أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - لمى عبد القادر - فن الإلقاء بين الخطابة والتمثيل المسرحي






















المزيد.....

فن الإلقاء بين الخطابة والتمثيل المسرحي



لمى عبد القادر
الحوار المتمدن-العدد: 3220 - 2010 / 12 / 19 - 17:17
المحور: الادب والفن
    


"فن الإلقاء بين الخطابة والتمثيل المسرحي "
لمى عبد القادر خنياب
كلية الآداب / جامعة القادسية
إن القدرة على الإلقاء هبة يمنحها الله لأناس ، تتجلى عندهم بحسن استمالة الآخرين وجذب انتباههم غير أنه تجود وتعظم بالدربة والمران ، فتصقل الموهبة بالممارسة . وقد دأب الخطباء ، والممثلون ، والشعراء على توظيف جُل طاقاتهم وامكانياتهم بغية التأثير .
ويعمد البحث إلى عقد مقاربة بين الإلقاء الخطابي والإلقاء المسرحي ووضع اليد على المرتكزات الرئيسة في الإلقائين كليهما والوقوف على القدر الجامع بينهما . يقترب الأداء الخطابي من العرض المسرحي من أوجه كثر : أولها الهدف إذ يروم كلاهما جذب الانتباه والتأثير في المتلقي ، وثانيهما الوسائل إذ يوظف الممثل والخطيب الحركات والسكنات بغية تحقيق التأثير . بيد أن الخطيب يبدع النص على حين يؤدي الممثل ما أبدعه المؤلف لكنهما يشتركان في إبداع الإلقاء المؤثر .
وقد اقترب العرض المسرحي في بداياته من الخطابة ولاسيما في العصور الوسطى إذ كانت العروض المسرحية تقدم في أروقة الكنائس وفي ساحات المدن ، وحينما كان الممثل أقرب إلى الكاهن منه إلى الممثل . يستعمل اللغة السائدة الأقرب إلى اللغة الخطابية القريبة من الوعظ والارشاد ذات طابع تعليمي محظ .
وبدا لي أن وسائلهم في انهاض الهمم واذكاء الشعور تنحصر في المؤثرات الآتية :
1- المؤثر الصوتي :
يتجلى توظيف الممثل والخطيب لهذا المؤثر في اعتمادهم على الصمت والتنغيم والتلوين الموسيقي في درجات الإلقاء . أما الصمت فقد رأى الكثير من الأدباء واللغويون وأهل البلاغة أنه أبلغ من الكلام في بعض المواقف فقال الجرجاني : " الصمت عن الافادة أزيد للافادة " . وقد استعان الحجاج به عند دخوله الكوفة والياً عليها ، فصعد المنبر معتماً بعمامة غطت أكثر وجهه وجلس لا يفوه بكلمة " فمكث ساعة لا يتكلم " .فأثار ذلك أشكالاً مختلفة من القلق والحيرة بين حشود الحاضرين فواحد أراد أن يحصبه ، وآخر لعن بني أمية على استعماله عليهم .، وعند ذاك وقف حاسراً اللثام عن وجهه قائلاً خطبته الشهيرة التي افتتحها بقول سحيم بن وثيل :
أنا ابن جلا وطلّاع الثنايا متى أضع العمامة تعرفوني
فكان أخطب خطباء عصره واملكهم لزمام البيان ، قال فيه مالك بن دينار : " ما رأيت أحداً أبين من الحجاج ، إنه كان ليرقى المنبر فيذكر احسانه إلى أهل العراق و صفحه عنهم وإساءتهم إليه إني لأحسبه صادقاً وأظنهم كاذبون " . وهذا الكلام يشير بوضوح إلى التقارب بين خطيب كهذا وممثل محترف يؤدي دوراً على العكس من شخصيته فيعمد إلى إقناع الآخر بصدقه و إن كان هو غير ذاك .
ولا أعني بالصمت ههنا العي وإنما أريد به ذلك الصمت المعرب عن دلالة . فيوحي بأن المسكوت عنه أكبر من أن يحيط به الكلام أو يطول القول فيه من دون أن يوفيه حقه، فيُكتفى بدلالة الحال عليه وتترك النفس تذهب فيه كل مذهب .
أما المسرح فقد استثمر الصمت إلى حد بعيد فكانت المسرحية الصامتة التي قيل فيها : " إن كل ساعة من التمثيل الصامت بقدر مسرحية ناطقة ذات خمسة فصول ، ومن أمثلتها في المسرح العربي : مسرحية ( قصة شعب ) و ( حلاق أشبيلية ) و ( جحا و الحمامة ) وغيرها .
أما التنغيم فهو " ارتفاع الصوت وانخفاظه في أثناء الكلام " ، وقيل : " هو تتابعات مطردة عن مختلف أنواع الدرجات الصوتية على جملة كاملة أو أجزاء متتابعة . وهو وصف للجمل وأجزاء الجمل ، وليس للكلمات المختلفة المنعزلة " ، وقيل : إنه موسيقى الكلام ، أوالتلوين الموسيقي . وللتنغيم وظيفتان : الأولى موسيقية فتنويعاته الموسيقية أشبه باللحن ولهذا أثره النفسي والجمالي عند السامع ، أما الثانية فهي وظيفة دلالية ، إذ يكشف التنغيم عن المعاني الاضافية التي ترافق الكلام ، فعبارة ( لا يا شاطر ) قد تفيد النفي والإنكار أو السخرية والاستخفاف ، والفيصل في تحديد المعنى هو التنغيم . وتمتزج وظيفة التنغيم مع وظيفة النبر ، وهو " نشاط في جميع أعضاء النطق في وقت واحد . فعند النطق بمقطع منبور نلحظ أن جميع أعضاء النطق تنشط غاية النشاط " إذ ينطق المقطع المنبور ببذل طاقة أكبر نسبياً ويتطلب من أعضاء النطق جهداً أشد ، وبامتزاج النبر والتنغيم معاً ينتج اللحن العربي للكلام على أحد النماذج التنغيمية الآتية :
( الأول الواسع ، الأول المتوسط ، الأول الضيق ، والثاني الواسع ، الثاني المتوسط ، الثاني الضيق ) ." و الواسع ما كان نتيجة إثارة أقوى للأوتار الصوتية بواسطة الهواء المندفع من الرئتين فيسسبب ذلك اهتزاز أكبر في الأوتار الصوتية ومن ثم يعلو الصوت . ومن أمثلة استعماله الخطابة ...والصياح الغاضب ...و المتوسط يستعمل للمحادثات الاعتيادية ...أما الضيق فهو مستعمل في العبارات اليائسة الحزينة " ، أما اصطلاح الأول والثاني فهما يتعلقان بوصف المقطع المنبور في الجملة ، فيكون اللحن في الأول منحدراً من أعلى إلى أسفل وفي الثاني صاعداً من أسفل إلى أعلى . ويكثر استعمال الأول مع الإثبات والنفي والشرط والدعاء ويختص الثاني بالاستفهام والعرض . فتكون نغمة الأول هابطة ونغمة الثاني صاعدة . وهناك ما يعرف بالنغمة المسطحة لا صاعدة ولا هابطة تستعمل إذا وقف المتكلم قبل أن يتم المعنى . ولا عجب أن يدرك الخطباء والممثلون الآثار الدلالية والنفسية للنغمة عند المخاطب ، ومن قبيل ادراك الخطباء لها ما أُثر عنهم من تلوين صوتي فقيل في الحجاج : " إذا صعد المنبر تلفع بمطرفه ثم تكلم رويداً فلا يكاد يُسمع ، ثم يزيد في الكلام ، حتى يخرج يده من مطرفه ويزجُرُ الزَّجرة فيُفزع بها أقصى مَن في المسجد " .
المؤثر الصوري :
يعمل الممثل والخطيب في أغلب الأحيان على اصطناع بعض المؤثرات في مظهره يرمي من ورائها شد الانتباه و التأثير ، ومن أبرزها :
1- توظيف الجوارح :
تعد الحركات مثل هز الأكتاف والإشارة باليد ، وحركة الرأس ، ورفع الحاجب مساعدات للكلام ، ولها أهمية كبرى في بعض أشكال التعبير : كالمسرح و الرقص ، والطقوص الدينية و الخطابة وغيرها .
تُعد الحركة صورة الميزانسين في حالة الفعل . أي أنها صورة التشكيل الحركي الذي يعني التوزيع الرشيد و النسجم و المتناسق في الحركة واللون ولكل خطوط الرؤيا : من لون ، ومنظر ، وظوء وعتمة وصمت وصوت . فيتأسس التشكيل الحركي استناداً إلى الحالة القائمة بين الأشكال و الأشياء مضافاً إليها قيم الجو العام .
فالحركة هي " أكثر دلائل الحياة وضوحاً " تسهم في خلق تشكيلات متعددة ، معبرة عن التبديل الحاصل في العلاقات القائمة بين الشخصيات وانفعالاتها وعواطفها .
كذلك استعان خطباء العرب بجوارحهم في اقناع سامعيهم فتوصلوا لذلك من حسن الوقفة والاشارة باليد واجالة النظر في الجمهور عاكفين على توظيف ابجدية الجسد التي تجود بالتمرين – بحسب ستاسلافسكي .
وتعد رقصات الساتير الطقوصية اقدم أشكال التمثيل الصامت لاعتمادها على الحركات والإشارات .
2- توظيف اللباس والسلاح :
يرى علماء النفس أن لثياب المرء أثر فيه ، فكلما كانت ثيابه أنيقة رفعت الشعور بالثقة عنده مما يؤثر إيجاباً على مستوى أدائه أما المشاهد فلوحظ قلة احترامه للخطباء و الشعراء قليلي الاهتمام بمظهرهم ، وليس أدل مما روي عن إياس بن معاوية المزني أنه " أتى حلقة من حلق قريش في مسجد في دمشق ، فاستولى على المجلس ، ورأوه أحمر دميماً بذَّ الهيئة قشفاً ، فاستهانوا به ، فلما عرفوه اعتذروا إليه وقالوا : الذنب مقسوم بيننا وبينك ، أتيتنا في زيّ مسكين تكلمنا بكلام الملوك " . ولم يفت العرب توظيف هذا النمط من المؤثرات في خطابتهم ومن قبيل ذلك استعمالهم العصي والمخاصر . وقد وقف الشعوبيون طويلاً عند عادة العرب هذه ، مما حدا بالجاحظ إلى الافصاح عن فوائد العصافقال : " ومن شأن المتكلمين أن يشيروا بأيديهم ...فإذا أشاروا بالعصي فكأنهم قد وصلوا أيدياً أُخر ...و أيضاً إن حمل العصا و المخصرة دليل على التأهب للخطبة والتهيؤ للإطناب " . وقد لازمت العصي الخطباء وقيل في تلازمهما الأخبار فهذا عبد الملك بن مروان يقول : " لو ألقيت الخيزرانة من يدي لذهب شطر كلامي " .
كذلك وظفوا العمائم إذ كان من عوائد العرب أن يكون للخطيب زي مخصوص في العمامة و اللباس ، كتعظيم كور العمامة و اتخاذ القضاة منهم القلانس العظام جاعلين من عظم كور العمامة دلالة على عظم شأن صاحبها فالعمائم تيجان العرب .
كذلك كان اتخاذ السلاح في الخطابة الحماسية واشهار السيف أثر بالغ الأهمية في النفوس . وإذا ما استعدنا صورة الحجاج السالفة الذكر عند دخوله الكوفة والياً عليها معتماً بعمامة حمراء غطت معظم وجهه ثم جلس لا يفوه بكلمة نلمس تضافراً بين الصمت وخفاء الوجه إذ احكم بذاك طوق الابهام والايهام على متلقيه فأثار فيهم خليط من المشاعر : قلق ، وتوتر وترقب ، مبدداً الاستقرار في نفوسهم ليدب فيها الضعف . فضلاً عن حمله لسلاحه وارتدائه بزة حرب كاملة ؛ ليسرب الخوف والرعب إلى قلوبهم .
أما الممثلون فهم محكومون بأدوارهم وبالأطر التاريخية التي تحيط بالشخصية المزمع تجسيدها .
3- المكان :
يعد انتقاء المكان للخطابة أو لاداء المسرحية جزء مؤثر في الجمهور ، و قد دأب خطباء العرب قديماً على اختيار أكثر الأماكن تجمهراً بالناس ولا سيما الأسواق متخذين من الروابي و المرتفع من الأرض مكاناً للخطابة . وفي حال الحرب والإغارة اتخذوا من صهوات الخيول مكاناً لالقاء خطابتهم . وبعد ظهور الاسلام صارت المساجد هي المكان الأنسب للخطابة الدينية ثم عمدوا إلى تخصيص مكان للخطيب فيها وهو المنبر ، وقيل إن أول مَن صنع المنبر هو تميم الداري الذي صنعه للرسول ( ص ) محاكياً ما رأى من منابر في كنائس الشام .
أما خشبة المسرح فقد كانت المكان المخصص لأداء الممثلين لشخصيات المسرحية مذ كان هذا الفن بيد أن الاهتمام بمكان العرض المسرحي لقي اهتماماً واسعاً من قبل المخرجين فحقق التصميم المسرحي أعلى مستوياته بعد بناء المسارح المغلقة في نهاية القرن السادس عشر وخلال القرن السابع عشر في ايطاليا حيث التكوينات المعمارية العظيمة والمناظر المتحركة التي ابتدعها الرسامون و المعماريون البارزون . ثم تطور بشكل سريع حتى صار المؤلف المسرحي يلجأ إلى الرسام ليصمم له مناظر مسرحيته وتواصل هذا التقليد المسرحي حتى توج بولادة السينوغرافيا الحديثة ، التي ترادف في الاصطلاح ( الديكور ) الذي ارتضاه المسرحيون العرب حتى يومنا هذا .
درجات الإلقاء :
1- الإلقاء القائم على التحميس و الانفعال الغاضب ، وتكثر فيه الجمل الانكارية ، ويتقلب فيه الأسلوب الخطابي بين الأمر والنهي والاستفهام ، يتضافر هذا مع علو الصوت ورسم علامات الغضب و الثورة على الوجوه . يكثر هذا النمط من الالقاء في الخطب الحربية والانقلابات العسكرية و الثورات ، لاثارة همم الحشود وتحميسهم .
2- إلقاء يعتمد على المناجاة فهو أشبه بحديث النفس . يستلزم هذا الضرب من الالقاء مهارات عالية إذ قد يثير السأم و الملل في نفس المتلقي ؛ لذا يعمد الممثل أو الخطيب على الاستعانة بالحركات والإشارات لاقصاء الملل عن السامع ، ويكثر هذا الالقاء في الخطب الدينية ولا سيما في خطابة المتصوفة والزهاد . وكذا يشيع في تجسيد بعض الأدوار التي تستلزمه كالحوار مع الذات أو الدعاء أو الشكوى لله .
3- الالقاء المعتمد على السرد القصصي ، إذ يتخلل هذا النمط من الإلقاء بعض الخطب التي تشتمل على رواية خبر ما أو نقل حادثة أو سرد قصة ، يسوقها الخطيب للتمثيل والاستشهاد . كذلك يستعين الممثل به في حال تجسيده لشخصية راوية أو عندما يسوق خبراً ما في معرض أحداث المسرحية






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,561,652,903



- جمالك لايهز مشاعري / جمال المظفر
- الأعور والعميان / ناصرقوطي
- غصون الميلاد / فلورنس غزلان
- توثيق اخرعن مغتربات الجواهري ومهاجره / رواء الجصاني
- ألم اكثر من هذا / عمار المسعودي
- الجاحظ ورباعية الموت / عادل بدر
- الحداد والشيطان/قصة قصيرة / عماد ابو حطب
- مَنْ ذا أصابكِ يا بغدادُ بالعينِ ؟! (2/3) / جاسم العبودي
- ابك ِ بغداد َ / ابراهيم البهرزي
- قراءة في كتاب - الشعر فاعلا اٍرهابياً - / ثامر الحاج امين


المزيد.....

- -شفق آلهة- تطيح بمهرجان فاغنر السنوي -
- سابقة: ميركل تسلح الأكراد وتعتبر داعش تهديدا لألمانيا وأوروب ...
- المركز الثقافي للطفل يحتفل بالمبدعين المشاركين بالدورات الفن ...
- الشاعر الغنائي تامر حسين: عملي مع عمرو دياب أضاف لي الكثير
- -حراس المجرة- و-سلاحف النينجا- يتصدران إيرادات السينما
- شعب الخضرا ينجح في دفع هسبريس لسحب كاريكاتور مسيء للرجاء
- دراسة: الموسيقى تحسّن الفهم اللغوي لدى الأطفال
- مؤيد نعمة وتجربته الفنية في كتاب
- تعرض عدد من السياسيين لتهديدات عن طريق فيلم
- أفلام سورية بمهرجان البندقية


المزيد.....

- ما بعد الجنون / بشرى رسوان
- تياترو / ايفان الدراجي
- دفتر بغلاف معدني / ناصر مؤنس
- الجانب الآخر من الفردوس / نصيف الناصري
- بئر العالم / حسين علي يونس
- ترجيل الأنثى تسمويا....حزامة حبايب في رواية (قبل ان تنام الم ... / مقداد مسعود
- صرخة من شنكال / شينوار ابراهيم
- فصلان من رواية -ابنة سوسلوف- / حبيب عبدالرب سروري
- يوميات اللاجئين / أزدشير جلال أحمد
- الفن والايديولجيا / د. رمضان الصباغ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - لمى عبد القادر - فن الإلقاء بين الخطابة والتمثيل المسرحي