أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - جميل الشبيبي - مجازات وصور مبتكرة من عالم الطفولة






















المزيد.....

مجازات وصور مبتكرة من عالم الطفولة



جميل الشبيبي
الحوار المتمدن-العدد: 3041 - 2010 / 6 / 22 - 11:03
المحور: الادب والفن
    


صدر ديوان النقر على أبواب الطفولة للشاعر عبد الكريم كاصد عام 1978عن مطبعة شفيق في بغداد وقد تزامن ذلك مع اشتداد الحملة الشرسة التي افتعلتها السلطة الفاشية لتصفية القوى الوطنية تمهيدا لصعود صدام حسين إلى سدة الحكم ،وعلى الرغم من أن هذا الديوان لم يحمل اي هم سياسي أو أيديولوجي لكنه تعرض لفحص دقيق من قبل الرقابة آنذاك ولم يحصل على إجازته إلا بعد أن تم حذف كلمة ( الأرمن ) من عنوان قصيدة (زيارة عبر بيوت الارمن )وكذلك من متنها دون سبب ، مما عرض القصيدة إلى تأويلات غريبة ، ليست في صالحها !! وقد أثر صدور الديوان في ذلك العام على توزيعه في العراق ، فبقيت معظم نسخ الديوان بيد أصدقاء الشاعر الذين حاولوا توزيعها بينهم مما أسهم في التعتيم على هذه التجربة الجديدة في شعر الشاعر وفي الشعر العراقي في ذلك الوقت .ولذا لم يكتب عن هذا الديوان سوى قراءة واحدة كتبها الصديق الشاعر محمد الاسعد بداية الثمانينات ، وكان هذا الشاعر في الكويت بعيدا عن السلطة في العراق أما في العراق فلم تكتب عنه أية قراءة أو دراسة لغاية اليوم !!
يمثل هذا الديوان تجربة فريدة ليس في شعر الشاعر عبد الكريم كاصد بل في الشعر العراقي الحديث ،لأسباب فنية وجمالية ، ومن أهم تلك الملامح الفنية والجمالية في هذا الديوان إنه تجربة جديدة في وحدته الشعرية فهو عبارة عن ( كتاب شعري )متضامن بتجربته الفريدة التي تجسد انخطافات الطفولة إزاء العالم الحسي الذي يراه الطفل لأول مرة أو يسمع به أو يعيش بعض تفاصيله ،إنه انخطاف الطفولة بعالم الكبار وسحر حياتهم حتى في قسوتها ، وقد استطاع الشاعر أن يرصد كل ذلك بلغة مكثفة تحمل روح الدهشة والمفارقة والطرافة والخوف دون تكلف أو تعقيد ، فجاءت هذه اللغة سهلة تومئ وتشير ولا تصرح بأسباب أو علاقات يحكمها المنطق بل علاقات يحكمها الحس والدهشة ، وفي هذا المجال جاءت الجمل الشعرية وهي تأسر الدهشة والفرح عبر صور مشحونة بالإيحاء والانفلات من قيد الجمود الذي تعمل اللغة على أسره وتقييده . فالجمل الشعرية هنا لا تتوقف عند صورة من الصور أو مفارقة أو مجاز جميل ، وإنما هي استرسال مموسق لكشف التجربة الانفعالية والوجودية في عالم الطفولة ومن أهم مميزات الجملة الشعرية في هذا الديوان اعتماد بنيتها على الجملة الفعلية أو شبه الجملة تحررا من أسر الجملة الاسمية التي تقيد الحركة وتضرب طوقا ثقيلا على حركتها .وبهذا المعنى تحررت الجمل الشعرية في ديوان ( النقر على أبواب الطفولة ) من سطوة البيت الشعري المفارق أو الصورة الشعرية التي تتمرد على بنية المشهد الشعري ، باتجاه إنشاء عالم شعري متحرر فليس هناك ميل إلى تجسيد لوحات شعرية متجاورة في سياق متخلخل بل إن بنية الجملة الشعرية هنا توظف لبناء مشهد شعري واحد يميل إلى التشخيص بعلاقاته الشعرية التي يغلب عليها تداخل العلاقة بين الواقع والحلم ويكون هذا التداخل لصالح الحلم والخيال لأن وجهة النظر التي تغذي هذا التداخل تحتكم إلى العلاقات الاعتباطية التي تستبعد العلاقات السببية والعلاقات العقلية المنطقية ، وبمعنى ثان إنها تحتكم إلى تجربتها الطفلية وعالمها الخاص .
وقد عمد الشاعر إلى جملة تقنيات أسهمت في إضفاء العفوية وكسر رتابة الصورة الثابتة والمجاز المألوف باتجاه مجازات وصور مبتكرة من عالم الطفولة من هذه التقنيات :
استثمار الجملة الفعلية في الاستهلال في معظم قصائد الديوان أو استثمار شبه الجملة الأمر الذي ينشئ عالما من الحركة الدائمة ، تبدو فيه وجهة النظر التي ترصد التجربة من خلالها بأشكال الضمائر المتنوعة وهي على أهبة الاستعداد الدائم للتغيير والتبدل والانتقال من حالة إلى أخرى ، ونلاحظ أن استخدام الأفعال في بداية الجمل الشعرية يعتمد على استخدام الفعل المضارع بالعلاقة مع الضمير الغائب فيه لتجسيد آنية الحدث وتحققه في لحظة حدوثه اي أن التجربة بنت لحظتها باعتبار أن الطفولة تطلع نحو الحاضر وليس نكوصا نحو الماضي ويتأكد ذلك حتى في استثمار شبه الجملة التي تضم أفعالا مضارعة في الغالب :
أركض حين يجئ الناس
محتشدين أمام الواجهة المفروشة بالقنفات
أهرع مسحوراً بين السيارات
أحمل كرسياً ومصابيح ملونة للزينة
( من قصيدة أمام موبليات الأعراس )
وفي قصيدة ( اصطياد لقلق )
يستبق الأطفال
تنفتح الأبواب ...
وتحتشد النسوة في الطرقات
ويصفق ( كاظم ) بالكفين وبالقدمين
هنا نلاحظ وجهة النظر تنتقل من العام إلى الخاص في حركة العين الدائبة وهي تحاول جمع كل ما يراه الطفل في لقطة واحدة متزامنة مع بعضها كما نلاحظ أن استثمار الفعل المضارع بالعلاقة مع ضمير الغائب يدشن وجهة نظر محايدة لكنها تنحرف باتجاه الذات حين تعتمد النداء وفعل الأمر بمعنى الرجاء بل الاستجداء لتكشف وجهة نظر مفارقة في نهاية القصيدة :
يا كاظم فلنغسل رجل الطير بماء الغدران
يا كاظم فلنغسل جنح الطير بماء الغدران
يا كاظم هل تبصر وجه الطير يلطخه الصبية بالأوحال
وفي قصيدة ( الراقصة الغجرية ) تكرس شبه الجملة حالة قارة تؤكد ديمومتها الجمل الفعلية التالية لها :
في كل ليالي الأعراس
أتبع ( حمزية ) مندسا بين صفوف المدعوين
أجلس ملتصقا بالثوب ( الموسيلين )
وأقضّي كلّ نهاري حول الخيمة ....
التقنية الثانية التي استخدمها الشاعر تنمو وتتضح من خلال الجمل الشعرية التي اكتسبت شعريتها بالعلاقات غير المنطقية العشوائية اللاسبيبية فهناك فراغات بين الجملة الشعرية والتي تليها هذه الفراغات تعمل على التكثيف وحذف الزوائد حين تحتكم إلى ذهنية طفل يرى ويسمع ويسجل دون أن يحاول التفسير أو التأمل ففي قصيدة ( الملح ) نلاحظ ارتباط الصوت بحركة انتشار الملح في الصحراء :
وحين تصهل الخيول
ينتشر الملح على الصحراء
دون بيان العلاقة بين صهيل الخيول وانتشار الملح في الصحراء ، وهنا يكرس الشاعر مفهوم الحذف والتكثيف لصالح الصورة الشعرية التي تجد تأويلاً لها في نهاية القصيدة ربما !!
وفي قصيدة ( خراسان ) يتضح أيضا غياب العلاقة بين الجمل الشعرية التي تحتاج إلى إعادة قراءة لبناء مشهد ذي دلالة :
في خراسان في الصحن
تسطع ليلا حوافر خيل
في خراسان غُلّقت السوق
والناس هذا المساء لم تُصلِِِِِِّ ِ
وفي قصيدة (سهول ) تبدو العلاقة السببية والمنطقية معدومة تماما :
في السهول التي امتلأت بالصفائح
طاردني قمر فاختفيتُ
وفي قصيدة ( سكينة الاهوازية ) يبدو هذا الأمر وكأنه تشكيل شعري من وجهة نظر طفل :
حين تطالعني بالشعر المقصوص وثوب العرس
تفوح بيوت الطين بالماء المرشوش ورائحة الاهواز
وفي ديوان ( النقر على أبواب الطفولة ) يتعمد الشاعر كسر غنائية الأوزان ومحاولة عرقلة انسيابيتها لصالح البنية المشهدية ولصالح التجربة الشعرية الجديدة التي تكرس الجانب الفني والجمالي ، ويأتي كسر الوزن أو إعاقة سلاسته عبر وسائل منها استخدام علامات الترقيم كالجملة الاعتراضية والأقواس إضافة إلى الفضاء ألطباعي الذي يحرص الشاعر على بنائه بالشكل الذي يحقق التواصل أو الخلخلة :
أفرح حين أزور المستشفى وأجوز بيوت (الأرمن )
- دون سياج أو سور – تتفتح
عن أزهار الطرقات
وفي قصيدة (صيف) تعمد الأقواس إلى كسر أجراس الوزن إضافة إلى توظيف الأقواس لإضاءة مستويين من مستويات التجربة الذاتية احدهما يرتبط بالماضي البعيد أو القريب والآخر يمثل لحظة التحقق ولا يمكن توضيحمهما إلا باستخدام الأقواس وهو شكل خاص من أشكال التجربة الذاتية في هذا الديوان ، فالجمل الشعرية التي تنير مشهدا من مشاهد الذاكرة رآه الطفل وبقي عالقا فيها ترسم دون أقواس ،بينما توضع الجمل الشعرية التي تعبر عن حضور آني بين قوسين فالجملة الشعرية ( النقوش الجميلة في الخصر )مثلا تمثل خبرة حياتية ترسخت في خيال الطفل ولكنها هنا تنير مشهدا آنيا مشبعا برغبة جنسية غامضة (ترفع أثوابهن الصبيات )،وكذلك في الأبيات الأخرى :
أغماضة الشمس فوق الحصيرة
( تعبق رائحة )
صيحة الغاق
(ترحل بعض الحضائن في النهر )
إطلالة الليل فوق السطوح الخفيضة
(تهبط في سلة نجمة )
وتنام

وفي قصيدة ( ليدي ستيك ) يطوع الشاعر إيقاعات الخليل مستثمراً صراخ الطفل وهو ينادي على بضاعته وكأن الوزن الخارجي ملتحم بالبائع ومنبثق عنه كإيقاع داخلي :
ليدي ستيك
أصرخ في الأسواق
ليدي ستيك
بين السواق
ليدي استيك
بين الماشين
ليدي ستيك
بين البياعين
وقد أوضح الشاعر هذه النزعة لدية في احد حواراته قائلا (في النقر حاولت أن اعكس إيقاع الواقع نفسه ، كما اختبرته شخصيا :أصوات الباعة ، حديث الناس ....)
ان كسر الإيقاع وأنسابية الوزن الخارجي جاء هنا ليؤكد إخلاص الشاعر لتجربته الشعرية التي بدأت في ديوانه الأول ( الحقائب ) الذي تمرد الشاعر فيه أيضا على الوزن والقافية في العديد من القصائد كقصيدة ( مكاشفات ) التي استثمر فيها النثر وكذلك في قصيدة ( ابن فضل ) وقد عمد إلى كسر حدة الأوزان والقوافي بتكرار قافية واحدة (الحقائب)و (ثلاثية السفر) في نهايات الأبيات أو بتكرار قافية واحدة في بدايات الأبيات ونهاياتها كما في (الغرف)ولم يكن ذلك معروفا في الشعر العراقي وحين أصبح بعضه معروفا تم تجاهل الأصل كعادة التزييف في كلّ مناحي تاريخنا الشعري وغير الشعريّ، ولكنه في تلك التجربة التي عاشها متنقلا بين مدن العالم وقصباته ، وكانت ذات آفاق إنسانية ووجودية تحتاج إلى التعريف بذلك العالم الضاج والمتنوع الذي عاشه ،فأنه استثمر الأوزان الخارجية فجاءت بعض قصائد ديوانه الأول الحقائب زاخرة بالإيقاعات العالية خصوصا في القصائد التي تتحدث عن المصائر المأساوية كمحجوب صديقي ونشيلي في القلب وغيرها .... أما في ديوانه هذا فهو حرص على الاغتراف من نبع الطفولة والحياة البريئة التي لم تعرف سوى الدهشة والتطلع والرغبة في المعرفة والتقصي ، وكان ذلك عن وعي وأدراك تامين فقد توفر للشاعر إمكانات ثقافية ومعرفية منها : تخصصه في الفلسفة وعلم النفس من جامعة دمشق وطوافه الطويل في الغربة بين وباريس ودمشق وتعلمه اللغة الفرنسية التي أغنت حياته وثقافته وتعرفه على الأجواء الأدبية في الوطن العربي والعالم الأمر الذي يعني أن هذه التجربة كانت اتجاها شعريا واعيا متميزا في التجارب الشعرية العراقية والعربية ، وبهذا المعنى فالشاعر يلون تجربته الشعرية هنا بكل ممكنات القول الشعري ابتداء من ترويض الأوزان الخارجية وكسر حدتها وعرقلة انسياب أصواتها باتجاه توظيفها لتجربته وصولا إلى استثمار قصيدة النثر في العديد من قصائد الديوان في وقت مبكر نسبيا . وفي هذه القصائد ينوع الشاعر تقنياته التي تزخر بالتكثيف الشديد مستثمرا المونتاج والسرد في العديد منها لإيضاح ذلك ، ففي قصيدة ( أيتها العمياء ) يستثمر الشاعر السرد المشبع بأداة النداء كأسلوب للخطاب مع الآخر ( العمياء ) ، وتكون المنتجة في المقطع الأول والثاني من القصيدة مخصصة لتوالي الزمن وتأثير سطوته على الذات المخاطبة ، وبهذه التقنية تتم إضاءة الماضي البعيد ليؤسس الشاعر بعد ذلك أسئلته التي تكثف إشكالية العلاقة مع العمياء :
أيتها العمياء
منذ عشرين عاما
وأنت تلوحين بالمكنسة
وتثيرين من حولك الغبار
وتوصدين أبوابك بوجوه المارة واللصوص
ثم ينتقل إلى الماضي البعيد:
أيتها العمياء
لقد كنت رضيعك
عندما كان ثديك قبضة الباب للطفل
ويداك أرجوحتي
ويسترسل فيؤكد ميراثه الثقيل من هذه العلاقة :
لقد ورثتك عنك السلاسل
والغرف المسكونة بالأطياف
والجلوس مع المرضى المؤدبين
وفي المقطع الثاني من القصيدة تحتشد الصور الشعرية على شكل أسئلة تدشن الحكايات والوساوس والمخاوف التي ورثها وكل ذلك يأتي على شكل تداعيات مكثفة في لوحات شعرية ممنتجة بالشكل الذي يراكم تلك الحياة القلقة في السطر الشعري دون أن تكون بين هذا السطر والذي يليه علاقة سردية بل إن البناء هنا يعتمد المنتجة باتجاه إنشاء لوحة شعرية مكتفية بذاتها ولكنها ضمن نظام خطاب شعري يكشف تداعيات الذات التي تنهض بالبوح الشعري عبر ذكريات مكثفة أساسها حكايات وأحلام وكوابيس العمياء وهي تضخها باتجاه أعماق الطفل ‘ الذي يعيدها إليها عبر أسئلة استنكارية أو تعجبية أو ساخرة :
تذكرين التوابيت يحملها الميتون
مشيعة بالرصاص ؟
أنينك يزحف في البئر؟
شمسك مطفأة ؟
سلحفاة البراري الضريرة ؟
هرولة الشرطة القادمين ؟
ضفائرك السود مقطوعة بين كفيك ؟
نلاحظ أن هذه الجمل الشعرية تعبر عن حكايات متنوعة في الزمان والمكان وكلها تمثل جزءا من حياة العمياء التي تبدو أمام الطفل كشريط سينمائي ممنتج كل جملة فيه تحيل إلى حكاية أو حدث مهم في حياتها ، فالمفارقة بين التوابيت التي يحملها الميتون ، تعبير عن مواكب تشييع جنائز الرجال التي يحملها رجال كانوا أحياء وقتها ولكنهم رحلوا في زمن تلفظ الأسئلة وتأويل ذلك انه لم يبق لك غير الرحيل ، وفي الجملة الثانية : أنينك يزحف في البئر وشمسك مطفاة ، إشارة إلى معاناتها وانطفاء عينيها ، أما الجملتان الثالثة والرابعة ( هرولة الشرطة القادمين ، ضفائرك السود مقطوعة بين كفيك ) فتشير الأولى إلى حياة قاسية كانت تعيشها بمضايقات الشرطة زمن عملها في الصحراء لجمع الملح من غدران الماء التي تجف في الصيف وملاحقة الشرطة لها ولصاحباتها ( انظر قصيدة الملح ) أما الثانية ( ضفائرك ...) فهي تكثيف للمشهد الحزين الذي عاشته عند فراق زوجها فمن عادة بعض العراقيات المتحدرات من الريف قطع ضفائرهن عند موت الزوج .
إن تقطيع الزمن على شكل لوحات مرئية متلاحقة ومتضامنة مع بعضها هو تقنية شعرية بديلة عن الصورة الشعرية الجامدة ، ذلك لأن اللوحة الممنتجة تحمل حركتها ووجهة نظر ساردها الطفل وإحساسه بالمأساة أو السخرية منها حين تتكرر أو تعاد ، وبهذا المعنى فإن الجمل الشعرية التي أشرنا إليها تشير إلى أزمان وأمكنة مختلفة ومتباعدة وهي تحتشد في ذاكرة الطفل كخلاصات لا يستطيع التعبير عنها بإفاضة مع تعيناتها الزمنية لذا يلجأ إلى المنتجة القاسية للإشارة إلى تلك الأحداث والحكايات . وفي هذا المجال يمكن أن نشير إلى العلاقات الخفية بين اللوحات الشعرية هذه فجملة تذكرين التوابيت يحملها الميتون لها علاقة مباشرة بجملة (ضفائرك مقطوعة ...) وهكذا مع بقية اللوحات الشعرية الأخرى.
وفي مقاطع أخرى يستخدم الشاعر ما يسمى بالمحاكاة الساخرة في إعادة تحذيرات العمياء له ، بعد أن تكشفت له أن تلك التحذيرات كانت مجرد أوهام من خلال خبرة حياة معها :
. أفعى حول البيت .. احترسي
نار حول البيت ..احترسي
وخيول تصهل في أرجاء البيت
تصدعت الجدران
وتراقص حول النار العميان
إن إعادة إنتاج هذه التحذيرات بلسان الطفل هي نوع من المحاكاة الساخرة الدالة على الوعي من خلال خبرة في الحياة .
وتتضح العلاقة بين اللوحات المرئية التي أشرنا إليها من تدقيق بسيط بينها فاشتعال الرصاص دالة على تشييع الزوج وقطع الضفائر نتيجة لذلك وكذلك العمى.
إضافة إلى المونتاج القاسي الذي استثمره الشاعر لتجسيد رؤيا طفل إزاء الأحداث والحكايات ، وهي تقنية أساسية في العديد من قصائد الديوان ، إلا إنه إلى جانب ذلك استخدم السرد الشعري كأحد الأساليب في هذا الديوان وقد اتضح ذلك في قصائد عديدة منها : قصيدة ( حكاية متعبة للأطفال ) و ( مرثية )وكلاهما كتبتا عام 1968 أي قبل تحقق قصائد الديوان بفترة طويلة وقد ضمهما إلى الديوان لبساطة لغتهما وقربهما من عالم الطفولة فهما حكايتان عن الأطفال أيضا وليستا حكايات من خلال الأطفال كما في معظم قصائد هذا الديوان ، لكن الشاعر استثمر السرد المكثف في أكثر من حكاية في هذا الديوان كقصيدة ( موت طفل ) التي تسرد بكثافة عالية حكاية موت طفل وتتوقف نهايتها عند مفارقة تستفيد من الموروث الشعبي :
تركوه وحيدا تحت تراب القبر
يبكي ..
يبكي ...
حتى يدركه الليل
فتضئ الشامة في خده
ثم يموت
إن استثمار السرد في عدد من قصائد الديوان ، يمثل ضرورة فنية في بنية قصائد كتبت عن حكايات مسموعة، أو من خلال تجربة شخصية وتكون عادة مشفوعة بمفارقة غريبة عن عالم الطفولة أو تحمل موقفا مفارقا لموقف الكبار :
لم اضحك حين سمعت سباب القوادين
وسط الضحكات
أو

طفل يقلب العينين لا يرى أحد
- ينهض مسحورا وراء امرأة
يحملها ذئب من الذئاب
يحملها قالوا ، كما الكتاب
وإذا كان تركيز هذه القراءة على بنية القصائد لكشف جهد الشاعر في استقدام عالم الطفولة من خلال تقنيات كانت جديدة على اللغة الشعرية وقت صدور الديوان فان ذلك لا يعفينا من الإشارة إلى جمل شعرية تمثل صورا مبتكرة وجديدة في علاقاتها وتآخي مفرداتها على الرغم من تباعدها في المعنى والاستعمال التواصلي في القاموس اللغوي ، مثل ( ضجيج الزنابير ...صفراء ، نار الكلاب المغيرة في الليل ، ويرعش بين الأصابع طير الغناء ، يشتعل الماء تركض عبر النخيل الخيول محملة بالبكاء ، موقدة نارها الصغيرة في الليل كعرف الديك ) كل هذه الجمل الشعرية الأخاذة تقترن بعالم القصائد والحياة التي تجسدها وهي غير مقطوعة عن سياقاتها وأنساقها أما عزلها عن سياقاتها هنا فلتسليط الضوء عليها ولكنها تلتقي مع غيرها من الجمل الشعرية في انسجام فريد .






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,718,308,395
- موعد النار واسئلة الوجود المحيرة
- التطبيق على تقنية ( المشهد ) في القصة القصيرة /عربة تحرسها ا ...
- قراءة في قصيدة عاشقة الليل
- في جماليات النص الروائي


المزيد.....




- بهاء طاهر يتغيب عن اجتماع «الرئيس والأدباء» لأسباب مرضية
- تكريم محمود عبد العزيز في افتتاح مهرجان المسرح العربي
- فنان يصنع لوحات من شريط لاصق فقط
- معبد هندوسي بعدن يتعرض للهدم ومطالبات لوزيرة الثقافة بالتدخل ...
- الشاعر الذي أطلّ على مرافىء الوجدان - نصوص - أحمد البياتي
- مايكل أنجلو أفضل فناني القرن السادس عشر
- «كايروكى» تنتهى من كتابة -7 أغان- من ألبومها الجديد
- كاريكاتير نبيل صادق
- من هنا انطلق «قطار الإلحــاد»..بدأ بمدونة على الإنترنت وتزا ...
- «المسرح القومي» يضرب بالفساد عرض الحائط ويعود من جديد


المزيد.....

- قراءة فلسفية لدستويفسكي / هشام غصيب
- نار البراءة / محمود شاهين
- غوايات شيطانية. سهرة مع ابليس. ملحمة نثرية شعرية غنائية . ال ... / محمود شاهين
- جيل دولوز و لحظة البدء: تفكير الفلسفة في السينما / سمير الزغبي
- موتي وقط لوسيان / محمود شاهين
- النهر المقدس / محمود شاهين
- رسائل عشق إلى ميلينا. نثر وشعر . الرسائل كاملة / محمود شاهين
- جورج بشنار خالق -فويتسك- / غوث زرقي
- فلسفة المشهد وجماليات التعذيب في مؤلف - المراقبة والمعاقبة- ... / سمير الزغبي
- ماكبث النص الكامل النهائي / أفنان القاسم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - جميل الشبيبي - مجازات وصور مبتكرة من عالم الطفولة