أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مسعد عربيد - مشاهدات مغترب في إشكاليات الانتخابات الاميركية ـ الحلقة الاولى















المزيد.....



مشاهدات مغترب في إشكاليات الانتخابات الاميركية ـ الحلقة الاولى


مسعد عربيد
الحوار المتمدن-العدد: 963 - 2004 / 9 / 21 - 09:07
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


مشاهدات مغترب في إشكاليات الانتخابات الاميركية
الحلقة الاولى

مأزق المعارضة بين إشكالية الحزبين الحاكمين
وفقدان البوصلة
(أو من يحكم أميركا؟)

I

تتنازع الاميركيين والجالية العربية في الشتات الاميركي، في خضم النقاشات المحتدمة حول الانتخابات الاميركية المقبلة، إشكالية يمكن إيجازها في مسألتين مركزيتين:

الاولى: ألإعتقاد والترويج بان الرئيس بوش (شخصاً ومشروعا وإدارة) هو المشكلة الاساسية وهو المسؤول مباشرة عن السياسات الداخلية والخارجية للادارة الاميركية والمأزق الذي آلت اليه. وبرحيله وقدوم رئيس جديد الى البيت الابيض، فان أميركا ستشهد بزوغ فجر مشرق جديد. (وسنرجئ مناقشة هذه المسألة ـ شخصنة النظام السياسي الحاكم ـ الى مقالة قادمة.)

والثانية: بناءً على الفرضية الاولى، فان الحل ( والمهمة ألآنية ألأكثر إلحاحا) يكمن في ضمان هزيمة بوش في الانتخابات المقبلة عن طريق الدفع بكل الاصوات لصالح المرشح الديمقراطي المنافس جون كيري.

دعونا نؤكد بدايةً على بعض الثوابت:

1) ان دحر بوش في الانتخابات المقبلة وازاحة المشروع اليميني المتطرف عن الحكم، ولو لأمد قصير، لا يعتبر خياراّ وطنيا أميركيا فحسب، بل هو ضرورة تاريخية ومهمة إنسانية ملحة.

2) ان المرشح الديمقراطي جون كيري هو المنافس الوحيد (من الناحية البراغماتية وحساب الاصوات الناخبة) المؤهل لدحر بوش في هذه الانتخابات.

3) من حق الشعوب في منعطفات تاريخية حرجة وفي زمن تشح فيه الخيارات، وعندما تحدق بها الاخطار، أن تختار البديل الأقل خطراً وليس بالضرورة البديل الامثل، ذودا عن مصالحها وحماية لنفسها وللانسانية. ونرى أننا نقف اليوم في واحد من تلك المنعطفات. ويقوم هذا التكتيك على فهم موضوعي للواقع وعلى مبدأ القبول بهدف مرحلي (لا يرقى الى برنامج الحد الاقصى) ولو أقتضى الامر التحالف مع الشيطان (تكتيكيا) من أجل متابعة المسيرة نحو الهدف الاستراتيجي، كما تشهد على ذلك أمثلة كثيرة في التاريخ الحديت. وهو تكتيك يفترض أيضا ويدعو الى تعليق التناقضات الثانوية، دون التنازل عن الرئيسية، وتوجيه كافة الجهود نحو المهمة الملحة، على غرار شعار "كل البنادق نحو العدو الرئيسي".

II
إخفاقات المعارضة

رغم إتفاقنا على ضرورة هزيمة جورج بوش، إلاّ أن القراءة المتمعنة لاطروحات معارضي بوش من يساريين وتقدميين لهذه الفرضية ـ إختيار البديل الأقل خطرا وليس بالضرورة البديل الامثل كتكتيك إنتخابي وهدف مرحلي ملح في ظل الظروف العصيبة الراهنة ـ تنطوى على مخاطر سياسية ومنهجية تتمثل في تغييب الحوار والخوض في المسائل المركزية متذرعة بالتوجه نحو المهام الانتخابية الملحة. ويمكننا أن نكثف هذه المخاطر في مسائل رئيسية ثلاث:

1) تغييب القضايا الاساسية وتشويه الوعي.
2) تمويه طبيعة التناقضات بين الحزبين الحاكمين.
3) إخفاق المعارضة واليسار في إستقراء سمات المرحلة الراهنة ورسم برامج المواجهة وتكتيكاتها.

تغييب القضايا الاساسية

إن تغييب الحوار حول القضايا الاساسية التي تواجه المجتمع والسياسة في الولايات المتحدة بحجة راهنية وإلحاح الاخطار التي يشكلها بوش وإدارته، يؤدي فعليا الى تشويه التناقضات الرئيسية والوعي الشعبي بها.

وخلافا لظاهر الامور وإسترشاداً بالتجارب السابقة، فان هذا لا يؤدي في الحقيقة الى تعليق هذه القضايا أو تجميدها مؤقتا بل الى دفنها تحت رمال الانتخابات ومهامها العاجلة الى أن تعود للظهور مرة ثانية في جولة إنتخابية جديدة. وعندما تظهر ثانيةً في مستقبل الايام، فانها تأتي معبرة، من جديد، عن مصالح ومتطلبات إنتخابية آنية وتظل مراوحة في مكانها ضمن سياق "مقتضيات الحملة الانتخابية". وهكذا يتم إنهاك وإحباط المواطن ودفعه الى اليأس والقنوط.

تمويه طبيعة التناقضات بين الحزبين الحاكمين

تعزز هذه الفرضية الوهم السائد في الولايات المتحدة بان الحزبين ـ الديمقراطي والجمهوري ـ هما في الحقيقة حزبان متنافسان ولكل منهما سياسات وبرامج ومصالح مختلفة ومتناقضة مع الحزب الآخر.

في حين لا ندّعي التماهي بين هذين الحزبين، إلاّ أنّ التفاوتات والخلافات بينهما تظل محكومة بالحيز والسقف الذي يحددهما النظام الرأسمالي الحاكم. إنّ "التمني" باحداث تغييرات جذرية في النظام الحاكم عبر إنتخاب رئيس ديمقراطي بدلاً عن غريمه المجمهوري، لا يتعدى كونه تفكيراً رغائبياً طوباوياً لأنه يتناقض، من حيث الجوهر، مع طبيعة ومصالح الطبقة الحاكمة.

هذا صحيح. إلاّ أن الاكتفاء بهذا القدر من الحكم والجزم، على أهميته النظرية، دون إستقراء الخلافات والتناقضات (الثانوية) بين القوى المتعددة والمتشابكة داخل هذا النظام الراسمالي المعقد، قد يعيمنا عن رؤية فواصل هامة بين هذين الحزبين. ورغم الطبيعة التكتيكية لهذه الخلافات، إلاّ أنها تصبح بالغة الاهمية لحظة الانتقال من التقييم النظري الى الشروع برسم الخطط والبرامج وآليات الممارسة العملية للنضال.

ومع أن المسار العام للسياسة الخارجية الاميركية في العقود الاخيرة والعلاقة مع دول ومجتمعات العالم الثالث لا يشيران الى خلافات جوهرية، حيث يسعى هذان الحزبان للهيمنة على العالم ومقدراته، إلاّ أنّ الفرق قد يكون في الوسيلة. فقد سعى الديمقراطيون على الطريقة الكلينتونية (خلال فترتي رئاسة كلينتون) إلى إخضاع إقتصادات العالم الثالث لهيمنة شركات رأس المال الكبرى باستخدام الوسائل النيوليبرالية والتي تقوم على خنق الإقتصادات المحلية في تلك الدول عبر أدوات غير العسكرية: المؤسسات الاقتصادية العالمية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية وغيرها من الاتقافات والمعاهدات الاقتصادية والتجارية مثل NAFTA, CAFTA, GATT.

كما يختلف الحزبان فيما يتعلق ببعض الشؤون الداخلية والحريات المدنية والعلاقات مع "ما تبقى من الطبقة الوسطى" والطبقة العاملة والاقليات الاثنية (الاميركيين السود، أقليات أميركا الوسطى والجنوبية، والاسيويين، العرب والمسلمين ...الخ)، وبشكل عام بالموقف الفلسفي والاخلاقي من الخدمات الاجتماعية (الصحية والتعليمية والمرأة ..الخ). إضافة الى الخلافات بين الحزبين تعود أيضا الى الجذور الايديولويجية والعنصرية حيث يتميز "مشروع المحافظين الجدد" بعنصرية مغرقة ومفضوحة وبعقيدة دينية متطرفة تلامس في العديد من شطحاتها رؤية فوقية العرق الابيض. ولا يدعي أحد أن الحزب الديمقراطي هو حزب الطبقة العاملة، ألاّ أنه ساند وسعى، على مدى العقدد الاخيرة، إلى تحقيق بعض مطالب المساواة والعدالة الاجتماعية والخدمات الاجتماعية.

تجدر الاشارة، إذن، الى انه رغم جوانب التشابه والخلاف للحزبين الديمقراطي والجمهوري، فان السمة الرئيسية التي تميزهما كما تميز النظام الحاكم في الولايات المتحدة، هي أنهما بالمحصلة النهائية وعلى مدى عقود طويلة، مثّلا ديمومة وإستمرارية نظام إقتصادي ـ إجتماعي واحد يتسم بشمولية فائقة ويضبط إيقاع السياسة الداخلية والخارجية بإتقان بالغ. ومن هنا جاءت السياسات والبرامج الداخلية والمحلية أيضاً، رغم التباين في مواقف الحزبين الحاكمين، محتكمة لارباح الشركات الكبيرة التي تستغل المستهلك أبشع إستغلال وتعمد الى قمع كافة أشكال المعارضة وحتى الكامنة منها والتي لم تولد بعد. كما جاءت السياسة الخارجية مستندة الى مشروع إمبراطورية وهيمنة على الشعوب الاخرى وعولمة الاستغلال لمقدراتها وثرواتها الطبيعية.

هذا من ناحية. أمّا من الناحية الثانية، فان سقف النزاعات بين هذين الحزبين لا يتجاوز مكاسب آنية أو مزاحمة في المواسم الانتخابية من ناحية اخرى. وفي كل الاحوال فانه من الملاحظ أن هذه النزاعات، . والتي يمكننا أن نضعها في صف التناقضات الثانوية، تظل بالعادة أسيرة للتجاوب مع إملاءات مرحلية أو للتعامل مع ظروف مستجدة.

وخلاصة القول، أنه بالرغم من زيف الاوهام في التمايز التام بين الحزبين أو فرضية ثنائية الحزب الحاكم، فقد تأصلت هذه الاوهام في الذهنية الاميركية منذ عقود وعملت على تحقيق غايتين محددتين:

ـ إختلاق وتعميق الانطباع بالتعددية الحزبية السياسية في الولايات المتحدة وتكريس الإدعاء بتنوع الافكار والتيارات السياسية والاجتماعية. بعبارة اخرى تمرير الوهم بسيادة الديمقراطية والحرية والعدالة وقيم المجتمع المدني في الولايات المتحدة..الخ. وهي ذريعة ترقى الى مستوى الضرورة التاريخية لبقاء وإنتعاش النظام السياسي الاميركي.

ـ ضمانة توارث هذين الحزبين وهيمنتهما على مقاعد الرئاسة الاميركية ومجلس الشيوخ والكونغرس وكافة مؤسسات البنية الحاكمة كما تشهد العقود المديدة من تناوب هذين الحزبين على الحكم.

III
المشروع الأم والمشروع الوليد

جاءت إدارة بوش لتنفيذ مشروع يميني متطرف يرتكز الى بنية تحتية متراصة ويتداخل فيه الداخلي والخارجي في جدلية متقنة:

ـ مشروعٍ مغرقٍ في رجعيته وتخلفه في الشؤون الداخلية والسياسات المحلية والقضايا الاجتماعية (شؤؤن التعليم والصحة والمرأة والحقوق الديمقراطية والدستورية والحريات المدنية...الخ)؛

ـ كما جاء هذا المشروع مغالياً في تسرعه لتوسيع الامبراطورية وتكثيفه لهيمنة الشركات الكبيرة على مقدرات العالم ونحو التنفيذ الحثيث لاستراتيجية العولمة الرأسمالية كحقبة في تطور هذا النظام. وقد إستحوذت مصالح الامبراطورية وبالتالي أجندة السياسة الخارجية على أولويات الادارة المجهورية والتي أولت القضايا الداخلية والحلية إهتماماً ثانوياُ.

إلاّ أن هذا المشروع يظل، في مفاصله الاساسية، هو ذاته المشروع الرأسمالي ولا يخرج في سياقه عن المخطط الاستراتيجي الذي رسمت الرأسمالية معالمه الرئيسية منذ أن حطت الحرب الاميركية ـ الاسبانية أوزارها في نهايات القرن التاسع عشر والذي عاد تكراراً بحلة جديدة متحفزا للإنقضاض في أعقاب الحربين الامبرياليتين (الاولى 1914ـ 1918 والثانية 1939ـ1945) وما تلاهما من رحيل القوى الكولونيالية الكلاسيكية الهرمة. ولم تكن أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001 أحدى مسبباته وإن كانت قد وفرت الظروف المؤاتية والفرصة السانحة لهذه الادارة لتنفيذ المشروع بسرعة وحذق بالغين.

إن ما قامت به إدارة بوش، رغم تميزه من حيث التطرف والاسلوب، ليس إلاّ استمراراً طبيعيا للمشروع الاميركي الكبير في هيمنة رأس المال والانتقال بهذا المشروع الى محطات متقدمة.

دعونا نطرح المسألة من زاوية اخرى. هل كان للسياسة الاميركية وعولمتها الرأسمالية وامبراطوريتها الامبريالية أن تتغير أو تزول لو فاز المرشح الديمقراطي آل جور بالانتخابات عام 2000؟ وهل كان لاستراتيجية الولايات المتحدة أن تتخذ منحىً جديداً؟

قد يدغدغ هذا رغائبية الكثيرين بتغيير ما (ربما بمعجزة ما) في السياسية الاميركية وخصوصا في مواقع الصراع الساخنة في فلسطين والعراق، إذا ما فاز المرشح الديمقراطي جون كيرى في إنتخابات نوفمبر القادم. إلاّ انه ليس هناك في التاريخ الاميركي الحديث ما يشير الى ذلك.

ألم يكن الرئيس كلينتون الديمقراطي هو الذي وقع على إتفاقية NAFTA ، التي إكتمل نضوجها في عهد بوش الاب، والتي ترعرعت وتعولمت وإزدهرت على مدى سنوات ست في ظل رئاسة كلينتون (1994 ـ 2000)؟

ألم يصوت المرشح الديمقراطي جون كيري (وغيره من قادة الحزب الديمقراطي) على غزو العراق واحتلاله ولم يتورع عن التأييد المطلق للمشروع الصهيوني في فلسطين؟

أما لو كان السؤال: هل كان للاوضاع الداخلية والسياسات المحلية أن تأخذ ذات المسار وبهذا التوحش والتسارع لو فاز المرشح الديمقراطي (آنذاك) آل جور Al Gore بانتخابات الرئاسة عام 2000؟ وهل كان للحالة الاميركية الداخلية أن تتردى الى هذا الحد من التدهور والتطرف الذي شهدناه خلال سنوات بوش وسيادة اليمين المتطرف؟ سيرد الكثيرون من معارضي بوش فوراً بالنفي لأنهم ينحون باللائمة على بوش وأعوانه لما آلت اليه اوضاع البلاد. إلاّ أن الاجابة المتأنية قد تكون: ربما!

ألم يمرر الديمقراطيون دون إبداء معارضة قانون الوطنية Patriot Act الذي ينتهك الحقوق المدنية والانسانية للمواطنين الاميركيين التي تتبجح بها الديمقراطية الرأسمالية؟ فماذا لو كان جون كيرى هذا رئيسا للجمهورية؟

يجمع مناهضو بوش على ان ايديولوجيته ومشروعه يشكلان خطراً على الانسانية وعلى اميركا نفسها. ولكن هل بوسعهم إغفال خطر المرشح الديمقراطي على مستقبل البلاد والبشرية؟ وكما قال أحدهم: ماذا يريد مناهضو بوش؟ هل يريدون هزيمة بوش وبرامجه وسياساته من أجل أن يفوز كيرى ليتابع مشروع الامبراطورية وحروبها؟ فاذا كان كيرى وهو في أوج حملته الانتخابية يصرح بدون مواربه عما ينوى فعله في فلسطين والعراق من دعم للكيان الصهيوني وإرسال المزيد من الجيوش المعتدية الى أوطان العرب، فماذا الذي سيدفعه الى تغيير نهجه بعد الفوز بالانتخابات؟

IV
سمات المرحلة: خصوصية الانتخابات المقبلة

ليس هناك في تاريخ الرأسمالية ما يوحي بانها نظام ساكن راكد. بل ان خمسة قرون من عمر هذا النظام تشير على العكس من ذلك تماما: بانه نظام يتميز بدينامية وحيوية فائقتين وبموهبة خلاّقة في الابداع وقدرة كبيرة على التكيف والتجدد المستمر. ولا يجوز أن يعمينا إحتكام الحزبين الديمقراطي والجمهوري للسقف الرأسمالي، عن رؤية التناقضات بينهما (مهما كانت ثانوية في طبيعتها). وكذلك، وربما هذا هو الاهم في المرحلة الراهنة، لا يجوز أن نغفل حقيقة أن برنامج الحزب الجمهوري وبالتحديد التيار اليميني المتطرف فيه قد إكتمل نضوجه واشتد عوده في جوانب متعددة بفضل ما يكتنزه من قوة وموارد وخبرة مما يجعله الأكثر خطورة وبطشا بين كافة التيارات والاجندات الانتخابية والسياسية الاميركية، خصوصا اذا ما فاز مرشحه بفترة رئاسية ثانية. لقد قطع هذا المشروع أشواطا كبيرة ـ قبل وفي غضون عهد بوش الاب بعد أن تجذر منذ أوائل تسعينات القرن الماضي ـ في صياغة وتنفيذ مشروع مغالٍ في العدوانية والبطش على كافة المستويات المحلية والخارجية.

وهنا تجدر ملاحظة أن الرأسمالية في مرحلة الامبريالية والعولمة، وبفضل شموليتها كنظام، قد خلقت المقدمات المادية لظهور وتصاعد ايديولوجيات وتيارات متطرفة عدوانية (ضد شعوبها والشعوب الاخرى) كما رأينا في حقبة ما بين الحربين الامبريالتين من صعود الايديولوجيات النازية والفاشية والشوفينية وإستيلاء أحزابها وقادتها على مواقع السلطة في عدد من الدول الاوروبية. وتشكل هذه الايديولوجيات والتيارات، رغم كونها نتاجاً عضويا للرأسمالية والعلاقات الانتاجية والاجتماعية التي تفرزها ورغم إصطفافها تحت مظلة النظام الرأسمالي، خطرا ملحاً يستدعي المواجهة المباشرة (كما حصل في حالة النازية). وهنا تكمن خصوصية الانتحابات الاميركية المقبلة: أي في صعود التيار اليميني المتطرف ووصوله الى السلطة واستعداده لخوض معركة الانتخابات للبقاء في الحكم سنوات اربع اخرى. كما تكمن الخصوصية في أنّ هذا التيار ليس ظاهرة عابرة في الحياة السياسية الاميركية بل هو زاحف في مسيرته بثبات وعزم، وأن لم يفز بإنتخابات هذا العام فسوف يخوض المعارك الانتخابية المقبلة (إنتخابات الكونغرس عام 2006 ورئاسة الجمهورية عام 2008).

تتيح لنا قراءة المرحلة من خلال هذا المنظور رؤية المخاطر المحدقة باميركا وبالانسانية، ولا بد أن الذاكرة تشدنا الى تجارب مشابهة في التاريخ الحديث من صعود أيديولوجيات فاشية وشوفينية الى السلطة وما آلت اليه من كوارث.

إلاّ أنّ ما يهمنا في سياق هذه المقالة، هو التأكيد على أن التصدي لمهام المرحلة وبناء البديل الثوري (حاملة التغيير الثوري) رهين بالإستقراء الدقيق لسمات هذه المرحلة وخصائص الانتخابات الاميركية القادمة التي تتجلى أكثر ما تتجلى، في المشروع المتطرف للحزب الجمهوري ووصول حامليه الى السلطة إذا ما فاز بوش بالانتخابات مرة ثانية. إضافة الى أن الفوز بفترة رئاسية ثانية سيقدم الدليل على "مصداقية" هذا المشروع وجدارته. كيف لا وقد حاز، للمرة الثانية، على أصوات الناخبين في إنتخابات حرة ديمقراطية؟

العبرة من فيتنام: تقنين الوعي

لم تكن العبرة من الحرب الفيتنامية في أنها الحرب التي دمرت بلداً باسره أو لانها تسببت في مقتل ما ينوف عن مليوني فيتنامي. فهذا أمر لم تتعظ به الطبقة الحاكمة في الولايات المتحدة بل نامت عليه قريرة العين.

لقد تمثلت العبرة الكبرى من حرب فيتنام، من منظور الطبقة الحاكمة، في قرارها الحاسم بانها لن تسمح بتكرار تجربة مناهضة الحرب (أي حرب)، وما يرافقها من تأجج جماهيري ونهوض سياسي شعبي. لن تتكرر هذه التجربة في التاريخ الاميركي ولن تسمح هذه الطبقة لاية من التفاعلات الاجتماعية والاعلامية والسياسية والجماهيرية للنهوض مرة اخرى. وهذا ما يفسر السياسات الاعلامية التي مارستها الادارات الاميركية المتعاقبة، الجمهورية منها والديمقراطية لا فرق، والتي تمثلت في تقنين الاعلام والمعلومات وكبت الصحافة الشريفة وإحكام التعتيم الاعلامي عن أذان وعيون المواطنين. ويتجلى هذا أكثر ما يتجلى في الازمنة الراهنة: حقبة إحتلال العراق. أما إذا تسرب الخبر، ولم يكن هناك مناص من التعاطي معه، فلا بد اذن من بتر تأثيراته على الحركات الشعبية المناهضة للحرب وإحتوائها بحيث لا تتجاوز تململات واهنة تضفي وهم "الديمقراطية" وحرية الاعلام على طريقة التلقين الاعلامي والايديولوجي (ال CNN مثالا). هذا من ناحية. ومن الناحية الثانية، فانه يتم إحتواء هذه التململات بقدر ما تكون كفيلة بامتصاص غضب الشارع وضمان عودة الاميركي في المساء الى تناول العشاء في أحد المطاعم ثم التكلس أمام محطات التلفاز التي تتكاثر كالأميبا دون أن تتنوع في المضمون. وقد تحقق هذا بفضل تركيز ملكية وسائل الاعلام في أيدي القلة وهيمنة تلك على برامجها وسياساتها.

قد يبدو هذا الامر خارجا عن موضوعة المقالة. إلاّ أننا نسوقه لما له من صلة وثيقة بما يحدث الآن وكمدخل لفهم دور الآلية الاعلامية الاميركية في صياغة الوعي الشعبي إضافة الى تأثيره البالغ على تطور الاحزاب واليسار والمعارضة السياسية في الولايات المتحدة.

V
وظيفة اليسار: نقد رأس المال

مهما تعددت المبررات والغايات وثقلت المهام الراهنة والملحة، فان الكارثة الناجمة عن تغييب الفهم المادي للواقع والعجز عن تحليل النظام والطبقة الحاكمة ومشروعها وما ينجم عن ذلك من غياب الرؤية والبرنامج، تتمثل هذه الكارثة في نهاية المطاف، في تشويه الوعي الجماهيري وصياغة الثقافة الشعبية حسب مواصفات وإملاءات الطبقة الحاكمة وتطويع إرادة الجماهير لخدمة مصالحها، وإحكام دكتاتورية رأس المال على سائر الطبقات والفئات الاجتماعية الاخرى (العمال والفلاحين والفقراء والمرأة والمعدمين والمهمشين والاثنيات غير البيضاء...الخ).

فالمصالح هي التي ترسم السياسات وتتحكم في قوانين الصراع والتضاد، وهي التي وقفت، عبر التاريخ البشري، وراء الاسباب الحقيقية الكامنة للصراعات الاجتماعية والطبقية أو الحروب والنزاعات بين الشعوب والامم ـ سواء كانت حروب عسكرية عدوانية ضد بلد آخر أو حروب طبقية داخلية ضد الجماهير الكادحة من أجل إستغلالها وقمعها وسلب لقمة عيشها وتهديد مداخيلها وتعليم أبنائها...الخ.

من هنا فان المهمة المركزية لليسار تكمن في نقد رأس المال ومجمل علاقات الانتاج وما تفرزه من علاقات إجتماعية وإقتصادية، كما تكمن في نقد مؤسسات النظام الذي يمثله ويسخره لحماية مصالحه وتغذية جشعه على حساب الكادحين والفقراء. وبدون هذا النقد يفقد اليسار مبرر وجوده وجوهر وظيفته التاريخية ويخفق في بناء البديل الثوري لانه لن يستطيع أن يستقطب المقاومة الشعبية والمعارضة السياسية والمناهضة لديكتاتورية الطبقة الرأسمالية الحاكمة وسياساتها وحروبها وعولمتها وتصبح هذه المهمة مبتورة وبالغة الصعوبة والتعقيد.

وقد تثبت لنا الأيام أن دعم المرشح الديمقراطي كيرى ـ دعما غير مشروط وخال من النقد وبدون المسائلة أو المحاسبة له ولحزبه ودون ترسيخ التناقضات التناحرية ـ ان هذا الدعم قد يرتد كارثة من حيث أنه يتجاهل المشروع الرأسمالي أولا، وثانيا لانه يبعث على الآمال الزائفة "بإقتراب الفرج" والوهم بان الحزب الديمقراطي سيحمل راية التغيير المتوخى. وعليه فالسؤال يكون: إذا ما قدم مناهضو بوش الدعم الأعمى لكيرى دون مطالب وقيود وإصرار على المسائلة والمحاسبة، بل ودون تهديد بشن الحرب ضده على كافة الصعد والمستويات المحلية وفي كافة الولايات إذا ما حنث بوعوده الانتخابية وارتد عن شعاراته (كما هو مألوف)، إن لم يقم مناهضو بوش بهذا الآن وفي وطيس الحملة الانتخابية وبوضوح ودون مواربة، فماذا سيتبقى لهم من أسلحة المعارضة والمقاومة في يناير القادم عندما "يتوج" رئيسا جديدا.

لا يتناقض هذا الموقف ـ أي التشبث بمهمة اليسار والمعارضة بالدعم المشروط وبالنقد المتواصل وبدون هوادة للنظام الحاكم وكافة مقوماته ومكوناته (من عنصرية وإمبريالية وامبراطورية متوحشة الى كافة أشكال الاستغلال والتمييز ضد الفقراء والمهمشين والمرأة والاثنيات غير البيضاء...الخ) ـ لا يتناقض هذا، كما نرى، مع الدعم الانتخابي التكتيكي لجون كيري. وفي ظل غياب بديل يساري ثوري يحمل إمكانات الفوز في هذه الانتخابات أو حتى في الانتخابات المقبلة في المدى المنظور، فان هذه المهمة تصبح أكثر إلحاحا. هنا تحديداً يكمن مأزق اليسار في برنامجه وبنيته التنظيمية وإنحسار رقعة التأييد الشعبي له في الشارع الاميركي وغيرها من القضايا البالغة الاهمية والتي تخرج بنا عن الموضوعة الرئيسية لهذه المقالة.

إذا ما هيمن الاعلام البرجوازي وسُخر في خدمة الطبقة الحاكمة، وإذا ما غابت المعارضة السياسية والاعلام البديل وقُمعت وسائل التثقيف الجماهيري، وإن لم يقدم اليسار رؤيته وبرنامجة لتجنيد الشارع وتنظيم المقاومة وبناء معارضة حقيقية على كافة المستويات (الانتخابية وغيرها)، فماذا تبقى من مهمة اليسار؟

واذا لم يغص اليسار في طرح الاسئلة الجذرية والصعبة حول طبيعة النظام وتناقضاته ومصالحه، وسادت أوساطه ثقافة التذمر والتأفف، فأي يسار هذا؟

وإن أخفق اليسار في تقديم تحليل وفهم لتناقضات المجتمع والقوى الفاعلة فيه، فكيف يتسنى له أن يلعب دوره الاجتماعي والسياسي بل والتاريخي في إنجاز التغيير وخلق البديل؟

وإذا لم تكن هذه اللحظة ـ لحظة إستثمار الخوف الذي يستولي على نفوس الاميركيين منذ أحداث 11 أيلول/سبتمبر ولحظة إستفاقة الجمهور الاميركي من بياته الشتوي ليستقبل الحملة الانتخابية ـ إذا لم تكن هي اللحظة مؤاتية، فأي توقيت أفضل لإستثمار التناقضات؟ هل إكتفى اليسار الاميركي بتصفيق الجماهير المشلولة ودغدغة الذات والإطراء عليها؟
VI
حيرة المعارضة: من يحكم أميركا؟

يحتار الاميركيون في هذا المناخ وتحت هول الضربات المتواصلة لآلة الاعلام الفتّاكة بين مطرقة "الارهاب" وسندان الذود عن الذات الذي تعدهم به المؤسسة الحاكمة. يحتارون ويقضون شهورحملة الانتخابات الطويلة يتناحرون ويتسائلون: أي مرشح ينتخبون؟

وليس هناك أفضل من مثال مايكل مور Michael Moore للتدليل على هذه الحيرة وإختلاط الرأي. لم يتردد مايكل مور ـ المنتج السينمائي والكاتب الاميركي المعروف بمعارضتة الشديدة لبوش ومطالبته باسقاطه في الانتخابات المقبلة وصاحب الفيلم الوثائقي الشهير "فهرنهايت 911" ـ لم يتردد في بداية هذا العام في الافصاح عن دعمه للمرشح ويسلى كلاركWesley Clark ـ الجنرال الذي دمر يوغسلافيا في حرب 1999 ووقف مرارا إبّان تلك الحرب متفاخراً بانتصاراته في قتل المدنيين الابرياء وتدمير المدن والقرى اليوغسلافية؟

كيف ولماذا لم يرى مايكل مور (على سبيل المثال) في ويسلي كلارك خطراً على اميركا والعالم؟ أو ربما ظنّ أن خطر هذا الاخير يقل عن خطر بوش؟ هل كانت زلة لسان أو خلل في الوعي أم قصور في الفهم أو ربما ضياع في التحليل والمنهج؟ ربما.

إلاّ أنّ التفسير لهذه المواقف الحائرة والمتناقضة وربما المستعصية على الفهم، يكمن في الاسئلة التي كثيرا ما يتفاداها اليساريون والتقدميون في الولايات المتحدة:

هل تكمن المعضلة في الرئيس المنتخب أم في النظام الاقتصادي ـ الاجتماعي الحاكم وفي دكتاتورية الطبقة الحاكمة؟ ان راهنية وإلحاح المهام الانتخابية لا يجوز أن تُغيّب هذه القضايا ولا أن تضعها على الرف لاعوام قادمة.

إن كان يجوز لليسار أن يكون "موضوعيا وواقعيا" في تحديد التكتيك، فكيف له أن يغفل الاستراتيجية وأن يعجزعن تحديدها؟

وإذا تحاذق اليساريون والتقدميون والليبراليون في الولايات المتحدة في إصابة الهدف الملح، فكيف يجوز لهم تغييب الرؤية الشاملة في إستراتيجية التغيير الاجتماعي ـ السياسي الذين يطالبون به؟ تُُرى، هل تتوقف حركة التاريخ أمام الانتخابات الاميركية المقبلة وإحتياجاتها؟

حقاً، يشكل بوش ونظامه ومشروعه خطرا على أميركا والعالم باسره. ولكنه صحيح أيضا انه إذا كانت المهمة تكمن في إزاحتة من البيت الابيض، فان التحدي الاعظم يكمن في محو النظام الذي يحكم هذه الامبراطورية ويهيمن على مقدرات الشعوب والامم، وفي إزالة رأس المال وجشعه وسعيه وراء الربح الاقصى حتى لو إقتضى ذلك تدمير الانسان والبيئة والمستقبل.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,052,261,458
- بين ناصر ولينين تأملات في الموت المبكّر وإغتيال الحلم
- الانتفاضة الساباتية بعد عشرة اعوام: مرحلة جديدة أم خيار بين ...
- في رحيل إدوارد سعيد مفكراً وإنساناً
- الهيمنة المطلقة...خواطر في اسلحة الدمار -الاشمل
- تشى غيفارا ... والحضور الدائم خواطر في الغيفارية في زمن العو ...
- مستقبل الاشتراكية في كوبا: اشكاليات الحاضر وتحديات المستقبل


المزيد.....




- جمهورية أفريقيا الوسطى: مقتل 37 شخصا على الأقل إثر تصاعد للع ...
- البيت الأبيض: ترامب تحدث مع بومبيو وهاسبل حول تقييم CIA بشأن ...
- "السترات الصفراء" تشلّ فرنسا جزئياً ومقتل متظاهرة ...
- القفزة التي أدخلت آنا جاسر التاريخ
- "السترات الصفراء" تشلّ فرنسا جزئياً ومقتل متظاهرة ...
- 43 قتيلا بينهم أطفال ونساء بغارات للتحالف في سوريا
- مصريون بالسعودية.. ظروف عمل قاسية وتجاهل رسمي
- بالغاز الإسرائيلي.. صحفيون أجانب يعيشون واقع الفلسطينيين
- من لوحة دافنشي لصفقة ترامب.. كلفة محمد بن سلمان على السعودية ...
- قبل فوات الأوان.. أعضاء بالكونغرس يطالبون ترامب بتحرك إزاء م ...


المزيد.....

- نشوء الأمم / انطون سعادة
- جنون الخلود / انطون سعادة
- اللفياثان المريض..ثنائية الطغيان السياسي والعجز التنموي للدو ... / مجدى عبد الهادى
- الأقتصاد الريعي المركزي ومأزق انفلات السوق / د.مظهر محمد صالح
- الحوار المستحيل / سعود سالم
- النظرية الثورية عند كارل ماركس / عبد السلام أديب
- اللامركزية المالية / أحمد إبريهي علي
- سقوط الوهم / بير رستم
- المنظومة التعليمية فى مصر التحديات والبدائل / كريمة الحفناوى
- نظرة على الأوضاع الاقتصادية في الضفة والقطاع (1-2) / غازي الصوراني


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مسعد عربيد - مشاهدات مغترب في إشكاليات الانتخابات الاميركية ـ الحلقة الاولى