أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - يحيى محمد - منطق السنخية والتنظير الفلسفي داخل الحضارة الإسلامية















المزيد.....



منطق السنخية والتنظير الفلسفي داخل الحضارة الإسلامية


يحيى محمد

الحوار المتمدن-العدد: 3069 - 2010 / 7 / 20 - 14:26
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


إن ما تم نقله داخل الثقافة الإسلامية لم يكن مجرد رؤى ومضامين فكرية بقدر ما هو طريقة خاصة للنظر والتفكير يحددها أساساً دينامو الفكير الوجودي المتمثل بقانون (الأصل والشبه). وإذا ما كانت عملية النقل قد تمت بالحفاظ على هذا الدينامو كأساس، فإن ما يسمى بالفلسفة الإسلامية والعرفان الإسلامي النظري، كلاهما يعبّر عن «عقل مفصّل» للعقل المجمل الذي سبقت إليه الثقافة اليونانية وغيرها من الثقافات القديمة. فمع أن هناك العديد من القضايا التي واجهتها «الفلسفة الإسلامية» لأول مرة والتي لا يمكن إرجاعها بسهولة إلى فلسفة الاغريق والرومان وغيرهما، إلا أن تحديدها من زاوية منهجية على ضوء دينامو التفكير أو الأصل المولّد الفعّال يجعل من النسق الفلسفي داخل الثقافة الإسلامية معبّراً عن «العقل المفصّل» للأصل المؤسس. وينطبق هذا الحال على قضايا كثيرة؛ كالتفاصيل المتعلقة بمباحث الوجود والماهية والعلة والمعلول، وقضايا التفسير الفلسفي والعرفاني للنبوة والنص الديني وتفاصيل الجنة والنار وتأسيس المدينة الفاضلة وغيرها. وكما ذكر المرحوم الطباطبائي بأن عدد المسائل التي ترجمت عن اليونان إلى العربية لم تكن أكثر من مائتي مسألة، في حين أنها بلغت لدى المسلمين ما يقارب السبعمائة مسألة . لكن كل ذلك يعبّر عن عقل مفصّل للعقل اليوناني وغيره من عقول الحضارات الأخرى السابقة.
فما تمّ نقله داخل الثقافة الإسلامية هو كل ما انتجه فلاسفة اليونان والرومان ومن على شاكلتهم وفق قانون (الأصل والشبه)، منذ آدم الفلاسفة طاليس، أو من سبقه من حكماء الحضارات القديمة، وحتى افلوطين والهرمسية. وقد استفاد المتأخرون من جمع آراء المتقدمين وتنظيمها، فضلاً عما أفاضته قريحتهم الخاصة، مما جعل تأثير القدماء حاسماً وعميقاً داخل الثقافة الإسلامية. فقد خلّفت كل من الهرمسية والافلاطونية المحدثة - كما في كتاب أثولوجيا افلوطين وكتاب الايضاح في الخير المحض لـ (ابرقلس) - بصمات قوية على الفكر الإسلامي، سيما وأن المدرسة الافلوطينية إمتازت بجاذبية فريدة وهي أنها جمعت ونظمت كافة الخيوط الفلسفية التي سبقتها، فشكلت منها صورة متكاملة ومستندة إلى أصل مشترك من التفكير بلغ أقصاه في الكشف عن سر الوجود وحقيقته.
وأصبح من المعروف أن الثقافة العربية والإسلامية تأثرت بالعديد من المدارس الفلسفية المنتشرة في الشرق قبل ظهور الإسلام وبعده، كما هو الحال في مراكز الاسكندرية وحران وانطاكيا والرها ونصيبين والحيرة وجنديسابور وغيرها من المدارس الأخرى. وأعطى الكثير من المؤرخين والمفكرين المستشرقين والمسلمين لمركز حران دوراً عظيماً على الفكر الإسلامي، ربما لا ينافسه مركز آخر. وهناك من ظن بأن من أوائل الباحثين المعاصرين الذين عرفوا الصلة بين الحرانيين والفلاسفة العرب هو الدكتور جبور عبد النور، في بحث له في مجلة (الكتاب) المصرية عام 1946م، إذ اعتبر الفلاسفة العرب قد اقتبسوا من مدرسة الصابئة القسم الأعظم من مذهبهم في ما وراء الطبيعة، فضلاً عن العلوم الأخرى؛ كالفلك والهندسة وغيرهما ، والتي بدورها كانت مقتبسة عن البابليين والكلدانيين. فحران هي المركز الوحيد الذي ظل بعيداً لم يتنصر بالديانة المسيحية، وبعد ظهور الإسلام - وبالتحديد منذ خلافة المأمون - أطلق الحرانيون على أنفسهم إسم (الصابئة) واختاروه غطاءً دينياً يحفظ لهم وجودهم داخل الحضارة الإسلامية، كما نصّ على ذلك إبن النديم في (الفهرست) .
ومع أن هناك من يعتبر مدينة حران لم تكن مركزاً فكرياً قبل زمن المتوكل إعتماداً على المسعودي الذي حدد إنتقال العلم إلى حران في زمن هذا الخليفة العباسي واستمر فيها لمدة أربعين سنة ، لكن بعضاً آخر يرى أن هذه المدينة كانت منذ ذلك الزمن مفتوحة على الفكر المشائي، حين انتقل إليها مجلس التعليم خلال رحلة هذا المجلس المشهورة من الاسكندرية إلى بغداد، أما قبل هذه الفترة فقد أُعتبرت مركزاً فكرياً يونانياً غير مشائي، فهي مطبوعة بالفيثاغورسية والافلاطونية. إذ انتقلت الفلسفة اليونانية إلى حران وغيرها من المراكز الموجودة في شمال سوريا والعراق وفارس مع فتوحات الاسكندر المقدوني واستمرت متواصلة حتى بعد ظهور الإسلام .
لقد صُورت فلسفة حران كـ «قنطرة» كان فلاسفة الإسلام في المشرق يقرأون من خلالها الفلسفة الأرسطية، فتأثيرهم على الفكر الإسلامي تم من خلال نقلهم للعلوم الفلسفية التي ترجموها إلى العربية وقاموا بتدريسها، وبذلك إستطاعوا أن يمرروا من خلالها مفاهيمهم الهرمسية الخاصة .
لكن مهما كان تأثير مدرسة الاسكندرية على حران - إذ أن مجلس التعليم لم ينتقل إلى بغداد مباشرة إلا بعد أن تحول إلى أنطاكيا ثم إلى حران - فإن طبيعة التفكير لدى هذا المركز وغيره من المراكز الأخرى لم تختلف جوهراً. فهي قائمة جميعاً على أصل مشترك من دينامو التفكير الوجودي. ومع ما يلاحظ من تقديس الحرانيين للكواكب وعبادتها، طبقاً لديانة المدينة أو تبعاً لفكرها الفلسفي، فإن ذلك لم يشكل حائلاً بينها وبين المدارس الأخرى التي تنصّرت، كالمدارس السريانية مثل الرها وانطاكيا والنصيبين وغيرها. ذلك أن جميع هذه المراكز تتجوهر بأصل مشترك واحد للإنتاج المعرفي، وهو الأصل الذي كان له الدور الحاسم في أن يجعل ظاهرة تقديس الكواكب وعبادتها مشروعة تماماً، إن لم نقل أنها لازمة بالفعل، إلى درجة يمكن القول بأن هذه القضية لم يتخلّ عنها أكثر الفلاسفة المسلمين «رشداً» كإبن رشد، ولا حتى أكبر الفلاسفة اليونانيين «عقلاً» كأرسطو.

تاريخ وتطور الثقافة الوجودية في الحضارة الإسلامية
يبدو أن أول الفِرق الإسلامية التي تأثرت بدينامو التفكير الوجودي هي فرقة الكيسانية. فطائفة من هذه الفرقة لم يكفِها أن تتخذ طابعاً غنوصياً للمعرفة، بل زادت على ذلك بمدّ يدها في بحر هيولى «الشبه»، على قرب من منابعه العميقة. لكن هنا ومع هذه الطائفة بالخصوص نجد لأول مرة ينبسط هذا البحر - إجمالاً - على جزر الوحي والنص بعد أن كان منحصراً في مشارف الكون والوجود.
فقد جاء في (الملل والنحل) للشهرستاني أن أتباع أبي هاشم اعتقدوا بأن محمد بن الحنفية قد أفضى إلى إبنه (أبي هاشم) أسرار العلوم وأطلعه على مناهج تطبيق الآفاق على النفس، وتقدير التنزيل على التأويل، وتصوير الظاهر على الباطن، فقالوا: «إن لكل ظاهر باطناً، ولكل شخص روحاً، ولكل تنزيل تأويلاً، ولكل مثال في هذا العالم حقيقة في ذلك العالم. والمنتشر في الآفاق من الحكم والأسرار يجتمع في الشخص الإنساني..» .
مع هذا لا نجد في الكيسانية - حسب ما ينقل عنها - وضوحاً كافياً ومفصلاً لتأسيس معارفها على دينامو التفكير الوجودي كشكل منظم ومنظّر. وبالتالي فإن أول إمتداد حقيقي للثقافة اليونانية وما قبلها من حضارات يتمثل بالإسماعيلية. فهي من أقدم المذاهب الإسلامية التي استعانت بالباطن كأساس منتج ومدرك للمعرفة الوجودية والدينية، إذ بنَتْ معارفها ووظفتها لأغراض دينية وسياسية انطلاقاً من دينامو التفكير الوجودي؛ كأصل مولّد للفهم والإنتاج المعرفي.

الأصل المولّد والتوظيف الباطني عند الإسماعيلية
تعد شخصية جابر بن حيان الكوفي (المتوفى سنة 190هـ) أقدم شخصية قامت بتوظيف الباطن طبقاً لدينامو التفكير الوجودي. فأهم ما عُرف به هذا الفليسوف الباطني هو استعانته بالحروف والأسماء والأعداد في الكشف عن المماثلات الوجودية ومعرفة حقائق الأشياء وطبائعها ، معتمداً في ذلك على قانون الشبه بين الوجودات. فهو إستناداً إلى قاعدة (الإمكان الأشرف) اعتبر آثار المؤثر شبيهة به؛ لأنها أمثال خواصه على الوجه الأحسن لإختلاف الفاعل والقابل في الفضيلة والنقص . وهو على شاكلة انكساغورس والافلوطينية يقول: «ليس في العالم شيء إلا وهو فيه جميع الأشياء» .. «إن في الأشياء كلها وجوداً للأشياء كلها». فربَطَ ذلك بالكيمياء، بإعتباره عالماً متضلعاً ومبدعاً فيها، وأضاف قائلاً: «لكن على وجوه من الاستخراج، فإن النار في الحجر كامنة ولا تظهر، وهي له بالقوة، فإذا زُند وأُورى ظهرت» . وهذا الربط لا يختلف عما وجدناه لدى افلوطين من نصوص، كما لا يختلف عن نص هرمسي مؤسس هو الآخر على قانون الشبه كالتالي: «ما من طبيعة إلا وهي مجذوبة بطبيعة أخرى، وما من طبيعة إلا وهي مقهورة لطبيعة أخرى، وما من طبيعة إلا وهي تهيمن على طبيعة أخرى» .
تلك هي فكرة الكيمياء القديمة في تحويل الأشياء بعضها إلى البعض الآخر، وهي مبرر البحث عن طرق تحويل المعادن الخسيسة إلى الذهب والجواهر الثمينة، إستناداً إلى قانون (الأصل والشبه).
كما وإستناداً إلى هذا القانون نجد لأول مرة في تاريخ الفكر الفلسفي الإسلامي الإعلان عن إعتبار الإنسان نسخة مختصرة ونموذجاً مضاهياً للعالم، حيث يكون الإنسان عالماً صغيراً، والعالم إنساناً كبيراً، فكلاهما له نفس وروح .
أما رجال الإسماعيلية التابعون فهم لا يختلفون عن الأصول العلمية التي رسمها لهم جابر بن حيان ومن على شاكلته. فهم مصرحون أيضاً بعلاقة الشبه والتماثل بين عوالم الوجود ومراتبه، بل ويضيفون إلى ذلك علاقة التماثل بين تلك العوالم والإعتبارات الذهنية والأمور الدينية.
ولأول مرة نجد إخوان الصفا - وهم من الإسماعيلية - يعولون على مدار «الشبه» كأصل يمنع الناس من الإختلاف في التوصل إلى الحقيقة كما هي. فاعتبروا أن هناك أصلاً واحداًَ وقياساً واحداً لحل الإختلافات جميعاً والوصول إلى الحقيقة، ألا وهو «صورة الإنسان»، أي تشبيه العالم بالإنسان، فيقاس كل شيء في العالم على ما موجود في الإنسان ذاته، فهو عندهم عبارة عن نسخة مختصرة ونموذجاً مضاهياً للعالم، لذا أطلقوا عليه (العالم الصغير) في قبال العالم الكبير المشار إليه بلفظة (الإنسان الكبير)، حيث كلاهما له نفس وروح مطيعة لربها .
وهذا التأسيس للنظر وتوحيد الرأي المستند إلى (صورة الإنسان) يرتد في النتيجة إلى قانون الشبه والتماثل بين الوجودات. وهو القانون الذي يحلّق به الإسماعيلية طولاً وعرضاً ليحيط بكافة مراتب الوجود، مع الوقوع في التردد حول مبدأ الوجود الأول. فأغلبهم يأتم بطاليس ومن على شاكلته دون افلوطين، كما هو الحال مع رجال الإسماعيلية القدماء الذين يعتبرون المبدأ الأول لا يقبل الوصف إطلاقاً، ويجعلونه أساس ظهور سلسلة عوالم الوجود، حيث أبدع بالأمر العقل الأول الموصوف بالتام بالفعل، ثم بتوسطه أبدع النفس التالي الذي هو غير تام، وهكذا يتسلسل الوجود .
كذلك الأمر تقريباً عند بعض الإسماعيليين كالكرماني، إذ يقرر بأن المبدأ الأول هو هوية لا يقبل الوصف ولا يعبر عنه إلا بالسلب، ثم يأتي بعده مرتبة العقل الأول الذي يسطع منه نور نتيجة اغتباطه بذاته، فيخرج عنه المنبعث الأول الذي هو العقل الثاني المسمى بالقلم. والى العقل الأول يعود وجود كل ما سواه، فهو الفاعل الذي لا يحتاج في فعله إلى غير ذاته، والمحرك لكل ما هو متحرك، وهو في حدود ذاته عبارة عن عقل وعاقل ومعقول بلا فرق .
لكن الأمر مع إخوان الصفا يبدو مغايراً، إذ يأتمون بدرجة ما بإفلوطين دون طاليس وأتباعه، فهم - على ما يبدو - يطبقون قانون الشبه حتى على مبدأ الوجود الأول، فيجعلون من العقل الذي هو أول فعل المبدأ الأول عبارة عن مثاله، بإعتباره معلولاً له . ثم من هذا العقل الذي فيه صور جميع الأشياء تستمر سلسلة الإبداع بالإفاضة من جوهر إلى آخر ..
ولعل أهم ما لدى الإسماعيلية هو توظيفها لقانون الشبه وتطبيقه على ما تعتقده من تماثلات بين نواحي الوجود والشريعة والعدد. وقد اقتبس الإسماعيليون فكرة العدد من مدرسة فيثاغورس ووظفوها في مختلف نواحي الوجود والشريعة. وأول الآثار التي أظهرت هذا الإهتمام هي آثار جابر بن حيان، إذ كان مهتماً بكل من العدد والحروف والأسماء. وقد تغلغل هذا الإتجاه وتعمق لدى أتباع إبن حيان، حتى وصل إلى إخوان الصفا، فكانت رحى مماثلاتهم تدور في أغلبها على كل من الأعداد (4، 7، 12). وأصل العدد عندهم من الواحد إلى الأربعة، وسائر الأعداد الأخرى تنشأ وتتركب منها.
فمن مماثلاتهم الخاصة بالعدد (4) اعتبروا مراتب فوق الطبيعة أربع، أولها المبدأ الأول ثم دونه العقل الكلي الفعال، ثم دون ذلك النفس الكلية، وأخيراً الهيولى الأولى. وكذا اعتبروا عناصر الطبيعة أربعة أيضاً، النار والهواء والماء والتراب ، وبرأيهم أنها تكونت من أصول أربعة، هي الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة. كما ويقابل هذه العناصر فصول السنة الأربعة، وأيضاً الأعضاء الرئيسة الأربعة للإنسان، وهي الدماغ والقلب والكبد والانثيتان، كذلك الأخلاط الأربعة (الصفراء والدم والبلغم والسوداء) . يضاف إلى ما يماثل ذلك من قوانين دينية أربعة، هي: التوحيد، والعلم بمراتب الحدود، والمواعظ المنبهة على ذلك والمشوقة إليه، والعمل بالأوامر والنواهي الشرعية .
أما مماثلاتهم الخاصة بالعدد (7) فكثيرة، منها أن الموجودات التي تتألف منها الطبيعة سبعة، هي: النار والهواء والماء والتراب مضافاً إليها المتولّدات الثلاث: المعدن والنبات والحيوان. كما أن جواهر جسم الإنسان سبعة، هي: المخ والعظم والعصب والعروق واللحم والجلد والشعر، ويقابلها سبعة أعضاء مستورة في الجسم، هي: الدماغ والقلب والكبد والطحال والرئة والمرارة والكلى. كذلك هناك سبع نفوس جزئية للنفس الكلية، هي: الجاذبة والماسكة والهاضمة والدافعة والغازية والنامية والمصورة. كما هناك سبع قوى روحانية، هي: الباصرة والشامة والذائقة والسامعة واللامسة والناطقة والعاقلة. إضافة إلى وجود سبع سماوات، وسبع أرضين، وسبعة كواكب نيرات ، وسبعة بحار في الأرض ، وسبعة أيام في الاسبوع. وأن عدد الأنبياء النطقاء المشرعين سبعة، وعدد الأسس سبعة، كما أن عدد الأئمة سبعة أيضاً.. وهكذا .
تبقى مماثلاتهم الخاصة بالعدد (12)، فقد ذكروا بأن المدينة الروحانية الفاضلة لا يقوم أمرها إلا بأثني عشر داعياً يتولون إدارتها ويتوزعون على الأقاليم الاثني عشر الموجودة في الأرض، وهي اقليم العرب والترك والبربر والزنج والحبشة والخزر والصين وفارس والروم والهند والسند والصقالبة، والتي يقابلها اثنا عشر برجاً في السماء، هي: الحمل والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس والجدي والدلو والحوت. كما أن في جسم الإنسان اثني عشر منفذاً، هي: العينان والأذنان والمنخران والثديان والسبيلان والفم والصرّة. كما وأن السنة الكونية تنقسم إلى أثني عشر شهراً، وكذا ساعات النهار وساعات الليل. والدعوة الإسماعيلية مؤلفة من اثني عشر شخصاً، وهم بحسب الترتيب: الناطق والأساس والامام والحجة والباب والداعي والمتم واللاحق والجناح والمأذون والمكاسر والمستجيب. كما وأن عدد أصناف المعادن الكريمة اثنا عشر، هي: الطفل والمغرة والكدان والجص والصوان والرخام والأسرب والكبريت والملح والكحل والشب والحديد والنحاس والرصاص والقصدير والفضة والذهب والعقيق والياقوت... وهكذا .
وقد فسّر الإسماعيليون الآية: ((عليها تسعة عشر)) ، عن طريق جمع العدد (7) مع العدد (12) .
ولو أردنا اكمال المسير مع الإسماعيلية وهي تطبق علاقات التماثل بين الأعداد والوجود والخطاب الديني، لأعيانا الأمر لتضخم ما لديها من الممارسات المناطة بتشكيل العلاقة بين المماثلات والمماثلة بين العلاقات، إلى الحد الذي تفضي بقانون الشبه إلى نوع من «التسيّب»، إذ ما تقيمه لا يتخذ إتجاهاً محدداً، بل يجري لأدنى مناسبة، وهو متحرر عن أي إعتبار عام، رغم أنه كثيراً ما يستهدف أغراضها الدينية الآيديولوجية، بدعوى الكشف عن الباطن. وعليه صار عدوى لم تبرأ منه الطريقة الصوفية وهي تحاول وضع يدها على نصوص الشريعة. وإذا كان للإسماعيلية دواع وأغراض مذهبية تستهدفها من تشكيل علاقات التماثل وتماثل العلاقات، فإن هذه الدواعي والأغراض لا تعني - في الغالب - شيئاً لدى الطريقة الصوفية، رغم أنها لم تنج من عدوى ممارسة هذه «الألاعيب» بلا هدف ولا غرض، كالزائدة الدودية التي فقدت وظيفتها ودورها في الحياة.
أما مع الفلاسفة المحترفين فقلّما نجد مثل هذه الألاعيب، فهم محافظون في الغالب على قانون الشبه بانتظام دون تسيّب، بالرغم مما يعتريهم من تردد حول مبدأ الوجود الأول، بل والوجود الأخير (الهيولى)، مثلما حصل مع أسلافهم من فلاسفة اليونان.

الأصل المولّد والطروحات الجديدة عند الفارابي
إن أول فيلسوف مسلم محافظ يستحق هذا الوصف طبقاً لطريقة الفلسفة التقليدية، هو الفارابي (المتوفى سنة 339هـ). فرغم أن الكندي (المتوفى سنة 252هـ) مارس النشاط الفلسفي قبل ولادة الفارابي بنصف قرن من الزمان تقريباً، لكننا لا نعدّه ضمن قائمة الفلاسفة المحافظين على قانون الأصل والشبه بانتظام، سيما أن إعتقاده بخلق العالم وانفصاله عن مبدأ الوجود الأول مثلما هو إعتقاد الكلاميين، قد قضى تماماً على قانون السنخية وعلاقات الحتمية.. وهو جوهر ما تقوم عليه طريقة الفلسفة التقليدية.
أما الفارابي فيختلف عمن سبقه بكونه ظل محافظاً على القانون العام لعلاقة الشبه والسنخية، كما بقي بعيداً عن تسخير الفلسفة للأغراض المذهبية والآيديولوجية مثلما فعلت الإسماعيلية. ففي موقفه من الوجود نراه يلتزم بإخضاع جميع العوالم تحت هيمنة قانون الأصل والشبه باستثناء مبدأ الوجود الأول، إذ يلاحظ لديه شيء من التردد يكاد يوقعه في التناقض. فهو من جهة لا يتقبل وجود صور للموجودات في ذاته الخاصة، خشية تكثر الذات، مما يستلزم إنعدام الشبه في ما بينها وبين غيرها من الموجودات، لذا يجعل علم المبدأ الأول بغيره يتحقق بوجود الصور الحاضرة في العقول الفائضة عنه بالترتيب، مما يلزم أن تكون هذه العقول هي كل الأشياء بإعتبارها تحمل صور جميع الأشياء التي دونها مرتبة. فطبقاً لقوله: إن مبدأ الوجود الأول «يعقل ذاته التي هي المبدأ لنظام الخير في الوجود الذي ينبغي أن يكون عليه، فيكون هذا التعقل علة للوجود بحسب ما يعقله، فإن عقله للكل ليس بزماني، بل على أنه يعقل ذاته ويعقل ما يلزمه على الترتيب معاً وليس يلحقه تكثر في ذاته لتعقله للكل والكثرة..» .
هذا من جهة، أما من جهة أخرى، فرغم أن الفارابي ينفي وجود صور علمية للغير في ذات مبدأ الوجود، إلا أنه مع ذلك يصفه بأنه الكل في وحدته، بل ويجعل له وجهاً ما من الشبه مع الموجودات. فهو يقول: «واجب الوجود.. له الكل من حيث لا كثرة فيه.. فعلمه بالكل بعد ذاته وبعد علمه بذاته، ويتحد الكل بالنسبة إلى ذاته فهو الكل في وحدته» . ويقول أيضاً: «الأول يعقل ذاتها - أي المعقولات - وإن كانت بوجه ما هي الموجودات كلها، فإنه إذا عقل ذاتها فقد عَقِلَ بوجه ما الموجودات كلها، لأن سائر الموجودات إنما اقتبس كل واحد منها الوجود عن وجوده..» .
ولو أخذنا بظاهر عبارات الفارابي التي سقناها لكنّا قد أسقطنا فيلسوفنا في شبك التناقض، فهو من جهة ينفي أن تكون ذات مبدأ الوجود الأول محلاً للصور والتكثر، لكنه من جهة ثانية يجعل بينها وبين سائر الموجودات نوعاً من السنخية والشبه، فيصرح بأنها «بوجه ما هي الموجودات كلها». وهذا هو التناقض!
أما حقيقة مذهب الفارابي فهو أنه يجعل من العقول اللازمة أو المعلولة عن المبدأ الأول هي نفسها عبارة عن صفاته، مما يعني أن علمه بكل الأشياء هو صفة لذاته، لأن هذا العلم هو لازم من لوازم ذاته وليس فيها. وبالتالي فإن ما قصده الفارابي من تعبيره بأن واجب الوجود عبارة عن الموجودات كلها؛ هو صفاته التي اشتمل عليها، لكون هذه الصفات هي كل الأشياء. وهذا ما يوضحه نصه التالي: «ليس علمه بذاته مفارقاً لذاته بل هو ذاته، وعلمه بالكل صفة لذاته ليست هي ذاته بل لازمة لذاته، وفيها الكثرة الغير المتناهية بحسب كثرة المعلومات الغير المتناهية، بحسب مقابلة القوة والقدرة الغير المتناهية، فلا كثرة في الذات بل بعد الذات، فإن الصفة بعد الذات لا بزمان بل بترتب الوجود، لكن تلك الكثرة ترتيب يرتقي به إلى الذات يطول شرحه، والترتيب يجمع الكثرة في نظام، والنظام وحدة ما به، وإذا اعتبر الحق ذاتاً وصفات كان كلاً في وحدة. فإذاً كل كلٍ متمثل في قدرته وعلمه، ومنها حقيقة الكل مقررة... فهو كل الكل من حيث صفاته، وقد اشتملت عليها أحدية ذاته» .
وهنا نجد في نظرية الفارابي نوعاً من الجدّة بمحاولته التوسط والتعبير عن حالة التردد في ما يخص علاقة مبدأ الوجود الأول بقانون الأصل والشبه. فبحسب هذه المحاولة يمكن إعتبار هذا المبدأ خالياً من الشبه بالموجودات، فذاته ليست محلاً للصور العلمية الخاصة بالأخيرة. لكن من جهة ثانية يمكن إعتباره حاملاً لنوع من الشبه بها، وذلك من حيث الصفات التي تلزم عنه. وبالتالي فإن المسألة مسألة «جهة إعتبار»، أو ليست الفلسفة قائمة على الإعتبارات؟! فلولا الإعتبارات لبطلت الحكمة أو الفلسفة كما يقول صدر المتألهين .
يضاف إلى ما سبق فإن للمعلم الثاني عدداً من القضايا التي طرحها لأول مرة والتي أثارت الكثير من الجدل في الأوساط العلمية وغيرها، وكان لها علاقة حميمة بقانون الأصل والشبه. وأبرز هذه القضايا ما يأتي:
1ـ قام الفارابي بوضع منهج «الإعتبارات» الذي يصحح وظيفة قاعدة الفيض أو الصدور (الواحد لا يصدر عنه إلا واحد). فإذا كانت هذه القاعدة هي من مخلفات الافلوطينية أو حتى يمكن الرجوع بها إلى ما قبل أرسطو تطبيقاً لقانون الشبه والسنخية، فإن ما استحدثه الفارابي بهذا الخصوص هو منهجه الخاص بالإعتبارات. وهو المنهج الذي يبرر صدور الكثرة عن الوحدة البسيطة المتمثلة بالعلة الأولى، كمحاولة للحفاظ على السنخية دون خرق لها. فمن المفترض لدى الفارابي واتباعه من الفلاسفة أن ما يصدر عن مبدأ الوجود الأول يجب أن يكون عقلاً من سنخه، وهو الذي يكون وجوده ومعقوليته من قبل المبدأ الأول أمراً واحداً كما هو الحال في وحدة وجود المبدأ الأول وعاقليته ذاته. فلا فرق بين الوجود والمعقولية بالنسبة للعقل الصادر، مثلما لا فرق بين الوجود والعاقلية بالنسبة للمبدأ الأول. لذا فليست علّية وجود المبدأ الأول لوجود معلوله منفصلة عن علّية عاقلية ذاته لعاقليته معلوله. فبغير هذا يصبح المبدأ الأول متكثراً وهو منزّه عن ذلك . وبالرغم من أن الصادر الأول يُعدّ واحداً تبعاً للسنخية في ما بينه وبين مبدعه الأول، فإنه مع ذلك ينفرد في كونه برزخاً جامعاً لكل من الوحدة والكثرة، مما جعله أصلاً يُعتمد عليه في تفسير كيفية صدور الكثرة عن الواحد طبقاً للنهج الذي خطّه الفارابي، وسرعان ما تهافت عليه أغلب الفلاسفة بالتأييد والرضوخ.
ومع أننا نجد لدى الفارابي طريقتين مختلفتين من «الإعتبارات» التي تبرر صدور الكثرة عن الوحدة، إحداهما ثلاثية الإعتبار، والأخرى ثنائية، إلا أن ما ساد وشاع بعده هي طريقته الثلاثية، فضلاً عن أن هناك من الفلاسفة من سلك طرقاً أخرى جديدة، كالرباعية والسداسية ، ومنهم من تجاوزها كلياً فبرر عملية الصدور من غير حاجة للإعتبارات .
أما بالنسبة لطريقة الفارابي الثلاثية فهي تنص على أن العقل الصادر الأول وإن كان واحداً من حيث وجوده وذاته، لكن حيث أن له تعقلات وإعتبارات متكثرة هي بالتحديد ثلاثة، فإن ذلك يبرر حصول التكثر الثلاثي في ما يصدر عنه. فهو بما يعقل مبدأه الأول يلزم عنه وجود عقل ثان، وبما يعقل ذاته يلزم عنه وجود النفس المسماة بصورة الفلك الأقصى، وبما أنه ممكن الوجود بذاته وواجب بغيره يلزم عنه جرم الفلك الأقصى. وهكذا تترسم طريقة المشائين من الفلاسفة، فبهذه الإعتبارات تتسلسل العقول والنفوس والأفلاك حتى العقل الأخير، وهو العاشر. إذ ينتج عن العقل الثاني فلك البروج، وعن الثالث فلك زحل، وعن الرابع فلك المشتري، وعن الخامس فلك المريخ، وعن السادس فلك الشمس، وعن السابع فلك الزهرة، وعن الثامن فلك عطارد، وعن التاسع فلك القمر، أما العقل العاشر فينتج عنه بإعتبار تعقل إمكانه الخاص الهيولى المشتركة للعناصر الأرضية، وبإعتبار تعقل ماهيته ينتج عنه صورها النوعية والجسمية. وبحدود ما ينتج عن العقل الأخير يبدأ خلاف الإشراقيين مع المشائين كما سنرى .
هذه هي طريقة الفارابي الثلاثية لتبرير حصول الكثرة من الوحدة، أما طريقته الثنائية فهي تعتمد فقط على إدراك العقل لعلته ولذاته معاً، من غير إضافة إعتبار ما اطلق عليه (الممكن بذاته الواجب بغيره) ، وهي المقولة التي نسبها إبن رشد إلى إبن سينا واعتبرها من المفاهيم الكلامية لا الفلسفية لكونها تنطوي على التصريح بوجود وسط بين الوجود والعدم، أو الوجوب والإستحالة، وهو «الإمكان»، مع أن عالم العقول العلوية ليس فيه إلا الضرورة والوجوب .

2 ـ محاولة الفارابي للجمع بين مذهبي افلاطون وأرسطو كطريقة تسعى إلى توحيد الفلسفة. وهي محاولة لها ما يبررها معرفياً إعتماداً على قانون السنخية، رغم أنها أضلّت السبيل، فاعتمدت على بعض المصادر المنسوبة إلى أرسطو، والتي أثبت البحث العلمي أنها منحولة عليه، وكان من بينها ذلك الأثر المهم المسمى بأثولوجيا، وهو مستوحى أو ملخص من التاسوعات الرابعة والخامسة والسادسة لإفلوطين ، والذي كان الفلاسفة المسلمون يظنون أنه من تصانيف أرسطو، سوى عدد قليل منهم ربما راودتهم بعض الشوك حوله، ومنهم الكندي الذي لم يشر في احصائه لكتب أرسطو إلى هذا الكتاب. وكذلك إبن سينا كما يشير المستشرق بول كراوس في بحثه عن (افلوطين عند العرب) ، سيما أن إبن سينا قد طعن بوجود المثل العقلية، وعاب على افلاطون وسقراط ذلك، حتى أن صدر المتألهين الشيرازي كان يؤاخذ إبن سينا على نقده للمثل ويجعل من ذلك علامة على عدم الإعتراف بصحة نسبة (أثولوجيا) إلى أرسطو، لما في هذا الكتاب من التصريح بوجود تلك المثل، وطبقاً لعبارته: «وكأنه لم ينظر إلى كتاب أثولوجيا، أو كأنه لم ينسبه إلى أرسطو طاليس بل إلى افلاطون!» .
كما أن إبن رشد هو الآخر - كما يشير عبد الرحمن بدوي - لم يذكر (أثولوجيا) ولا كتاب (الخير المحض) ضمن كتب أرسطو. وقد فسّر بدوي هذا الإغفال إلى أن إبن رشد أدرك بأن الكتابين منحولان عليه، فأغفل ذكرهما والإفادة منهما وهو بمعرض شرحه لأرسطو .
بل هناك من يرى بأن الفارابي ذاته كان يشعر بأن (أثولوجيا) منحول على أرسطو، لتناقض مضمونه مع مضامين كتب الأخير، ومع ذلك أخفى الفارابي هذا التناقض في نفسه وأظهر للآخرين استبعاده واستبعاد أن تكون بعض كتب أرسطو منحولة ليتم له الإفتراض الثالث وهو أن يكون لكلام أرسطو شيء من التأويل والتوجيه، كل ذلك لأجل الأغراض الآيديولوجية السياسية والإجتماعية التي أملاها عليه واقع عصره المتأزم. فطبقاً لهذا الرأي أن الفلاسفة العرب المسلمين لم يهمهم أبداً التعرف على فلسفة أرسطو الحقيقية، بل همهم ما كانوا يريدونه من هذه الفلسفة ليبحثوا فيها، وبالتالي ليس لأثولوجيا تلك الأهمية والخطورة التي يعطيها له الرأي الحديث القائل: لولا أثولوجيا أرسطو لتعرّف الفلاسفة على فلسفة أرسطو كما هي في حقيقتها .
والواقع أن العبرة التي نستفيد بها من دراسة ما قام به الفارابي، ليس تصور ما عسى يمكن أن يكون عليه الفكر الفلسفي في الحضارة الإسلامية لولا كتاب (أثولوجيا) الذي أخفى خصوصية المعلم الأول تحت مظلّة افلاطونية. كما ليس العبرة في الغرض الآيديولوجي إن كان هناك غرض وراء طريقة الفارابي المعرفية. بل العبرة في ذلك هو أن المعلم الثاني لم يكن بإستطاعته فعل شيء مهم من عملية الجمع لولا وجود الأصل المشترك الفعال الجامع بين الفلاسفة، وعلى رأسهم افلاطون وأرسطو. لهذا سبق عمل الفارابي محاولات عديدة من هذا القبيل كلها مبررة للسبب المذكور، منها - كما يذكر بعض الغربيين - محاولة الشارح الافلوطيني (سيمبليسيوس) خلال القرن السادس الميلادي. كذلك أن جالينوس قام هو الآخر بنوع من هذا العمل. يضاف إلى أن تلميذ افلوطين (فورفوريوس) شارح أرسطو والمتغذي على فكره لم يكن يرى في أرسطو ما يخالف به افلاطون . وعليه فحتى لو لم يقم الفارابي بما قام به، بل وحتى لو كان نسب أثولوجيا معلوم الحقيقة، وكانت فلسفة أرسطو محققة كما هي، فإن كل ذلك لا يؤثر شيئاً في مآل الفلسفة على ما عرفنا عنها من إتفاق عام يجعل سائر الإختلافات الجزئية ليس لها من الأهمية إذا ما قسناها بالروح العامة المشتركة من التفكير والتي يحددها أصل الأصول (السنخية).
فالخلاف بين الحكيمين، وكما سبق طرحه، ليس بذلك الشرخ، فهو خلاف أُعيد ترجمته مرة أخرى في الحضارة الإسلامية، بين اتباع أرسطو (المشائين) واتباع افلاطون (الإشراقيين). فهناك قضايا عديدة اختلف حولها هؤلاء، كان أهمها مسألة وجود العقول العرضية المطلق عليها أحياناً (أرباب الأنواع) أو المثل الافلاطونية. وفي هذا الخلاف يتبين عمق المغزى الذي لم تتوضح فيه معارضة أرسطو لافلاطون من قبل. فقد افترض الإشراقيون وجود تلك العقول أو المثل ليتسق تفسير الكثرة النوعية في عالم الطبيعة، والتي يتعذر تفسيرها بمجرد إفتراض وجود العقل الطولي الأخير، كالعقل العاشر، طبقاً لقانون التناسب السنخي القائل بأن الكثرة لا تصدر عن البسيط أو الواحد بإعتباره بسيطاً أو واحداً. فإذا كان أرسطو قد نقد وجود المثل الافلاطونية طبقاً للسنخية، فإن اتباع افلاطون الجدد هم أيضاً يثبتونها من هذه الطريق لا غير.
وهذا في حد ذاته ما يبرر عمل الفارابي بالرغم من أنه جانب الحقيقة، إذ ظن بأن الحكيمين متفقان كلياً، حتى بحدود قضية المثل التي أبدى الحيرة فيها دون غيرها. فقد اقتبس الفارابي شواهد من (أثولوجيا) وغيره من الكتب ليثبت عدم إختلاف أرسطو عن افلاطون في جملة من القضايا التفصيلية؛ مثل إثبات الصانع، وعلاقة النفس بالعقل، وحدوث العالم، والمثل العقلية. وتعدّ المسألتان الأخيرتان أهم هذه القضايا. فحول حدوث العالم استبعد تهمة القِدم عن إعتقاد أرسطو، فأشار إلى أن الأخير ذكر في كتاب (السماء والعالم): «إن الكل ليس له بدء زماني»، فظن الآخرون بأنه يعتقد بقِدم العالم «وليس الأمر كذلك، إذ قد تقدم فبين في ذلك الكتاب وغيره من الكتب الطبيعية والإلهية، أن الزمان إنما هو عدد حركة الفلك وعنه يحدث.. ومعنى قوله أن العالم ليس له بدء زماني أنه لم يتكون أولاً فأولاً بأجزائه، كما يتكون البيت مثلاً أو الحيوان.. فمحال أن يكون لحدوثه بدء زماني ويصح بذلك أنه إنما يكون عن إبداع الباري إياه دفعة بلا زمان وعن حركته حدث الزمان» .
وهذا التحليل يتفق مع قول إبن رشد في أن القدماء يقولون بقِدم العالم لكنهم لا يعنونه كما هو الظاهر من الإسم . وسبق أن بيّنا المقصود من ذلك ومورد الخلاف المحتمل بين الحكيمين.
أما مع مسألة المثل فقد لجأ الفارابي إلى كتاب (أثولوجيا) مباشرة، فوجد فيه تناقضاً مع المدوّن لدى كتب أرسطو الأخرى، الأمر الذي جعله يحتار ويرتبك إلى حدّ أنه في هذه المسألة بالخصوص طرح إفتراضات محتملة للتوصل إلى رأي أرسطو الحقيقي. فبرأيه أنه إما أن يكون متناقضاً مع نفسه، أو يكون بعض كلامه منحولاً عليه، وقد استبعد هذين الإفتراضين وأخذ بالإفتراض الثالث، وهو أن يكون ما نفاه أرسطو من المثل في بعض كتبه له تأويلات ومعان ترفع الشك والحيرة .

3 ـ أن التصور الحالي عن مشاريع الفارابي هو أنه لم يعمل على توحيد الفلسفة بالجمع بين رأيي الحكيمين إلا لغرض توحيد الأمة كآيديولوجيا دفعته إليه ظروف عصره الممزق إلى دويلات. وهو ما جعله يخطو خطوته الأخرى للبحث عن طريقة مثالية لتوحيد الأمة انطلاقاً من البعد الفلسفي الذي دار في رحاه. هكذا هي الصورة الحالية المرسومة عن مشروع (آراء أهل المدينة الفاضلة)، فهو بإختصار مشروع متوّج لكتاب (الجمع بين رأيي الحكيمين).
لكننا نعتقد بأن ما قام به الفارابي، سواء كان معرفياً خالصاً، أو كان يهدف إلى غرض آيديولوجي، ففي كلا الحالين أنه لم يتجاوز القانون الفلسفي الخاص بطبيعة التفكير الوجودي. فهو مصداق جديد مبتكر من مصاديق تطبيق قانون السنخية. فما قام به هذا الفيلسوف مفسر تلقائياً إستناداً إلى الأصل المولّد، دون حاجة لإفتراض دور آيديولوجي يُغفِل البعد المنطقي للمشروع. فالعمل الآيديولوجي وإن كان محتملاً فعلاً، لكن لم يكن على حساب المشروع؛ طالما أن الأخير لا ينطوي على عملية تلفيقية متسترة وخارجة عن إطار التفكير الذي إشتغل فيه الفارابي كفيلسوف محترف.
فطبقاً للسنخية لم يكتفِ الفارابي برسم علاقات الشبه لمراتب الوجود، بل سحبها أيضاً إلى الهيكل الإجتماعي لمدينته الفاضلة، فجعل من هذه المدينة على غرار تلك المراتب، واعتبر شروط السعادة فيها هو لتشبهها بالوجود ومراتبه المتسلسلة، فهي تبدأ ببداية الوجود من العلّة الأولى، حيث يكون مدبر المدينة شبيهاً بهذه العلة، ثم تنتهي بنهايته من الهيولى. وهو يشترط أن «يحتاج في كل واحد من أهل المدينة الفاضلة أن يعرف مبادئ الموجودات القصوى ومراتبها والسعادة والرئاسة الأولى للمدينة الفاضلة ومراتب رئاستها، ثم بعد ذلك الأفعال المحمودة التي إذا فعلت نيلت بها السعادة» .
هكذا يجعل الفارابي من مدينته الفاضلة مدينة فلسفية تحاكي الوجود من جهة، وتجعل من أفرادها كلهم عبارة عن فلاسفة أو أشباه فلاسفة؛ يعون ويدركون مراتب الوجود وتناسقه طبقاً لقانون الشبه والسنخية.
4 ـ لم يقتصر الفارابي في تمديده لحكم قانون الشبه والسنخية على المجتمع، بل بسطه كذلك على تفسير النبوة والشريعة، وعمّق من نظرية المثال والممثول التي نادت بها الإسماعيلية لأول مرة، فجعل من الشريعة ظلاً محاكياً للفلسفة، وزاد على ذلك فاعتبر الأولى مصدر الظن والإقناع، والثانية مصدر اليقين والبرهان، على ما فصلناه في كتاب (الفلسفة والعرفان والإشكاليات الدينية).

الأصل المولّد والتجلي الإلهي عند إبن سينا
أما الشيخ الرئيس إبن سينا (المتوفى سنة 428هـ) فهو غالباً ما لا يختلف في وجهات نظره وتحليلاته عن شيخه الفارابي، فإذا جاز لنا أن نقارن بينهما مقارنة «عقلية» فإن من اللائق أن نحسب الفارابي «عقلاً مجملاً»، في حين نعتبر إبن سينا «عقلاً مفصلاً» لما امتاز به من بسط وشرح لقضايا الفلسفة التي كان يثيرها شيخه بالإختصار والإجمال.
وقد بسط الشيخ الرئيس – كشيخه الفارابي - قانون الأصل والشبه على الموجودات عموماً. ففي عالم الطبيعة استفاد من قاعدة الإمكان الأشرف الأرسطية كموجه عام لإثبات وحدة انضمام الكائنات بعضها للبعض الآخر على نحو الكمال، إذ صرح بأن «الطبيعة ما لم توف على النوع الأتم شرايط النوع الأنقص الأقل بكماله، لم تدخله في النوع الثاني والمرتبة الثانية. مثال ذلك أن ذات النوع الأخس وهو الجسمية ما لم تعطها الطبيعة جميع خصائص الكيفيات الجسمية الموجودة في هذا العالم، لم تخط به إلى النوع الثاني الأشرف بالإضافة وهو النباتية. وما لم تحصله جميع خصائص النباتية كالقوة الغاذية والنامية والمولّدة في النوع الأخس الأول، لم يتجاوز به إلى النوع الثاني كمرتبة الحيوانية. والمرتبة الحيوانية منقسمة إلى حس وحركة ارادية، فما لم يحصل للنوع الأخس الأدنى الأول جميع الحواس المدركة بجميع المحسوسات فمن الواجب أيضاً أن لا يتعدى الطبيعة بالنوع الحيواني إلى النوع النطقي ولكن الطبيعة قد حصلت في المواليد جوهراً ناطقاً، فمن الضروري أنها أوفت جميع القوى الحسية بكمالها فاتبعته إفادة القوة الناطقة. فإذا كان للنوع الناطق جميع القوى المدركة للمحسوسات، فإذاً النوع الناطق يدرك لجميع المحسوسات، فإذاً لا محسوس ما خلا ما يدركه الناطق» .
كما تحدّث إبن سينا عن تنزلات الوجود ومراتبه وفق قاعدة الإمكان الأشرف وسلسلة الصعود والنزول بما يجعل العالم السفلي محكوماً بالعالم العلوي وعلى شاكلته. وكما قال: «يجب أن تعلم أن الوجود إذا ابتدأ من عند الأول لم يزل كل تال منه أو دون مرتبة من الأول، ولا يزال ينحط درجات، فأول ذلك درجة الملائكة الروحانية المجردة التي تسمى عقولاً، ثم مراتب الملائكة الروحانية التي تسمى نفوساً وهي الملائكة العملية، ثم مراتب الأجرام السماوية وبعضها أشرف من بعض، إلى أن تبلغ آخرها، ثم بعدها يبتدئ وجود المادة القابلة للصورة الكائنة الفاسدة، فتلبس أول شيء صور العناصر، ثم تتدرج يسيراً يسيراً، فيكون أول الوجود فيها أخس وأرذل مرتبة من الذي يتلوه، فيكون أخس ما فيه المادة ثم العناصر ثم المركبات الجمادية ثم الناميات وبعدها الحيوانات، وأفضلها الإنسان، وأفضل الناس من استكملت نفسه عقلاً بالفعل ومحصلاً للأخلاق التي تكون فضائل عملية. وأفضل هؤلاء هو المستعد لمرتبة النبوة وهو الذي في قواه النفسانية خصائص ثلاث ذكرناها». ثم قال: «وكما أن أول الكائنات من الابتداء إلى درجة العناصر كان عقلاً ثم نفساً ثم جرماً، فها هنا يبتدئ الوجود من الأجرام ثم تحدث نفوس ثم عقول، وإنما تفيض هذه الصور لا محالة من عند تلك المبادئ، والأمور الحادثة في هذا العالم تحدث من مصادمات القوى الفعالة والمنفعلة الأرضية، تابعة لمصادمات القوى الفعالة السماوية » .
ومن جهة أخرى، اعتبر إبن سينا - كسائر من سبقه من الوجوديين - أن الإنسان عالم أصغر، بكل قوة يشارك صنفاً من الموجودات، فبالحيواني يشارك الحيوانات، وبالطبيعي يشارك النبات، وبالإنساني يوافق الملائكة .
ورغم أن إبن سينا بسط قانون الوحدة والشبه على مراتب الوجودات المختلفة، لكنه تردد حول مبدأ الوجود الأول بما لم يسبق إليه أحد من الوجوديين. ففي غالب كتبه استثنى المبدأ الأول من ذلك البسط والهيمنة، كما يظهر من تحديده لكيفية العلم الإلهي بالغير. فهو كشيخه الفارابي نفى أن تكون صور الأشياء مرتسمة في الذات الإلهية، واعتبرها من لوازم هذه الذات بترتيب علّي لا زماني، لتُحفظ بذلك الوحدة الإلهية من دون انثلام . فعلمه بالصور لازم عن علمه بذاته، وهذا العلم هو عين ايجادها بلا إختلاف، احترازاً من أن يفضي تقدم تعقّل الصور على وجودها إلى التسلسل .
إلا أنه في بعض رسائله العرفانية وخلافاً لما سبق عمد إلى بسط قانون الوحدة والشبه على كافة الموجودات وعلى رأسها مبدأ الوجود الأول، جاعلاً إياه الباسط والمبسوط معاً، إذ اعتبر بأن الله تعالى ظاهر في جميع الموجودات من دون احتجاب، وهذا التجلي والظهور هو حقيقة ذاته، مصرحاً بأن هذا هو نفس ما يسمى عند الصوفية بالإتحاد، ومقراً بأنه لولا هذا التجلي ما كان بالإمكان معرفته أبداً . وعنده أن أول مراتب التجلي هو ما يتعلق بالعقول الفعالة التي تتقبله بغير توسط أمر آخر، ثم تناله النفوس الإلهية، وبعدها القوة الحيوانية فالنباتية فالطبيعية. فهذا التجلي هو الذي يجعل الموجودات شبيهة بالأول مع حفظ مراتب تعيناته تبعاً لمراتب القرب والبعد عنه. وفي جميع الأحوال أن الكل يتشبه بالحق وينال التجلي بالشوق لهذا التشبه .
كما أثار في كتابه (الإشارات والتنبيهات) العديد من ردود الفعل، فأتهم بأنه قائل بحلول الصور الذهنية في ذات المبدأ الحق، مما يستلزم القول بوحدة الشبه بين مختلف مراتب الوجودات قاطبة دون استثناء. ففي هذا الكتاب تعرّض إبن سينا إلى إنكار شارحه المحقق نصير الدين الطوسي، بإعتبار أن هذه النظرية تفضي إلى حلول الكثرة في ذات الحق، مما حدا به لتعديلها إلى حيث الطريقة التقليدية وذلك بتحويل الصور من تلك الذات إلى العقل الأول، سيما أن هذا العقل يتصف باللزوم والحضور لذات الحق، فيتم علمها من خلاله ، وهو ما أثار حفيظة بعض العرفاء فنقض نقد الطوسي لإبن سينا معتبراً أن الكثرة في ذات الأول ليست حالة فيه وإنما هي عينه، بإعتباره الواحد والكثير ، وهذا ما ينتظم تماماً مع المفهوم الفلسفي لوحدة العاقل والعقل والمعقول كما سبق أن صرح بها أرسطو.
والواقع أن ما كشفه إبن سينا من وجود الصور في ذات الحق - إن صحّ النقل عنه - هو أول خطوة تعلن عن نفسها صراحة في الكشف عن طبيعة العلم الإلهي بين الوجوديين. كما أن رد الفعل الذي تلقاه من قوله هذا يدل على مدى إهتمام الأتباع بحفظ الشذوذ الخاص بذات الحق.
وإذا كان مبرر الشذوذ لدى فلاسفة اليونان متعلقاً بالخشية من وقوع المبدأ الأول بنوع من التكثر، فجعلوه غير قابل للوصف، مما يقتضي الخروج عن قانون الوحدة والشبه، فإن الفلاسفة المسلمين أضافوا مبرراً آخر يتعلق هذه المرة بالخوف من الوقوع تحت هيمنة نفس القانون مباشرة. فهم يخافون من تأكيد علاقة الشبه مع ذات الحق، الأمر الذي جعلهم يقفون موقفاً متردداً قد انعكس أحياناً حتى على الفيلسوف الواحد، إذ تارة يصرح بوجود هذه العلاقة من الشبه، وأخرى ينفيها، كما يظهر لدى بعض الفلاسفة المتأخرين على ما سنرى.

الأصل المولّد والمضاهاة بين العوالم عند الغزالي
نصل الآن إلى الغزالي الذي نشهد على يديه تطورات عدة. فهو يوظف قانون الشبه لكافة عوالم الوجود، ويرى بين عالم الشهادة وعالم الملكوت مناسبة ومماثلة لولاها ما كان من الممكن الارتقاء من العالم الأول إلى الثاني. وكما يقول: «ما من شيء في هذا العالم إلا وهو مثال لشيء من ذلك العالم، وربما كان الشيء الواحد مثالاً لأشياء من عالم الملكوت. وربما كان للشيء الواحد من الملكوت أمثلة كثيرة من عالم الشهادة، وإنما يكون مثالاً إذا ماثله نوعاً من المماثلة، وطابقه نوعاً من المطابقة. واحصاء تلك الأمثلة يستدعي استقصاء جميع موجودات العالمين بأسرها، ولن تفي به القدرة البشرية، ولن تتسع لفهمه القوة البشرية» .
ويركز الغزالي إهتمامه على علاقة الشبه الدائرة بين عالم الإنسان والعوالم الأخرى بما في ذلك مبدأ الوجود الأول. فعنده أن الإنسان عبارة عن عالم صغير وإنعكاس لحقيقة العالم الأكبر، أو هو صورة مصغرة ومضاهية للعالم، فقلبه مركز السلطان وهو أشبه بالعرش، ودماغه أشبه بالكرسي، وخزانة التخيل كاللوح المحفوظ، وحواسه الخاضعة لأوامره أشبه بالملائكة المنقادين للمشيئة الإلهية، وأعصابه وأعضاؤه بمثابة السماوات، وقدرته في الاصبع كالطبيعة المسخّرة في الأجسام، وكل ما يتصرف به الإنسان في بدنه إنما هو على مثيل ما يتصرف به الله في عالمه الأكبر . فهو يقرر بأن النفس مع أنها واحدة إلا أن لها قوى عديدة، فاشرافها على البدن والروح الحيواني يجعلها تفعل في كل موضع فعلاً محدداً يختلف عن المواضع الأخرى، لإختلاف القوى، ففي موضع تفعل الإبصار، وفي غيره تفعل السمع، وفي آخر الحس المشترك، وكذا التخيل والتوهم وغير ذلك. وهذه الأفعال المتعددة للنفس الواحدة تشابه أفعال مبدأ الوجود الأول، إذ هو بالنسبة إلى وجود العقل إبداع، وبالنسبة إلى دوامه تكميل بالفعل، وبالنسبة إلى النفس تتميم وتوجيه من القوة إلى الفعل، وبالنسبة إلى الطبيعة تحريك، والى الأجسام تعريف، والى الطبائع والعناصر تعديل، والى المركبات تصوير، والى المصورات إحياء، والى الحيوان إحساس وهداية، والى العقل الإنساني تكليف وتعريف، والى الأنبياء (ع) أمر وكلام وكلمات وقول وكتاب ورسالات .
ويوظف الغزالي لهذا المعنى الحديث المروي عن النبي «خلق الله آدم على صورته»، وفي رواية أخرى «على صورة الرحمن»، فعدّه دالاً على وجود مضاهاة بين الإنسان وخالقه في الذات والصفات والأفعال، مؤكداً بأن تصرف الإنسان في عالمه يشبه تصرف الحق في العالم الأكبر، فالأول إنموذج للأخير، ولا يخلو الإنموذج من محاكاة ما هو إنموذج له . وهذا يعني أن بمعرفة النفس تتحقق معرفة غيرها من الوجود والعالم.
ويشير الغزالي إلى أن المضاهاة والنسخة المصغرة للعالم في الإنسان هي التي تجعل المعرفة المتبادلة بينهما ممكنة، فبمعرفة العالم تتحقق معرفة النفس، كما أن بمعرفة الأخيرة ينتج عنها معرفة العالم، ما دام لكل شيء فيها نظير ، طبقاً لقانون الشبه والسنخية. بل ويسحب الغزالي ذلك حتى على معرفة الشريعة من الوحي والنبوة والمعجزات والدار الآخرة والمغيبات وغيرها، فهو يوظف للمعنى الآنف الذكر الحديث المروي عن النبي «من عرف نفسه فقد عرف ربه»، إذ يفسّره بأن من عرف نفسه عرف ربه وصفاته وأفعاله ومراتب العالم، مبدعاته ومكنوناته، وعرف أيضاً الملائكة ومراتبهم، وعرف لمّة الملك ولمّة الشيطان والتوفيق والخذلان، وعرف الرسالة والنبوة وكيفية الوحي وكيفية المعجزات والإخبار عن المغيبات، وعرف الدار الآخرة والشقاوة والسعادة ولذة البهجة فيها، كما وعرف غاية السعادة التي هي لقاء الحق تعالى .
ومع ذلك فالغزالي لا يسلم من السقوط في براثن التردد حول الشبه مع مبدأ الوجود الأول. فهو يسلّم أحياناً بعدم وجود شبه بينه وبين العالم، رغم إقراره بوجود علاقة شبه بين النفس من جهة والعالم ومبدأ الوجود الأول من جهة ثانية، مما يعني أن هناك نوعاً من الشبه بين الحق والعالم، لأن شبيه الشبيه شبيه بالشيء. كذلك فإنه يجعل نسبة العقل المفارق (المطاوع) إليه كنسبة الشمس إلى النور المحض، أو الجمر إلى جوهر النار الصرف ، وهو ما يفضي إلى نوع من علاقة الشبه والسنخية مع الكل.
بل يبلغ حد التردد لدى الغزالي هو أنه يعتبر الحق لا يُعرف إلا بالسلب، فهو وإن تجلى على الكل، لكن لشدة ظهوره يكون خفاؤه وبطونه ، وبالتالي تُحال معرفته. ومع ذلك فهو يقر بإكتساب الإنسان للصفات الإلهية والتخلق بأخلاق الله فيصير العبد «ربانياً» بالقرب منه، إذ يصبح حاملاً لضرب من الشبه بصفات الملائكة فيكون قريباً منها، والتي هي قريبة من الحق لهذا الشبه. لكنه مع ذلك نفى هذه المشابهة مع الحق وأثبت المشاركة في الصفات كالعلم والقدرة والحياة وغيرها ، رغم أن المشاركة ما هي إلا نوع من المشابهة.
لكن يظل الإتجاه العام للغزالي هو أنه من دعاة الوحدة والشبه الذي لا يقبل الاستثناء، فهو صريح القول بوحدة الشهود والوجود، إذ يقول: «ترقى العارفون من حضيض المجاز إلى ذروة الحقيقة واستكملوا معراجهم فرأوا بالمشاهدة العيانية أنه ليس في الوجود إلا الله، وأن كل شيء هالك إلا وجهه، لا أنه يصير هالكاً في وقت من الأوقات، بل هو هالك أزلاً وأبداً..» .
وتوضيحاً لعبارته هذه ينص الغزالي على أن «الوجود ينقسم إلى ما للشيء من ذاته وإلى ما له من غيره، وما له الوجود من غيره فهو عدم محض. وإنما هو موجود من حيث نسبته إلى غيره، وذلك ليس بوجود حقيقي.. فالموجود الحق هو الله تعالى، كما أن النور الحق هو الله تعالى..» . وهو يؤكد هذا المعنى فيعتبر أن «سائر الأنوار مستعارة، وإنما الحقيقي نوره فقط، وأن الكل نوره، بل هو الكل، بل لا هوية لغيره إلا بالمجاز. فإذاً لا نور إلا نوره، وسائر الأنوار أنوار من الذي يليه لا من ذاته» .
ويُعدّ مثال النور مهماً في توجيه نظرية الغزالي بما يبعدها عن مقالة الصوفية. فالنور ظاهر بذاته ومظهر لغيره بالعرض، ولولا إظهاره لذاته ما ظهر شيء إطلاقاً، وبالتالي فإن كل شيء من حيث هو وبغض النظر عن النور المظهر له يكون عدماً وسراباً لا حقيقة ولا وجود له. وهذا المفهوم هو أقرب إلى التصور الفلسفي لوحدة الوجود منه إلى التصور الصوفي رغم الشعرة القصيرة التي تفصل بينهما والتي سنشهد إنقطاعها لدى المتأخرين من الإشراقيين.
ويستعين الغزالي بمثال نور الشمس لتوضيح نظريته عن الوجود، حيث منه يستمد القمر نوره الذي يمكن أن يُرى في كوة المنزل، وبه ينعكس الضوء على مرآة معلقة على الحائط، فتنعكس صورته في مرآة أخرى معلقة على الجدار المقابل، ومنه على الأرض.. وهكذا يكون الضوء الحاصل على الأرض تابعاً لما في المرآة على الحائط، وهو بدوره تابع إلى غيره حتى ينتهي في الأخير إلى نور الشمس، بل إلى الشمس ذاتها ، مثلما هو الحال في علاقة الموجودات بالموجود الأول. الأمر الذي يجعلنا نعتبر الغزالي هو أول من حدد طريقة الفلاسفة في وحدة الوجود، والتي تختلف عن طريقة العرفاء كما سنرى.
والأهم من ذلك أن الغزالي قام بتشييد قاعدة تفسيرية جديدة لمفاهيم الشرع تسعى للمصالحة بين الفلسفة وطريقة السلف البيانية، لما فيهما من طابع مشترك، إعتماداً على منطق الشبه والسنخية. فالفلسفة في هذه المرة ترضى أن تأخذ بظاهر ما ورد في الشرع دون حاجة للتوجيه والتأويل. ومن ثم إذا كانت طريقة السلف البيانية تقر بما جاء به الشرع من صفات إلهية، كالسمع والبصر والغضب والضحك والفرح وال إستواء والاستهزاء والمكر والتعجب والمجيء والهرولة واليد والقدم والعين والوجه وما إلى ذلك من صفات مذكورة في القرآن والحديث، فإنه بحسب طريقة الغزالي الفلسفية التي تجعل عوالم الوجود متطابقة، بعضها من سنخ البعض الآخر، يصبح ما ذكره الشرع من صفاتٍ إلهية يمثل حقيقةً ظهر على سنخها كل ما نراه من صفات الخلق في العالم الدنيوي، بلا نظير أو مثيل، وذلك للبون الشاسع بين العالمين، وعليه يصدق على هذا العالم ما جاء ذكره في الخطاب القرآني: ((ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)) ، كما فصلنا ذلك في حلقة (الفلسفة والعرفان والإشكاليات الدينية).

الأصل المولّد ووحدة العقل الفلسفي عند إبن باجة
وإذا ما انتقلنا إلى فلاسفة الاندلس وعرفائها، فأول ما نصادفه أمامنا هو الفيلسوف إبن باجة (المتوفى سنة 533هـ)، وهو لا يختلف عن زملائه الفلاسفة في إسناد آرائه وتحكيمها طبقاً لقانون الشبه والسنخية. وأهم ما جاء به هذا الفيلسوف العقلي هو أنه أعاد النظر في الصيغة التي رسمها الفارابي لوحدة الفلاسفة، وحوّلها مما هي دراسة لايجاد الإتفاق بين آراء الفلاسفة، وبالخصوص آراء افلاطون وأرسطو، إلى صيغة تكشف عن وحدة العقل والإدراك لإثبات وحدة الفلاسفة. فبنظره أنه لما كان الإدراك واحداً حين يبلغ مرحلة العقل المستفاد، إذ يصبح الإنسان عين هذا العقل، لذا فليس ثمة فرق حقيقي بين الفلاسفة، إنما الإختلاف بينهم من جهة الزي أو المظهر المغرر بالتمايز والكثرة، فجميع الفلاسفة يصبحون - حينذاك - عقلاً واحداً خالداً غير بال ولا فاسد .
ويجعل إبن باجة من هذه المرتبة التي يصل إليها الفلاسفة جميعاً أرقى مراتب الإدراك. فهي مرتبة أخيرة تتحقق بعد مرور الإنسان بمرتبتين دونيتين من الإدراك. وتتدرج المراتب الثلاث بالتناسخ والتكامل. فالمرتبة الأولى عنده هي مرتبة إدراك الجمهور، إذ يكون المعقول فيها غير مفصول عن الصور الهيولانية الحسّية، فلا يدركه الجمهور «إلا بها وعنها ومنها ولها». أما المرتبة الثانية فهي مرتبة النظّار الطبيعيين، إذ يكون للمعقول فيها نوع من التجرد عن تلك الصور، بحيث يكون له ذات ووجود في نفسه. في حين تختص المرتبة الثالثة بالفلاسفة، فهي مرتبة السعداء الذين يرون الشيء نفسه. وهو يشبّه هذه المراتب المتسانخة تشبيهاً افلاطونياً، فيعتبر حال الجمهور من المعقولات أشبه بحال «المبصرين في مغارة لا تطلع عليهم الشمس فيها فيرونها، بل يرون الألوان كلها في الظل، فمن كان في فضاء المغارة رأى في حال شبيهة بالظلمة، ومن عند مدخل المغارة رأى الألوان في الظل ولم يبصر قط ذلك الضوء. وعليه كما أنه لا وجود للضوء مجرداً عن الألوان عند أهل المغارة، كذلك لا وجود لذلك العقل عند الجمهور ولا يشعرون به، وأما النظريون فينزلون منزلة من خرج من المغارة إلى البراح، فلمح الضوء مجرداً عن الألوان، ورأى جميع الألوان على كنهها. وأما السعداء فليس لهم في الإبصار شبه، إذ يصيرون هم الشيء. فلو إستحال البصر ضوءاً لكان عند ذلك يتنزل منزلة السعداء» .

الأصل المولّد وحكاية إبن يقظان عند إبن طفيل
أما إبن طفيل (المتوفى سنة 581هـ) فقد اقتفى أثر إبن سينا وحذا حذوه كالقدة بالقدة والنعل وبالنعل، فأخضع مراتب الوجودات تحت طائلة قانون الشبه والسنخية، وبسط فكرته مموهة عبر حكايته عن (حي بن يقظان) المستعارة من إبن سينا في الكشف عن أسرار الفلسفة المشرقية. فهو كإبن سينا قام بتطبيق قاعدة (الإمكان الأشرف) الأرسطية، فاعتبر الوجود واحداً وإن تعددت مظاهره وتفاوتت مراتبه، وأن كل مرتبة من مراتب الكائنات تشتمل على جوهر وكمال ما دونها فيكون لها زيادة خاصة. فالإنسان مثلاً يشارك الحيوان بكل ما فيه ويزيد عليه بالنفس العاقلة، والحيوان يشارك النبات بأبعاده الثلاثة - التغذية والنمو والتوليد - ويزيد عليه بالحس والحركة، كما أن النبات يشارك الجماد بما يملك ويزيد عليه بتلك الأبعاد الثلاثة.. وكذا هو الحال مع سائر المراتب الوجودية الأخرى. وهو بذلك لا يستثني حتى مبدأ الوجود الأول، إذ يراه مشتملاً على جميع المراتب الوجودية والكونية التي دونه، فهو الأصل الذي منه ينحدر النظام الواحد على إختلاف مظاهره ورتبه . وهو بهذا يقول بوحدة الوجود التامة إتساقاً مع منطق قانون الشبه والسنخية.

الأصل المولّد ووحدة الوجود النوعية عند إبن رشد
لأول مرة نجد فيلسوف قرطبة العقلي إبن رشد (المتوفى سنة 595هـ) يخلص مع قانون الوحدة والشبه بشكل صريح ومنتظم من غير تردد، فيطبقه على العلاقة الخاصة بين مبدأ الوجود الأول وسائر الوجودات المتفرعة عنه. فهو لأول مرة في تاريخ الفكر الإسلامي لا يتردد من أن يعتبر علم مبدأ الوجود الأول بذاته هو نفسه عبارة عن العلم بالأشياء، لا أن هذا الأخير لازم عن علمه بذاته كما يقول الفارابيان اللذان خشيا من حدوث التكثر في الذات الإلهية. فبرأي هذا الفيلسوف أن علم الأول بذاته هو عين الذات التي هي عين صور الموجودات متحدة بشكل من الإتحاد البسيط الذي لا يخلو من تفصيل. فعقل الذات الإلهية لنفسها هو في حد ذاته عقل لجميع الموجودات من دون حيثية أخرى ، تبعاً لقاعدة (بسيط الحقيقة كل الأشياء) المستخلصة من قانون الشبه والسنخية، والتي صاغها المتأخرون من الفلاسفة المسلمين.
وإتساقاً مع هذا المنطق فإن إبن رشد يؤسس نظريته في وحدة الوجود تبعاً لوحدة النوع المستلهمة من نظام الأسباب والمسببات. فقد حلل العلاقة الخاصة بين العلة والمعلول ورأى أن علاقتهما قائمة على الشبه مما يبرر المقولة الفلسفية القائلة (علم العلة بذاتها يستلزم علمها بالمعلول). وعليه اعتبر التفاوت بين العلة والمعلول قائماً على الشرف في النوع الواحد لا إختلاف النوعية. وعلى حد قوله: «لما كان الفاعل إنما يعطي المفعول شبيه ما في جوهره، وكان المفعول يلزم فيه أن يكون غيراً.. وجب ضرورة أحد أمرين، إما يكون مغايراً له بالهيولى.. وإما أن تكون المغايرة التي بينهما في التفاضل في النوع الواحد، وذلك بأن يكون الفاعل في ذلك النوع أشرف من المفعول.. وإذا كان كذلك فهذه المبادئ التي ليست في هيولى إنما يغاير فيها الفاعل المفعول، والعلة المعلول بالتفاضل في الشرف في النوع الواحد لا بإختلاف النوعية» . وقد اعتقد بأن ذلك هو الظاهر من مذهب أرسطو وأصحابه أو اللازم عن مذهبهم .
لكن يلاحظ أن النظرية الأرسطية الرشدية تقف موقفاً مضطرباً إتجاه الهيولى لتلك الوحدة من الوجود. إذ تراها - من جهة - أجنبية ومستقلة عن فعل الفاعل، فالمبدأ الأول ليس علة لذات الهيولى، بل علة لتحريكها، ومن ذلك ينشأ النظام والصورة وتتحقق المشابهة. لكن هذه النظرية تجعل - من جهة ثانية - الصور الموجودة في ذات الفاعل الأول بالفعل؛ موجودة كذلك في المادة الأولى بالقوة . وهذا هو محل الإضطراب، إذ القول الأخير لا يجعل من الهيولى مستقلة عن الفاعل، وإلا كيف جاز أن يكون ما موجود في ذات الفاعل بالفعل، موجوداً لدى المادة بالقوة؟!
وإبن رشد كغيره من الفلاسفة المسلمين يفرش البساط العقلي الصوري على الوجود ككل طبقاً لعلاقة العلة بالمعلول حسب قانون الأصل والشبه. فالموجودات هي صور أو إدراكات عقلية متوزعة بحسب مراتبها من الوجود، أخسّها هو وجودها في المواد، ثم بعد ذلك وجودها في العقل الإنساني، ثم وجودها في العقول المفارقة. فهذه العقول هي نفسها عبارة عن صور بعضها أرقى وأفضل من البعض الآخر . وكل صورة إدراكية فوجودها في نفسها ومعقوليتها ووجودها لعاقلها أمر واحد بلا تغاير، وبالتالي يصبح كل عاقل جميع معقولاته، وكلما كثرت المعقولات كلما أصبح التعقل أشدّ عقلية وأكمل ذاتاً وأقوى وجوداً وأزيد آثاراً، وهكذا تتفاوت العقول حتى ينتهي الأمر إلى العقل الإلهي المتمثل بـ «جميع العقول، بل جميع الموجودات بوجه أشرف وأتم من جميعها» .
ورغم أن إبن رشد قائل بوحدة الوجود النوعية، إلا أنه يقترب أحياناً من النظرية الصوفية ويكاد يقع في أسرها، على ما سيتضح لنا ذلك في ما بعد.
كذلك فطبقاً لمبدأ السنخية تمكّن إبن رشد من حل مشكلة الصدور بما يقترب من مآل طريقة المتأخرين من الإشراقيين الذين وفّقوا بين السلوكين الفلسفي والعرفاني. إذ لم يتقبّل الإتجاه العرفاني تلك النظرية بصورتها القائلة (الواحد لا يصدر عنه إلا واحد). فعلى الرغم من إعتقاده بصدق المقالة نظرياً، لكنه لم يجد لها تطبيقاً على أرض الوجود. فالمبدأ الأول عنده ليس مجرد واحد بسيط، بل له نسب متكثرة تجعله واحداً وكثيراً في الوقت ذاته، الأمر الذي يبرر على أساسه صدور الكثرة عنه .
كما هناك جماعة من المتكلمين وافقوا أيضاً على تلك المقالة نظرياً، إلا أنهم أنكروا أن يكون لها مصداق في الوجود. فبرأيهم أنه يجوز أن يصدر عن المبدأ الأول أمور كثيرة، لوجود الكثرة الإعتبارية في ذاته، كالسلوب والإضافات النسبية، كعالميته وقادريته ورازقيته وخالقيته، إلى غير ذلك من الإضافات، وكذا مع ما هو مسلوب عنه من صفات الممكنات وأحوالها. فبحسب كل سلب وإضافة يصدر عنه موجود عيني، فهذه الإعتبارات هي نظير الإعتبارات التي أثبتها الفلاسفة في العقل الأول المعلول، إذ بنظرهم أنها لا تقدح في وحدته وبساطته .
كذلك انطلق إبن رشد من الموقع ذاته الذي انطلق منه الصوفية وبعض المتكلمين. فهم جميعاً قد سلّموا بصحة قاعدة (الواحد لا يصدر عنه إلا واحد) نظرياً، لكنهم نفوا أن يكون لها مصداق في الوجود. فالمبدأ الأول عندهم عبارة عن «الواحد الكثير» ولو إعتباراً. فقد اثبت الصوفية للمبدأ الأول صفات ونسباً مغايرة لذاته عقلاً لا خارجاً، وبالتالي جاز عندهم صدور الـكثير عن الـواحد ، وعلى هذه الشاكلة أثبت بعض الـمتكلمين الكثرة الإعتبارية في ذاته. ومع ذلك فإنهم يتفقون جميعاً على صدق القاعدة نظرياً. وكذا هو الحال مع إبن رشد، فهو لا ينفي المقولة نظرياً، بل على العكس أن تحليله لها يجعله يؤكدها. فإعتقاده بجواز صدور الكثرة عن الواحد مستمد من منطق إعتقاده بأن هذا الواحد البسيط فيه كـثـرة صوريـة مختلفة لا تتنافى مع كونه واحداً بسيطاً . ومن هذا الموقع فهو يصحح جواز صدور الكثرة عنه إلى درجة أنه يقول: «ليس يمتنع في ما هو بذاته عقل ومعقول أن يكون علة لموجودات شتى من جهة ما يعقل منه أنحاء شتى، وذلك إذا كانت تلك العقول - أي المعلولات الفلكية المفارقة - منه أنحاء مختلفة من الصور» .
ويتوغل فيلسوفنا إلى أكثر من هذا، فهو لا يعترف بقاعدة الصدور نظرياً فحسب، بل يقيم مذهبه انطلاقاً منها دون تجاوزها، فيرى أن الكثرة التي تصدر عن الواحد البسيط هي كثرة مجملة في الواحد، فكما أن المبدأ الأول هو مطلق لأنه كل الأشياء، فكذا أن ما يصدر عنه من فعل لا بد من أن يكون مطلقاً بحمله للكثرة، وذلك على شاكلة الأول طبقاً للسنخية، فيكون الصادر واحداً وكثيراً، مثلما أن الأول هو «الواحد الكثير». لذا اعتبر قضية صدور الواحد عن الأول صادقة، مثلما أن قضية صدور الكثرة عنه صادقة أيضاً .
وهو بهذا ينحو منحى قريباً جداً من المنحى الذي سلكه الإشراقيون، سيما صدر المتألهين، وهو المسلك الذي جمع بين رأي الفلاسفة كالفارابيين وأتباعهما من جهة، ورأي العرفاء من جهة ثانية. فهو وإن كان يقول بصدور الفعل المطلق دفعة واحدة، لكنه في الوقت نفسه لا ينكر تسلسل مضامين هذا الفعل طبقاً لقاعدة «الإمكان الأشرف» القائمة على السنخية. وكما يرى بأن ما من صفة ناقصة إلا ويسبقها وجود صفة كاملة على شاكلتها، فمثلاً «أن ما وجدت فيه حرارة ناقصة فهي موجودة له من قبل شيء حار بحرارة كاملة، وكذلك ما وجد حياً بحياة ناقصة... وكذلك ما وجد عاقلاً بعقل ناقص فهو موجود له من قبل شيء هو عقل بعقل كامل، وكذلك كل ما وجد له فعل عقلي كامل فهو موجود له من قبل عقل كامل» . وينطبق هذا الحال على عالم العقول المفارقة الموصوفة بالبساطة والكمال، فهي ليست متغايرة تغاير النوع ولا تغاير الشخص، بل تتغاير بمراتب البساطة في الشدة، بإعتبارها لا تحمل مرتبة واحدة من الإضافة أو المعلولية إلى المبدأ الأول، بل تتفاضل بحسب حالها من القرب والبعد منه، فكلما كانت متقدمة في رتبة الوجود وقريبة من الأول كانت أكثر كمالاً وبساطة، وبالتالي فإن المعلول الأول هو أكمل وأبسط من المعلول الثاني، وهذا أكمل وأبسط من الثالث، وهكذا. وهي وإن كانت بسيطة لأنها وحدات تامة بالفعل دون مادة ولا قوة، إلا أن لها نوعاً من الكثرة والتركيب، إذ تتفاوت في ما بينها بحسب القرب والبعد من المبدأ الأول، فهي تعقل من ذواتها معنى مضافاً إلى عللها، خلافاً لما هو الحال مع المبدأ الأول الذي نفى عنه مثل تلك الكثرة والتركيب، إذ أنه «يعقل من ذاته معنى موجوداً لا معنى ما مضافاً إلى علة» .
على أن الجمع بين الدفعة الواحدة للفعل المطلق، وبين التسلسل الذي يقتضيه التفكير الفلسفي، جعل إبن رشد يعتقد بوجود قوة روحية واحدة تربط بين أجزاء ذلك التسلسل وتجعل من الكثرة أمراً واحداً، فهي تسري في الكل سرياناً واحداً. وإذا لم يصح وجود الأشياء إلا بإرتباط بعضها ببعض، لإفتقار كل منها للآخر كما تقتضيه علاقة العلة والمعلول؛ فإن وجودها يصبح تابعاً لإرتباطها، مما يعني أن معطي الرباط هو معطي الوجود، إذ الأشياء تفتقر بوجودها إلى المبدأ الأول من حيث إرتباطها وعالقيتها به، وحيث أن هذا المبدأ واحد، فما يعطيه يجب أن يكون واحداً طبقاً لقاعدة الصدور (الواحد لا يصدر عنه إلا واحد)، لكن «هذه الوحدة تتنوّع على جميع الموجودات بحسب طبائعها، ويحصل من تلك الوحدة المعطاة في موجود موجود وجود ذلك الموجود، وتترقى كلها إلى الوحدة الأولى» .
وعلى هذا الأساس قام إبن رشد بتصوير فيض هذه القوة السارية في الكل وتشبيهها بجسم الحيوان، مشيراً إلى أن الفلاسفة القدماء أجمعوا على ذلك، وهو يعوّل في هذه النظرية على كلام الاسكندر الذي يقول: «إنه لا بد أن تكون هنا قوة روحانية سارية في جميع أجزاء العالم كما يوجد في جميع أجزاء الحيوان الواحد قوة ترتبط أجزاءه بعضها ببعض» . فقد صرح إبن رشد قائلاً: «وأما كون جميع المبادئ المفارقة وغير المفارقة فائضة عن المبدأ الأول وأن بفيضان هذه القوة الواحدة صار العالم بأسره واحداً وبها ارتبطت جميع أجزائه حتى صار الكل يؤم فعلاً واحداً كالحال في بدن الحيوان الواحد المختلف القوى والأعضاء والأفعال، فإنه إنما صار عند العلماء واحداً وموجوداً بقوة واحدة فيه فاضت عن الأول، فأمر أجمعوا عليه لأن السماء عندهم بأسرها هي بمنزلة حيوان واحد.. وقد قام عندهم البرهان على أن في الحيوان قوة واحدة بها صار واحداً وبها صارت جميع القوى التي فيه تؤم فعلاً واحداً وهو سلامة الحيوان، وهذه القوى مرتبطة بالقوة الفائضة عن المبدأ الأول.. فإن كان واجباً أن يكون في الحيوان الواحد قوة واحدة روحانية سارية في جميع أجزائه بها صارت الكثرة الموجودة فيه من القوى والأجسام واحدة، حتى قيل في الأجسام الموجودة فيه أنها جسم واحد، وقيل في القوى الموجودة فيه أنها قوة واحدة، وكانت نسبة أجزاء الموجودات من العالم كله نسبة أجزاء الحيوان الواحد من الحيوان الواحد، فباضطرار أن يكون حالها في أجزائه الحيوانية وفي قواها المحركة النفسانية والعقلية هذه الحال، أعني أن فيها قوة واحدة روحانية بها ارتبطت جميع القوى الروحانية والجسمانية وهي سارية في الكل سرياناً واحداً» .
وهذا التصور لعلاقة الكثرة بالوحدة من خلال الفعل الساري الفائض عن المبدأ الأول؛ يتفق تماماً مع ما يقوله الإشراقيون في المشرق العربي والإسلامي، فهم يعبّرون عن هذا الفعل المطلق بأنه وجود منبسط مطلق يرتبط بالمبدأ الأول إرتباط الفعل بالذات، فهو فعل الله الساري في كل شيء، وهو واحد وكثير ومجمل ومفصّل. فالفيلسوف المشرقي صدر المتألهين يقسّم الوجود إلى مراتب ثلاث: الأولى عبارة عن مبدأ الكل، وهو الواجب الأول. والثانية عبارة عن الوجود المتعلق بغيره، كالعقول والنفوس والطبائع والأجرام والمواد. أما المرتبة الثالثة فهي الوجود المنبسط على هياكل الأعيان والماهيات، وهو المسمّى بالنفس الرحماني وبالحق المخلوق به، حيث أنه الصادر الأول وأصل وجود العالم وحياته ونوره الساري في جميع ما في السماوات والأرضين؛ كل بحسب رتبته .
وهذا هو وجه إختلاف الإشراقيين عن الصوفية، فكلا الفريقين يعتقد بأصالة وثبوت الوجود الواحد البسيط ذي المراتب المتنزلة، إلا أن الإشراقيين يعتبرون المبدأ الأول تمام الأشياء وعينها - كلها - من حيث جمعه لكمالاتها، وغيره يعد من المتعلقات المرتبطة به ، وهي ما تمثل أطواره وشؤونه. أما الصوفية فتجعل من المبدأ الأول عين هذا الوجود المنبسط، إذ سريانه كسريان النفس في البدن، بل الكل واحد بمراتبه من التجرد والتجسّد، كما هو الحال مع النفس حيث تحتفظ بمرتبة لها في نفسها ومراتب أخرى تجامع فيها سائر الأعضاء. مما يعني أن الخلاف بين الفريقين ينحصر في موضوع السريان إن كان يخص الذات الإلهية أم فعلها، إذ الصوفية تقول بسريان الذات، والإشراقيون يقولون بسريان الفعل الواجب مع حفظ الذات في عزّ مرتبتها وعلوّها.
أما المشّاؤون فهم وإن اعتقدوا بأن الوجود يمثل حقائق متخالفة، لكن إقرارهم بأنه عبارة عن معنى بسيط لجميع الكائنات يجعلهم يقتربون من المعنى الإشراقي الآنف الذكر، بل ربما لهذا السبب كان صدر المتألهين يرى طريقته لا تختلف عن طريقتهم عند التدقيق والتفتيش . ولعل أعظم إتفاق للمشّائين مع الإشراقيين يتمثل بما نقله إبن رشد عن القدماء حول الفعل المطلق الواحد الساري في سلسلة الوجودات، إذ نقل أنهم أجمعوا عليه، كما نصّ عليه شارح أرسطو الاسكندر. فهذا المنقول هو نفس ما قصده الإشراقيون من العقل الأول، فهو صادر أول تستمد منه سائر السلسلة الوجودية وجودها وإرتباطها وحياتها، لأنها تمثل تنزلات هذا الفعل.
وبعبارة أخرى، إن هذا الفعل المطلق الساري كما يسميه المشّاؤون، أو الوجود المطلق المنبسط كما يسميه الإشراقيون، هو ذات العقل الأول الفائض عن المبدأ الواجب بإعتبارين مختلفين، إذ يمثل هذا العقل من جهة صدارة وكمال ذلك الفعل أو الوجود وتمامه، كما يعتبر من جهة أخرى سارياً في جميع أرجاء ما دونه، أي أنه مفارق مع كل مفارق، وملابس للمادة مع كل مادة، فهو مفارق وملابس؛ كل بحسب رتبته الخاصة في سلسلة الوجود، ولولا حضوره فيها بنحو ما من الأنحاء ما كان لها أثر ولا وجود.

الأصل المولّد ووحدة الوجود الشخصية عند إبن عربي
إذا كان تاريخ النظام الوجودي قد شهد على يد إبن رشد أبلغ صورة فلسفية عن «الوحدة النوعية» للوجود كما افرزتها علاقة الشبه بين العلة والمعلول، فإن هذا التاريخ قد شهد أيضاً على يد معاصره العارف الشيخ محي الدين بن عربي (المتوفى سنة 638هـ) أعمق صورة عرفانية تثبت «الوحدة الشخصية» للوجود. فهي أعمق مدلول تتطور فيه الدلالة من علاقة الشبه إلى علاقة عضوية للوحدة المطلقة. فإذا كانت علاقة الشبه لدى إبن رشد تستبطن في ذاتها الوحدة النوعية للوجود، فإن التطور الجديد الذي أحدثه إبن عربي كان على العكس، إذ أصبحت وحدة الوجود الشخصية هي التي تستبطن علاقة الشبه كحالة وجودية.
ولا ينكر أن عملية بسط الوحدة العضوية التامة على الوجود قد أخذت نوعاً من الغموض والتعقيد لدى الذين اهتموا بدراسة فكر إبن عربي. فهو كثيراً ما كان يعبّر عن هذه الوحدة بـ «الوجود المطلق»، فإما أن يريد به مطلق الوجود، فيشمل بذلك مبدأ الوجود الأول وما دونه، أو هو عبارة عن الوجود الحامل لجميع الكمالات، وبالتالي فهو عين مبدأ الوجود الأول لاشتماله على الكمالات، لأنه صرف الوجود والقدرة والحياة والعلم وما إليها، ويقابله الوجود المقيد الحامل لشائبة النقصان وفقدان الكمال فيطلق عليه الممكنات مجازاً. أو أن «الوجود المطلق» عبارة عن الفعل الخاص بمبدأ الوجود الأول، وهو فعل عام منبسط وشامل، وبذلك يمتاز عن ذات هذا المبدأ، أو أنه عبارة عن وجود أمر واحد منبسط يمثل ذاتاً واجبة لها أطوارها المختلفة، ففي طور تكون هوية أحدية، أو إلهية، أو أنها تتجلى في صور وأشكال مشهودة من الشجر والحجر وكل شيء من دون حصر ولا تقييد.
وسط هذه الإحتمالات الأربعة فهم العارف علاء الدولة السمناني (المتوفى سنة 736هـ) أن ما قصده الشيخ الاعرابي هو الفرض الأخير، لهذا فقد اعترض عليه بذلك، فبينما كان إبن عربي يقول في فتوحاته المكية: «إن الوجود المطلق هو الحق المنعوت بكل نعت، ولا شك أن الوجود المطلق المنعوت بكل نعت هو الوجود الإنبساطي، أعني الحقيقة لا بشرط شيء، ولا يمكن حمله على المرتبة الأولى، أعني الحقيقة بشرط لا شيء، لأنه في هذه المرتبة لا إسم ولا رسم ولا نعت ولا صفة كما عرفت، فكيف يكون الوجود في هذه المرتبة منعوتاً بكل نعت؟»، عقّب عليه السمناني معترضاً بالقول: «إن الوجود الحق هو الخالق تعالى لا الوجود المطلق ولا المقيد». وقد استخدم هذا الاسلوب في كل مرة يعبّر فيها إبن عربي عن الحق بالوجود المطلق، أو أنه عين كل شيء . حتى أن السمناني عقّب على قول إبن عربي في (الفتوحات المكية): «سبحان من أظهر الأشياء وهو عينها»، فقال: «يا شيخ إنك لا تستحي من الحق، يا شيخ لو قيل أن فضلة الشيخ عين وجود الشيخ لا تسامحه، بل تغضب عليه، فكيف يجوز لك أن تنسب هذا الهذيان إلى الملك الديان؟! تُبْ إلى الله تعالى لتنجو من هذه الورطة الوعرة التي يستنكف عنها الطبيعيون والدهريون» .
وحاول بعض الفلاسفة أن يدفع هذا الإتهام، فقد احتمل صدر المتألهين الشيرازي أن هناك سوء فهم نابع عن الإشتراك اللفظي في الإصطلاح، لصعوبة التعبير عما هو في طور وراء طور العقل، فاعتبر أن بعض العرفاء يطلق الوجود المطلق على ذاته تعالى، كما هو الحال مع صاحب (العروة)، وبعضهم يطلقه على فعله بالخصوص، كما هو الحال مع إبن عربي، مما أدى إلى أن يلتبس الأمر على العارف السمناني ، وهو لا يستبعد أن يكون الإختلاف بين المذهبين الإشراقي والصوفي عائداً إلى التفاوت في الإصطلاح وأنحاء الإشارات والتفنن في التصريح والتلويح، مع إتفاقهم على الأصول والدعائم . مع أنه في بعض المواضع صرح بإختلاف مذهب إبن عربي عن مذهب الحكماء، إذ اعتبره يرى حقيقة الواجب تتمثل بالوجود المطلق المقدس عن الإطلاق والتقييد معاً .
وبرأينا أن ما قصده إبن عربي وراء تمويهاته، هو الإعتقاد بمبدأ واحد في الوجود دون عداه، فهو ينبسط إنبساطاً تظهر به مختلف مراتب التجليات والتعينات، لكنه في حد ذاته غير قابل للحد ولا التعيين ولا الحصر. فهو ثالث إثنين ورابع ثلاثة وخامس أربعة وهكذا من دون حصر إطلاقاً ، وهو بالتالي عين كل شيء، وحقيقته تقتضي الإطلاق واللاحصر . فهو محدود بحد كل ذي حد، وهو الساري في مسمى المخلوقات المبدعات، وهو عين الوجود، وهو «الشاهد من الشاهد، والمشهود من المشهود، فالعالم صورته، وهو روح العالم المدبّر له، فهو الإنسان الكبير» . وهو صورة العالم كظاهر، وهوية هذا العالم كباطن، وحدّه الكامل عبارة عن ظاهر العالم وباطنه . فإن حُدّ بحد فلا بد أن يحد بجميع الحدود، فهو يتعين في كل محدود بحسبه وقدره، ولا ينحصر في حد ما، بل ولا في جميع الحدود المحدودة، لكن حيث أن هذه الحدود لا تنحصر، لذا فهو لا يحد بأي منها، وهو بالتالي حد كل شيء دون أن يكون له حد محدود . فهو الكثير الواحد، الكثير بالصورة والواحد بالعين، مثلما أن الإنسان واحد لكن أفراده لا تتناهى وجوداً وشخصاً، فكذا هو واحد بالعين كثير بالصور والأشخاص. ومن هنا يعلم كيف «يتجلى يوم القيامة في صورة فيُعرف ثم يتحول في صورة فيُنكر، ثم يتحول عنها في صورة فيُعرف، وهو هو المتجلي ليس غيره كل صورة..» .
وللتأكيد على نفي وجود التعيين والحد للوجود المطلق أو (الحق) يستعين إبن عربي بما أخبر به الشارع المقدس مما له دلالة على محدودية (الحق) في مواضع مختلفة وكثيرة، حتى اعتبر أنه ما من نص قرآني نزل في حق الله تعالى، وما من خبر عنه، إلا ونزل محدداً له، سواء كان تنزيهاً أم غير تنزيه، فقد جاء في بعض الأحاديث النبوية وصف مكانه قبل أن يخلق الخلق بأنه كان في «العماء» الذي ما فوقه هواء وما تحته هواء . وجاء وصفه في الآيات القرآنية أنه إستوى على العرش، وهو واضح التحديد، وأنه ينزل إلى سماء الدنيا، وهو تحديد أيضاً، كما وجاء أنه في السماء، وأنه في الأرض، وأنه معنا أينما كنّا «الى أن أخبرنا أنه عيننا ونحن محدودون، فما وصف نفسه إلا بالحد، وقوله ((ليس كمثله شيء)) حد أيضاً، إن أخذنا الكاف زائدة لغير الصفة، ومن تميّز عن المحدود فهو محدود بكونه ليس عين هذا المحدود، فالإطلاق عن التقييد تقييد، والمطلق مقيد بالإطلاق لمن فهم. وإن جاء الكاف للصفة فقد حددناه، وإن أخذنا ليس كمثله شيء على نفي المثل، تحققنا بالمفهوم وبالإخبار الصحيح أنه عين الأشياء، غير هذا المحدود» .
هكذا ليس في الوجود عند إبن عربي إلا عين واحدة هي عين الوجود الحق، تعيّن في مرتبة الجمع فكان واحداً إلهاً، وفي مرتبة الخلق فكان كثيراً خلقاً. فكل من «الوحدة والكثرة والجمع والفرق والحق والخلق والإطلاق والتقييد والتعيّن واللاتعيّن والظهور والبطون، نسب نفسية له ولا تحقق لها بدونه، فما ثم موجود إلا هو» . وبذلك فإن لحقيقة الوجود الحق مراتب لا يتناهى ظهورها في التعين والتشخيص «فأول مراتبها إطلاقها وعدم انحصارها ولا تعينها عن كل قيد وإعتبار، والمرتبة الثانية تعينها في عينها وذاتها بتعين جامع لجميع التعينات الفعلية المؤثرة وهي مرتبة الله تعالى، ثم المرتبة التفصيلية لتلك المرتبة الجمعية الأحدية الإلهية، وهي مرتبة الأسماء وحضراتها، ثم المرتبة الجامعة لجميع التعينات الانفصالية التي من شأنها التأثر والانفصال.. والتقيد ولوازمها، وهي المرتبة الكونية الخلقية. ثم المرتبة التفصيلية لهذه الأحدية الجمعية الكونية، وهي مرتبة العالم، ثم هكذا في جميع الأجناس والأنواع والأصناف والأشخاص والأجزاء والأعضاء والأعراض والنسب، ولا يقدح كثرة التعينات وإختلافها وكثرة الصور في أحدية العين، إذ لا تحقق إلا لها في عينها وذاتها، لا غير، لا إله إلا هو، فالعين بأحدية الجمع النفسي الفيضي الوجودي سار في جميع هذه المراتب والحقايق المترتبة فيها. فهو فيها هي عينها لا غيرها، كما كانت هي فيه في المرتبة المذكورة الأحدية الجمعية الأولى هو لا غيره، كان الله ولا شيء معه.. فافهم» .
ويدلنا هذا النص على أن للوجود المطلق عند إبن عربي مرتبة مجهولة هي أولى المراتب، وهي المسماة بغيب الهوية، حيث لا يعرف منها شيء ولا يحكم عليها بشيء، إذ لا تشبه شيئاً في العالم ولا يشبهها شيء. وهي المعبر عنها بـ (ليس كمثله شيء). كما يفيدنا النص بأن هناك علاقتين في أن واحد. فهناك وحدة عضوية تحتضن جميع المراتب من غيب الهوية وحتى أدناها، مما يجعلها غير واقعة في التعين ولا الحد ولا الحصر. كما أن هناك علاقة شبه وكمون، تظهر بها المراتب الدانية عن مرتبة الجمع الإلهية. فهذه المرتبة متقدمة ذاتاً من حيث احتوائها لجميع ما دونها.
وبعملية التمييز بين المراتب فإن للوجود الحق في كل مرتبة شأناً وتعيناً، فمن حيث «كونه متعيناً في مرتبة الإلوهية هو عين الله ، فهو بحسب الله وبحسب الصورة الأحدية الجمعية الإلهية ليس خلقاً مخلوقاً، بل خالق المخلوقات مُوجد الموجودات، فليس هو هي، ولا هي هو (ما للتراب ورب الأرباب). فاذكر ولا تخلط بين المراتب ولا تخبط خبط عشواء في الحقايق والمذاهب. ثم الوجود الحق من كونه متعيناً في المرتبة الخلقية المنفعلة والأعيان المتأثرة الكونية قابلاً لصور الأكوان خلق - ليس حقاً - كذلك، ولكن الوجود الحق الواحد المطلق من كونه قابلاً لصور الحقيقة الإلهية وقابلاً أيضاً لصور الخلقية عين الحق والخلق، فهو فيهما معاً حق وخلق، فيصدق من حيث هذا الوجه وضع كل منهما، أعني الحق والخلق، وحمل الآخر عليه. فاعتبر هذه الإعتبارات كلها ولا تطلق القضايا إلا بوجوهها المعتبرة، ولا تغفل عن الحقيقة الوجودية المطلقة الظاهرة في المراتب كلها..» .
وتتشكل حقيقة هذا الوجود الواحد بأشكال شتى، فتظهر «حقاً خلقاً إلهاً مألوهاً رباً مربوباً، فإن الحقيقة المطلقة في عينها يتساوى نسبة التعين إليها من حيث هي هي، لتساوي اقتضائها الذاتي لهما معاً، فالأمر الخالق هو المخلوق، (والأمر المخلوق الخالق) طرداً وعكساً» .
أما عن علاقات الشبه داخل وحدة الوجود العضوية، فطالما أكد عليها إبن عربي، فهو قد عرّض فكرة الغزالي التي أجازت معرفة الحق من غير نظر إلى العالم للنقد، معتبراً ذلك محالاً، حيث النظر المنفصل عن العالم لا يؤدي إلا إلى إفتراض وجود واجب أزلي قديم، وهذا التحديد مجرد عن جميع الصفات والأسماء التي يتألف منها مفهوم الإلوهية، فلو جردنا هذه الصفات والأسماء عن ذلك الوجود الواجب لما كان يعدّ إلهاً، وعليه كان لا بد من أخذ صفات الموجودات المخلوقة بما في ذلك صفاتنا، فالحق بنظره لم يظهر بصور الموجودات إلا ليعرف بكونه إلهاً طبقاً للحديث القدسي «كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أُعْرف فخلقت الخلق كي أُعرف»، مفسراً معنى ذلك بأن الله كان هوية أزلية معراة عن النسب والإضافات، فعرض جميع ما في ذاته من كمالات على مرآة الوجود، بحيث إذا عُرفت صور هذه الكمالات ومجاليها فإن كمالاته تعرف هي الأخرى بالتبع .
وهو يعدّ الإنسان عبارة عن نسخة مختصرة من الحضرة الإلهية، ولذلك خصّه الله تعالى بصورته كما في الحديث «خلق الله آدم على صورته، أو على صورة الرحمن». فهو بذلك عبد الله ورب العالم، وبالتالي فهو خليفة الله، إذ لم يؤدّ أحد من العالم الربوبية غيره، وما أحكم أحد غيره مقام العبودية، فعبد الحجارة والجمادات، لكونه نسخة من الصورتين، الحق والعالم. فنسخته الظاهرة مضاهية للعالم بأسره، أما نسخته الباطنة فتضاهي الحضرة الإلهية، فهو الكلي على الإطلاق والحقيقة، وهو الحد الفاصل بين الله والعالم بإعتباره يمثل صورة الله، والعالم بمثابة المرآة التي تعكس تلك الصورة، وذلك لما أودعه الحق جميع الأسماء وجعله روحاً للعالم، ولهذا فهو يتصف بأنه قابل لجميع الوجودات قديمها وحديثها. وبعبارة أخرى أن فيه يجتمع ظاهر العالم وباطنه، أو هو تعبير عن جمع يتحد فيه الله والعالم، فجسمه شكل من أشكال العرش، وروحه صيغة من صيغ الذات الإلهية، وقلبه مصغر لمثال الكعبة أو البيت المعمور، كما وقد جمع في خصائص روحه ما اجتمع للملائكة والمريخ وزحل والشمس .
لهذا فهناك العديد من المشاكلات التي يذكرها إبن عربي بين الإنسان والحق، أو العبد والرب، منها قوله: «فأنت عبد وأنت رب لمن له فيه أنت عبد، وأنت رب وأنت عبد لمن له في الخطاب عهد، أنت عبد له من حيث ظهور سلطانه عليك، وأنت رب له حيث ظهور سلطانك به على من دونك وعليه أيضاً من حيث أجابته لسؤالك، فما أنت على كل حال إلا تعيناً من تعيناته وتجلياَ من تجلياته، وأنت رب أيضاً من حيث ظهور الربوبية بك وفيك لرب خاطبك بخطاب ((ألست بربكم)) فقلت بلى بين العباد الراضين بربوبيته المرضيين عنده حين قالوا ما قلت، فنالوا ما نلت وما توجه الخطاب من الأحدي الذات إليك خاصة» ، وقوله: «فرضى الله عن عبيده فهم مرضيون ورضوا عنه، فهو مرضي، فتقابلت الحضرتان تقابل الأمثال، والأمثال أضداد، لأن المثلين، يعني حقيقة لا يجتمعان إذ لا يتميزان، وما ثم إلا متميز، فما ثم مثل، فما في الوجود ضد، فإن الوجود حقيقة واحدة والشيء لا يضاد نفسه» .
وأنشد في بيت من الشعر:
فيحمدني وأحمده ويعبدني وأعبده
وجاء في شرح الجندي لهذا البيت أنه «يعني يحمدني الحق على كمال قابليتي وحسن قبولي لنور وجوده وإظهار صورته على ما هي عليها من غير تغيير، وأحمده اعرّفه بالكمالات التي ظهر بها فيّ أو ظهرت بها فيه، ويعبدني، أي يطيعني لما سألته بالإجابة» .
وجاء في قول الجندي أيضاً: «إن الحق هو عين هويتنا من كونه عين سمعنا وبصرنا ويدنا ورجلنا وساير قوانا وعين نفوسنا وأعياننا، ونحن صوره.. فنحن لسانه الذي يقول: سمع الله لمن حمده، فنحن من هذا الوجه عين سمعه وبصره ولسانه، فنحن بحسبه من هذا الوجه، ومن الوجه الآخر هو ظاهرنا كما ذكرنا، فإذا ظهر بنا لنا فنحن وقايته عن الكثرة المشهودة في أحديته العينية، إذ نحن الأعضاء والجوارح، وإن ظهر هو في أحدية عينه، فنحن باطنه وهو عين قوانا وأعضائنا ونفوسنا، ولما كانت للنفس هذه السعة فهي من حيث توحدها وأحديتها نفس الحق، ومن حيث نسبها وشعبها الغير المتناهية عيننا، فمتى عرفنا بهذه السعة عرفناها عين الحق حق معرفتها وتحققنا بحقيقتها في قوله: من عرف نفسه فقد عرف ربّه، فإن هذه النفس الواحدة من حيث هويتها الغيبية واحدة هي نفس الحق ومن حيث أنانياتها وأنياتها الفرقانية نحن» .
كما جاء في تفسير الجندي لآية ((الحمد لله رب العالمين)) أنها عبارة عن «ثناء من الحق على نفسه بألسنة العالمين، أو ثناء العالمين على الله بألسنة الحق أو ثناء الحق على الحق بألسنة الحق من كونه عين العالمين ومن كون العالمين عين الوجود الحق المتعين في أعيان العالمين، فثناء من العالمين على الحق أو على العالمين من بعضه لبعض، فتدبر..» .
وتتكشف هذه المشاكلات - بين الإنسان والحق - بصراحة أكثر لدى القونوي (المتوفى سنة 667هـ) الذي يعد أبرز تلامذة إبن عربي، فهو يذكر أن بين ذات الإنسان وذات الحق مضاهاة بحيث أن كل ما في الحق من مجمل أو مفصّل فهو في الإنسان أيضاً، سواء في العوالم أو العلم أو الصفات. فهناك مضاهاة بين العوالم الإلهية وبين الأجزاء الإنسانية، كما هو الحال بين القلم وروح الإنسان، واللوح وقلبه، والعرش وجسمه، والكرسي ونفسه. فكل واحد من هذه العوالم مرآة لما يضاهيه في الآخر، وكذا العكس صحيح أيضاً. فما في القلم من مجمل هو مجمل في روح الإنسان أيضاً، وما في اللوح من مفصل فهو في قلبه مفصل، وما في العرش من مجمل فهو في جسمه مجمل، وما في الكرسي من مفصل فهو في نفسه مفصل. وأيضاً فإن هناك مضاهاة بين العلمين الإلهي والإنساني. فكما أن علم الحق بذاته يستلزم علمه لجميع الأشياء، فكذا هو الحال في حق الإنسان الكامل من حيث أن علمه بذاته هو أيضاً مستلزم لعلمه بجميع الأشياء، أي أنه يعلم الأشياء جميعاً بمجرد علمه بذاته، لكونه عبارة عن جميع الأشياء جملة وتفصيلاً. وكذا هو الحال من حيث صفاتهما، فالحق تعالى يتصف بصفات العبد من الضحك والبكاء والبشاشة والفرح والمكر والاستهزاء والمرض والجوع والعطش وما أشبه ذلك. كما أن العبد هو الآخر يتصف بدوره بصفات الحق تعالى من الحياة والعلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر والكلام والإحياء والإماتة والإنبساط والإنقباض والتصرف في الأكوان وغير ذلك. فالإنسان الكامل هو برزخ أو كتاب جامع لجميع الكتب الإلهية والكونية، وهو مرتبة التنزل الرباني التي يتصف فيها الحق بالصفات العبدانية، كما أنه مرتبة ارتفاع العبد التي يتصف فيها العبد بالصفات الربانية .
وفي مذهب إبن عربي أن الأشياء أو الأسماء بعضها يشبه البعض الآخر، فمن جهة يكون بعضها عين البعض الآخر، ومن جهة أخرى تكون عين الحق. فهو يتبنى رأي العارف أبي القاسم بن قسّ الاندلسي (المتوفى سنة 546هـ)، فيقول: «فقد بأن لك بما هو كل إسم عين الإسم الآخر وبما هو غير الإسم الآخر. فبما هو عينه هو الحق، وبما هو غيره هو الحق المتخيل..»، حيث لكل إسم ناحيتان، إحداهما تدل على الصفة الخاصة به، والأخرى تدل على الذات الإلهية. فهي متحدة به من وجه ومختلفة عنه من وجه آخر . لذلك وظّف إبن عربي بعض الآيات القرآنية لإسناد فكرته عن الشركة في الأسماء، كما في قوله تعالى: ((قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن)) ، فإسم الله هو عين إسم الرحمن، وعين كل إسم من الأسماء الإلهية .
على أن ظاهرة الشبه والمشاكلة لكل من التعينات والظهورات والإيجاد والخلق داخل وحدة الوجود الشخصية، تتخذ شكلاً ثلاثياً ثابتاً لتفسّر حالة إنتاج الكثرة عن الوحدة بطريقة يطلق عليها إبن عربي «النكاح». ويُعتقد بأن هذا العارف أخذ فكرة العدد (ثلاثة) من الفيثاغوريين، إذ عندهم أن هذا العدد هو الأصل في الأعداد الفردية لا الواحد، وذلك لأن الواحد بذاته ليس عدداً وهو لا يفسر الكثرة في العالم، حيث لا يصدر عن الواحد إلا الواحد، مما يعني أن أبسط الأعداد داخل الكثرة هو الثلاثة . وجاء في (الفتوحات المكية) لإبن عربي أن الواحد لا يكون عنه شيء البتة، وأن أول الأعداد هو الإثنان، ولا يكون عن الإثنين شيء أصلاً ما لم يكن ثالث يزوجهما ويربط بعضهما ببعض، فعند ذاك يتكون عنهما ما يتكون. ومع ذلك فإنه يعد الواحد هو الأساس وبقية الأعداد تكراراً له، ومن ثم فإن الواحد هو الموجود في الكل وليس غيره موجود .
فبحسب عملية التثليث هذه؛ أن أول صورة تعينت فيها الذات الإلهية كانت ثلاثية، وهي الصورة العلمية، حيث العلم والعالم والمعلوم كلها حقيقة واحدة. وهو أول تعين حبّي، حيث الحب والمحب والمحبوب كلها حقيقة واحدة، واليه يشير إبن عربي في بيته الشعري:
تثلث محبوبي وقد كان واحداً كما صيروا الأقنام بالذات أقنما
كما أن أول حضرة إلهية ظهر عنها العالم كانت ثلاثية أيضاً، فهي حضرة الذات الإلهية المتصفة بجميع الأسماء والصفات. وكذلك فإن عملية الخلق كانت ثلاثية بإعتبارها تقتضي وجود الذات الإلهية والإرادة وقول (كن)، كما في قوله تعالى ((إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون)) ، مما يقتضي وجود فردية ثلاثية في الشيء المخلوق كي يتم خلقه، فلا بد من شيئية الشيء المخلوق وسماعه أمر التكوين وإمتثاله ذلك الأمر. ويسمي إبن عربي هذه العملية من التثليث في الخلق والإنتاج بـ «النكاح». فالنكاح أساس كل خلق وايجاد، فهو المسمى نكاحاً في عالم الصور العنصرية، حيث الإتحاد بين عنصرين لإنتاج ثالث، أو الاتصال بين الذكر والأنثى لإنتاج النسل ، كما هو المسمى همّة في عالم الأرواح، إذ يعبّر عن التوجّه الإلهي نحو الطبيعة وفتح صور العالم فيها، وأيضاً فهو المسمى بترتيب المقدمات في عالم المعاني والإنتاج العقلي، إذ النتيجة لا تتولّد إلا عن مقدمتين منطقيتين .
والذي نستخلصه أخيراً من مذهب إبن عربي وعلاقة ذلك بما نحن فيه، هو أنه على الرغم من تأكيده على وجود وحدة شخصية شاملة تجمع جميع المراتب الوجودية، وهي مراتب بعضها يشابه البعض الآخر طبقاً للسنخية، إلا أنه مع ذلك يستفرد مرتبة واحدة لم يُجز وصفها وينكر أن يكون لها شبه بغيرها، وهي مرتبة الأحدية أو غيب الهوية. مع أنه في الوقت ذاته يرى أن هذه المرتبة انبثقت عنها سائر المراتب الأخرى وانعكست فيها كمالاتها بالظهور، الأمر الذي لا يخرجها بالنتيجة عن شكل ما من أشكال الشبه. لهذا فنحن نعتبر مذهب إبن عربي واقعاً هو الآخر في التردد بين الشبه ونفيه. فإذا كان قد صرح بنفي الشبه، فإن حقيقة ما يؤول إليه المذهب هو الشبه ولو بنحو ما من الأنحاء.

عود إلى فلاسفة المشرق
نعود الآن من جديد إلى فلاسفة المشرق لننهي تتبعنا للإستكشافات الخاصة بقانون الشبه والوحدة لدى الفلاسفة والعرفاء عبر التاريخ، حيث سنكتفي هذه المرة بالتعرف على أبرز ما ظهر من تلك الإستكشافات لدى كل من شيخ الإشراق السهروردي وصدر المتألهين الشيرازي.

الأصل المولّد والإشراق النوري عند السهروردي
إن أول ما يصادفنا مع الشيخ شهاب الدين السهروردي (المقتول سنة 587هـ) هو المنهج الذي كشف عنه في الجمع بين الفلسفة والعرفان، أو العقل والكشف. فقد طمح إلى مزيد من التوحيد بين الوجوديين، وتجاوز بذلك محاولة كل من الفارابي وإبن باجة في التوحيد بين الفلاسفة. إذ التوحيد الذي سعى إليه السهروردي هو الجمع بين طريقتي الفلاسفة والعرفاء، حيث إحداهما تكمل الأخرى، كما أن أياً منهما لا تستغني عن الثانية. وكانت ركيزته في هذا الجمع مستوحاة من دينامو التفكير الوجودي المتمثل بالسنخية، والذي عليه تأسست رؤيته الإشراقية. فهو يرى أن عوالم الوجود بعضها يسانخ البعض الآخر، بدءاً من مبدأ الوجود الأول وحتى العالم الجسماني المادي. حيث جميع الموجودات تطلب الكمال والتشبه بالمبدأ الأول، تبعاً للعشق الذي لولاه «ما حدث حادث ولا تكّون كائن أصلاً»، وإن تفاوتت في تشبهها بالأول تبعاً لتباين مراتبها وأوضاعها الخاصة .
وفي الرؤية الإشراقية للسهروردي نجد إمتثالاً وتنظيراً واعياً لمذهب افلاطون في المثل لحل مشكلة وجود الكثرة والتنوع في عالم الطبيعة، الأمر الذي جعله يصف هذا الفيلسوف رئيساً للإشراقيين في قبال أرسطو زعيم المشّائين. فهو يقيم الوجود على المبدأ الأول الذي يصفه بوصف «نور الأنوار»، حيث منه تنشأ طبقات الأنوار المتباينة. فهناك أولاً العقول المتسلسلة والمترابطة في ما بينها بنظام العلة والمعلول، وهي المسماة بالعقول الطولية. كما أن هناك طبقة أخرى من العقول أدنى من الأولى، وهي لا ترتبط مثل سابقتها برباط التسلسل أو العلة والمعلول، بل وجودها وجود أفقي، ومهمتها تدبير الأنواع وحفظها، حيث لكل نوع؛ فرد عقلي مجرد في عالم الإبداع هو من حقيقة ذلك النوع . وهي المسماة عنده بالعقول العرضية أو أرباب الأنواع، بإعتبارها عللاً لما تحتها من الأنواع .
وتعدّ العقول الأخيرة مما لا غنى عنه عند السهروردي، إذ يناط بها تفسير الكثرة في عالم الطبيعة والتي تعجز عن تفسيرها نظرية العقل الفعال (الأخير) لدى الإتجاه المشائي. وهي عقول تتفق أو تتطابق مع المثل الرياضية المتوسطة عند افلاطون. كما أن العقول الطولية عنده تتفق بدورها مع مثل افلاطون العشرة.
ومع هذا فالسهروردي يضيف إلى ذلك عالماً جديداً يقع موقعاً متسانخاً مع العالمين العقلي والحسي، وهو العالم النفسي الخيالي، أو عالم المثل المعلقة الذي اعتبره جامعاً لكل من العقل والحس.
هكذا فهناك خمسة عوالم يجمعها رابط السنخية عند السهروردي، وهي عبارة عن نور الأنوار، ومن بعده العقول الطولية، ثم العرضية، ثم عالم البرزخ للمثل المعلقة، وأخيراً عالم الأنواع والأجسام المادية. فهو من جهة يقرّ بأن الإختلاف بين الأنوار المجردة العقلية لا يكون بالنوع وإنما بالنقص والكمال، طبقاً لنظرية الإمكان الأشرف التي عدها من القواعد الإشراقية ، ربما لكونه ينسبها إلى افلاطون وغيره من الحكماء القدماء، وقد سبق أن عرفنا كيف أن افلاطون كان يؤسس مذهبه عليها. وهو يفعل الشيء نفسه في ما يتعلق بالعوالم التي تحتها، فيرى أن أنواع العالم الطبيعي عبارة عن مربوبات للعقول، وهي من نفس حقيقتها، وكذا فإن عالم المثل المعلقة يتصف بكونه جامعاً بين العالمين العقلي والحسي معاً، مما يعني أنه من نفس السنخ والحقيقة.
والطريقة التي يعتمدها السهروردي في المسانخة لم تستمد كيفيتها من العلم الصوري كما هو الحال مع الفلاسفة الذين سبقوه، إذ اعتبروا طبيعة الشبه بين العلة والمعلول تتخذ طابعاً صورياً طبقاً لما تحمله العلة من صورة كاملة للمعلول. بينما الحال عند السهروردي لم يتخذ هذا الشكل من المسانخة، بل اعتمد على العلم النوري الإشراقي، طبقاً لما يفيضه نور الأنوار من إضافات إشراقية تجعل جميع الموجودات منطوية في قهر نوره، فالأجرام منطوية في قهر النفوس، والنفوس منطوية في قهر نور العقول، والعقول منطوية في قهر نور المعلول الأول، وهو منطو في قهر نور الأنوار .
وهو في طريقته الجديدة هذه يجسد طبيعة المسانخة والشبه بين ذوات الموجودات بعضها بالبعض الآخر، بل ويجعل من علاقات الوجود قائمة هي الأخرى على المسانخة من حيث الحضور والثبات. فهو لا يقيم العلم الإلهي على نظرية الصور كما هو الحال عند المشّائين، بل عنده أن مبدأ الوجود الأول هو محض النور، وأن علمه عبارة عن محض الإضافة الإشراقية، وبالتالي كان علمه وبصره واحداً وليس العكس. لذا فعلمه بالأشياء هو نفس القهر الإشراقي، وهو في حد ذاته عبارة عن نفس ايجادها. فوجودها هو نفس حضورها لديه. ومع أنه يعترف بالتعدد في الإضافات «الإشراقية» للمبدأ الأول، إلا أن ذلك – عنده - لا يوجب تكثراً في ذاته، وكذا تجددها لا يوجب تغيراً فيها .
وقد لقيت هذه الطريقة ترحيباً لدى صدر الحكماء الشيرازي، فمدحها وفضلها على طريقة إبن سينا، وإن كان ما لبث أن نقدها على قصورها، لأنه يعتقد بأن مناط العلم الإلهي بالأشياء لو كان نفس وجوداتها وظهوراتها فقط؛ فسوف لا يكون للذات أي علم كمالي للأشياء في حد ذاتها قبل وجود الأشياء . لذا أقرّ بالعلمين معاً؛ كصورة توفيقية تجمع بين المشائية والإشراقية.
ووفقاً لقانون السنخية فإن أهم ما في هذه الطريقة هو أنها جعلت للأشياء حضوراً ثابتاً وأزلياً، شأنها في ذلك شأن علتها الأولى، عبر الإضافة الإشراقية الثابتة. لكن هذه النظرية واجهت مشكلة حول علاقة العلم الإلهي بالحوادث المتغيرة. فقد طُرحت شبهة مفادها أن هذه الحوادث تقتضي أن يكون العلم الشهودي لها متغيراً بالتبع، مما جعل تدارك ذلك عند السهروردي وأتباعه من أمثال صدر المتألهين وصاحب (تحفه) منبنياً على كون حضور الحوادث بالنسبة لعلم الله الشهودي ليس فيه غياب ولا عدم. فهي وإن كانت بالقياس إلى بعضها البعض تتجدد وتتعاقب وتحضر وتغيب، نظراً لضيق وعائها الوجودي، لكنها بالقياس إلى مبدعها تكون صرف الحضور من غير تجدد ولا تعاقب ولا زمان ولا مكان، فالزمان والمكان بالقياس إليه تعالى كالآن والنقطة، وهو محيط بشهوده على جميع الأشياء في كل مراتبها الوجودية، ومنها المرتبة الكونية الأخيرة التي هي مرتبة واحدة لا تقاس بالنسبة إليه بالماضي والمستقبل أو القبل والبعد .
لكنها بهذا تواجه إشكالاً، كالذي ذكره المحقق الخفري، وهو أنه يلزم عنها قِدم الحوادث وأزليتها وإن لم تقع بعد. وقد ردّ عليه الفاضل الكيلاني فزعم أن الفلاسفة لا يثبتون الوجود للحوادث في الأزل، بل يعتبرونها حاضرة منذ الأزل، كل منها يوجد في وقته لا في الأزل، وبهذا لا يكون الأزل ظرفاً لوجودها وإنما لحضورها فحسب .
والحقيقة هي أن حضور الحوادث لا يختلف عن وجودها. فهي لا تكون حاضرة إلا إذا كانت موجودة، وحضور ما هو معدوم ليس له معنى محصل، سيما أنه ليس القصد من الحضور هو ما يتعلق بالصور العلمية. إضافة إلى أن الطريقة الإشراقية لم تحدد العلم الشهودي إلا بمعنى الإيجاد، ولم تخف ما تريده من حضور الحوادث إلا بهذا الخصوص من المعنى، كما صرح بذلك صدر المتألهين في بعض المواقف، منها قوله: «علمه تعالى بالجزئيات المادية على وزان فاعليته لها، فإن جهة الإيجاد للأشياء والعالمية بها فيه واحدة، كما بُرهن عليه، فوجود الأشياء له عين علمه بها» .
والواقع أن إعتبار الحوادث حاضرة وموجودة أزلاً وأبداً لدى جناب الحق ينسجم تماماً مع السنخية والحتمية في حضور لوازم العلم الإلهي الثابت من دون غياب ولا عدم، وذلك لكون هذا العلم علة لكل ما وجد في الوجود، ولكونه يمثل عين الإرادة التي لا يجوز بنظر الفلاسفة أن تتأخر وتتخلف عن التعلق بالمرادات أزلاً ما دامت تنطوي تحت مشيئة العلم الإلهي الأزلي. وهي نظرية سبق أن صرح بها افلوطين الذي اعتبر الممكنات حاضرة كلها عند جناب الحق بدون زوال، وهو لا ينافي ما يحدث من زوال وغيبة في بعض أوعية الوجود .

الأصل المولّد والمحاولات التوفيقية عند صدر المتألهين
مثلما رأينا كيف أن افلوطين قد جمع ونظّم كل ما ورد إليه من آراء فلاسفة اليونان حول الوجود، فكذا يمكن إعتبار الملا صدرا الشيرازي (المتوفى سنة 1050هـ) خاتماً للفلاسفة والعرفاء، فهو الآخر قام بجمع وتنظيم كل ما قدّمه الوجوديون قبله من أفكار، سواء في الحضارة الإسلامية أم اليونانية، فلم يزد عليه من جاء بعده بشيء يستحق الذكر، لذا كان خاتم الفلاسفة وأرقاهم جميعاً.
فلدى هذا العارف الفيلسوف أصبح قانون الوحدة والشبه مشحوناً بشحنة الجمع والتوفيق، إذ جمع كل ما لقّنه الوجوديون قبله من أمثال السهروردي ومحي الدين بن عربي وإبن سينا والغزالي وإبن رشد، ومن قبلهم افلوطين وأرسطو ومن على شاكلتهم.
فهو قد تناول علاقات الشبه والسنخية لمختلف عوالم الوجود، بما في ذلك مبدأ الوجود الأول، كما واستخدمها لحل بعض المعضلات الفلسفية، وحاول من خلالها الجمع بين نظريتي الفلاسفة والصوفية، حتى وقع أخيراً في صورة من صور التردد بين الوحدة النوعية للوجود كما لدى إبن رشد الفيلسوف، وبين وحدة الوجود الشخصية كما لدى الشيخ الأعرابي على ما سيتضح لنا قريباً.
فمن العلاقات التي أقامها طبقاً لذلك القانون؛ مماثلاته الكثيرة بين العالم والإنسان والذات الإلهية. حيث ماثل بين العالم والإنسان، معتبراً هذا الأخير نسخة مستنسخة عن الأول، فلكل منهما جسد وروح، وإذا كان جسد الإنسان وروحه معلومين، فإن جسد العالم المعبر عنه بالإنسان الكبير هو الكون بسماواته وأرضيه، أما روحه الذي يمثل حقيقة العالم وذاته وروحه الأعظم فهو عبارة عن العقل الأول البسيط الذي تحققت به خلافة البشر، بإعتباره خليفة الله في السماء والأرض.
ومن صور هذه المماثلة طابق بين الحقائق الشهودية والغيبية؛ كالعرش والكرسي وكيفية ال إستواء وما إلى ذلك، فاعتبر مثال العرش في ظاهر الإنسان قلبه المستدير الشكل، وفي باطنه روحه النفساني، وفي باطن باطنه نفسه الناطقة، إذ هو محل إستواء الروح عليه. أما مثال الكرسي في الظاهر فهو صدره، وفي الباطن روحه الطبيعي الذي هو مستوى نفسه التي وسعت سماوات القوى الطبيعية السبع - وهي الغاذية والنامية والمولّدة والجاذبة والماسكة والهاضمة والدافعة - كما وسعت أرض قابلية الجسد . كما ماثل بين العالمين الكبير والصغير، فلكل منهما أربعة مقامات ذكرها بالتفصيل . وناظر بين كل من الخلق والبعث لكل من الإنسانين الأكبر والأصغر، فالخلق للجسم والبعث للروح في كليهما، فكما تنفطر السماء وتنتثر الكواكب وتنكدر النجوم وتتكوّر الشمس وتتزلزل الأرض وتدك الجبال وتحشر الوحوش، فكذا يحصل مع العالم الأصغر حيث تنفطر سماؤه التي هي أم دماغه، وتنتثر كواكبه التي هي قواه المدركة، وتنكدر نجومه التي هي حواسه، وتتكوّر شمسه التي هي قلبه ومنبع قواه وحركته الغريزية، وتتزلزل أرضه التي هي بدنه، وتدك جباله التي هي عظامه، وتحشر وحوشه التي هي قواه المحركة. وهكذا ما من شيء خلقه الله تعالى وبعثه إلا وكان له مثال مطابق وإنموذج صحيح في الإنسان .
كما ماثل بين العالم والذات الإلهية، بإعتبار أن الأخيرة تمثل كل الأشياء. فما من شيء موجود في الخارج إلا وله وجود آخر بصورة أليق في عالم الذات الإلهية، فهي بالتالي لا تخلو من أرض ولا سماء ولا بر ولا بحر ولا عرش ولا فرش، فكل شيء يخرج على شاكلته، إذ ما من شيء في العالم إلا وله في الله أصله وصورته التي تشاكله، بدونها لا يظهر أي شيء إطلاقاً، بإعتبار أن حقيقة المعلول تنبعث من ذات العلة، للسنخية بينهما، الأمر الذي يعني أن كل ما في الكون عبارة عن ظل لما في العالم العقلي، وكل صورة معقولة هي على مثال ما في الحضرة الإلهية، كما أن كل شيء يخلقه الله فله نظير في الآخرة، وله نظير أيضاً في عالم الأسماء والصفات. وجميع هذه الكثرة تكون موجودة بوجود واحد بسيط مجمل، وهو معنى وجود الكثرة في الوحدة .
كما وماثل بين الإنسان والذات الإلهية إعتماداً على أثولوجيا افلوطين، فاعتقد بوجود عوالم متعددة ومتسانخة للإنسان، فمنها ما هو إنسان طبيعي وهو مثال وصنم للإنسان النفساني الأشرف منه، وهذا الأخير يعدّ مثالاً وصنماً للإنسان العقلي المشرق بنوره على من دونه. وهناك فوارق بين هذه الأنواع من الإنسان، فالإنسان الطبيعي له أعضاء محسوسة متباينة في الوضع، فليس موضع العين موضع السمع، ولا موضع اليد موضع الرجل، ولا شيء من الأعضاء قط في موضع العضو الآخر. أما الإنسان النفساني فله أعضاء متمايزة لا يدرك شيء منها بالحس الظاهر، بل يدرك بعين الخيال والحس الباطن المشترك، فهو بعينه يبصر ويسمع ويشم ويذوق ويلمس بتلك الأعضاء من غير تخالف في الجهات والأوضاع، بل لا وضع لها ولا جهة، ولا يقع نحوها إشارة حسية لكونها ليست من هذا العالم وجهاته، كالإنسان الذي يُرى في النوم، والنوم يعدّ جزءاً من أجزاء الآخرة وشعبة منها. أما الإنسان العقلي فأعضاؤه روحانية وحواسه عقلية، له بصر عقلي وسمع عقلي، وكذا ذوق وشم ولمس كلها عقلية. وكذا فله يد ووجه وجنب كلها عقلية أيضاً. وكل تلك الأعضاء والحواس العقلية موجودة بوجود واحد عقلي. وهذا هو الإنسان المعد مخلوقاً على صورة الرحمن والذي يمثل خليفة الله في العالم العقلي، وهو مثال الحق المنزّه عن المثْل لا المثال. وهكذا إذا كان الإنسان العقلي هو مثال المبدأ الأول، فإن الإنسان الخيالي مثال مثاله، كما أن الإنسان الطبيعي يكون مثالاً لمثال مثاله . وهذا التسانخ متحقق حتى في علاقات الفعل والإرادة، فعلاقة النفس الناطقة بالحواس هي على شاكلة علاقة الحق بملائكته، فالنفس إذا أرادت شيئاً نهضت الحواس طائعة دون تكلّف ولا عصيان، وذلك على سنخ العلاقة الأمرية بين الحق وجنوده .
وهو وإن كان ينكر أحياناً علاقة الشبه مع المبدأ الأول لكل ما سواه من العالم، لكن حقيقة مذهبه تؤكد هذه العلاقة وفقاً لقانون السنخية، إلى الحد الذي لا يخفي القول بالمشابهة صراحة، ربما لأول مرة، كما جاء في قوله: «.. إن العلة المفيضية لا بد وأن يكون بينها وبين معلولها ملائمة ومناسبة لا يكون لها مع غيره تلك الملائمة كما بين النار والإحراق والماء والتبريد والشمس والإضاءة.. فلو صدر من واحد حقيقي إثنان فإما بجهة واحدة أو بجهتين، لا سبيل إلى الأول، لأن الملائمة هي المشابهة، والمشابهة ضرب من المماثلة في الصفة، وهي الإتحاد في الحقيقة، إلا أن هذا الإتحاد إذا اعتبر بين الوصفين كان مماثلة، وإذا اعتبر بين الموصوفين كان مشابهة، فمرجع المشابهة إلى الإتحاد في الحقيقة» .
وطبقاً لحالة التردد فإن هذا التقدير الذي قدّره صدر المتألهين لم يرضِ بعض أتباعه ومريديه، كما هو الحال مع السبزواري صاحب (المنظومة) والمرحوم الطباطبائي صاحب (الميزان في تفسير القرآن)، فكلاهما قررا بأن «مبدأ المبادئ لا يشبهه شيء»، وقدّر الأخير أن الأوْلى أن يقال بينهما مناسبة ذاتية وإرتباط خاص مما يقتضي «السنخية بينهما بحيث لا يفترقان إلا بالشدة والضعف» .
وهذا يعني أن حالة التردد قد وصلت حداً من التضخم لم تستطع إخفاء التناقض حتى في عبارة قصيرة واحدة كتلك التي ذكرها الطباطبائي قبل قليل. وذلك أن الافتراق بالشدة والضعف بين العلة والمعلول يؤكد المشابهة بينهما لا أنه ينفيها. كيف لا؟ وقد حكم المشار إليه سلفاً على مراتب الوجود بهذا التمايز، وأيده بمثال النور التقليدي الذي تتحد فيه الحقيقة بين الشديد والضعيف فلا تزيد المرتبة القوية منه على المرتبة الضعيفة بشيء آخر غير النور، كما لا تفقد المرتبة الضعيفة من حقيقة النور شيئاً، ولا تختلط بالظلمة، فكل مرتبة هي عبارة عن ذات الحقيقة المتمثلة بالنور .
وظهر مثل هذا التناقض في التردد لدى الأهري صاحب (الأقطاب القطبية)، فمع أنه يعترف بوجود المشابهة بين العلة والمعلول، إلا أنه ينكر أن يكون للحق تعالى أي نوع من الشبه والمماثلة مع غيره من المعلولات، مستدلاً على ذلك بما ينقض إعترافه الأول، بمثال من واقع الطبيعة، وهو أن الحركة ليست من جنس الحرارة مع أنها علة لها، إذ الحرارة من الكيف، والحركة فصل شامل للكم والكيف والأين والوضع وغيرها .
والجديد عند صدر الحكماء هو أنه إستطاع أن يزاوج بين الطبيعتين العقلية والجسمية للوجود، فهما متحققان معاً في جميع المراتب من أولها إلى آخرها بلا تضاد ولا إثنينية. فحول الطبيعة العقلية أنه كغيره من الفلاسفة يعتبر الصور المادية في الخارج ظلالاً معكوسة عن الصور العقلية، فلكل شيء من الأشياء النوعية والمفاهيم المحدودة، كالإنسان والماء والأرض والسماء، أنحاء وأطوار متفاوتة من الوجود والكمال، قد تكون طبيعية أو نفسانية أو عقلية أو أسمائية أو إلهية. فما نتعقله أو نتخيله من الأشياء، كتعقلنا للسماء مثلاً، يجعل في عقلنا سماء عقلية، وفي خيالنا سماء خيالية، وكل واحدة من الصورتين تعتبر حقيقة لا مجازاً، بل هما أوْلى وأكمل من صورة السماء في الخارج. إذ تتصف السماء في الخارج بأنها مموهة ومغشوشة بغواشي المادة الزائدة على ذاتها فتصبح عرضة للأعدام والظلمات والتغيّر والتجدد، بعكس ما عليه الصورتان (الخيالية والعقلية) . لذا تكون الصور المادية ظلالاً للصور العقلية كما تصوره نظرية افلاطون في المثل.
وعليه لم يكن هناك فرق بين العلم والمعلوم؛ سوى أن المعلوم في مادة، والعلم مجرد عنها. فالمانع للشيء أن يكون معقولاً بالفعل إنما هو المادة ذاتها، والمانع للصورة أن تكون مدركة بذاتها إنما هو نفس تلك الهيولى، فلولاها لكان الشيء عقلاً وعاقلاً ومعقولاً، وهو عبارة عن إتحاد العلم والعالم والمعلوم، فالعلم نفس المعلوم الذي هو عين العالم. فكل صورة إدراكية، كإن تكون عقلية، فوجودها في نفسها ومعقوليتها ووجودها لعاقلها شيء واحد بلا تغاير، فلا تباين للصورة في وجودها عن وجود عاقلها حتى يكون لكل منهما وجود. فإذا كانت الصورة معقولة فهي عاقلة أيضاً، ولا يتصور حصول المعقولية بدون العاقلية، وإذا كانت مجردة عما عداها فستكون معقولة لذاتها ولا تحتاج إلى تقشير؛ ما دامت خالية من غشاوة العوارض المادية. هكذا يكون كل عاقل جميع معقولاته، وكلما ازدادت هذه المعقولات تصبح أشد عقلية وأكمل ذاتاً وأقوى وجوداً وأكثر آثاراً، وبذا تتفاوت درجات العقول المفارقة بعضها فوق بعض حتى ينتهي الأمر إلى المصدر الأول المتمثل بواجب الوجود. بل الأمر لا يقتصر على إتحاد العاقل بالمعقول، إنما يصدق كذلك على سائر الإدراكات الأخرى، الوهمية والخيالية والحسية. فالجوهر الحساس يتحد مع الصورة المحسوسة بالذات، وكذا الجوهر الخيالي والوهمي، حيث يتحدان مع الصورة الخيالية والوهمية أيضاً .
لكن إذا استثنينا عالم الغيب الذي لا نعلم نوع الإدراك الذي يحمله؛ فيمكن القول أنه لا يقتضي من وجود الصورة في العقل إتحادهما بالضرورة وكون أحدهما عين الآخر. صحيح أن وجود الصورة بدون العقل غير ممكن، وكذا وجود العقل من دون صورة مستحيل، لكن يجوز كون أحدهما يتوقف على وجود الآخر بلا دور ولا أسبقية بالذات والزمان، وحاجة أحدهما للآخر لا كاحتياج العلة للمعلول، ولا كونهما معلولين لعلة أخرى، بل بينهما علاقة لزومية من وجه، كالعلاقة المفترضة بين النفس والبدن، ومثلها بين الصورة والمادة، من حيث احتياج أحدهما إلى الآخر وجوداً بلا دور. فقد ذكر صدر المتألهين أن بين البدن والنفس حاجة لدى كل منهما للآخر على وجه غير دائر ولا مستحيل، فالبدن محتاج في تحققه إلى النفس؛ لا بخصوصها بل إلى مطلقها، والنفس مفتقرة إلى البدن؛ لا بحقيقتها المطلقة العقلية وإنما بوجود تعينها الشخصي وحدوث هويتها النفسية، وبالتالي فإن بينهما علاقة لزومية لا كمعية المتضايفين، ولا كمعية معلولي علة واحدة، بل كمعية شيئين متلازمين بوجه ما؛ كالتلازم بين المادة والصورة، فالبدن علة مادية للنفس بما لها وجود نفساني .
هكذا يكون الوجود عند صدر المتألهين وغيره من الفلاسفة عبارة عن إدراك وعقل. فهو يبدأ بالعقل وينتهي به عند الصور الطبيعية المُعدّة عقلاً مغشى بالمادة، إذ لولاها لكانت تلك الصور تعقل ذاتها وتحشر في زمرة العقول كسائر الإدراكات الأخرى. فللوجود مراتب متفاوتة الكمال من الإدراك. فهناك الإدراك الإلهي وبعده الإدراك العقلي ثم الإدراك الخيالي فالحسي؛ وهو الذي عدت قوته أقل كمالاً وشرفاً من قوة الخيال؛ بإعتبار هذه الأخيرة من عالم الغيب والآخرة، وتلك من عالم الدنيا والشهادة ، رغم أنه يعترف بأن مرتبة التمثل الخيالي ضعيفة الحضور بالقياس مع التمثل الحسي الأقوى منه ، وهو ما يحتاج إلى تبرير. وأخيراً فهناك الإدراك الخاص بالوجود الجسمي بإعتباره يحمل الصور الإدراكية المغشّاة بالمادة.
لكن مع إقرار صدر المتألهين لهذه الطبيعة من الوحدة العقلية للوجود، فإنه لا يرى ضيراً في عدّ نفس هذه الطبيعة عبارة عن وحدة وجود جسمية يدخل ضمنها مبدأ الوجود الأول؛ طبقاً لقانون الشبه والسنخية. وبذلك ينفرد دون سواه من الفلاسفة المسلمين في إضفاء الطابع الجسمي - صراحة - على الوجود كله بما فيه المبدأ الأول.
ويُذكر أن هناك مصدراً عُدّ سبباً في تطور فكرة الجسمية إلى وحدة الوجود. ويعود هذا المصدر إلى فكرة الجسم الرواقي. فقد اعتبر الرواقيون أن العالم هو جسم واحد، وحدّوا الجوهر الإلهي بأنه روح عقلي ناري ليس له صورة ثابتة، حيث يمكنه التشكل بأي شكل يريد ويتشبه بالكل .
وواقع الأمر هو أن قانون الشبه والسنخية يتضمن في حد ذاته الإقرار بوحدة الوجود الجسمية دون حاجة للإستناد إلى أي مصدر خاص من مصادر تاريخ الفكر الفلسفي. فهذا القانون يستبطن هذا المعنى ويفضي إليه، فتكون الوجودات عبارة عن مراتب من الأجسام تختلف في ما بينها بحسب الشدة والضعف والكمال والنقص، فما دام هناك جسم في العالم السفلي نشاهده، فلا بد أن يكون على غراره وسنخه ما هو أرفع وأكمل منه في سائر المراتب العليا؛ بما فيها مرتبة الذات الإلهية. وبالتالي فما من جسم نتخيّله ونتحسس به في هذه الدنيا إلا وله نصيب أعظم وأجل في المراتب العليا من الوجود.
ومع أن الفلاسفة قد كتموا التصريح بوحدة الوجود الجسمية، لكن تحليل مقالاتهم يستبطن بالضرورة هذا الإعتقاد طبقاً لقانون الشبه والسنخية، الأمر الذي كشف عنه صدر المتألهين، وهو بصدد تعرضه لحديث عن الإمام الصادق ينكر فيه أن يكون الله تعالى جسماً، كردّ على ما نُقل من أن هشام بن الحكم كان يقول بأن الله جسم صمدي نوري. فقد استدرك الملا صدرا الشيرازي حقيقة ما يريده هشام من معنى، فاعتبره قاصداً إلى القول بأن الله جسم لا كالأجسام، بإعتباره صورة مجردة إلى أقصى حدود التجريد. وقد اقتضاه الأمر إلى أن يفصّل كيفية هذا الجسم وعلاقته بسائر أنواع الأجسام الأخرى، نازعاً على ذلك نزعة افلوطينية واضحة.
فبإعتقاده أنه لما كانت ماهية الجسم هي الجوهر القابل للأبعاد، لذا فلهذه الماهية أنحاء من الوجود بعضها أخس وأدنى، وبعضها الآخر أشرف وأعلى. فمن الجسم ما هو أرض فقط، أو هواء أو نار، ومنه ما فيه هذه العناصر الأربعة موجودة بوجود واحد جمعي؛ لكنه جماد فقط من غير نمو ولا حس ولا حياة ولا نطق، كما أن منه ما هو جماد بعينه؛ لكنه متغذ ونام ومولّد، فجسميته أكمل من جسمية الجمادات والمعادن، ومنه ما يزيد على ذلك بالحس والحياة الحسية، ومنه ما هو أكثر من ذلك بأنه ناطق ومدرك للمعقولات، وفيه ماهيات الأجسام الآنفة الذكر، حيث تكون موجودة بوجود واحد جمعي لا تضاد بينها؛ بإعتبارها موجودة على وجه ألطف وأشرف، وهو وجود الإنسان. ثم أن الإنسان له عوالم متعددة كما جاء في (أثولوجيا)، أخسّه الإنسان الطبيعي ثم الإنسان النفساني ثم العقلي. وهذا الأخير هو مثال الحق، لأنه أرفع أنواع الإنسان بعد الحق. وبالتالي يكون التطابق والتسانخ بين مراتب الجسم متحققاً من أدناها إلى أعلاها رتبة، كما في مرتبة الإنسان الإلهي أو مبدأ الوجود الأول. فالذات الإلهية هي الكل في أرقى الصور وأتمها، فهي في حد ذاتها عبارة عن علم وصورة للكل، لإتحاد العالم بالمعلوم، وهذه الصورة تتطابق مشاكلة مع العالم الجسمي. وبالتالي تصدق عليها المقولات العشر من الجوهر والعرض. فهي من حيث الجوهر والجسمية تكون ذات الحق، ومن حيث الكم المتصل القار تكون شدّة وجوده، ومن حيث الكم المتصل غير القار (الزمان) تكون سرمديته، ومن حيث الكم العددي فهي عدد أسمائه، ومن حيث الكيف كونه سميعاً بصيراً، ومن حيث الأين كونه مستوياً على العرش، ومن حيث المتى كان الله في الأزل، ومن حيث الوضع وضعه للشرايع وأنه باسط اليدين بالرحمة، ومن حيث الإضافة أنه الخلق، ومن حيث الجدة أنه مالك الملك، ومن حيث أن يفعل فإنه ((كل يوم هو في شأن.. سنفرغ لكم أيها الثقلان)) ، ومن حيث أنه ينفعل فهو الذي يقبل التوبة من عباده ويأخذ الصدقات ويسمع الدعاء. وبذلك يكون الحق عند صدر المتألهين عبارة عن صورة العالم على وجه أعلى وأشرف مما هو في كون أو وهم أو حسّ أو عقل. فالعالم بجسميته يكون مظهر الحق، فما أظهر الحق إلا نفسه، وليس بالإمكان أبدع من هذا العالم الجسمي لكونه مظهراً للحق وإنعكاساً لصورة ذاته. وهذا ما قد سمح لصدر الحكماء أن يصرح بصحة كون الحق جسماً لا كالأجسام ، وهو مستوحى من قانون الوحدة والشبه والسنخية. بالرغم من أنه في كتاب (مفاتيح الغيب) نفى أن تكون الحقائق العلوية جسمانية ، الأمر الذي يجعله واقعاً في التردد إن لم نقل أنه كان يعني بهذا النفي نفي الجسمية بمعناها الطبيعي والنفسي.
ومع أن صدر المتألهين كان صريحاً وواضحاً تماماً في مقالته حول وحدة الوجود، إلا أنه مع ذلك جسّد لحظة هي أبلغ لحظات صور التردد التي شهدتها علاقة الوحدة والشبه. فقد سبق أن رأينا ظهور هذه الحالة من التردد لدى بعض الفلاسفة والعرفاء، كما لدى الغزالي، ثم تضاعفت حالة التردد لدى بعض المواقف التي تنافست على توجيه نظرية إبن عربي في وحدة الوجود، حتى وصلت عند صدر المتألهين إلى القمة. إذ مع ما شهدنا من أن هذا الفيلسوف أراد أن يدفع التهمة عن الشيخ الأعرابي في القول بوحدة الوجود العضوية للموجود الواحد المتنزل، إلا أنه هو الآخر مع بعض تلامذته لم يسلم من هذا الإتهام.
وواقع الأمر أن لصدر المتألهين نصوصاً كثيرة تبدي تردداً واضحاً بين القول بوحدة الوجود العضوية، والقول بوحدة الوجود النوعية كما لدى إبن رشد وطريقة الإشراق الفلسفية. فقد ذكر النراقي جملة من عبارات صدر المتألهين متهماً إياه بأنه قائل بمقالة الصوفية في وحدة الوجود العضوية، من حيث تنزّل مبدأ الوجود الأول بذاته مع إعتبارية وجود الغير مطلقاً. إذ استظهر من كلماته أنه يعدّ الوجودات الإمكانية بأنها تطورات وشؤون للوجود الواجبي الأول، وهي إعتبارات وحيثيات للنور القيومي. فاتهمه على ذلك بمقالة وحدة الوجود والموجود الذي له تنزلات إعتبارية ملحوظة بلحاظ العقل من غير أن يكون لها حقيقة وحيّز في الواقع، فليس في العين وجود غيره أبداً .
فصحيح أن صدر الحكماء أكد بأن الممكنات عبارة عن محض الفقر والتعلق والظل للوجود الواجبي، إلا أنه في الوقت نفسه اعتبرها تمثل حيثية وطوراً لتلك الحقيقة الواجبة، كما جاء في وصفها بأنها «لا حقائق لها إلا كونها توابع لحقيقة واحدة، فالحقيقة واحدة وليس غيرها إلا شؤونها وفنونها وحيثياتها وأطوارها» .
وعلى غرار هذا المعنى من عملية التنزل الذاتي للوجود الواجبي بدأ صدر المتألهين - وفقاً لقانون الشبه - بداية فلسفية ليخلص فيما بعد إلى نهاية صوفية، فهو قد اعتبر الممكنات والماهيات مرائي لحكاية وجود الواجب الحق ومجالي لحقيقته، رغم أن المحسوسات لكثرة قشورها وتراكم النقص والإمكان فيها لا تتمكن من حكاية الحق الأول إلا في غاية البعد كما جاء في (أثولوجيا). لكن سرعان ما انقلب هذا المعنى الفلسفي لدى صدر المتألهين إلى معنى صوفي واضح المعالم، إذ قال بعد ذلك: «إن للحق تجلياً واحداً على الأشياء، وظهوراً واحداً على الممكنات، وهذا الظهور على الأشياء هو بعينه ظهوره الثانوي على نفسه في مرتبة الأفعال، فإنه سبحانه لغاية تمامية وفرط كماله فاض على ذاته من ذاته، وفاض ذاته لكونه فوق التمام من ذاته، وهذا الظهور الثانوي لذاته على نفسه، لا يمكن أن يكون مثل ظهوره الأول، لإستحالة المثلين، وامتناع كون التابع في مرتبة المتبوع في الكمال الوجودي، والشعاع نحو المضيء في النورية، فلا محالة نشأت من هذا الظهور الثانوي - الذي هو نزول الوجود الواجبي بعبارة، والإضافة بعبارة أخرى، والنفس الرحمانية في إصطلاح قوم، والعلّية والتأثير في لسان قوم آخر، والمحبة الأفعالية عند أهل الذوق، والتجلي على الغير عند البعض - الكثرة والتعدد حسب تكثر الأسماء والصفات في نحو العلم البسيط المقدس، فظهرت الذات الأحدية والحقيقة الواجبية في كل واحد من مرائي الماهيات بحسبه، لا أن بحسب ذاتها ظهورات متنوعة وتجليات متعددة، كما توهمه بعض، وإلا يلزم انثلام الوحدة الحقة تعالى» .
وتأييداً للمسعى الصوفي صرح في محل آخر فاعتبر أنه كلما اشتدت معرفة العارف بالجلاء والظهور، فإن الشوق يزداد حدّة وقوة، وبالتالي تزداد حركة العارف وسعيه، ومن ثم تكمل المعرفة كشفاً ووضوحاً، حتى يصل الأمر إلى أن لا يبقى في البين عارف ومعرفة غير المعروف، ومشتاق وشوق سوى المشتاق إليه، وسالك وسلوك سوى المسلوك إليه. فيصبح الأول عين الآخر، والباطن عين الظاهر، وينحصر الوجود في الموجود والمعبود، إذ لا كثرة ولا إثنينية في الواجب الحق .
كما نصّ على أن الوجود المطلق هو نفس حقيقة واجب الوجود، مصرحاً بأن «أظهر الأشياء هو طبيعة الوجود المطلق بما هو وجود مطلق، وهو نفس حقيقة الواجب تعالى..». وهذا ما جعل أحد أتباعه من المعلقين المعاصرين يشعر بأن ظاهر كلامه يفيد المعنى الصوفي، فأخذ يوجه هذا الكلام ليبعد عنه الشبهة الصوفية، فقال: «والحق أن الباري بحسب الفعل والظهور عين كل شيء، عن علي (ع) ظاهر في غيب، وغيب في ظهور» .
ومما له دلالة أقوى على المعنى الصوفي لوحدة الوجود إعتباره «كون الموجود والوجود منحصراًَ في حقيقة واحدة شخصية، لا شريك له في الموجودية الحقيقية ولا ثاني له في العين، وليس في دار الوجود غيره ديّار، وكلما يترآى في عالم الوجود أنه غير الواجب المعبود فإنما هو من ظهورات ذاته، وتجليات صفاته التي هي في الحقيقة عين ذاته كما صرح به لسان بعض العرفاء بقوله: فالمقول عليه سوى الله أو غيره أو المسمى بالعالم هو بالنسبة إليه تعالى كالظل للشخص، فهو ظل الله، فهو عين نسبة الوجود إلى العالم، فمحل ظهور هذا الظل الإلهي المسمى بالعالم إنما هو أعيان الممكنات عليها امتد هذا الظل، فيدرك من هذا الظل بحسب ما امتد عليه من وجود هذه الذات، ولكن بنور ذاته وقع الإدراك لأن أعيان الممكنات ليست نيّرة لأنها معدومة وإن اتصفت بالثبوت بالعرض لا بالذات، إذ الوجود نور وما سواه مظلم الذات، فما يعلم من العالم إلا قدر ما يعلم من الظل، ويجهل من الحق على قدر ما يجهل من الشخص الذي عنه ذلك الظل، فمن حيث هو ظل له يعلم، ومن حيث ما يجهل ما في ذات ذلك الظل من صورة شخص من امتد عنه يجهل من الحق ((ألم تر إلى ربّك كيف مدّ الظل ولو شاء لجعله ساكناً)) ، أي يكون بحيث لا ينشأ منه فيض وجوده وظل وجوده، ثم جعلنا الشمس عليه دليلاً، وهو ذاته بإعتبار كونه نوراً لنفسه في نفسه، ويشهد به العقل والحس للظلال الممدودة الوجودية، فإن الظلال لا يكون لها عين مع عدم النور ((ثم قبضناه إلينا قبضاً يسيراً)) ، وإنما قبضه إليه لأنه ظله، فمنه ظهر واليه يرجع الأمر كله، فكل ما ندركه فهو وجود الحق في أعيان الممكنات، فمن حيث هوية الحق هو وجوده، ومن حيث إختلاف المعاني والأحوال المفهومة منها المنتزعة عنها بحسب العقل الفكري والقوة الحسية فهو أعيان الممكنات الباطلة الذوات، فكما لا يزول عنه بإختلاف الصور والمعاني إسم الظل كذلك لا يزول عنه إسم العالم وما سوى الحق. وإذا كان الأمر على ما ذكرته لك فالعالم متوهم ماله وجود حقيقي، فهذا حكاية ما ذهب إليه العرفاء الإلهيون والأولياء المحققون» .
ومع أن هذا النص صريح بجعل الأشياء عين الحق بسريان الذات على الممكنات، إلا أن خضوع فيلسوفنا لمنطق التردد جعله بعد صفحات من مقالته هذه يعود ليوجّه مقالة الصوفية توجيهاً فلسفياً، وكأنه بذلك ينقض ما قد بناه من قبل، فهو يوجّه قول الصوفية بأنهم إذا اطلقوا الوجود المطلق على الحق تعالى، فإن مرادهم بذلك هو الحقيقة بشرط لا شيء - أي الذات الإلهية وهي في مرتبتها الخاصة - لا الوجود المنبسط «وإلا لزمهم المفاسد الشنيعة». وعليه اعتبر مراتب الوجود ثلاث: مرتبة الهوية الغيبية الخاصة به تعالى، ومرتبة الوجود المقيد المتعلق بغيره كالعقل والنفس والجسم، ومرتبة الوجود المنبسط المطلق، وهو الوجود الذي بعد الهوية الغيبية والمتمثل بفعله تعالى، وهو غير منحصر في حد معين من القدم والحدوث والتقدم والتأخر .
وليس النراقي وحده من إتهم صدر المتألهين بمقالة الصوفية، فقد إتهمه كذلك الشيخ الإحسائي الذي أيد طعنه بمقالة نصّ عليها صهره وتلميذه الفيض محسن الكاشاني (المتوفى سنة 1091هـ)، إذ جاء في قوله: «كما أن وجودنا بعينه هو وجوده سبحانه، إلا أنه بالنسبة إلينا محدث وبالنسبة إليه قديم، كذلك صفاتنا من الحياة والقدرة وغير ذلك، فإنها بعينها صفاته إلا أنها بالنسبة إلينا محدث وبالنسبة إليه قديم، لأنه بالنسبة إلينا صفة لنا ملحقة بنا والحدوث اللازم لنا لازم لوصفنا، وبالنسبة إليه قديم لأن صفاته لازمة لذاته القديمة. وإن شئت أن تتعقل ذلك فانظر إلى حياتك وتقييدها بك فإنك لا تجد إلا روحاً تختص بك وذلك هو المحدث ومتى رفعت النظر من اختصاصها بك وذقت من حيث الشهود أن كل حي في حياته كما أنت فيها وشهدت سريان تلك الحياة في جميع الموجودات علمت أنها بعينها هو الحياة التي قامت بالحي الذي قام به العالم وهو الحياة الإلهية، وكذلك سائر الصفات، إلا أن الخلائق متفاوتون فيها بحسب تفاوت قابلياتها، كما نبهنا عليه غير مرّة. وهذا أحد معاني قول أمير المؤمنين عليه السلام حيث قال: (كل شيء خاضع له، وكل شيء قائم به، غني كل فقير، وعزُّ كل ذليل، وقوة كل ضعيف، ومفزع كل ملهوف)» . وقد شنّع الشيخ الاحسائي على الفيض الكاشاني عند شرحه لرسالة (عرشيه) لصدر المتألهين، وقال متهكماً: «قل أنا الله ولا تخف فإنك بالتصريح تستريح وتريح» .
وهناك من وجّه كلام الكاشاني إلى ما يخرجه عن مقالة الصوفية، فاعتبر مراده من الوجود المضاف إلى الله تعالى هو الوجود المنبسط الذي يتمثل بأمر الله وفعله، وفي هذه الحالة يصبح من المعلوم أنه لا يتقيد بقِدم وحدوث، حيث يكون في العوالي قديماً، وفي السوافل حادثاً. كما اعتبر مراده من صفات الله تعالى هي تلك الخاصة بالصفات الفعلية لا الذاتية، وهي التي تمثل عين الفعل فتكون بالنسبة لله تعالى قديمة بقِدمه، وبالنسبة إلينا حادثة بحدوثنا .
وربما يعكس هذا التوجيه مراد النص السابق، فيصبح معنى (وجوده سبحانه) في قوله: «إن وجودنا وجوده سبحانه» هو فعله المتمثل بالوجود المنبسط، لولا أن ما جاء عنه من نصوص أخرى - في نفس الكتاب - تدل صراحة على التعبير عن مقالة الصوفية، كقوله: «فهو الوجود المطلق، وهو الذي يطلق - عليه - الله سبحانه.. ويسمى الوجود من حيث هو هو، وهو غير مقيد بالإطلاق والتقيد، ولا هو كلي ولا جزئي ولا عام ولا خاص ولا واحد بالوحدة الزائدة على ذاته ولا كثير، ولا جوهر ولا عرض ولا غير ذلك من المفهومات الذهنية والخارجية، بل يلزمه هذه الأشياء بحسب مراتبه ومقاماته المنبّه عليها بقوله عزّ وجل ((رفيع الدرجات ذو العرش)) ، فيصير مطلقاً ومقيداً وعاماً وخاصاً وكلياً وجزئياً وواحداً وكثيراً من غير حصول تغير في ذاته وحقيقته.. ولا يصح أن يحكم عليه بحكم أو يعرف أو يضاف إليه نسبة ما، من وحدة أو وجوب وجود أو مبدئية إيجاد أو صدور أثر أو تعلق علم منه، بنفسه أو بغيره، إذ كل ذلك مقتضى التعين والتقيد، ولا طريق إلى العلم به بوجه» .
وقوله أيضاً وهو يصف الله تعالى: «هو عين الأشياء فهو محدود بحدود كل ذي حد، إذ هو الساري فيها كلها، بل هو الكون كله، فهو تشبيه وهو بعينه تنزيه، إذ هو نفي لما سواه، وأيضاً إذا أحاط بالكل ولم ينحصر في واحد منهما ولا في الكل لم يكن محدوداً، فسبحان من تنزه عن التشبيه بالتنزيه، وعن التنزيه بالتشبيه» .
***
هكذا أن ظاهرة التردد في علاقة الوحدة والشبه لم تعد تتعلق بمشكلة وجود الكثرة الصورية في الذات الإلهية فقط، ولا مشكلة المشابهة بين هذه الذات وما دونها من الموجودات، بل أسفرت عن مشكلة أخرى أضخم، وهي الوقوع في وحدة الوجود العضوية.
وإذا كان صدر المتألهين قد بلغ غاية التردد حول المشكلة الأخيرة؛ فسنرى فيما بعد أن له محاولة صاغ فيها تردده بطريقة توفيقية تصب في المعنى الصوفي من وحدة الوجود.
والواقع أن المحاولات التوفيقية التي أقامها هذا الفيلسوف على قانون (الشبه والوحدة) عديدة. أهمها محاولته الجمع بين نظريتي الفلاسفة والعرفاء في حل مشكلة العلاقة بين الكثرة والوحدة لنظرية الصدور أو الفيض، متخذاً بذلك صورة معمقة للطريقة التي سبق أن أدلى بها إبن رشد خلال معارضته لطريقة «الإعتبارات» التي أسسها الفارابي ومضى عليها سائر الفلاسفة التابعون. فابن رشد يرى أن صدور الواحد عن الواحد صحيح من وجه، كما وأن صدور الكثرة عن الواحد هو أيضاً صحيح. لذا صرح بأن الوحدانية التي صارت بها الكثرة واحداً هي معنى بسيط صدرت عن واحد مفرد بسيط، فكل كثرة إنما يكون منها واحد، والوحدانية تقتضي أن ترجع الكثرة إلى الواحد، وهو ما يفسر كيف يصدر العالم الواحد بما يضم من كثرة عن الواحد البسيط . وهذا الموقف يتفق مع طريقة صدر المتألهين الذي عمل على التوفيق بين الفلاسفة والصوفية. فهو أيضاً نقد طريقة «الإعتبارات» الفارابية واعتبرها ليست سليمة، معولاً على الجمع بين جوهر ما يقوله كل من الفلاسفة والصوفية. فطريقة الفلاسفة تنص بأن الصادر عن مبدأ الوجود الأول لا بد أن يكون واحداً هو العقل الأول. أما طريقة الصوفية فهي تجوّز أن يكون الصادر متكثراً لتكثر إعتبارات نسب الذات الإلهية. وهم تارة يطلقون على الصادر الأول بأنه نسبة عقلية سابقة على سائر الإعتبارات، وأخرى يطلقون عليه بأنه الوجود العام المفاض على الممكنات، إذ يكون مشتركاً بين سائر الموجودات وبين العقل الأول، ومع ذلك فهم يطلقون على هذا الصادر تسميات كثيرة؛ منها العقل الأول والقلم الأعلى والروح الكلي والعدل والعرش والحق المخلوق به والحقيقة المحمدية وروح الأرواح والإمام المبين، كما ويسمى كل شيء وغير ذلك من الأسماء .
على أن هناك من وجّه هذين القولين للصوفية فجعلهما غير متعارضين، معتبراً الصادر الأول في الشهود العلمي هو تلك النسبة، وفي الوجود العيني هو الوجود العام. لكن صدر المتألهين سعى لإيجاد جسر مشترك عام يوحد فيه بين نظريتي الفلاسفة والصوفية، فهو بحسب إعتبارين جمع بين صدور الكثرة المجملة من جهة، وبين صدور الترتيب المستند إلى قاعدة الصدور الفلسفية من جهة أخرى، معتبراً العالم قد صدر صدوراً واحداً بجعل بسيط، لكنه في الوقت نفسه يتضمن سلسلة الترتب من العقل الأول إلى آخر المراتب الوجودية كما سبق أن عرفنا. فلو نظرت إلى مجموع العالم بما هو حقيقة واحدة حكمت بأنه صدر عن الواحد صدوراً واحداً وجعلاً بسيطاً. أما لو نظرت إلى معانيه المفصلة فستحكم بأن الصادر الأول هو العقل الأول لأنه أشرف أجزاء ذلك العالم وأتم مقوماته بإعتباره يمثل كل الأشياء. وهكذا الأشرف فالأشرف، إذ العقل الأول هو عين العالم ككل، والإختلاف بينهما هو من حيث الإجمال والتفصيل، مما يعني أن صدور العالم وإبداعه يصبح بكليته دفعة واحدة بإعتباره ذا وحدة حقيقية جامعة لكل ما فيه؛ بما في ذلك التجددات والحركات التي عدّها صدر الحكماء مطوية في جناب هذه الوحدة من العالم .
كما أنه في العلم الإلهي وإستناداً إلى السنخية جمع ووفّق بين الطريقة الصورية للفلاسفة كما عند إبن رشد وبين الطريقة الشهودية للإشراقيين كما عند السهروردي. فهو قد اعتقد بأن هناك علمين، أحدهما متبوع ومقدم على إيجاد المعلوم، وهو العلم الصوري الكائن في مرتبة الذات والمتصف بالإجمال. أما الآخر فهو العلم الشهودي المتأخر عن الذات. فبحسب مذهبه أن مبدأ الوجود الأول يعلم جميع الأشياء على وجه الوحدة بما يعلم به ذاته لا بأمر آخر . إذ تكون ذاته في هذه المرتبة مجلاة يرى بها وفيها صور جميع الممكنات المسماة بالأعيان الثابتة، من غير حلول ولا إتحاد . ففي هذه المرتبة يعقلها في حد ذاته لا في العقل الأول ولا في غيره، خلافاً لطريقة الفارابيين وغيرهما من المشّائين. ومع هذا فإن ذلك لا يخدش بوحدته، إذ العلم بهذه الصور هو عين علمه لذاته من دون إختلاف، بل أنه عين الذات، كما أن الصور هي عين الذات أيضاً بحسب الحقيقة والوجود وإن كانت غيره من حيث التعين والتقيد ، لذا فعقله لذاته هو عقل جميع ما سواه، فيثبت أن علمه بالأشياء هو في مرتبة ذاته قبل وجود الأشياء، إذ تكون المعلومات على كثرتها وتفصيلها موجودة بوجود واحد بسيط مجمل، وهو معنى وجود الكثرة في الوحدة. فهو علم كمالي تفصيلي بوجه، وإجمالي بوجه آخر .
فأعلى مراتب المشاهدات هي مشاهدة الأعيان الثابتة في الحضرة العلمية الإلهية، وبعد ذلك مشاهدتها في العقل الأول وغيره من العقول، ثم مشاهدتها في اللوح المحفوظ وباقي النفوس المجردة، ثم في كتاب المحو والإثبات، ثم في باقي الأرواح العالية والكتب الإلهية من العرش والكرسي والسماوات والعناصر والمركبات، حيث لكل من هذه المراتب كتاب إلهي مشتمل على ما تحته من الأعيان والحقائق.
ولا شك أن هذا العلم يتسق مع السنخية بين المبدأ الأول والأشياء. أما القول بالعلم الشهودي فإنه يقتضي بدوره إفتراض السنخية بين وجود المبدأ وحضوره من جهة، وبين وجود الأشياء وحضورها من جهة ثانية. فمبرر الإعتقاد بالشهود الحضوري لوجود الأشياء يستند إلى قاعدة العلم بالعلة مستلزم للعلم بالمعلول. فحال تعقل الباري تعالى لذاته المتمثلة بكل الأشياء، يستلزم عنه تعقل معلولها القريب، وبتعقله يتعقل معلول معلولها، وهكذا على التسلسل . ويعتبر هذا التعقل عين الوجود والحضور والانكشاف أمامه تعالى، ويتصف بأنه إجمالي من وجه وتفصيلي من وجه آخر، فوجود العقول المجردة تعتبر علوماً تفصيلية له بذواتها، لكنها علوم إجمالية له بمعلولاتها، وكذا الحال في مرتبة النفوس بعد العقول، حتى يصل الأمر إلى مرتبة العلم التفصيلي البحت كما في الطبايع المادية والجسمانية ذات الصور المنقوشة على لوح الهيولى. وبهذا فإن مبدأ الوجود الأول يكون قد عقل الموجودات بعين واحدة قبل الإيجاد أولاً وبعد الإيجاد ثانياً. ففي الأزل يراها واحدة بشكل صوري، وبعدها يراها متكثرة بوجودها لا صورها .
هكذا أمعن صدر المتألهين في تمديد حكم السنخية، فهي تنطبق ليس فقط على علاقة الشبه بين الذات الإلهية وذوات الأشياء كما تدل عليه نظريته في العلم الإلهي الصوري، بل تنطبق أيضاً على علاقة الوجود والحضور للأشياء أمام ذات الحق، أزلاً وأبداً، كما دلت عليه نظريته في العلم الإلهي الشهودي. وهي طريقة تضع حداً للنزاع بين النظريتين المشائية والإشراقية. وقد نسبها فيلسوفنا بدوره إلى الصوفية واعتبرها موافقة للقوانين الحكمية .

مجمل التطورات التي لحقت بدينامو التفكير الوجودي
الآن وبعد انتهائنا من آخر حلقة هامة من حلقات الفكر الوجودي لا بد أن يكون القارئ قد وصل إلى قناعة وهي أن جوهر ما يقوم عليه هذا الفكر في محوريه الفلسفي والعرفاني يتمثل بقانون الشبه والسنخية، وأن دراسة هذا الفكر لا يمكنها أن تستقيم حقيقة ما لم يكشف النقاب عن هذا الدينامو الأساس. فتاريخ الفلسفة والعرفان هو تاريخ هذا الدينامو بما ينطوي عليه من تعثرات ترددية لاحقته منذ بداية التفكير الوجودي وحتى نهايته، بل والى يومنا هذا أيضاً.
ويمكن إجمال أبرز التطورات التاريخية التي شهدناها ملحقة بالقانون الآنف الذكر داخل الحضارة الاسلامية؛ كما يلي:
ففي هذه الحضارة وجدنا أن أول فرقة استخدمت الباطن ووظفت منطق الشبه والتشاكلات، هي فرقة الكيسانية، ولو بصورة مجملة كما يُنقل عنها. ومن بعدها الإسماعيلية، فأول ما رأينا أن جابر بن حيان الكوفي كان يوظف ذلك المنطق ويطبقه على الأعداد والحروف والأسماء والوجود للكشف عن أسرار هذا الأخير، سيما في ما يتعلق بعلاقاته الكيميائية. وعلى العموم رأينا الإسماعيلية تميل إلى الاستثناء أو تثنية الوجود على الطريقة الطاليسية، كما رأيناها حريصة على توظيف العدد وإظهار التماثلات، إلى حد جعلت منطق الأصل والشبه يقع بحالة من التسيّب. لكن أهم ما نجده عند الإسماعيلية، وبالخصوص لدى إخوان الصفا، هو التلويح إلى إعتبار منطق الشبه هو الكفيل بحل جميع الإختلافات والوصول إلى الحقيقة من خلال الإعلان عن أن الأصل الذي يؤدي إلى ذلك هو «صورة الإنسان».
أما مع الفارابي فقد شهدنا لديه عدة تطورات، فله محاولة جريئة يحول من خلالها حالة التردد إلى نوع من العلاقة المزدوجة، فطريقته تفضي إلى جعل حالة الشبه مع مبدأ الوجود الأول تنحصر بصفاته المعلولة لا بذاته الخاصة. وللفارابي محاولات فلسفية رائدة يؤسسها على منطق الشبه والسنخية، منها تأسيسه لنهج «الإعتبارات» التبريرية في نظرية الفيض والصدور، وكذلك محاولته للتوحيد بين الفلاسفة من خلال الجمع بين افلاطون وأرسطو، وأيضاً تشييده للمدينة الفاضلة... الخ.
لكن مع إبن سينا نرى عملية التردد قد أخذت منحىً آخر، فهو تردد قائم فيما إذا كانت الذات الإلهية مستقلة ليس لها شبيه بغيرها، أو أنها غير مستقلة، بل متجلية وظاهرة في كل شيء. فهو بالنتيجة تردد بين الفلسفة والعرفان.
أما عند الغزالي فقد شهدنا لديه قولاً بوحدة الوجود على الطريقة الفلسفية، كما وله محاولة عظيمة لتفسير الشريعة ومفاهيمها إستناداً إلى نظرية المشاكلة وفقاً لقانون الأصل والشبه. لكن آراءه مع ذلك لا تخلو من تردد، وذلك لإنكاره وجود مشابهة بين العالم ومبدأ الوجود الأول.
ومع إبن باجة سبق أن وجدنا لديه طريقة جديدة لتوحيد الفلاسفة من خلال التحليل العقلي للكشف عن وحدة العقل طبقاً لذلك القانون.
أما مع إبن طفيل فقد لاحظنا أنه يقتفي أثر عرفانيات إبن سينا، وفيها كان يلوّح إلى وحدة الوجود التامة إتساقاً مع منطق القانون المشار إليه.
في حين وجدنا أن إبن رشد هو أول من كان صريحاً بين الفلاسفة المسلمين في تطبيق منطق علاقة الأصل والشبه على مبدأ الوجود الأول من غير تردد، ومن ثم الإعلان الصريح بثبوت وحدة وجود نوعية هي بحق تمثل الطريقة الفلسفية في قبال ما نظّر له معاصره العارف إبن عربي من وحدة عضوية للوجود. حيث حوّل إبن عربي دلالة المشابهة إلى علاقة حقيقتها الإتحاد والوحدة الشخصية.
أما فيلسوف الإشراق السهروردي فأهم ما رأينا لديه هو توظيفه لمقالة المثل الافلاطونية لتفسير الكثرة والتنوع وفقاً لقانون السنخية، والتي يصعب تبريرها من خلال العقل الطولي الأخير كما لدى المشائين.
وأخيراً فقد وجدنا عند جامع الفلاسفة والعرفاء صدر المتألهين تردداً واضحاً بين القول بوحدة الوجود النوعية ووحدة الوجود العضوية. كما رأينا أهم ما جاء به هذا الفيلسوف هو مزاوجته بين الإعتبارين العقلي والجسمي للوجود، إذ انفرد في القول بالجسم الإلهي تبعاً لمنطق السنخية الذي وظّفه للتوفيق بين الفلاسفة والعرفاء حول عدد من القضايا.
أما بخصوص الترددات التي ظهرت وسط الفلاسفة والعرفاء حول علاقة السنخية بالمبدأ الأول، فقد عرفنا بأن مبررها يعود إلى الخوف من جعل المبدأ الأول متكثراً وشبيهاً بغيره من الموجودات، إن لم يكن ذلك مفضياً إلى القول بمقالة الصوفية في وحدة الوجود الشخصية، إذ تصبح الأشياء عبارة عن فيضان المبدأ على نفسه بما يحمله من صور الأشياء. فلأجل هذه التخوفات فقد خلع الكثير من الفلاسفة والعرفاء المجهولية عليه، فمنعوا وصفه بأي وصف كان، لكنهم في الوقت نفسه جعلوا المشابهة والسنخية محفوظة بين الأشياء والصادر الأول كبديل مناسب.
والواقع أن هذا الإختيار لم يكن اعتباطاً، بل له دلالاته ومبرراته، لا فقط من حيث أنه يعمل كنائب عن المبدأ الأول في حمل الكثرة والشبه ووحدة الوجود الشخصية، وإنما تنحل به أيضاً مشكلة صدور الكثرة عن الوحدة. فلولاه ما كان يمكن تبرير صدور الكثرة أبداً. كما أن به تنحفظ الوحدة في الكثرة بإعتباره الفعل المنبسط للمبدأ الأول والذي يعمّ جميع الموجودات الأخرى. كذلك فإن علاقة الشبه بينه وبين الأشياء تعدّ واضحة وجلية، ليس لأن صور جميع الأشياء موجودة فيه على نحو الكمال - وبالتالي فهو يعبّر عن كمالات الأشياء - فحسب، بل يضاف إلى ذلك إنبساطه، كفعل، على الوجود الظلي كله. مما يعني أن وجود الأشياء من وجوده، فهي على شاكلته. وحيث أن الأشياء تظهر به؛ لذا فهما يعبّران عن وحدة شخصية عضوية حاملة للكثرة في عين الوحدة، والوحدة في عين الكثرة. ومن المعلوم أن هذا الأمر لا يخلق عند الفلاسفة متاعب فلسفية، لأن الكثرة والوحدة والشبه كلها متعينة لدى الفعل الإلهي بغض النظر عن ماهية الذات التي أوجبته. وإن كان المنطق السليم يجعل من هذا الظل حاكياً لأصله بلا تردد، طبقاً لمنطق السنخية.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,478,942,241
- مع مشروع نقد (نقد العقل العربي)
- الفهم الديني: سننه وقوانينه وقواعده ومستنبطاته
- القطيعة بين إبن سينا وأرسطو (قراءة في مشروع المفكر محمد عابد ...
- ابن رشد وعلاقة الفلسفة بالدين


المزيد.....




- شاهد: شرطة هونغ كونغ تطلق الغاز المسيل للدموع لمواجهة قنابل ...
- الولايات المتحدة تفرض الحزمة الثانية من العقوبات ضد روسيا عل ...
- الولايات المتحدة اقترحت على روسيا أن تعود إلى القتال في أفغا ...
- حرب الجميع ضد الجميع: كيف يدمر ترامب منظمة التجارة العالمية ...
- بموجب اتفاقية الأجواء المفتوحة.. طلعات استطلاعية متبادلة بين ...
- موقع -آكسيوس-: ترامب يقترح القضاء على الأعاصير بالقنابل النو ...
- تشكيل لجنة سعودية إماراتية لتثبيت وقف إطلاق النار في جنوب ال ...
- إسرائيل تقصف -موقعا عسكريا- في لبنان على الحدود السورية (فيد ...
- العالم قد ينفجر بلا معاهدات
- مجموعة السبع: حضور مفاجئ لوزير الخارجية الإيراني لمحادثات في ...


المزيد.....

- العود الأبدي ديانة مشركة وميتافيزيقا مادية ؟بعض التساؤلات حو ... / الحسن علاج
- التربية والمجتمع / إميل دوركهايم - ترجمة علي أسعد وطفة
- العلاج بالفلسفة / مصطفي النشار
- مجلة الحرية العدد 3 / محمد الهلالي وآخرون
- كتاب الفيلسوف بن رشد / عاطف العراقي
- راهنية العقلانية في المقاولة الحديثة / عمر عمور
- التطور الفلسفي لمفهوم الأخلاق وراهنيته في مجتمعاتنا العربية / غازي الصوراني
- مفهوم المجتمع المدني : بين هيجل وماركس / الفرفار العياشي
- الصورة والخيال / سعود سالم
- في مفهوم التواصل .. او اشكال التفاعل بين مكونات المادة والطب ... / حميد باجو


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - يحيى محمد - منطق السنخية والتنظير الفلسفي داخل الحضارة الإسلامية