أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - ميثم الجنابي - العراق وإشكالية الزمن والتاريخ















المزيد.....

العراق وإشكالية الزمن والتاريخ


ميثم الجنابي
(Maythem Al-janabi )


الحوار المتمدن-العدد: 2982 - 2010 / 4 / 21 - 17:48
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


من الصعب تحديد ماهية الحالة العراقية الحالية، بسب تداخل وتشابك مقدماتها ونتائجها، إضافة إلى كونها حالة انتقالية لم تتحدد معالمها بصورة واضحة بعد. بمعنى أنها جزء من برامج ومشاريع "الغيب"، أي المستقبل السائب، وغير المحكوم بمرجعيات كبرى بالنسبة لأغلب النخب السياسية. وهي الحالة التي تجعل الواقع العراقي يتراوح ضمن تقاليد وقيم الزمن الضائع، أي الزمن المتكرر الذي لم يستطع لحد الآن إرساء أسس الدولة الشرعية والنظام السياسي الديمقراطي والعلاقات المدنية والدخول والمساهمة الفعالة في تطوير العلم والتكنولوجيا والثقافة العالمية. وفيما لو حاولنا اختصار وتكثيف هذه الحالة بصورة اقرب إلى تصورات الحياة العادية، فإنها أشبه ما تكون بحالة المقامرة والمغامرة.
إن حالة العراق اليوم مازالت أسيرة زمن المقامرة والمغامرة، التي سادت وانتشرت وتغلغلت في كل مرافق وجوده الاجتماعي والسياسي الحديث والمعاصر. وهي الظاهرة التي شكلت التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية نموذجها التام! ومن دون الخوض في مقدمات هذه الظاهرة وأسبابها، أصولها وجذورها المتشابكة في التاريخ العراقي الحديث، وبالأخص بعد انقلاب الرابع عشر من تموز عام 1958، فان نتائجها المباشرة كانت جلية في استفحال وهيمنة النفسية الراديكالية للحثالة الاجتماعية والأطراف. الأمر الذي جعل من فكرة الدولة لعبة أطفال أو في أفضل الأحوال جرى مطابقتها مع فكرة السلطة التقليدية. من هنا تراكم نفسية وذهنية التعامل الخشن والبليد مع مؤسساتها التي لم تعد في نهاية المرحلة الصدامية أكثر من "مؤسسة" عصابة عائلية جهوية فئوية طائفية مغلفة بغلاف أيديولوجي لا علاقة له بالواقع والمستقبل. وليس مصادفة أن تنتهي هذه الحالة بعد سقوط الدكتاتورية الصدامية وانهيار البعث كحزب وأيديولوجية إلى صعود مختلف نماذج الانحطاط المادي والمعنوي، أي كل ذلك المخزون المتهرئ والمتآكل والمضغوط بغطاء القهر والإرهاب المنظم!
لقد أدى انهيار البعث والصدامية إلى بروز بقاياهما الخربة المختبئة في كل مسام الوجود الاجتماعي والسياسي بشكل خاص. فإذا كانت العلاقات الاجتماعية أكثر ثباتا واشد على الممانعة أمام السلطة الاستبدادية، بسبب ارتباط هذه العلاقات بتقاليد وأعراف قادرة على حفظ التماسك الفردي والأخلاقي والقيم، رغم تعرضها إلى تفكيك نسبي وتخريب هائل، فان العلاقات السياسية لا يمكنها الثبات في ظل حكم استبدادي شرس ومتخلف من حيث مكوناته الاجتماعية، وتقليدي حتى المخ العظام من حيث مكوناته النفسية والذهنية. مما أدى إلى تدميرها بشكل عام من خلال جعل الاستبداد أسلوب التحكم الشامل بالفرد والجماعة والمجتمع ككل. أما الدولة، بوصفها الحاضنة الضرورية للعلاقات الاجتماعية والسياسية فإنها تحولت إلى مجرد حدود وهمية وارض جغرافية مملوكة لرغبات أفراد وعائلات. مما أدى بالنتيجة إلى صنع احد أتعس وأرذل نماذج "الزمن السياسي" الفارغ، أي الضائع بالنسبة لتاريخ العراق الحديث والمعاصر.
لقد أدى هذا الزمن السياسي الضائع إلى تضييع إمكانية التراكم الطبيعي بالنسبة لإنتاج النخب الاجتماعية بشكل عام والسياسية بشكل خاص. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار كون النخب السياسية العراقية، وبالأخص بعد الرابع عشر من تموز 1958 هي نخب حزبية وليست اجتماعية سياسية بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة، وأن التحول العاصف الذي رافق سقوط الدكتاتورية الصدامية قد جرى بقوة خارجية (الغزو الأمريكي) من هنا تفاقم التناقض الداخلي العنيف بين القوى السياسية العراقية "الخارجية" و"الداخلية". ومع انه توصيف لا يتصف بالدقة، انطلاقا من حقيقة اغتراب الداخل والخارج العراقي أمام السلطة الدكتاتورية الصدامية والتوتاليتارية البعثية، إلا انه كان بدوره احد المصادر "الطبيعية" لتعقيد مرحلة الانتقال صوب النظام الديمقراطي الفعلي والدولة الشرعية، أي كل ما سيجد طريقه إلى استفحال الطائفية السياسية والعرقية والجهوية والتقليدية للأحزاب و"توافقها" والاستماتة من اجل "حصتها" (المحاصصة) في السلطة وسلوكها العلني والمستتر تجاه القضايا العامة والخاصة. باختصار إننا نقف أمام ظاهرة معقدة وتتسم بالتشابك من تداخل الماضي الهش وقوة الاحتلال الأمريكي ونمط الذهنية الحزبية للنخب السياسية. مما أدى بمجموعه إلى نقل زمن الانحطاط والتفكك إلى هرم السلطة الجديدة. أما النتيجة فهي ضعف الدولة، وضعف السلطة أيضا. مع ما رافقه بالضرورة من تقوية النزوع الانفصالي (فكرة الأقاليم والفيدرالية) والكفاح من اجل الحصول على غنيمة (مادية في الأغلب) وتغليب الجزء على الكل بالمعنى السياسي والإداري والاجتماعي، مثل أن يسلك البرازاني سلوك رئيس دولة مع انه محافظ محافظة، وان يسلك الطالباني سلوك رئيس حزب قومي محلي (لمحافظة) مع انه "رئيس دولة"، أو تعمل قوى "سنية" للدخول في العملية السياسية من اجل تخريبها، أو أن تجعل قوى "شيعية" من شعار التفكيك والتجزئة (الإقليم) أسلوب الحل الأمثل لوحدة العراق! وهكذا دوليك! وقد يكون من الصعب اتهام الجميع بالسلوك المتعمد وراء هذه الممارسة، إلا أنها تعكس دون شك تعقيد العملية التاريخية لمرحلة الانتقال وقوة البقايا الخربة للزمن الدكتاتوري، ولعبة الاحتلال الأمريكي "الديمقراطية" و"القانونية"، أي كل ما وجد تعبيره في إرساء نموذج المحاصصة في "مجلس الحكم المؤقت" و"القانون المؤقت" و"الدستور الثابت".
غير أن هذه العملية التاريخية المرة والمريرة تبقى في نهاية المطاف الصيرورة الضرورية لتراكم القوى الاجتماعية السياسية العراقية، أي صعود القوى العراقية الفعلية من رحم المعاناة القاسية للولادة الطبيعية. ومن الممكن أن نطلق على هذه الحالة عبارة الوقوف المرتقب، الأول والأكبر أمام النفس (وإن بصورة لا يمكن وصفها بالمستقلة التامة قبل إخراج القوات الأمريكية بصورة تامة وإنهاء كل صيغ وأشكال ومستويات تدخلها في الشئون الداخلية للعراق). انه وقوف الارتقاب أمام مفترق تكرار الزمن الضائع، أي زمن السلطة ومغامرات ومقامرات الأحزاب والنخب المؤقتة، أو الانتقال إلى تاريخ الدولة، أي دولة القانون والشرعية.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,419,487,625
- أموية الشعر والشاعر – جبرية وارتزاق(2-2)!
- أموية الشعر والشاعر – جبرية وارتزاق(1-2)!
- شخصية ومصير- محمد بن سيرين البصري.
- التشيع وظاهرة السمو الروحي للشخصية العلوية (2-2)
- التشيع وظاهرة السمو الروحي للشخصية العلوية (1-2)
- الحلاج: فلسفة الفردانية المتسامية
- النفرّي وفلسفة الموقف
- المثال والحقيقة في الشخصية المحمدية – التاريخ والمقدس
- المثال والحقيقة في الشخصية المحمدية – من الغزالي حتى المعاصر ...
- الشخصية المحمدية في الفكر اللاهوتي والفلسفي الإسلامي
- المثال والحقيقة في الشخصية المحمدية
- المشروع الديمقراطي الاجتماعي وفلسفة البديل العراقي
- شخصية ومصير- عامر الشعبي
- شخصية ومصير- طاووس بن كيسان
- شخصية ومصير - أيوب السختياني
- شخصيات ومصائر – ثلاثة نماذج أموية
- شخصية ومصير - كعب الأحبار!
- شخصية ومصير – أبو هريرة!
- الشعر والحرية في الفكر العربي الحديث (2-2)
- الشعر والحرية في الفكر العربي الحديث (1-2)


المزيد.....




- ما قصة -الزواج الأبيض- المثير للجدل في إيران؟
- الاتحاد الأوروبي: خروقات إيران للاتفاق النووي ليست خطيرة حتى ...
- بريطانيا تحصي البجع الملكي
- مصر تعدل قانونا حول المنظمات الأهلية وسط انتقادات للعديلات
- صلاح يغيب عن تشكيلة ليفربول في الولايات المتحدة
- إسرائيليون يرفضون الخدمة في الجيش
- الجيش الأمريكي يستعد لمواجهة ملايين الراغبين بكشف أسرار -منط ...
- مسؤول إيراني: الاتفاق على زيادة حصة الزوار لأداء مناسك الحج ...
- فيديو -من جهنم-.. انهمار 2000 طن من الحديد المصهور كالحمم عل ...
- بوريس جونسون يعلن أنه لن يؤيد أمريكا إذا رغبت بشن حرب على إي ...


المزيد.....

- التاريخ المقارن / محسن ريري
- ملكيه الأرض فى القرن الثامن عشر على ضوء مشاهدات علماء الحملة ... / سعيد العليمى
- إملشيل، الذاكرة الجماعية / باسو وجبور، لحسن ايت الفقيه
- أوراق في الاستشراق / عبد الكريم بولعيون
- إشكالية الخطاب وأبعاده التداولية في التراث العربي واللسانيات ... / زهير عزيز
- سلسلة وثائق من الشرق الادنى القديم(1): القوائم الملكية والتا ... / د. اسامة عدنان يحيى
- التجذر بدل الاقتلاع عند سيمون فايل / زهير الخويلدي
- كتاب الدولة السودانية : النشأة والخصائص / تاج السر عثمان
- العقل الفلسفي بين التكوين والبنية / زهير الخويلدي
- اساطير التوراه واسطورة الاناجيل / هشام حتاته


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - ميثم الجنابي - العراق وإشكالية الزمن والتاريخ