أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الارهاب, الحرب والسلام - شيرين الضاني - العنف في المجتمع العربي والفلسطيني






















المزيد.....

العنف في المجتمع العربي والفلسطيني



شيرين الضاني
الحوار المتمدن-العدد: 3165 - 2010 / 10 / 25 - 11:21
المحور: الارهاب, الحرب والسلام
    


العنف في المجتمع العربي والفلسطيني

تتضمن كلمة العنف معنى الشدة والغلظة. وقد جاءت بعض الأحاديث النبوية تقابل الرفق بالعنف؛ فقال صلى الله عليه وسلم: "إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف". (رواه مسلم في صحيحه، من حديث عائشة برقم: 2593).
وقد اشتهرت كلمة (العنف) في عصرنا، وأصبحت مصطلحا شائعا مجرَّما ومذموما، وهو يشمل مجالات عدة، وأكثر ما اشتهر العنف في عصرنا في المجال السياسي، وهو المقصود بالحديث عند الإطلاق. وقد اشتد النكير عليه، والتجريم له في الآونة الأخيرة، وإن لم يحدده من أطلقوه وجرموه.
وأكثر من يُتَّهم بالعنف المسلمون، وأكثر من يتهمهم به الغربيون. والواقع يقول: إن الغربيين هم أكثر الناس عنفا، وإن المسلمين في العالم كله هم ضحايا هذا العنف، ودماؤهم وحرماتهم مستباحة في كل مكان." (القرضاوي، 2004)
مفهوم العنف:
العنف في المفهوم الشائع هو: استخدام القوة المادية أو العسكرية لقهر الخصوم بلا ضابط من شرع أو خلق أو قانون، وبلا مبالاة بما يحدث من جرائها من أضرار. وقد يحدث هذا العنف من الأفراد، أو من الجماعات، أو من الحكومات. ولكنا نلاحظ -عند التطبيق- أن بعض الجماعات تتهم بالعنف، وهي منه براء.
ولكن العنف هو استخدام الشدة والغلظة في غير موضعها، أو في غير أوانها، أو بأكثر مما يلزم، أو بغير حاجة إليها، أو بدون ضوابط استعمالها.
وإنما قلت: (الشدة)، ولم أقل: استخدام القوة المادية أو العسكرية كما هو الشائع والمقصود لدى الكثيرين؛ لأن العنف - في نظر الإسلام- لا يقتصر على القوة المادية أو العسكرية؛ بل العنف يشمل -فيما يشمل- الكلام والجدال، والإسلام يرفض العنف بلا مبرر، سواء كان في القول أم في الفعل. (القرضاوي، 2004)

ولهذا كان منهج الدعوة في الإسلام قائما على الرفق لا على العنف، كما قال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (سورة النحل: 125). وقال تعالى: {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا} (سورة الإسراء: 53).

فأمر عباده المؤمنين أن يتحروا في خطابهم لغيرهم الكلمة التي هي أحسن، وليس مجرد الكلمة الحسنة، فإذا كانت هناك كلمتان أو عبارتان إحداهما حسنة، والأخرى أحسن منها، فعلى عباده أن يختاروا التي هي أحسن.

وهكذا يجب أن يتحرى المسلم (الأحسن) في خطابه وفي جداله، وفي دفعه لسيئة غيره، كما قال سبحانه: {وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} (فصلت: 34).

وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو الأسوة الحسنة التي تتجسد فيها المعاني والمثل العليا التي جاء بها القرآن، فقد كان خلقه القرآن.

روى البخاري في صحيحه عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "استأذن رهط من اليهود على النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالوا (أي في تحيتهم للنبي): السام عليك (أي الموت والهلاك عليك) قلت: بل عليكم السام واللعنة! فقال: "يا عائشة؛ إن الله يحب الرفق في الأمر كله" قلت: أولم تسمع ما قالوا؟! قال: "قلت: وعليكم".( رواه البخاري في كتاب الأدب (6024)، ومسلم في كتاب السلام (2165) عن عائشة).

فهؤلاء اليهود الخبثاء لم يراعوا أدب الخطاب مع الرسول الكريم، بل لوّوا ألسنتهم، وحرفوا الكلم عن مواضعه، فبدل أن يقولوا: السلام عليكم يا محمد، قالوا: السام عليك! أي الهلاك والموت. ولكن الرسول الكريم لم يشأ أن يجعل من ذلك معركة، ورد عليهم قائلا: وعليكم؛ أي الموت يكون علينا وعليكم، وعلَّم زوجه عائشة الشابة المتحمسة الرفق في الأمر كله.

وإذا كان الإسلام يرفض العنف في القول، فأولى أن يرفض العنف في الفعل، بمعنى: استخدام القوة المادية أو العسكرية في غير موضعها، أي بالحق والباطل، وفي العدل والظلم. (القرضاوي، 2004).

التعريف اللغوي للعنف : عنف (العُنْف) بالضم ضد الرفق. تقول منه: عَنُفَ عليه بالضم (عُنْفاً)، و(عَنُفَ) به أيضاً و(التعنيف) التعيير واللوم.( الرازى، ت:666 هـ).
ويتضح من التعريف اللغوي أن العنف لم يقتصر على الإيذاء الجسدي بل هو شامل للإيذاء الجسدي واللفظي على حد سواء .

التعريف الاصطلاحي للعنف: العنف هو أي سلوك موجه بهدف إيذاء شخص أو أشخاص آخرين لا يرغبون في ذلك ويحاولون تفاديه. (Kaplan H. 1994).


على الرغم من تعدد تعريفات العنف في الثقافات المختلفة إلا أنه يبقى هناك تساؤلات كثيرة حول وصف سلوك معين بأنه عنفاً ، لأن ذلك غالباً ما يرتبط بالسياق الذي تم فيه هذا السلوك ، فالعنف الذي يمارس من أجل سلب الآخرين حقوقهم أو قهرهم لقبول وضع معين يختلف تماماً عن العنف الذي يكون الدافع إليه دفع باطل أو إحقاق حق أو دفاع عن النفس أو العرض أو الوطن أو العقيدة ...الخ
وهناك بعض التعريفات التي تقصر العنف على الإيذاء الجسدي دون اللفظي ، وأغلب التعريفات لا تبرز العنف السلبي كالصمت والعناد والمكايدة.

 أشكال العنف:
يظهر العنف بأشكال ودرجات مختلفة عندما تتوفر الظروف المناسبة لظهوره، ولقد ذكر (1973،Balk) أن أكثر أشكال العنف ظهوراً بين المراهقين في الدول غير الصناعية هي السرقة والعنف الجسدي والألفاظ غير المناسبة والنشاطات المرتبطة بالجنس وتدمير الممتلكات. (1973،Balk).
ويمكن أن يظهر العنف بين الأفراد في عدة أشكال منها:

• العنف الرمزي:
وهو الذي يمارس فيه سلوك يرمي إلى تحقير الآخرين أو استفزازهم كالامتناع عن رد السلام أو تجاهل الفرد والإزعاج من خلال الاستهزاء والسخرية من خلال الحركات أو النظرات... وغيرها.

• العنف اللفظي:
وهو الذي يقف عند حدود الكلام ومن أمثلته الشتائم والتهديد وإطلاق الصفات غير المناسبة.
وقد يكون العنف فردياً حيث يسعى الفرد إلى إلحاق الأذى بغيره من الأفراد والجماعات أو الأشياء، وقد يكون جماعياً حيث تسعى جماعة إلى إلحاق الأذى بغيرها من الجماعات والأفراد.(البكور، 1985، ص 13).

• العنف الجسدي:
حيث يشترك الجسد في الاعتداء على الآخرين سواء باستخدام أداة أو بدونها ومن أمثلته الضرب والدفع... وغيرها (الوطني، 1998، ص 35).




 محددات العنف: (Aggression Determinants)


أولاً: المحددات الاجتماعية (Sociologic Determinants):
(1) الإحباط : ويعتبر هو أهم عامل منفرد في استثارة العنف لدى الإنسان وليس معنى هذا أن كل إحباط يؤدي إلى العنف ، أو أن كل عنف هو نتيجة إحباط (1939Dollard J, ).
ولكي يؤدي الإحباط إلى العنف فلابد أن يتوفر عاملان أساسيان:
أولهما : أن الإحباط يجب أن يكون شديدا ، وثانيهما : أن الشخص يستقبل هذا الإحباط على إنه ظلم واقع عليه ولا يستحقه ، أو أنه غير شرعي .
(2) الاستثارة المباشرة من الآخرين :- وربما تكون هذه الاستثارة بسيطة في البداية كلفظ جارح أو مهين ولكن يمكن أن تتضاعف الاستثارات المتبادلة لتصل بالشخص إلى أقصى درجات العنف.
(3) التعرض لنماذج عنف : وهذا يحدث حين يشاهد الشخص نماذج للعنف في التليفزيون أو السينما ، فإن ذلك يجعله أكثر ميلا للعنف من خلال آليات ثلاثة هي: Kaplan, 1985))

أ- التعلم بالملاحظة : ( Observational Learning ) :
حيث يتعلم الشخص من مشاهد العنف التي يراها طرقاً جديدة لإيذاء الآخرين لم يكن يعرفها من قبل .
ب- الفلتان ( Disinhibition ) : بمعنى أن الضوابط والموانع التي تعتبر حاجزا بين الإنسان والعنف تضعف تدريجيا كلما تعرض لمشاهد عنف يمارسها الآخرون أمامه على الشاشة .
ج- تقليل الحساسية ( Desensitization ) : حيث تقل حساسية الشخص للآثار المؤلمة للعنف وللمعاناة التي يعانيها ضحية هذا العنف كلما تكررت عليه مشاهد العنف ، فيصبح بذلك أكثر إقداما على العنف دون الإحساس بالألم أو تأنيب الضمير .

ثانياً: المحددات البيئية (Environmental Determinants):
مثل تلوث الهواء والضجيج والازدحام… الخ

ثالثاً: المحددات الموقفية ( Situational Determinants ) :
1. الاستشارة الفسيولوجية العالية: مثال لذلك المنافسة الشديدة في المسابقات، أو التدريبات الرياضية العنيفة، أو التعرض لأفلام تحوي مشاهد مثيرة.
2. الاستثارة الجنسية: فقد وجد أن التعرض للاستثارة الجنسية العالية (كأن يرى الشخص فيلماً مليئا بالمشاهد الجنسية) يهيئ الشخص لاستجابات العنف.
3. الألم: فحين يتعرض الإنسان للألم الجسدي يكون أكثر ميلا للعنف نحو أي شخص أمامه.


رابعاً: المحددات العضوية ( Organic Determinants )
1- الهرمونات والعقاقير: تعزو بعض الدراسات العنف إلى ارتفاع نسبة هرمون الأندورجين ( الهرمون الذكري ) في الدم ، وإن كانت هذه الدراسات غير مؤكدة حتى الآن.
ويؤدي استعمال العقاقير كالكحول والباربتيورات والأفيونات إلى زيادة الاندفاع نحو العنف.
2- الناقلات العصبية : بشكل عام ترتبط زيادة الدوبامين ونقص السيروتونين بالعنف، في حين أن زيادة السيروتونين والـ GABA تؤدي إلى التقليل من السلوك العنيف .
3- الصبغيات الوراثية : أكدت دراسات التوائم زيادة نسبة السلوكيات العنيفة في توأم أحادي البويضة إذا كان التوأم الآخر متسما بالعنف. وأكدت دراسات وراثية أخرى زيادة العنف في الأشخاص ذوي الذكاء المنخفض، وفي أولئك الذين لديهم تاريخ عائلي للاضطرابات النفسية وهناك احتمال لم يتأكد بشكل قاطع أن الأشخاص ذوي التركيب الكروموسومي XYY يميلون لأن يكونوا أكثر ميلا للعنف .

 أسباب العنف:
بالإضافة إلى المحددات السابقة للعنف؛ يمكن أن نوجز بعض أسباب العنف فيما يلي:
1. سوء التربية من قبل الأسرة.
2. الفقر والجوع والأوضاع الاقتصادية الصعبة.
3. المشاكل الأسرية التي تؤدي إلى افتراق الأبوين.
4. عدم وجود أحد يعيل العائلة.
5. انشغال الأبوين وانصرافهم عن البيت والأولاد.
6. كثرة ما يعرض من أفلام العنف.
7. ضعف الوازع الديني.
8. المشي مع أصدقاء ورفاق السوء.
9. أزمة البطالة المنتشرة في وسط الشباب.
10. تعاطي المشروبات والمخدرات. (صوت المجتمع، 2006، ص3).

ولو تأملنا في هذه الأسباب لرأينا أن كل واحد منها يمكن أن يكون مبرراً كافياً لأن يجعل الشباب عنفياً، فحينما تحتدم مشاعره ويشعر بالضغوط الخارجية المحدقة والصراع الداخلي المحتدم ولا يجد هناك من قناة لتصريف غضبه سوى يده أو لسانه، فإنه يستسهل التعبير بهما، ففي كثير من الأحيان حينما يكون الشاب واقعاً تحت تأثير سبب أو أكثر من الأسباب المارة الذكر فإنه يعدم أسلوب الحوار والتفاهم والتعامل بحكمة، إنه يصبح ذا حساسية مفرطة، ويجد أن من حوله يعادونه فيحاول الانتقام منهم، وهو نادراً ما يجيد فض النزاع بالطرق السلمية، فلقد تلقى دروس العنف من التلفزيون الذي يغذي مشاعر الشباب بالكثير من الوسائل والأساليب العدوانية التي تجعلهم يقابلون الإهانة البسيطة بعنف شديد، والكلمة النابية المبتذلة بعنف جسدي والخطأ حتى غير المقصود برد الصاع صاعين. (صوت المجتمع، 2006، ص3).

 آليات العنف :
للعنف آليات كثيرة ومتشابكة تتضافر مع بعضها لتؤدي إلى انطلاق نزعات العنف .. ورغم تعدد وتشابك الأسباب إلا أن كثيرين من علماء النفس يرون أن الإحباط هو أهم عامل منفرد يؤدى إلى العنف ويفسرون العلاقة بين العنف والإحباط كالتالي :
إحباط  تغيرات فسيولوجية ونفسية  زيادة الاستجابة لمثيرات العنف  سلوك عنيف. (Kaplan,1989).
ويرى فريق آخر أن العنف يحدث إذا اختل التوازن بين البواعث نحوه وبين السيطرة الداخلية للشخص على تلك البواعث (Kaplan and sadock, 1994).
 العنف والعدوان:
يشتمل العدوان على العنف، حيث يتضمن العدوان العنف كوسيلة عدوانية، كما يمثل العنف الاستجابة السلوكية ذات السمة الانفعالية المرتفعة التي تدفع صاحبها نحو العنف دون وعي وتفكير لما يحدث وللنتائج المترتبة على هذا الفعل. (المغربي، 1987).
ولهذا تنعكس تعقيدات الضغوط الاقتصادية والاجتماعية بشعور عدواني يتمثل في ممارسة العنف؛ إذ ينعكس أثر ذلك بشكل يتسم بالعنف لدى العديد من الأفراد نحو المجتمع بشكل سلبي يؤثر على تطور المجتمع. (جبريل، 1994)
 العنف والبلطجة:
تتفاوت الفروق بين العنف والبلطجة من حيث الهدف والنتيجة فقد يتسم العنف في بداياته بالضرب والاعتداءات الأخرى، وربما ينتهي بالقتل. في حين أن البلطجة أقل حدة في انتشارها حيث يمارسها بعض الأفراد القلائل وخاصة الخطيرين وذوي خبرات السجون، بالإضافة إلى ذلك فإن معظم ما يقوم به هؤلاء الأفراد إنما يحدث نتيجة لدوافع اقتصادية في الغالب. وعلى ذلك فإن الفروق بين العنف والبلطجة تحدده الدوافع والأهداف.
 العنف والجنس:
في كل بلاد العالم يتضاعف ضحايا عنف الرجال إلى خمس مرات عنه لدى النساء وهذا ما توضحه وثائق منظمة الصحة العالمية كل عام، ومن ثم فإنه على الرغم من أن العنف قد يصدر من أي إنسان في المراحل العمرية المختلفة، إلا أن الملاحظ أن الرجال أكثر عرضة لارتكاب جرائم العنف من المرأة ووفقاً لذلك فإن الرجال أكثر عنفا من النساء عبر التاريخ والعالم. ((Elias, M. J. 1996 وما يؤيد هذه الفروق بين النوع "فقد أجريت إحدى الدراسات التي اهتمت بالتعرف على مظاهر السلوك العدواني بين تلاميذ وتلميذات المرحلة الثانوية، وقد أوضحت نتائجها ارتفاع العدوانية لدى التلاميذ عنه لدى التلميذات". (شحاتة، 1990)

 العنف والعمر:
تزداد أعمال العنف في مرحلة المراهقة عن المراحل النمائية الأخرى نظراً لطبيعة المرحلة في مواجهة ضوابط المجتمع، ولقد أظهرت الإحصاءات الكثيرة أن مجمل الاعتداءات الجنسية، غالباً ما كانوا هم ضحايا اعتداءات جنسية في طفولتهم. (الحلبي، 1994)
إذ تترك الخبرات الجنسية المأساوية أثراً سلبياً على الفرد وسلوكه العنيف في المراحل العمرية اللاحقة.
وبصدد هذه المشكلة وخطورتها، فقد لوحظ تصاعد مستمر ومخيف في جرائم الاغتصاب. (السبع، 1997، ص8)
وما يزيد من حجم هذه المشكلة، هو أن ما يعلن عن تلك الجرائم لا يمثل إلا القليل منها، حيث يلاحظ العديد من حالات اغتصاب الفتيات في مرحلتي الطفولة والمراهقة وخاصة مع ارتفاع انتشار الإدمان والمخدرات والكحولات والمنشطات والانحرافات السلوكية بين الشباب والتلاميذ في المراحل الدراسية المختلفة، بل أن الأخطر من ذلك في الوقت الحاضر، ما يحدث من اغتصاب ووحشية نحو المحارم.
وتلك المشكلة تمثل منحنى جديداً في عنف جرائم الاغتصاب التي احتلت رأس قائمة الجرائم حيث وصلت جرائم اغتصاب الفتيات الصغيرات إلى مستوى ينذر بالخطورة، حيث وصل الأمر إلى اشتراك مجموعة من الشباب في اغتصاب طفلة واحدة، واغتصاب التلميذات بل وحرق وتمزيق الضحايا لإخفاء هذه الجرائم. (الساعاتي، 1997، ص15)


 العنف والإرهاب
هل العنف والإرهاب شيء واحد أم بينهما فرق؟ بعض الذين تحدثوا في الموضوع لم يجعلوا بينهما فرقا. ورأيي: أن بينهما عموما وخصوصا، كما يقول أهل المنطق؛ فكل إرهاب عنف، وليس كل عنف إرهابا؛ إذ العنف -فيما رأينا- أن تستخدم فئة من الناس القوة المادية في غير موضعها، وتستخدمها بغير ضابط من خُلُق أو شرع أو قانون.
ومعنى (في غير موضعها): أن تستخدم القوة حيث يمكن أن تستخدم الحجة أو الإقناع بالكلمة والدعوة والحوار بالتي هي أحسن، وهي حين تستخدم القوة لا تبالي من تقتل من الناس، ولا تسأل نفسها: أيجوز قتلهم أم لا؟ وهي تعطي نفسها سلطة المفتي والقاضي والشرطي، هذا هو العنف الذي نجرمه.
أما الإرهاب، فهو أن تستخدم العنف فيمن ليس بينك وبينه قضية، وإنما هو وسيلة لإرهاب الآخرين وتخويفهم وإيذائهم بوجه من الوجوه، وإجبارهم على أن يخضعوا لمطالبك، وإن كانت عادلة في رأيك. ويدخل في ذلك: خطف الطائرات، فليس بين الخاطف وركاب الطائرة عادة أية قضية، ولا خلاف بينه وبينهم، إنما يتخذهم وسيلة للضغط على جهة معينة؛ مثل: حكومة الطائرة المخطوفة، أو حكومة الركاب المخطوفين لتحقيق مطالب له؛ كإطلاق مساجين أو دفع فدية، أو نحو ذلك، وإلا قتلوا من قتلوا من ركاب الطائرة، أو فجروها بمن فيها.
إذن فالإرهاب هو استخدام طريق عنيفة كوسيلة الهدف منها نشر الرعب للإجبار على اتخاذ موقف معين أو الامتناع عن موقف معين. (القرضاوي، 2004).
 العنف والثقافة:
إن العقل العنفي هو نتاج جملة من الحالات والعوامل المتداخلة والمركبة مع بعضها بعضاً والتي تتسع للعوامل والشروط الذاتية ، كما تتسع للعوامل والظروف الموضوعية ، فطبيعة الثقافة في مجتمع ما هي التي تحدد إلى حد بعيد صور العنف ، فإذا كانت الثقافة عنيفة يتحول اللسان إلى أداة للأذى بكل صنوفه وأشكاله ، واليد إلى ممارسة القتل والتدمير وكل أشكال العنف المادي، أما إذا كانت الثقافة تحتضن مفاهيم الرفق والعفو و التسامح، يتحقق السلم الأهلي والوازن الاجتماعي في المجتمع .
فالعنف بوصفه ظاهرة مجتمعية له جذوره الثقافية، وموجباته المعرفية، لا يمكن معرفة هذه الظاهرة حق المعرفة إلا من خلال معرفة الجذور والحواضن الثقافية للعنف.
والذي يزيد من تعميق هذا الخلل في الفضاء الفلسطيني بكل مستوياته، هو طبيعة الثقافة السائدة وخياراتها العامة، حيث أنها ثقافة ترفض التعددية والاختلاف، وتكتفي من التقدم الإنساني والحداثة بالقشور، فيما تنغمس في إقامة أمر المجتمعات العربية على مقتضى قواعد الاختزال والاستبداد كما أن الثقافة السياسية و الاجتماعية التي تنبذ حق الاختلاف، تحارب التنوع، وتؤله القوة بعيداً عن مقتضيات الحق، هي أيضاً بيئة خصبة لإنتاج ظاهرة العنف في المجتمعات العربية.
كما أن الثقافة التي تنتج الإقصاء الاجتماعي ، و النبذ الثقافي ، والمفاضلة صلة الشعورية بين المختلفين والمغايرين ، هي ثقافة مولدة لظاهرة العنف . (حلس، 2006).

إن أول ضحية للعنف هو المنطق والعقل: فحين يزدهر العنف، تنمو أسوأ الدوافع الغريزية والأنانية على حساب التفكير السليم. ومع صعوده، يحمل العنف مخزوناتِ الانقسامات والتناقضات الموروثة كلَّها، وأكثر أشكال الوعي تخلفًا وشراسة. ولكي يتمكن العنف من البقاء، يعمل باستمرار على الحطِّ من إنسانية الإنسان: الحضارة والثقافة، الروح الدينية الحقيقية، التسامح والمحبة – كل تلك القيم العظيمة يجري تحطيمها على مذبح العنف؛ ومن أشلائها يستمد العنف غذاءه للاستمرار والتمدد. (عدي،2004).
على امتداد عدة عقود، دفعت المجتمعاتُ العربية ثمنًا باهظًا لدورات من العنف أثبتتْ عقمها وعبثيَّتها وانعدام وجود أيِّ منطق متماسك يسوِّغها. وحده كان الخيار في فتح باب العنف كافيًا لتدمير مالا يقدَّر بثمن من الأرواح والممتلكات والعودة إلى نقطة الصفر – أو ما تحتها!
إن وجود التناقضات الاجتماعية لا يبرِّر العنف، كما أن العنف ليس نتيجة بسيطة لوجودها؛ بل إن هنالك مصدرًا آخر للعنف هو ثقافة العنف. وسواء أتت هذه الثقافة محمولة على نظريات جاهزة (كالعنف الثوري ونظريات التكفير)، أو أتت عبر تدفق متفرق من أفكار ذات مصادر متعددة، كالتعصب القَبَلي والمذهبي والقومي أو البربرية المستعادة تاريخيًّا، فإن ثقافة العنف تلعب الدور الحاسم في قلب التناقضات الاجتماعية السِّلمية إلى تناقضات عنيفة، لا تتوقف حتى تدمِّر طاقة المجتمع وتُهلِك الحرث والنسل.
إن ثقافة اللاعنف لا تعنى تجاهُل التناقضات الاجتماعية، سواء كانت بين فئات اجتماعية أو بين شرائح طبقية أو بين قوميات... الخ، ولكنها تعني اعتماد أسلوب سِلميٍّ في حلِّ جميع تلك التناقضات، مبني على اللاعنف، ومناهضة أية توجهات عنيفة داخل المجتمع.
والدولة هنا معنية بهذا التحول أيضًا. فداخل كلِّ دولة تتجمع بؤرٌ لا تحصى لثقافة العنف آتية من المجتمع ومتراكبة مع آليات السيطرة والقمع، حيث يتحول العنف إلى قوانين ومؤسَّسات ونزعات تنتظر الفرصة للانفلات من عقالها.
ثقافة اللاعنف لم تعد ترفًا فكريًّا، ولا دعوة برجوازية حالمة. لقد أصبحت ضرورة مصيرية، ومقدمة لإنهاء دورات العنف المغلقة المهلِكة، وفتح طريق التطور السِّلمي والتحول الديموقراطي. ولا يمكن لمثل هذه الثقافة أن تنتشر وتتوطد من دون بذل جهود مضنية في خلايا المجتمع الحية كلِّها لإقامتها على أنقاض ثقافة العنف، من البيت، إلى المدرسة، إلى الأحزاب السياسية والفعاليات الفكرية، إلى الدولة بجميع مؤسَّساتها.
إدانة ثقافة العنف، وتحريم اللجوء إليه داخل المجتمع، مهما كانت المبررات – تلك هي رسالة ثقافة اللاعنف. إذ لم تعد الأوطان تتحمل دورات جديدة من العنف لا تُحصَد منها غير الكوارث.

 العنف والدين:
"إن ظاهرة العنف ليست ظاهرة حديثة وليدة العولمة وإنما يعود تاريخها إلى المجتمع الإنساني الأول... من حكاية قابيل مع أخيه هابيل. ومنذ ذلك اليوم وحتى يومنا هذا شهدت البشرية أصنافاً لا تحصى كمَّاً وكيفاً من مظاهر القسوة والبربرية.. و العنف.. التي سببت سلسلة من الكوارث المأساوية المتعاقبة؛ لأن العنف لا يولِّد إلا العنف.
وهذه الظاهرة الخطيرة تتنافى والفطرة السليمة وطبيعة التكوين البشري كما تتنافى وروح التعاليم الإلهية والشريعة الإسلامية، فهناك العشرات من النصوص القرآنية، وهناك السنة النبوية الشريفة وسيرة أهل البيت، كلها تثبت بوضوح أن الأصل في الحياة وفي معاملة الإنسان مع أخيه الإنسان، هو مبدأ السلم والعفو والتسامح، أما القسوة والعنف فهو الاستثناء والذي لا يلجأ إليه إلا العاجزون عن التعبير بالوسائل الطبيعية السلمية. من جهة عدم ثقة الفرد أو الجماعة بقوة أو صحة أفكارهم وقناعاتهم فيعمدون إلى فرضها على الآخرين بالقهر والإكراه"( القزويني، 2003).

إن الإسلام يرفض جميع أشكال العنف والإرهاب ويدعو إلى السلام والرفق واللين والإخاء كما يتجلى ذلك في قوله تعالى)وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً)(البقرة: من الآية83) – (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)(النحل: من الآية125) – (وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)(البقرة: من الآية237) ويقول النبي: (تعافوا تسقط الضغائن بينكم)، ويقول: (العفو أحق ما عمل به) وعن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قال: (شر الناس مضن لا يعفو عن الزلة، ولا يستر العورة)، ويقول : (بالعفو تستنزل الرحمة) وعنه: (اخلط الشدة بالرفق وأرفق ما كان الرفق أوفق) .
ولقد قدم النبي  وأهل بيته دروساً عملية في العفو والتعامل الحسن والتسامح، حتى مع الأعداء، وقد تجلَّى ذلك في موقف النبي  من الكفار والمشركين حين فتح مكة، قائلاً  لهم: (اذهبوا أنتم الطلقاء) وعلى الرغم مما تسبَّب به أعداء النبي من الأذى إلا أنه يكرّر دعاءه لهم بالقول: (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون).

 نظرة الإسلام للعنف كظاهرة اجتماعية:
إن سلامة المجتمع وقوة بنيانه وتماسكه وترابطه مرتبطان بسلامة أفراده، ومن هنا كانت عناية الإسلام بتربية الأولاد اجتماعياً وسلوكياً.
وقد أقام الإسلام قواعد التنشئة الفاضلة في نفوس الأفراد صغاراً وكباراً وأصدر الإسلام توجيهاته ووصاياه الرشيدة للمربين، ولم يقر عليه السلام الشدة والعنف في معاملة الأبناء بل سعى لإدخال السرور في قلوب الأطفال.

كما حذر الإسلام من إغفال الأمهات قواعد التربية الإسلامية لما فيها من أشد الخطر على مستقبل وحياة الأولاد، بل أمر الوالدين أن يسيروا على السنن التي وضعها الإسلام في تربية الأبناء.
ومن جانب آخر نرى أن المسلم هو من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن هو من ائتمنه الناس على أموالهم وأعراضهم، فالذي يؤذي الناس في أرواحهم وأموالهم وأمنهم ليس بمسلم والذي يأتمنه الناس ليس بمؤمن، حيث يقرر الإسلام أن حياة المسلم ينبغي أن تكون في أمان، وبالمقابل فقد شرع الإسلام عقوبات لمن يعتدي على المال والعرض والنفس، وجعل هذه الأمور محرمات على الناس، بمعنى أن الإسلام كان راعياً للإنسان وحامياً له ويقيم الحدود على من يمتثل أمر الله ونهيه، ومن هنا فالذين يعتدون على الناس هم في نظر الإسلام خارجون عن الدين وعن القانون، ولذلك فإن عقابهم عسير لأن الله سبحانه وتعالى يقرر أن حياة إنسان واحد تعادل حياة الناس جميعاً. (مجلة النفس المطمئنة، 1988 ص 20-22)

 القتال المسلح في الإسلام:
الحرب قديمة بقدم الإنسان، وهي سنة من سنن الاجتماع البشري، ووصفٌ ملازم لجميع الكائنات الحية بسبب تنازع المصالح وتغايُر الأهواء وحب السيطرة ودافع إرضاء الذات، غير أن تلك الغرائز يمكن تعديلها وإصلاحها وتوجيهها نحو المثل العليا بدليل أن الإنسانية تقبلت الأديان السماوية ومبادئ الأخلاق العالية. ولهذا فإنا نؤكد ضرورة الحلول السلمية في كل نزاع وهو ما تحرص عليه ديانات السماء وينادي به دعاة الإصلاح وعلماء الاجتماع في كل زمان. وقد ساهمت الديانة المسيحية في تقرير السلام في الأرض وتخفيف حدة المنازعات الهمجية في القرون الوسطى، وأدى نشاط رجال الدين من أجل السلام إلى توطيد دعائمه والعمل على تجنيب العالم ويلات الحروب.
وجاء الإسلام بدعوته السلمية إلى الآفاق في حدود الحفاظ على الكرامة الإنسانية والعزة وبقاء الجماعة الإسلامية وفي صالح المجموعة البشرية حتى لا يفسد نظام الطبيعة وكيلا تنحدر القيم العليا وتحل محلها أوباء الرذيلة ومفاسد الفوضى واختلال النواميس الطبيعية. ولم يشهر المسلمون سيفاً إلا حينما أصبح الإسلام في وسط مذأبة من الناس يراد به السوء من كل جانب، فكانت الحرب ضرورة طبيعية في الإسلام وليست قاعدة يخطط المسلمون في ضوئها غزو العالم بأسره. وبذلك يظهر أن الإسلام دين يواجه الواقع ولا يفر منه جرياً مع سنة تنازع البقاء وتصارع الأهواء، فإذا ما قضي على النزاع في وكره روعيت الحاجة إلى الطمأنينة والاستقرار. قال تعالى(وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (البقرة:190)
وهذا هو أسمى ما وصلت إليه البشرية فقررت ضرورة صيانة السلم والأمن الدوليين كما نص على ذلك ميثاق الأمم المتحدة، ولكن بجانب ذلك تسابقت الدول في ميدان التسلح الرهيب وانتهوا أخيراً إلى ما سموه بمبدأ السلم المسلح. غير أن خداع ذلك المبدأ لا ينطلي على الناس، فقد أثبتت الشواهد والأمثال الكثيرة من واقع تكرر الحروب الحديثة خرق المواثيق الدولية على أن المبدأ السابق غير معتقد به ويخفي وراءه أطماعاً لا حصر لها. بخلاف ما نلمسه في عقيدة المسلمين من أن المسلم يجب أن يكون حقيقة واقعة. وما أروع تلك الكلمة عثرتُ عليها مخطوط لابن الصلاح حيث قال: «إن الله تعالى ما أراد فناء الخلق ولا خلَقهم ليقتلوا، وإنما أبيح قتلهم لعارض ضرر وجِد منهم، لأن الدنيا ليست دار جزاء، بل الجزاء في الآخرة».
 العنف والنزاعات الداخلية في الدول العربية:

تختلف درجات النزاعات الداخلية من دولة عربية إلى أخرى. وتتردد ردود الفعل الرسمية والشعبية تجاه ذلك بين محاولات وقف الحروب الأهلية، وحماية وتقوية السلام الوطني لئلا يستبدل به مواجهات داخلية. ويمثل احتواء النزاع العنيف، وتخفيف المعاناة، ونزع فتيل الصدام، التحدي الكبير والرئيسي في دول مثل الجزائر والسودان. كما يلزم الدول التي خرجت من صدامات وحروب أهلية مثل لبنان وعمان ومصر واليمن، دون أن تنتهي جيوب الاحتقان فيها بشكل نهائي، أن تسارع في تنفيذ برامج إعادة الإعمار، والتنمية الاجتماعية، والإصلاح السياسي لتنتج جميعها سلاما ووفاقا اجتماعيين. ويتطلب كل ذلك بناء علاقة المواطنة بين الجماعات العرقية والدينية والثقافية، وتعميق مفاهيمها لقطع الطريق أمام أي محاولة لإعادة استخدام الفروق العرقية والدينية والثقافية في إشعال نزاع داخلي.

• ملاحظات أولية
1. النزاع والسلام ليسا عشوائيين، إنهما ظاهرتان يمكن تفسيرهما، ولوجودهما أو عدمه أسباب، كما يمكن التأثير عليهما.
2. ليس النزاع والسلام ساكنين بل حيويين (ديناميكيين)، ويتطوران بعامل الزمن.
3. لا ينتهي كل نزاع بالعنف فهناك العديد منها يحل بشكل سلمي.
4. يتطلب منع ظهور النزاع العنيف (Violent Conflict) أو وقفه فهم حيوية (Dynamism) النزاع السلمي والعنيف، وإدراك مكونات السلام.
5. لتكون الإجراءات المتخذة لمنع أي نزاع أو تسكينه فاعلة لابد من فهم مسببات ذلك النزاع بشكل خاص، وتطبيق سياسات وبرامج وآليات متعددة تناسب نوعه والمستوى الذي وصل إليه.


 مفهوم النزاع:
عرف بعض الباحثين النزاع الداخلي بأنه التنازع بين مجموعات مختلفة (عرقية، سياسية، دينية..) من خلال مخالفات غير منطقية لأعراف الحياة اليومية للمجتمع. غير أن ممارساتها غير المنطقية لا تمنع وجود أسباب وأهداف منطقية تقف وراءها، كما هو مشاهد في مطالب العديد من الأقليات الدينية والعرقية والسياسية. وفي التاريخ الإسلامي أثر عن الصحابي أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قوله "عجبت لمن لا يجد قوت يومه كيف لا يحمل سيفه ويخرج باحثا عنه"، وهو ما يعبر بوضوح عن وجود أسباب منطقية لما تعيشه المنطقة العربية من نزاعات داخلية.
وهناك من عرف النزاع بأنه انهيار أو تعطل في النظام الاجتماعي والسياسي القائم دون أن يصحبه بالضرورة بروز نظام بديل كما كان في الصومال وقبله لبنان. وتحدث آخرون عن مفهوم النزاع من خلال تحديد الظروف الموضوعية لبروزه، فيوجد النزاع عندما تلاحظ مجموعتان أو مجموعات أن مصالحها متناقضة أو التعبير عن مواقفها أصبح يتم بعدائية أو تحاول تحقيق أهدافها بأعمال تؤدي إلى الإضرار بالمجموعات الأخرى. وقد تكون هذه المجموعات أفرادا أو مجموعات صغيرة أو كبيرة.

 موضوعات النزاع:
حددت بعض الدراسات العناصر المتنازع عليها في التالي:
1. الموارد أو الثروة، مثل: الأقاليم والمال ومصادر الطاقة والغذاء، وكيفية توزيع تلك الموارد.
2. السلطة إذ يتم التنازع بشأن كيفية تقسيم آليات الحكم والمشاركة السياسية في عملية صناعة القرار.
3. الهوية وتتعلق بالمجموعات الثقافية والاجتماعية والسياسية.
4. الأوضاع الاجتماعية والسياسية، ومنها مدى شعور الناس بأنهم يعاملون باحترام وتقدير وأن حكومتهم تحافظ على تقاليدهم الاجتماعية.
5. القيم وخاصة تلك المتمثلة في أنظمة الحكومة والدين والأيديولوجية.

هذه المصالح المتناقضة المولدة للنزاع من الممكن أن ترى في:

أولا- تغيرات الظروف الموضوعية، مثل: تدني مستوى المعيشة، وتغيرات التركيبة السكانية أو حركة السكان، والتحولات التكنولوجية التي تزيد التواصل، والإمكانات المادية، وتوافر الأسلحة.

ثانيا: تغيرات الظروف غير الموضوعية (الشخصية أو الخاصة)، مثل: شعور جديد بالامتعاض الاجتماعي، أو بروز أيديولوجية قومية جديدة. وتنشأ الظروف الخاصة حتى في حال غياب التغيرات الموضوعية. والانفعال الحزبي والذهنية الحزبية الظاهرة (الشعارات والبرامج) تؤثر في النزاع. كما أن الزمن عامل فعال حيث تحصل المكونات الشخصية للنزاع -بمرور الزمن- على أهمية التشابه التي تملكها المكونات الموضوعية. وفي النهاية النزاع لا يحدث إلا بعد تنامي الشعور بتهديد المصالح من حزب أو جماعة أخرى.

 النزاع الكامن والظاهر:
قد يعتقد بعض المراقبين بتناقض مصالح الأحزاب أو الجماعات داخل المجتمع، غير أن تلك الأطراف غير عابئة بتلك التناقضات. وهذا قد يكون بسبب غض طرف متعمد، أو بتقديم مبررات عقلانية ومنطقية لعدم وجود حاجة لتحويل التناقض إلى نزاع، وقد يكون بسبب نقص المعرفة عند تلك الجماعات لما هو كائن من تناقض، أو نتيجة لطمس المعلومات التي تؤكد تلك التعارضات. إلا أن كل ذلك لا يعني صحة الركون إلى هذه الأسباب القابلة للتغير، وبالتالي بروز النزاع.

 أنواع النزعات:
يعتبر علما النفس والاجتماع أن النزاع هو كل تنافس بين الأفراد والجماعات في المجتمع. وبناء عليه انقسم النزاع إلى سلمي وعنيف:

1- النزاع السلمي (Peaceful Conflict)
عندما تتحقق المصالح والمطالب المتعارضة باستخدام آليات مقننة ومنضبطة يصبح النزاع سلميا. ومن هذه الآليات: الدساتير والقوانين، والتكوين الأسري والعشائري، ونظم التحاكم، والأحكام الدينية، والأعراف والتقاليد، والحوار والمؤتمرات. وتراوح هذه الآليات بين كونها غير رسمية وكامنة في العقل الاجتماعي والفردي، وبين كونها رسمية ومدونة. ومن أمثلة الأخيرة الانتخابات وما يعطيه الدستور من حقوق للأفراد والجماعات من وسائل للتعبير والمطالبة بالحقوق العامة والخاصة. وتسمى هذه الضوابط مجتمعة "نطاقات السلام" فتمنع تلك التناقضات من أن تتحول إلى نزاع عنيف ومدمر.

2- النزاع العنيف (Violent Conflict)
يصبح النزاع عنيفا عندما تتخلى الأطراف عن الوسائل السلمية، وتحاول السيطرة أو تدمير قدرات المخالف لها لأجل تحقيق أهدافها ومصالحها الخاصة. وكما ذكر سابقا فإن النزاع لا يحدث إلا في ظل توفر ظروف موضوعية أو شخصية محددة.

أبعاد النزاع العنيف:
حدد بعض الباحثين أبعاد النزاع العنيف في أربعة عناصر يلزم التمعن في كل نزاع لتحديدها بدقة بقصد وضع سياسات منع نشوء النزاع أو التخفيف منه. وهذه العناصر هي:
1. المسائل الجوهرية (الأصلية)، وتكون في احتدام الجدل بشأن التنافس على الموارد الطبيعية، والسيطرة على الحكم، وتحديد صلاحيات الأقاليم والمناطق، والأيديولوجيات الحاكمة.
2. الأطراف أو مجموعات النزاع، سواء أكانت عرقية، أم دينية، أم إقليمية، أم تيارات سياسية.
3. أنواع القوة المستخدمة وطرق الإكراه، مثل أسلحة الدمار الشامل، والإرهاب، والانقلابات، والإبادة الجماعية، وانتهاك حقوق الإنسان، والتطهير العرقي.
4. الفضاء الجغرافي، حيث تتم المجازر وعمليات التخريب، والنزاعات الدولية والداخلية.

 الانتقال من السلام إلى النزاع:
تختلف مستويات النزاع (سلميا كان أم عنيفا) في درجات التعاون والعداء، فبعضها ينتهي بسلام ودون أي إكراه أو عنف. في حين يرتفع بعضها الآخر إلى أعلى درجات الصدام والمواجهة، وتشمل الاضطهاد والإيذاء الجسدي. ويمكن توزيع هذه المستويات لتبدأ من التناغم (Harmony) بين المصالح المختلفة للأطراف إلى الحرب الشاملة (All-Out-War). ويعني هذا وجود تداخل بين السلام والعنف (الحرب). ويظهر هذا التداخل في مصطلحات متدرجة مثل: الحرب المشتعلة، والحرب الباردة، والوجود المشترك أو التعايش، والتنافس، والخمود، والتحالف، والاتحاد، والعلاقات الخاصة، وغير ذلك. وفيما يلي عرض موجز لمستويات النزاع:
1- التناغم (Harmony)، ويعرف بأنه العلاقة بين الأطراف (عرقية، دينية، سياسية، ثقافية..) عندما لا توجد فعليا أي صراعات مصالح أو قيم متناقضة. ويظهر ذلك في تعاطف الأطرف مع أي طرف يتعرض لمشكلة أو أزمة.
2- السلام الدائم (Durable Peace)، ويتميز بمستوى عال من التعاون والاتصال بين الأطراف، وإدراك لكيفية تحقيق المصالح المتعارضة. وتعطي الأطراف قيمة أكبر لعلاقاتها العامة أكثر من التركيز على مصالحها الخاصة. ويسعى كل طرف لتحقيق مصالحه من خلال آليات سلمية ومؤسسية. ولذا لا يحتاج إلى استخدام العنف لتحقيق ذلك.
3- السلام الثابت (Stable Peace)، ويسمى "السلام البارد" وفيه يقل الاتصال، والتعاون بين الأطراف ويتم ذلك من خلال نسق من النظم الأساسية، والاحترام المتبادل وغياب عام للعنف. وتبقى الأهداف والقيم المتعارضة. وتتنافس الأطراف بطرق عديدة لكن ضمن ضوابط مقبولة، والتنازع يتم بطريقة غير عنيفة. ومن الممكن أن تحدث نزاعات عنيفة في هذا المستوي لكنها عمليا غير مرجحة الحصول.
4- السلام غير الثابت (Unstable Peace)، ويسمى "الحرب الباردة". وتنشأ فيه توترات ملموسة واتهامات بين الأطراف. ومن المحتمل أن تتحول إلى عنف علني متقطع. وبالرغم من قلة العنف فيه إلا أن التعايش معدوم فيه. والأطراف لا تعنى كثيرا بعلاقاتها المتبادلة بشكل كاف، ولا تسعى لوضع ضمانات تبعد احتمال استخدام الإكراه والعنف المادي لتحقيق أهداف محددة. ويبدو السلام هنا ضعيفا، ومستويات التوتر بين ارتفاع وانخفاض، وتسعى الأطراف لامتلاك السلاح بقصد الردع، والاتفاقات غير واضحة ومن السهل الإخلال بها.
5- الأزمة (Crisis)، وهي مواجهة متوترة بين مجموعات مسلحة معبأة معنويا، قد تصل إلى درجة التهديد وصدامات ظرفية (آنية). وتمهد هذه الأوضاع إلى حرب أهلية وشيكة، أو انهيار عام للقانون ونظام الحكم.
6- الحرب (War)، وهي حرب شاملة تتحارب فيها مجموعات مسلحة منظمة. وقد تحتوي على كثافة منخفضة في نطاق المواجهات مثل حروب العصابات، والفوضى السياسية. ومثال ذلك الوضع في الجزائر والصومال، وجنوب السودان.
في الأوضاع الواقعية لا تحدد هذه المستويات بشكل هندسي، بل تلاحظ عند بروزها بشكل كبير. والمقصود هنا أن النزاعات والسلام لا يبرز بشكل مفاجئ، أو ينتقل بشكل سريع من مستوى إلى آخر، أو ينتهي أيضا بشكل مفاجئ. فالعلاقات لا تنتقل من السلام الكامل إلى الحرب الشاملة دون المرور بمستويات وسيطة.

• عوامل الانتقال بين مستويات السلام والنزاع
معرفة العوامل المذكورة في الأسفل تمثل خطوة مهمة لتحديد أنجع الإجراءات لمنع النزاعات من التطور إلى الأسوأ؛ وهذه العوامل هي:
1. شدة وحجم الشكاوى ومواقف التذمر.
2. مدى إدراك الأطراف لاختلافاتهم وتطلعاتهم ومواقفهم تجاه بعضهم.
3. حجم التفاعل المباشر والاتصالات التي تملكها الأطراف في تعاملها مع بعضها البعض.
4. مستوى التعبئة السياسية والتنظيم الواقفين خلف أوضاع الأطراف المختلفة.
5. حجم التلاحم والالتصاق بين قيادات الأطراف والقواعد في الدوائر الانتخابية.
6. حجم السلوك العدائي.
7. المدى الذي يمكن أن تصل إليه تهديدات الأطراف باستعمال السلاح.
8. عدد الأحزاب والجماعات في كل طرف من أطراف النزاع.

 محددات النزاع العنيف والسلام
ينشأ النزاع العنيف من أسباب مركبة. وهناك عوامل رئيسية أو متغيرات ترجح تطور النزاع إلى عنف، أو أنه سينتهي بشكل سلمي. وهذه العوامل من الممكن أن تكون أسبابا للعنف أو أسبابا للسلام. وبالتالي يمكن تقسيم محددات النزاع إلى بنيوية، ووسيطة، ومباشرة.
1- العوامل البنيوية (Systemic Causes: Structural Conditions)، وهي أسباب موضوعية (Subjective) تتعلق بالظروف الأساسية للمجموعات، والتدهور البيئي، والنمو السكاني، وندرة الموارد، والتنافس، وانهيار القيم والتقاليد، والفقر، والتهميش الديني والإثني. والإجراءات التي تتخذ لوقف النزاعات ذات الأسباب البنيوية تظهر نتائجها بعد فترة طويلة من التطبيقات.
2- العوامل الوسيطة (Proximate: Political and Institutional Factories)، وتشكل أساس المشاكل في العمليات الاجتماعية والسياسية والاتصالات. وهي عوامل حاسمة تؤثر في تحول الأوضاع البنيوية إلى ردود أفعال عنيفة، أو إلى سلوك طرق سلمية للتعامل مع المصالح المتناقضة. وتدرك بسهولة العلاقة بين الأسباب الوسيطة ومظاهر النزاع العنيفة. كما أن أثرها أكثر مباشرة. ومن الأسباب الوسيطة: السياسات الحكومية، والمنظمات الاجتماعية، وبرامج الإصلاح الاقتصادي، ومشاكل التحرر السياسي، والتسلح.
3- العوامل المباشرة (Immediate Causes: Acts and Events)، وهي الأعمال والأحداث التي تشعل (تقدح-Trigger) أعمال العنف. ومثال ذلك اتخاذ الحكومة إجراءات متشددة نحو جماعة مضطهدة مما يدفعها إلى العصيان والتمرد. ونظرا لظهور هذه الإجراءات فإنها أكثر تأثيرا من غيرها. (الجزيرة، 2002)

يتبين من هذا العرض الموجز أن النزاع أو السلام يتكونان إثر تفاعلات مركبة بين مجموعة من العناصر. وأن السلام والحرب تفصل بينهما مجموعة من المراحل فلا ينشآن بطريقة مفاجأة. وأن النزاع محكوم بعوامل عدة منها ما يعتبر من بنية أطراف النزاع ومنها ما هو وسيط، ومنها ما هو مباشر. كما اتضح أن احتواء نزاع قائم أو منع آخر كامن يعتمد على مدى إدراك العوامل والأسباب والظروف المتعلقة بذلك النزاع.
 العنف والنزاع الداخلي في المجتمع الفلسطيني:
المجتمع الفلسطيني هو مجتمع عربي شرقي ينتمي إلى العالم، وهذا يعني أنه يعاني العنف المحلي ضمن الإطار الخاص. ونتيجة كونه عربياً فسيعاني من المشاكل التي يتصف بها المجتمع العربي، كذلك الشرقي، وبانتمائه إلى العالم، فهذا يعني تأثره أيضاً ببعض ما يعاني منه العالم انسجاماً مع الاتصال الذي يحدث بين فلسطين والعالم الخارجي.
أما على المستوى السياسي، فإنه وبعد تأسيس أول مجلس نيابي "المجلس التشريعي" في عام 1995، وانسجاماً مع وثيقة الاستقلال التي تبنتها م. ت. ف في عام 1988، فإننا نجد صراحة النية باستخدام النهج الديمقراطي في التعامل، وسنضطر إلى أن ننتظر قليلاً حتى نتأكد من تطبيق الشعار الديمقراطي في فلسطين، ولن نكون متشائمين، بل أننا نزعم أن الوضع عندنا سيكون أفضل من غيره.
وإذا كنا ما نزال في الحالة العربية، فإننا أيضا كحالة فلسطينية نتعرض لهذا التصادم الخارجي مع إسرائيل والغرب (حسب مستويات العداء) وكذلك التضاد بين م. ت. ف والحركات الإسلامية، وبين السلطة والمعارضة، بل بين التنظيمات نفسها والتنافس الداخلي في المجموعات الصغيرة، ومعنى ذلك أن هذا التضاد والتصادم السياسي سينعكس على المجتمع الذي نعيشه، ومع وجود رأي عام ينادي بالديمقراطية، فقد نشطت جماعات حقوق الإنسان وغيرها المرتبطة بالسلطة والمؤسسات غير الحكومية بدعم من مؤسسات تمويل أجنبية، نشطت في التبشير بالديمقراطية وحقوق الإنسان كأسلوب لتخفيف حدة الاحتقان السياسي والفكري الذي تعاني منه النخبة والجماهير على حد سواء، وانتشرت المجموعات في العمل داخل أوساط المجتمع في مناحي المرأة والطفل والحريات السياسية والقضاء والصحافة، بل وصلت إلى تثقيف السلطة وخصوصاً أجهزتها الأمنية حول هذه المفاهيم المدنية. وفي هذا الصدد، أصبح تناول مسألة العنف ضمن المصطلح السائد عالمياً وهو العنف الداخلي في المجتمع الواحد بعيداً عن العلاقة مع إسرائيل، فكان بذلك تناول العنف يقع ضمن الإطار العام لإشاعة مفاهيم الديمقراطية وحقوق الإنسان في فلسطين.
لذلك فإن العنف العام الداخلي الذي نعاني منه هو وليد تراكم طويل، وليس هو وليد يوم وليلة، ومعنى ذلك أن تخفيفه يستلزم فهم تاريخ الوضع السياسي والتاريخي للحياة السياسية والاجتماعية في فلسطين، وقد قمنا بعرض مختصر لهذا التاريخ كإطار عام. ونتيجة ذلك التراكم، أصبح العنف سيداً للأحكام التي تقوم بها الذهنية العربية "إذا كانت الهيمنة أسلوباً للتعامل بين البشر، فإن العنف أو التهديد به يصبح سيد الموقف، اللجوء إلى العنف أو التهديد به لفض المشاكل البسيطة والمعقدة أمر محتوم يبرز في كثير من تفاعلاتنا اليومية، التهديد بالضرب والقتل والاغتيال والتهجير والتدمير يصدر عنا بشكل تلقائي عفوي لا شعوري، حتى أصبح العنف كأسلوب للتعامل جزء من شخصيتنا الاجتماعية والنفسية، واللجوء إلى الهيمنة والعنف أو التهديد بهما أسلوب شامل وعام". (الخوري، 1993، ص28).

 الأوضاع الاقتصادية– الاجتماعية وعلاقتها بالعنف الداخلي في المجتمع الفلسطيني:
لو تأملنا في وقائع العنف في المجال الفلسطيني لاكتشفنا ودون عناء وصعوبة ، أن إخفاقات التنمية والتفاوت الصارخ في مستويات المعيشة والبطالة وتدني مستويات الحياة و العيش الكريم، من الحقائق التي تساهم في بروز ظاهرة العنف.
فالتدهور الاقتصادي يقود إلى تصدعات اجتماعية خطيرة، توفر كل مستلزمات بروز ظاهرة العنف في القضاء الاجتماعي.
فالمجتمعات المهمشة التي تعيش الضنك في كل مراحل حياتها، هي مجتمعات مريضة، لأنها ببساطة لا تحيا حياة طبيعية، والمجتمع الذي تعيشه، سلوكه العام مضطرب، حيث تنشا الأزمات الفجائية في كل مجال، تنفجر أحداثه العامة بشكل هبات وانحرافات اجتماعية.
إن تميز فئة ضد فئة مضر بالمجتمع ، لأن الذين يقع التميز عليهم يكرهون على الانطواء والعزلة وعلى كبت فعاليتهم، وعلى إضمار الكراهية والحقد ضد الفئة التي تضطهدهم ، وتنشب النزاعات بينهم وبين الذين ينكرون عليهم حقوقهم فتهدر فيها طاقات كان بوسع المجتمع أن يستفيد منها لو وجهت في الطريق البناء السوي .
كما أن فقدان الحوار بين الفئات يتحول إلى اضطهاد القوي فيها للضعيف وتسلطه عليه، ومحاولة محوه وتدميره، وبالتالي يقود ذلك لمزيد من نشوء الفساد والعنف والجريمة والتفكك الاجتماعي والسياسي، من هنا لا بد من العدل الاجتماعي الذي يعطي الأفكار جميعاً فرص الحياة و السماع، ليتخلى الناس عن الأفكار الخاطئة طوعاً وكرهاً.
ينبغي أن نزيل الخوف من الأفكار الخاطئة، و الخوف هو بسبب وهم الناس بأن الحق ضعيف والباطل قوي، وهو ظن سيئ بالحق والباطل أيضاً، إذ ليس الباطل قوياً وليس الحق ضعيفاً.
ينبع جوهر الأزمة في أي جماعة أو مجتمع أو أمة من خلال ذلك العقد المنفرط الذي يوجه الطاقات الداخلية ويسترها لاستهلاك نفسها واستنزاف تماسكها، وبالتالي يفضي إلى الصدام الذي يؤدي بمختلف الاتجاهات المتناحرة لتفكيك لُحمة المجتمع، وتهديم أسسه القائمة على التكافل والتعاون والعيش المشترك.
بالصدام نتخلى عن حكمة الحياة، ونسير ضد غايات البشر في السلام ، نحو جحيم ممتلئ بالبؤس والتخلف والدم، ويمكن أن تنظر للتاريخ من بدايته حتى تستكشف أن آلام البشر لم يجلبها إلا أولئك الذين اختاروا طريق الصدام بديلاً وحيداً لمصالحهم وأهدافهم ونزعاتهم التسلطية فالأمم تموت عندما تتوقف فيها حركة الإصلاح ويسيطر عليها الفساد.

 التحولات الاجتماعية في المجتمع الفلسطيني:
إن المتتبع لحركة التطور في المجتمع الفلسطيني، يستطيع أن يرصد دون جهد – تعايش المواطن الفلسطيني واقعاً اجتماعياً يختلف في معطياته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية عن الواقع الذي يتعايشه الإنسان العربي، ويتجلى هذا الاختلاف في مفردات الحياة اليومية وأيضاً في أنماط التفاعل البسيط وأشكال العلاقات الاجتماعية.
إن أهم ما تتميز به الأوضاع الاجتماعية في مجتمعنا الفلسطيني – أنها أوضاع انتقالية، غير مستقرة وغير ثابتة، والأشكال الجديدة فيها تحمل في ثناياها العديد من ملامح القديم. وهي أحد عوامل تشوه وتميع الوضع الاجتماعي الفلسطيني. والناجمة عن بروز التعصب أو عمق الرابطة الاجتماعية الضيقة التي تكرس الولاء لرموز التخلف المرتبطة مصلحياً بمظاهر وأوضاع الخلل والفساد والفوضى وذلك تحت غطاء العادات والأعراف والتقاليد والتراث.
وفي سياق حالة الهبوط السياسي- الاجتماعي- الثقافي الراهنة سيتراكم دور وتأثير الجوانب السلبية المضادة لتطال معظم مكونات المجتمع الفلسطيني.

 العنف المجتمعي مظهر للأزمة الاجتماعية:
ما زال التفسير الغالب لتصاعد هذا العنف يستند إلى مشاكل من نوع السيولة المجتمعية نتيجة المرحلة الانتقالية التي تشهدها التشكيلة الاجتماعية الفلسطينية، أو إلى تحلل منظومة القيم السائدة نتيجة لتأثير الثقافات الفرعية الوافدة ممثلاً عن ضعف وتحلل مؤسسات التربية الأولية.
فهذه الظاهرة تتحول تحت وطأة التهميش والنبذ إلى مستودعات محتمله للعنف، فهذا النمط من العنف الوظيفي أو الارتزاقي، يحمل قدراً من الشعور بالعنف والقهر، شعور الهامش تجاه المجتمع، ولذلك تسيطر عليه رغبة في الانتقام والثأر.
• المظهر الاجتماعي للأزمة:
إن مخاطر هذا النمط المشوه من العلاقات السياسية والثقافية والاقتصادية تنعكس بالضرورة على العلاقات الاجتماعية العربية وخاصة الفلسطينية، مما يعمق الأزمة الاجتماعية، خاصة مع استشراء تراكم الثروات غير المشروعة واشكال الثراء السريع كنتيجة مباشرة للهبوط بالثوابت السياسية والاجتماعية.
إن اخطر ما يترتب على الفوضى الاجتماعية وانتشار الفساد الاجتماعي والاخلاقي يتعلق في ضوء هذه الأجواء والحقد الاجتماعي الذي يضر بتطور المجتمع، فالحقد يهدم ولا يبنى وليس هناك أسهل من تأجيج الكراهية والحقد سواء كان الوضع الاجتماعي يساعد على ذلك أو لا يساعد.
ج

 انهيار القيم الثقافية ودورها في انتشار ظاهرة العنف في المجتمع الفلسطيني:
تعكس اللامعيارية حالة من حالات اختلال القيم والمعايير على مستوى المجتمع بكافة فئاته ونظمه ومؤسساته الاجتماعية وتصبح نمطاً من أنماط السلوك المنحرف كجرائم القتل والمخدرات والسرقات وظاهرة الاستزلام المنتشر في مجتمعنا الفلسطيني.
مع أن نسق القيم السائدة في المجتمع هو الذي يتحكم في نسق القيم على مستوى الفرد، إلا أن نسق القيم قد تأثر بعوامل خارجية كثيرة، منها ما يتعلق من الناحية السيكولوجية أو البناء الاجتماعي أو أحد الأنظمة الاجتماعية، وفي هذه الحالة تعبر اللامعيارية عن انهيار المعايير الاجتماعية التي تحكم السلوك كما تعبر أيضاً عن ضعف التماسك الاجتماعي.
أولاً/ تغير نسق القيم في البناء الاجتماعي الفلسطيني:
مر المجتمع الفلسطيني، ولا يزال، بالكثير من التغير الاجتماعي وشمل هذا التغير نسق البناء الاجتماعي وأيضاً النسق الثقافي؛ فثقافة المجتمع ليست محصنه ضد التغير والتبدل. وتغير القيم وخصوصاً في الوقت الراهن، يحدث بسبب تأثير ثقافات وافدة إلى المجتمع الفلسطيني طالت العلاقات الاجتماعية وانتشار التعليم أو انتشار مجتمع الاستهلاك، يقود إلى ظهور قيم جديدة.
من خلال العرض السابق نستطيع تشخيص بعض جوانب الأوضاع والمتغيرات على البناء الاجتماعي والثقافي في المجتمع الفلسطيني:
‌أ) تشوه العلاقات الاجتماعية داخل المجتمع الفلسطيني بين السلطة والفرد.
‌ب) تميز البناء الاجتماعي في شكله وجوهره بطابع تراكمي مشوه.
‌ج) تزايد مظاهر التخلف والانحطاط الاجتماعي متمثلاً في الولاءات العشائرية والعائلية والحزبية والاستزلام والبلطجة.
‌د) سيادة اللامعيارية وضعف المعايير الاجتماعية لصالح قيم النفاق والإحباط بدلاً من قيم التكافل والتضامن. (حلس، 2006)


ثانياً/ غياب ثقافة التسامح واحترام الآخرين تزيد العنف داخل المجتمع الفلسطيني:
إن الإشكالات ومظاهر العنف داخل المجتمع، ناتجة عن غياب ثقافة التسامح، واحترام الآخرين، كما أن التعصب القبلي والحزبي، يلعب دوراً مهماً في تحويل التناقضات الاجتماعية السلمية، إلى تناقضات عنيفة، ما يسبب تدمير البنية المجتمعية. (الشيخ، 2006)

إن ظاهرة العنف في المجتمع مرتبطة بالاحتلال الإسرائيلي الذي كرس أساليب العنف في التعامل بين الأفراد، وعزز القهر المجتمعي، كما أنه من بين الأسباب التي ساهمت في انتشار ظاهرة العنف، سوء استخدام السلاح، بعيداً عن أشكال المقاومة ضد الاحتلال.
إن ظاهرة القبلية التي تسود المجتمع الفلسطيني، والاعتماد على حل النزاعات بطرق قبلية وعشائرية، تغيب إلى حد ما الاحتكام للقانون، وتغيب دور الشرطة في تنفيذ مبادئ القانون.
إن استمرارية مكافحة الاحتلال وفق عملية نضالية هادفة، تساهم في ضبط التداخل ما بين استخدام السلاح ضد الاحتلال، واستخدامه في النزاعات العائلية، بالإضافة إلى أهمية توفير كل شروط الأمن والاستقرار الداخلي، من أجل منع تزايد مظاهر العنف المجتمعي. (الحوراني، 2005)
إن من الخطأ اعتبار أن ثقافة اللاعنف والتسامح هي من الثقافات الغربية، بل هي ثقافة إسلامية تجسدت في القرآن الكريم وسير الأنبياء، إن اللاعنف والتسامح وتقبل الآخرين عوامل وأسس جوهرية في الثقافة الإسلامية.
إن المجتمع ذهب إلى جعل المهزوم في الإشكالات العادية، يحاول البحث عن طرق بديلة لرد الاعتبار، بوسائل بعيدة عن العقلانية دون البحث عن حلول سلمية لهذا الإشكال، بما لا يلحق الأذى بالإنسان.
وما دامت آلية الحرب تعمل في المنطقة، ممثلة بالانتهاكات الإسرائيلية ضد المواطنين، واستمرار العدوان، باستخدام مختلف الأسلحة في الاعتداء على الشعب الفلسطيني، فإن من شأن ذلك أن يزيد من حالة العنف في المجتمع الفلسطيني. (حبيب، 2005)
"إن العادات والتقاليد المتوارثة في المجتمع الفلسطيني حدت من تكريس القانون واحترام سيادته، بل وصلت إلى أخذ القانون باليد، وتجاوزه في الكثير من الأحيان. كما إن حالات تجاوز القانون في المجتمع الفلسطيني، سبقت ظاهرة الفلتان الأمني السائدة حالياً، بشكل أدى إلى نشوء هذه الظاهرة، بل وتفاقمها".
"إن المجلس التشريعي لم يستطع إقرار قانون العقوبات، حتى اللحظة، ولا يزال قانون العقوبات المطبق منذ الإدارة المصرية، في محافظات غزة والإدارة الأردنية في محافظات الضفة، هو المعمول به حالياً". (العيلة، 2005)
ومن الجدير بالذكر أن هناك تشريعات فلسطينية كرست ثقافة التسامح والديمقراطية في المجتمع الفلسطيني، ومنحت حق المواطن في الاعتراض على القوانين والتشريعات، أو المطالبة بإقرار تشريعات أخرى، بطرق سلمية.






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,684,122,181
- الامن القومي ومشروعيته في الاسلام


المزيد.....




- مسؤول إيراني: من المستحيل التوصل لاتفاق نووي بحلول الموعد ال ...
- رغم دوامة الحرب.. Business as usual ببعض النوادي الليلية في ...
- صحيفة: قوات بريطانية برية تقاتل داعش بالعراق
- انتخابات تونس.. هدوء.. إقبال ضعيف حتى الساعة.. فصل جنسي بين ...
- صراع داخل الحكومة الإسرائيلية حول قوانين القومية
- فرقة راقصة تعرض -فلاش موب- بمطار سان بطرسبورغ (فيديو)
- وزير العدل البحريني يعلن نتائج الانتخابات البلدية والتشريعية ...
- الكهرباء تعلن إطفاء محطة شرق بغداد التحويلية لثلاث أسابيع وت ...
- تونس تشهد اليوم أول انتخابات رئاسية حرة في تاريخها
- مشاركة رابطه المرأه العراقيه فرع المانيا في التظاهره والوقف ...


المزيد.....

- الكتابة المسرحية - موقف من العصر - / هاني أبو الحسن سلام
- التجربة الجزائرية في مكافحة الإرهاب / زرواطي اليمين
- حمـل كتــاب جذور الارهاب فى العقيدة الوهابية / الدكتور احمد محمود صبحي
- الامن المفقود ..دور الاستخبارات والتنمية في تعزيز الامن / بشير الوندي
- التجربة الجزائرية في مكــافحة الإرهــاب..دراسة جامعية / زرواطي اليمين
- الارهاب وعلاقته بلاسلام / علي شمري
- حقوق الأسرى لدى الجيش السوري الحر التزام قانوني أم أخلاقي فح ... / رانيا معترماوي
- اكثر من كوة على احبولة 11 سبتمبر 2001 / خديجة صفوت
- الارهاب / فرج فودة
- أخيرا، حصل الإعلام السويدي على إنتحاريّه الخاص / سلام عبود


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الارهاب, الحرب والسلام - شيرين الضاني - العنف في المجتمع العربي والفلسطيني