أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رشيد بنعياش - الرقابة على الصفقات العمومية بالمغرب






















المزيد.....

الرقابة على الصفقات العمومية بالمغرب



رشيد بنعياش
الحوار المتمدن-العدد: 2935 - 2010 / 3 / 5 - 15:30
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


مقدمة
إن للصفقات العمومية أهمية بالغة نظرا لما لها من تأثير على الحياة الاقتصادية والتنمية بصفة عامة مما يحتم فرض رقابة فعالة عليها وهذا ما جعل المشرع يشخصها بنوعين من الرقابة.
1- رقابة داخلية: تتجلى في الرقابة التي تفرضها الإدارة على مجال الصفقات العمومية.
2- رقابة خارجية: تتجلى في الرقابتين السياسية والقضائية، فالسياسية يقوم بها البرلمان أما القضائية فتتجلى في المجلس الأعلى للحسابات والمحاكم الإدارية، والرقابة القضائية تتجلى أهميتها في أنها تنقسم إلى شقين اثنين:
الشق الأول: يتجلى في الرقابة القضائية الصرفة والتي تقوم بها المحاكم العادية والمحاكم الإدارية.
الشق الثاني: الرقابة القضائية المالية التي يقوم بها المجلس الأعلى للحسابات.
بالنسبة للشق للنوع الأول من الرقابة، فقبل إنشاء المحاكم الإدارية كان المغرب يعرف وحدة القضاء إذ قام المشرع المغربي بتوزيع الاختصاص بين مختلف المحاكم العادية والمجلس الأعلى، أما بعد إنشاء المحاكم الإدارية أثيرت إشكالية معيار العقد الإداري بشكل حاد إذ أن المحاكم بموجب الفصل 8 من قانون إصدارها صارت تختص بالنظر في المنازعات المتعلقة بالعقود الإدارية الخاصة.
أما بالنسبة للنوع الثاني من الرقابة والتي يقوم بها المجلس الأعلى للحسابات فهو جهاز مستقل عن الإدارة يمكن له معاقبة من يتصرف في الأموال العمومية أثناء التسيير والتنفيذ (محاسبين وآمرين بالصرف بشكل سيء وتستمد الرقابة القضائية الممارسة من طرف المجلس تبريرها من ضرورة حماية الأموال العمومية.

وبعد هذه التوظئة نطرح الإشكالية التالية:
إلى أي حد تساهم هذه الرقابة في ضمان شفافية ونزاهة عقد إبرام الصفقات العمومية بمعنى آخر هل الرقابة القضائية رقابة فعالة أم رقابة شكلية شأنها شأن الرقابة الإدارية؟
سنحاول التطرق إلى هذا الموضوع من خلال المحاور التالية:
المحور الأول: منازعات الصفقات العمومية بين القضائين العادي والإداري.
الفرع الأول: اختصاص القضاء العادي في مجال الصفقات العمومية.
الفرع الثاني: اختصاص المحاكم الإدارية في منازعات الصفقات العمومية.
المحور الثاني: الرقابة القضائية للمجلس الأعلى للحسابات واقعها ومعيقاتها.
الفرع الأول: تنظيم المجلس الأعلى للحسابات.
الفرع الثاني: اختصاصات المجلس الأعلى للحسابات وعوائقها.

المحور الأول: منازعات الصفقات العمومية بين القضائين العادي والإداري
إن عقود الإدارة يمكن أن تكون عقود خاصة كما يمكن أن تكون إدارية، والتمييز بين النوعين يستند أساسا على معايير أقرها الاجتهاد القضائي؛ لكن في حالات نادرة فإن الطبيعة القانونية للعقد تكون محددة بموجب نص قانوني.
هنا يستحيل على الأطراف تغيير طبيعة العقد مهما تكن الشروط المتضمنة فيه، كما أن البحث عن طبيعة العقد من طرف القاضي الإداري، لا تكون إلا إذا لم يكن هناك تحديد من طرف المشرع (لا اجتهاد مع النص)، يقول شارل ديباش
"La qualification jurisprudentielle ne joue que lorsqu’il n y pas de détermination légale" ( )
ومن جملة العقود المنصوص قانونا على طبيعتها الإدارية نجد: عقود الأشغال العامة، عقود الامتياز وعقود التوريد التي جعلها الفصل الثالث من عقود الأشغال الصادر بتاريخ 14/10/1976 من العقود الإدارية. ( )
تجدر الإشارة إلى أن العقود الخاصة التي تبرمها الإدارة تدخل في ولاية القضاء الشامل للمحاكم الابتدائية، ولا يمكن أن تختص المحاكم الإدارية بمنازعتها إلا في حالة واحدة وهي عندما يتعلق الأمر بدعوى الإلغاء الموجهة ضد قرارات منفصلة عن العقد اتخذتها الإدارة بصفتها سلطة إدارية، لا كطرف عادي في العقد( ) في نفس السياق نجد أن اختصاص البث في العقود الإدارية ومن جملتها (عقود الصفقات العمومية) قد مر بمرحلتين رئيسيتين:
1. مرحلة ما قبل إحداث المحاكم الإدارية.
2. مرحلة ما بعد إحداث هذه المحاكم.

الفرع الأول: اختصاص القضاء في مجال الصفقات العمومية
في هذه المرحلة، وباستقراء اجتهاد المجلس الأعلى في القرارات المتعلقة بالعقود، يتضح اعتماد المجلس في تقرير اختصاصه من عدمه على الغاية من رفع الطلب( )/ بمعنى أنه إذا كانت الغاية من الطلب هي الإلغاء، انعقد الاختصاص للمجلس الأعلى للبث في الطلب، أما إذا كانت الغاية هي الحصول على تعويض تكون المحاكم العادية هي المختصة.
بيد أنه رغم كل ما سبق فقط لوحظ تنازع في الاختصاص بين المجلس الأعلى والمحاكم العادية، مرده غموض بعض النصوص والتضارب في تفسيرها( )، فقبل سنة 1913 كان الفصل 8 من ظهير 12 غشت 1913 المتعلق بالتنظيم القضائي يمنع على المحاكم العادية مد اختصاصها على قضايا العقود الإدارية في الجانب المتعلق بالإلغاء؛ أما بعد سنة 1974 فنص الفصل 18( ) من قانون المسطرة المدنية على أن المحاكم العادية تنظر في المنازعات الإدارية، وذهب البعض إلى توسيع مدلول هذه العبارة ليجعلها تشمل كلا من قضائي الإلغاء والتعويض، في حين أن العبارة تعني التعويض أساسا لأن المجلس الأعلى لم يكن مختصا به أصلا، أما الإلغاء فلا تختص به المحاكم العادية إلا استثناء في حالة الدعوى الموازية.
وبذلك فإن المحاكم العادية لم يكن يهمها في مجال صفقات الأشغال العمومية إلا جانب واحد فقط هو جانب التعويض لأن الفصل 25( ) من قانون المسطرة المدنية كان يمنع عليها النظر في قضايا الإلغاء.
وقد كانت الدعاوى تقام أمام المحاكم العادية حسب القواعد التالية والتي نص عليها الفصل 28 من قانون المسطرة المدنية: (... في دعاوى التعويض أمام محكمة المحل الذي وقع فيه الفعل المسبب للضرر أو أمام محكمة موطن المدعى عليه، باختيار المدعي.
في دعاوى التجهيز والأشغال والكراء وإجارة الخدمة أو العمل أمام محكمة محل المتعاقد أو تنفيذ العقد.
في دعاوى العقود التي توجد الدولة طرفا فيها، أمام محكمة المحل الذي وقع فيه العقد...).
يستنتج من هذا أن الاختصاص المحلي يكون لمحكمة تنفيذ العقد، أما إذا كان العقد ينفذ في عدة محلات فإنه يعود للمحكمة التي أبرم في دائرتها العقد، أو المحكمة التي حصل في دائرة نفوذها الفعل المسبب للضرر.
ويبقى استنفاذ مسطرة التظلم الإداري ضروريا قبل رفع دعوى التعويض أمام المحاكم العادية، في حين يعتبر ذلك غير إلزامي (على الأرجح) عند رفع دعوى الإلغاء.
أما عن سلطات المحكمة فإنها كانت تختلف باختلاف موضوع النزاع:
- فالقاضي في منازعات تفسير العقد كان ملزما بالبحث عن نية الطرفين المشتركة:
• فإذا وجد أن شرطا ما يقبل أكثر من تفسير فإنه يأخذ بالتفسير الذي يتلاءم مع روح العقد ويؤخذ بالتفسير الذي يكون في صالح المتعاقد.
• أما في حالة التناقض بين الوثائق، فالأسبقية للنص الأصلي عن النسخة، والمكتوب باليد قبل المطبوع والموقع أسبق من غير الموقع.
كما كانت المحكمة تنظر في الأضرار الناتجة مباشرة أو غير مباشرة، عن تنفيذ الأشغال موضوع التعاقد، مستعينة في ذلك بالخيرات لتقدير حجمها (الأضرار)، وللمحكمة أن تفحص مشروعية القرار المسبب للضرر دون أن يتم اعتبار ذلك انحرافا يوجب الإلغاء.
- كما كانت المحاكم العادية تقوم بفسخ العقد (بمقتضى الفصل 18 من ق.م.م) وطلب الفسخ قد يكون مصدره المتعاقد وذلك إما لازدياد حجم الأشغال إلى أكثر من %20 من مجموع الأشغال المتفق عليها أو تعرضه للقوة القاهرة، كما قد يكون مصدره الإدارة بسبب توقف المقاول عن تنفيذ الأشغال مثلا... وخلاصة القول أن توزيع الاختصاص قبل إحداث المحاكم الإدارية كان يتم بحسب الغاية من رفع الدعوى، فإذا كانت الغاية هي الحصول على التعويض أو فسخ العقد أو تفسير العقد في هذه الحالة كانت الدعوى ترفع أمام المحكمة الابتدائية المختصة ولا ينظر المجلس الأعلى فيها إلا على سبيل النقض؛ أو إذا كان القرار منفصلا أو مرتبطا بالعقد:
في حالة القرار المنفصل: يبقى المجلس الأعلى هو المختص الوحيد للنظر في طلبات إلغائها.
في حالة القرارات المرتبطة به: المجلس الأعلى لا يراقبها إلا إذا كانت الإدارة قد أصدرتها بصفتها سلطة إدارية عامة مستندة إلى القوانين والتنظيمات. (دون تلك التي تتخذها طرفا في العقد).
لكن بعد إحداث المحاكم الإدارية أصبحت هذه الأخيرة مختصة بالرقابة القضائية على هذه الصفقات كما سيتضح ذلك من خلال التالي:
دعوى الضمان المنصوص عليها في الفصل 769 من قانون الإلتزامات والعقود المغربي: المهندس المعماري أو المهندس والمقاول المكلفان مباشرة من رب العمل، يتحملان المسؤولية إذا حدث خلال 10 سنوات التالية لإتمام البناء أو غيره من الأعمال التي نفذها أو أشرف على تنفيذها؛ إن انهار البناء كليا أو جزئيا، أو هدده خطر واقع بالانهيار بسبب نقص المواد أو عيب في طريقة البناء، أو عيب في الأرض.
المهندس المعماري الذي أجرى تصميم البناء ولم يشرف على تنفيذ عملياته لا يتضمن إلا عيوب تصميمه.
تبدأ مدة العشر سنوات من يوم تسلم المصنوع ويلزم رفع الدعوى خلال 30 يوما التالية ليوم ظهور الواقعة الموجبة للضمان وإلا كانت غير مقبولة.

الفرع الثاني: اختصاص القضاء الإداري في منازعات الصفقات العمومية
لقد كانت المحاكم العادية هي المختصة للنظر في النزاعات الناشئة عن العقود الإدارية؛ في إطار دعوى القضاء الشامل؛ مع اختصاص الغرفة الإدارية للمجلس الأعلى بالنظر والبث في الطعون بإلغاء ضد القرارات المرتبطة بهذه العقود.
لكن بعد صدور قانون 90.41 الذي أحدثت بموجبه المحاكم الإدارية، أضحت هذه الأخيرة هي المختصة بالنظر في النزاعات المتعلقة بالعقود الإدارية، سواء تعلق الأمر بدعوى القضاء الشامل أو بدعوى الإلغاء. وقد تأتى لها هذا الاختصاص بناء على المادة 8 من القانون المذكور أعلاه.
وكذلك بناء على الفصل 52 من دفتر الشروط الإدارية العامة( ) الذي أحال كل نزاع بين الإدارة والمقاول على المحاكم ذات الاختصاص الإداري.
وحتى تنصب رقابة القضاء على هذه العقود، واعتبارها عقودا إدارية فلا بد من توافر الشروط الثلاث المتعارف عليها وهي( ):
- وجود الشخص المعني العام.
- كون العقد المبرم له ارتباط بالمرفق العام ويهدف إلى تحقيق منفعة عامة.
- الأخذ في العقد بوسائل القانون العام.
وبناء على هذه الشروط، يبسط القضاء الإداري رقابته على العقود الإدارية من خلال القرارات المنفصلة عنها والقرارات المتصلة بها. وسنركز حديثنا هنا على القرارات المنفصلة التي تعتبر الصفقات العمومية مجالها بامتياز.
فالقرارات المنفصلة هي القرارات القائمة باستقلال عن عمليات تنفيذ العقد، وقابلة لأن تنتج أثارا قانونية، بمعنى آخر أن هذه القرارات تنفرد في طبيعتها عن العقد وتنفصل عنه، بالرغم من أنها تساهم في تكوينه وتستهدف إتمامه، ويجوز فصلها والطعن فيها بالإلغاء بشكل مستقل دون التمييز في بعض الأحيان بين العقود التي أبرمت والتي لم تبرم بعد( ).
هذا التعريف تم التأكيد عليه في الحكم الصادر عن المحكمة الإدارية بأكادير رقم 81/98 بتاريخ 16/7/1999، حيث اعتبر القرارات الممهدة لعقد الصفقات العمومية قرارات منفصلة عن العملية التعاقدية، وقابلة بهذه الصفة للطعن عن طريقة دعوى الإلغاء( ).
أما أنواع هذه القرارات فهي: ( )
- القرارات السابقة: قرارات تحضيرية تستهدف التمهيد لإبرام الصفقة؛ مثل قرار الترخيص بالعقد أو تعيين طريقة وإبرامه أو إقصاء بعض المرشحين من المشاركة في المنافسة.
- القرارات المصاحبة لعملية التعاقد: مثل قرار رفض المصادقة على العقد، أو أن تصدر المصادقة مخالفة للشكليات التي فرضها القانون، أو دعدم وجود محضر اجتماع لجنة اختيار المتعاقد أو قرار رفض التعاقد.
- بعض القرارات المتخذة أثناء العقد: مثل القرارات المتخذة استنادا للقوانين والتنظيمات دون أن ترتكز على بنود العقد باستخدام الإدارة في هذه الحالة لسلطاتها المقررة لها خارج بنود العقد، وهي قرارات صادرة عنها بإرادتها المنفردة بصفتها سلطة إدارية لا سلطة متعاقدة، حيث تستطيع بموجبها إيقاع جزاءات على المتعاقد المخل ببنود دون اللجوء إلى القضاء.
1) ومن خلال أنواع القرارات والتي أشرنا إليها يمكن لنا أن نستشف بعض المجالات التي تنصب عليها رقابة القضاء الإداري. وهكذا فمن بين الحالات التي تكون مثار نزاع وجدل بين الإدارة والمقاول في مجال الصفقات العمومية هي حالات الإقصاء من المشاركة في الصفقة، بحيث يحرم المقاول من المشاركة في الصفقة كجزاء لأسباب متعددة منها: التنفيذ المعيب لالتزام سابق كإجراء وقائي، ولاستبعاد العطاءات التي لم تتوافر لمقدمها الشروط المقررة قانونا، أو لم تتوافر فيها الشروط التي يحددها القانون، أو التي ترد بعد الموعد المحدد لتقديم العروض، وقد عددت المادة 38 من مرسوم 30/12/98 بعض حالات الإقصاء التي ذكرها كما يلي:
1. المتنافسين الذين هم موضوع إقصاء مؤقت أو نهائي طبقا لأحكام المادتين 27 و72.
2. المتنافسين الذين لم يحترموا مقتضيات المادة 29 فيما يتعلق بتقديم ملفاتهم.
3. المتنافسين الذين قدموا الملفين الإداري والتقني والملف الإضافي عند الاقتضاء لا يتضمن جميع المستندات المطلوبة.
4. المتنافسين الذين ليست لهم أهلية التعهد.
5. المتنافسين الذين تبين أن مؤهلاتهم المالية والتقنية غير كافية لمراعاة المقاييس الواردة في نظام الاستشارة المقررة في المادة 22.
6. المتنافسين الذين لم يتم قبول العينات التي اقترحوها طبقا لأحكام الفقرة 2 من المادة 36.
كما تم تعداد بعض حالات الإقصاء في المواد 40، 52 و62.
أما عن سبب إقصاء هؤلاء المتنافسين فلا يتم الإفصاح عنه طبقا لمقتضيات المادة 39، لكن المادة 44 أجازت للمقاولين المقصيين الحق في الاطلاع على أسباب إقصائهم بعد تقديمهم لطلب بواسطة رسالة مضمونة توجه إلى صاحب المشروع في أجل أقصاه 7 أيام، وهي إمكانية لم تكن متوفرة مع مرسوم 14 أكتوبر 1976.
وقرار الإقصاء من المناقصة يعتبر قرارا إداريا، أوجب القضاء الطعن فيه عن طريق دعوى الإلغاء بحيث يمكن إلغاؤه إذا لم يحترم الشروط المنصوص عليها قانونا، كما جاء في الحكم الصادر عن المحكمة الإدارية بأكادير حين اعتبرت أن إقصاء المرشحين في المناقصة بجلسة فتح الأظرفة محددة حصرا حسب الفصل 33 من مرسوم 14/10/1976، وأقرت الطعن ضد قرار الإقصاء لاعتماده الحق الدستوري في التشكي والتقاضي كسبب لإصدار قرار الإقصاء من المناقصة، معتبرة أن تقدير الأهلية والكفاءة المالية والفنية للمشاركة في الصفقة يستند إلى أسس موضوعية مستلخصة استخلاصا سائغا من أصول تنتجها( ). كما يمكن أن يكون مرد إلغاء قرار الإقصاء هو عدم احترام شروط المشروعية وعدم الاستناد لروح مرسوم 14/10/1976، الشيء الذي أكده منطوق الحكم الصادر عن المحكمة الإدارية بأكادير حين صرحت: (وحيث أن قرار الإقصاء معيب من جهة مخالفة القانون لعدم استيفاء إجراء جوهري ضروري اتخاذ القرار وهو فتح ظرف التعهد الخاص بالطاعنة، ومن جهة أخرى لاعتماده سببا لا علاقة له بملف هذه الأخيرة، مما يجعل القرار مشوبا أيضا بعيب الانحراف في استعمال السلطة، وهي كلها عيوب مجتمعة أو متفرقة تسم القرار بعدم المشروعية مما يستوجب إلغاءه) ( ).
هذا من جهة، ومن جهة أخرى يمكن أن تمتد رقابة القاضي الإداري إلى مديونية الإدارة بمعنى أنه يحق للمقاول مقاضاة الإدارة قصد استيفاء الدين الملقى على عاتقها، خاصة بعد تلبية كافة الشروط الواجبة للمطالبة بالدين، وهو ما عبر عنه الحكم الصادر عن المحكمة الإدارية بمراكش في الدعوى المقامة من طرف شركة ماربيل على بلدية مراكش المدينة كما يلي: (من حق الشركة المدعية بعد إنجاز الأشغال المطلوبة منها لفائدة البلدية بمقتضى صفقة الأشغال المطالبة بمستحقاتها التي تبقى دينا بذمة البلدية المتعاقدة.
الشركة المدعية تستحق تعويضا عن التماطل بعد ثبوت إنذارها ومطالبتها لها بأداء مستحقاتها عن طريق البريد المضمون مع الإشعار بالتسلم) ( ).
بعد هذا التحليل المقتضب يحق لنا التساؤل عن مآل القرارات التي يلغيها القضاء الإداري؟ وبالتالي مآل العقد أو العقود التي صدرت في إطارها، هذه الأسئلة يجيبنا عنه الأستاذ عبد الله العلج مفوض ملكي بالمحكمة الإدارية بأكادير في مداخلة له تحت عنوان: (الرقابة القضائية على القرارات الصادرة بشأن تطبيق أحكام وقواعد صفقات الأشغال أو التوريدات أو الخدمات المبرمة لحساب الدولة) ( ) من خلال طرحين اثنين:
1. إذا لم يتم بعد إبرام العقد فإن صدور حكم بالإلغاء وبناء على الأثر المطلق لهذا الحكم؛ يؤدي إلى بطلان ما ترتب عن القرار من نتائج، لأن ما بني على باطل فهو باطل.
2. في حالة إبرام العقد، وقبل صدور حكم الإلغاء فإن العقد يبقى سليما حتى يتمسك أطرافه بطلب الإلغاء أمام قاضي العقد، وحينئذ يجوز لقاضي العقد أن يحكم بإلغائه.
وهذا هو الاتجاه الذي سار عليه قضاء مجلس الدولة الفرنسي، ومن بعده قضاء مجلس الدولة المصري، إلا أن مجلس الدولة الفرنسي في اجتهاداته الحديثة لاحظ وجود تناقض في الاجتهاد السابق. بحيث أن النتيجة القانونية والمنطقية لذلك تقتضي أن إلغاء القرارات الإدارية المنفصلة يؤدي إلى إبطال ما يترتب عليها بما فيها العقد.

المبحث الثاني: الرقابة القضائية للمجلس الأعلى للحسابات واقعها ومعيقاتها
تستمد هذه الرقابة تبريرها من ضرورة حماية الأموال العمومية، وقد أحدث في المغرب بموجب ظهير 14 شتنبر 1979 المجلس الأعلى للحسابات، وينص الفصل الأول منه على إحداث مجلس أعلى للحسابات يعهد إليه بممارسة المراقبة العليا لتنفيذ القوانين المالية ويقوم بالعمليات التالية:
- يعاقب عند الاقتضاء على المخالفات للقواعد الجارية على العمليات المذكورة.
- يتولى مراقبة تسيير الأجهزة الخاضعة لمراقبته وتقدير مدى صلاحيتها.
- يقدم بيانا إلى جلالة الملك عن جميع وجوه نشاطه( ).
ومن خلال هذا الفصل نستنتج أن المجلس الأعلى للحسابات يقوم برقابة ذات طابع قضائي على المحاسبين والآمرين بالصرف الثانوين وبرقابة في مجال التسيير، ويقصد بالرقابة القضائية على تنفيذ عمليات الميزانية (من ضمنها الصفقات) الرقابة التي تمارسها هيئة مستقلة عن السلطة التنفيذية، تتولى التحقق من سلامة عمليات الموارد والنفقات العمومية طبقا لما أجازته السلطة التشريعية وما تقتضيه النصوص المالية والتشريعية والتنظيمية.
ويعتبر هذا النوع من الرقابة أكثر جدية وفعالية إذا مارست الهيئة القضائية المالية كامل اختصاصاتها دون تعثر أو عرقلة( )، وتعهد الرقابة القضائية على الصفقات وعلى تنفيذ الميزانية ككل؛ على المجلس الأعلى للحسابات بمقتضى الفصل 96 من الدستور، الذي ينص صراحة على أن المجلس (يتولى ممارسة الرقابة العليا على تنفيذ القوانين المالية، ويتحقق من سلامة العمليات المتعلقة بمداخيل ومصروفات الأجهزة الخاضعة لرقابته بمقتضى القانون، ويقيّم كيفية قيامها بتدبير شؤونها ويعاقب عند الاقتضاء على كل إخلال بالقواعد السارية على العمليات المذكورة) ويضيف الفصل 98 على أن: (مجالس جهوية للحسابات تتولى مراقبة حسابات الجماعات المحلية، وكيفية قيامها بتدبير شؤونها) ونظرا للأهمية التي يتمتع بها المجلس الأعلى سنتطرق أولا إلى الكيفية التي ينظم بها المجلس، ثم ثانيا على الاختصاصات الموكولة للمجلس.
الفرع الأول: تنظيم المجلس الأعلى للحسابات
بموجب ظهير 14 أبريل 1960، تم إحداث اللجنة الوطنية للحسابات بصفتها جهازا عاليا للمراقبة المحاسبية، لكن هذه اللجنة لم تستطع القيام بالمهام المنوطة بها، وذلك راجع إلى عدة أسباب وعوامل تشريعية، تنظيمية وبشرية.
وعامة فإن إحداث اللجنة الوطنية للحسابات لم يكن وليد دراسة عميقة بل كان نتيجة اعتبارات ظرفية، حيث كان الهدف من إنشائها هو ملء الفراغ القانوني الحاصل في الميدان الرقابي( ).
أما المجلس الأعلى للحسابات قبل التعديلات الدستورية لسنة 1996 فقد أحدث بمقتضى قانون 12-79 الصادر بتاريخ 14 شتنبر 1979 وهو الجهاز الذي يمارس الرقابة العليا على تنفيذ القوانين المالية، كما يتأكد من مشروعية عمليات موارد ونفقات الأجهزة التي تخضع لرقابته، ويمارس عليها كذلك رقابة التسيير، ويقدم بيانا إلى جلالة الملك، ويوجه إلى رئيس مجلس النواب تصريحا عاما بمطابقة حسابات المحاسبين الفردية للحسابات العامة للدولة كما يعتبر المجلس هيئة قضائية مختصة يعهد إليها النظر في حسابات المحاسبين العموميين (الفصل 25)، وممارسة اختصاصات قضائية في ميدان التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية (الفصل 56) تم أخيرا تقويم تسيير الأجهزة الخاضعة له (الفصل 71) ( ).
ولعل دسترة الرقابة العليا للمالية الممارسة من طرف المجلس في الدستور المراجع 13 شتنبر 1996 لتعطي الفعالية للمراقبة القضائية لصرف الأموال العمومية كما نص على ذلك الفصل 96 كما من شأن الارتقاء بالمجلس الأعلى للحسابات إلى مؤسسة دستورية والتنصيص على إحداث مجالس جهوية للحسابات مع تزويد هذه المؤسسات باختصاصات وآليات وتقنيات قانونية جديدة تمكنها من لعب دورها الأساسي في حماية المال العام.
ويتألف المجلس الأعلى للحسابات من الرئيس والمستشارين وقضاة الحسابات ويتمتع هؤلاء القضاة بعدم قابلية العزل والنقل إلا بمقتضى القانون كما هو الشأن بالنسبة لقضاة الأحكام، ويجرى عليهم نظام أساسي خاص.
ويقوم بمهام النيابة العامة الوكيل العام للملك ويساعده محامون عامون يتم اختيارهم من بين مستشاري المجلس الأعلى، بناءا على اقتراح من الوكيل العام للملك بعد استشارة رئيس المجلس.
ويمكن للرئيس في إطار المراقبة أن يستدعي كل موظف وعون بجهاز عمومي أو أي شخص آخر من شأنه أن يساهم بمعلومات مفيدة وضرورية في هذا المجال.
أما الوكيل العام للملك فيقوم بمهام النيابة العامة من خلال إيداع استنتاجات وملتمسات، ويتوصل بالتقارير المتعلقة بالمحاسبين، كما يحيل إلى المجلس العمليات التي تشكل تسييرا فعليا إما من تلقاء نفسه أو بطلب من وزير المالية أو الوزراء المعنيون بالأمر.
الكاتب العام يقوم بالتسيير الإداري ويسهر على تقديم الحسابات في الآجال القانونية( ).
ويتكون المجلس الأعلى للحسابات من الشكلية التالية:
- الغرف المجتمعية
- غرفة المشورة
ويمكن تقسيم هذه الغرف إلى فروع،
- هيئة التقارير والتي يمكن تقسيمها إلى لجان.
رغم أن التعديلات التي أحدثها المشرع وهو يُحِل المجلس الأعلى للحسابات محل اللجنة الوطنية للحسابات، لم يتمكن من حل مشكلة الرقابة المالية في المغرب، وهذا ما يفسر أن المهام والوظائف الموكولة لهذا النوع من القضاء في مواجهة القانون تبقى دائما صعبة التحقيق، ولقد كان من المأمول أن يقوم المجلس الأعلى للحسابات بدور ريادي في إطار الرقابة على الأموال العامة من أجل الحفاظ عليها من النهب والاختلاس ووضع اللبنة الأساسية لتشييد دولة الحق والقانون من خلال رقابة فعالة وجدية على المال العام.
غير أنه وبالنظر إلى حصيلة الأداء الرقابي للمجلس الأعلى للحسابات فإننا لا نلمس تقدما أو تغييرا واضحا بين العهدين؛ عهد اللجنة الوطنية للحسابات وعهد المجلس الأعلى للحسابات، مما يحتم علينا طرح مجموعة أسئلة محورها أسباب إخفاق المجلس في مهمته الرقابية، وفي هذا الاتجاه نشير إلى أن الإشكال الأول المطروح في هذا الإطار أمام المؤسسات العليا للرقابة هو العائق الدستوري ثم العائق القانوني.

أ- العائق الدستوري:
يمكن القول وبكل تأكيد بان أيا من الدساتير( ) لم يشر إلى إنشاء هيئة عليا للرقابة، حيث اكتفى المشرع بقانون عادي في إنشاء المجلس الأعلى للحسابات، لكن إذا كان الصمت الوارد في دستور 1992 المتصف بتهميش ظهير للرقابة العليا المالية قد أندثر بالتنصيص على هذه الرقابة من دستور 1996، فإنه لابد من مضي بعض الوقت لمعرفة هل هذه الرقابة ستكون بخير وتساهم في التنمية الاقتصادية، بشكل فعال.
ب- العائق القانوني:
إن إجراء مقارنة بين المجلس الأعلى للحسابات المغربي وبين بعض التنظيمات القضائية الأجنبية، يسمح لنا بجرد مجموعة من الحدود القانونية التي تواجه هذه المؤسسة الرقابية، ويتعلق الأمر بالحدود ذات الخصائص التالية:
- الطابع الطموح في اختصاصاتها.
- غياب الهياكل والوسائل الملائمة أو سوابق قضائية في هذا الصدد
- ضعف الترسانة الردعية والجزائية
- عدم دقة الإطار القانوني لتنفيذ الرقابة
- انتقاء العمومية على التقارير السنوية
هذه الحدود يمكن تصنيفها في الطابع الطموح للاختصاصات والمهام ثم عدم ملائمة الهياكل والوسائل( ).
الفرع الثاني: اختصاصات المجلس الأعلى للحسابات وعوائقها
إن المجلس الأعلى للحسابات هو تنظيم ذو طابع قضائي، حمله المشرع مسؤولية الرقابة العليا على الأموال العامة.
وبالرجوع إلى ظهير رقم 12-79 المتعلق بإنشاء المجلس الأعلى الحسابات، فإن هذا الأخير يتمتع بسلطات المراقبة، إذ يجمع بين الاختصاصات القضائية والاختصاصات التأديبية المتعلقة بالميزانية والشؤون المالية، والاختصاصات في مجال مراقبة التسيير؛ حيث يراقب المصالح التابعة للدولة والجماعات المحلية وهيأتها والمؤسسات العامة.
1. الرقابة في مجال التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية.
يخضع المجلس الأعلى للحسابات بمقتضى الفصل 56 من ظهير رقم 12-79 بمهمة قضائية في مجال التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية، وتنصب هذه الرقابة على كل موظف أو مسؤول أو عون جهاز وكل مسؤول أو عون بكل جهاز آخر، تجري عليه مراقبة المجلس، يقوم بارتكاب إحدى المخالفات الآتية:
- عدم احترام قواعد الالتزام بالنفقات
- الإخفاء الذي قد يساعد على التحريف في خصم نفقة.
- الالتزام بنفقات دون أهلية لذلك أو دون توفر الاعتماد.
- الالتزام لما يتجاوز حدود الاعتمادات
- حصول الشخص لنفسه أو غيره على شفعة غير مبررة، نقدية أو عينة تلحق إخفاء المستندات أو الإدلاء إلى المجلس الأعلى للحسابات بأوراق ضرورية، أو غير صحيحة، أو بصفة عامة يخالف القواعد المتعلقة بتنفيذ عمليات النفقات والموارد.
- ولابد من الإشارة إلى أن اختصاص المجلس في ميدان التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية؛ لا يمتد إلى الأشخاص الذين يمارسون عملهم بصفتهم أعضاء للحكومة أو ممثلي مجلس النواب ومجلس المستشارين، ما عدا في حالة رفع الحصانة البرلمانية عنهم( ) ويظهر الواقع عدم جدوى هذه الرقابة نظرا لأن الآمرين بالصرف من وزراء لا يخضعون لرقابة المجلس، وهم المسؤولون عن الأموال العمومية وتنفيذها هذا من الناحية القانونية؛ أما من الناحية الواقعية فهناك مجموعة من كبار الموظفين الإداريين ممن يعفون من المساءلة القانونية بحكم نفوذهم القوي، وعلاقاتهم المتشبعة التي أكسبتهم ما اصطلح عليه بالحصانة الإدارية.
2. الرقابة على الحسابات:
حسب المادة 58 فالمجلس يتمتع باختصاص قضائي يتيح له النظر في مشروعية عملية النفقات المنجزة من طرف المحاسب العمومي.
إذن فالمراقبة تخص حساب التسيير La compte de gestion الموجه سنويا من المحاسب العمومي إلى المجلس.
إذا لم ثبت المجلس أية مخالفة على المحاسب فإنه يبث في أمر الحساب ويتخذ حكما نهائيا يقر مشروعية العمليات المحاسبية المتعلقة بالميزانية، وعلى العكس من ذلك إذ تأكد من عدم مشروعية عملية المحاسبة( ) فإن المجلس يأمر المحاسب المعني بحكم مؤقت، على أن يقدم مبرراته كتابة، وعند الاقتضاء إرجاع المبالغ المطابقة وتصحيح العجز الحاصل في حسابه.
3. الرقابة على التسيير:
نصت على هذه المراقبة المادة 71 وهي مراقبة من حيث الكيف تشمل جميع مظاهر تسيير الأجهزة الخاضعة للرقابة، ومن بينهما المصالح التابعة للدولة، وتتم ممارسة هذه الرقابة عن طريق:
- تقييم مدى تحقق الأهداف والمشاريع المقررة، والوسائل المستعملة وتكاليف الأشياء والخدمات المقدمة والأثمان المطبقة والنتائج المالية.
- بحث مدى مشروعية وصدق محاسبات الأجهزة المراقبة، وكذا الصبغة المادية لعملياتها.
- الإدلاء عند الاقتضاء باقتراحات حول الوسائل الكفيلة بتحسين طرق تسيير الأجهزة الخاضعة للرقابة والزيادة في فعاليتها ومردويته.
ولتمكين المجلس من إجراء هذه الرقابة فإن الآمرين بالصرف القائمين على مصالح الدولة وتنفيذ مشاريعها، يوجهون سنويا للمجلس الحسابات الإدارية لمصالحهم وملخصات عن حساباتهم المتعلقة بالموارد، وفي حالة التأخر في الإدلاء بالحسابات والوثائق الحسابية، أو التملص من تقديم البيانات اللازمة لإجراء مراقبة المجلس أو عرقلة إجرائها فإنه يحق لرئيس المجلس أن يوجه أوامر إلى الأشخاص المسؤولين، وأن يحكم عليهم، ويجوز للمجلس في إطار التحريات التي يجريها، وبناء على قرار من الرئيس أن يستمع إلى كل موظف أو مسير لأموال وممتلكات عمومية، أو عضو في إحدى هيئات المراقبة أو شخص تهمه مباشرة القضية المعروضة على المجلس، فبعد القيام بمختلف عمليات المراقبة والتدقيق والتحري، فإن المجلس يتولى النظر في جميع الأفعال التي ترجع لاختصاصاته في ميدان التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية، وفق الشروط والإجراءات السابق بيانها من قبل، كما يقوم بتحرير التقارير التي تخص تسيير الأجهزة التي أجريت عليها المراقبة، وتوجيهها للوزير الأول ووزير المالية والوزراء المعهود إليهم بالوصاية أو المسؤولين عن هذه الأجهزة.
وفي جميع القضايا يمكن لرئيس المجلس أن يقدم ملاحظاته واقتراحاته إلى الوزراء والمسؤولين في الأجهزة الخاضعة للمراقبة بواسطة مذكرات، أو قرارات مستعجلة، ويبلغ رئيس المجلس إلى وزير المالية نسخة من القرارات المستعجلة والأجوبة عنها.
خلاصة:
يلاحظ أن مجال المراقبة القضائية ومراقبة التسيير المنوطة بالمجلس الأعلى للحسابات واسع جدا من الناحية القانونية، إلا أن فعاليتها محدودة إن لم نقل مشلولة، وهذا راجع أساسا-خاصة في ميدان الصفقات العمومية- إلى عدم الأخذ بعين الاعتبار الرقابة التقنية والدور الذي تلعبه في إنجاز الأشغال؛ ومدى مطابقتها مع القواعد الفنية والمواصفات المنصوص عليها في دفاتر الشروط الإدارية العامة والمقتضيات الخاصة، لذا فهذه المراقبة تبقى ضعيفة أو منعدمة لأنها لم تخضع للإجراءات القضائية في رقابة المحاسبين والآمرين بالصرف. ولم يسند لوكيل الملك أي اختصاص بشأنها فهي تبقى رهينة السلطة التقديرية للمسؤولين من حيث الأخذ بنتائجها أو إغفالها، وكذا غياب الإرادة السياسية في إعطاء هذه الرقابة حجمها وفعاليتها الحقيقيتين عكس ما عليه الحال في الدول المتقدمة، وكذلك جهل الرأي العام الوطني للدور القضائي للمجلس الأعلى للحسابات وعلى الخصوص الموظفين ومديري المقاولات الخاصة والعامة، رغم خطورة الاختصاصات الموكولة إليه في ممارسة الرقابة العليا للأموال العمومية على مستوى التنفيذ.
كما أن المجلس الأعلى للحسابات يفتقر للأطر البشرية الكافية للقيام بالمهام المنوطة به، مما يستخلص منه نتيجة مفادها عدم الملائمة بين الأهداف والوسائل، فالمجلس يعاني من الضعف الكمي للموظفين والقضاة يلقى على عاتقهم النظر والتدقيق فيما يفوق أربعين طنا من الوثائق والملفات سنويا، ناهيك عن الوثائق والملفات المتراكمة عبر سنوات، على عكس تونس التي كانت سباقة إلى إحداث مؤسسة عليا للرقابة تسمى دائرة المحاسبة وذلك سنة 1968 إذ تتوفر على 64 قاضيا في متناولهم 64 محققا أي بنسبة محقق لكل قاض.
ويعزى هذا التناقض في مجال الأطر البشرية إلى مجموعة من عوامل منها:
- الضعف البين لعملية التوظيف.
- عدم كفاءة المؤسسة لجلب الأطر العليا المتمرسة.
- افتقار المؤسسة للعدد الكافي من المحققين للقيام بمهمته الاستشارية-الإرشادية بجانب القضاة الذين يضطرون
للقيام بعملية التحقيق والاطلاع وإصدار الأحكام( )، كما أن ضعف الحوافز المادية يؤدي حتما إلى ضعف الإحساس بالمصلحة العامة .






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,688,835,427


المزيد.....




- طيران التحالف يحبط هجوما لداعش من 3 محاور على سد الموصل
- أنباء عن تبرئة سنان الشبيبي ومحمد علاوي من التهم الموجهة لهم ...
- مؤشر الإرهاب 2014: خمس دول مسؤولة عن 82% و4 منظمات هي الأعنف ...
- سليماني درب العراقيين على الصمود وقضية داعش انتهت
- وزير الدفاع يستغرب من انباء عن اصداره قرارا بفصل طيارين من م ...
- مستمرون بدعم القوات العراقية ولا دخل لنا بتغيير قادة عسكريين ...
- البيشمركة والجيش يستعيدان بحيرة حمرين و27 قرية في ديالى
- البغدادي يأمر اتباعه بتغيير التوقيت وتقديمه دقيقة
- الجبوري: هناك نشاط لمجاميع مسلحة تقوم بعمليات خطف وابتزاز
- أنا الشاهد: ما هي مواصفات -فحل المليون- ؟


المزيد.....

- وظائف الدولة / وسام حسين علي العيثاوي
- النظام الأبوي الذكوري وهيمنته على المجتمع والسلطة / إبراهيم الحيدري
- في ذكرى اكتوبر - المآثر التاريخية لثورة اكتوبر الاشتراكية ال ... / سعيد مضيه
- الانتخابات التونسية و مستقبل تونس: قراءة اجتماعية- سياسية و ... / بيرم ناجي
- مساهمة أولية في نقد -الميثاق الوطني للتربية والتكوين- / حسام عزيز
- خارطة اليسار العربي - كتاب / خليل كلفت
- كتاب طرق الحصول على مقالات انجليزية حصرية 100% / اشرف خلف
- الدروس المستخلصة عربيا من مسار التحول الديمقراطي عالميا-مع ا ... / ابراهيم قلواز
- المراكز الإقليمية والفكر السياسي ( لدولة الخلافة الإسلامية ) / لطفي حاتم
-               في الدستورانية العربية الجديدة: أسئلة الهوية،ا ... / حسن طارق


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رشيد بنعياش - الرقابة على الصفقات العمومية بالمغرب