أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - جمال حسن العتابي - مأثرة جواد علي في كتابة التاريخ















المزيد.....

مأثرة جواد علي في كتابة التاريخ


جمال حسن العتابي
الحوار المتمدن-العدد: 2889 - 2010 / 1 / 15 - 23:28
المحور: سيرة ذاتية
    


صرح ثقافي وعلمي، أكتسب عراقته وأصالته لانتسابه لذاك الكيان المعروف بـ (دار المعلمين العالية ) والوريث الشرعي له، الذي تخرج فيه السياب، نازك الملائكة، البريكان، عبدالجبار عبدالله، كمال مظهر أحمد، وغيرهم من الاعلام، قافلة طويلة من مبدعي ثقافة العراق لاكثر من نصف قرن هذا الصرح ضمنا منتصف ستينيات القرن الماضي الذي شهد نضج الحركة الثقافية واحتدامها، وكان عدد من أساتذة وطلبة الكلية جزءا” من المشهد الثقافي العراقي، أسهموا فيه بفاعلية، وشكلوا بعض ملامحه، وأغنوا مضامينه بالبحث والدراسة. كيف لا؟ وقمم اللغة والادب العراقيون، هم أساتذة جيل واسع وعريض. تتلمذ على أيادي هؤلاء، ونهل بشغف من معارفهم وعلومهم وهم لا يألون جهدا” أن يقدموا خبراتهم وتجاربهم المعرفية الغنية لتلامذتهم بتواضع وادب نادرين
هذا الجيل من الطلبة لن ينسى مصطفى جواد، عبدالرزاق محيي الدين علي جواد الطاهر، كمال السامرائي، حسين أمين، عبدالعزيز البسام، فاضل حسين، عبدالواحد لؤلؤة، محسن غياض، حسن طه النجم،علي المياح، عبدالله الفياض وغيرهم.كائنات الملائكة، مربون، وعلماء، يحملون من غزارة العلم بقدر ما يحملون من الفضيلة والخلق النبيل والتواضع.
الدكتور جواد علي من هذا الرعيل، كنز من المعرفة غير مغلق، نهر يفيض بالعلم والموهبة، قدرة سحرية لشد الطلبة للدرس، وصرامة متناهية في القائمة، لا توفر شعورا” بالإرتياح لدى بعض الطلبة الذين يبحثون عن برهة أسترخاء أثناء المحاضرة، فطوال سنة كاملة من التعلم، لم تنفرج شفتا (أستاذنا) عن أبتسامة خفيفة، ولم (يرتكب) خطأ يوما” ما في إطلاق مزحة (تفسد) أجواء المحاضرة الجادة، ولم يسمح كذلك البتة بسماعها من الطلبة بما يعكر او يشوه تلك الاجواء فأي طراز من العلماء هو جواد علي ولاية نماذج من الرجال ينتمي؟
جرى التقليد في تتبع آثار هذا الطراز من الشخصيات، التعريف بسيرته الذاتية، وتسجيل مؤلفاته، والاشارة الى شهادته والجامعة التي تخرج فيها. فالرجل ليس بحاجة الى تعريف الا أننا نريد أن نقلب هذه المعادلة، ونتجاوز هذا التقليد الذي دأب عليه الدارسون والباحثون ومتتبعو سير الرجال، بالاشارة والتنبيه أولا” وقبل الخوض في دراسة منهجه البحثي، الى ضرورة الالتفات الى هذه الشخصية بما تستحقه من اهتمام وعناية من قبل المؤسسات العلمية والثقافية في العراق وخارجه، لما قدمه هذا العالم الكبير من منجز فكري في البحث التأريخي، يعد مفخرة كبيرة للحركة الابداعية العراقية والعالمية، ولما تميز به من وفرة بالانتاج، وجدة في الافكار وحضور علمي متميز، واسلوب خاص في الدراسة والبحث، مع وعي متنور للتأريخ، غير منحاز، وهي سمات المؤرخ ألاصيل، الموضوعي، المتجرد والباحث عن الحقيقة حيثما، تكون مطوية في زوايا النسيان.
وبناء على ذلك يقع على جميع المؤسسات الثقافية والعلم ومراكزالبحوث، ووزارة التعليم العالي وجامعاتها، واتحاد المؤرخين العرب والعراقيين، مسؤولية كبيرة، تتمثل بجمع مؤلفاته، واعادة طبعها.
لان لها من الاراء والخصوصية في الاسلوب ورصانة وعمق المضمون، ما يقتضي العمل الجاد لتحقيق هذا الهدف ومن أجل أن نتذكر على الدوام جواد علي، وتبقى صورته شاخصة وحية في عقولنا ووجد أننا، لابد أن نحيي ذكرى وفاته، لا بكلمات التأبين والرثاء، إنما بالبحث والدراسة. والدعوة لتنظيم حلقات دراسية تتناول جهده الفكري الثر، وحبذا لو التفتت تلك المؤسسات باطلاق اسمه على معلم من معالم الفكر والثقافة في العراق.
إن مأثرة جواد علي الكبرى والرائعة، هي بحثه الرصين في (المفصل في تأريخ العرب قبل الاسلام)، وسبقه (تأريخ العرب قبل الاسلام). بأكثر من (20) مجلدا” للمؤلفين. درس فيهما المجتمع العربي كهيئة اجتماعية كون تنظيمها الداخلي مجموعة من الروابط والعلاقات الاقتصادية والاجتماعية والقبلية والفكرية المتنوعة.
وعلى الرغم من أن جواد علي نهل من مصادر التأريخ الاول، واعتمدها بشكل أساس في بحثه، لا سيما كتب السير والأنساب وتراجم الرجال، وكتب التأريخ العام، لمؤرخين كبار، كالطبري، واليعقوبي، والمسعودي، والدينوري وأبن قتيبة، وأبن الاثير، وأبن كثير والسيوطي، فضلا عن كتب البلدانيات والمرويات الادبية، ألا أنه يقدم لنا في النهاية، خلاصة هذا الجهد المثابر الذي ابتناه بابداع وتمكن، أراد أن يقول فيه: أن المجتمع العربي يتكون من الناس الذين يحققون الانتاج المادي والروحي، ومن العلاقات الانتاجية الاجتماعية والاقتصادية، وتمكنوا من صنع حياتهم بنسيج خاص لا يخلو من مؤثرات خارجية. هي نتيجة تفاعلهم بمنجزات حضارية ليست بعيدة عن محيطهم، على الرغم من كل حالات التصحر والجفاف والقسوة التي طبعت حياتهم وزادتها خشونة.
يريد جواد علي ايصال رسالة تكشف عن مجتمع لا يمكن له ان يعيش مجرداً، مثلما لا وجود لإنسان مجرد، وعلى الرغم من كل الاختلافات فلدى كل مجتمع خصائص تميزه عن باقي المجتمعات.
فالانسان في ارض شبه جزيرة العرب، غير منعزل عن الوسط الجغرافي الذي يتضمن الانهار والبحار والغابات والحقول والصحارى والمناخ والثروات الطبيعية والنباتات.
كل ذلك تجده مبثوثاً في سفر جواد علي”المفصّل “، لأن حياتنا خارجه غير ممكنة، فتاريخ الطبيعة وتاريخ المجتمع مترابطان، ويؤثر أحدهما في الآخر، والبشرية منذ بدء ظهورها كيفت الطبيعة المحيطة بها.
ابتدأ جواد علي مفصّله بأصل الأقوام الأولى التي سكنت شبه الجزيرة العربية، بدراسة انسابها، ودياناتها القديمة، وقبائلها، ولغاتها، وآدابها وسلوكها، ونظامها السياسي. وعرّج على دراسة حياتها الاقتصادية”الزراعة، التجارة، الصناعة“ كما بحث في حياتها الثقافية والفكرية والاجتماعية، دراسة تفصيلية معمقة، شكلت مصدراً ينطوي على غنى وثراء فريدين لا يمكن لأي باحث او مؤرخ ان يستغني عنها، او يتجاهله، بل هي تقوده في النتيجة الى الانسان في هذا الحيز المكاني، الذي وجد شرط وجوده وكشف سر انتقاله من نظام اجتماعي الى آخر اكثر تقدماً. بتغير الناس ومهاراتهم ووعيهم، وتبدل منظومة حياتهم الفكرية والاخلاقية.
ولأن جواد علي مؤرخ وعالم رصين، فلابد لمن يدرسه من ان يتحرى عوامل الرصانة في منجزه، فينظر في تفاعلها مع بعضها، ولابد من النظر في تجليات تلك الرصانة من احكام نقدية، وآليات واجراءات تستند الى شروط البحث العلمي واحكامه.وضروري - ان لم نقل واجباً - ان نتأمل ما وقف عنده المؤرخ للبحث في فلسفة اختياره التي رجحت تلك الاعمال للتعامل النقدي والمناقشة.ونحسب اننا نستطيع ان نلج عالم جواد علي او صرحه العلمي من خلال الدور الثقافي للتاريخ والمؤرخ، فتشكل سيرته وابداعه الفكري والبحث الذي كتبه، مفاتيح مهمة لولوج هذا العالم. وان ثمة الكثير مما يجب عمله في دراسة جواد علي ورصانة منجزه وهو اكثر مما تستوعبه وريقات، او حلقة نقاشية، اذ مارس دوره الفكري بأكثر من صورة ووسيلة عن قناعة تامة اعلنها في اكثر من مناسبة.لقد اختار جواد علي عملاً وجد فيه امتداداً في ساحة واسعة من تاريخ العرب، ولو أجملنا ملامح مشروعه الفكري لرأينا كم فيها من نوافذ ودروب مفتوحة على قضايا التاريخ والمعرفة والادب. فلا نرى في اختيار المؤرخ كتابة هذا التاريخ مجرد مسألة ذوقية، او محصلة عوامل ذاتية، وخبرات قرائية متشابكة فحسب، وانما هو تعبير عن موقف فكري واضح للمؤرخ، فهو اذ يختار عملاً للكشف عن مكنوناته، انما يرشحه للتفاعل معنا، يرشحه للاندماج بالبنى الثقافية والاجتماعية ملماً بقضية التاريخ، واتجاهاته الاساسية، مما يساعد الباحث على الخروج من النص بموقف وفكرة، ان لم يحفزه للعودة اليه، او في الأقل، وفّر له معرفة به، على النقيض من الكتابات التاريخية التقليدية، السهلة، التي تنقض على العمل بأحكام جاهزة ورتيبة، خالية من الابداع والجهد والتفكير، ودونما حيثيات وأدوات كشف.
ان أية محاولة لتقديم الجدوى المعرفية لملف جواد علي لابد لها من التوقف لإثبات انتمائه الى المدرسة التي تتعامل مع ممارسة المعرفة التاريخية كضرورة في تطوير الوعي التاريخي، وتطويعه لغايات تتعلق بالحقيقة والموضوعية. مع وجوب التنبيه الى ان هذا الانتماء، يبتعد كلياً عن الدخول في خانق الانتماء السياسي او الايديولوجي الضيق الأفق. لأنه يعطينا زاداً فكرياً وافياً، مبنياً على قاعدة متينة للانطلاق الى عوالم اوسع خارج الأطر، والتحصينات والوصفات الجاهزة في فهم التاريخ، والتعامل مع الاحداث بخبرة فنية ومعرفة بالتفاعل.
من الممكن ان نعثر في كتابات جواد علي، على هذا التعاقب للحوادث التاريخية المنفصلة او المترابطة، محددة بنظام او اتجاه، ومن السهل كذلك ان نكتشف او نشير الى ان حياة البشرية أظهرت ان الحياة الاجتماعية تعمل بقوانين موضوعية، أي مستقلة وخارج وعينا. تلك قوانين تخضع لها الظواهر الاجتماعية، وبمقدور الانسان معرفتها واستخدامها لصالحه، فالاقتصاد والحقوق والتاريخ والاثنوغرافيا، واللغة والأدب، كل منها يتناول جانباً واحداً في الحياة الاجتماعية، وهي في مجموعها تتناول كل جوانب الحياة الاجتماعية. لكنها بمجموعها لا تعطي صورة كاملة للمجتمع، او التأثير المتبادل بينها. ذلك لأنه الى جانب فعل القوانين الخاصة بتطور تلك الفروع، هناك قوانين عامة وشاملة في تطور المجتمع كلياً. فبدون معرفة هذه القوانين، لا يمكن فهم العلاقات المتبادلة بين ظواهر المجتمع، ومكان هذه الظاهرة او تلك في نظام هذه الوحدة.كل شيء في جواد علي مهيب ورصين، علّم تلامذته كيف يكون المؤرخ شريفاً وطاهراً ونقياً. انه ممثل لهويتنا، لم يعرف في حياته غير الكتابة والبحث، عاش وحيداً في شقة متواضعة في شارع الرشيد. كانت ملاذه في وحدته وتأملاته وانشغاله في الهم التاريخي.لم يفعل شيئاً سوى التاريخ، والتاريخ كما هو الشعر حياة وأمل ووطن، مأخوذاً بالذي حدث، والذي يمكن ان يحدث، لم يكن بحاجة لمن يوجه الانتباه في حياته الوديعة الزاخرة بالعطاء، او كان بحاجة الى ثناء ومشاعر رقيقة. لكنه انطفأ في زاوية النسيان، وسط كل هؤلاء اللاهين عنه.مجداً لجواد علي حيث ولد.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,104,457,381





- الامة القومـي يعلن وصول الإمام الصـادق المهدي للبـلاد في الخ ...
- مواطنون يعبرون عن سخطهم من مقطع فيديو لعنصر أمن يهدد من يخرج ...
- الرئيس البشير زار دمشق والتقى الأسد: سوريا دولة مواجهة وإضعا ...
- عمر البشير يصل إلى دمشق.. وبشار الأسد باستقباله
- اعتداء ستراسبورغ: ارتفاع حصيلة القتلى إلى خمسة (مدعي عام بار ...
- الرئيس السوداني في دمشق في أول زيارة لزعيم عربي إلى سوريا من ...
- اقتراحات السترات الصفراء: مزيد من التنظيم وحل البرلمان و.. ج ...
- اعتداء ستراسبورغ: ارتفاع حصيلة القتلى إلى خمسة (مدعي عام بار ...
- الرئيس السوداني في دمشق في أول زيارة لزعيم عربي إلى سوريا من ...
- اقتراحات السترات الصفراء: مزيد من التنظيم وحل البرلمان و.. ج ...


المزيد.....

- قراءة في كتاب -مذكرات نصير الجادرجي- / عبد الأمير رحيمة العبود
- سيرة ذاتية فكرية / سمير امين
- صدی-;- السنين في ذاكرة شيوعي عراقي مخضرم / زكي خيري
- صدى السنين في كتابات شيوعي عراقي مخضرم / زكي خيري, اعداد سعاد خيري
- مذكرات باقر ابراهيم / باقر ابراهيم
- الاختيار المتجدد / رحيم عجينة
- صفحات من السيرة الذاتية 1922-1998 / ثابت حبيب العاني
- ست محطات في حياتي / جورج طرابيشي
- لن يمروا... مذكرات / دولوريس ايباروري (لاباسيوناريا)ه
- عزيزة حسين رائدة العمل الاجتماعي - حياة كرست لصناعة الامل وا ... / اتحاد نساء مصر - تحرير واعداد عصام شعبان - المنسق الاعلامي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - جمال حسن العتابي - مأثرة جواد علي في كتابة التاريخ