق و الدفاع عن الإرث الثوري الماوي كأرقى ما توصلت إليه تجارب دكتاتورية البروليتاريا العالمية إلى يومنا هذا و أن يفضحوا بصرامة التحريفيين جميعهم بلا هوادة .
2/ كابوس سوق دنك الحرة
يهلل الإمبرياليون لدنك سياو بينغ على أنه "إصلاحي كبير " مسؤول عن "تعصير "و" فتح أبواب الصين "على بقية العالم. و يردون له فضل رفع مستوى المعيشة و مساعدة الصين على أن تسجل أسرع نمو إقتصادي عالميا .
ما الذى عنته إعادة تركيز الرأسمالية من قبل دنك بالنسبة لجماهير الشعب الصيني ؟ الجواب المقتضب هو تعميق فقر غالبية الشعب و بون يزداد إتساعا بين الأغنياء و الفقراء و عودة العلاقات الإجتماعية الإضطهادية بما فيها إضطهاد المرلأة و إخضاع الصين للإمبريالية .
فى الصين الثورية ، قاد ماو تطوير سياسات وزعت الصناعة عبر البلاد و طورت المناطق الأفقر و الأكثر تخلفا . و فى ظل دنك أضحى الكثير من التطور و الموارد ممركزة فى أغنى المناطق على الشريط الساحلي الصيني لا سيما "المناطق الإقتصادية " . نتيجة لذلك إتسع البون بين المناطق الغنية و المناطق الفقيرة . و فى 1993 تضاعفت مداخيل نسبة ضئيلة من المجتمع – أربعة ملايين – ب12 مرة نسبة للمعدل المديني و ب32 مرة نسبة للمعدل الريفي .لكن عرفت مداخيل 400 مليون إنحدارا .
فى ظل قيادة ماو ، طورت الصين نظام فلاحة إشتراكية لبت الحاجيات الغذائية الأساسية للصين . و حصلت تغييرات إجتماعية عظيمة فى الريف عالجت اللامساواة و الإمتيازات . كل هذا إنقلب عليه دنك فمزق الحقول و المزارع إلى قطع صغيرة من الأرض سلمت للعائلات الفلاحية الفردية . و سمح للفلاحين الأفراد بإستئجار (وإستغلال ) العمل و شراء و إمتلاك الآلات الفلاحية و بتسويق فوائضهم من المحاصيل .
فى هذه العملية الضخمة من تفكيك دنك لمشركة الفلاحة إستطاع البعض أن يراكموا أكثر من غيرهم بينما تحصل الآخرون على القليل أو على لا شيئ . و أدى هذا إلى وضع حيث ثمة أكثر بكثير و ليس أقل لامساواة فى الريف . فى الريف أين يعيش ثلاثة أرباع الشعب الصيني إستشرى الفقر وإنتشرت البطالة . و بالنتيجة تحدث أكبر هجرة بشرية عرفها التاريخ المعاصر . مائة مليون ساكن من "السكان الهائمين على وجوههم" تركون بعدُ الريف فى محاولة يائسة للهروب من الفقر . و تمتد اليوم مدن صفيح هائلة الحجم ممن لا مسكن لهم و من الفقراء ، تمتد حزاما حول مدن الصين مثل شنغاي و بيكين .
فى ظل ماو ، تقدم الناس العاديون ليمارسوا القيادة على جميع الأصعدة الإجتماعية و للمشاركة فى الصراع السياسي لتغيير أماكن عملهم و الكمونات لكن فى ظل دنك يحكم التعصير و الربح كل شيئ. و الأهم بالنسبة لحكام الصين الحاليين هو كمية ما يمكن أن يعتصروه من العمال و الفلاحين .
و أعاد نظام دنك الصين إلى براثن الهيمنة الأجنبية . فى ظل ماو ، كانت الصين قاعدة للثورة العالمية .و اليوم هي معمل يعمل فيه العمالفى عناء و أحوال سيئة لصالح الإمبريالية . فدخلت الصين شركات كشركة نايك و جنرال موتورس و أحدثت مغازات وهي تدفع أحد أدنى الأجور فى العالم –حوالي 28 سنت فى الساعة .و فى 1993 ، أقيمت عقود ب123 بليون دولار من الإستثمار الأجنبي ، ممثلا نصف جميع رأس المال المستثمر فى البلاد .
مرة أخرى ،غدى التعليم إمتيازا لقطاع نخبة فى المجتمع . و بعودة الفلاحة ذات الإمتيازات فى الريف و الربح فى مصاف القيادة ، عادت عادات و ممارسات إقطاعية عنيفة . فيقع تفضيل الأولاد على البنات و عليه عاد ضرب الزوجات و إضطهاد النساء التى تلد إناثا و قتل البنات الصغيرات كأحد أكبر المشاكل الإجتماعية .
و إستشرى الفساد على الأصعدة كافة فلى الحزب و الحكومة . و للبيروقراطيين المحليين سطوة و تحكم سياسيين فى الموارد و فى رأسمال الدولة . و أضحى عديد الموظفين من أصحاب الملايين .
قبل 1949 ،كان فى الصين 70 مليون مدمن على الأفيون و المورفين و الهيروين . و بسرعة وضعت الثورة الماوية نهاية لمشكل المخدرات فى الصين . أما فى 1995 فصرحت الحكومة الصينية بأن عدد المدمنين الذين أوقفوا تعاطي المخدرات أو الذين ينوون تسجيل أنفسهم فى السجل قفز من 250 ألف إلى 350 ألف فى أكثر بقليل من السنة .
فى 4 جوان 1989 ، أمر دنك سياو بينغ الجنود بالهجوم على آلاف الطلبة و الشباب و العمال المتظاهرين فى ساحة تيان آن مان . و لعل الآلاف من الناس قتلوا بدم بارد عندما هاجمت مدرعات الجيش الناس و عندما أطلق الجيش النار على الحشود . كانت المظاهرات فى ساحة تيان آن مان تنمو لأسابيع لما تدفق طلبة و آخرون إلى الساحة للإحتجاج ضد الفساد الحكومي و البيروقراطية و للمطالبة ب"أكثر ديمقراطية " . وهكذا ،على مراى العالم دهس النظام الصيني المتظاهرين بلا رحمة .
الوجه الحقيقي لل"معجزة الصينية " . 3-
فى 17 جويلية 2007 ، صدر حكم على مدير فرن آجر و أحد مساعديه فى شمال الصين بالسجن مدى الحياة و الموت تباعا . و أتى هذا إثر أخبار تبعث على الصدمة فى جوان حول فضيحة عمل العبيد التى كشفت كيف أن أشخاصا إضطروا إضطرارا و بالقوة للعمل فى أفران آجر فى محتفظة شاننكسى .
لقد إتهم هؤلاء الرجال بالإبقاء على العمال فى عبودية فرض العمل بالقوة فى أفران آجر تشبه مصهر حيث يدير أصحاب الأفران المصنع كالسجون وفق تقارير وسائل إعلام الدولة ، مستعملين كلاب حراسة و الضرب لصد الهروب.
خلال محاكمة المتهمين كشف أيضا أن هذا الفرن الخاصإستعبد 34 عاملا بمن فيهم 9 كانوا يعانون من مرض ذهني .
و فى السنة السابقة على إيقافهم ، جُرح 19 عاملا . وورد فى تقارير وسائل إعلام الدولة أن 13 على الأقل لقوا حتفهم بسبب العمل الشاق المتواصل و سوء المعاملة و ضمنهم عامل قيل إنه ضُرب حد الموت برفش . و كان عملهم يبتدأ على الساعة الخامسة صباحا و يمتد 19 ساعة إلى الساعة 8 ليلا .و كان العمال المستعبدون مسجونين بقاعة لا سقف لها و لا سرير أو مطبخ بها و لا يسمح لهم إلا بالعمل فى أفران عالية الحرارة منها عليهم حمل مواد ثقيلة من الآجر الالحديث الخروج من الأفران على ظهورهم . و تعرض العديد منهم لأسوء الحروق .و لا يقدم لهم الطعام سوى مرة واحدة فى اليوم .يقدم لهم الخبز اليابس و الماء البارد خلال وقت الراحة الوحيد فى اليوم ،طوال 15 دقيقة . لقد إعترف شهود فى المحكمة بأن العمل الشاق كان مرفوقا بضربات سياط و لكمات .
و قد خشيت أن تسيئ مثل هذه الأخبار و الفضائح لصورة ما يسمى ب "المعجزة الإقتصادية الصينية " ، سعت السلط فى البداية إلى إعطاء إنطباع بأن مثل هكذا أحداث قليلةو تحدث فقط بسبب جشع بعض الأشخاص و أصحاب الأفران . و مع ذلك فى تقارير عدة برز أن العمل فى ظروف قاسية و أحيانا ظروف عبودية منتشر إن لم يكن فى الصين برمتها فعلى الأقل فى بعض المحافظات الداخلية مثل يانان و شانكسى . و السلط ،على الأقل على مستوى المحافظات كانت واعية بهذا الوضع لكنها تجاهلت ذلك عمدا لأنها إلتزمت بدفع النمو الإقتصادي مهما كانت التكاليف.
مئات الآباء و الأمهات كانوا يبحثون عن أبناءهم المختطفين و لهم الحق فى الإعتقاد بان هؤلاء الأبناء محمولين حملا على العمل فى أفران الآجر. و لم تحرك الحكومة ساكنا إلا حين بعث الأولياء برسالة مفتوحة على الأنترنت متهمة سلطات يانان و شانكسى بتجاهلهم و حتى بحماية أصحاب الأفران و المتاجرين بالبشر. . إتهم مبعوث صحفي ليانان ساعد على فضح التجارة بالبشر ،إتهم المسؤولين بالحيلولة دون الأولياء و العثور على أطفالهم المختطفين " و فى تقريرنا ، الحاجز الأكبر هو نقص تعاون بعض السلطات فى شانكسى ". لقد قال فو زانغزونغ ، مبعوث تلفزي ، ل "يومية الشباب الصيني" إن البعض لا يزال يلتجأ إلى أية طريقة لإبعاد الأولياء عن نجدة أبناءهم". ( وكالة إعلام رويتر ن 17 جوان 2007) . و فى النهاية ، أطلق سراح قرابة الألف من العمال فى مجموعة من حملات تفتيش الشرطة و المراقبة ل700 فرن فى محافظات الصينالوسطى ليانان و شانكسى كان تجار البشر دخلوا فى تماس مع الأطفال فى الشوارع و إقتنصوهم ليجعلوهم يعملون فى الأفران . و أستعملوا وعودا كاذبة و حتى إختطفوأ أطفالا سنهم دون العاشرة ثم باعوهم لأصحاب الأفران بأقل من خمسين يورو للفرد الواحد .
نتيجة لهذه الفضيحة ، أصدرت محاكم شانكسى أحكاما ضد مجموعة من 29 شخص لتورطهم فى هذه العبودية . و يترقب حوالي 10 آخرين محاكمتهم . و لم تستطع الحكومة الصينية أن تطوق الفضيحة و تحددها على أنها حالة معزولة فى فرن واحد فبذلت وسعها لتحديد آثار ذلك بمعاقبة ثلة من المسؤولين غير السامين . و تمت تبرئة ذمة المسؤولين السامين . و إتخذت إجراءات زجرية ضد ما يناهز مائة من أعضاء ما يسمى بالحزب الشيوعي .
على عكس ما تريد السلط الصينية و مشجعيها فى الغرب الناس أن يعتقدوه هنالك دوافع للإعتقاد بأن ظروف العمل فى عديد الأماكن بالصين ليست مختلفة كليا عن تلك التى توجد فى هذه الأفران . فعلى سبيل المثال ، جاء فى تقرير لل"غارديان " الصحيفة الأنقليزية فى 18 جوان 2007 :" من كثافة المناطق الصناعية المزدحمة فى محافظة جوانغدونغ إلى أسواق الشوارع ، مطاعم و فنادق المدن الكبرى ، إلى المصانع البدائية لمحافظات الصين الغربية الفقيرة نسبيا ، عمل الأطفال واقع حياتي يومي تغض الحكومة بصورة نموذجية عينيها عنه ... و مثلما يقول هو جندو ، أستاذ إقتصاد فى جامعة التكنولوجيا ببيكين : " العمل المفروض فرضا أو عمل الأطفال أبعد من أن يكون ظاهرة منعزلة . إنه عميق الجذور فى واقع اليوم ، مزيج من الرأسمالية و الإشتراكية و الإقطاعية و العبودية ." .(فى الحقيقة بينما ثمة خليط الرأسمالية و الإقطاعية و العبودية فى إقتصاد الصين المعاصرة فإن الإشتراكية جرت الإطاحة بها بعنف عبر إنقلاب فى 1976 عقب وفاة ماو ، حين إفتك من كان ماو يطلق عليهم تسمية أتباع الطريق الرأسمالي فى الحزب الشيوعي السلطة بالقوة . ووجود الصناعات المملوكة للدولة ليس تعبيرا عن الإشتراكية و إنما هو قطاع إقتصاد رأسمالية الدولة فيه يُستغل الشعب الكادح كما يُستغل فى القطاع الخاص .) .
و يشير التقرير ذاته إلى حالة مختلفة فى مقاطعة غوانغ دونغ حيث يشتكى طلبة الثانويات من محافظة سيشوان البعيدة من أنه تساء معملتهم من خلال برنامج عمل-دراسة يوفر عمالا شبابا من غربي الصين لمصنع ألكتروني فى مدينة بومتاون الصناعية فى الجنوب الشرقي أين يوجد نقص فى اليد العاملة . لقد إضطروا إلى العمل على الأرجح ليدفعوا مصاريف دراستهم . و يشتكى الطلبة من شغلهم طوال 14 ساعة يوميا بما فى ذلك ساعات إضافية إلزامية . لقد قالوا أيضا إن أجرهم يسحب منهم و أحيانا لا يستطيع الذين يودون التخلى عن البرنامج إلا طلب أهلهم بالهاتف أو خلاص النقل عند العودة إلى المنزل.
تقرير شبيه بهذا الجنس من التقارير نشر فى المجلة الألمانية "دير شبيغال " فى 16 فيفري 2005 . فيه كتب أولريش فشتنار أن المعجزة الإقتصادية الممتدة على عقدين فى محافظة شنزان التى بلغ معدل نمو إقتصادها السنوي 15 بالمائة تقع أعباؤها على كاهل نساء شابات تعمل منذ الصباح الباكر إلى ساعات متأخرة من الليل ، سبعة أيام أسبوعيا فى صناعة آلات قهوة ب500 يوان (45 أورو) شهريا و النساء الشابات التى تجمع عرائس البلاستيك و تجمع طوق الساعات من الجلد غير التام ، و تصنع طائرات تدريب و أجزاء عدسات الآلات الطابعة و تنجز جملة من الأعمال الأخرى . و فى هذه المصانع خطر التعرض لجروح خطر جسيم . و عادة ما يكون العمال ضحية جروح بليغة فيفقدون أصبعا أو يحرق جانب من جسدهم و لا وجود لتلأمين أو رعاية طبية بل ثمة لصوق و ضمادات .
و سجل المبعوث الصحفي فيشتنار فى تقريره أن النساء تمثل 70 بالمائة من 5.5 مليون عامل موسمي من الصين بأسرها فى تشنزان و المصانع فى المناطق المجاورة . و فى أجزاء أخرى من الضاحية كننشان ، مركز تكنولوجي راقي ،هذا الرقم أعلى حتى . بدأت هجرة النساء الشابات فى 1980 حين سمى دنك سياو بينغ تشنزهان وهي مدينة من محافظة غوانغدونغ ، مخبرا يرمز للصين التى خطط لها و شعاره :" مبعث فخر أن تصبح غنيا". بلغ نزوح النساء الشابات الباحثات عن حياة أفضل أتيات من جميع نواحي الصين إلى تشنزهان أوجه أواسط الثمانينات و بداية التسعينات،حينما إنتشرت أخبار عن مكان " الأحلام " عبر الصين كافة . و بسرعة إستحالت هذه الأحلام إلى خيالات و تشنزهان إلى مكان حيث تهدرحياة العمال على ما يصنعون من منتوجات .
و إحدى تبعات ذلك أن عددا واسعا من النساء إنتهى إلى العمل فى البغاء فى المدن و المناطق المجاورة . و يصف التقرير الألماني حياة نساء مثل شوفينيل التى تعمل فى قاعة تمسيد كامل أيام الأسبوع من الثامنة صباحا إلى الثامنة ليلا مقابل 54 سنت الساعة . و يستمر التقرير قائلا : " تقف نساء فى سن الشيخوخة وهي فاقدة لغالبية أسنانها على قارعة الطرقات عارضة ألبومات صور هي فى الواقع قائمة فى العاهرات و صفحاتها الواحدة تلو الأخرى تحمل صور وجوه مشوهة أو متورمة تترجم الحلم الضائع للفتيات الفقيرات . و تهمس هذه النساء الشيخات للمارة :"بنات ، سيدى ، إنهن شابات ،و غير مصابات بالآيدز ، سيدى ..." .
يبدو أن البغاء جزء لا يتجزأ من هذا الإنفجار الإقتصادي . و تواجه هذه النساء مشاكلا كبرى إذ تبخرت أحلامهن و لالآن عليهن أن تقاتل من أجل عمل لم تحلم به بتاتا :
" فى مدينة شنزهان الجنوبية ، وقع نشر الآلاف من عناصر الشرطة المسلحة فى بداية هذا الأسبوع ل سحق إحتجاج قام به أكثر من 3000 عاهرة و مضيفات كراأوكي صارت عاطلة عن العمل إثر تشديد الإجراءات ضد قاعات التمسيد و العلب الليلية " .( "الغوارديان" 21 جتنفى 2006 ) . و المدينة معروفة ليس بالدعارة فى الشوارع فقط و إنما أيضا بعدد ضخم من العشيقات المحتفظ بهن "كزوجات ثانية" لدى رجال الأعمال الأجانب ، لا سيما الآتين من هونكونغ .
خلف هذا الواقع ثمة حقيقة مُرّة أخرى هي أن عدة نساء شابات نزحن إلى تشنزهان تنحدر من عائلات لا يرحب فيها بولادة الإناث . إنهن قادمات من أماكن أين ولادة طفلة مرّة ثانية تعتبر كارثة و اين قتل الأطفال شائع . لقد قضي على هذا الشر أو تقلص إلى حدود كبيرة إثر الثورة الديمقراطية الجديدة فى 1949 و تقدم الصين نحو الإشتراكية . و عاد للظهور مجددا فى العقدين الأخيرين فى الصين ،هو و عدة مظاهر أخرى من الرأسمالية و العلاقات الإقتصادية و الإجتماعية الإضطهادية .
لهذه الأمثلة من غوانغدونغ أهميةخاصة لأن على عكس تشنكسى حيث أفران الآجر و إستعباد العمال ، غوانغدونغ ليست منطقة معزولة و متخلفة و إنما هي مقاطعة ساحلية رمز للنمو السريع فى الصين و لنجاح صناعاتها التصديرية . هي أغنى مقاطعة . و نجاح غوانغ دونغ مرتهن بالإستغلال الفاحش للعمال القادرمين من مناطق أخرى أفقر بكثير ، لا سيما المناطق الداخلية و إلى حد كبير النساء . دون هذه الظروف المتخلفة فى الريف و التى ترمز إلى العبودية فى أفران الآجرلن تكون الصناعة الصينية العصرية مفيدة كما هي الآن .
نسمع عادة عن "المعجزة الإقتصادية الصينية " عقب الإنقلاب على الطريق الإشتراكي إثر وفاة ماو تسى تونغ فى 1976 . مذاك حقق الإقتصاد الصيني نسبة نمو تناهز ال10 بالمائة سنويا . غير أن هذا النمو تحقق على حساب تفاوت إجتماعي هائل و متعمق بسرعة و من ذلك البون الإقتصادي الشاسع بين المدن و الأرياف و بين الفلاحة و الصناعة و تفضيل المقاطعات الساحلية على المدن الداخلية الفقيرة و كذلك الإنقلاب على تحرير المرأة . هذه المظاهر من عدم المساواة مصدر أرباح طائلة من جهة و عذابات هائلة من جهة أخرى . وهي أيضا علامة على نظام إجتماعي مختلف راديكاليا عن النظام زمن ماو .
لقد صرح ماو بأن الإختلاف الحقيقي بين الرأسمالية و الإشتراكية يكمن ليس فى الإسم الذى يطلق على المجتمع و إنما فى الطريق الذى يسلكه و يسير فيه . لا تسطيع الإشتراكية أن تلغي فى الحال و ببساطة ما ورثته من تاريخ كامل من الإستغلال بما فى ذلك هذه افختلافات الإجتماعية الإضطهادية الكبرى و غيرها و فوق كل شيئ تقسيم المجتمع إلى طبقات و كافة الأفكار و العادات و الممارسات الناجمة عن علاقات الملكية ،بيد أنه حينما كانت البروليتاريا تمسك بزمام سلطة الدولة ، ناضل الثوريون تحت قيادتها فى سبيل تقليص هذه الإختلافات التى صارت فى صين اليوم بونا شاسعا . لقد قاموا بذلك من خلال سياسات مرتكزة ليس على ما ينتج أوفر ثروة فى أقصر وقت و إنما على ما ينشأ نموا متوازنا و عادلا و تحرريا للمجتمع بأسره.
حققت الصين الإشتراكية معجزات إقتصادية فكانت نسبة نموها المستمر هائلة مقارنة مع بلدان تشبهها كالهند . فى بضعة عقود فحسب تضاعف أمل الحياة . و لم تكن المسألة الجوهرية كيفية بلوغ أعلى نسب الإنتاج بل كانت هدف الإنتاج و بالتالي كيفية الإنتاج .هل ينبغى أن تعمق الثروة المنتجة الإختلافات الإجتماعية و اللامساواة الإجتماعية و تزيد من إستعباد الشعب الكادح ؟ أم ينبغى أن تسمح أكثر فأكثر للشعب الكادح بأن يصبح سيدا للإنتاج يتحكم فيه و فى جميع المجتمع ؟ هل ينيغى أن يكون الشعب الكادح دابة حمل أم ينبغى أن يقود الغالبية الساحقة من الشعب فى التحويل الثوري للصين و فى جعلها قاعدة للثورة العالمية لتحرير الإنسانية و بلوغ الشيوعية و عالم متحرر من سلاسل اللامساواة الإجتماعية و العلاقات الإجتماعية المولدة لمثل هذا البؤس و الجاذبة للقدرات البشرية للخلف ؟
قال ماو إن سياسات قيادة الحزب الشيوعي بشأن هذه المسائل تحدد إن كان البلد إشتراكيا فعلا أم لا و إن كان الحزب شيوعيا فعلا أم لا . صحة هذه الفكرة تبينت بصورة مثيرة عند عقد مقارنة بين صين اليوم و صين ماو ، مقارنة بين الصين الماوية السائرة على الطريق القائد إلى مستقبل مختلف تماما بالنسبة للإنسانية جمعاء من جهة و البلد المنحدر إلى جهنم فى القرن ال21 الذى أعاد الكثير من شرور الماضي . و بإعتبار أن أتباع الطريق الرأسمالي قدسوا الملكية الخاصة و جعلوا من الربح أسمى غاياتهم و فككوا الأشكال الإشتراكية و لطريقة الحياة الجماعية فى الريف ، تم التخلى على غالبية ثلثي السكان الذين لا يزالون ريفيين و فى المدن ، أصبحت الغالبية الغالبة عبيد أجور لا يقدرون على كسب قوتهم إلا إذا كانم عملهم يخلق ثروة لرأس المال . و حتى الصناعات التكنولوجية الرفيعة التى توفر أكثر الأرباح مرتبطة بنازحين ريفيين يستغلوا إستغلالا فاحشا علما و أن غالبية هذه المؤسسات يملكها رأسماليون أجانب. إن الفقر و الإضطهاد شرط ما تنتجه البلاد من ثروة . قلد حلت الرأسمالية المعولمة محل الصين الإشتراكية .
و بينما من الصحيح أن الغالبية الساحقة من الشعب لا تعرف هذا النوع من العبودية التامة الموجودة فى معامل الآجر
فإن ما يحدث فى المناطق الأفقر و الأكثر تخلفا فى الصين يسلط الضوء على طبيعة المجتمع الصيني الحالي و الأهم أنه يثبت طبيعة علاقات الإنتاج التى باتت تميز المجتمع الصيني . حيث كان الشعب الكادح يوما سيدا و متحررا و محررا ، أضحى مرة أخرى عبدا. /.
---------------------------------------
4/ إنهاء عمل " الأطباء ذوى الأقدام الحافية " و الأزمة الصحية فى الريف الصيني
بازو ، الصين : وهي تذرف الدموع فى الباحة الوسخة ، محاطة بخنازير فى سورة الغضب ، تحدثت دموعها عن سنة من الآفات.
أولا ، مرض زوجها وعمره 35 سنة و نقل من حقل الأرز إلى المستشفى و هو يشكو من آلام فى الصدر كان تجاهلها لزمن طويل . ثم علقت يد إبنها و عمره 4 سنواتفى درّاسة حبوب . و الدماء على كامل جسده و هي تحتضن الطفل ذى العيون المفتوحة واسعا بين أيديها ، قطعت أميالا من الدروب الصخرية حتى وجدت سيارة أوصلتها إلى طبيب .
توفي زوجها فى جناح الإنعاش و يفتقد إبنها اليوم نصف يده و خسائرها الشخصية تعدّ ديونا تتجاوز المعقول . و بالرغم من أن كلاهما لم يظل فى المستشفى ، فإن علاجهما تم بكلفة تفوق الخمسة مائة دولار ،مايعادل سبعة مرات دخلها السنوي ، فى قريتها فى جنوب غربي محافظة يونان .
( مقتطف من نيويورك تايمز بتاريخ 14-03-2001)
----------------------------------------------------------
ليس لزهانغ يوليان أي تأمين على المرض و لا تتمتع بخدمات عمومية تسمح لها بتغطية مصاريف الرعاية الصحية .لذا وجدت نفسها مضطرة إلى إستعارة المال من أفراد عائلتها . و الآن هي لا تعلم كيف ستعيد تلك الديون إلى أصحابها .
هذه هي بلوى العديد من ال800 مليون صيني الذين يعيشون فى الريف .
حسب تقرير حديث للأمم المتحدة ، إرتفعت التكاليف الصحية فى الصين من 400 إلى 500 بالمائة من 1990 إلى 1997 . و الرعاية الطبية فى المناطق الريفية باهضة الثمن بحيث توقف غالبية السكان عن معاودة الأطباء ،بإستثناء الظروف الإستعجالية القصوى . لهذا ،ينتهى الناس إلى التألم بفعل مختلف أنواع الآلام المزمنة و الإلتهابات و الأمراض القابلة للعلاج. و يعد المرض الآن أحد أهم العوامل المساهمة فى سقوط العائلات تحت مستوى خط الفقر .
--------------------------------------------------------------
لما كانت الصين بلدا إشتراكيا فى ظل قيادة ماو تسى تونغ ، كانت تتمتع بنظام شامل من "الأطباء ذوى الأقدام الحافية" و المصحات المجانية التى كانت تقدم رعاية صحية فى المناطق الريفية إلا أنه فى 1976 ، إثر وفاة ماوتسى تونغ ، وقع إنقلاب رجعي و أعيد تركيز الرأسمالية فتم التراجع عن المكاسب العظيمة التى تحققت فى ظل الإشتراكية، بما فيها مكسب نظام الرعاية الصحية العامل ليس على تحقيق الأرباح و إنما على "خدمة الشعب "و و كنتيجة مباشرة للإنقلاب اليوم ليس لمئات ملايين الشعب الصيني الرعاية الصحية المناسبة .
فى ظل الإشتراكية ، كان التخطيط المركزي يشتمل على تقديم منح للخدمات الإجتماعية مثل التعليم و الرعاية الصحية . لكن اليوم ، مع تحول عديد الأشياء فى الصين الرأسمالية نحو مزيد الخصخصة إختفت الخدمات الضرورية للغاية اللازم توفيرها . و الوضع مريع بوجه خاص فى الريف أين يعيش غالبية الشعب الصيني.
لقد أمسى النظام الصحي الريفي خليطا من المستشفيات و المصحات يديرها عادة خواص وهي فى الغالب ذات أسعار لا يقدرالناس على دفعها. ذلك أنه على الفلاح أن يدفع دخل شهرين للحصول على علاج زكام و على المرأة التى تود أن تلد فى مستشفى أن تدفع ما يعادل دخل سنتين من العمل الشاق .
-----------------------------------------------
الصين الثورية
"إذا كنت مريضا بالفعل ،تستعير مالا و تقصد الطبيب . لكن أغلب الناس لا يودون الذهاب لأننا فقراء هنا و نعرف أن الأمر سيكلف ثروة . قبل عشرين سنة ، كان الوضع مغايرا إذ كان من اليسير معايدة الطبيب و كان ذلك رخيص الثمن كذلك و حتى إن فرض عليك الذهاب للمستشفى و أنت تعانى من مرض جدى للغاية فستكون الكلفة على الأغلب 100يوان [ 15 دولار]."
النساء فى الريف الصيني – مقتطف ذكرته نيويورك تايمز
---------------------------------------------------------------------------------------------------------------
مثل هذه المرأة ،يتذكر الناس فى الصين كيف كان الوضع فى ظل الإشتراكية ( و فى السنوات القليلة التالية لسنة 1976 حين لم يقع التخلى بعدُ عن كافة الأشياء الإشتراكية الجديدة ). لقد شاهدوا تفكيك نظلم الصحة العامة الذى تطور فى ظل الإشتراكية ،تفكيك جرى خطوة خطوة . و شاهدوا عودة إنتشار حالات أمراض التيبركيلوز التى جرت السيطرة عليها سابقا . كما شاهدوا إنهاء عمل "الأطباء ذوى الأقدام الحافية " .
لقد كان الأطباء ذوى الأقدام الحافيةواحد من "الأشياء الإشتراكية الجديدة " التى أبدعتها الثورة الثقافية .فقد تم بعث هؤلاء الثوريين الشباب للريف حيث كانت توجد رعاية صحية قضئيلة أو منعدمة . كانوا يتلقون تدريبا طبيا لا لأن لديهم درجاتهم الدراسية أو لغناء عائلاتهم بل لأجل تكريس أنفسهم لخدمة الشعب .
لقد جرت تسميتهم ب"أطباء ذوى الأقدام الحافية " لأنهم كانوا يواصلون الحياة و العمل ضمن صفوف الجماهير بما فى ذلك عاملين حافيى الأقدام فى الحقول .و جرى تدريب هؤلاء الأطباء وفق المقاربة الماوية للتعليم : تدريب مبسط و مركز إلى جانب "تعلم الحرب عبر خوضها". فالحاجة للرعاية الصحية فى المناطق الريفية كانت أكيدة و بهذه الطريقة أمكن تدريب الأطباء ذوى الأقدام الحافية على نحو سريع نوعا ما للقدرة على توفير رعاية صحية و تربية اساسيتين .
إثر خمس سنوات من الثورة الثقافية ،وجد حوالي 1.8 مليون من الأطباء ذوى الأقدام الحافية ،إلى جانب 2.4 مليون آخرين من العاملين و القابلات فى القطاع الصحي العمومي . و قد غستطاعوا توفير رعاية صحية تقدر ب80 باتلمائة من الحاجيات الطبيى للجماهير الشعبية غالبا فى مناطق أين لم توجد قبل أبدا رعاية صحية .
كان عديد هؤلاء الأطباء ذوى الأقدام الحافية من النساء الشابات اللاتى ، جنبا إلى جنب مع الرجال ، سهروا على المراقبة عند الولادة و أجروا عمليات إجهاض بسيطة و صحية ووفروا رعاية ما قبل الولادة و ساعدوا فى عمليات التوليد.
أمراض السوق الحرة :
"فى بعض المحافظات ، لا وجود بعدُ لأي نظام و كل فرد يتحمل مسؤولية نفسه ".
مختص فى الصحة يعمل فى معهد أبحاث الدولة فى الصين
----------------------------------------------------------------------
اليوم ما عاد يوجد أطباء ذوى الأقدام الحافية فى الصين . لا تزال عديد المصحات التى شيدت فى ظل الإشتراكية قائمة – ووفق موظف فى قطاع الصحة الريفية فى وزارة الصحة ، ثمة مصحة واحدة على الأقل لتقريبا 90 بالمائة من القرى . لكن منح الحكومة لهذه المصحات تبخرت و حتى المصحات التابعة للدولة عادة ما تكون متروكة .
مع العودة إلى الرأسمالية ، خسرت ببساطة مناطق عدة المصحات و المستشفيات التى كانت عادة تحت إدارة الحكومة . و غالبية هذه المؤسسات يملكها الآن الخواص . و هؤلاء الخواص ،يعملون على قاعدة "الأرباح" فغيجددون أسعارهم الخاصة الباهضة للغاية بالنسبة لكثير من الناس إن لم تكن بالنسبة لمعظم الشعب . و هو ما خلق وضعا حيث مئات الملايين من الشعب فى الريف الصيني يعيشون دون الرعاية الصحية الأساسية . و الإحصائيات الصحية المتداولة تعكس تبعات هذا الوضع .
-- لقد تضاعف أربع مرات عدد حالات السعال الديكي فى غضون 15 سنة .
-- بدأت نسبة وفايات الأطفال التى كانتتتناقص بإطراد خلال أكثر من 40 سنة ، بدأت فى الإرتفاع فى المناطق الفقيرة .
-- تراجعت الآن نسب التلقيح فى الريف التى كانت عادة عالية .
-- فى المناطق الفقيرة مثل محافظات شانسى و قيزو ن تظاهي معالجة مرض الحصبة فى بطئها الوضع فى كثير من البلدان الأفريقية جنوب الصحراء.
-----------------------------------------------------------
فى الصين الإشتراكية ، طار الأطباء و صارت الأدوية متوفرةعلى نطاق واسعو بذلت جهود كبرى لتجاوز البون الشاسع بين المنتاطق الريفية و المدينية و بين المناطق ذات المداخيل المختلفة . حتى البنك الدولي ( أحد أكبر المؤسسات المالية الإمبريالية العالمية ) إعترف بأنه فى ظل ماو تسى تونغ ، كانت الصين تتمتع بأكثر أنظمة الرعاية الصحية مساواة فى العالم . غير أن الصين اليوم ترتب ضمن أسفل السلم بصدد المساواة ،إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية .
و الحكومة الصينية حددت و ما تزال تحدد أتعاب عيادة الطبيب ب60 سنت للزيارة وهو سعر لم يتغير لعشرات السنين رغم التضخم . وهو شيئ آخر من بقايا ومن كانت فيه الصين الإشتراكية توفر للجماهير رعاية صحية متاحة . لكن اليوم ،هذا السعر المنخفض المنظم لزيارة المصحة ينضاف إليه جميع ألوان التكاليف الأخرى التى لا يقدر عليها الشعب . فعلى سبيل المثال ،قليل هو تحديد تكاليف الأدوية و الحقن و التحاليل التى يطالب بها الأطباء بكثافة.
شيئ أخر تحققفى ظل الإشتراكية هو إنتشار الوقاية . .و اليوم تستمر إجراءات وقاية أساسية مجانية تقنيا . بيد أن المرضى يدفعون عادة كافة أنواع التكاليف الإضافية ،مثل " الرسومات الإدارية " وتكاليف الحقن و الإبر . و لم تقع إضافة أية تلاقيح للبرنامج المجاني منذ 1978 و لا حتى تلقيح مرض الكبد ب بما كالن سيساعد على التصدى لمرض منتشر فى الصين.
و يمكن لكلفة إقامة فى مستشفى ،بالنسبة لغالبية الفلاحين ، أن تكون أعلى مندخل سنة . عدد كبير إن لم يكن أغلب نساء الريف معرضة للولادة فى المنزل . و أحيانا كثيرة يعنى هذا ولادة دون رعاية قبلها ، فى منازل لا تدفئة بها و لا ماء جاري.و لا يستطيع البعض الحصول على الرعاية الطبية لإقامتهم على بعد ساعات من المستشفى . و لكن حتى بالنسبة للذين يقطنون قرب مستشفى تبقى المشكلة مشكلة مالية .
و إنجرت عن هذا نسب عالية من وفاة الأطفال ووفاة النساء أثناء الولادة . و قد جاء فى تقرير للنيويورك تايمز أن فى مقاطعة واحدة ، يموت الأطفال دون الخامسة بمعدل 64.7 بالألف وهو ضعف المعدلا الوطني الصيني. و فى بعض الأماكن من محافظة يونان ، النسبة عالية إلى درجة 200 بالألف بما يعنى أن طفلا عن كل خمسة أطفال يموت قبل بلوغ سن الخامسة .
و يقدر تقرير حديث للأمم المتحدة أنفقط 29 بالمائة من النساء فى مقاطعات فقيرة فى الصين يمكنهن تحمل مصاريف فحوص ما قبل الولادة و فقط 6 بالمائة يمكنهن تحمل مصاريف ولادة فى مستشفى .
و قال الباحثون فى قطاع الصحة للنيويورك تايمز إن "الرعاية الجديدة المنقادة بالسوق " توفر قلة من المنافع لمئات الملايين من فقراءالريف ، و النظام الجديد يخفق فى مهام إضطلع بها النظام القديم [ أي المطور فى ظل الإشتراكية ] على نحو جيد مثل الحملات الصحية العمومية و حملات التلقيح . و اليوم لن تتجشم المصحات عناء الذهاب إلى القرى النائية لتلقيح الأطفال أو تقديم رعاية ما قبل الولادة لسبب بسيط هو أن هذه الأعمال غير مربحة .
إن حكام الصين الرأسمالية يدفعون للتعصير و الإرتباط بالسوق العالمي .بيد أن إعادة تركيز الرأسمالية – وإنعكاساتها المدمرة على الشعب – تبين حقيقة هامة هي أن الإشتراكية حاسمة لأجل تطوير نظام رعاية صحية يخدم بالفعل الشعب . /. ---------------------------------------------------------------------------------
5/ نهاية دنك سياو بينغ عدو الشعب
فى 19 فيفيري1997 توفي دنك سياو بينغ . و الآن تهلل له حكومة الولايات المتحدة و إمبرياليون آخرون فى العالم على أنه "أعظم قائد صيني فى القرن العشرين ". لكن كيف ينبغى أن تتذكره شعوب العالم ؟
من وجهة نظر التقدم بالمجتمع و تحرير الإنسانية ، كان دنك سياو بينغ أحد أكبر الخونة و المجرمين فى التاريخ .
لقد شارك فى الثورة الماوية التى حررت الصين فى 1949 بيد أنه تحول إلى عدو لماو و للثورة .
و الآن بحسرة و بأمل خائب تتذكر الطبقة الحاكمة دنك كرجل "أنقذ" الصين من الشيوعية .غير أن الحقيقة هي أن دنك ساعد على إعادة الصين إلى براثن الإمبريالية . و لهذا نجده مكروها عبر العالم من قبل الثوريين و آخرين يحلمون بعالم أفضل و يناضلون من أجله .
لقد كان دنك جزءا من الطبقة البرجوازية الجديدة التى ظهرت داخل الحزب الشيوعي الصيني . كان شيوعيا مزيفا . و فى 1989 ،حين تظاهر الناس ضد حكومته فى ساحة تيان آن مان وقف وراء المجزرة الدموية التى ذهب ضحيتها مئات و ربما آلاف الطلبة و العمال .
----------------------------------------------------
قبل التحرير ،كانت الصين بلدا مزقت أوصاله و خربته الحرب تخريبا . و كان مئات الملايين من الفلاحين يعيشون فى فقر مدقع . و كانت القوى الإستعمارية تنهش الصين و تشتغلها . و كان الناس يبيعون أطفالهم للبقاء على قيد الحياة . و كل يوم ،كان الجوع يحصد الأرواح فى الريف . و كان عشرات الملايين مدمنين و تستعبدهم تجارة مخدرات ضخمة .
الثورة التى قادها ماو تسى تونغ غيرت كل هذا . و تم طرد القوى الإمبريالية الأجنبية . و أطيح بحكومة الكومنتنغ الرجعية . صارت السلطة بين يدي الطبقة العاملة . و لمدة أكثر من 25 سنة ، قاد ماو الشعب الصيني فى بناء مجتمعجديد تماما ،مجتمع إشتراكي حيث تعمل جماهير الشعب بوعي للتخلص من المجتمع الطبقي و كافة أشكال الإضطهاد و اللامساواة .
من 1966 إلى وفاته فى 1976 ، قاد ماو الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى . فإستنهضت هذه "الثورة داخل الثورة " ملايين الفلاحين و العمال لتغيير و تحرير المجتمع على جميع مجالاته – من المصانع و المزارع إلى المعاهد و الثقافة .
كانت هذه الثورة غير المسبوقة تهدف إلى الإطاحة بقادة بالضبط داخل الحزب الشيوعي الصيني أرادوا بناء صين رأسمالية و ليست إشتراكية . وهي ثورة وقفت سدا دون إستيلاء أشخاص مثل دنك على السلطة إذ قاد ماو الجماهير لفضح "أتباع الطريق الرأسمالي " و إلحاق الهزيمة بهم . و فى غضون هذا العقد من الصراع الطبقي الحاد ، جرت تعبئة ملايين العمال و الفلاحين لإدارة اللمجتمع و تغييره و لتغيير ذواتهم فى خضم هذه السيرورة .
لكن وفاة ماو فى 1976 دفعت الأحداث إلى معركة حاسمة قاد فيها دنك و أتباع الطريق الرأسمالي إنقلابا رجعيا ضد أعلى القادة فى الحزب الذين كانوا أنصار ماو– من سموا ب"عصابة الأربعة " التى تضمتن تشانغ تشنغ و شانغ شو-شياو . فتمت الإطاحة بالإشتراكية و أعيد ربع سكان الأرض إلى طريق الإستغلال و البؤس الرأسماليين .
حينها لم يتعرف عديدي الناس على المغزى الحقيقي لتلك الأحداث ذلك أنه عندما توصلت طبقة دنك إلى السلطة ،لم تقل "الآن نحن ننقلب على الثورة و نعيد الرأسمالية " لقد واصل التحريفيون البرجوازيون الجدد رفع الراية الحمراء و فى البداية لم يتجرؤوا على إدانة ماو . و دعوا أنفسهم "شيوعيين " .إلا أن هؤلاء الخونة كانوا شيوعيين مزيفين ، عارضوا كل ما عاش و مات ماو من أجله .

دنك مقابل ماو :
بالفعل كان دنك عدوا قديما لماو و للثورة البروليتارية . ففى 1966 ، فى بداية الثورة الثقافية ، كان ليو تشاوشى أعلى قائد حكومي إستهدف كواحد من "زمرة أولئك فى الحزب أتباع الطريق الرأسمالي " و كان دنك وثيق الإرتباط بلو و أفكاره حينذاك .
و فى 1967 ، تظاهر شباب الحرس الأحمر الذى أطلقه ماو فى الشوارع و عقد إجتماعات صراع ضدقادة الحزب المدافعين عن الرأسمالية . و قد سمي لقب ليو ب"أول أتباع الطريق الرأسمالي الصينيين " و لقب دنك ب"ثانى أتباع الطريق الرأسمالي " .
أخرج دنك من مقر سكنه الوظيفي ووضع تحت الإقامة الجبرية . و فى1968 أعلنت اللجنة المركزية للحزب ليوتشاوشى "مرتدا خائنا متخفيا ..." و طردته من احزب . و فى نفس إجتماع اللجنة المركزية ، جرت إدانة دنك سياو بينغ كأحد أتباع الطريق الرأسمالي و أُبعد من وظائفه فى الحزب و الحكومة لكن سمح له بالإبقاء على عضويته فى الحزب . و فى 1969 بُعث دنك إلى الريف فى جيانغشى أين قضى ثلاث سنوات يقوم فيها بالعمل اليدوي .
فى تلك الأثناء تواصلت الثورة الثقافية و توسعت دافعة ملايين الناس عبر الصين إلى نقاشات جماهيرية داخل الحزب و إحتد الصراع بين ماو وأنصاره الثوريين من جهة و أتباع الطريق الرأسمالي من جهة أخرى . و فى 1972 ، أدين القائد العسكري و نائب رئيس الحزب لين بياو و فضح كقائد لجماعة قيادية تحريفية . و فى الوقت نفسه ، تطور مركز معارضة آخر داخل الحزب كان يدعمه بصورة مطردة الوزير الأول شو آن لاي.
صار شو معارضا لماو من وراء الستار و فى 1973 كان له الدور الجسيم فى إعادة دنك سياو بينغ إلى بيكين ليستأنف العمل فى الحزب كنائب وزير أول . مما أتاح لدنك حرية تنظيم و توطيد مركز معارضة لماو داخل الحزب و الدفع نحو سياسات إقتصادية رأسمالية .
فى 1975 ، كان دنك و تحريفيون آخرون يدعون علنا إلى برنامج شامل يعارض بوضوح ماو و الثورة الثقافية . لقد دعوا على تعصير إقتصادي على أساس وضع الربح و الخصائيين فى مصاف القيادة . و قد كانوا يريدون توسيع التجارة الخارجية و حتى أشكال إستثمار خارجية . كانوا يريدون تحالفا تاما مع القوى الإمبريالية الغربية . و دعوا إلى وضع حد للثورة الثقافيةمدعين أن الصراعات السياسية كانت تمزق و تضعف الإقتصاد و الدفاع الوطنيين .
لم يكن ماو مناهضا للتعصير إلا أنه عارض رؤية دنك أن "لا يهم لون القط إن كان أقبيضا ام أسودا طالما أنه يصطاد الفئران " الذى كان بمثابة نداء صارخ للسياسات الرأسمالية .
لقد حخلقت الثورة الثقافية حركات جماهيرية لرفع الإنتاج و المستوى التقني للعمال و الفلاحين و تثوير علاقات الإنتاج . فأثمرت السيرورة نوعا مختلفا راديكاليا من الإقتصاد – مقلفصا الأختلافات بين العمل الفكري و العمل اليدوي ،و جاعلا العمال يشاركون فى الإدارة و المديرين يشاركون فى العمل اليدوي و ناشرا الصناعة فى الأرياف .
و بطريق الحتم ،أفرز ذلك بعض الإختلال و المشاكل . لكن ماو حاجج بأن سيرورة الثورة لا يمكن أن تقاس وفق النتائج الإقتصادية المباشرة . ما كان مهما هو أن الجماهير كانت تتحكم أكثر فأكثر فى الإقتصاد و بناء مجتمع جديد . و وفر هذا قاعدة بلوغ النمو الإقتصادي الإشتراكي – و ليس الرأسمالي – المعول على الذات و المتوازن .
فى 1975 ، شن ماو حملة "دراسة نظرية دكتاتورية البروليتاريا و قتال التحريفية و صدها " . لقد حذر من خطر إعادة تركيز الرأسماليةقائلا :" إذا وصل أناس مثل لين بياو إلى السلطة ، سيكون من اليسير عليهم إعادة النظام الرأسمالي". و قد كان يقصد بوضوح أناسا مثل دنك سياو بينغ .
إثر ذلك بمدة قصيرة ، شرع دنك فى شن هجوم ضخم ضد ماو .فقد نظّم مجموعة كاملة من الندوات فى الصناعات و القطاعات الإقتصادية الكبرى حول البلاد تهجم خلالها على الثوريين و شجع السياسات الرأسمالية .
و أشرف دنك كذلك على كتابة ثلاث وثائق برنامجية حزبية رمت لوضع الصين على سكة أخرى مختلفة . و صارت هذه الوثائق معروفة لاحقا ب"الثلاث بذور السامة " إذ كالنت تدعو بجلاء إلى التطور الرأسمالي : تنمية التكنولوجيا بالتعويل على الخارج و الدوافع المادية فى الصناعة و الفلاحة و إعادة تركيز إدارة عالية المركزة و قوانين صارمة و تراتيب تدفع العمال للعمل فى ظروف أصعب . و أحد هذه التقارير ، عن العلم ، كان يدعو للتعويل على المهنية و الإختصاص . فكان هذا مناهضا مباشرة للتحديثات الثورية المكرسة خلال الثورة الثقافية مثل بعث الطلبة إلى الريف للعيش و العمل مع الفلاحين و "الأبحاث ذات الأبواب المفتوحة " التى ربطت التجربةو العلمية بصراع الجماهير و حياتها .
و فى جانفى 1976 ، توفي شوآن لاي و شن ماو حملة شاملة لنقد التحريفية . فتعرضت وجهة نظر دنك للإقتصاد و التربية و التجربة العلمية و التكنولوجيا و الثقافة و العلاقات الأجنبية للتحليل العميق . ففتناول ملايين الناس أفكار دنك فى "الثلاث بذور السامة " بالبحث و النقاش . و كتب العمال و الفلاحون مقالات تنقد الطريق الرأسمالي.
و فى أفريل نظم التحريفيون مسيرة شارك فيها أكثر من مائة ألف فى ساحة تيان آن مان تحية منهم لشوآن لاي . و فى الواقع ، كانت هذه المسيرة موجهة ضد ماو و أنصاره الثوريين ،"عصابة الأربعة " . ردا على ذلك الحدث عُزل دنك من مناصبه فى الحزب و الحكومة و شن ماو حملة وطنية "للنقد دنك سياو بينغ و التصدى لتيار الإنحراف اليميني " .
بينما كان أتباع الطريق الرأسمالي يتآمرون للإستيلاء على السلطة ، كافح ماو على طريقته مطلقا حركة جماهيرية كيما تتمكن الجماهير من إستيعاب الفرق بين الطريق الرأسمالي و الطريق الإشتراكي . لقد كافح لمواصلة إستنهاض الجماهير للتصدى للإنتقال إلى الرأسمالية الفعلي . لكن الوقت كان يمر بسرعة .
فى التاسع من سبتمبر توفي ماو و إتخذ أتباع الطريق الرأسمالي ذلك عبارة عن إشارة إنطلاقلبذل أقصى الجهود من أجل قلب السلطة فلعب دنك دورا جسيما خلف الستار ،بينما تقدم وجه أقل شهرة هو هواو كوفينغ على أنه من " أتباع ماو " .
فى السادس من أكتوبر 1976 ، نظم التحريفيون إنقلابا و أوقفوا "عصابة الأربعة " . منذ ذلك اليوم إنتهى حكم البروليتاريا فى الصين .
من برجوازيين ديمقراطيين إلى أتباع طريق رأسمالي
لما قاد ماو الشعب الصيني فى إفتكاك السلطة فى 1949 ، واجهت الصين مستقبلين إثنين محتملين . مع الإطاحة بالإمبريالية و الرأسماليةالبيروقراطية ، أرست الثورة الصينية أسس بناء الإشتراكية . بيد أن تحرير الصين من الهيمنة الإمبريالية فسح المجال كذلك أمام الرأسمالية .
فى هذا الظرف التاريخي مثّل دنك سياو بينغ ظاهرة إجتماعية خاصة بثورات العالم الثالث ، وصفهم ماو ب"ديمقراطيين برجوازيين متحولين إلى أتباع الطريق الرأسمالي " .
قال ماو :" إثر الثورة الديمقراطية لم يقف العمال و الفلاحون الفقراء و المتوسطون و الأدنى مستوى من المتوسطين مكتوفي الأيدي ،كانوا يريدون الثورة . من جهة أخرى ، لم يكن عدد من أعضاء الحزب يريدون المضي قدما ، تراجع البعض و عارضوا الثورة . لماذا ؟ لأنهم صاروا موظفين سامين و يريدون حماية مصالح الموظفين السامين " .
هنا كان ماو يتحدث عن الذين إلتحقوا بالثورة فى مرحلة أولى لكن تفكيرهم و أيديولوجيتهم لم تتقدم مع مزيد تطور الثورة . ليست المسألة مسألة أن هؤلاء الناس كانوا سيئين منذ البداية أو أن بعضهم لم يقموا مساهمات هامة فى الثورة . غير أن العديد منهم "علق " فى المرحلة الديمقراطية البرجوازية للثورة – حينما كان الأمر متعلقا بطرد الإمبرياليين و الإطاحة بالرجعيين المحليين ،خاصة بطبقة الملاكين العقاريين .
و عندما أرسي الحكم الإشتراكي قاوم عدد من الكوادر القديمة الذهاب أكثر فى تطوير الثورة . لم يكونوا يرون الثورة جزءا من سيرورة تاريخية للقضاء على الإضطهاد جميعه . و لم يكونوا يرون الإشتراكية كمرحلة إنتقالية نحو العالم الشيوعي أين تضمحل الطبقات و الصراع الطبقي . بالنسبة لهم الهدف لا يتجاوز بناء دولة وطنية مستقلة معاصرة . و هكذا ، متى أمسى الخط الفاصل بين المضي بالصين على الطريق الإشتراكي أو على الطريق الرأسمالي ، تحول هؤلاء الديمقراطيين البرجوازيين إلى أتباع للطريق الرأسمالي .
التناقضات فى ظل الإشتراكية
يعكس صعود أناس مثل دنك و ظهور البرجوازية الجديدة بالضبط داخل الحزب الشيوعي ، يعكس الطبيعة المتناقضة للإشتراكية . وضع ... المسألة على النحو التالي :
" لقد تمت الإطاحة بالنظام القديم لكن كيف يمكن فى حين يجرى تحطيم العالم القديم بناء العالم الجديد،بكلمات أخرى كيف يجرى عمليا البناء الإقتصادي و و بطريقة تبقينا على الطريق الإشتراكي ،مطورين العلاقات الإقتصادية و الإجتماعية و الإيديولوجية و الثقافة و و ما إلى ذلك الجديدة خدمة لها . لقد كان هذا بصورة خاصة مشكلا فى الصين بإعتبار التخلف الإقتصادي و إرث هيمنة الإمبريالية فضلا عن الركود الإقطاعي و ضرورة المرور عبر المرحلة الديمقرطية للثورة و ثم تجاوزها للتو لإثر إنتصار هذه المرحلة ، إلى الثورة الإشتراكية ."
فى الصين الإشتراكية ، كانت التناقضات بين العمل الفكري و العمل اليدوي ،بين المدينة و الريف و بين العمال و الفلاحين تناقضات حادة للغاية . و فى الإقتصاد الإشتراكي ما يزال ثمة إستعمال للنقود و إختلافات فى الأجور و علاقات إقتصادية أخرى ينبغى التخلص منها . هذه اللامساواة و الإختلافات جميعها وفرت قاعدة مادية لظهور الطبقة البرجوازية الجديدة .
لقد أدرك ماو أن هذه التناقضات لا يمكن حلها بين ليلة و ضحاها و أنه ينبغى تحديدها بإستمرار و تخطيها خطوة خطوة . غير أن أتباع الطريق الرأسمالي مثل دنك سياو بينغ أرادوا المحافظة على هذه الإختلافات و توسيعها .
من خلال الثورة الثقافية ، طور ماو طريقة أساسية للتعاطى مع هذه المسألة التاريخية العالمية التى تواجه جماهير الشعب و الثورة العالمية : بعدما تفتك البروليتاريا السلطة كيف يتم تطوير الثورة و معالجة اللامساواة و بقايا المجتمع القديم.
مثلا ، أدرك ماو أنه طالما هنالك بعض الناس ملتزمين بالعمل الإداري و العمل الفكري فى تعارض مع الذين يعملون بيأيديهم ، سيوجد إتجاه ضمن هؤلاء الناس للمطالبة بإمتيازات و البحث عن حياة شهرة و مجد .
فطور ماو مقاربة لهذا المشكل بتكريس تحديثات جديدة مزجت بين العمل الفكري و العمل اليدوي و على سبيل المثال ، خلال الثورة الثقافية وقع بعث أناس يعملون بالأساس عملا فكريا للمشاركة فى العمل اليدوي إلى جانب الفلاحين و العمال . و جرى تشجيع الجماهير للنهوض بصورة متصاعدة بالعمل الفكري و الإداري .
شرح ..." هنالك حاجة معينة للتعويل على المثقفين و تدريب "أخصائيين "تقنيين ، حتى أناس ذوى تجربة فى الإدارة – كلهم تربوا فى المجتمع القديم . ووفق إيديولوجيته و طرقه و كانوا يتمتعون بكمية كبيرة من الإمتيازات نسبة لجماهير الكادحين ... لقد إعترف ماو بضرورة التوحد مع العديد من المثقفين و إستخدامهم لكنه شدد أيضا على أنه يجب أن يعاد تشكيل تفكيرهم و أن يشاركوا فى العمل المنتج و الصراع السياسي إلى جانب الجماهير ".
البرجوازية داخل الحزب
كشف صعود أناس مثل دنك سياو بينغ أيضا شيئا لم يُفهم قبل زمن ماو ،هو أن فى ظل الإشتراكية تظهر طبقة برجوازية جديدة و لها مركز قيادة بالضبط داخل الحزب الشيوعي .
قبل ماو لم يُفهم أن الطبقات المتناحرة موجودة فى ظل الإشتراكية و أنه سيتخلل عصر الإشتراكية صراع حاد و معارك تحدد أي طبقة ستمسك بسلطة الدولة . و إكتشاف من إكتشافات ماو النظرية هو فهم أن إستمرار اللامساواة فى المجتمع الإشتراكي يفرز قوى جديدة ذات إمتيازات و طبقة برجوازية جديدة لبّها يوجد بالضبط داخل الحزب .
لماذا يحصل هذا؟ لأن الجماهير تحتاج إلى حزب طليعي ثوري لقيادة الصراع الطبقي لتغيير المجتمع . و فى ظل الإشتراكية يصير الحزب المؤسسة السياسية القيادية فى المجتمع و القوة القيادية الأساسية للإقتصاد . وبالضبط لهذا ، يوجد فى مواقع عليا من القيادة إستراتيجيا الذين يدفعون إلى الطريق الرأسمالي ليعيدوا هيكلة مؤسسات الإقتصاد و المجتمع فى إتجاه رأسمالي .
و طوّر ماو الثورة الثقافية تحديدا لمعالجة هذا المشكل ،عبر إستنهاض الجماهير الواسعة لفضح أتباع الطريق الرأسمالي و التنديد بهم و الإطاحة بهم .
يقول البعض لماذا لم يتخلص ماو من أشخاص مثل دنك سياو بينغ ؟ لكن ماو يعرف أن هذا لم يكن ليحل المشكلة . كان يعرف أنه طالما لم تتعلم الجماهير أن تميز بين الطريق الرأسمالي و الطريق الإشتراكي ،فبإمكاننا أن نطرد كل التحريفيين الذين يحلو لنا طردهم إلا أنه ببساطة سيحل محلهم تحريفيون جدد و لن يتغير من الأمر شيئ .
قال ماو إن مهمة الثورة الثقافية هي الإطاحة بأتباع الطريق الرأسمالي إلا أن الهدف هو معالجة مشكلة النظرة للعالم و إجتثاث التحريفية من جذورها . كانت الحركات الجماهيرية و النقاشات الجماهيرية للثورة الثقافية البروليتارية الكبرى مهمة تحديدا لأنها سمحت للجماهير بإستيعاب قضايا حيوية موضع رهان ،لاسيما الحاجة إلى تغيير كافة مظاهر المجتمع و التحكم فيه . كان عليها أن تفهم أنها القوة المحركة الأساسية فى السيرورة الثورية بأسرها ،بما فى ذلك مراقبة الحزب و الحيلولة دون العودة إلى الرأسمالية . و عبر هكذا صراعات و تغييرات سياسية إستطاعت ملايين الجماهير أن تصبح حتى أكثر وعيا و حتى أكثر تحكما فى المجتمع .
-----------------------------------------
يسعى الإمبرياليون للقول بان صعود دنك للسلطة فى الصين يبين أفضلية النظام الرأسمالي و "موت الشيوعية" . و لكن لتسألوا فقط جماهير الشعب الصيني اليوم التى تعيش بؤسا و لا مساواة و إضطهاد متزايدين بسبب كابوس المجتمع الرأسمالي .
عقب مجزرة تيان آن مان سنة 1989 ، أصدرت لجنة الحركة الأممية الثورية موقفا فيه تحدثت عن دور دنك الخياني فى التاريخ :
" إغتصب التحريفيون و أتباع الطريق الرأسمالي فى صفوف الحزب الشيوعي ،و على رأسهم دنك سياو بينغ الذى أُطرده ماو ذاته لمرتين و أمثاله على غرار هواو كوفينغ و هوياو بانغ و زهاو زيانغ ، إغتصبوا السلطة فى الصين . و رسموا هدفا لهم تحطيم الإقتصاد الإشتراكي و علاقات الإنتاج الإشتراكية و إرساء نظام ملكية خاصة يكون فيه الربح فى مصاف القيادة . شعارهم كان " من المجيد أن تصبح غنيا " و أسمى غاياتهم هي البحث عن المصلحة الفردية . أنجزوا إعادة تركيز الرأسمالية بصورة شاملة و إخضاع الإقتصاد لرأس المال المالي الإمبرياليو نظام سوقه ، لا سيما للإمبرياليين الغربيين الذين تقودهم الولايات المتحدة الأمريكية ...إن كافة اللامساواة الإجتماعية التى تحتج ضدها الجماهير – الإرتفاع الهائل و المثير فى البطالة و إحتداد إرتفاع الأسعار و نقص المساكن و الفساد الكبير لحكومة دنك – هي نتائج حتمية لإعادة تركيز الرأسمالية فى الصين . و المجزرة الإجرامية التى تقترفها الطبقة الحاكمة هناك ليست إلا مجرد فظائع و عنف و ألم يفرضهم النظام الإمبريالي على غالبية الشعب عبر العالم بأسره ." يكيل الإمبرياليون المديح بصوت عال لدنك لأنه أعاد الصين إلى عالم السوق الرأسمالية . بيد أن شعوب العالم ينبغى أن تصدر حكما آخر بصدد حياة دنك سياو بينغ و دوره الخياني فى التاريخ . و أفضل شيئ يمكن أن نفعله هو رفع الراية الحمراء البراقة لماو و العمل بلا كلل لتقريب اليوم الذى يمكن فيه لجماهير الشعب أن تتخلص من النظام الرأسمالي و المضي فى تشييد عالم جديد كليا .
بالضبط عقب إفتكاك السلطة فى 1976 ، شرع التحريفيون فى إعادة تركيز الرأسمالية فى الصين . و أعيد عدد من أتباع الطريق الرأسمالي الذين أطيح بهم أثناء الثورة الثقافية إلى مناصبهم . على كافة الجبهات – التربية والثقافةو الطب و إدارة المصنع و العلم و التقنية – تلاشت تحديثات الثورة الثقافية أو أفرغت من أي مضمون ثوري . و صار التخطيط الإقتصادي الآن فى خدمة سيرورة تفكيك الإقتصاد الإشتراكي و تركيز مقاييس الإنتاج الرأسمالي .
فى 1978 ، شهدت إعادة تركيز الرأسمالية فى الصين قفزة كبرى . فجرى تفكيك الكمونات فى الريف و فككت الفلاحة الممشركة أيضا . فى الصناعة ، شهد التخطيط و أنظمة الإدارة و الملكية تغييرات عميقة بإعادة "الربح فى مصاف القيادة " مرشدا للإنتاج .















الفصل الرابع
من تحرير المرأة إلى إستعبادها
1/ كسر سلاسل التقاليد جميعها
إليكم مقتطفات من حوار مع قائدة شيوعية ماوية زارت الصين الثورية فى 1971 ...
---------------------------------------------------------------------------------------------------------
سؤال :
قلت فى مقالك "ليست النساء آلات تفريخ " إنك لما زرت الصين الثورية أثناء الثورة الثقافية فى 1971 :" كما لو أننا كنا على كوكب آخر . لم أفكر أبدا أننى أستطيع الشعور بأنى مختلفة للغاية كإمرأة و أنه سيكون من الممكن السير فى شوارع المدن مرفوعة الرأس ..." هلا توسعتى فى شرح ذلك .
جواب :
لقد فكرت فى تجربتى فى الصين بعد فترة طويلة و فى ما يتحدث عنه المعلقون البرجوازيون ...و ما يسمي "موت الشيوعية " . ما شاهدناه فى الصين الثورية كان على قمة جسر التاريخ ، كما لو أننا سافرنا عبر آلة عبور الأزمنة نحو المستقبل – لكن ليس بعض المستقبل الذى تصوره غلبية روايات الخيال العلمي حيث الناس هم ذاتهم ( الرجال مكتشفون و مقاتلون و مهيمنون على النساء هيمنة ذكورية ) و فقط ما يحيط بهم هو المختلف . أقصد مستقبل حيث الناس مختلفون و يصنعون مجتمعا مختلفا تماما .
فى صين 1971 ، بمجرد مضي أعلى موجات الثورة الثقافية ،شاهدنا عالما جديدا يبزغ . كثورية شاركت بنشاط فى حركة تحرير النساء ، كنت بصورة خاصة معدلة على وضع النساء و من أول تجربتنا مع المرأة الصينية تعلمت أن شيئا رائعا يحدث هناك . فقد إستقبلتنا نساء شابات حين نزلنا بمطار شنغاي و صدحنا بأغاني و عرضنا مشاهد مسرحية ثورية من نماذج الأوبيرا و المسرحيات الجديدة بينما كنا ننتظر عملية الربط بالطائرة مع بيكين . كانت الشابات ترتدى جاكيت و سراويل بسيطة و أحذية قطنية رقيقة و شعرهن فى ضفائر أو قصير ووجوههن زاهية دون أية أثر للماكياج .و كم كانت فخورات و واثقات من أنفسهن !
إن المطار عينه كان مختلفا أيما إختلاف عن مطارات باكستان و مصر التى توقفنا بها فى طريقنا و عن ما رأيناه فى هونكونغ فى طريق عودتنا بعد ستة أسابيع ، إذ كانت مطارات الباكستان و مصر مليئة بالمتسولين و باعة اللعب و الحلي المزيفة و لم نر شيئا من هذا فى الصين .
دعونى أقول لكم إن التواجد فى الصين لمدة ستة أسابيع ،بما فى ذلك فى شنغاي ، إحدى أكبر مدن العالم ، و عدم التعرض للهرسلة أو التحرش و لو مرة واحدة من أية رجل كان أمرا لا يصدق تقريبا . لم نر أية نساء تعرض كأغراض جنسية فى الإشهار و فى الإعلانات و فى المجلات و فى أكشاك الجرائد و فى الشوارع . و يا لها من راحة هائلة أن يتم التخلص من عبء توتر اليقضة الذى على المرأة أن تحافظ عليه فى بلادنا – يقضة ضد العناية غير المرغوب فيها و التعليقات غير المرحب بها و الهجومات الجسدية . نحن نساء كان بإمكاننا أن نقيم إتصالا بالعيون مع الرجال و كذلك مع النساء فى الشوارع و أن نبتسم و نهز رأسنا للمارة دون أن نفكر فى أن ذلك سيأوّل على أنه "هيا بنا " . و أنا أتحدث حتى عن السير على القديمن ليلا فى شوارع شنغاي . و أحببت تخطى الخوف مما ألبس . و فى أول جولة تسوق فى مغازة مقاطعة صينية ، إشترينا جميعا سترا و أحذية صينية لبسناها أثناء ما تبقى من السفرة .
لقد شاهدنا نساءا تعمل إلى جانب الرجال فى الصناعة الثقيلة و على أرصفة المواني و فى وحدات الجيش و الجامعات و الريف . و كانت القادة النساء تستقبلنا معا مع الرجال حيث قصدنا . بعدُ كان عدد النساء أقل من عدد الرجال فى أغلب المجموعات القيادية التى لقيناها ، رغم أن الثوريين الحقيقيين كانوا يخوضون معركة لتشجيع القيادات النسائية . و كان المسرح يعج بالمسرحيات الجديدة الإحداث التى كانت تظهر النساء شخصيات محورية – قادة سياسيات و عسكريات و ليس "أغراض حب " و صور جنسية أو نساء أرستقراطيات . و قد تحدثنا إلى عديد النساء و العديد منهن ذكرت لنا الشعارات الشعبية آنذاك التى نشرها الرئيس ماو : " النساء نصف السماء" و " تغيرت الأزمان . كل ما يمكن للرفاق الذكور إنجازه ، بإمكان الرفيقات النساء إنجازه كذلك". و فى الوقت عينه كانت النساء تسارع إلى للإضافة أنه يبقى الكثير بعد للإنجاز فما تزال هنالك أفكار و عادات رجعية ينبغى تجاوزها إذا ما كانت النساء ترجو التحرر التام . لكن بالنسبة لنا ، و نحن كنا مغمورات بمعارك الستينات، كان يبدو أنها طرقا جديدة بإتجاه المستقبل الذى حلمنا به .
عندما عدت ، قرأت كتابا عنوانه "الحياة اليومية فى الصين الثورية " لماريا أنطونياتا ماتشيوتشى أين تقدم مقتطفا من كلام إمرأة شابة : بعدُ هنالك ثورة للإنجاز داخل العائلة . علينا أن ننقد العائلة من وجهة نظر ثورية ،بالإعتماد على تحطيم المفاهيم الخمسة القديمة و تعويضها بمفاهيم خمسة جديدة : 1)تحطيم مفهوم عدم فائدة النساء و تعويضه بفكرة أن النساء يجب أن تكسب دون خوف نصف السماء ، 2) تحطيم الأخلاق الإقطاعية للمرأة المضطهَدة و الأم الجيدة و إحلال المثل الأعلى للبروليتاريين الثوريين محلها ، 3) تحطيم عقلية التبعية للرجال و الإرتباط بهم و إحلال التصميم الصارم على التحرر محلها .
4) تحطيم المفاهيم البرجوازية و تعويضها بالمفاهيم البروليتارية و 5) تحطيم المفهوم الضيق للعائلة ذات المصلحة الضيقة و إحلال المفهوم البروليتاري المفتوح للوطن و العالم فى العائلة محله ".
هذه المبادئ الخمسة عادة ما ذكرتها الصحافة الصينية و صارت مرجعا للنساء اللاتي تحدثت معهن .إن الشعب الذى كان يريد تغييرا حقيقيا كان يستعمل هذه المبادئ المرشدة لتحديد مقاييس كافة المجتمع .
أخذ الصينيون يعملون على تحرير النساء من جميع الجوانب . و كان للعمل خارج البيت دور محوري للغاية بالنسبة لكافة السيرورة التحررية . قبل كل شيئ ، يسمح للمرأة أن تغدو مستقلة إقتصاديا عن الرجال . فضلا عن ذلك ،فإن العمل خارج البيت فى شغل مفيد إجتماعيا يعطى النساء نظرة واسعة عن العالم و المجتمع أفضل من نظرة المرأة التى تظل ببساطة فى حدود الأربعة جدران و تعتنى فقط بزوجها و عائلتها و يطور كذلك التعاون فى صفوف النساء العاملات معا لإبداع شيئ و صنع الأحداث .و يطور شعورا جماعيا لا يحصل عليه الناس فى عائلاتهم الفردية و فى منازلهم الخاصة . إنه يعزز الموقف العام للنساء فى المجتمع كأعضاء لهم قيمة و منتجون و ينمى إستقلال النساء الإجتماعي و الإقتصادي . كل هذه الأشياء ضرورية للسيرورة الشاملة لتحرير النساء .
سؤال :
لكن فيما يختلف هذا عن الوضع فى الولايات المتحدة الأمريكية أين تعمل بعدُ عديد النساء خارج المنزل – و العديد ليس بإختيارهن و إنما لإعالة أنفسهن و عائلاتهن ؟
جواب :
يختلف قبل كل شيئ فى أن طبيعة السيرورة العامة للعمل مغايرة فى ظل الإشتراكية . فى الصين كان من النادر نسبيا أن تعمل النساء فى المصانع و المغازات و ما إلى ذلك لأن الصين كانت بلدا أقل تصنيعا و تطورا بكثير من الولايات المتحدة الأمريكية ...بيد أنه هناك غدى العمل ، كما سيكون فى أي ولايات متحدة إشتراكية مستقبلا ، مختلفا للغاية عن العمل فى الولايات المتحدة الرأسمالية . فى ظل الإشتراكية يظل العمال بعدُ يتلقون أجرا حسب عملهم بينما فى ظل الشيوعية سيعمل الرجال و النساء بحرية لتوفير ما هو ضروري للحياة و لجعل الحياة أكثر إمتاعا و ستتلقون بالمقابل ما يحتاجونه للحياة . الإشتراكية مرحلة إنتقالية بين الماضي الرأسمالي و المستقبل الشيوعي و تتميز بجهود واعية للقضاء على اللامساواة و الأفكار القديمة و تفرز علاقات إقتصادية و إجتماعية جديدة .
فى الولايات المتحدة اليوم ، العمل خارج المنزل عبء مزدوج بالنسبة للنساء لأن العمل خارج المنزل غير مرض البتة و مرهق للغاية و لا تتلقى النساء أجرا كبيرا فى المقابل و بالتالي تعود للمنزل و عليها أن تبذل جهدا إضافيا فى القيام بشؤون المنزل و تطبخ الوجبات و تعتنى بالأطفال . زيادة على ذلك، لما تعمل خارج المنزل ، غالبا ما تتعرض لمشكل آخر هو الهرسلة الجنسية فقط لأنها مرأة و ذلك فى طريقها للعمل و كذلك فى مكان العمل نفسه . لذا نتحدث عن تحويل السيرورة الشاملة للعمل – بالنسبة لكل من النساء و الرجال – فى ظل الإشتراكية -. قبل كل شيئ يصبح العمل جزءا من القيام بالثورة عبر العالم .فقد سمعت عديد الصينيين يقولون : " أقوم بهذا من أجل الثورة العالمية ". لأن البروليتاريا تتحكم فعلا فى المجتمع إعتبر الناس أن عملهم يساهم ليس فحسب فى رفاههم الذاتي أو العائلي أو حتى رفاه الصين و إنما يساهم فى تعزيز التقدم الثوري عالميا أيضا .
نتحدث كذلك عن العمل بما هو جزء من تغيير العلاقات بين الناس . فى المصانع ،مثلا ، لا يوجد وضع حيث تقوم الأغلبية بذات العمل المضني يوميا و قلة قليلة من المراقبين يتنقلون مسجلين أسماء الذين لم يعملوا بسرعة كافية أو الذين كانوا يتحدثون أثناء العمل . لقد كان العمال يراقبون أنفسهم و يراقب بعضهم البعض و إتخذت خطوات حقيقية للإطاحة بتقسيم العمل بين العمل الفكري و العمل اليدوي وهو أحد اكبر التقسيمات فى المجتمع التى ينبغى أن يجري تخطيها خلال المرحلة الإشتراكية .لذا تشكلت لجان عمالية تقوم بتحديثات تقنية تهتم بجزء من المشاكل التى تظهر و تعالجها . و العمال االأفراد يشجعون للمشاركة فى السيرورة و كذلك فى نقد القادة فى المعمل أو المصنع أو فى المؤسسة . و ساد حقا شعور بأن الناس يعملون معا ،مستعملين المعرفة التى تنشأ فى ذلك المعمل أو المصنع . و بذلك يساهمون فى معالجة مشاكل الصين ككل و يخولون للصين عندئذ أن تساهم أكثر فى الثورة العالمية .

و كانوا يدرسون بإستمرار ليرفعوا من وعيهم و فهمهم السياسيين . شكل عمال فى مصنع نسيج ضخم زرناه فى شنغاي فى ظل قيادة الثوريين خلايا دراسة شملت آلاف العمال . و درسوا مؤلفات ماركسية عظيمة مثل "ضد دوهرينغ " لإنجلز و " المادية و مذهب النقد التجريبي " للينين . كما درؤس العمال بشغف الماركسية-اللينينية كي يفهموا على نحو أفضل ما كان يجب عليهم فعله لمواصلة الثورة و المساهمة فى السيرورة الثورية عبر العالم بأسره . و هذا مثال جيد عن نوع الدوافع التى كانت تحث الناس – و ليس المال فى جيبك أو دافع إعمل لتكون الأول- بل دافع يستند إلى الوعي السياسي بالإسهام بأكبر قدر ممكن فى الثورة . و كما رأينا ، حرر هذا الدافع مبادرة الجماهير لتبدع ألوانا من الأشياء الجميلة لتغيير العالم .
و هذا كله لم يحدث عفويا أو بضربة سحرية .فقيادة الحزب إتخذت موقفا نقديا من أجل تحرير هذا النوع من المبادرة . فالقيادة فى المصانع مثلا كانت تمارس بمزج الفريق التقني / الإداري و العمال أنفسهم و كوادر الحزب . هذا النمط من المزج المسمى " ثلاثة فى واحد " تكرس بشكل واسع فى المجتمع . و أهم من ذلك حتى إنه التوجه الشامل للمجتمع الذى سمح لهذه الأنواع من التغييرات أن تحدث . و أمكن لها أن تحدث فقط بالإعتماد على طليعة قوية مصممة على المضي قدما بإتجاه الشيوعية .
سؤال :
هل يمكنك الحديث قليلا عن العلاقات بين الزوج و الزوجة ؟ أحد القيود التى تشد إلى الخلف ليس الفلاحين الصينيين فحسب بل أيضا الشعب الصيني هو السلطة الأبوية .
جواب :
لقد تحدث ماو قبل الثورة عن " السلاسل الأربعة الكبرى " التى تقيد الشعب الصيني و على الأخص الفلاحين . و هذه السلاسل هي السلط السياسية و العشائرية و الدينية و الذكورية و أول مهمة من مهام الشيوعيين كانت تحرير الشعب لكسر هذه السلاسل.
فى كل مرحلة من حياتها كانت المرأة تابعة لرجل ما . "الطاعات الثلاث" كانت تحكم حياتها : طاعة الأب عند الصغر و طاعة الزوج عند الزواج و طاعة الإبن الأكبر سنا عندما تصبح أرملة . و السلطة الوحيدة التى كانت تتمتع بها هي سلطتها على زوجة إبنها ،طبعا ، فى ظل السلطة الأبوية الشاملة للعناية بشؤون المنزل . و كان الزواج مدبرا و كان تزويج البنات يتم و هن جد صغيرات السن لتمسي بمثابة عبيد لأزواجهن و أقارب الزوج.
بعض النساء قاتلت بضراوة و أخذت بالقوة إلى منزل الزوجية . و هنالك أمثلة كثيرة عن نساء شابات رفضت الإستمرار فى زواجهن و إنتحرت بعضهن و هن فى طريق الإحتفالات . فى 1919 ، فى خضم المسيرات الثورية الشبابية الجماهيرية ، ألهم إنتحار إمرأة شابة ، اللآنسة تشاوو ، إحتجاجات ضد الزواج المفروض فرضا . و كتب ماو تسى تونغ حول إنتحارها و حمّل المجتمع مسؤولية ذلك الإنتحار . و قد رفض هو نفسه الزواج من إمرأة إختارها له والداه .
و لم تكن لعديد البنات حتى فرصة أن تترعرع و بما أن الذكور يفضلون على الإناث فإن البنات المولودة كانت تساوى عادة فما آخر يلتهم الأكل و فلاحين كثر لم يكن لديهم ما يكفى لسد رمق أفراد العائلة .و كان يتم غغراق الصبيات أو توضع على أرصفة الطرقات اتتعرض للجوع أو ليأخذها أحد المارة .و اليوم ، مع العلاقات الرأسمالية و الهيمنة الذكورية اللذان أعيد تركيزهما فى الصين ن إنتشرت من جديد الظاهرة الفظيعة لوءد البنات .
و كانت البنات تباع للملاكين العقاريين أو تفتك بالقوة من قبل كلابهم المستأجرة لخلاص ديون أولياءهم . و فى المدن تباع إلى بيت دعارة . و يختطف الملاكون العقاريون البنات و النساء كما يحلو لهم و يغتصبونهن .
عندما أتحدث عن السلطة الأبوية ، تبدو أحيانا بعيدة نوعا ما أو أكاديمية . غير أنها كانت تعنى الإخضاع الأعنف و الرذيل للنساء اللاتى تعيشه منذ ولادتهن . أحد الأمثلة الشعبية من ذلك الزمن بالنسبة للرجال كان "إمرأة متزوجة تشبه حمارا إشتريته ، سأقودها و أجلدها كما أريد ".
سؤال :
هل من شرح لكيفية تغيير ذلك الوضع .
جواب :
عالج الشيوعيون منذ البداية مسألة تحرير المرأة . ففى المناطق المحررة ، فى الحال ألغي الحزب الشيوعي ربط الأرجل و الزواج المدبر و إساءة معاملة النساء . لكن هذه القوانين لم تكن لتعني الشيئ الكثير دون تعبئة النساء بالذات . و قد شجع الشيوعيون و عاضدوا بناء تنظيمات نسائية كانت فى البداية تجتذب إليها بعض النساء الأجرء و الأكثر ثقة بالنفس و إستقلالا فى القرية . و هذه النساء تاليا تبحث فى الأوضاع العائلية أين كانت تساء معاملة النساء . تقول لمن تتعرض لسوء المعاملة أن الزمن تغير الآن و أن مثل إساءة المعاملة هذه لم يكن مسموحا بها و تسعى إلى كسبها لحضور إجتماع و الحديث على الملإ ضد ما حدث لها . ثم تنظم إجتماعات لكافة النساء فى القرية و تستقدم زوج المرأة أو الصهر ليجيب عن الإتهامات الموجهة له . و إذا لم يأت أمام الجمعية النسائية ،كانت هذه الأخيرة تجلبه جلبا و تحضره عنوة . كلا من جاك بلدان ووليام هلتن رويا ذلك فى كتابهما بشأن الأيام الأولى للثورة الصينية , و كانت النساء تدفع الرجل إلى الحضور و تواجهه بممارسته و إساءته المعاملة و تعلمه أن هذا النوع من الأشياء ينبغى أن يتوقف و أن المجتمع الجديد لا يسمح بمعاملة النساء على ذلك النحو . و أذهل ذلك بعض الرجال إلى درجة أنهم وافقوا على الإلتزام بما قالته النساء . و سخر رجال آخرون من النساء و بصقوا عليهن و قالوا :" بأي حق تأمروننى أنتن النساء الغبيات بما أفعل ؟ " فى هذه الحال كانت النساء تمارس شيئا من السلطة البروليتارية فيذيقونه الأمريين إلى أن يتوسل الرجل العفو و يعد بوضع حد لمعاملة زوجته على ذلك النحو . و يعود بعض الرجال ‘لى منازلهم و يخجلون حقا من معاملة نساءهم على تلك الشاكلة أو يصبحون يخشون للغاية غضب النساء أو ربما حدث كلا الأمران معا بحيث يتغيرون . و بالنسبة للآخرين ،تطلب الأمر لقاءات متكررة مع منظمات النساء . و مثلما تتصورون حين أخذ هذا فى الحدوث ، لم يؤثر فقط على إمرأة واحدة أو عائلة واحدة فالأخبار تنتقل زو قد كان ذلك محور صراع كبير و نهوض كبير و فوضى كبيرة فى العائلات و فى التجمعات السكانية . هنا تتصرف النساء بطرق مطلقا غير مسبوقة و لم تخطر على البال لمئات السنين فى الصين . عبلر مثل هذه التجمعات ل"التحدث عن المرارة" غدت النساء الصينيات تدرك أنه لم يكن "مصير"ها الفردي أن تعيش مثل هذه الإساءة فى المعاملة و بهذا تحررت النساء فعلا . كانت بعضهن خائفات فى البداية و لم تود التصريح بمكنوناتها أو لم تود أن تتورط لكن المرور عبر هذه السيرورة ، سيرورة كل من النقاش و الصراع المترويين مع الناس و كذلك ممارسة السلطة البروليتارية إذا أردتم تسميتها هكذا ، جعلا النساء تشرع فى رفع رؤوسهن و ترفض القبول بما إضطرت لإحتماله فى المنزل لسنوات عدة . و طفقت أيضا تنظر إلى أن طريق تقدم نساء الصين هو الطريق الشيوعي .
حينما كان الجيش الأحمر للعمال و الفلاحين يمر عبر منطقة ، كان الناس فى البداية ، يشكّون – آه ، إنه لن يفعل شيئا اتغيير وضع الفلاحين ، لقد رأينا ما تفعله الجيوش قبلا : النهب و السلب و ملء الجيوب إلا أنه مع أخذ العلاقات الجوهرية فى التغيير و رؤية الناس حياتهم الخاصة تتبدل بفضل هذا الجيش و قيادة الحزب الشيوعي الذى يمثله ، عندئذ يصبحون من أشد مناصري الثورة و كانت النساء ضمن الأشد مناصرة للثورة .
سؤال :
أعتقد أن الجملة المتداولة لدى الفلاحين هي : لقد تبادلت السماء و الأرض المواقع .
جواب :
هذا صحيح و بالمناسبة ، أحد الأشياء التى قامت بها هذه النساء هو الذهاب و الصراع مع الرجال ليلتحقوا بالجيش الأحمر . و عدد من النساء كذلك إلتحقت بوحدات المليشيا التى كانت جزءا لا يتجزأ من الثورة الصينية .و حدث أمر آخر فى الحال هو أن المساواة القانونية كانت مضمونة بما فى ذلك ضمان حق المرأة فى الملكية الخاصة وهو ما لم يكن مسموحا به فى السابق . عندما إفتكت الثورة السلطة عبر البلاد بأسرها فى 1949 ، جرى تغيير القوانين لتمتيع النساء بالمساواة مع الرجال على جميع المستويات .
و صدر قانون زواج جديد جاعلا من الطلاق إمكانية تلجأ إليها المرأة عند الحاجة . فى السابق كان من اليسير على الرجال طلاق النساء و لكن كان من العسير على النساء طلاق الرجال.غير أنه دون الإستنهاض الحقيقي للشعب ،لا سيما النساء من الأسفل ، لم تكن هذه القوانين لتعني الكثير . إصدار هذه القوانين كان فقط خطوة أولى فى سيرورة تحرير المرأة . ما قاله ماو فى حوار فى منتهى الأهمية هنا : " بالطبع ، كان من الضروري تمتيع المرأة بالمساواة القانونية بداية . لكن إنطلاقا من ثمة يبقى كل شيئ للإنجاز . فالأفكار و الثقافة و التقاليد التى أدت بالصين إلى حيث ألفيناها ينبغى أن يطاح بها و الأفكار و التقاليد و الثقافة البروليتارية الصينية التى لا توجد بعدً ينبغى أن تبرز . المرأة الصينية لا توجد بعدُ ضمن الجماهير إلا أنها تبدأ فى فرض وجودها و بالتالى ليس تحرير المرأة صناعة آلات غسيل ."
للعودة إلى مسألة التغييرات فى العائلة ، إشتغل الصينيون على الأشياء من جانب القاعدة المادية للتغييرات – عمل النساء و خارج المنزل – و كذلك من الجانب الإيديولوجي و الثقافي و التعليمي إلخ .مثلا ، تحدثنا إلى عمال فى مصنع إصلاح قاطرات بننكو مصنع خارج بيكين حيث بلغ العمال مستوى عال من الوعي السياسي فى مجرى النضال أثناء الثورة الثقافية .لقد صرحت لنا عاملة: " فى الماضى ، كان الرجال و النساء سياسيا متساويان ،بيد انهم لم يكونوا كذلك إقتصاديا . لم تكن النساء تشتغل . فكان الرجل يعود على المنزل و يمسى غير راض إذا صرخ الأطفال أو إذا لم يكن الطعام لذيذا . و الآن يعود الرجل و المرأة معا إلى المنزل و عليهما أن يعتنيا معا بالمنزل. "


سؤال :
أجدنى أتذكر و أنت تتحدثين أننى عملت فى مصنع هنا يشتغل فيه النساء و الرجال جنبا إلى جنب و يعودون للمنزل ليلا بيد أن المرأة تمضى وقتها بالفعل فى إعداد العشاء الجماعي اللذيذ بينما يحتسى الزوج جعة باردة و ينام قبالة التلفاز . و عليه عليك أن تتوسعى أكثر فى المسألة .
جواب :
حسنا ، ينبغى النظر إلى المسألة من عدة أوجه ، و بالخصوص البنية الفوقية ،عبر التربية و الثقافة و المعركة الشاملة ضد الأفكار القديمة و التقليدية حول أدوار الرجال و النساء . و كان هذا مظهرا هاما من مظاهر الأعمال الثقافية الجديدة التى شاهدناها فى الصين
لأول مرة فى التاريخ فى مثل هذه الطريق الكبرى ، كان العمال و الفلاحون هم الشخصيات القيادية على المسرح . كانوا يناضلون من أجل تغيير أنفسهم و تغيير المجتمع ،خائضين معارك شرسة مع العدو الطبقي . ثمة روايات عن الثورة الصينية و كذلك عن معارك تغيير الأشياء آنذاك ، خلال الثورة الثقافية . و لعل الأكثر لفتا للنظر هو أن فى كل إنتاج من هذه الإنتاجات الثقافية هنالك شخصية نسائية قيادية قوية ، عادة الشخصية الرئيسية القيادية . هذه المرأة هي قائدة حزبية محلية أو قائدة مليشيا أو فلاحة عادية تصير قائدة . قد يكون القراء مطلعين على بعض هذه الأعمال الفنية . و إذا لم يكونوا مطلعين فعليهم بالتأكيد بمشاهدة أشرطة فيديو "فيلق النساء الحمر" و "الفتاة ذات الشعر الأبيض ". لقد شاهدنا بعض الأعمال الفنية التى عرضت شعبيا فى الغرب حينذاك ،على غرار باليه "فيلق النساء الحمر" .
و بعض الأعمال الفنية التى شاهدنا فى هذه "التربصات الأولية " ذهبت حتى أبعد من السابقة فى ما يتصل بالمعالجة المباشرة لمسألة قيادة المرأة و سلطتها . فمثلا فى عمل من الأ8عمال ، "جبال آزالايا" نجد مشهدا خلاله كا الفلاحون الذكور مضطرين لإتباع قيادة إمرأة , فلاح آخر إكتشف لاحقا أنه يعمل لصالح اليمينيين إستغل الوضع و قال "من أنتم ؟ كنتم أقوياء و مستقلين و الآن تستمعون إلى إمرأة ؟ " و هكذا يمكنكم رؤية أنه حتى فى 1971 حين كنا هناك ، ظل الصراع حول دور النساء جزءا أساسيا من معركة التغيير الشامل للصين .
الأهمية الأساسية لهذه الأعمال هي أنها تقدم و تنشر وجهة نظر شاملة جديدة للإنسانية و دور الناس فى المجتمع وهي ذات قيمة فنية عالية . فنزلت بردا و سلاما على قلوب الجماهير الشعبية التى أحبتها . و رأينا الفرق المسرحية الهواة تعرضها عبر البلاد . "فيلق النساء الحمر " ، مثلا ،عرضت "فيلق النساء الحمر " ،باليه و كذلك أوبيرا ن فى المعاهد من قبل فرق شبابية و من قبل أعضاء الكمونات إثر العمل فى الحقول . لقد برز إنفجار حقيقي للإبداع الثقافي و الطاقة الشعبيين . و لم يكن ذلك فى المسرح فحسب . ففى الريف ، كان الفلاحون يعتبرون فى السابق غير مثقفين و لا ينبغى بالتالي أن يحملوا فرشاة رسم فنى بأيديهم . لكن فى الصين الثورية رأينا فلاحين لا يمسكون فرشاة رسم فني بأيديهم فحسب و غنما رأيناهم يبدعون أعمالا فنية جلبت إهتمام العالم برمته آنذاك . و قد تمكننا من مشاهدة عديد الأعمال الثورية الجديدة التى كانت تبدع و التى قادت إبداعها تشانغ تشنغ (++) .
و لم يقع فقط تصوير المعركة حول دور المرأة فى هذه الأشكال من التعبير الفني و إنما كان إبداعها منذ البداية معركة . لم يكن الأمر يعنى أن تشانغ تشنغ كانت تأتي لتعمل مع الفرقة و تعد معهم العمل ثم يعرضونه لكن وجدت معارضة و صراعا شرسين لتغيير أشكال التعبير الفنثية التقليدية – مثل أوبيرا بيكين التى عاشت لمئات السنين – و ذلك لأجل نشر أفكار المجتمع الجديد و قيمه و أهدافه ،و من هنا المساهمة فى دفع عجلة الثورة إلى الأمام .
إعتمادا على بحث أجرته تشانغ تشنغ متنقلة عبر البلاد و مشاهدة ما كان يعرض فى مسارح الصين ، علق ماو أنه إذا لم يجرى تغييرها فإن وزارة الثقافة يجب أن تدعى وزارة الموهبة و الجمال أو وزارة المومياءات الغربية . و كان هذا فى حد ذاته مذهلا خاصة أنه أتى بعد سنوات من الثورة .إن المعركة ضد الأفكار القديمة و الطرق القديمة فى صنع الأشياء و ضد فكرة أن بعض الأشكال الفنية لا يمكن المساس بها و ضد أنه لا يمكن فعلا مسرحة الصين الجديدة ، كانت معركة شرسة للغاية . و قد نهضت تشانغ تشنغ بدور محوري ليس فى البحث فحسب بل أيضا فى قيادة الصراع لتغيير الأوضاع . و قد لاقت معارضة شرسة بالضبط من أولئك الذين إغتصبوا السلطة إثر وفاة ماو و سجنوها هي و رفاقها الثوريين .
نلمس إذا أن ثمة علاقة حقيقية بين ما يصوّر على المسرح و ما يجرى فى المجتمع . مشاهدة نساء قويات على الركح و مشاهدة "فيلق النساء الحمر " حيث ترقص النساء و البنادق بأيديهن كان لها تأثيرها على النساء الشابات اللاتي شكلت فرق البنات الحديدية ،مثلا . لا أعتقد حقا انه كان بالإمكان الحصول على تغييرات على غرار مصانع نساء المنازل و فى العائلات إذا لم تكن لديك هذه الصور و المعارك ف5ى البنية الفوقية بصدد الدور الذى على النساء أن تضطلع به . لقد حررت النساء بفضل كل هذا – بالضبط تحررت فى الأيام الأولى للثورة عبر "الحديث عن المرارة " – لكسر الحدود التقليدية حتى أكثر و النهوض بأدوار قيادية فى تثوير المجتمع برمته .
---------------------------------
ملاحظة : تشانغ تشنغ قائدة ثورية صينية عظيمة . تزوجت ماو و لعبت دورا حيويا فى الستينات و السبعينات فى الثورة الثقافية و فى المعركة الكبرى الأخيرة ضد دنك سياو بينغ . وقع أيقافها و سجنها بعد وفاة ماو فى 1976 و الإنقلاب التحريفي البرجوازي و بعد أربع سنوات ،تحدت بجرأة جلاديها أثناء محاكمتها فزلزلت العالم زلزلة . توفيت فى السجن فى ماي 1991 فى ظروف تبعث على الريبة .

أيام الثورة كان الشعب ينظر للأشياء بطريقة مغايرة
2/ كيف حررت العناية الجماعية بالأطفال النساء فى الصين الماوية
حين تجتمع النساء و تناقش مشاكلها ،الحيز الكبيرمن الحديث يحتله العمل المنزلي و العناية بالأطفال . على النحو الذى عليه تقسيم العمل فى المجتمع ، تقوم النساء غالبا بالأعمال المنزلية و تتولى المسؤولية الأساسية فى رعاية الأطفال . و مثلما تشعر عديد النساء العاملات فى قرارة أنفسهن بالتعب، هذا يعنى "عملان ": العمل طوال اليوم ثم العودة إلى المنزل للعناية بالأطفال و إنجاز الأشغال المنزلية .
إن هذا التقسيم الإجتماعي للعمل يضطهد المرأة إذ يبقى عديد النساء منعزلات فى المنزل حيث الشؤون المنزلية و العناية بالأطفال تبلد الذهن و ترهق الجسد و يضع تحديدات جمة أمام قدرة النساء على التصرف فى حياتهن و على مدى غمكانية مشاركتهن فى النضال الثوري . المراة عليها أن تمضى حياتها جزءا كبيرا من حياتها فى تنشأة الأطفال و العناية بهم ليست إمرأة حرة فى مساهمتها فى المجتمع . و طالما لم يقع التخلص من تقسيم العمل الإضطهادي هذا ، لا يمكن تحرير المراة .
مسألة " من يعتنى بالأطفال" مسألة كبرى فى علاقة الرجل و المرأة . ينتهى عدد كبير من النساء إلى خوض صراع لا هوادة فيه ضد الرجال ليقوم الأخيرين بمزيد الأعمال المنزلية و العناية بالأطفال . و النساء عبر العالم برمته تحاول أن تجد مخرجا من هذه الوضعية . و تجد النساء الفقيرات تكلفة العناية بالأطفال لا تستحق حتى القيام بعمل ذى أجر أدنى –هذا إذا ما عثرت على عمل . و تضطر نساء شابات للتعويل على أمهاتهن للعناية بأطفالهن . و تستخدم نساء الطبقة المتوسطة معينات منزلية تكون عادة مهاجرات مضطرات للعمل بأجور زهيدة و دون فوائد . و بصورة متصاعدة نستمع إلى أن المرأة و إن كان عملها عملا هاما عليها أن "تكون أمّا أولا " . هذا الوضع برمته يذهب العقل حقيقة .
إن هذا التقسيم الإضطهادي للعمل بين الرجال و النساء قضية تاريخية عالمية . ففى المجتمع الرأسمالي حياة العائلة فردية . و ملايين النساء ، فى ملايين العائلات النووية ، تعود للمنزل كل ليلة و تواجه ذات الأعمال الروتينية من التسوق إلى الطبخ إلى التنظيف و الغسيل ووضع الأطفال فى فراشهم . و ملايين النساء مرهقات بما أن طاقتهن ووقتهن ينفقان فى القيام لوحدهن بمهام يمكن ان تنظم بطريقة جماعية ، إشتراكية .
هذا هدر ضخم للطاقات الإنسانية . و بالنسبة للبروليتاريا هذه قضية كبرى عبر العالم بأسره .لأنه طالما وجد هذا الوضع لا يمكن لنصف البشرية أن يساهم بالتمام فى تطوير المجتمع لهذا نقول " لنحررغضب النساء كقوة جبارة للثورة " .
كل هذا ينبغى ان يجعلنا نتساءل : ألا توجد طريقة لتنظيم المجتمع بأسره على نحو مغاير بغاية التعاطي مع هذا المشكل ؟ نعم ،ثمة طريقة ! فى الصين الثورية ، قاد ماو تسى تونغ الشعب فى تشكيل جيش أحمر و فى إفتكاك السلطة فى 1949 و المضي فىتشييد مجتمع إشتراكي جديد لأكثر من 25 سنة . لقد فهمماو أن على الثورة أن تحرر المرأة من المهام اليومية للعمل المنزلي و العناية بالأطفال . و إن لم تفعل ذلك فإن نصف المجتمع سيقصى من النهوض بدور تام و متساوى فى بناء مجتمع إشتراكي جديد ،خال من الإضطهاد . و بهذه النظرة الماوية لقيت جماهير الصين حلا حقيقيا لمشكلة رعاية الأطفال.
و اليوم يدعو حكام ( و رجعيون آخرون ) الناس "للعودة إلى القيم العائلية التقليدية " إلا أنه فى الصين الثورية ، كان على النساء أن تقف ضد كافة "القيم العائلية التقليدية " التى وضعت النساء فى مرتبة دونية لآلاف السنين . و هذه الرواية لكيفية معالجة الصين الثورية الماوية لمشكل رعاية الأطفال مفيدة لجميع الذين يناضلون اليوم من أجل إحداث تغيير راديكالي ثوري . و ذلك لأنها تبين كيف أن الشعب حين تخلص من النظام القائم و إفتك السلطة السياسية الحقيقية ،أمكن أن يعالج المشاكل التى لا يمكن معالجتها أبدا فى ظل الرأسمالية. و يبين كذلك كيف أن الثورة الماوية فقط قادرة على تحرير النساء .
-----------------------------------------------------------------------------------
فى الصين القديمة ، كانت الفلسفة القديمة لكنفيشيوس تتحكم فى حياة الناس و كانت التقاليد تساهم بجزء كبير فى إضطهاد النساء . فكانت النساء تعتبر فى مرتبة دونية على الأصعدة كافة .و كان الدور الوحيد للمرأة هو خدمة زوجها و إنجاب عديد الأبناء .
من البداية الأولى ، جعل ماو المرأة جزءا لا يتجزأ من الثورة .و فى المناطق التى حررها الجيش الأحمر قبل 1949 أقيم نضال عظيم ضد العادات الإقطاعية التى كانت تشد النساء إلى الأسفل . وإلتحق عديد النساء من الريف و المدن بصفوف الثورة .
إثر إصدار قوانين 1949 ، تمتعت النساء بحقوق متساوية فى ملكية الأرض و العمل و فى المساهمة فى تسيير المجتمع و التحكم فيه . إلا أن التفكير المتخلف و المعادي للمرأة كان منتشرا عبر المجتمع الصيني . و لم يحدث دفع النساء إلى الأمام لتنهض بدور تام و متساوى فى بناء الإشتراكية بسهولة أو بدفعة واحدة .
لقد شدد الحزب الشيوعي على أهمية أن "تخرج النساء من المنزل " و تشارك فى الحياة الإقتصادية و السياسية للمجتمع . بيد أنه وجدت مقاومة شديدة لهذا التوجه الثوري من رجال و كذلك من أفراد العائلة الآخرين مثل الحماواة المتوقعات من زوجات أبناءهم القيام بجميع العمل المنزلي و العناية بالأطفال . و شكل هذا عائقا أمام المضي بالثورة إلى الأمام .
فى الريف أين يعيش غالبية الشعب الصيني و فى المدن أنشِأت تنظيمات نسوية عاضدت النساء فى نضالهن ضد الأزواج و الآباء و الحماواة الذين كانوا يودون المحافظة على العلاقات العائلية الإضطهادية . فمثلا ، عندما كان الزوج يرفض العناية بالأطفال و لا يسمح لزوجته بالحصول على شغل أو بالذهاب إلى إجتماع سياسي ، كانت المنظمات النسائية تنظم وفدا يتوجه له و يناقشه ليغير طريقة معاملته للنساء . و إذا أرادت إمرأة الخروج ليلا لحضور إجتماع سياسي ،يطلب من الزوج أن يرعى الأطفال . أن تذهب إمرأة لإجتماع سياسي و يبقى زوجها يرعى الأطفال شيئ لم يسبق له مثيل فى الصين القديمة .
ومثّل تحمل الرجال مسؤولية أكبر فى رعاية الأطفال تقدما حقيقيا .إلا أن مشكلرعاية الأطفال لم يستطع معالجته طالما كان فقط مسألة إقتسام هذه المهمة بين الرجل و المرأة . فبالنظر إلى ثقل العادات ، كانت النساء تنحو إلى النهوض أكثر برعاية الأطفال طالما ظل الأمر مشكلا خاصا عائلة –عائلة . و الحل الواقعي لرعاية الأطفال هو توليه من قبل المجتمع برمته. ينبغى أن تتم العناية بالأطفال إلى جانب النهوض بالأعمال المنزلية إشتراكيا عوض مواجهتهما كل عائلة لوحدها .
و كانت سيرورة المشركة هذه لكافة الأعمال المنزلية التى تقوم بها المرأة جزءا هاما من بناء مجتمع جديد فيه عمل الناس و عاشوا فى تعاون و بطريقة مشتركة .
-----------------------------------------------------------------------------------------------------
معالجة رعاية الأطفال بطريقة جماعية :
فى بداية الخمسينات ، تركزت شبكة تسهيلات رعاية الأطفال فى الأجوار بالمدن و بالقرى الريفية . إشتملت هذه الشبكة على حضانات للأطفال أين بإمكان الأمهات أن تغذي أبناءهن بناتهن و ترعاهم أثناء يوم العمل . و تعتنى الحضانات و رياض الأطفال بالذين سنهم دون السابعة و الذين لم يلتحقوا بعدُ بالمدارس . و كانت هذه الحضانات و رياض الأطفال تديرها بالحي منظمات و مصانع و مدارس و تعاونيات فلاحية فى الريف . و أرسيت مدارس لتدريب مروضين و مروضات و معلمين و معلمات للأطفال .؟ و فى المدن الكبرى ، شرعت فيدرالية النساء فى سلسلة من الدروس القصيرة المدى لتدريب الناس على الرعاية الجماعية . و فى المناطق الريفية وجدت تسهيلات رعاية أطفال أقل توزعا و العديد منها كانت فى البداية صغيرة و تجريبية .لكن مع القفزة الكبرى إلى الأمام ، فى 1958-1959 حدث تغير كبير فى الوضع إذ مثلت القفزة الكبرى إلى الأمام حركة جماهيرية كبرى أطلقها ماو . فكانت خطوة عظيمة إلى الأمام فى تطوير الإقتصاد – لا سيما فى الريف حيث تم إستنهاض الفلاحين ليطوروا فعلا الفلاحة و الصناعة الصغرى و المحلية . و تحدت التقاليد و الأفكار العبودية .
و كان تحرير المرأة قضية مركزية فى حملة عمت البلاد .فقد تطورت أشكاتل فلاحة جماعية فى الريف و تركزت الكمونات أين كان يعيش آلاف الفلاحين و يعملون جماعيا . وهو ما قلص من التأكيد على العائلة كوحدة تتمحور حولها حياة الشعب , مع تحول الحياة الإقتصادية للشعب إلى إشتراكية أكثر ، وضع أساسلأشياء أخرى مثل رعاية الأطفال و مشركتها . و كان إرساء رعاية الأطفال الإشتراكية شيئا جديدا نحت فى الصين . و كان على الحزب الشيوعي أن يعول واقعيا على جماهير النساء للشروع فى تشغيل هذه الحضانات و رياض الأطفال . لئن لم يتم ذلك فإن مراكز رعاية الأطفال كانت ستشتغل دون أخذ حاجيات النساء و مشاغلهن بعين النظر و كانت النساء ستكون مترددة فى ترك الأطفال مع غرباء فى مؤسسة أنشٍأت دون مساهمتهن . و أهم حتى ، جرى إستنهاض جماهير النساء لتناضل ضد جميع الأفكار و الممارسات المتخلفة التى ينبغى الإطاحة بها إذا ما أريد من النساء "أن تخرج من المنزل " .
عقب إنجاز بعض البحث فى قرية أو جوار ، كان قادة الحزب الشيوعي يدعون النساء للإجتماع و الديث و الإصداح بالرأي حول المشاكل و المخاوف. معا كانوا يخططون لكيفية إنشاء مراكز رعاية أطفال تناسب كامل المجموعة السكانية.و كانوا يتقاسمون مختلفالمهام و يتلقون أجرا على ذلك . و إثر إرساء المركز ،كانت تعقد إجتماعات منتظمة لنقاش المشاكل و المخاوف التى يثيرها أولياء الأطفال أو الساهرين على تسيير المركز .
فى قرية كان لوقت من الصعب العثور على أناس يتولون مسؤولية الحضانات الجديدة إذ كانت غالبية النساء تفضل فلاحة الأرض مع الرجال . و كان كلا من الرجال و النساء يحتقران مهمة رعاية الأطفال .و لم تكن النساء المسنات المتقاعدات قادرات على التحكم فى قاعة مليئة أطفالا نشيطين أو رضعا لوحدهن . و عالجت هذه القرية فى آخلر الأمر هذا المشكل ببعث نساء شابات غير متزوجات لتحصل على دروس قصيرة المدى فى الحضانة و الرعاية الجماعية للأطفال . ثم صارت هذه النساء مسؤولة عن مراكز صغيرة لرعاية الأطفال أين كانت تساعدهن نساء مسنات متقاعدات . و كانت النساء المسنات المتقاعدات "يتحدثن عن المرارة " كجزء من عملهن ،راويات للأطفال حكايات عن كيف كان الشعب مضطهدا بعنف فى المجتمع القديم .
و قد ساهم تركيز رعاية الأطفال الإشتراكي الواسع فى تحرير ملايين النساء بحيث إستطاعت أن تشارك فى بناء الإشتراكية . و حوالي 1952 تضاعف عدد الحضانات فى المصانع و المناجم و المنظمات الحكومية و المدارس ب 22 مرة نسبة لما كان عليه فى 1949 . و خلال الخمسينات تواصل هذا التيار ،لا سيما أثناء القفزة الكبرى إلى الأمام ،مع مشركة كذلك عديد أشكال الأشغال المنزلية كالطبخ و الخياطة و رحي الحبوب.
و حوالي 1959 ، قُدّر أن فى المناطق الريفية هنالك تقريبا خمسة ملايين محضنة و روضة أطفال و أكثر من 3.5 مليون مطعم عمومي و عديد مراكز رحي الحبوب و الخياطة . و فى المدن ، نظمت منظمات أحياء تسهيلات خدمات جماعية . و شمل هذا "حضانات شوارع" و مطاعم جماعية . بعضها كان كبير الحجم و يقدم خدمات لمئات العائلات لكن البعض الاخر كان بسيطا و صغير الحجم يقدم خدمات لعشرات قليلة من العائلات فقط . و كان الأمهات العاملات و الآباء العاملين يأخذون أطفالهم فى إثر يوم العمل و إما يأكلون جماعيا معهم فى مطعم جماعي أو يعودونه بهم إلى المنازل لعشاء عائلي . و أقامت بعض المدن "وجبات غذاء على عجلات "مقدمة خدمات تسليم للناس المرضى أو الذين يضطرون للبقاء بالمنزل لرعاية الأطفال المرضى . و أنشأت الحضانات لفائدة النساء العاملات فى المصانع أنظمة أخرى لرياعة الأطفال . فتوفرت رعاية لنصف يوم أو ليوم كامل أو ل24 ساعة و أسبوعيا , جدول أوقات عمل هذه الحضانات كان يتناسب مع جداول أوقات المصانع و كانت متوفرة أقرب ما أمكن من مكان عمل النساء .
فى الصين الإشتراكية ، أعطى المجتمع الأولوية لتركيز مراكز رعاية الأطفال هذه . و إنعكس هذا فى كيفية إنتشار هذه المراكز . لنضرب مثالا على ذلك ، فى 1959 فى العاصمة بيكين ، وجد حوالي 1.250 روضة أطفال شارع و حضانةترعى حوالي 62 ألف طفل . و حوالي 1960 قفزت هذه الأرقام إلى 18.000 حضانة و روضة أطفال ترعى أكثر من 600 ألف طفل !
إلى جانب هذا التوسع فى الرعاية الجماعية للأطفال ، أنشأ الشعب فى بيكين كذلك 12.000 مطعم جماعي و أكثر من 1200 مركز إصلاح أحذية و 3.700 مركز خدمات حيث بإمكان الناس إيداع الملابس لخياتها و غسلها . و أنشأت أيضا حضانات أصغر حجما أين بإمكان النساء أن تدع أطفالهن لعدة ساعات و تذهب للتسوق أو مشاهدة شريط أو تذهب إلى الدراسة لجزء من الوقت فى المعاهد .


الثورة الثقافية تكسر بصورة أعمق سلاسل التقاليد
فى 1966 ، أطلق ماو الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى التى كانت تهدف إلى الإطاحة بالقادة اليمينيين داخل الحزب الشيوعي الذين يعملون على إعادة تركيز الرأسمالية. فوقع إستنهاض الملايين عبر المجتمع ليناقشوا و يناضلوا من أجل التوجه الذى سيتخذه المجتمع . هل سيظل الشعب يبنى الإشتراكية و يتخلص من جميع مظاهر اللامساواة و الإختلافات فى المجتمع الطبقي ؟ أم سيعاد تركيز كابوس الرأسمالية و الحوت يأكل حوت و الأرباح قبل كل شيئ ؟
وجهت الثورة الثقافية صفعة لكل التقاليد و الممارسات المتخلفة فى المجتمع الطبقي . و كان النضال ضد إضطهاد النساء جزءا جسيما من هذه "الثورة داخل الثورة" . لقد كان الذين يشجعون على الرأسمالية فى الصين يودون إيقاف الثورة فى نصف الطريق . و كانوا ضد الإطاحة بالهيكلة العائلية التقليدية و شجعوا التخلف و الأفكار المعادية للمرأة . و سعى أعلى "أتباع الطريق الرأسمالي " داخل الحزب الشيوعي مثل لين بياو نشر أشياء مثل قول كنفيشيوس "ضبط النفس ,إعادة تركيز الحق " بمعنى أنه على كل أمرء أن يقبل ب"موقعه" فى السلم الإجتماعي . و نشروا النظرة القائلة بأن على النساء أن يعتنين عن كثب بالعائلة و الأطفال . و نقدوا مراكز رعاية الأطفال، مدعين أن الأطفال لم يكونوا يتلقون الرعاية الجيدة و ان على المجتمع أن يتكور أكثر إقتصاديا قبل أن يستطيع مشركة أشياء مثل رعاية الأطفال .
و قاد هؤلاء القادة الحزبيين و عبؤوا أناسا فى المجتمع يشجعون التخلف و الأفكار التقليدية المعادية للمرأة . و خربوا جهود مشركة الأشغال المنزلية و رعاية الأطفال . و كل هذا يبرز حتى أكثر المكسب العظيم المتمثل فى مشركة الأشغال المنزلية النسائية عبر الصين . و قد كانت مشركة الأعمال المنزلية و رعاية الأطفال فى الصين الثورية غير متكافئة ،لا سيما بين المدن و الأرياف . فحوالي 1971 كانت 90 بالمائة من نساء الصين تعمل خارج المنزل بيد أن مشركة رعاية الأطفال كانت متخلفة عن هذا الوضع . فى المدن حوالي 50 بالمائة من الأطفال الذين تمتد أعمارهم بين سنة و ثلاث سنوات يذهبون إلى الحضانات بينما ال50 بالمائة الآخرين تتم رعايتهم فى المنزل ،غالبا من قبل الجد و الجدة . و فى الريف نسبة الأطفال المتمتعين بالرعاية الإشتراكية كان حتى أدنى . غير أن مشركة رعاية الأطفال فى الصين كانت جزءا من الصراع الطبقي و مثّل خطوة كبرى فى تحرير المرأة و إقتضى خلق "أشياء إشتراكية جديدة " كالرعاية الجماعية للأطفال نضالا ت إيديولوجية و سياسية هائلة فى المجتمع . و جرى تحدى آلاف السنين من أغلال التقاليد التى كسرت حين خرجت النساء من المنزل و إلتحقت بالنضال لتثوير المجتمع . فى ظل قيادة ماو ، عمل ملايين الناس للقضاء على كافة أوجه اللامساواة و أشكال الإضطهاد . و مثلت "الأشياء الإشتراكية الجديدة " التى افرزها هذا النضال كالرعاية الإشتراكية للأطفال مكسبا هائلا و تقدما عظيمين و تاريخيين . /.
3/ النساء فى الصين : السوق الحرة الرأسمالية القاتلة
خلال النصف الأول من القرن العشرين ، خاض الشعب الصيني نضالا بطوليا للإطاحة بالإضطهاد . ماو هو الذى أشار إلى أن الالشعب الصينييرزح تحت ثقل جبال ثلاث هي الإقطاعية و الرأسمالية البيروقراطية و الإمبريالية . و تسبب كل جبل من هذه الجبال فى آلام غير مسبوقة بالنسبة للنساء . لكن فى 1949 ، إثر أكثر من 20 سنة من الكفاح المسلح بقيادة الحزب الشيوعي الصيني و ماوتسى تونغ ، أطاح الشعب الصيني بهذه الجبال الثلاث . و من 1949 إلى 1976 خيض نضال عظيم ضد إضطهاد المرأة و تحسنت حياة المرأة على نحو مثير .و اليوم ، عادت هذه الجبال الثلاث الإقطاعية و الرأسمالية البيروقراطية و الإمبريالية و بالتالي عاد إضطهاد المرأة أكثر فظاعة . و من جديد يتعين أن يعاد تحطيم هذه الجبال الثلاث .
--------------------------------------------------------------------------------------------------------------
------ " النساء نصف السماء " – الصين الثورية الماوية : شعار حول تحرير المرأة فى ظل الإشتراكية .
------ " فى عديد المناطق الريفية ما زال هنالك أناس يعتقدون أنه لا فائدة من النساء. تقوم النساء بالعمل فى المزارع و تلد الأطفال و تعتنى بالزوج و الأطفال و الأقارب .و مع ذلك إذا واجهت مشكلا عائليا تعتقد أن السماء سقطت على رؤوسهن " – إمرأة إنتحرت جدتها بعدما تخلى عنها زوجها لفشلها فى ولادة طفل فى صين اليوم الرأسمالية .
لوتو ، الصين : تتذكر وانغ قزوأكسيا بوضوح الليلة الباردة من ليالي ماي عندما مرت الحافلة الصغيرة عبر حقول الأرز و الذرة و تركت الحافلة صديقة من أصدقاءها فى المعهد العالي فى قسم الإستعجالي ، مجعدة و فاقدة للوعي نسبيا وهي تفرز رائحة سوائل مضاداة الحشرات .
و رغم أنها تخرجت مؤخرا من مدرسة الممرضات عرفت الآنسة وانغ العلاج : إفراغ المعدة ثم إعطاء الأكسيبان و الأتروبين و عبر العروق مضاد لسم الليثال . وكان أمثال هؤلاء المرضى كثيرين فى مستشفى لوتو إلى درجة أن تشخيص أعراض المرض لم توضع أبدا موضع تساؤل : إمرأة ريفية يائسة أخرى تحاول الإنتحار.
فى الواقع ، بعد ثلاث ليال ، شهدت الآنسة وانغ الحالة ذاتها و هذه المرة عملت على إنقاذ صديقة من المعهد العالي . و لكن هذه المرة حين وصل الجرار إلى مستشفى البيضاء ذات الأربع حكايات ، كان قلب المرأة قد توقف عن النبض .
النيويورك تايمز " الإنتحارات تكشف جذور الأسى فى حياة الصين الريفية " / 24 جانفى 1999
فى لوتو وهي مدينة ريفية تعدّ 36 ألف ساكن ، فى محافظة هو باي ، عالجت قاعة الإستعجالي 48 محاولة إنتحار من جانفى 1996 إلى جوان 1997 ، 43 منها كانت نساء بين سن العشرين و الخمسة و الأربعين .
------------------------------------------------------------------------------
للصين نسبة من أعلى نسب الإنتحار فى العالم و أعلى نسبة إنتحار الأنثى فى العالم . لقد قدّر أن حوالي 56 بالمائة من إلإنتحارات النساء فى العالم – حوالي 500 يوميا - تحدثفى الصين و غالبية النساء التى تضع حدا لحياتها شابات و نساء ريفيات .
فى الصين تفوق نسبة الإنتحارات فى الريف بثلاث مرات نسبة الإنتحارات فى المدن . و الصين هي البلد الوحيد حيث سنويا يموت النساء أكثر من الرجال نتيجة الإنتحا – ضعف الشريحة العمرية أقل من 45 سنة .
و فى 1996 قرررت مجلة نسائية فى الصين أن تتحدث عن المشكل و تعالجه ودفعت مالا للقراء الذين يرسلون حكايات نساء إنتحرت .فتلقت المجلة مئات الرسائل و لمدة سنتين تاليتين نشرت روايات الإنتحارات . و بينت الرسائل كم تشعر النساء فى الريف باليأس و بأنه ليس لهن وعي بقيميتهن .
وفق المصادر الرسمية الصينية ، النسبة العامة للإنتحار فى الصين تصل إلى 18 بالخمائة عن مائة ألف وفاة . غير أن هذا الرقم لا يتضمن عديد الإنتحارات المعدة على أنها "موتا عنيفا " أو "موتا فجئيا ، سببه غير معروف" . فإذا ما أخذنا هذه الوفايات بعين الإعتبار ستكون النسبة أعلى . و زيادة على ذلك ، تعدّ الإحصائيات الرسمية الصينية الوفايات فقط –فلا تكشف عديد محاولات الإنتحار الفاشلة . فى لوتو ، ثمة ثماني وفايات من ضمن 48 مريضة حاولت الإنتحار فى 1996 و النصف الأول من 1997 . و نسبة الوفايات بالتأكيد غالبا أعلى فى المدن الأبعد ذات المستشفيات الأقل معدات عصرية .
و كشفت بحوث قام بها البنك العالمي أن النسبة العامة للإنتحارات فى الصين تفوق بثلاث مرات النسبة فى بقية بلدان العالم و أن النسبة فى صفوف النساء تساوى خمسة أضعاف النسبة فى بلدان أخرى .
تنتحر عدة نساء فى الصين بواسطة شرب مضاد حشرات من الفسفاط الصناعي . و لو أنه لا يتسبب فى آلام فإن هذا المركب الكيماوي يفرز سلسلة واسعة من الأعراض بما فيها آلام الصدر و ضيق التنفس و شد عضلي و تاليا نوباة قلبية و حالة غيبوبة . و غالبية هذه الإنتحارات وقعت فى فصل الصيف إذ خلاله يكون عمل المزرعة مرهقا للغاية .
-----------------------------------------
فى 1919 ، حينما كان ماو تسى تونغ طالبا شابا ثوريا ، كتب جملة من المقالات مطالبا بالمساواة فى الحقوق للنساء .إثر إنتحار فتاة شابة فى تشنغشا أجبرها أبويها على الزواج جبرا ،كتب تسعة مقالات فى 13 يوما مدينا إضطهاد النساء فى المجتمع الإقطاعي . فورد فى واحد من تلك المقلات :
" حدث الأمس كان فى غاية الأهمية .وقع بسبب نظام الزواج المدبر الباعث على الخجل ، بسبب ظلامية النظام الإجتماعي و إنكار الإرادة الشخصية و غياب حرية إختيار القرين . نرجو أن يعلق المعنيون بالأمر على جميع أوجه هذه المسألة و أن يدافعوا عن شرف الفتاة التى ماتت موتة شهادة من أجل حرية إختيار حبها ...
إن عائلة الأبوين و عائلة الزوج المفروض مرتبطتان بالمجتمع فكلاهما جزءا منه و يجب أن نفهم أن عائلة الأبوين و عائلة الزوج المفروض إقترفا جريمة بيد أن منبع هذه الجريمة هو المجتمع . صحيح أن العائلتين هما اللتان إقترفتا الجريمة إلا أنجزءا كبيرا من الإثم أملاه عليهما المجتمع . فضلا عن ذلك ، لو كان المجتمع مجتمعا جيدا ،حتى و إن أرادت العائلتان أن تقترفا هذه اغلجريمة فإنه ما كان بإمكانهما القيام بذلك ...
بما أنه ثمة عوامل فى مجتمعنا أدت إلى وفاة الانسة تشاو ،فإن المجتمع فى منتهى الخطورة . فقد إستطاتع أن يتسبب فى وفاة الآنسة تشاو و بإمكانه كذلك أن يتسبب فى وفاة الآنسة تشيه أو الآنسة سان أو الآنسة لي. بمستطاعه أن يقتل الرجال كما يقتل النساء. نحن جميعا ضحايا ممكنة و علينا أن نتحلى باليقضة إزاء هذا الشيئ الخطير الذى يمكن أن يوجه لنا ضربة قاتلة . علينا أن نحتج بأعلى أصواتنا و أن نحذر الناس الآخرين الذين لم يقتلوا بعدُ و أن ندين شرور هذا المجتمع التى لا حصر لها ."
----------------------------------------
وفى 1949 ، تحررت الصين و شرع الشعب فى بناء مجتمع جديد . فى 1950 ، بدأ تطبيق قانون زواج جديد ألغى نظام الزواج الإقطاعي القديم و أعلن المساواة بين الرجال و النساء و أرسى حق الملكية و المسؤولية المشتركة فى العناية بالأطفال . و ألغى تعدد الزوجات و تزويج الأطفال و كما ألغى التدخل فى شؤون الأرامل اللاتى تردن الزواج مجددا . و دعا إلى تكوين أسر معتمدة على نوع جديد من الزواج المستند إلى الإرادة الحرة و الإحترام المتبادل .
كان قانون الزواج واضحا بشأن علاقة الزواج فى المجتمع :" من واجب الزوج و الزوجة النضال جنبا إلى جنب من أجل ...بناء مجتمع جديد." و شن الحزب الشيوعي حملات جماهيرية لتربية الشعب حول الزواج الجديد و قوانين الطلاق و بفضل ذلك غير عدة رجال و كذلك عدة نساء طريقة تفكيرهم . فصار الناس يرون أنه إذا لم تتحرر النساء ،لا يمكن تحرير الشعب كله و أنه إذا بقيت النساء فى وضع عبودية فإن نصف المجتمع لن ينهض للمشاركة فى بناء المجتمع الإشتراكي الجديد . لأكثر من 25 سنة ، مثل النضال ضد إضطهاد النساء جزءا لا يتجزأ من تثوير المجتمع و و تحررت النساء لتشارك بصورة تامة فى جميع مجالات بناء الإشتراكية .
فى 1976 ، توفي ماو و قام أعداؤه فى الحزب الذين كانوا يسعون لإعادة تركيز الرأسمالية بإنقلاب عسكري و إستولوا على السلطة . و تمت الإطاحة بالحكم البروليتاري و الإشتراكية و أعيدت الرأسمالية . و اليوم يجرى التكريس التام للطرق الإضطهادية الرأسمالية بما فيها إضطهاد المرأة . و العادة الإقطاعية و السوق الحر الرأسمالي و "شرورالمجتمع التى لا حصر لها " تتسبب من جديد فى وفاة الآنسة شاو .
----------------------------------------------------------------------------------------------------------------
4/ النساء فى الصين : عبودية السوق الحرة
...
------- " إننا جميعا أسياد الصين الجديدة ! الآن للنساء حقوق متساوية مع الرجال . لنا حقوق سياسية و حقوق إقتصادية . فى السابق ،كانت النساء تحتل موقعا دونيا فى المجتمع ...لكن اليوم الوضع مختلف تماما . اليوم طموحنا العظيم هو القيام بالثورة ."
- النساء فى الصين الثورية زمن ماو .
-------- "أعرف أن الأمر خطير لكن ليس لدي خيار آخر . لن أعود للقرية .فالحياة صعبة جدا هناك . كل أسبوع نسمع عن حادث آخر . هذا أمر لا مناص منه . غير أننى لا أعتقد أن ذلك سيحصل معى "
- تصريح لفو ليتونغ ،إمرأة سنها 20 سنة ، حاولت أن تجد عملا فى مدينة على بعد 200 ميل عن قريتها ،إثر السماع عن حالة إمرأة تم إختطافها و إغتصابها و بيعها .
-----------------------------------
قزيانغ ،الصين : فى ظل سور قديم ما يزال محيطا بهذه المدينة ، يتجمع عدة مئات من الناس يوميا على طول شارع موحل يعرضون أنفسهم للعمل فى سوقشغل غير رسمي . العديد منهم نساء شابات من الريف و بالنسبة لهن يمثل السوق خطرا خاصا إذ يمكن أن يكون المحطة الأولى فى سفر يبتدأ بوعد بشغل و يعرف الإغتصاب و الضرب العنيف على طول المسار و ينتهى بحياة عبودية الخدم المنزلي .
لقد جرى إختطاف نساء لا حصر لهن من هذا السوق فى قزيانغ ، و من أسواق مشابهة فى مدن أخرى و من محطات حافلات و قطارات فى المدن عبر الصين كافة . كما هو معهود ، يجرى التغرير بإمرأة اتقع فى سجن سمسار أو أكثر و تعنف حد الخضوع و تقدم لغريب يسميها زوجته.
- النيويورك تايمز "النساء كمتاع : فى الصين :تظهر العبودية "6 سبتمبر 1995 .
--------------------------------------------------------------------------
ممارسة إختطاف النساء و بيعهن فى تصاعد فى صين اليوم الرأسمالية إذ يشترى المزارعون غير المتزوجين النساء الشابات مقابل 250 إلى 500 دولار بواسطة سماسرة يجوبون الطرقات بين المدن و الأرياف ميسرين تجارة عبودية الإنسان هذه . و الشرطة أحيانا تتلقى رشوة اتدير ظهرها .
الإحصائيات غير كاملة و لا يجرى تسجيل عديد الحلات .لكن هنالك تقديرات بأن على الأقل سنويا ، 10 آلاف إمرأة تباع الآن لتصبح عبيدا فى الصين . و بينما تحاول بعض النساء الفرار فإنهن عادة ما تخجل من العودة إلى عائلاتهن .
يقع بيع النساء فى الصين بلأساس فى المناطق الريفية . بيد أن كثيرا من النساء يتم إختطافهن من المدن ثم يجرى نقلهن إلى القرى و المدن الصغيرة فى الريف . فى بعض الحالات يساهم حتى موظفو الحكومة فى تسويغ المسمى "زواجا" .
ورد فى وثيقة : " لا توقف الشرطة القرويون الذين يختطفون و يبيعون أو يشترون النساء فقط و إنما تتصرف كذلك كوسيط و تتقدم كشاهد و توفر خدمات إستخراج وثائق و تذهب للمنزل لإحياء "الزواج ".
روت النيويورك تايمز حكاية إمرأة ، زهاو مايمى ، إمرأة متزوجة سنها 32 سنة إختكفت ثم سلمت لمزارع إسمه وانغ فى قرية على بعد 400مايل .أبقاها وانغ فى مغارة و عادة ما كان يضربها و يغتصبها . و بعد أكثر من سنة من العيش فى المغارة ، ظهرت على زهاو مايمى عوارض مرض ذهني صارت أسوأ إثر ولادتها بنتا أخذت منها . لم يشتك أي من الجيران من الوضع .يبدو أنهم يعتبرون ذلك " أمرا ليس من شأنهم" .
أتت الشرطة فى النهاية و حررت زهاو مايمى من المغارة بيد أنه عندما أعادوها إلى قريتها الأصلية ، قال المسؤولون الرسميونإن زوجها ،بعد سماعه عن البنت التى وضعتها و عن مرضها الذهني ، لم يرغب فى إعادتها . و لم يبذل المسؤولون الرسميون أي جهد لمحاكمة وانغ أو للعثور على الرجل الذى باع زهو مايمي . حينها و غثر كل ما مرت به ، كانت زهاو مايمي غير قادرة على الإعتناء بنفسها و لكن عوض أن يُوفر لها وضع حياة صحي ،إتصلت السلطات بوانغ و أعلمته أنه ما عاد بإمكانه الإساءة لزهاو ثم أعادوها إليه .
-----------------------------------------------------------
قبل تحرير الثورة الماوية للصين ، كانت العئلات التى تتضور جوعا تبيع عديد النساء و الأطفال . و حتى عندما لا تضطر العائلات إلى بيع بنت ، كان الزواج بالأساس قائما كتبادل تجاري بين العائلات و لم يكن للمرأة خيار فيه .
خيض نضال كبير لوضع حد للطريقة العنيفة لمعاملة الآباء و الأزواج و الحماواة للنساء . و غنتظمت النساء لتقاتل بطريقة جماعية أشياء مثل توجيه الضرب لهن . و لم تكن تريد العيش فى وضع حيث على كل إمرأة لوحدها أن تناضل ضد زوجها أة أبيها بنفسها لتتحرر.
فى الواقع ، أحد أسباب بقاء أضطهاد المرلأة هو أن كل شيئ بقي فرديا . إذ ظلت الأمور محصورة بين الزوج و الزوجة و "ليس شأن الآخرين " ما يحدث "وراء الأبواب المغلقة " .بيد أن هذا لم يعد مقبولا فى المجتمع الجديد . إذا أساء رجل معاملة زوجته ، يغدو هذا قضية المجتمع ككل .
و كل إمرء كان مسؤولا عن ضمان ألا يتم تعنيف النساء و معاملتهن كملكية خاصة . حين يضرب رجل زوجته ، تجتمع لجنة من النساء و تتوجه إليه و تناضل ضده لتغير من طرق معاملته . ثم تراقب الوضع ز و تواصل اللجنة النضال ضد الزوج إلا أنه إذا واصل إساءة معاملة زوجته ، تعاقبه . و إذا لم يتغير ، تشجع اللجنة المرأة و تساعدها على الحصول على الطلاق.
فى الصين الثورية ، جرى إستنهاض المجتمع بأسره للنضال ضد إضطهاد النساء و لأول مرة فى التاريخ ، إستطاعت جماهير نساء الصين أن ترفع رأسها و تحطم كافة التقاليد التى وضعتها فى وضع يشبه العبودية . لكن إثر وفاة ماو فى 1976 ، أطيح بالإشتراكية . و مع إعادة تركيز الرأسمالية ، أعيد تركيز معاملة النساء المعاملة الأكثر بربرية كملكية خاصة و كعبيد .


5/ النساء فى الصين : منبوذات السوق الحرة
...
"عندما إبتدأنا لأول مرة العمل ، لم يكن مستوانا الإيديولوجي مرتفعا جدا . غالبيتنا كانت تعمل فقط للحصول على أوفر مال ممكن . ثم صرنا نفهم أن عملنا جء هام من بناء الإشتراكية . بيد أنه لم يكن لدينا فهم عميق لهذا . و خلال الثورة الثقافية ، درسنا معا جميعا. قرأنا مؤلفات ماو و لاسيما "خدمة الشعب " و تعلمنا أن جميع أعمالنا فى خدمة الشعب مهما كانت فى المستويات العليا أو السفلى . عقب الثورة الثقافية ربطنا عملنا الراهن بالثورة العالمية...وضعنا العالم بأسره بين أعيننا حتى لا ننحرف أبدا عن الطريق الثوري ".
- إمرأة ثورية من الصين الإشتراكية فى بداية السبعينات .
-----------------------------------------------------
سكرتيرة ، مقيمة فى بيكين ، سنها أقل من 30 سنة ن طولها أكثر من متر و 65 صم ، يجب أن تكون مواصفاتها متناسقة .
- إعلان طلب شغل صدر عن شركة جنزهيوان ، نشرته فى "يومية شباب بيكين" ، 1998
---------------------------------------------------
فتاة إشهار سنها أقل من 28 سنة ،طولها أكثر من متر و 65 صم ،بيضاء البشرة ،نحيفة و ذات صحة جيدة .
- إعلان طلب شغل شركة أدوات تجميل لوريال بالصين ، 1998 .
---------------------------------------------------------------------------------------------
تيانجينغ ،الصين : كل عشية ، فى ساحة صغيرة خارج مركز ساتشينغ لإعادة التشغيل ، تتصفح مجموعات صغيرة من العمال المطرودين بقلق قائمات المساعدين المطلوبين . كلهن نساء ، كلهن تجاوزن ال35 سنة و كلهن لا تملك خبرات .
" إن كان سنك تتتجاوز ال35 سنة ، من الصعب جدا أن تجدى عملا " هذا ما قالته إمرأة عمرها 43 سنة صرحت أنها طردت هذه السنة من مصنع غذائي و كانت تستعد لمقابلة من أجل عمل لبعض الوقت ألا وهو عمل تنظيف النوافذ ب60 سنت فى الساعة . " ما الذى بإمكاننا أن نفعله ؟ " تساءلت . "عليك أن ترعى أطفالا و شيوخا و أنت متقدمة فى السن لتعلم خبرات جديدة . لم تعودي جذابة . لار أحد يريدنا ".
- النيويورك تايمز : " فى الصين ، 35 فما فوق و أنثى = غير قابلة للتشغيل " . 13 أكتوبر 1998 .
--------------------------------------------------
تيانجينغ ، مدينة صناعية ساحلية تعد 9 ملايين ساكن وهي مركزلصناعة النسيج بالصين .فى 1997 تم طرد 320 ألف عامل و عاملة و كانت النساء الأكثر تضررا.
-----------------------------------------------------------------------------------------------------------------
لقد جاء فى تقرير لوزارة التشغيل الصينية أن فى 1997 ، كانت النساء تعد فقط 39 بالمائة من القوى العاملة بالصين و لكنها تعد أيضا حوالي 61 بالمائة من العمال المطرودين . و بينت دراسة إستطلاعية أن 75 بالمائة من النساء المطرودات ما تزال فى بطالة بعد سنة ،مقارنة بأقل من 50 بالمائة من الرجال الذين طردوا فى الوقت نفسه . و بما أن الشغل فى صناعات الدولة كان تاريخيا يتمتع بفوائد إجتماعية واسعة النطاق و أقل طرد للعمال ، إضافة إلى أن العمال يتمتعون بالرعاية الصحية و رعاية الأطفال و خدمات الدفن .
فظاعة السوق الحرة الرأسمالية فعالة تماما جاعلة حتى أصعب بالنسبة للنساء المسنات نسبيا أن تجد شغلا .مع إنكماش الصناعات التابعة للدولة ، النساء اللاتى تجاوزت سنهن 35 سنة أكثر عرضة للطرد و أقل حظا فى العثور على شغل جديد من أي شريحة أخرى فى الصين. عدد كثير من هذه النساء غير ذات خبرة و الشركات تتردد كذلك فى إستخدام النساء الأكبر سنا بما أنها عادة ما تتحمل مسؤولية تامة فى رعاية الأطفال و كذلك فى رعاية الأولياء الأكبر سنا .
واقفة فى طابور مركز البطالة ، قالت سون جنتكى وهي عاملة نسيج سابقة عمرها 41 سنة ،قالت لنيويورك تايمز إن
" فى مصنعنا كل المطرودين نساء . أنظر حواليك ، كل الموجودين هنا نساء . الآن ما الذى بمقدورنا فعله ؟ لسنا شابات بما فيه الكفاية و لا تجربة لدينا " .
تشجع القوانين الرسمية ، فى الكلام ،الفرص المتساوية فى العمل بالنسبة للنساء و الرجال . غير أن فى واقع الحياة ، تفضل الشركات بوضوح الرجال على النساء فى عدد من أنواع العمل .قالت متخرجة من معهد علوم قانونية تبحث عن عمل إن عديد الشركات كانت تعتبر الأعمال التى تتطلب السفر و العمل فى المدن الريفية أعمالا مضنية جدا بالنسبة للنساء." من الأصعب على النساء العثور على عمل " و قالت :" حين ينوون أن يستخدموا إمرأة ،فإنهم يريدونها جميلة و قديرة أيضا " .
و من غير المفاجئ أن تكشف دراسات إستطلاعية نسب أعلى من العدية من الإنهيارات العصبية و العنف الأسري و الطلاق فى صفوف عائلات نساء تعرضت للطرد من العمل .
--------------------------------------------------------------------
لقد حررت الثورة الإشتراكية الصين سنة 1949 و لأكثر من 25 سنة ، قاد ماو تسى تونغ الشعب فى بناء المجتمع الجديد المتخلص من الإضطهاد . فكان النضال من أجل المساواة و المشاركة التامة للنساء على جميع أصعدة الحياة جزءا لا يتجزأ من بناء هذا المجتمع الإشتراكي الجديد .
فى الريف ، لأول مرة منحت النساء حقوقا متساوية لفلاحة الأرض و فى مصانع المدن ، تغير نظام الأجور لتقليص الفروقات و اللامساواة بما فى ذلك الإختلافات بين النساء و الرجال .و رتبت إجراءات لضمان أخذ الحاجيات الخصوصية للنساء بعين الإعتبار .

قبل الثورة ، كانت النساء تقبع فى المنزل و ظلت منعزلة للغاية عن الحياة الأوسع و النضال الدائر رحاه فى المجتمع و موقع العمل . و إثر الثورة ، أقيم نضال كبير لإنشاء مطاعم جماعية و لرعاية الأطفال بهدف تحرير النساء من الظروف الإضطهادية للأعمال المنزلية للمنزل الفردي . و فى الريف خيض نضال عظيم ضد العادالت الإقطاعية التى جعلت النساء تابعة تماما للآباء و الأزواج و الحماواة .
و فى المدن ، أقيمت "مصانع شوارع" صغيرة لتخول للنساء العمل لبعض الوقت و تأتي بأطفالهن حيث تعمل و تتم رعايتهم . و عديد هذه المصانع الصغيرة صارت لاحقا أكبر ومملوكة جماعيا و كانت المصانع المدارة على هذا النحو تشغل مئات العمال و تصنع جميع أنواع السلع . فى بيكين ، عملت 180 ألف إمرأة على إرساء أكثر من 400 مصنع شارع و ألفين و 900 وحدة إنتاج شارع .
تخلصت عدة مصانع من العلاوات و الدوافع المادية ( تقديم أجور أكبر للعمال مقابل عمل أفضل أو عمل لفترة أطول) التى كانت تنحو نحو تفضيل الرجال الذين كانوا أقوى و أكثر حرية للعمل لساعات إضافية . و بينما ظلت الإختلافات فى الأجور ، بذلت جهود كبرى ل "رفع الأسفل إلى الأعلى "، رافعة فوائد و أجور العمال فى الأعمال ذات الأجر الأدنى أين ما زالت النساء كثيفة العدد .
فى كل هذا ، كانت النساء تتقدم كقائدات للثورة . و حتى تتحرر النساء حقيقة عليهن أن تساهم فى تثوير كافة نواحي الحياة و ليس فقط تلك النواحي التى تتعلق بصورة ضيبقة بالعائلة و الأطفال و الشؤون المنزلية . و ركز الحزب الشيوعي مجموعات خاصة من النساء لدراسة و نقاش الماركسية –اللينينية –الماوية . و قد عني هذا فى أحيان كثيرة مزج الدراسة السياسية بتعليم النساء القراءة . و ساعدت هذه المجموعات كذلك على تجاوز مختلف الحواجز التى تمنعها من أن تصبح ناشطات سياسيا . فمثلا ن ضمنت رعاية الأطفال حتى تستطيع النساء حضور التجمعات .
إثر وفاة ماو فى 1976 و إعادة تركيز الرأسمالية فى الصين ، وضع حدا لجميع هذه الخطوات إلى الأمام الرامية لتحرير النساء . فى ظل الإشتراكية ، كانت النساء تعامل كمورد ثمين فى بناء مجتمع جديد إلا أن قوانين حوت-يأكل -حوت اليوم تجعل من العسير على ملايين النساء حتى العثور على عمل . /

الفصل الخامس
من مكاسب الثورة الماوية فى الصين
1/ المكاسب الإجتماعية و الإقتصادية فى ظل ماو :
بلا إتقطاع يقذفنا الحكام ( والتحريفيون جميعهم و الرجعيون عموما ) بقنابل حاملة لرسالة مفادها أن "الشيوعية قد ماتت " و أنها لم تكن و لن تكون ذات فعالية و أن الثورات التى تبلغ السلطة تؤدى إلى الطغيان .و جانب من جوانب هجومهم الإيديولوجي السافر هو التشويه المدروس للتجارب الثورية للإتحاد السوفياتي و الصين ،لا سيما الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى . و الأكاذيب و الإفتراءات التى يحيكونها لها تخفى الحقائق .
-----------------------------------------------------------------------------------------------------------
أدناه مقتطفات من رد شيوعي ماوي على التهم و التشويهات الربجوازية و الرجعية عموما وردت ضمن وثيقة تحمل عنوان :" كل ما قيل لكم عن الشيوعية خاطئ : الأسئلة المتداولة حول الإشتراكية و الشيوعية و الثورة الثقافية "
-----------------------------------------------------------------------------------------------------------
... ألم تعد الثورة الماوية فى الصين بالمكاسب بيد أنها تسببت فى عنف مجاني وتمخضت عن عذاب جديد للشعب ؟
أدت الثورة الإشتراكية الصينية من 1949 -1976 إلى تحسين كبير لمستوى عيش الشعب الصيني . فبين 1949 و 1976 ،تضاعف أمل الحياة فى المجتمع الإشتراكي من 32 سنة تقريبا إلى 65 سنة . و فى أوائل السبعينات كانت نسب وفاة الأطفال فى شنغاي أدنى منها فى مدينة نيويورك . و هذا كله يكشف عن تقليص عميق فى العنف فى الحياة اليومية .و إنتشار التعليم تزايد فى غضون جيل واحي من حوالي 15 بالمائة فى 1949 إلى 80 بالمائة ثم إلى 90 بالمائة مع أواسط السبعينات .
ولنتعمق أكثر فى المكاسب الجذرية التى حققتها الإشتراكية لغالبية الشعب .
قبل بلوغ السلطة فى 1949 ، كانت تهيمن على الصين قوى إمبريالية أجنبية . عمليا و بكل المقاييس المتوفرة ، كان الإقتصاد فى أسفل مستويات النمو العالمي حيث كان يتميز بصناعة محدودة للغاية و كانت الفلاحة إقطاعية عنيفة . و كانت الصين تعرف أكثر التضخمات المالية المخربة فى التاريخ العالمي المعاصر . كما كانت بالصين شبكة إجرام عالمي واسعة النطاق و مجموعات سرية منتشرة و تقريبا 70 مليون مدمن على المخدرات . و كانت النساء تعيش جهنما حقيقيا : ربط الأرجل و الزواج المدبر وكان تزويج اأطفال من البنات من الممارسات الإجتماعية الشائعة . و إكتسح العهر المدن .
مثل هذه الأنواع من الآفات الإجتماعية و الإستقطاب فى الثروة قبل 1949 قضت عليهل الثورة من خلال تركيز سلطة الدولة البروليتارية و إيجاد نظام إجتماعي و إقتصادي عادل حرر طاقات جماهير الشعب و خدم مصالحها.
فقط ثورة كان بإمكانها و قدرت على إجتثاث النظام الإقتصادي الإقطاعي فى الريف . لقد مثل الإصلاح الزراعي و مثل و إلغاء ديون الفلاحين اللذان تما فى ظل قيلدة الحزب الشيوعي فىأواخر الأربعينات و بدايات الخمسينات أكبر مصادرة و إعادة توزيع جماهيريةللثروة من الغني إلى الفقير فى العالم بأسره .
و أرسى قانون الزواج فى 1950 فى الصين الثورية الزواج برضاء الجانبين و حق الطلاق و جعل من بيع الأبناء و قتلهم أعمالا يعاقب عليها القانون . و نشأت حركة نسوية أوسع إنتشارا بالنظر لما شهده التاريخ هدفت إلى الإطاحة بالعلاقة التبعية فى تقسيم العمل بين الرجل و المرأة و الإطاحة بجدران سجن الحياة المنزلية .
لكنى قرأت أن الإقتصاد كان كارثة فى ظل ماو .
لقد تعرضت للكذب . فى الواقع نمى الإقتصاد الصناعي الصيني فى ظل ماو بصورة مذهلة ،بمعدل 10 بالمائة سنويا ،حتى أثناء الثورة الثقافية . فتحولت الصين "رجل آسيا المريض" إلى قوة صناعية كبرى فى ربع قرن بين 1949 و 1976 . نسبة النمو هذه لا يمكن أن تقارن إلا مع أعلى قمم النمو تاريخيا . و قد حققت ذلك دون التعويل على الإعانة الأجنبية الإستغلالية و فى مواجهة لبيئة عالمية معادية .
و نمت الفلاحة ب3 بالمائة سنويا ، متجاوزة قليلا نسبة نمو السكان و حوالي 1970 وقع حل قضية تغذية الصينيين تغذية مناسبة . و أنجز هذا عبر تخطيط إقتصادي مندمج و نظام فلاحة جماعية شجعت على إستنهاض الفلاحين و مراقبة الفياضانات و إستثمار قار فى البنية التحتية فى الريف و التوزيع العادل للغذاء على الفلاحين و توزيع الحصص الغذائية الأساسية حتى يضمن للشعب الحاجيات الدنيا . فجسد هذا قطيعة راديكالية مع صين الماضي حيث تسببت الفياضانات و الجفاف و الإضطهاد الإقطاعي فى مجاعات متكررة مثلما هو شائع اليوم فى عدد من بلدان العالم الثالث . و لنذكر أن نسبة الأرض القابلة للزراعة فى الصين هي فقط 70 بالمائة مقارنة مع الولايات المتحدة الأمريكية و لكن عليها (الأرض الصينية) أن توفر لأربعة أضعاف عدد السكان الأمريكان .
لقد أنجزت الصين فى ظل ماو ما لم تنجزه أبدا الولايات المتحدة الأمريكية . لقد ركزت نظام رعاية صحية عمومي . فكانت الخدمات الصحية تقدم مجانا أو بأسعار زهيدة و كان النظام الصحي منقادا بمبادئ التعاون و المساواة . و مزجت الصين الماوية بين الطب الأجنبي و الطب التقليدي الصيني و تم تدريب مليون و ثلاثة مائة ألف من الفلاحين لتقديم الرعاية الصحية ("أطباء ذوى الأقدام الحافية " ) لتلبية الحاجيات الصحية الأساسية فى الريف .
إن الأرقام القياسية الحقيقية للصين الماوية فى السنوات الوضاءة لا تتضارب مع ما قيل لكم فحسب و إنما هي مختلفة الإختلاف كله عن صين اليوم التى يسودها الإستقطاب أغنياء فقراء و التى تقوم على معمل يعمل فيها العمال بعناء و فى ظروف سيئة وهي صين لا علاقة لها بالإشتراكية و بماو .
2/ المعجزات الإقتصادية للصين الماوية ، حين كانت السلطة بيدى الشعب .
فى غرة أكتوبر 1999 الموافق للذكرى الخمسون للثورة الصينية ، أصدرت النيويورك تايمز إفتتاحية شددت فيها على أن " الملايين لقوا حتفهم عبثا فى المجاعات التى تسببت فيها السياسات الإقتصادية المتعرجة الماوية و ضحى الملايين بمسالك معيشتهم و طموحاتهم من أجل تزمت الثورة الثقافية خلال الستينات و السبعينات . إجمالا جميع التقدم الإقتصادي للجزء الثاني من القرنتم منذ 1978 عندما نبذ دنك سياو بينغ مفاهيم الإشتراكية الماوية و فتح إقتصاد الصين أمام العالم و حرر طاقات مستثمري الشعب الصيني"
و ردا على ذلك أرسل النص التالي و لكن النيويورك تايمز لم تنشره :
إلى الناشر ،
تشدد إفتتاحية غرة أكتوبر حول الذكرى الخمسون للثورة الصينية على أن " إجمالا جميع التقدم الإقتصادي للجزء الثاني من القرنتم منذ 1978 عندما نبذ دنك سياو بينغ مفاهيم الإشتراكية الماوية" و على أن الصين عانت ركودا إقتصاديا و تضليلا فى قيادة الإقتصاد خلال السنوات الماوية (1949-1976) لكن الوقائع تكذب أفكاركم هذه .
لنبدأ بالفلاحة .
قبل 1949 ، فى الصين، كانت المجاعات و نقص المواد الغذائية و شدة الجوع شائعة بين أنه إثر التحرير ، جرت تعبئة مئات ملايين الفلاحين الذين تحرروا من الهيمنة الإقطاعية بقصد الرفع من الإنتاج الفلاحي على قاعدة التعاونيات . و تحسن مردود فسح واسعة من المزارع الموجودة بينما إستصلحت أراض جديدة .
فى 1949 ، كان فقط 65 ألف هكتار أراضى سقوية و فى 1974 صار مائة ألف هكتار أراضى سقوية بما جعل الصين تملك أكبر مساحة سقوية عالميا .و غيرت صيانة المياه و مراقبة الغذاء و مشاريع مقاومة التعرية وجه الريف الصيني . و بذلت جهود جبارة لإعادة تشجير مساحات ذات دلالة من الغابات فى الصين .
و فى أواسط السبعينات ، صار تصنيع الآلات الفلاحية الأساسية و غصلاحها يتم فى أغلب المقاطعات الريفية . و كان ما يفوق 70 بالمائة من حقول الأرز و مزارع القمح الصينية تزرع بأنواع بذور عالية الجودة .
و بين 1960 و 1975 ، نمى إنتاج الصين بنسبة سنوية تتراوح بين 3.2 و 4 بالمائة أكثر بوضوح من نسبة نمو عدد السكان . و مجلة التايمز إعترفت بان فى 1976 "تم حل" قضية تغذية سكان الصين تغذية مناسبة .
و الآن إلى الصناعة .
قبل 1949 ، لم تكن الصين تملك صناعة خاصة بها للآلات الصناعية . و أثناء السنوات الماوية ، شيدت الطبقة العاملة الصينية قاعدة إقتصادية شاملة كانت شيئا فشيئا أقدر على توفير مختلف قطاعات الإنتاج بمجموعات تامة من التجهيزات .
و تعدّ نسبة نمو صناعة الصين الماوية ضمن أعلى النسب عالميا إذ كان معدل نسبة النمو 14 بالمائة سنويا بين 1949 و 1952 و 11 بالمائة مذاك إلى 1976 . و أضحت الصين تتمتع بالإكتفاء الذاتي فى النفط . و إستطاعت أن تصنع الحاسوب وسفن النقل العصرية . و فى الوقت نفسه ، طور عمال و فلاحو الصين و تمكنوا من التكنولوجيا المتوسطة التى كان يمكن أقلمتها مع الظروف المحلية فى الكمونات و المصانع المجاورة .
قبل التحرير ، كانت السكك الديدية الصينية مرتكزة فى الشمال الشرقي و المقاطعات الساحلية لكن فى السنوات الماوية إنتشر نظام السكك الحديدية ليشمل كل مقاطعة و كل بلدية و منطقة حكم ذاتي ( بإستثناء التيبت الجبلي ) . و تضاعف مجموع طول الطر ق المفتوحة لحركة المرور أكثر من تسعة مرات فى الحقبة الماوية . و أخرجت مقاطعات بأسرها من العزلة على غرار سيشوان و غيوانغسي و فوجيان .
و قضت الحملات الصحية العامة الشعبية على الإدمان على المخدرات و قضت على الأمراض التى دمرت فقراء الصين . و عبر الريف عمل " الأطباء ذوى الأقدام العارية " و هم فلاحون تدربوا على الطب الوقائي و على تلبية الحاجيات الصحية الأساسية . و إرتفع أمل الحياة فى الصين من 32 سنة تقريبا قبل 1949 إلى 65 سنة فى 1975 .
إذا لم يكن هذا تقدما إقتصاديا فماذا يكون ؟
3/ كيف قضت الثورة الماوية على الإدمان على المخدرات فى الصين .
فى الولايات المتحدة الأمريكية اليوم ن يبدو من غير الممكن الإجهاز على الإدمان على المخدرات . و يدعى النظام أنه "يقاتل المخدرات " بالشرطة و بالأدوية الجديدة و بالدين و بطرق علاج جديدة و حملات "فقط قل لا " . لكن رغم كل هذا لن تضمحل مشكلة المخدرات .و الشرطة المسلحة تعزز من هرسلتها و عنفها الموجه ضد الشعب .
لماذا ؟ لأن نظام "حوت-يأكل حوت" يتسبب فى اللجوء إلى المخدرات و لأن قوى ذات سلطة كبيرة داخل النظام تستفيد
من تجارة المخدرات . و إنتاج المخدرات و نقلها و بيعها تجارة بليارات الدولارات يديرها رأسماليون كبار لهم علاقات مع الحكومة الأمريكية و الس آي آي و الشرطة . و فى الوقت ذاته يلقى النظام باللائمة على الشعب – لا سيما شباب مدن الصفيح الفقراء - و يحمله مسؤولية "مشكل المخدرات " .
يقول الماويون : يمكن الإطاحة بالإضطهاد كله بما فيه الإدمان على المخدرات :
كيف نعرف إن كان ذلك صحيحا أم لا ؟ نعرف ذلك لأنه إثر إنتصار الثورة الماوية فى الصين فى 1949 ، إستعمل الشعب ذاته بقيادة الحزب الشيوعي الصيني طرقا ماوية للقضء على الإدمان على المخدرات . و هذه التجربة و هذه الطريقة مفيدان للغاية لعالم اليوم !
يدرس الثوريون عبر الكوكب برمته مساهمات ماو تسى تونغ ،أعظم ثورييى زمننا و يعلمون الشعب كيف أن النظرية و الممارسة الماويين يمكن أن يبينا للشعب اليوم كيف يحرر نفسه . و فى الذكرى المائوية لماوتسى تونغ ،26 ديسمبر 1993، بلغت الإحتفالات بمائوية ماو قمة عالية .
و هذه الرواية عن كيفية قضاء الثورة الماوية على الإدمان على المخدرات تبين أن "أيام الثورة كان الشعب ينظر للأشياء بطريقة مغايرة ".
كانت الصين القديمة تتميز بأكبر مشكل مخدرات فى العالم :
قبل ان تتوج الثورة الماوية بالظفر فى 1949 ، كان الشعب الصيني شديد الفقر و البؤس تحكمه زمرة من الإقطاعيين و أمراء الحرب و الرأسماليين الأجانب الأغنياء . فى ظل ذلك المجتمع القديم ، كان عديد الناس يتعاطون المخدرات .فكان مثة 70 فى الصين مليون مدمن على الأفيون و المرفين و الهيرووين . و كان عمال نصف جياع يلجأون للأحلام اللذيذة الناجمة عن الأفيون ليغطوا بها آلام الجوع و اليأس . و كان الأغنياء الكسالى يستعملون المخدرات ليأثثوا بها ساعات فراغهم . و فى بعض الماكنت كان الجميع بما فى ذلك الأطفال يدخنون الأفيون . و فى المدن ، كانت قوارير صغيرة من المخدرات تباع على الأرصفة كما تباع المثلجات . و كان الناس ينغمسون فى الإستهلاك .
لقد كان شعب الصين القديمة يعاني بفظاعة من هذا الإدمان على المخدرات . و كتان الكثير من الفقراء يصرفون مالهم القليل على المخدرات عوض صرفه على الأكل . و غالبا ماكان المدمنون يتخلون عن أطفالهم أو حتى يبيعونهم ليشتروا المزيد من المخدرات . و كانت النساء المدمنات مضطرة فى الغالب للتحول إلى عاهرات و لقيت العديد منهن الموت بسبب أمراض .
كيف زرع النظام القديم الإدمان على المخدرات :
لقد فرض المستعمرون الأغنياء الأوروبيون و الأمركان المخدرات على الصين فرضا . و خاضت الحكومة البريطانية حتى حربا هي حرب الأفيون الشهيرة فى 1839 لتملي على الصين أن تقبل بالأفيون الذى تجلبه إليها المراكب الأنقليزية . لقد كتب مالكولم آكس :" تصوروا ! إعلان حرب على شخص يعترض على أن يصبح تحت تأثير المخدرات !".
لقد إبتدأت تجارة المخدرات هذه لأنها يمكن أن توفر للرأسماليين الكبار ثروات ببيعهم مخدرات يتمخض عنها الإدمان و لأن الحكومات الإستعمارية كانت فى حاجة إلى تمويل الإستيلاء على الصين ذاتها . و إستفاد المسؤولون الصينيون الفاسدون من ذلك أيضا حيث ساعدهم الرأسماليون الأجانب على إستعباد الشعب .
و هذه الطريقة تشبه تلك التى من خلالها ترتبط الطبقة الحاكمة للولايات المتحدة الأمريكية بتجارة المخدرات على الأصعدة كافة فهي عادة ما تنظمها و تمولها و تدافع عنها .و فى الستينات أدخلت الس آي آي الهيروين إلى صفوف القوميات المضطهدة لتمول حربها السرية فى اللاووس . ثم ، فى ثمانينات ريغان ، وسعت الس آي آي تجارة الكوكايين لتمول حربها السرية ضد نيكاراغوا . و تستخرج شركات المخدرات الأمريكية الفوائد بسرعة من الكميات التى تباع سواء بالطرق القانونية أم "غير القانونية ". و العلاقة الرسمية تنزل إلى أسفل ،إلى مستوى الشارع أينتطالب الشرطة ب"قسطها" من فوائد المخدرات .
و تبين تجربة كل من الصين و الولايات المتحدة لماذا لايمكن لهذا النظام أن يعالج مشكلة الإدمان على المخدرات . إن هذا النظام يستغل الإدمان على المخدرات ليضعف الناس و يستعبدهم . و بالتالي يكدس جميع أنواع الرأسماليين و المسؤولين الرسميين أموالا طائلة من المخدرات . و بصورة مقتضبة ، يتسبب هذا النظام فى الإدمان على المخدرات و يستفيد منه .
فى الصين ، بسرعة أنهت الثورة الماويةالإدمان على المخدرات . ألحقت جيوش ماو الثورية الهزيمة بجيوش المضطهِدين فى 1949 . و بعد ثلاث سنوات ، فى 1952، لم يعد يوجد مدمنون و لم يعد يوجد باعة سريين و لم تعد توجد زراعة الأفيون و لم تعد المخدرات تتسرب إلى داخل البلاد.
كيف أنهت الثورة الماوية الإدمان على المخدرات ؟
فى الصين ، بنت الثورة جيش التحرير الشعبي ثم حكومة شعبية و قاد الحزب الطليعي الماوي ،الحزب الشيوعي الصيني هذه الحكومة و الجماهير الثورية . و لما توجت الثورة بالظفر فى 1949 ، كانت السلطة السياسية فى خدمة الشعب لأول مرة فى التاريخ و لم تعد فى خدمة المضطهِدين . فواجهت مشاكل كبرى متنوعة من بقايا المجتمع القديم . لكن صار الآن من الممكن للشعب أن ينتظم وفق مصالحه الخاصة لمعالجة هذه المشاكل.
و منذ الأشهر الأولى للسلطة الجديدة غنتهجت الثورة الطريق الماوي للخط الجماهيري لإجتثاث الإدمان على المخدرات . و لم تعول هذه الحملة على عاملي الشؤون الإجتماعية المتصلين بالناس أو على العقوبات . فقد عول الشيوعيون الثوريون على جماهير الشعب فى المدن و الأرياف لينتظموا من أجل القضاء على صناعة المخدرات و بيعها و إستعمالها . دعا الثوريون الماويون المدمنين ذاتهم للنهوض كسر عاداتهم و الإلتحاق بالنضال فى سبيل مجتمع جديد . و نظم الثوريون الماويون الجماهير فى التجمعات السكانية للنضال ضد الإخوة و الأخوات المدمنين و المدمنات بغاية إقناعهم و تربيتهم . و إلتحق مدمنون سابقون و أعضاء عائلاتهم بمسيرات و مظاهرات ضخمة .و تم حرق المخدرات فى إحتفالات أحياء . و جرى تنظيم الأطفال فى المدارس . و عملت السلطة الجديدة على إشراك الصحف و الإذاعات فى مساندة الحملة الثورية .
كان من العسير كسر العادات و أبدى مدمنون عديدون مقاومة فى البداية لكن الجماهير كانت تعرف ما إذا كان المدمن يواصل تعاطي المخدرات أو لا . و دخل الأطفال فى محاججات مع الأولياء و جادلت الزوجات أزواجهن . و طالب الجميع المدمنين بالإلتحاق بركب المجتمع الجديد.
و فى الوقت نفسه ، نظم الثوريون الشعب لتفكيك شبكات التجارة التى تروج سم المخدرات و بالنتيجة إختفى التزويد و صار من الصعب أكثر فأكثر على المدمنين أن يستمروا .
بإختصار ، أمسى النضال ضد الإدمان على المخدرات حركة جماهيرية واسعة النطاق ، ضرب من ضروب الحركات الجماهيرية التى لا تقدر على لإيجادها سوى حكومة ثورية شعبية .
القضاء على الإدمان على المخدرات جزء من الصراع الطبقي :
قال ماو تسى تونغ :" وحدوا كل الذين يمكن توحيدهم ضد العدو الحقيقي". فلى الصين ، أدركت طليعة الشعب أن القضاء على إدمان المخدرات جزء من الصراع الطبقي ضد المجتمع القديم و حثت الشعب لرسم خط فاصل بين الشعب و العدو .
لقد قال الماويون إنه ينبغى أن يعتبر النظام القديم و مسانديه الكبار منذ زمن أعداء و أنه يمكن إعتبارالمدمنين جزءا من الشعب و يتعين أن يعاملوا على أنهم ضحايا النظام القديم . هذه هي المقاربة المعاكسة لمقاربة شرطة الخنازير و غالبية الدعاة الدينيين الذين يعلنون أن "النظام جيد " و يعاملون المدمنين على أنهم حثالة إنسان و مجرمين .
بفعل هذه الإختلافات الطبقية لم يقع إيقاف المدمنين عندما كانوا " يتجولون فى الشارع ". عوضا عن ذلك كان يجرى حث المدمنين على القيام بالشيئ الصحيح و الثوري . و لأن الشعب يمسك بالسلطة ، تخلى المدمنون عن الخوف من التعرض للتفتيش . ووضعت حدود إذ على المدمنين الإقلاع عن تعاطى المخدرات فى غضون بضعة أشهر . خلال هذه الفترة ، أمكن لهم الحصول على القليل من الأفيون و قدمت لهم الحقن لتسهيل الشد العصبي عند الإقلاع عن تعاطى المخدرات .
و قالت الحكومة الماوية الثورية كذلك أنه لن يتم التعامل مع التجار الصغار للمخدرات على أنهم أعداء الشعب شرط أن يساعد هؤلاء على القضاء على تجارة المخدرات . و أتاحت الحكومة الثورية للتجار الصغار فرصة وحيدة هي أن يكشفوا للحكومة الماوية كل "المنتوج" الذى لديهم هم و المنتجين و يتخلوا عن تجارة المخدرات تخليا جديا . قاوم بعض التجار الصغار هذه الفرصة المتاحة فحاصرهم الشعب و أوقفوا . ووضع البعض تحت مراقبة الجيران و أودع البعض السجن لإعادة تربيتهم .
عاملت هذه السياسة كافة الفقراء كإخوة و أخوات فتوفر للمدمنين الفقراء "مخرج" و مكنوا من شغل و شجعوا على النضال من أجل مجتمع جديد.
أما إزاء تجار المخدرات الكبار منذ زمن الذين أثروا على حساب عذابات الجماهير فإتبعت مقاربة مغايرة إذ وقع توصيفهم ك" أعداء الشعب " و حوكموا جماهيريا و شهد ضدهم أناس دمرت المخدرات حياتهم .فنال هؤلاء المضطهدين الكبار منذ زمن عقابا عادلا شديدا : السجن مدجى الحياة أو الإعدام على الملإ علما و أن إعدامات ذات حجم كبير لم تحدث ،أعدم فقط بيين 5 و 10 فى أكبر المدن .
حملة ماو ضد الإدمان نجحت نجاحا عظيما :
مع نهاية 1951 ، أعلنت وكالة أنباء الصين الجديدة أن مشكل المخدرات "قضي عليه فى الأساس" فى شمال الصين ( التى تم تحريرها أولا) . وإستغرق الأمرفى جنوب الصين حيث توجد عدة مناطق زراعة الأفيون حوالي سنة أخرى .
جعل وجود سلطة دولة ثورية جديدة كل ذلك ممكنا : صدرت عملة جديدة و أوقفت المراقبة البنكية تبييض الأموال . وأدى إنضباط الحركة الثورية ووعيها إلى عدم قدرة تجار المخدرات على إشتراء ذمم أناس فى الحكومة الجديدة . و أدى تطور إقتصاد إشتراكي إلى تحقيق إمكانية توفير مواطن شغل و القضاء على الفقر الذى أملى على الناس الإتجار فى المخدرات .
و بعد ذلك لم يوجد لأكثر من عشرين سنة إدمان على المخدرات فى الصين . لكن بعد 1976 ، تقهقرت الصين وخطت خطوات إلى الوراء . ذلك أنه تمت الإطاحة بالثورة الماوية . و بمجرد العودة إلى النمط القديم من الرأسمالية بدأ الإدمان على المخدرات فى الظهور مجددا. و بمرارة تبين إعادة تركيز الرأسمالية هذه كذلك كيف أنه من غير الممكن لك أن تحرر الشعب دون القيام بالثورةأو بالجلوس فى نصف الطريق الثوري .
لقد رفضت الثورة الماوية المقاربة البرجوازية بأسرها للمخدرات فالمقاربة الماوية ليست بعض إصلاحات "شيئ من المال لإعادة تأهيل المخدرات " و ليست "حلولا " فردية عبر علاج واحد- واحد و ليست ملئ السجون بالمدمنين بينما يسمح للرأسماليين الكبار بأن يصبحوا أغنياء بفضل تجارة المخدرات . و ليست نفاقا و أخلاقيات دعاة لا فائدة منها . أي إن حديث عن التخلص من المخدرات دون ثورة بروليتارية ليس إلا مجرد أضغاث أحلام .
إن الثورة الماوية تعنى حلولا واقعية .لقد أوقفت عبودية المخدرات الفظيعة و أوقفت تجارة المخدرات الرأسمالية التى كان كان يستفيد منها البعض على حساب عذابات الجماهير . و قضت كذلك على أرهاط أخرى من الإضطهاد . بإستخدام الطرق الماوية ،تخلصت الجماهير الثورية من العهر و بيع الأطفال و الفقر العنيف و الأمية و البطالة و العنف ضد النساء و الإجرام و عنف الشرطة و ما إلى ذلك . لفدغيرت الثورة كليا حياة و تفكير ملايين و ملايين الناس . لقد قادت الشعب لإجتراح المعجزات فى بضعة سنوات فقط .
الثورة الماوية فعالة لأنها تعالج جذور المشاكل : أطاحت الثورة الماوية بالمضطهدين و نظامهم القديم و عولت على الجماهير لمواصلة الثورة و بناء مجتمع جديد تماما .
و هذا ما يقتضيه الأمر هنا : ثورة . التغيير الحقيقي هو الطريق اللازم لنا . /
-----------------------------------------------------------------------------------------------------------------
أيام الثورة كان الشعب ينظر للأشياء بطريقة مغايرة
4/ كيف حررت العناية الجماعية بالأطفال النساء فى الصين الماوية
حين تجتمع النساء و تناقش مشاكلها ،الحيز الكبيرمن الحديث يحتله العمل المنزلي و العناية بالأطفال . على النحو الذى عليه تقسيم العمل فى المجتمع ، تقوم النساء غالبا بالأعمال المنزلية و تتولى المسؤولية الأساسية فى رعاية الأطفال . و مثلما تشعر عديد النساء العاملات فى قرارة أنفسهن بالتعب، هذا يعنى "عملان ": العمل طوال اليوم ثم العودة إلى المنزل للعناية بالأطفال و إنجاز الأشغال المنزلية .
إن هذا التقسيم الإجتماعي للعمل يضطهد المرأة إذ يبقى عديد النساء منعزلات فى المنزل حيث الشؤون المنزلية و العناية بالأطفال تبلد الذهن و ترهق الجسد و يضع تحديدات جمة أمام قدرة النساء على التصرف فى حياتهن و على مدى غمكانية مشاركتهن فى النضال الثوري . المراة عليها أن تمضى حياتها جزءا كبيرا من حياتها فى تنشأة الأطفال و العناية بهم ليست إمرأة حرة فى مساهمتها فى المجتمع . و طالما لم يقع التخلص من تقسيم العمل الإضطهادي هذا ، لا يمكن تحرير المراة .
مسألة " من يعتنى بالأطفال" مسألة كبرى فى علاقة الرجل و المرأة . ينتهى عدد كبير من النساء إلى خوض صراع لا هوادة فيه ضد الرجال ليقوم الأخيرين بمزيد الأعمال المنزلية و العناية بالأطفال . و النساء عبر العالم برمته تحاول أن تجد مخرجا من هذه الوضعية . و تجد النساء الفقيرات تكلفة العناية بالأطفال لا تستحق حتى القيام بعمل ذى أجر أدنى –هذا إذا ما عثرت على عمل . و تضطر نساء شابات للتعويل على أمهاتهن للعناية بأطفالهن . و تستخدم نساء الطبقة المتوسطة معينات منزلية تكون عادة مهاجرات مضطرات للعمل بأجور زهيدة و دون فوائد . و بصورة متصاعدة نستمع إلى أن المرأة و إن كان عملها عملا هاما عليها أن "تكون أمّا أولا " . هذا الوضع برمته يذهب العقل حقيقة .
إن هذا التقسيم الإضطهادي للعمل بين الرجال و النساء قضية تاريخية عالمية . ففى المجتمع الرأسمالي حياة العائلة فردية . و ملايين النساء ، فى ملايين العائلات النووية ، تعود للمنزل كل ليلة و تواجه ذات الأعمال الروتينية من التسوق إلى الطبخ إلى التنظيف و الغسيل ووضع الأطفال فى فراشهم . و ملايين النساء مرهقات بما أن طاقتهن ووقتهن ينفقان فى القيام لوحدهن بمهام يمكن ان تنظم بطريقة جماعية ، إشتراكية .
هذا هدر ضخم للطاقات الإنسانية . و بالنسبة للبروليتاريا هذه قضية كبرى عبر العالم بأسره .لأنه طالما وجد هذا الوضع لا يمكن لنصف البشرية أن يساهم بالتمام فى تطوير المجتمع لهذا نقول " لنحررغضب النساء كقوة جبارة للثورة " .
كل هذا ينبغى ان يجعلنا نتساءل : ألا توجد طريقة لتنظيم المجتمع بأسره على نحو مغاير بغاية التعاطي مع هذا المشكل ؟ نعم ،ثمة طريقة ! فى الصين الثورية ، قاد ماو تسى تونغ الشعب فى تشكيل جيش أحمر و فى إفتكاك السلطة فى 1949 و المضي فىتشييد مجتمع إشتراكي جديد لأكثر من 25 سنة . لقد فهمماو أن على الثورة أن تحرر المرأة من المهام اليومية للعمل المنزلي و العناية بالأطفال . و إن لم تفعل ذلك فإن نصف المجتمع سيقصى من النهوض بدور تام و متساوى فى بناء مجتمع إشتراكي جديد ،خال من الإضطهاد . و بهذه النظرة الماوية لقيت جماهير الصين حلا حقيقيا لمشكلة رعاية الأطفال.
و اليوم يدعو حكام ( و رجعيون آخرون ) الناس "للعودة إلى القيم العائلية التقليدية " إلا أنه فى الصين الثورية ، كان على النساء أن تقف ضد كافة "القيم العائلية التقليدية " التى وضعت النساء فى مرتبة دونية لآلاف السنين . و هذه الرواية لكيفية معالجة الصين الثورية الماوية لمشكل رعاية الأطفال مفيدة لجميع الذين يناضلون اليوم من أجل إحداث تغيير راديكالي ثوري . و ذلك لأنها تبين كيف أن الشعب حين تخلص من النظام القائم و إفتك السلطة السياسية الحقيقية ،أمكن أن يعالج المشاكل التى لا يمكن معالجتها أبدا فى ظل الرأسمالية. و يبين كذلك كيف أن الثورة الماوية فقط قادرة على تحرير النساء .
-----------------------------------------------------------------------------------
فى الصين القديمة ، كانت الفلسفة القديمة لكنفيشيوس تتحكم فى حياة الناس و كانت التقاليد تساهم بجزء كبير فى إضطهاد النساء . فكانت النساء تعتبر فى مرتبة دونية على الأصعدة كافة .و كان الدور الوحيد للمرأة هو خدمة زوجها و إنجاب عديد الأبناء .
من البداية الأولى ، جعل ماو المرأة جزءا لا يتجزأ من الثورة .و فى المناطق التى حررها الجيش الأحمر قبل 1949 أقيم نضال عظيم ضد العادات الإقطاعية التى كانت تشد النساء إلى الأسفل . وإلتحق عديد النساء من الريف و المدن بصفوف الثورة .
إثر إصدار قوانين 1949 ، تمتعت النساء بحقوق متساوية فى ملكية الأرض و العمل و فى المساهمة فى تسيير المجتمع و التحكم فيه . إلا أن التفكير المتخلف و المعادي للمرأة كان منتشرا عبر المجتمع الصيني . و لم يحدث دفع النساء إلى الأمام لتنهض بدور تام و متساوى فى بناء الإشتراكية بسهولة أو بدفعة واحدة .
لقد شدد الحزب الشيوعي على أهمية أن "تخرج النساء من المنزل " و تشارك فى الحياة الإقتصادية و السياسية للمجتمع . بيد أنه وجدت مقاومة شديدة لهذا التوجه الثوري من رجال و كذلك من أفراد العائلة الآخرين مثل الحماواة المتوقعات من زوجات أبناءهم القيام بجميع العمل المنزلي و العناية بالأطفال . و شكل هذا عائقا أمام المضي بالثورة إلى الأمام .
فى الريف أين يعيش غالبية الشعب الصيني و فى المدن أنشِأت تنظيمات نسوية عاضدت النساء فى نضالهن ضد الأزواج و الآباء و الحماواة الذين كانوا يودون المحافظة على العلاقات العائلية الإضطهادية . فمثلا ، عندما كان الزوج يرفض العناية بالأطفال و لا يسمح لزوجته بالحصول على شغل أو بالذهاب إلى إجتماع سياسي ، كانت المنظمات النسائية تنظم وفدا يتوجه له و يناقشه ليغير طريقة معاملته للنساء . و إذا أرادت إمرأة الخروج ليلا لحضور إجتماع سياسي ،يطلب من الزوج أن يرعى الأطفال . أن تذهب إمرأة لإجتماع سياسي و يبقى زوجها يرعى الأطفال شيئ لم يسبق له مثيل فى الصين القديمة .
ومثّل تحمل الرجال مسؤولية أكبر فى رعاية الأطفال تقدما حقيقيا .إلا أن مشكلرعاية الأطفال لم يستطع معالجته طالما كان فقط مسألة إقتسام هذه المهمة بين الرجل و المرأة . فبالنظر إلى ثقل العادات ، كانت النساء تنحو إلى النهوض أكثر برعاية الأطفال طالما ظل الأمر مشكلا خاصا عائلة –عائلة . و الحل الواقعي لرعاية الأطفال هو توليه من قبل المجتمع برمته. ينبغى أن تتم العناية بالأطفال إلى جانب النهوض بالأعمال المنزلية إشتراكيا عوض مواجهتهما كل عائلة لوحدها .
و كانت سيرورة المشركة هذه لكافة الأعمال المنزلية التى تقوم بها المرأة جزءا هاما من بناء مجتمع جديد فيه عمل الناس و عاشوا فى تعاون و بطريقة مشتركة .
-----------------------------------------------------------------------------------------------------
معالجة رعاية الأطفال بطريقة جماعية :
فى بداية الخمسينات ، تركزت شبكة تسهيلات رعاية الأطفال فى الأجوار بالمدن و بالقرى الريفية . إشتملت هذه الشبكة على حضانات للأطفال أين بإمكان الأمهات أن تغذي أبناءهن بناتهن و ترعاهم أثناء يوم العمل . و تعتنى الحضانات و رياض الأطفال بالذين سنهم دون السابعة و الذين لم يلتحقوا بعدُ بالمدارس . و كانت هذه الحضانات و رياض الأطفال تديرها بالحي منظمات و مصانع و مدارس و تعاونيات فلاحية فى الريف . و أرسيت مدارس لتدريب مروضين و مروضات و معلمين و معلمات للأطفال .؟ و فى المدن الكبرى ، شرعت فيدرالية النساء فى سلسلة من الدروس القصيرة المدى لتدريب الناس على الرعاية الجماعية . و فى المناطق الريفية وجدت تسهيلات رعاية أطفال أقل توزعا و العديد منها كانت فى البداية صغيرة و تجريبية .لكن مع القفزة الكبرى إلى الأمام ، فى 1958-1959 حدث تغير كبير فى الوضع إذ مثلت القفزة الكبرى إلى الأمام حركة جماهيرية كبرى أطلقها ماو . فكانت خطوة عظيمة إلى الأمام فى تطوير الإقتصاد – لا سيما فى الريف حيث تم إستنهاض الفلاحين ليطوروا فعلا الفلاحة و الصناعة الصغرى و المحلية . و تحدت التقاليد و الأفكار العبودية .
و كان تحرير المرأة قضية مركزية فى حملة عمت البلاد .فقد تطورت أشكاتل فلاحة جماعية فى الريف و تركزت الكمونات أين كان يعيش آلاف الفلاحين و يعملون جماعيا . وهو ما قلص من التأكيد على العائلة كوحدة تتمحور حولها حياة الشعب , مع تحول الحياة الإقتصادية للشعب إلى إشتراكية أكثر ، وضع أساسلأشياء أخرى مثل رعاية الأطفال و مشركتها . و كان إرساء رعاية الأطفال الإشتراكية شيئا جديدا نحت فى الصين . و كان على الحزب الشيوعي أن يعول واقعيا على جماهير النساء للشروع فى تشغيل هذه الحضانات و رياض الأطفال . لئن لم يتم ذلك فإن مراكز رعاية الأطفال كانت ستشتغل دون أخذ حاجيات النساء و مشاغلهن بعين النظر و كانت النساء ستكون مترددة فى ترك الأطفال مع غرباء فى مؤسسة أنشٍأت دون مساهمتهن . و أهم حتى ،جرى إستنهاض جماهير النساء لتناضل ضد جميع الأفكار و الممارسات المتخلفة التى ينبغى الإطاحة بها إذا ما أريد من النساء "أن تخرج من المنزل " .
عقب إنجاز بعض البحث فى قرية أو جوار ، كان قادة الحزب الشيوعي يدعون النساء للإجتماع و الديث و الإصداح بالرأي حول المشاكل و المخاوف. معا كانوا يخططون لكيفية إنشاء مراكز رعاية أطفال تناسب كامل المجموعة السكانية.و كانوا يتقاسمون مختلفالمهام و يتلقون أجرا على ذلك . و إثر إرساء المركز ،كانت تعقد إجتماعات منتظمة لنقاش المشاكل و المخاوف التى يثيرها أولياء الأطفال أو الساهرين على تسيير المركز .
فى قرية كان لوقت من الصعب العثور على أناس يتولون مسؤولية الحضانات الجديدة إذ كانت غالبية النساء تفضل فلاحة الأرض مع الرجال . و كان كلا من الرجال و النساء يحتقران مهمة رعاية الأطفال .و لم تكن النساء المسنات المتقاعدات قادرات على التحكم فى قاعة مليئة أطفالا نشيطين أو رضعا لوحدهن . و عالجت هذه القرية فى آخلر الأمر هذا المشكل ببعث نساء شابات غير متزوجات لتحصل على دروس قصيرة المدى فى الحضانة و الرعاية الجماعية للأطفال . ثم صارت هذه النساء مسؤولة عن مراكز صغيرة لرعاية الأطفال أين كانت تساعدهن نساء مسنات متقاعدات . و كانت النساء المسنات المتقاعدات "يتحدثن عن المرارة " كجزء من عملهن ،راويات للأطفال حكايات عن كيف كان الشعب مضطهدا بعنف فى المجتمع القديم .
و قد ساهم تركيز رعاية الأطفال الإشتراكي الواسع فى تحرير ملايين النساء بحيث إستطاعت أن تشارك فى بناء الإشتراكية . و حوالي 1952 تضاعف عدد الحضانات فى المصانع و المناجم و المنظمات الحكومية و المدارس ب 22 مرة نسبة لما كان عليه فى 1949 . و خلال الخمسينات تواصل هذا التيار ،لا سيما أثناء القفزة الكبرى إلى الأمام ،مع مشركة كذلك عديد أشكال الأشغال المنزلية كالطبخ و الخياطة و رحي الحبوب.
و حوالي 1959 ، قُدّر أن فى المناطق الريفية هنالك تقريبا خمسة ملايين محضنة و روضة أطفال و أكثر من 3.5 مليون مطعم عمومي و عديد مراكز رحي الحبوب و الخياطة . و فى المدن ، نظمت منظمات أحياء تسهيلات خدمات جماعية . و شمل هذا "حضانات شوارع" و مطاعم جماعية . بعضها كان كبير الحجم و يقدم خدمات لمئات العائلات لكن البعض الاخر كان بسيطا و صغير الحجم يقدم خدمات لعشرات قليلة من العائلات فقط . و كان الأمهات العاملات و الآباء العاملين يأخذون أطفالهم فى إثر يوم العمل و إما يأكلون جماعيا معهم فى مطعم جماعي أو يعودونه بهم إلى المنازل لعشاء عائلي . و أقامت بعض المدن "وجبات غذاء على عجلات "مقدمة خدمات تسليم للناس المرضى أو الذين يضطرون للبقاء بالمنزل لرعاية الأطفال المرضى . و أنشأت الحضانات لفائدة النساء العاملات فى المصانع أنظمة أخرى لرياعة الأطفال . فتوفرت رعاية لنصف يوم أو ليوم كامل أو ل24 ساعة و أسبوعيا جدول أوقات عمل هذه الحضانات كان يتناسب مع جداول أوقات المصانع و كانت متوفرة أقرب ما أمكن من مكان عمل النساء .
فى الصين الإشتراكية ، أعطى المجتمع الأولوية لتركيز مراكز رعاية الأطفال هذه . و إنعكس هذا فى كيفية إنتشار هذه المراكز . لنضرب مثالا على ذلك ، فى 1959 فى العاصمة بيكين ، وجد حوالي 1.250 روضة أطفال شارع و حضانةترعى حوالي 62 ألف طفل . و حوالي 1960 قفزت هذه الأرقام إلى 18.000 حضانة و روضة أطفال ترعى أكثر من 600 ألف طفل !
إلى جانب هذا التوسع فى الرعاية الجماعية للأطفال ، أنشأ الشعب فى بيكين كذلك 12.000 مطعم جماعي و أكثر من 1200 مركز إصلاح أحذية و 3.700 مركز خدمات حيث بإمكان الناس إيداع الملابس لخياتها و غسلها . و أنشأت أيضا حضانات أصغر حجما أين بإمكان النساء أن تدع أطفالهن لعدة ساعات و تذهب للتسوق أو مشاهدة شريط أو تذهب إلى الدراسة لجزء من الوقت فى المعاهد .
الثورة الثقافية تكسر بصورة أعمق سلاسل التقاليد
فى 1966 ، أطلق ماو الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى التى كانت تهدف إلى الإطاحة بالقادة اليمينيين داخل الحزب الشيوعي الذين يعملون على إعادة تركيز الرأسمالية. فوقع إستنهاض الملايين عبر المجتمع ليناقشوا و يناضلوا من أجل التوجه الذى سيتخذه المجتمع . هل سيظل الشعب يبنى الإشتراكية و يتخلص من جميع مظاهر اللامساواة و الإختلافات فى المجتمع الطبقي ؟ أم سيعاد تركيز كابوس الرأسمالية و الحوت يأكل حوت و الأرباح قبل كل شيئ ؟
وجهت الثورة الثقافية صفعة لكل التقاليد و الممارسات المتخلفة فى المجتمع الطبقي . و كان النضال ضد إضطهاد النساء جزءا جسيما من هذه "الثورة داخل الثورة" . لقد كان الذين يشجعون على الرأسمالية فى الصين يودون إيقاف الثورة فى نصف الطريق . و كانوا ضد الإطاحة بالهيكلة العائلية التقليدية و شجعوا التخلف و الأفكار المعادية للمرأة . و سعى أعلى "أتباع الطريق الرأسمالي " داخل الحزب الشيوعي مثل لين بياو نشر أشياء مثل قول كنفيشيوس "ضبط النفس ,إعادة تركيز الحق " بمعنى أنه على كل أمرء أن يقبل ب"موقعه" فى السلم الإجتماعي . و نشروا النظرة القائلة بأن على النساء أن يعتنين عن كثب بالعائلة و الأطفال . و نقدوا مراكز رعاية الأطفال، مدعين أن الأطفال لم يكونوا يتلقون الرعاية الجيدة و ان على المجتمع أن يتكور أكثر إقتصاديا قبل أن يستطيع مشركة أشياء مثل رعاية الأطفال .
و قاد هؤلاء القادة الحزبيين و عبؤوا أناسا فى المجتمع يشجعون التخلف و الأفكار التقليدية المعادية للمرأة . و خربوا جهود مشركة الأشغال المنزلية و رعاية الأطفال . و كل هذا يبرز حتى أكثر المكسب العظيم المتمثل فى مشركة الأشغال المنزلية النسائية عبر الصين . و قد كانت مشركة الأعمال المنزلية و رعاية الأطفال فى الصين الثورية غير متكافئة ،لا سيما بين المدن و الأرياف . فحوالي 1971 كانت 90 بالمائة من نساء الصين تعمل خارج المنزل بيد أن مشركة رعاية الأطفال كانت متخلفة عن هذا الوضع . فى المدن حوالي 50 بالمائة من الأطفال الذين تمتد أعمارهم بين سنة و ثلاث سنوات يذهبون إلى الحضانات بينما ال50 بالمائة الآخرين تتم رعايتهم فى المنزل ،غالبا من قبل الجد و الجدة . و فى الريف نسبة الأطفال المتمتعين بالرعاية الإشتراكية كان حتى أدنى . غير أن مشركة رعاية الأطفال فى الصين كانت جزءا من الصراع الطبقي و مثّل خطوة كبرى فى تحرير المرأة و إقتضى خلق "أشياء إشتراكية جديدة " كالرعاية الجماعية للأطفال نضالا ت إيديولوجية و سياسية هائلة فى المجتمع . و جرى تحدى آلاف السنين من أغلال التقاليد التى كسرت حين خرجت النساء من المنزل و إلتحقت بالنضال لتثوير المجتمع . فى ظل قيادة ماو ، عمل ملايين الناس للقضاء على كافة أوجه اللامساواة و أشكال الإضطهاد . و مثلت "الأشياء الإشتراكية الجديدة " التى افرزها هذا النضال كالرعاية الإشتراكية للأطفال مكسبا هائلا و تقدما عظيمين و تاريخيين . /.

5/ كسر سلاسل التقاليد جميعها
إليكم مقتطفات من حوار مع قائدة شيوعية ماوية زارت الصين الثورية فى 1971 ...
سؤال :
قلت فى مقالك "ليست النساء آلات تفريخ " إنك لما زرت الصين الثورية أثناء الثورة الثقافية فى 1971 :" كما لو أننا كنا على كوكب آخر . لم أفكر أبدا أننى أستطيع الشعور بأنى مختلفة للغاية كإمرأة و أنه سيكون من الممكن السير فى شوارع المدن مرفوعة الرأس ..." هلا توسعتى فى شرح ذلك .
جواب :
لقد فكرت فى تجربتى فى الصين بعد فترة طويلة و فى ما يتحدث عنه المعلقون البرجوازيون ...و ما يسمي "موت الشيوعية " . ما شاهدناه فى الصين الثورية كان على قمة جسر التاريخ ، كما لو أننا سافرنا عبر آلة عبور الأزمنة نحو المستقبل – لكن ليس بعض المستقبل الذى تصوره غلبية روايات الخيال العلمي حيث الناس هم ذاتهم ( الرجال مكتشفون و مقاتلون و مهيمنون على النساء هيمنة ذكورية ) و فقط ما يحيط بهم هو المختلف . أقصد مستقبل حيث الناس مختلفون و يصنعون مجتمعا مختلفا تماما .
فى صين 1971 ، بمجرد مضي أعلى موجات الثورة الثقافية ،شاهدنا عالما جديدا يبزغ . كثورية شاركت بنشاط فى حركة تحرير النساء ، كنت بصورة خاصة معدلة على وضع النساء و من أول تجربتنا مع المرأة الصينية تعلمت أن شيئا رائعا يحدث هناك . فقد إستقبلتنا نساء شابات حين نزلنا بمطار شنغاي و صدحنا بأغاني و عرضنا مشاهد مسرحية ثورية من نماذج الأوبيرا و المسرحيات الجديدة بينما كنا ننتظر عملية الربط بالطائرة مع بيكين . كانت الشابات ترتدى جاكيت و سراويل بسيطة و أحذية قطنية رقيقة و شعرهن فى ضفائر أو قصير ووجوههن زاهية دون أية أثر للماكياج .و كم كانت فخورات و واثقات من أنفسهن !
إن المطار عينه كان مختلفا أيما إختلاف عن مطارات باكستان و مصر التى توقفنا بها فى طريقنا و عن ما رأيناه فى هونكونغ فى طريق عودتنا بعد ستة أسابيع ، إذ كانت مطارات الباكستان و مصر مليئة بالمتسولين و باعة اللعب و الحلي المزيفة و لم نر شيئا من هذا فى الصين .
دعونى أقول لكم إن التواجد فى الصين لمدة ستة أسابيع ،بما فى ذلك فى شنغاي ، إحدى أكبر مدن العالم ، و عدم التعرض للهرسلة أو التحرش و لو مرة واحدة من أية رجل كان أمرا لا يصدق تقريبا . لم نر أية نساء تعرض كأغراض جنسية فى الإشهار و فى الإعلانات و فى المجلات و فى أكشاك الجرائد و فى الشوارع . و يا لها من راحة هائلة أن يتم التخلص من عبء توتر اليقضة الذى على المرأة أن تحافظ عليه فى بلادنا – يقضة ضد العناية غير المرغوب فيها و التعليقات غير المرحب بها و الهجومات الجسدية . نحن نساء كان بإمكاننا أن نقيم إتصالا بالعيون مع الرجال و كذلك مع النساء فى الشوارع و أن نبتسم و نهز رأسنا للمارة دون أن نفكر فى أن ذلك سيأوّل على أنه "هيا بنا " . و أنا أتحدث حتى عن السير على القديمن ليلا فى شوارع شنغاي . و أحببت تخطى الخوف مما ألبس . و فى أول جولة تسوق فى مغازة مقاطعة صينية ، إشترينا جميعا سترا و أحذية صينية لبسناها أثناء ما تبقى من السفرة .
لقد شاهدنا نساءا تعمل إلى جانب الرجال فى الصناعة الثقيلة و على أرصفة المواني و فى وحدات الجيش و الجامعات و الريف . و كانت القادة النساء تستقبلنا معا مع الرجال حيث قصدنا . بعدُ كان عدد النساء أقل من عدد الرجال فى أغلب المجموعات القيادية التى لقيناها ، رغم أن الثوريين الحقيقيين كانوا يخوضون معركة لتشجيع القيادات النسائية . و كان المسرح يعج بالمسرحيات الجديدة الإحداث التى كانت تظهر النساء شخصيات محورية – قادة سياسيات و عسكريات و ليس "أغراض حب " و صور جنسية أو نساء أرستقراطيات . و قد تحدثنا إلى عديد النساء و العديد منهن ذكرت لنا الشعارات الشعبية آنذاك التى نشرها الرئيس ماو : " النساء نصف السماء" و " تغيرت الأزمان . كل ما يمكن للرفاق الذكور إنجازه ، بإمكان الرفيقات النساء إنجازه كذلك". و فى الوقت عينه كانت النساء تسارع إلى للإضافة أنه يبقى الكثير بعد للإنجاز فما تزال هنالك أفكار و عادات رجعية ينبغى تجاوزها إذا ما كانت النساء ترجو التحرر التام . لكن بالنسبة لنا ، و نحن كنا مغمورات بمعارك الستينات، كان يبدو أنها طرقا جديدة بإتجاه المستقبل الذى حلمنا به .
عندما عدت ، قرأت كتابا عنوانه "الحياة اليومية فى الصين الثورية " لماريا أنطونياتا ماتشيوتشى أين تقدم مقتطفا من كلام إمرأة شابة : بعدُ هنالك ثورة للإنجاز داخل العائلة . علينا أن ننقد العائلة من وجهة نظر ثورية ،بالإعتماد على تحطيم المفاهيم الخمسة القديمة و تعويضها بمفاهيم خمسة جديدة : 1)تحطيم مفهوم عدم فائدة النساء و تعويضه بفكرة أن النساء يجب أن تكسب دون خوف نصف السماء ، 2) تحطيم الأخلاق الإقطاعية للمرأة المضطهَدة و الأم الجيدة و إحلال المثل الأعلى للبروليتاريين الثوريين محلها ، 3) تحطيم عقلية التبعية للرجال و الإرتباط بهم و إحلال التصميم الصارم على التحرر محلها .
4) تحطيم المفاهيم البرجوازية و تعويضها بالمفاهيم البروليتارية و 5) تحطيم المفهوم الضيق للعائلة ذات المصلحة الضيقة و إحلال المفهوم البروليتاري المفتوح للوطن و العالم فى العائلة محله ".
هذه المبادئ الخمسة عادة ما ذكرتها الصحافة الصينية و صارت مرجعا للنساء اللاتي تحدثت معهن .إن الشعب الذى كان يريد تغييرا حقيقيا كان يستعمل هذه المبادئ المرشدة لتحديد مقاييس كافة المجتمع .
أخذ الصينيون يعملون على تحرير النساء من جميع الجوانب . و كان للعمل خارج البيت دور محوري للغاية بالنسبة لكافة السيرورة التحررية . قبل كل شيئ ، يسمح للمرأة أن تغدو مستقلة إقتصاديا عن الرجال . فضلا عن ذلك ،فإن العمل خارج البيت فى شغل مفيد إجتماعيا يعطى النساء نظرة واسعة عن العالم و المجتمع أفضل من نظرة المرأة التى تظل ببساطة فى حدود الأربعة جدران و تعتنى فقط بزوجها و عائلتها و يطور كذلك التعاون فى صفوف النساء العاملات معا لإبداع شيئ و صنع الأحداث .و يطور شعورا جماعيا لا يحصل عليه الناس فى عائلاتهم الفردية و فى منازلهم الخاصة . إنه يعزز الموقف العام للنساء فى المجتمع كأعضاء لهم قيمة و منتجون و ينمى إستقلال النساء الإجتماعي و الإقتصادي . كل هذه الأشياء ضرورية للسيرورة الشاملة لتحرير النساء .
سؤال :
لكن فيما يختلف هذا عن الوضع فى الولايات المتحدة الأمريكية أين تعمل بعدُ عديد النساء خارج المنزل – و العديد ليس بإختيارهن و إنما لإعالة أنفسهن و عائلاتهن ؟
جواب :
يختلف قبل كل شيئ فى أن طبيعة السيرورة العامة للعمل مغايرة فى ظل الإشتراكية . فى الصين كان من النادر نسبيا أن تعمل النساء فى المصانع و المغازات و ما إلى ذلك لأن الصين كانت بلدا أقل تصنيعا و تطورا بكثير من الولايات المتحدة الأمريكية ...بيد أنه هناك غدى العمل ، كما سيكون فى أي ولايات متحدة إشتراكية مستقبلا ، مختلفا للغاية عن العمل فى الولايات المتحدة الرأسمالية . فى ظل الإشتراكية يظل العمال بعدُ يتلقون أجرا حسب عملهم بينما فى ظل الشيوعية سيعمل الرجال و النساء بحرية لتوفير ما هو ضروري للحياة و لجعل الحياة أكثر إمتاعا و ستتلقون بالمقابل ما يحتاجونه للحياة . الإشتراكية مرحلة إنتقالية بين الماضي الرأسمالي و المستقبل الشيوعي و تتميز بجهود واعية للقضاء على اللامساواة و الأفكار القديمة و تفرز علاقات إقتصادية و إجتماعية جديدة .
فى الولايات المتحدة اليوم ، العمل خارج المنزل عبء مزدوج بالنسبة للنساء لأن العمل خارج المنزل غير مرض البتة و مرهق للغاية و لا تتلقى النساء أجرا كبيرا فى المقابل و بالتالي تعود للمنزل و عليها أن تبذل جهدا إضافيا فى القيام بشؤون المنزل و تطبخ الوجبات و تعتنى بالأطفال . زيادة على ذلك، لما تعمل خارج المنزل ، غالبا ما تتعرض لمشكل آخر هو الهرسلة الجنسية فقط لأنها مرأة و ذلك فى طريقها للعمل و كذلك فى مكان العمل نفسه . لذا نتحدث عن تحويل السيرورة الشاملة للعمل – بالنسبة لكل من النساء و الرجال – فى ظل الإشتراكية -. قبل كل شيئ يصبح العمل جزءا من القيام بالثورة عبر العالم .فقد سمعت عديد الصينيين يقولون : " أقوم بهذا من أجل الثورة العالمية ". لأن البروليتاريا تتحكم فعلا فى المجتمع إعتبر الناس أن عملهم يساهم ليس فحسب فى رفاههم الذاتي أو العائلي أو حتى رفاه الصين و إنما يساهم فى تعزيز التقدم الثوري عالميا أيضا .
نتحدث كذلك عن العمل بما هو جزء من تغيير العلاقات بين الناس . فى المصانع ،مثلا ، لا يوجد وضع حيث تقوم الأغلبية بذات العمل المضني يوميا و قلة قليلة من المراقبين يتنقلون مسجلين أسماء الذين لم يعملوا بسرعة كافية أو الذين كانوا يتحدثون أثناء العمل . لقد كان العمال يراقبون أنفسهم و يراقب بعضهم البعض و إتخذت خطوات حقيقية للإطاحة بتقسيم العمل بين العمل الفكري و العمل اليدوي وهو أحد اكبر التقسيمات فى المجتمع التى ينبغى أن يجري تخطيها خلال المرحلة الإشتراكية .لذا تشكلت لجان عمالية تقوم بتحديثات تقنية تهتم بجزء من المشاكل التى تظهر و تعالجها . و العمال االأفراد يشجعون للمشاركة فى السيرورة و كذلك فى نقد القادة فى المعمل أو المصنع أو فى المؤسسة . و ساد حقا شعور بأن الناس يعملون معا ،مستعملين المعرفة التى تنشأ فى ذلك المعمل أو المصنع . و بذلك يساهمون فى معالجة مشاكل الصين ككل و يخولون للصين عندئذ أن تساهم أكثر فى الثورة العالمية .
و كانوا يدرسون بإستمرار ليرفعوا من وعيهم و فهمهم السياسيين . شكل عمال فى مصنع نسيج ضخم زرناه فى شنغاي فى ظل قيادة الثوريين خلايا دراسة شملت آلاف العمال . و درسوا مؤلفات ماركسية عظيمة مثل "ضد دوهرينغ " لإنجلز و " المادية و مذهب النقد التجريبي " للينين . كما درؤس العمال بشغف الماركسية-اللينينية كي يفهموا على نحو أفضل ما كان يجب عليهم فعله لمواصلة الثورة و المساهمة فى السيرورة الثورية عبر العالم بأسره . و هذا مثال جيد عن نوع الدوافع التى كانت تحث الناس – و ليس المال فى جيبك أو دافع إعمل لتكون الأول- بل دافع يستند إلى الوعي السياسي بالإسهام بأكبر قدر ممكن فى الثورة . و كما رأينا ، حرر هذا الدافع مبادرة الجماهير لتبدع ألوانا من الأشياء الجميلة لتغيير العالم .
و هذا كله لم يحدث عفويا أو بضربة سحرية .فقيادة الحزب إتخذت موقفا نقديا من أجل تحرير هذا النوع من المبادرة . فالقيادة فى المصانع مثلا كانت تمارس بمزج الفريق التقني / الإداري و العمال أنفسهم و كوادر الحزب . هذا النمط من المزج المسمى " ثلاثة فى واحد " تكرس بشكل واسع فى المجتمع . و أهم من ذلك حتى إنه التوجه الشامل للمجتمع الذى سمح لهذه الأنواع من التغييرات أن تحدث . و أمكن لها أن تحدث فقط بالإعتماد على طليعة قوية مصممة على المضي قدما بإتجاه الشيوعية .
سؤال :
هل يمكنك الحديث قليلا عن العلاقات بين الزوج و الزوجة ؟ أحد القيود التى تشد إلى الخلف ليس الفلاحين الصينيين فحسب بل أيضا الشعب الصيني هو السلطة الأبوية .
جواب :
لقد تحدث ماو قبل الثورة عن " السلاسل الأربعة الكبرى " التى تقيد الشعب الصيني و على الأخص الفلاحين . و هذه السلاسل هي السلط السياسية و العشائرية و الدينية و الذكورية و أول مهمة من مهام الشيوعيين كانت تحرير الشعب لكسر هذه السلاسل.
فى كل مرحلة من حياتها كانت المرأة تابعة لرجل ما . "الطاعات الثلاث" كانت تحكم حياتها : طاعة الأب عند الصغر و طاعة الزوج عند الزواج و طاعة الإبن الأكبر سنا عندما تصبح أرملة . و السلطة الوحيدة التى كانت تتمتع بها هي سلطتها على زوجة إبنها ،طبعا ، فى ظل السلطة الأبوية الشاملة للعناية بشؤون المنزل . و كان الزواج مدبرا و كان تزويج البنات يتم و هن جد صغيرات السن لتمسي بمثابة عبيد لأزواجهن و أقارب الزوج.
بعض النساء قاتلت بضراوة و أخذت بالقوة إلى منزل الزوجية . و هنالك أمثلة كثيرة عن نساء شابات رفضت الإستمرار فى زواجهن و إنتحرت بعضهن و هن فى طريق الإحتفالات . فى 1919 ، فى خضم المسيرات الثورية الشبابية الجماهيرية ، ألهم إنتحار إمرأة شابة ، اللآنسة تشاوو ، إحتجاجات ضد الزواج المفروض فرضا . و كتب ماو تسى تونغ حول إنتحارها و حمّل المجتمع مسؤولية ذلك الإنتحار . و قد رفض هو نفسه الزواج من إمرأة إختارها له والداه .
و لم تكن لعديد البنات حتى فرصة أن تترعرع و بما أن الذكور يفضلون على الإناث فإن البنات المولودة كانت تساوى عادة فما آخر يلتهم الأكل و فلاحين كثر لم يكن لديهم ما يكفى لسد رمق أفراد العائلة .و كان يتم غغراق الصبيات أو توضع على أرصفة الطرقات اتتعرض للجوع أو ليأخذها أحد المارة .و اليوم ، مع العلاقات الرأسمالية و الهيمنة الذكورية اللذان أعيد تركيزهما فى الصين ن إنتشرت من جديد الظاهرة الفظيعة لوءد البنات .
و كانت البنات تباع للملاكين العقاريين أو تفتك بالقوة من قبل كلابهم المستأجرة لخلاص ديون أولياءهم . و فى المدن تباع إلى بيت دعارة . و يختطف الملاكون العقاريون البنات و النساء كما يحلو لهم و يغتصبونهن .
عندما أتحدث عن السلطة الأبوية ، تبدو أحيانا بعيدة نوعا ما أو أكاديمية . غير أنها كانت تعنى الإخضاع الأعنف و الرذيل للنساء اللاتى تعيشه منذ ولادتهن . أحد الأمثلة الشعبية من ذلك الزمن بالنسبة للرجال كان "إمرأة متزوجة تشبه حمارا إشتريته ، سأقودها و أجلدها كما أريد ".
سؤال :
هل من شرح لكيفية تغيير ذلك الوضع .
جواب :
عالج الشيوعيون منذ البداية مسألة تحرير المرأة . ففى المناطق المحررة ، فى الحال ألغي الحزب الشيوعي ربط الأرجل و الزواج المدبر و إساءة معاملة النساء . لكن هذه القوانين لم تكن لتعني الشيئ الكثير دون تعبئة النساء بالذات . و قد شجع الشيوعيون و عاضدوا بناء تنظيمات نسائية كانت فى البداية تجتذب إليها بعض النساء الأجرء و الأكثر ثقة بالنفس و إستقلالا فى القرية . و هذه النساء تاليا تبحث فى الأوضاع العائلية أين كانت تساء معاملة النساء . تقول لمن تتعرض لسوء المعاملة أن الزمن تغير الآن و أن مثل إساءة المعاملة هذه لم يكن مسموحا بها و تسعى إلى كسبها لحضور إجتماع و الحديث على الملإ ضد ما حدث لها . ثم تنظم إجتماعات لكافة النساء فى القرية و تستقدم زوج المرأة أو الصهر ليجيب عن الإتهامات الموجهة له . و إذا لم يأت أمام الجمعية النسائية ،كانت هذه الأخيرة تجلبه جلبا و تحضره عنوة . كلا من جاك بلدان ووليام هلتن رويا ذلك فى كتابهما بشأن الأيام الأولى للثورة الصينية , و كانت النساء تدفع الرجل إلى الحضور و تواجهه بممارسته و إساءته المعاملة و تعلمه أن هذا النوع من الأشياء ينبغى أن يتوقف و أن المجتمع الجديد لا يسمح بمعاملة النساء على ذلك النحو . و أذهل ذلك بعض الرجال إلى درجة أنهم وافقوا على الإلتزام بما قالته النساء . و سخر رجال آخرون من النساء و بصقوا عليهن و قالوا :" بأي حق تأمروننى أنتن النساء الغبيات بما أفعل ؟ " فى هذه الحال كانت النساء تمارس شيئا من السلطة البروليتارية فيذيقونه الأمريين إلى أن يتوسل الرجل العفو و يعد بوضع حد لمعاملة زوجته على ذلك النحو . و يعود بعض الرجال ‘لى منازلهم و يخجلون حقا من معاملة نساءهم على تلك الشاكلة أو يصبحون يخشون للغاية غضب النساء أو ربما حدث كلا الأمران معا بحيث يتغيرون . و بالنسبة للآخرين ،تطلب الأمر لقاءات متكررة مع منظمات النساء . و مثلما تتصورون حين أخذ هذا فى الحدوث ، لم يؤثر فقط على إمرأة واحدة أو عائلة واحدة فالأخبار تنتقل زو قد كان ذلك محور صراع كبير و نهوض كبير و فوضى كبيرة فى العائلات و فى التجمعات السكانية . هنا تتصرف النساء بطرق مطلقا غير مسبوقة و لم تخطر على البال لمئات السنين فى الصين . عبلر مثل هذه التجمعات ل"التحدث عن المرارة" غدت النساء الصينيات تدرك أنه لم يكن "مصير"ها الفردي أن تعيش مثل هذه الإساءة فى المعاملة و بهذا تحررت النساء فعلا . كانت بعضهن خائفات فى البداية و لم تود التصريح بمكنوناتها أو لم تود أن تتورط لكن المرور عبر هذه السيرورة ، سيرورة كل من النقاش و الصراع المترويين مع الناس و كذلك ممارسة السلطة البروليتارية إذا أردتم تسميتها هكذا ، جعلا النساء تشرع فى رفع رؤوسهن و ترفض القبول بما إضطرت لإحتماله فى المنزل لسنوات عدة . و طفقت أيضا تنظر إلى أن طريق تقدم نساء الصين هو الطريق الشيوعي .
حينما كان الجيش الأحمر للعمال و الفلاحين يمر عبر منطقة ، كان الناس فى البداية ، يشكّون – آه ، إنه لن يفعل شيئا اتغيير وضع الفلاحين ، لقد رأينا ما تفعله الجيوش قبلا : النهب و السلب و ملء الجيوب إلا أنه مع أخذ العلاقات الجوهرية فى التغيير و رؤية الناس حياتهم الخاصة تتبدل بفضل هذا الجيش و قيادة الحزب الشيوعي الذى يمثله ، عندئذ يصبحون من أشد مناصري الثورة و كانت النساء ضمن الأشد مناصرة للثورة .
سؤال :
أعتقد أن الجملة المتداولة لدى الفلاحين هي : لقد تبادلت السماء و الأرض المواقع .
جواب :
هذا صحيح و بالمناسبة ، أحد الأشياء التى قامت بها هذه النساء هو الذهاب و الصراع مع الرجال ليلتحقوا بالجيش الأحمر . و عدد من النساء كذلك إلتحقت بوحدات المليشيا التى كانت جزءا لا يتجزأ من الثورة الصينية .و حدث أمر آخر فى الحال هو أن المساواة القانونية كانت مضمونة بما فى ذلك ضمان حق المرأة فى الملكية الخاصة وهو ما لم يكن مسموحا به فى السابق . عندما إفتكت الثورة السلطة عبر البلاد بأسرها فى 1949 ، جرى تغيير القوانين لتمتيع النساء بالمساواة مع الرجال على جميع المستويات .
و صدر قانون زواج جديد جاعلا من الطلاق إمكانية تلجأ إليها المرأة عند الحاجة . فى السابق كان من اليسير على الرجال طلاق النساء و لكن كان من العسير على النساء طلاق الرجال.غير أنه دون الإستنهاض الحقيقي للشعب ،لا سيما النساء من الأسفل ، لم تكن هذه القوانين لتعني الكثير . إصدار هذه القوانين كان فقط خطوة أولى فى سيرورة تحرير المرأة . ما قاله ماو فى حوار فى منتهى الأهمية هنا : " بالطبع ، كان من الضروري تمتيع المرأة بالمساواة القانونية بداية . لكن إنطلاقا من ثمة يبقى كل شيئ للإنجاز فالأفكار و الثقافة و التقاليد التى أدت بالصين إلى حيث ألفيناها ينبغى أن يطاح بها و الأفكار و التقاليد و الثقافة البروليتارية الصينية التى لا توجد بعدً ينبغى أن تبرز . المرأة الصينية لا توجد بعدُ ضمن الجماهير إلا أنها تبدأ فى فرض وجودها و بالتالى ليس تحرير المرأة صناعة آلات غسيل ."
للعودة إلى مسألة التغييرات فى العائلة ، إشتغل الصينيون على الأشياء من جانب القاعدة المادية للتغييرات – عمل النساء و خارج المنزل– وكذلك من الجانب الإيديولوجي و الثقافي و التعليمي إلخ .مثلا ، تحدثنا إلى عمال فى مصنع إصلاح قاطرات بننكو ، مصنع خارج بيكين حيث بلغ العمال مستوى عال من الوعي السياسي فى مجرى النضال أثناء الثورة الثقافية . لقد صرحت لنا عاملة " فى الماضى ، كان الرجال و النساء سياسيا متساويان ،بيد انهم لم يكونوا كذلك إقتصاديا . لم تكن النساء تشتغل . فكان الرجل: يعود على المنزل و يمسى غير راض إذا صرخ الأطفال أو إذا لم يكن الطعام لذيذا . و الآن يعود الرجل و المرأة معا إلى المنزل و عليهما أن يعتنيا معا بالمنزل. "
سؤال :
أجدنى أتذكر و أنت تتحدثين أننى عملت فى مصنع هنا يشتغل فيه النساء و الرجال جنبا إلى جنب و يعودون للمنزل ليلا بيد أن المرأة تمضى وقتها بالفعل فى إعداد العشاء الجماعي اللذيذ بينما يحتسى الزوج جعة باردة و ينام قبالة التلفاز . و عليه عليك أن تتوسعى أكثر فى المسألة .
جواب :
حسنا ، ينبغى النظر إلى المسألة من عدة أوجه ، و بالخصوص البنية الفوقية ،عبر التربية و الثقافة و المعركة الشاملة ضد الأفكار القديمة و التقليدية حول أدوار الرجال و النساء . و كان هذا مظهرا هاما من مظاهر الأعمال الثقافية الجديدة التى شاهدناها فى الصين
لأول مرة فى التاريخ فى مثل هذه الطريق الكبرى ، كان العمال و الفلاحون هم الشخصيات القيادية على المسرح . كانوا يناضلون من أجل تغيير أنفسهم و تغيير المجتمع ،خائضين معارك شرسة مع العدو الطبقي . ثمة روايات عن الثورة الصينية و كذلك عن معارك تغيير الأشياء آنذاك ، خلال الثورة الثقافية . و لعل الأكثر لفتا للنظر هو أن فى كل إنتاج من هذه الإنتاجات الثقافية هنالك شخصية نسائية قيادية قوية ، عادة الشخصية الرئيسية القيادية . هذه المرأة هي قائدة حزبية محلية أو قائدة مليشيا أو فلاحة عادية تصير قائدة . قد يكون القراء مطلعين على بعض هذه الأعمال الفنية . و إذا لم يكونوا مطلعين فعليهم بالتأكيد بمشاهدة أشرطة فيديو "فيلق النساء الحمر" و "الفتاة ذات الشعر الأبيض ". لقد شاهدنا بعض الأعمال الفنية التى عرضت شعبيا فى الغرب حينذاك ،على غرار باليه "فيلق النساء الحمر" .
و بعض الأعمال الفنية التى شاهدنا فى هذه "التربصات الأولية " ذهبت حتى أبعد من السابقة فى ما يتصل بالمعالجة المباشرة لمسألة قيادة المرأة و سلطتها . فمثلا فى عمل من الأ8عمال ، "جبال آزالايا" نجد مشهدا خلاله كا الفلاحون الذكور مضطرين لإتباع قيادة إمرأة , فلاح آخر إكتشف لاحقا أنه يعمل لصالح اليمينيين إستغل الوضع و قال "من أنتم ؟ كنتم أقوياء و مستقلين و الآن تستمعون إلى إمرأة ؟ " و هكذا يمكنكم رؤية أنه حتى فى 1971 حين كنا هناك ، ظل الصراع حول دور النساء جزءا أساسيا من معركة التغيير الشامل للصين .
الأهمية الأساسية لهذه الأعمال هي أنها تقدم و تنشر وجهة نظر شاملة جديدة للإنسانية و دور الناس فى المجتمع وهي ذات قيمة فنية عالية . فنزلت بردا و سلاما على قلوب الجماهير الشعبية التى أحبتها . و رأينا الفرق المسرحية الهواة تعرضها عبر البلاد . "فيلق النساء الحمر " ، مثلا ،عرضت "فيلق النساء الحمر " ،باليه و كذلك أوبيرا ن فى المعاهد من قبل فرق شبابية و من قبل أعضاء الكمونات إثر العمل فى الحقول . لقد برز إنفجار حقيقي للإبداع الثقافي و الطاقة الشعبيين . ولم يكن ذلك فى المسرح فحسب ففى الريف ، كان الفلاحون يعتبرون فى السابق غير مثقفين و لا ينبغى بالتالي أن يحملوا فرشاة رسم فنى بأيديهم . لكن فى الصين الثورية رأينا فلاحين لا يمسكون فرشاة رسم فني بأيديهم فحسب و غنما رأيناهم يبدعون أعمالا فنية جلبت إهتمام العالم برمته آنذاك . و قد تمكننا من مشاهدة عديد الأعمال الثورية الجديدة التى كانت تبدع و التى قادت إبداعها تشانغ تشنغ (++) .
و لم يقع فقط تصوير المعركة حول دور المرأة فى هذه الأشكال من التعبير الفني و إنما كان إبداعها منذ البداية معركة . لم يكن الأمر يعنى أن تشانغ تشنغ كانت تأتي لتعمل مع الفرقة و تعد معهم العمل ثم يعرضونه لكن وجدت معارضة و صراعا شرسين لتغيير أشكال التعبير الفنثية التقليدية – مثل أوبيرا بيكين التى عاشت لمئات السنين – و ذلك لأجل نشر أفكار المجتمع الجديد و قيمه و أهدافه ،و من هنا المساهمة فى دفع عجلة الثورة إلى الأمام .
إعتمادا على بحث أجرته تشانغ تشنغ متنقلة عبر البلاد و مشاهدة ما كان يعرض فى مسارح الصين ، علق ماو أنه إذا لم يجرى تغييرها فإن وزارة الثقافة يجب أن تدعى وزارة الموهبة و الجمال أو وزارة المومياءات الغربية . و كان هذا فى حد ذاته مذهلا خاصة أنه أتى بعد سنوات من الثورة .إن المعركة ضد الأفكار القديمة و الطرق القديمة فى صنع الأشياء و ضد فكرة أن بعض الأشكال الفنية لا يمكن المساس بها و ضد أنه لا يمكن فعلا مسرحة الصين الجديدة ، كانت معركة شرسة للغاية . و قد نهضت تشانغ تشنغ بدور محوري ليس فى البحث فحسب بل أيضا فى قيادة الصراع لتغيير الأوضاع . و قد لاقت معارضة شرسة بالضبط من أولئك الذين إغتصبوا السلطة إثر وفاة ماو و سجنوها هي و رفاقها الثوريين .
نلمس إذا أن ثمة علاقة حقيقية بين ما يصوّر على المسرح و ما يجرى فى المجتمع . مشاهدة نساء قويات على الركح و مشاهدة "فيلق النساء الحمر " حيث ترقص النساء و البنادق بأيديهن كان لها تأثيرها على النساء الشابات اللاتي شكلت فرق البنات الحديدية ،مثلا . لا أعتقد حقا انه كان بالإمكان الحصول على تغييرات على غرار مصانع نساء المنازل و فى العائلات إذا لم تكن لديك هذه الصور و المعارك ف5ى البنية الفوقية بصدد الدور الذى على النساء أن تضطلع به . لقد حررت النساء بفضل كل هذا – بالضبط تحررت فى الأيام الأولى للثورة عبر "الحديث عن المرارة " – لكسر الحدود التقليدية حتى أكثر و النهوض بأدوار قيادية فى تثوير المجتمع برمته .
--------------------------
ملاحظة : تشانغ تشنغ قائدة ثورية صينية عظيمة . تزوجت ماو و لعبت دورا حيويا فى الستينات و السبعينات فى الثورة الثقافية و فى المعركة الكبرى الأخيرة ضد دنك سياو بينغ . وقع أيقافها و سجنها بعد وفاة ماو فى 1976 و الإنقلاب التحريفي البرجوازي و بعد أربع سنوات ،تحدت بجرأة جلاديها أثناء محاكمتها فزلزلت العالم زلزلة . توفيت فى السجن فى ماي 1991 فى ظروف تبعث على الريبة .
6- معطيات و أرقام من كتاب "25 سنة من الصين الجديدة "
و إليكم الآن معطيات و أرقام مفيدة تساعد على تفنيد دعاوى جميع التخريجات المناهضة للماوية و للثورة الثقافية (دعاوى التخريجات البرجوازية منها و التحريفية و التروتسكية و الخوجية المفضوحة و المتسترة ) .و هذه المعطيات و الأرقام التى تبين مدى التطوير الماوي للبناء الإشتراكي و خدمته للشعب و مدى صحة مقولة "القيام بالثورة مع دفع الإنتاج "كجزء من النظرية الماوية لمواصلة الثورة فى ظل دكتاتورية البروليتاريا إستقيناها من كتاب " 25 سنة من الصين الجديدة " الصادر عن منشورات باللغات الأجنبية ،بيكين 1975 أي أثناء الحقبة الماوية و قبل الإنقلاب التحريفي و صعود البرجوازية الجديدة إلى السلطة فى 1976 ( الطبعة الفرنسية ).
---------------------------------------------------------------------------------------------------------------
من نص : لنتقدم على الطريق الواسع للإشتراكية !
-- ص3 : شدد الرئيس ماو على أن " الإشتراكية فقط بإمكانها إنقاذ الصين "
-- ص3-4 : قال الرئيس ماو : " لأجل أن نشيد نظاما إجتماعيا جديدا عوض النظان القديم ، يجب أولا أن نزيح العوائق من الطريق . إن بقايا الإيديولوجيا القديمة التى تعكس النظام القديم تبقى بالضرورة و لمدة طويلة فى أذهان الناس ،إنها لا تمحى بسهولة ."
-- ص5 : ... و هذا بغاية خدمة الصراعات الطبقية القائمة و مقاومة التحريفية و التصدى لها و تعزيز دكتاتورية البروليتاريا . و أثناء المعارك ، ينبغى كذلك أن نحرص على تكوين عمال مسلحين بالنظرية الماركسية و على توسيع صفوفهم . علينا ،من خلال نقد لين بياو و كنفيشيوس أن نرفع أكثر من مستوى وعينا بشأن صراع الخطين و أن ندفع تقدم الصراع-النقد-التحويل على الجبهات كافة و أن نتمسك حتى بأكثر صلابة بالتوجه الإشتراكي .
-- ص5 : فتح النظام الإشتراكي حيث تكرس البروليتاريا دكتاتوريتها أفاقا واسعة لتطوير الإنتاج حسب مبدأ كمية ، سرعة ، نوعية و إقتصاد .
-- ص 6 : بقيادة الخط الثوري البروليتاري للرئيس ماو ، يجب أن نوطد التضامن الثوري الكبير للحزب بأسره ، للجيش بأسره و لشعب البلاد باسرها . يجب أن نتعلم كيفية معالجة المشاكل بالطريقة الجدلية ل"إزدواج الواحد"، و أن نطبق فعليا امختلف الإجراءات السياسية البروليتارية التى حددها الرئيس ماو و أن نميز بصرامة بين النوعين من التناقضات ذوى الطبيعة المختلفة و أن نعالجهما بطريقة صحيحة و أن نوحد- أكثر من 95 بالمائة من الكوادر و الجماهير ...
من نص : إقتصاد إشتراكي صلب :
-- ص12 : سجلت الثماني سنوات الممتدة بين 1965و 1973 إنتاجحبوب (بأرقام مطلقة ) أعلي من الإنتاج المتحصل عليه خلال الخمس عشرة سنة الممتدة من 1950 إلى 1965 . فى 1973،القيمة الجملية للإنتاج الصناعي تضاعفت و أكثر نسبة لإنتاج 1965 .
-- ص 15 : مقارنة ب1949 ، تضاعف و أكثر إنتاج الحبوب و شهد إنتاج الزراعات الموجهة للصناعة هو أيضا إرتفاعا معتبرا. وفر التطور الفلاحي المواد الأولية و مخرجا للفلاحة الخفيفة التى شهدت بدورها تطورا مناسبا : قيمة إنتاج الصناعة الخفيفة فى 1973 تضاعف لأكثر من عشر مرات نسبة ل1949 . و وفر تطور الفلاحة و الصناعة الخفيفة مخرجا للصناعة الثقيلة و الأموال الضرورية لتطورها .
من نص : تطور طاقة إستغلال الموارد المنجمية :
ص 17 : فى السابق، كان للصين حوالي 200 تقني و 800 عامل يشتغلون فى التنقيب الجيولوجي . و اليوم تضاعف عددهم مئات المرات : للصين الآن عشرات الآلاف من التقنيين و مئات الآلاف من العمال مشكلين مئات الفرق الجهوية للبحوث الجيولوجية و التنقيب المنجمي و الإستكشاف الجيولوجي للبترول و النقيب الجيوفيزيائي و فرق الهدروجيولوجيين و المهندسين الجيولوجيين .
من نص : صناعة بترولية فى إزدهار :
-- ص 21 : منذ التحرير أرست الصين قواعد صناعة بترولية عصرية نسبيا كاملةو إنتاجها فى الوقت الراهن ، قادر على تلبية حاجيات الإقتصاد الوطني المتزايدة بإطراد سواء من ناحية الكمية أو النوعية أو التنوع .
-- ص 23 : لقد أنجزت مهام الصناعة البترولية التى حددها المخطط الخماسي الثالث (1965-1970 ) منذ 1968 ، أي قبل سنتين .
من نص : آلات و تجهيزات صنعت بالتعويل على القوى الذاتية .
-- ص 27 : فى 1973 ، إنتاج التجهيزات المعدنية و المنجمية إرتفع على التوالي ب4 و 4.5 مرات و إنتاج السيارات و الآلات – الأدوات و التجهيزات البترولية و التجهيزات المخصصة لمراكز توليد الكهرباء من 1.7 أو بأكثر بقليل من 6 مرات نسبة إلى 1965 .
-- ص 27 : فى 1973 ، إنتاج الآلات الرئيسية الفلاحية مثل الجرارات و الدارسات و محركات الري و تجفيف المستنقعات و الحاصدات و آلات معالجة المنتوجات الفلاحية و الثانوية ، كلها إرتفعت بدرجات ذات دلالة ( تضاعفت لعدة مرات أو لعشرات المرات ) نسبة ل1965 .
من نص: إزدهار صناعة السفن :
مركز صناعة السفن فى هوتانغ بشنغاي الذى كان فى الصين القديمة لا يفعل سوى إصلاح السفن البوخارية قادر اليوم على التخطيط و على صناعة سفن كبيرة حمولتها تصل إلى 25 ألف طن .
من نص : لماذا نطور مؤسسات صناعية صغيرة الحجم :
-- ص38 : عرفت اصناعات الحديد الصغيرة الحجم هي أيضا تطورا كبيرا . فى1973 ، تضاعف إنتاجها الفولاذ ثلاث مرات نسبة ل 1966 تضاعف إنتاج الحديد أربع مرات .
-- ص 41 : فى منطقة الحكم الذاتي بالتيبت ، أنشأت حوالي 200 مؤسسة صناعية .
من نص : من مدينة إستهلاكية أصبحت بيكين مركزا صناعيا :
-- ص 43 : فى 1973 ، إرتفعت القيمة الجملية للإنتاج الصناعي ب110 مرة نسبة ل1949 متجاوزة القيمة الجملية المسجلة منذ 25 سنة للإنتاج الصناعي فى البلاد فى مجملها لسنة واحدة .
-- ص 47: فى 1973 ، تضاعفت القيمة الجملية للإنتاج الصناعي للمدينة ثلاث مرات نسبة لسنة 1965 التى سبقت الثورة الثقافية .
من نص : تحويل الصناعة فى شنغاي و تطويرها :
-- ص 50 : منذ 25 سنة ، شهدت الصناعة تطورا سريعا . فى 1973 ، إرتفعت القيمة الجملية للإنتاج الصناعي ب 16 مرة نسبة إلى سنة 1949 سنة التحرير و تضاعفت نسبة لسنة 1965 . فى مجمل الصناعة ، حصة الصناعة الثقيلة مرت إلى أكثر من 54 بالمائة فى 1973 مقابل 13.6 بالمائة فى 1949.
-- ص 53 : خلال المخطط الخماسي الثالث لتطوير الإقتصاد الوطني من 1966 إلى 1970 إرتفعت القيمة الجملية لصناعة المدينة ب68 بالمائة نسبة للخمس سنوات السابقة على الثورة الثقافية ... و القيمة الجملية لإنتاج المدينة تضاعف فى 1973 نسبة ل1965.
من نص : نجاح المكننة الفلاحية :
-- ص 60 : منذ الثورة الثقافية الثقافية البروليتارية الكبرى ، يتطور بناء الآلات الفلاحية بسرعة مسرعا مكننة الفلاحة فى البلاد ... نسبة إلى 1965 ،تضاعف الإنتاج فى 1973 ب5 مرات بالنسبة للجرارات و ب31 مرة بالنسبة للحاصدات .
-- ص 61 : فى 1973 ، تم إنتاج أكثر من 1500 نوع من الأجهزة و الآلات الموجهة للفلاحة و عدد كبير منها له إستعمالات مختلفة .
من نص : بناء القنوات المائية على نطاق واسع :
-- ص67 : فى ال25 سنة الأخيرة شهدت الصين إتساعا لمساحة أراضيها السقوية .اليوم ،فى عدد معين من المحافظات و الجهات ، لا سيما فى الجنوب ، تمثل الأراضي السقوية نصف المساحة الجملية للأراضي الزراعية. و تلك الموجودة فى ضواحي بيكين و شنغاي بلغت على التوالي 66 و 95 بالمائة . الآن ،كل محافظة و كل بلدية و كل جهة ذات حكم ذاتي أنشأت مساحات واسعة تضمن محصولا جيدا مهما كانت الظروف المناخية . ..
و القدرة الجملية للتجهيزات المائية الكهربائية تجاوزت 30 مليون حصان وهو ما يمثل تقريبا أربعة أضعاف ما كانت عليه سنة 1965 ، السنة السابقة للثورة الثقافية .
-- ص 68 : فى 1973 تم حفر 330 ألف بئر جديدة و هو رقم قياسي.
من نص : الإكتفاء الذاتي فى الحبوب :
-- ص 74 : فى ربع قرن حل الشعب الصيني مشكلة النقص الغذائي التى كانت تتهدده على الدوام لآلاف السنين .
-- ص 80 : خلال ثماني سنوات ، من 1965 إلى 1973 ، تجاوز إنتاج الحبوب إنتاج ال15 سنة (1950-1965) السابقة على الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى .
من نص : لا تضخم مالي فى الصين :
-- ص 84 : فى الصين الدولة هي التى تحدد الأسعار .وهي التى تزود بإستمرار السوق بالبضائع بأسعار قارة ،مما سمح بتحقيق إنتاج و بناء مخططين و بضمان حياة مستقرة للشعب .منذ بضع و عشرين سنة ،المواد و المنتوجات ذات الضرورة الملحة و نقصد الحبوب و القطنيات و الملح و الفحم ظلت أسعارهم قارة . و أسعار عدد معين من السلع و منها الأدوية و الأدوات المكتبية و المدرسية تراجعت بصفة محسوسة .
من نص : الثورة فى مجال التعليم :
-- ص 88 : حوالي 90 بالمائة من الأطفال فى سن الدراسة يلتحقون بالمدرسة .
-- ص 89 : التعليم فى الصين لم يعد مسؤولية المدرسة فقط . فالعمال و الفلاحون و مقاتول جيش التحرير و كوادر إدارات الدولة و موظفو التجارة و سكان الأحياء يثرون ثقافتهم و يدرسون النظرية الثورية أثناء أوقات فراغهم أو جزء من وقت العمل فى فى أشكال مختلفة من تنظيمات الدراسة و منها التربصات القصيرة المدى و المدارس الليلية التى توفر دروسا سياسية . كل المجتمع صار مدرسة واسعة .
و الثورة فى التعليم التى بدأت و تطورت فى مجرى الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى تتواصل دوما على نطاق البلاد برمتها . و مهمتها الجوهرية هي إصلاح النظام التعليمي القديم وفق المبادئ و الطرق على ضوء التوجه الذى صاغه الرئيس ماو :" ينبغى أن يخدم التعليم السياسة البروليتارية و أن يتضافر مع العمل المنتج "و " يسمح لمن يتلقونه بالتكوين على المستوى الأخلاقي و الفكري و الجسدي ليصيروا عمالا مثقفين ذوى وعي إشتراكي" .
من نص : نظام طبي و صحي من نوع جديد :
ص99-100 : وهكذا كرس عمليا خط خدمة جماهير العمالو الفلاحين و الجنود و حدثت تغييرات عميقة فى الأرياف مع ظهور "الأطباء ذوى الأقدام الحافية " و تركيز سريع و شامل لنظام صحي تعاوني .
هذا النظام الصحي الجديد المعتمد على تعاون الفلاحين و على تنظيم جديد للعيادة الطبية يشتغل كالآتى : يجب على كل منخرط أن يدفع سنويا مساهمة عموما يوان واحد ( ما يعادل 50 سنت دولار أمريكي ) ليتلقى علاجا مجانيا فى مستشفى فرقة الإنتاج . و إذا ما تم نقله إلى مستشفى أعلى من مشتشفيات الكمونة فإن تكاليف العلاج يتولاها كليا أو جزئيا النظام التعاوني .
"الأطباء ذوى الأقدام الحافية " المنتشرينفى كل أنحاء القرى يعدون أكثر من مليون نفر. مختارين من ضمن أعضاء الكمونة الشعبية و المتحصلين على شهادات التعليم الثانوي ، لا يقطعون مع الأعمال الفلاحيةو يعرفون إذن جيدا الأمراض التى يشكو منها عادة الفلاحون و الإجراءات التى ينبغى إتخاذها للوقاية منها و لعلاجها . إليهم يضاف أكثر من 3 ملايين عامل صحي و قابلات مختصين فى الريف: قوة طبية أساسية فى العالم الريفي . "
-- ص 100 : منذ بداية الثورة الثقافية ، توجه جماعات كبيرة من الأطباء إلى الريف إما فلإقامة فيه أو لإجراء جولات .و إتخذت المعاهد الطبية توجها جديدا معطية الأولوية للريف فى ما يتصل بالإنتداب و توزيع المحرزين على شهائد و تحسين مردود العاملين بالمجال الطبي . أما البحث الطبي ، فشدد على معالجة الأمراض المنتشرة و النظريات الأساسية المتعلقة بها . فضلا على ذلك و لتعزيز البنية التحتية الريفية فى ما يتعلق بالصحة ، تقدم الدولة إعانات مادية و مالية ضخمة . و الأدوية و المنتوجات البيولوجية و الأجهزة الطبية تصنع بكميات كبيرة بغاية تزويد الريف و أسعارها تراجعت بدرجات معتبرة , فأسعار الأدوية مثلا ،صارت خمس ما كانت عليه غداة التحرير . "
-- ص 102 : إن الحملة الوطنية من أجل النظافة التى شنت بمبادرة من الرئيس ماو غدت مهمة مستمرة ليس للعمال فى الصحة و كوادر كافة القطاعات فحسب و إنما مهمة الشعب بأسره .
-- ص 103: مزج الطب التقليدي و الطب الغربي يمثل فى الصين توجها يحتذى لتطوير العلم الطبي و الصيدلة الصينيين من نص : الأقليات القومية ،الأمس و اليوم .
-- ص 105 : تمارس الصين سياسة مساواة بين كافة القوميات . تعد الصين فى الجملة 55 قومية ( بما فيه الهان ) ، يعيشون مهما كانت أهميتمه العددية فى مساواة ووحدة و يتعاونون و يتعاضدون للتقدم المشترك ،واضعين هكذا حدا لماضى كانت فيه الشعوب جميع القوميات فريسة لإضطهاد لا محدود من قبل الإمبرياليين و رجعييى الكومنتنغ و الطبقات المهيمنة المحلية لنفس القومية .
-- ص 109 : فى السابق ، لم تكن لدي بعض القوميات لغة مكتوبة. و بعد التحرير ، ساعدتهم الدولة على إيجاد لغات مكتوبة .
-- ص 110 : فى الماضى ، كان رجعيو الكومنتنغ يمارسون سياسة تفرقة عنصرية تجاه الأقليات القومية و يستغلونها بفظاعة فى تحالف مع الإمبرياليين وهو ما تسبب فى تخلف الأقليات القومية على كافة المستويات , و إثر بناء الصين الجديدة ، إتخذت الحكومة الشعبية جملة من الإجراءات و قدمت لها مساعدة و إهتماما خاصين لتسمح لها بتطوير إقتصادها و ثقافتها بنسق أسرع من المناطق الداخلية التى يقطنها الهان : إستثمارات أكثر أهمية فى البناء و منح و تخفيضات فى الأداءات أو إعفاءاتو تزويد متصاعد بالمواد و إنتاج مواد تتناسب مع إحتياجاتها الخاصة و بعث عمال مختصين و فلاحين محنكين و أطباء و مدرسين..."

من نص : موقع النساء و دورهن فى المجتمع اليوم :
-- ص 113: منذ نشأة الصين الجديدة ،بفضل التربية و حث الحزب الشيوعي و الحكومة الشعبية ، كبرت عديد الكوادرالنساءفى ظروف جيدة . لم تكن قط النساء القادرات و اللامعات على هذه الكثافة العددية على جبهات الثورة و البناء الإشتراكيين . عدد كبير من النساء النخبة إنخرطت فى الحزب وفى المؤتمر العاشر للحزب الشيوعي الصيني المنعقد فى 1973 ، كانت النساء تمثل 20 بالمائة من العدد الجملي للمندوبين و 12 بالمائة من أعضاء و نواب أعضاء اللجنة المركزية المنبثقة عن المؤتمر العاشر للحزب .
و اليوم ، عديدة هي النساء اللاتى تضطلع بالمهام القيادية فى أجهزة القيادة المركزية للحزب و للحكومة ،و فى مختلف المستويات المحلية و فى المصانع و الاكمونات الشعبية و المغازات و المصانع.























الفصل السادس
إلى الأمام على الطريق الذى خطه ماوتسى تونغ
( ملاحظة : 1- عوض مصطلح فكر ماو تسى تونغ بالماوية حيث لا يدخل تعديلا على معنى الجملة – المترجم .
2- الوضع العالمي الحالي ليس نفس وضع 1986)
----------------------------------------------------------------------------------------------------------
صاغت لجنة الح الأ الث هذا الخطاب من أجل أن يتم إلقاؤه فى الإجتماعات و أن تستعمله فى مختلف نشاطاتها الأحزاب و المنظمات التى تساهم فى الحملة العامية الراهنة تحت شعار " إلى الأمام على الطريق الذى خطه ماوتسى تونغ" .
----------------------------------------------------------------------------------------------------------
أيها الرفاق، أيتها الرفيقات
مرت عشر سنوات على وفاة ماو تسى تونغ و عشرون سنة على عواصف الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى . لا يمثل ماو و الثورة الثقافية سوى ذكرى شباب بعيدة بالنسبة للعديدين الذين يناضلون اليوم فى سبيل الثورة ،أما بالنسبة للآخرين ،الأكبر سنا ،فهما يمثلان الصورة الحمراء الساطعة للسلطة البروليتارية فى الصين كما يمثلان الطاقة الثورية التى أطلقها ماو تسى تونغ وهي جميعها محفورة إلى الأبد فى الذاكرة .
و اليوم لم لم تعد الطبقة العاملة و الشعوب المضطهَدة تملك دولة خاصة بها و لم يعد لديها أي بلد أين يمكن أن يشرع فى البناء الشيوعي .لا ، العالم اليوم بالتمام بين أيدى نهابين إمبرياليين و حلفاءهم ،الجماعات الرجعية من دمى و طغاة . لقد وعينا فى مناسبات عدة أن الوضع هو جوهريا ، ذاته فى ما يدعى أنه "معسكر إشتراكي " فهناك أيضا ، واجب العمال و الفلاحين هو الإنتاج و تطبيق الأوامر و الخضوع للإضطهاد و الإستعداد للقيام بحرب بإسم مستغليهم هم .
يالها من مسافة هذه المسافة التى تفصلنا عن صين عشر سنوات خلت ، لما كانت السلطة بأيدى طبقتنا !
بوضوح ، لا يجب علينا أبدا أن نسمح للإمبرياليين و الرجعيين أن يسيؤوا إلى ذاكرة أعظم منجزاتنا . فالطبقة العاملة و مضطهَدى كافة البلدان فى حاجة الآن أكثر من أي وقت مضى للثقة و للقوة و للبديل الناجمين عن تراث حركتنا .و حاليا ، واحدة من أهم المهام هي مواصلة القتال و الفاع عن أعظم ما توصلت إليه طبقتنا و رفعه عاليا . بيد أن هذا غير كاف بالمرة لأن هدفنا ليس شيئا آخر سوى خوض النضال فى سبيل الشيوعية فى أي مكان من العالم ، و من هنا أتى شعار "إلى الأمام على الطريق الذى خطه ماو تسى تونغ " شعار الحملة التى يشنها الشيوعيون الثوريون الحقيقيون على كافة القارات.
كنا أكدنا أنه " تستحيل هزيمة التحريفية و الإمبريالية و الرجعية عموما دون الإعتماد على مساهمات ماو تسى تونغ" و هذا قبل حتى تشكل الحركة الأممية الثورية ،أي خلال الندوة الأولى للإحزاب و المنظمات الماركسية-اللينينية التى إنعقدت فى 1980 . و هذا التاكيد ما زال صحيحا بعدُ. فدون الماوية سنظل نتخبط و سنصاب بالضياع . بالطبع ،سيستمر الصراع الطبقي و بالطبع ستستمر الجماهير الثورية فى الإنتفاض و حتى ستخوض النضال المسلح لكن بالرغم من هذه الجهود البطولية لن يُسمح للجماهير الشعبية أن تأخذ بيدها مصيرها و أن تشرع فى تشييد مستقبلها هي لأن فقط الماركسية-اللينينية –الماوية بإستطاعتها أن تطلق إندفاع النضال الأصيل و الواعي و الثوري ، هذه الإيديولوجيا فقط هي التى ستخول لنا أن نفرق بين الأصدقاء و الأعداء و من هنا بالذات ستسمح لنا بتحديد طبيعة الثورة و مهامها .
و اليوم بينما تحتد تناقضات النظام الإمبريالي حيث لم يفتأ خطر حرب عالمية يتصاعد من جهة و إمكانيات الثورة تتضاعف من جهة أخرى ، ستكون الماوية حاسمة فى إنتصار الثورة أو إخفاقها . لقد واصل ماو تسى تونغ العمل الذى شرع فيه ماركس و إنجلز و لينين و ستالين . إذ دافع عن الماركسية –اللينينية فى وجه الهجمات التحريفية المعاصرة المتمحورة حول مجموعة المرتدين الذين سرقوا السلطة فى الإتحاد السوفياتي . و أورثنا جملة مسائل مطروحة على الحركة الشيوعية فى الصين و فى العالم . و أهم مساهمات ماو تسى تونغ[ فى علم الثورة البروليتارية العالمية ] كانت تحليله للتناقض فى صلب المجتمع الإشتراكي ذاته و من ثمة تطوير نظرية – و مممارسة!- مواصلة الثورة فى ظل دكتاتورية البروليتاريا . ( سنعود لاحقا إلى هذه المسألة ).

و الذين يدعون الماركسية-اللينينية اليوم دون الدفاع مع ذلك عن ماو تسى تونغ هم إما مخادعون أو جهلة . فمثل هذه النظرة تفقد علمنا الثوري عناصره الأكثر تطورا و تتغاضى عن سلسلة كاملة من الإنحرافات التحريفية التى قاتل ضدها ماو و الإستنتاجات المستخلصة من تلك الصراعات . لغاية فهم لماذا من الصحيح التأكيد على أنه دون الدفاع عن الماوية و دون التشكل على أساسها " " تستحيل هزيمة التحريفية و الإمبريالية و الرجعية عموما " ، من الضروري أن تأخذ بعين الإعتبار بعض المبادئ الجوهرية التى أصبحت الماوية ترمز إليها فى العالم المعاصر .
------------------------------------------------------
غدى ماو تسى تونغ رمزا للنضال المسلح الجماهيري . بناءا على المفهوم الماركسي –اللينيني للدولة ،أدلى ماو بملاحظة عميقة ألا وهي أن " من فوهة البندقية تنبع السلطة السياسية " . لم يسامح أعداء البروليتاريا و من يدعون أنهم أصدقاءها ،أبدا ماوتسى تونغ على أنه بيّن هذه الحقيقة و نعتوه بإفتراء ب "الدموي" . و فى الواقع لم يفعل ماو سوى الحديث بشكل مفتوح عن ما كان دائما ممارسة الطبقات المستغِلة التى تُبقى على هيمنتها بقوة البوليس و السجون و مقاصل الإعدام . مثلما قال ذلك بعدُ ماركس و إنجلز :" يترفع الشيوعيون عن إخفاء آراءهم و مقاصدهم". و فى نفس الإتجاه تجرأ ماو على توجيه نداء لشعوب العالم بأسره لنبذ الأوهام و الإستعداد للإفتكاك السلطة عبر النضال المسلح .
و طوّر ماو النظرية العظيمة لحرب الشعب المرتكزة على تطبيق علم الماركسية –اللينينية خلال السنوات الطويلة من النضال المسلح الثوري فى الصين . و لا يمكن تقليص حرب الشعب إلى مجموعة من التكتيكات و إلى سياسات عسكرية إذ هي التعبير العسكري عن خط البروليتاريا فى البلدان المضطهَدة و هي مفتاح إيقاظ أوسع جماهير المستغَلين و بالخصوص الفلاحين فى ظل قيادة الطبقة العاملة و حزبها .
و شدد ماو على أن :" الحرب الثورية هي حرب جماهيرية ،لا يمكن خوض غمارها إلا بتعبئة الجماهير و الإعتماد عليها.". و حاليا ، يرى البعض ضرورة النضال المسلح ضد الإمبريالية و الرجعية و حتى خنالك من يقومون فى بعض الأحيان بعمليات مسلحة لكن فقط نهج ماو تسى تونغ هو الذى يؤدى إلى إستنهاض الجماهير و يطلق طاقتها و يعتمد عليها . و الإنحرافات الإنتهازية عن النضال المسلح و العمليات المعزولة التى تقوم بها مجموعات من الأشخاص و حتى دفع الجماهير لممارسة عمليات مقاومة مسلحة لغاية أن تستفيد الجماعات الإنتهازية و تستغل تضحيات الجماهير خلال التفاوض الذى ينتهى بالإتفاق مع الرجعيين ، كل هذا لم يكن مقبولا لدى ماو .
حسب ماو يمثل الشعب " الحصن الحديدي الحقيقي" و بالتعويل عليه سيهزم أقوى الأعداء فى حرب الشعب . نحن بعيدين للغاية عن أولئك الذين يدافعون ،دون أي خجل عن أن تحرير الشعوب لا يمكن ان يتحقق إلا بإعانة من الرجعيين .
و شدد ماو على أن الحرب الثورية كانت دائما عبر التاريخ ، قتال المسلَّحين بشكل سيئ ضد أعدائهم . وحتى عندما تعلق الأمر بالدفاع عن الصين الإشتراكية ضد الأعداء الإمبرياليين الأقوياء و المدججين بالسلاح واصل ماو التأكيد على الدور المفتاح للجماهير و إثر ذلك ، لما كان بعض أعلى قادة الحزب الشيوعي الصيني يؤكدون على الدور الحيوي للتسلح العصري أو كانوا مستعدين للإستسلام أمام الإمبرياليين ،نادى ماو الشعب ل"حفر أنفاق عميقة و إنشاء مخازن حبوب فى كل مكان " و بهذه الطريقة للإستعداد لمواجهة أي إعتداء إمبريالي عبر حرب الشعب .
لقد شاهدنا ،هذه السنين الأخيرة إضطرابا فى صفوف أولئك الذين عولوا أساسا على التسلح و التكنيك و الذين تخلوا فى الوقت ذاته عن الدور المحدد للجماهير فى الحرب الثورية . ففى 1966 ، أعطى ماو تسى تونغ نصيحة قيمة لمنظمة تحرير فلسطين مفادها أنه عليها أن تتبع سياسة "تقاتلون على طريقتكم و سنقاتل على طريقتنا" . غير أن منظمة تحرير فلسطين بقيت غير عابئة بهذه النصيحة فعرفت هزائم متتالية إثرها سقطت كمية كبيرة من التجهيز العسكري الذى بيّن عدم صلوحيته ،سقطت بين أيدى العدو الصهيوني خلال إجتياح لبنان فى 1982 .أما بالنسبة لمقاومة الجماهير الشعبية فقد تم تحويل مسارها و أجهضت . لا وجه للمقارنة بين ذلك و بين التقدم الهائل الذى حققه رفاقنا فى الحزب الشيوعي البيروفي و الذين بينوا أنه بتعبئة الجماهير و بالتعويل عليها ، يمكن تحقيق خطوات عملاقة فى حرب الشعب دون قبول و لو رصاصة واحدة من أعداء الثورة !
-----------------------------------------------
و يظل ماوتسى تونغ الآن أيضا رمزا لمناهضة التحريفية المعاصرة التى يقودها الإتحاد السوفياتي و هذا رغم مضي عشر سنوات على وفاته .فماو هو الذى قاد الشيوعيين الحقيقيين عالميا فى فضح الإتحاد السوفياتي و القطع معه بعد أن غير البلد لونه فى 1956 بوصول خروتشوف و عصابته الجديدة من الإستغلاليين إلى سدة السلطة .

لقد رفض ماو أن يستسلم لإبتزاز خروتشوف و عصابته من التحريفيين المتكبرين الذين كانوا ينتظرون منه أن يركع للضغوطات الإقتصادية و العسكرية و أن يتراجع أمام القوى الهائلة لحلفاء السوفيات الذين كانوا موجودين حتى داخل صفوف الحزب الشيوعي الصيني . و بالفعل كان الإسترداد السريع للإخصائيين و إيقاف الإعانة السوفياتية فى 1960 ضربة قاسية للدولة الإشتراكية الفتية . ومع ذلك ، بيّن ماو أنه يمكن تكريس سياسة التعويل على القوى الذاتية و أن الصين كانت قادرة على مقاومة الحصار السوفياتي بنجاح . و على هذا أيضا لن يسامح ماو أبدا .
كانه ماو تسى تونغ يعلن بجلاء معارضته لكافة محاولات إبرام إتفاقيات مع الرجعية ذلك أنه لا يجب إيقاف الثورة من أجل بعض الإصلاحات أو التحصل على مواقع فى الحكومة فكان الإستثناء البارز ضمن من أصبحوا نماذجا عادية للأحزاب الشيوعية و العاملين بإشارات مناسبتية للثورة الإشتلراكية فى الوقت الذى لا يفعلوا فى الواقع سوى عرقلة الإعداد الفعلي و إفتكاك السلطة . و على الصعيد الإيديولوجي ، كان ماو معارضا شرسا للذين كانوا يعلنون أنه ينبغى مراجعة الماركسية –اللينينية (إفهموا "إفراغها من مضمونها الثوري " ). و من خلال عدد من النقاشات التى صيغت تحت إشراف ماو و ذات القيمة العالية ،فضح الحزب الشيوعي الصيني الأسس النظرية للتحريفية المعاصرة ووضع بهذا بالذات أسس الحركة الماركسية –اللينينية المعاصرة .
منذ البداية ، إفترى التحريفيون فىالعالم على الماويين وأهانوهم . و تعاونوا عادة حتى مع الرجعية لمهاجة الثوريين الحقيقيين ،هذا ما فعلوه فى الهند أثناء إنتفاضة نكسلباري و ما يفعلونه الآن فى البيرو . كل هذا لأن الماوية تعنى الثورة بعمق و الذين يعتبرون النضالات الثورية وسيلة بسيطة للحصول على حصتهم من إستغلال العمال و الفلاحين سيرون على الدوام الماوية عدوا مميتا لهم .
-------------------------------------------------------------
فى 1956 ، فاجأ ماوتسى تونغ العالم بتصريحه "ريح الشرق ستتغلب على ريح الغرب " . فرأى أعداءه فى هذا التصريح "حجة " على كرهه للأجانب و تعصبه القومي بينما فى الواقع الأمر عكس ذلك تماما.
وهو على رأس الصين الثورية ،تمكن ماوتسى تونغ من بلوغ نظرة صحيحة و ثاقبة لعصره فى حين كان الإمبرياليون يصرحون بأن اللينينية تجاوزها العصر و أن عصرا جديدا إبتدأ بعدُ هو عصر التحول السلمي للإشتراكية و التعايش السلمي بين الإشترتكية و الرأسمالية . أنكى حتى ، كانوا يدعون أن تطور التسلح الجديد الرهيب جعل من غير الممكن خوض حرب ثورية . على العكس منهم ، إعتبر ماو أن المرحلة منذ الحرب العالمية الثانية تميزت بتحول منطقة الإعصار الثوري من "الغرب " إلأى "الشرق" ( يعنى نحو آسيا و أفريقيا و أمريكا اللاتينية ) و أن تطور الثورة العالمية يرتبط بتطور الثورة فى هذه المناطق .
هذا هو التحليل الذى جعله يستخلص أن ريح الشرق ستتغلب على ريح الغرب . لهذا أيضا إرتبطت صورة ماو بحق بإنتفاضات الشعوب المضطهًدة التى زعزعت آسيا و أفريقيا و آمريكا اللاتينية – منذ إنتصار الثورة الصينية إلى حرب الشعب لتحرير الفتنام. بالنسبة لماو تسى تونغ ، يعد صراع الشعوب المضطهَدة من أجل تحررها جزءا لا يتجزأ من الثورة الإشتراكية البروليتارية العالمية وهي أطروحة دافع عنها طوال الثورة الصينية و تأكدت بالسياسة و الطريق الذين سلكتهما الصين ذاتها إنطلاقا من 1949.
------------------------------------------------------------------------
مثل ماوتسى تونغ أكثر من أي شخصية معاصرة أخرى دكتاتورية البروليتاريا . فقد إنتهى تشانغ تشوان كياو وهو أحد أقرب رفاق ماو تسى تونغ إلى تحديد أن مسألة دكتاتورية البروليتاريا كانت دائما فى محور صراع بين الماركسية و التحريفية حيث ناضل ماو بصرامة ضد أفكار خروتشوف و أمثاله الصينيين الذين دافعوا عن أطروحة " دولة الشعب بأسره "التى تعنى أن الدولة لم تكن لتتميز بدكتاتورية طبقة على أخرى .
و كان ماو يفهم جيدا أنه إما أن تمارس الطبقة العاملة بالتحالف مع شرائح أخرى من الجماهير الكادحة دكتاتورية شاملة على البرجوازية أو أن تسترجع البرجوازية السلطة و تسيطر على الجماهيرالكادحة . إضافة إلى ذلك علمنا ماو أن على البروليتاريا أن تمارس دكتاتوريتها على كافة الأصعدة و بعبارات أخرى أن تجتهد من أجل إحتلال كل القيادات العليا للمجتمع – طبعا السلطة السياسية و لكن أيضا مراقبة الإقتصاد و التعليم و الأدب و الفنون و العلوم و الطب – أي على كل مظاهر الحياة الإجتماعية . و كان يُعلٍّم أن سلطة البرجوازية ستبقى و ستتعزز فى جميع المجالات التى لم تتوصل إليها السلطة البروليتارية و علمنا ماو أن "الحق الجوهري للعمل " (أو البروليتاريا ) هو الحكم. و كان يشدد على أنه دون الإستناد إلى هذا المنظور لن يكون لأي خطاب حول "حق العمل" معنى فى المجتمع الإشتراكي .
خلال الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى ،قاد ماو تسى تونغ البروليتاريا لتفتك عديد المجالات التى كانت تحتفظ بها سابقا و بغيرة السلط البرجوازية و تعتبرها ممنوعة على البروليتاريا كالتعليم العالي مثلا الذى لم يتغير كثيرا منذ الثورة [1949] و إعتُبر حتى فى المجتمع الإشتراكي مخصص ل"لأخصائيين " . و كانت النظرية منقطعة عن الواقع و كان الطلبة رئيسيا من الطبقات القديمة ذات الإمتيازات (او أبناء و بنات الكوادر ) .و كانت الإيديولوجيا البرجوازية لا تزال مهيمنة . و بالفعل لم تكن الجامعات تساعد فى تشييد النظام الإشتراكي بل تكون و تعزز شريحة برجوازية جديدة .
و أثناء الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى دخل العمال المسلحين بالوعي الطبقي الجتمعات و سيروها و بالتحالف مع العناصر الثورية الموجودة ضمن الطلبة و رجال و نساء التعليم تمكنت هؤلاء البروليتاريين الواعين طبقيا من تطبيق علم الماركسية-اللينينية –الماوية ليحولوا ثوريا هذه المؤسسات و ليكونوا بالتالى عوض الأخصائيين القدماء الذين أنتجتهم المؤسسات القديمة "أخصاءيين حمر" جدد و ضار عمال و فلاحون طلبة كانت لهم فى الآن معا رؤية صحيحة عن العالم و مستوى سياسي رفيع و أكدوا هكذا أنهم كانوا قادرين على إستيعاب العلوم و التقنيات الأكثر تطورا .و فى مناسبات عديدة ،بإعتبار إرتباطهم الوثيق بالعمال و الفلاحين و لإعتمادهم الماركسية-اللينينية –الماوية مرشدا لهم كان هؤلاء الأخصائيين الحمر قادرين على تحقيق إنجازات خارقة للعادة كانت "السلط السكولاسكية " تعتبرها مستحيلة .
و كان الأمر كذلكعلى أصعدة أخرى حيث حولت عديد الميادين الثقافية راديكاليا و عليه عندما "غزت" البروليتاريا "الركح" كانت مسألة "لمن؟" قد حسمت بالفعل . لا، لن تبقى ميادين الأدب و الفن ميادينا خاصة بالبعض أين تسمم الأفكار البرجوازية حول الإنسانية و التشاؤم إلخ و أين ،علاوة على كل هذا ،كان الرأي العام يصاغ من أكاذيب لغاية الإعداد لقلب سلطة العمال و الفلاحين . بنداء البروليتاريا الذى لم يحطم فقط الهيمنة البرجوازية بل إنتهى أيضا إلى إنجازات عملاقة لم يسبق لها مثيل فى التاريخ . و هكذا ظهر العمال و الفلاحون على الركح و كانت الإيديولوجيا الماركسية –اللينينية –الماوية تنير مجموعة كاملة من النماذج التى يجب إتباعها فى الأوبيرا و البالي و الموسيقة السمفونية و السينما إلخ .
كل هذه و غيرها من المنجزات الكبرى لسلطة البروليتاريا فى الصين لا تزال تُلهم عمال و فلاحي العالم بأسره الذين لهم إمكانية إكتشافها . إنه لمبعث غبطة بالنسبة للبروليتاريا و لا ينبغى أن نخاف من أن العمال و الفلاحين – و كذلك رؤيتهم للعالم – غزوا أعلى مراكز المجتمع . لكن بالنسبة للرجعيين فى الصين و غيرها ، لا يوجد شيئ أكثر إفزاعا! حين يتحدث الملطخون إلى الأبد بدماء جرائمهم التى لا تحصى ،حين يتحدثون عن ماو على أنه "طاغية " أو "دكتاتور" فإنهم يريدون القول من هنالك أن ماو كان قد مارس الدكتاتورية على "البرجوازية و الرجعيين" . و حين يقولون إن ماو "خنق" العلوم و الفنون فإنهم يشيرون إلى أنه قهر الهيمنة البرجوازية على العلوم و الفنون و فتح المجال أمام العمال و الفلاحينلينجزوا موجة إبداع و تحصيل للمعرفة . هو بالضبط هذا النوع من "الدكتاتورية " و من "الطغيان " هو الذى نحتاجه أكثر فى الصين و فى العالم بأسره!
---------------------------------------------------------
و يرمز ماو تسى تونغ إلى الدور الواعي و الديناميكي للإنسانية فى تحويل العالم . هذا ينطبق على القيام بالحرب كما ينطبق على إقامة بحث علمي و رفع الإنتاج و تحويل الأدب و الفن و على جميع مظاهر السيرورة الثورية .
منذ السنوات الأولى للثورة الصينية ، شدد ماو تسى تونغ على المبدأ القائل بأن على الحزب أن يستنهض الجماهير و أن يستند إليها فى أي ظرف و قد أكد أيضا على أهمية تطبيق الخط الجماهيري وهو مبدأ لن يتخلى عنه أبدا و مبدأ تتصاعد أهميته مع إحتداد الصراع الطبقي طوال المرحلة الإشتراكية بأسرها .
و قد لاحظ ماو أن التقنية و ىلآلات والأسلحة كانت نتاج الإنسان و ترتبط فى آخر المطاف به . و هعذا يتعارض قطعا مع النظرية التحريفية لقوى الإنتاج فى بناء المجتمع الإشتراكي وهي نظرية تدافع عن أن التغيير الإجتماعي يتبَع التقدم التكنولوجي . لهذا لم تعد المهمة هي القيام بالثورة بل رفع الإنتاج و ليس بإمكان البروليتاريا الثورية سوى التطبيق الفعلي لسياسة "الإعتماد على الجماهير " . و هذا بداية لأن " قصر نظر الطبقة "الذى يطال حتى العناصر الثورية للطبقات المالكة ( التى تقبل إيديولوجيا البروليتاريا) يمنعها من رؤية الطاقة الخلاقة و الحيوية الكامنة لدى الجماهير المضطهَدة و المستغَلة . إضافة إلى ذلك و حتى إلى درجة معينة يمكن للبرجوازية أن تعترف بالقوة الكامنة للجماهير (لخوض حرب وطنية مثلا ) و لكن هذه العناصر تخشى تعبئة الجماهير لأنها ( هذه العناصر ) تعلم أن موقعها ذى افمتياز يتطلب أن تبقى الجماهير مكتوفة الأيدى . و كان ماو يدرك أن الثورة فقط بإمكانها أن تكسر أغلال هذه القوة التى خنقتها العلاقات الإجتماعية الإستغلالية و سممتها . و أثناء البناء الإشتراكي مثلا ، أكد ماو أنه من الضروري " القيام بالثورة مع دفع الإنتاج " . و هكذا عبر بطريقة باهرة عن العلاقة بين مواصلة الثورة من أجل دفع متزايد للجماهير نحو الأمام و دكّ الحواجز التى تعترضها فى الطريق ، و على هذا الأساس فقط ، يمكن الشروع بقوة فى بناء سريع للإقتصاد الإشتراكي .
--------------------------------------------------------------------
و جسد ماو قبل كل شيئ الشيوعية . إنها "جريمة " أخرى لن تغفرها له أبدا التحريفية و الإمبريالية و الرجعية . كان مدركا أن إفتكاك السلطة ، على كونه عمل عظيم ، ليس إلا خطوة أولى "فى مسيرة ألف ميل " . فرفض أن يغالط الجماهير – أو أن يغالط نفسه- بخيالات من الإنتصار النهائي . و كان يعتبر أنه من الضروري مواصلة الثورة و الذهاب بها على الدوام أبعد فى إجتثاث بقايا المجتمع القديم و أنها ستتعرض دون ريب إلى مقاومةشرسة ليس من قبل المستغِلين القدامى فحسب بل كذلك من قبل عناصر داخل المجتمع الإشتراكي ذاته تسعى لجني نتائج النضال الثوري لذاتها و تعطل بالتالي التقدم نحو الإشتراكية و تعمل حتى من أجل إعادة تركيز الرأسمالية . لا ، لم يعد ماو تسى تونغ الشعب إلا بالنضال لكن ليس نضالا أعمى و ليس نضالا عفويا متشائما وفى الأخير بلا أمل طبقي و غير واعية بمستقبلها . مع ماو كمعلم كان للعناصر البروليتارية الأكثر ثورية فى الصين و فى العالم فهما أوضح لطبيعة العدو و مهامها هي .
و كان ماو قد قال إن فشل الثورة وارد و أكد أن الثورة سيرورة معقدة و مديدة تتخللها إنتصارات و إنهزامات . و مثلما كتب ماو : " المستقبل مشرق و لكن الطريق متعرج" . كان لديه نفس التقيمم فى آخر أيام حياته حيث لاحظ بوضوح و من جديد خطر إعادة تركيز الرأسمالية الذى حصل فى الأخير بعيد وفاته . مع ذلك ، و بالرغم من أنه كان جد واع لإمكانية الفشل على المدى القصير فإن ماو لم يفقد البتة الثقة – بالإعتماد على التمكن من المادية الجدلية – فى إنتصار الشيوعية فى النهاية فى كل مكان من العالم .
لذلك أيضا كان ماو يُنعت دوما ب"الطوباوي" و ب"الحالم" لأنه رفض غض النظر عن الهدف النهائي للسيرورة الثورية . على النقيض منه ، قلص تحريفيو كافة البلدان منذ وقت طويل الشيوعية إلى هدف غير قابل للتحقيق دون علاقة بالمهام الحالية أو (الشيئ ذاته) أفرغوا الشيوعية من معناها الأصلي – تحطيم أي إختلاف طبقي و كل الظروف الإقتصادية و الإجتماعية التى ترتكز عليها فحاول السوفيات على سبيل المثال إعادة تعريف الشيوعية كوفرة مادية (القولاش الشهير لخروتشوف) و ألغوا الصراع الذى يتجه نحو القضاء على الطبقات ذاتها .
و نبذ ماو تسى تونغ الحط من قيمة الشيوعية و تقليصها إلى تحسين لا غير للأوضاع الحياتية للعمال . و نادى البروليتاريا لعدم التخلى أصلا عن مهمتها الأسمى و عليها قال أن " تمارس تعاليم ماركس القائلة بأنه لا يمكن للبروليتاريا أن تحقق تحررها الخاص إلا بتحرير الإنسانية جمعاء" . . دون هذه الرؤية التى تقود فكر و نشاط العمال الواعين طبقيا لا يمكن بناء الإشتراكية الحقيقية و عوضا عنها ستبقى جوهرياون تغيير قيم المجتمع القديم و علاقات الإستغلال وهو الحال اليوم فى بلدان الكتلة السوفياتية .
الفهم الماوي الحقيقي ضرورة حياتية للقيام بتغييرات إشتراكية صميمة و من الخطإ التفكير فى أن أهمية هذا الخط السياسي لا تدخل حيز الفعل إى بعد إفتكاك السلطة . . أي نوع من الحركة الثورية نسعى لتشييده – حركة هدفها القضاء المبرم على الإستغلال الطبقي أم حركة تبحث عن "خدمة المستغَلين ( أو أي شرائح) ؟ بإقتناع البروليتاريا الواعية طبقيا و العناصر الثورية الأخرى بالمثل الأعلى الشيوعي ترتبط هزيمة "الإمبريالية و التحريفية و الرجعية " . مع تصاعد النضال الثوري للبروليتاريا و المضطهَدين بشكل هائل ، يغدو أكثر أهمية أن تكون الطليعة واضحة فى هدفها و إلا تعرضنا لخطر أن تجهض الثورة أو تحول عن أهدافها الأصلية .
----------------------------------------------------------
غالبا ما نقول إن المساهمة الأكثر أهمية لماوتسى تونغ [ فى علم الثورة البروليتارية العالمية ] هي تعليماته حول "مواصلة الثورة فى ظل دكتاتورية البروليتاريا ".إثر تقييم عميق لتجربة دكتاتورية البروليتاريا فى الإتحاد السوفياتي و الصين و على هذه الأرضية ، بتطوير فهم شامل لتناقضات المجتمع الإشتراكي ، بفضل كل ذلك ،لأول مرة إستطاع ماو أن يوجد وسائلا و طرقا للتقدم صوب الشيوعية و التعبير عن هذا الفهم بمعنى الصراع الطبقي هو الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى .
بالرغم من أن ماو قام بمسامات عظيمة فى جميع مكونات علم الثورة ،فإنه عند معالجته مسألة مواصلة الثورة فى ظل دكتاتورية البروليتاريا، رفع الماركسية إلى مستوى "جديد نوعيا " .
لقد وضعت مسألة مواصلة الثورة فى ظل دكتاتورية البروليتاريا لأول مرة على جدول الأعمال و على نحو إستعجالي فى 1956 مع وصول خروتشوف للسلطةفى الإتحاد السوفياتي . إلى حينها لم تكن إمكانية الإطاحة بدكتاتورية البروليتاريا من داخل المجتمع الإشتراكي قد طرحت بجدية .
و يعزى هذا بالأساس إلى أن طبيعة المجتمع لم تكن مفهومة جيدا .ففى الثلاثينات مثلا ، دافع ستالين عن أن البرجوازية قد جرى القضاء عليها كطبقة و أن المجتمع الإشتراكي لم يعد ينطوى على تناقضات عدائية . رغم أن ستالين أتى فى آخر حياته ببعض التحويرات فى مفاهيمه ،فإنه لم يكن أبدا قادرا على الإستيعاب العميق لدينامية المجتمع الإشتراكي .
تفطن ماو تسى تونغ إلى أن المجتمع الإشتراكي ذاته يفرز عناصر برجوازية جديدة و ذلك بفعل أن المجتمع الإشتر اكي مجتمع إنتقالي من المجتمع المعتمِد على الإستغلال و الإضطهاد الطبقيين إلى المجتمع الشيوعي . و أكد التاريخ أن هذه المرحلة الإنتقالية طويلة و معقدة و صعبة.مثلما قال ماركس ، يولد المجتمع الإشتراكي حاملا فى أحشائه "بصمات " المجتمع القديم إقتصاديا و ثقافيا . و لكي ينجز الإنتقال من الضروري طوال كافة المرحلة الإنتقالية أن تركز و تعزز دكتاتورية البروليتاريا الثورية .
لكن دكتاتورية البروليتاريا فى حد ذاتها ظاهرة معقدة .و رأينا أنه كان ممكنا إعادة تركيز الرأسماليةبإسم دكتاتورية البروليتاريا و حتى القادة الحاليين للصين الذين أطاحوا بخط ماو تسى تونغ يتقنعون بقناع المدافعين عن سلطة الطبقة العاملة .

طبعا ، الآن و قد صارت السلطة بأيدى أتباع الطريق الرأسمالي ،من السهل إكتشاف الطابع القمعي للرأسمالية التى أعيد تركيزها . إلا أنهم عندما كانوا يعملون على إفتكاك السلطة ، كان من الضروري لدنك سياو بينغ و بالخصوص لهواو أن يخفوا طبيعتهم و أن يحاولوا قدر الإمكان مغالطة الشرائح الشعبية الأقل تقدما سياسيا .
إن الحيلولة دون إعادة تركيز الرأسمالية ليس أبدا مسألة نوايا طيبة بل مسألة خط سياسي . و قد عمل ماو تسى تونغ دون هوادة ، فى السنوات الأخيرة من حياته ، على تعليم خلفاءه كيفية التفريق بين الخط الذى يتقدم على الطريق الشيوعي و الخط الذى يعمق الإختلافات الموجودة و يقود إلى الرأسمالية – بكلمات أخرى التفريق بين الماركسية و التحريفية .
و حتى قبل 1956، أنجز ماو تسى تونغ تحليلا مفاده أن " المجتمع الإشتراكي مليئ بالتناقضات " . و قد شدد على أن الصراعات شأنها شأن التناسق موجودين بين النظام الإشتراكي و القوى المنتجة . بكلمات أخرى ، للثورة الإشتراكية و التغييرات التى ستحصل فى نظام الملكية ضلعا كبيرا فى عدم عرقلة قوى الإنتاج و لا سيما أهم قوة منتجة على الإطلاق و نقصد البروليتاريا . و شدد كذلك على أن التغييرات فى مستوى نظام الملكية فحسب لن تحل بذاتها مشكلة مواصلة المشركة الحقيقية للفلاحة و الصناعة . و إذا كانت إدارة المصنع بين أيدى رجل واحد و إذا كانت القوانين و أنظمة غير معقولة تقيد العمال و إذا شُجعت المنح و إذا إعتُبر العمال أتباعا للآلة - بإختصار ، إذا قاد خط تحريفي- ألا يمكننا القول بأن المؤسسة ليس لها من الإشتراكية سوى الإسم .و علاوة على ذلك قدم ماو تسى تونغ ملاحظة أن مثل هذا الحصن التحريفي يُعد الأرضية للرأسمالية و لبرجوازية جديدة تدخل حتما فى صدام مع البروليتاريا .
لقد بين ماو أيضا أنه حتى إذا مثلت الملكية الجماعية تقدما كبيرا نسبة للملكية الخاصة ، فمن الضروري مواصلة الثورة للنهاية و فى كل مجالات الحياة الإجتماعية . مثلا، للرد على التحريفيين و على رأسهم دنك سياو بينغ ، خلال آخر معركة كبرى له ، أكد ماو على أهمية وضع حدود ل"الحق البرجوازي " وكان يقصد مبدأ " لكل حسب عمله" الذى هو فى غاية عدم التساوي بما أن للناس مؤهلات "غير متساوية " جدا و حاجيات "غير متساوية " كذلك . لا يمكن أن يكرس المبدأ الشيوعي "من كل حسب قدراته إلى لكل حسب حاجياته " إلا حين يبلغ المجتمع تطورا أكثر تقدما بكثير فى القدرة الإنتاجية و العلاقات الإجتماعية نسبة لما كان عليه الوضع فى الصين فى بداية السبعينات ) . و قد جرى نقاش واسع لمعرفة هل يجب تحديد "الحق البرجوازي " أو بالفعل توسيعه – والتوسيع هو ما فعله فى الأخير هواو و دنك .
و أوضح ماو أن مختلف تناقضات النظام الإشتراكي تتركز فى صفوف الحزب الشيوعي عينه و شدد على أن الحزب الشيوعي فى السلطة مختلف نوعيا عن حزب لا يزال يحاول أن يفتك السلطة و ذلك لأن أعضاء الحزب فى المجتمع الإشتراكي يحتلون مواقع مفاتيح فى جهاز الدولة و الإقتصاد و أن سياسة الحزب هي التى تحدد التوجه الأساسي للمجتمع . لذا يوجد مركز القيادة البرجوازية داخل الحزب الشيوعي ذاته . و هكذا كان على ماو أن يقول فى إحدى تصريحاته الأخيرة قبل وفاته :" إنكم تقومون بالثورة الاشتراكية و بعد لا تعرفون أين توجد البرجوازية . إنها بالضبط داخل الحزب الشيوعي –أولئك فى السلطة السائرين فى الطريق الرأسمالي .لا يزالون أولئك السائرين فى الطريق الرأسمالي على الطريق الرأسمالي ".
لقد شُهّر بماوتسى تونغ بقوة من كل جهة لتأكيده الوارد أعلاه و بصورة خاصة من قبل القدة التحريفيين الجدد فى الصين و الذين مسُّوا فى العمق إثر تصريح ماو القائل بأن برجوازية جديدة تفرز داخل المجتمع الإشتراكي و فى صلب الحزب الشيوعي ذاته . و بالطبع كانت هذه الأطروحة هدف هجمات متتالية من طرف آخرين فالبعض على غرار أنور خوجا من ألبانيا إدعى حتى أن ماو العدو الشرس لكل ما هو رجعي يسمح بالفعل بوجود البرجوازية داخل الحزب !
بيد أنه ليست لأطروحة ماو علاقة بها السماح المدعى . وهي أبعد ما تكون عن "السماح" للبرجوازية بالوجود ،تعد تعليمات ماو بالأحرى مفتاحا فى فهم طبيعة البرجوازية و سبب ظهورها حتى فى ظل الإشتراكية و ما ينبغى القيام به لقلبِها فى كل مرة و للقضاء التدريجي على الظروف التى تخول لها الولادة مجددا . إذهبوا و أسألوا دنك سياو بينغ و امثاله فى الصين عن ما إذا كان ماو طوال حياته "يسمح" لهم بتطبيق خط تحريفي !
إن التحدى الأوفر إنتشارا ضد تعاليم ماو هو ذلك التحدى المبني على أكثر الأفكار تبسيطية : لقد فشل فى منع إعادة تركيز الرأسمالية و بالتالي يجب أن يكون قد أخطأ . بداية ، علينا الإعتراف بأن ماو منع بالفعل إعادة تركيز الرأسمالية على مدى عشرية كاملة من الثورة الثقافية . و هذا بالتأكيد إنجاز له أهم






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,689,128,284
- إلى الأمام على الطريق الذى خطه ماوتسى تونغ ( نص للحركة الأمم ...
- الصين : من تحرير المرأة إلى إستعبادها( فصل من كتاب -الثورة ا ...
- من الصين الإشتراكية إلى الصين الرأسمالية
- الماوية: نظرية و ممارسة 2 - عالم آخر، أفضل ضروري و ممكن، عال ...
- الماوية : نظرية و ممارسة 4 - الثورة الماوية فى الصين : حقائق ...
- الماوية: نظرية و ممارسة 3 - لندرس الثورة الماوية فى النيبال ...
- خرافات حول الماوية
- الماوية : نظرية و ممارسة 1 - علم الثورة البروليتارية العالمي ...
- حقيقة ماو تسي تونغ والثورة الشيوعية في الصين
- الثورة الماوية فى الهند


المزيد.....




- بيان مرصد البحرين لحقوق الانسان في اليوم العالمي لمناهضة ا ...
- لا.. للتمييز في البرلمان بين الشهداء! نواب يطالبون بتخصيص يو ...
- نواب يطالبون بتخصيص يوم لاستذكار شهداء الحزب الشيوعي العراقي ...
- نواب يطالبون بتخصيص يوم لاستذكار شهداء الحزب الشيوعي العراقي ...
- 26 11 2014 الأجهزة القمعية لحصاد ومن معه تضرب من جديد اليوم ...
- جورج إسحاق يغادر القاهرة متجهًا إلى إسطنبول
- داود أوغلو: حزب الشعب الجمهوري نسخة عن البعث السوري
- رياض بن فضل : " الجبهة الشعبية لن تنسى أن يد الترويكا ملطّخة ...
- Indonesia: troubled waters ahead
- النهج الديمقراطي يعزي ضحايا عائلات فيضانات الجنوب ويحمل الم ...


المزيد.....

- - وصية لينين - ... قراءة أخرى / رفيق عبد الكريم الخطابي
- التصور الثوري والتصور الإصلاحي / إرنست ماندل
- ماو والماوية / داليا البنهاوي
- ثورة 23 يوليو 1952 تحالف وصراع بين منظمة حدتو وجمال عبدالناص ... / أحمد القصير
- 1918: ثورة المجالس العمالية في ألمانيا / جول هيناس
- تعذيب الشيوعيين أي حدتو بالسجن الحربي في 1953- 1954 ومحاكمته ... / أحمد القصير
- فهم العالم من وجهة نظر علم الشيوعية / شادي الشماوي
- الفلسفة بين الدين والعلم / هشام غصيب
- هل تمثل مجموعة الدول الصاعدة بديلا للعولمة الفجة؟ / سمير أمين
- مفهوما الثورة و الثورة المضادة في النظرية الماركسية / ارنست ماندل


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - شادي الشماوي - الماوية : نظرية و ممارسة - 4 - - الثورة الماوية فى الصين : حقائق و مكاسب و دروس- ( 1)