أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار والقوى العلمانية و الديمقراطية في العالم العربي - اسباب الضعف و التشتت - جبريل محمد - اليسار العربي-، مشكلة التعريف، ومأساة الانعزال















المزيد.....

اليسار العربي-، مشكلة التعريف، ومأساة الانعزال


جبريل محمد
الحوار المتمدن-العدد: 957 - 2004 / 9 / 15 - 10:47
المحور: اليسار والقوى العلمانية و الديمقراطية في العالم العربي - اسباب الضعف و التشتت
    


"اليسار العربي"، مشكلة التعريف، ومأساة الانعزال
من صيغة الدعوة التي قدمتها إدارة "الحوار المتمدن"، يبدو أن هناك افتراضا مسبقا ومعمما بوجود "يسار"، و"عربي"، هنا تكمن إشكالية التعريف بالموضوعة الفكرية المطروقة، وبالتالي لا بد من توضيح المفاهيم في هذا المجال دون تحميل "الحوار المتمدن مسؤولية إطلاق التعبير حيث انه ساد في أدبيات مختلفة، لدرجة حملت مجلة مصرية حررها الرفيق ميشيل كامل هذا الاسم.
وكي ندخل إلى الجدل المفاهيمي يجب أولا أن نعرف مفهوم "يسار"، هل هو مجرد نزعة راديكالية بحتة ونابعة من مفاهيم قومية، (باعتبار ان العقلية الرفضوية التي سادت في ستينات وسبعينات القرن الماضي اعتبرت نفسها يسارا)، أم هو منطلق فكري ينتمي إلى المدرسة الاشتراكية بغض النظر عن تلاوينها، أم نحصر الاسم بالتيار الماركسي بتلاوينه المختلفة كجزء رئيس من طيف المدرسة الاشتراكية؟.
إن ذلك يقودنا إلى أسئلة هل كانت الناصرية يسارا، وهل كانت البعثية يسارا، وهل كانت بعض الحركات والأحزاب أمثال الحزب التقدمي الاشتراكي اللبناني، يسارا؟. مقابل ذلك هل يمكن حصر مفهوم اليسار في الأحزاب الشيوعية التقليدية التي مضت في اتباع الدب السوفياتي من حزب التقدم والاشتراكية في المغرب كنموذج إلى الحزب الشيوعي اللبناني كنموذج آخر مختلف؟. هنا تكمن الإشكالية، فقد ساد مصطلح في الثمانينات يتكلم عن دول اليمين العربي كتعبير ملطف عن "الرجعية"، فيما لم يقابل ذلك بمصطلح دول اليسار العربي. وفي يقيني أن تعبير اليسار في منطقتنا التي تشكل جزءا من العالم الثالث، لا ينفصم عن المرحلة التاريخية التي نمر بها، وهي السعي لاستكمال التحرر الوطني من نمط الإنتاج الكولونيالي الذي وصفه الرفيق الشهيد مهدي عامل، وبناء الاشتراكية مضافا إليها اليوم تنقيحات جديدة مستمدة من العولمة كالديمقراطية وبناء المجتمع المدني، وبالتالي فان مفهوم اليسار لم يعد ثابتا مقولبا بقدر ما تعرض لتنقيحات مختلفة فرضتها العملية التاريخية التي أدت إلى انهيار النظام الدولي ثنائي القطبية وفشل الاشتراكية المحققة، في ظل عدم قدرة بديل اشتراكي آخر على تعبئة الفراغ الذي خلفه هذا الانهيار المدوي.
المفهوم الثاني الذي يحمل إشكالية، هو "عربي"، حيث لا نستطيع هنا تحديد صفة العروبة، كمفهوم سياسي اجتماعي باعتبارها معيار، وربما قصدت الحوار المتمدن من ذلك واقعا ينتمي إلى منطقة جغرافية سمتها عربية، دون أن تصبغ العروبة كمفهوم قومي على اليسار نفسه، وهنا لا نستطيع القول عن غالبية الأحزاب الشيوعية التقليدية في الاقطارالعربية بأنها كانت عروبية المضمون، بل ربما اتهمت في اكثر من حالة وموقف بمعاداتها للعروبة، أو باتخاذ موقف نقدي شديد لا زالت آثاره حتى اليوم تجاه العروبة، تماما، كما استطاع أبو الأعلى المودودي أن يخرج الأخوان المسلمين ويبعدهم عن العروبة.
من هنا لا نستطيع الكلام عن يسار عربي متجانس، أو تجمعه وحدة فكرية، سياسية وتنظيمية، بل نستطيع الكلام عن تيارات يسارية انتشرت في البلدان العربية في مراحل تاريخية مختلفة، ومن منابت مختلفة، هذه التيارات جمعتها بعض القواسم المشتركة وفرقتها قضايا محورية مركزية جعلت من كل تيار مدرسة تختلف عن الأخرى.
عدا عن ذلك فان المفهوم الطبقي لليسار باعتباره تمثيلا للطبقة العاملة والفلاحين، لم يأخذ بعده الحقيقي، بقدر ما استندت تلاوين اليسار إلى شرائح مختلفة من البرجوازية الصغيرة تغلب عليها فئة المثقفين، الذين حاولوا التفاعل مع الطبقات المسحوقة، لكن سمات البرجوازية الصغيرة ظلت منزرعة في تكوينهم النفسي والأخلاقي لدرجة كبيرة.
فاليسار العربي يستند إلى اصلين أساسيين هما:
1. يسار ماركسي لينيني، وبالتالي ستاليني وخرتشوفي وبريجينيفي وصولا إلى غورباتشوفي، شق طريقه بالاعتماد على ما قدمته ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا عام 1917 من مفاهيم وأساليب عمل، ناضل ضد الاستعمار في أوائل ومنتصف القرن الماضي وحاول أن يشق طريقه لكنه فقد البوصلة في التعامل مع قضايا قومية، مثل قضية فلسطين وقضية الوحدة العربية، عدا عن سحبه للمفاهيم عن الطبقات وتحالفاتها وتعميمها دون قراءة الواقع العياني للبلدان العربية، الأمر الذي غيب مفهوم تفاوت التطور، كما غيب مفهوم التعامل الديالكتيكي مع المقولات التاريخية عن التحرر من الاستغلال، وكان هذا اليسار مدرسة تلقينية نجيبة، لم تستطع أن تتخطى السطرين المرسومين في حركتهما، الأمر الذي أدى إلى عزلة جماهيرية لهما.
هذا لا يمنع من القول إن هذا اليسار لاقى صنوف التشويه والعسف والملاحقة من الحكومات العربية بشتى صنوفها، لكنه في خضوعه لهذه الملاحقة لم يجد غطاء جماهيريا يحميه، في ظل مرحلة كانت المدينة العربية فيها أكثر تحررا وليبرالية من اليوم.
وقد وقع هذا اليسار في دوغمائية النقل وغيب العقل، حيث دخل في تحالفات على شروط مذلة في بعض الدول العربية ولا زال بعضها داخل في مثل هذه التحالفات تحت اسم "الجبهة الوطنية التقدمية"، الأمر الذي ألغى تميزه السياسي والتنظيمي، وجعله ملحقا بحكم العسكريتاريا، فيما أحزاب أخرى حلت نفسها ارضاءا للنظرية المشوهة عن التطور اللارأسمالي، وهي لم تكن سوى نظرية ذرائعية، تؤمن للسوفييت إدامة نفوذهم في المنطقة.
وحتى بعد انهيار المنظومة الاشتراكية، لم تأت حركة النقد الذاتي بناء على تفاعلات داخلية بل ظلت أسيرة العامل الخارجي، فمنهم من رأى انه ليس بالامكان أبدع مما كان، ومنهم من رأى أن التيار الجديد فرصة جديدة ولا بد من إتباعها، وبعد انهيار التيار الغورباتشوفي، وقع هذا التيار في حالة من التخبط أدت إما إلى التحلل أو إلى الذوبان في المنظومات الليبرالية. دون أن يقف التيارين وقفة جادة للمراجعة المبنية على سلاح النقد ونقد السلاح.
2- يسار ديمقراطي ثوري متحول، ينبع من أصول فكرية عروبية رأت في فشل الأحزاب العروبية في تحقيق برنامجها دافعا لها للانتقال إلى مواقع سمتها أكثر تقدما، بالتحول من الفكر القومي التقدمي ذو النزعة البلانكية المغامرة إلى الفكر الماركسي دون التخلي عن المنطلقات القومية، ومثل ذلك في التجربة الفلسطينية كل من الجبهتين الشعبية والديمقراطية لتحرير فلسطين، وقبلهما الجبهة القومية في جنوب اليمن، للتتشكل مدرسة جديدة في الفكر الاشتراكي العربي، تجمع بين النزعة العروبية، والانتماء للفكر الاشتراكي، مع اعتماد انتقائية قائمة على التجربة والخطأ أحيانا، إلا أن هذه المدرسة أوجدت حالة جدل حقيقي في أوساط اليسار في البلدان العربية، لتؤثر على أحزاب من الصنف الأول وتدفعها باتجاه نقد تجربتها السابقة.
ورغم ذلك لم يتخل هذا التيار عن نزعته الشعبوية المغامرة إلا بعد فترة من التجربة، لكنه حاول أن يقدم رؤى أولية حول قضايا الوطن العربي، كما حاول أن يبني صيغة تنظيمية عربية له تحت اسم حزب العمل الاشتنراكي العربي والذي لم يدم لأكثر من نصف عقد أو اقل حتى تحلل إلى مركباته القطرية.
ورغم طرح هذا التيار شعار التحرير والديمقراطية والاشتراكية والوحدة،إلا أن شعاراته ظلت عامة، دون برامج عملية تربط بين الطليعة السياسية والجماهير، وانحصر عملها في البلدان العربية عدا فلسطين في العمل النظري والنخبوي، وفي فلسطين تركز العمل على مهمة التحرير مع انه كان بالا مكان اجتراح معادلة تجمع بين العمل الثوري التحرري والقيم الديمقراطية والاشتراكية، إلا أن الانغماس في معركة التحرر الوطني حولت هذه المنظمات الديمقراطية الثورية إلى مجرد قوى تحرر وطني ذات مواقف راديكالية في هذا الجانب دون ايلائها لموضوعة الإنتاج الفكري والبرنامجي الاجتماعي أهمية تعزز من هويتها اليسارية.
وإذا كانت المنظمات اليسارية الفلسطينية لم يصبها الانعزال عن الجماهير بفعل انخراطها العالي في الكفاح الوطني، فان شبيهاتها من قوى اليسار ظلت محبوسة في إطار جدلها الفكري الداخلي، ونخبويتها القائمة على المثقفين دون ملامسة الجماهير لتأثيرها الواضح، ورغم ذلك دفعت بعض هذه القوى تضحيات كبيرة لقاء أعمال صغيرة أو لمجرد الانتماء للفكرة والتنظيم كما حصل مع الحزب الشيوعي السوري- المكتب السياسي، وغيره من التنظيمات التي لم تجد حماية جماهيرية لها.
إن مطالبة اليسار العربي بالديمقراطية السياسية وتغليبها اليوم على الديمقراطية الاجتماعية، ينبع أساسا من حاجتها الماسة إلى تجاوز العزلة والعمل بحرية في أوساط الجماهير، رغم أن ذلك جاء متأخرا وفي ظل هيمنة ثقافية لخطاب سلفي أصولي يجنح للإقصاء أكثر مما يجنح للتفاعل مع الطيف الفكري المتواجد.
أمام المعسكر اليساري العربي الآن مهمات جسام في ظل حالة من عدم اليقين السياسي نابعة أصلا من التهديدات التي تواجه المنطقة العربية وشعوبها ممثلة بالغزوة الإمبريالية للعراق، وعمليات الذبح اليومي في فلسطين، واختلاق المشاكل في السودان والمغرب العربي واليمن...الخ، والذي يملي بالضرورة التصدي الجريء والواضح لهذه المشاكل ومن جذورها دون الاكتفاء بمجاملة أي نظام قائم في قضايا مبدئية.
إن على اليسار العربي أن يبدأ بحوار ذاته واضعا كل قضايا الخلاف بين فصائله على أجندة العمل، ومتصديا لمشاكل وقضايا استراتيجية كقضية الجمع بين المضي في عملية التحرر الوطني والدفاع عن الديمقراطية والتبني الواضح للعدالة الاجتماعية، إضافة لمعالجة مشكلة الأقليات الاثنية، في إطار أي شكل ممكن من بناء كيان سياسي عربي الجوهر ومتخط للحدود القومية يشطب من النمط السوفياتي ستالينيته، ومن البعثي تعصبه القومي، ومن الأصولي غيبيته واقصائيته.
هذه المعركة طويلة، فقد استشرت القطرية حتى في الأنظمة التي تحمل راية القومية، كما استشرت نعرات طائفية ومذهبية، ويحتاج الأمر إلى طليعة واسعة الأفق، عميقة الثقة بما تدعو إليه، وصلبة مستعدة للتضحية والمواجهة مع القوى الممانعة لانطلاق طاقات الأمة.
لم يعد استجداء الطبقات الحاكمة فتات ديمقراطية مزيفة أمرا مجديا، إن ذلك سيفك عنها حبل مشنقة يقترب من عنقها، فالجدار الذي تحتمي وراءه الأنظمة بات متعفنا، عطن الرائحة وقابلا للانهيار.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- أرض مستباحة، وأمة مخدرة
- قمة الانهيار العربي
- بعد عام على احتلال العراق استمرار شتم صدام تغطية على عجز الب ...
- لو أن الدروب سالكة


المزيد.....




- مسؤول أمريكي: لا يمكننا تخيل سلام دون تبعية الحائط الغربي لإ ...
- في روسيا يخشون -الذئاب المنفردة-
- مقتل ملياردير وزوجته في ظروف غامضة في كندا
- البنتاغون ينوي التحقيق في حادث تقارب مقاتلات أمريكية وروسية ...
- اليابان تسعى لأن تصبح عضوا دائما في مجلس الأمن
- ماتيس: صواريخ كوريا الشمالية لا تشكل خطرا علينا حتى الآن
- مقتل 3 من قادة -مهاجري سنة إيران- في ريف حماة السورية
- تجدد الاشتباكات في القدس
- الإنتربول المصري يلاحق الهاربين
- مظاهرات مستمرة حول العالم نصرة للقدس


المزيد.....

- القصور والعجز الذاتي في أحزاب وفصائل اليسار العربي ... دعوة ... / غازي الصوراني
- اليسار – الديمقراطية – العلمانية أو التلازم المستحيل في العا ... / محمد الحنفي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار والقوى العلمانية و الديمقراطية في العالم العربي - اسباب الضعف و التشتت - جبريل محمد - اليسار العربي-، مشكلة التعريف، ومأساة الانعزال