أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - نسرين مزّاوي - قمة كوبنهاجن – القصة وما فيها















المزيد.....

قمة كوبنهاجن – القصة وما فيها


نسرين مزّاوي

الحوار المتمدن-العدد: 2870 - 2009 / 12 / 27 - 12:54
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


انعقدت قمة كوبنهاجن للمناخ في أطار معاهدة الأمم المتحدة للمناخ الموقعة عام 1994. وتعتبر التسعينيات من اهم السنوات في الخطاب البيئي الدولي وأهم الامور التي وُضعت على طاولة المفاوضات في كوبناهجن هي بروتوكول كيوتو وصندوق التكييف المخصص لدول الجنوب. سأحاول هنا أستعراض هذين الموضوعين والمعضلات الأساسية حولهما بشكل مقتضب لمحاولة توضيح الشرخ البيئي بين دول الجنوب ودول الشمال.

اولاً بالنسبة للخلاف "العلمي" حول تغيرات المناخ والاحتباس الحراري أود التنويه الى أن الخلاف القائم ليس حول ماهية الموضوع أنما حول تفاصيله، ففي الواقع هناك أجماع عام بين كافة العلماء على التغيرات المناخية الناتجة عن النشاط الصناعي البشري وعلى الاحتباس الحراري والخلاف هو حول مساحة الزمن الموجودة أمامنا لتدارك الأمور. طبعاً في كثير من الأحيان يصور الاعلام الموضوع وكأن الخلاف هو بين وجود المشكلة أو عدم وجودها وذلك وفقاً للمصالح السياسية والأقتصادية للجهات التي قد يخدمها ذلك التمويه وعلاقة هذه الجهات مع الإعلام وسيطرتها عليه. والمعضلة المطروحة هي هل نقوم بتقليص الانتاج الصناعي اليوم أو بعد عشرين سنة مثلاً وهل نقوم بتقليص كميات ثاني أكسيد الكربون بنسبة 5% أو 30% أو ربما 80%؟!

عمومًا، نستطيع أن نميز بين اثنين من السناريوهات: المتفائل والمتشائم، يمكننا اتباع السيناريو المتفائل لنتابع شؤوننا كعادتها وبعد عشرين سنة نكتشف انه ربما أصبنا أو ربما أخطأنا وهكذا يكون احتمال نجاحنا 50%، أو قد نتبع السيناريو المتشائم الذي سيفرض علينا تغيير أنماط حياتنا اليوم وايجاد طرق بديلة ودودة للكرة الارضية. وفي اعقاب هذا التغيير لن نعلم ابداً اي من بين السيناريوهات صدق لكننا سنبعد الخطر المنبثق عن تغيرات المناخ وتكون احتمالات نجاحنا 100%. وهنا تكمن المعضلة حول أي من السيناريوهات نختار وما هو مقدار "التشاؤم" أو "التفائل" في السيناريو الذي سيتم الاتفاق عليه والعمل بموجبه. طبعاً القضية هي ليست قضية نفسيات أو مزاجيات انما قضية ربح وخسارة، مصالح أقتصادية دولية وعلاقات قوة سياسية.

اولاً، للدول العربية دور هام في الموضوع، فبعضها مصدر للنفط وابرزها السعودية ومن مصلحة هذة الدول اتباع السيناريو المتفائل بأقصى حد حيث يحافظ هذا السيناريو على قيمة ذهبها الأسود، النفط، بينما يقوم السيناريو المتشائم بالحد من أستهلاك النفط والتوجه الى مصادر طاقة بديلة وبالتالي سيفقد النفط قيمته. خلافاً لذلك فإن جزءا أخر من الدول العربية عضو في ائتلافات مختلفة لدول الجنوب وعلى رأسها كتلة الدول الأفريقية حيث بادرت بتحفيز جزائري الى مقاطعة المفاوضات احتجاجاً على نهج التمويه وممارسات المراوغة لدول الشمال في المفاوضات.

عودة الى بروتوكول كيوتو حيث تم التوقيع عليه سنة 1994 وانسحبت منه الولايات المتحدة مع تولي جورج بوش الابن للرئاسة عام 2000. بروتوكول كيوتو هو اتفاق قانوني دولي يفرض على الدول الصناعية (دول الشمال) تخفيضا شاملا لانبعاثات ثاني اكسيد الكربون فيها بنسبة 5,2% قياسًا بانبعاثات سنة 1990. هذة النسب تختلف من دولة لدولة حيث تكون في أوروبا على سبيل المثال 8% في الولايات المتحدة 7%، اليابان 6% وفي روسيا 0%. ام بالنسبة لدول الجنوب وهي بطبيعتها الغالبة دول زراعية غير صناعية فلم يفرض عليها البروتوكل أي تحديد. على العكس، تم تخصيص حصص ايجابية من الهواء لهذة الدول وفيما بعد في عام 2007 تم الاتفاق على تبادل هذة الحصص مع الدول الصناعية مقابل مبالغ مالية تخصص للتكيُف مع الأضرار الناجمة عن تغييرات المناخ وتطوير تقنيات ودودة للكرة الارضية للنهوض بالاقتصاد المحلي.

تُحسب الصين على دول الجنوب واعتبرت في ذلك الحين دولة نامية فلم يتم تحديد حصتها من الانبعاثات الغازية، طبعاً هذا الأمر أثار حفيظة الولايات المتحدة حيث أن الصين والولايات المتحدة مجتمعتين معاً لهما حصة الأسد - 40% من هذه الانبعاثات. عملية تقييد الولايات المتحدة مقابل ترك الصين في انتاجها الصناعي له ابعاد أقتصادية كبيرة على كل من الدولتين، ولا ننسى أنه خلال الأزمة الأقتصادية الأخيرة كانت الصين أحدى المرشحتين بالاضافة الى أوروبا لوراثة الولايات المتحدة في هيمنتها الأقتصادية العالمية.

طبعاً ليس الأمر بهذة البساطة. فالإنتاج الصناعي للصين وبالتالي الانبعاثات الغازية التي تنتج عنها لا تشتق أبداً من عدد سكانها، فما تنتجه الصين للأخرين يعود بالمردود الاقتصادي على الصين الا انه خارج أثر القدم البيئي لمواطينيها. وأثر القدم البيئي هو سلم لقياس مساحة الأرض الهواء والماء الذي يحتاجهم شخص معين لحياة بنمط معين، فعلى سبيل المثال أثر القدم البيئي في الهند 8 دونم للفرد بينما في هولندا 47 دونم للفرد مساحة الارض المتوفرة للفرد في الهند هي 4 دونمات للنسمة بينما في هولندا 8 دونمات للفرد ومن هنا نجد ان الهند ينقصها 4 دونمات للفرد لتحافظ على نمط حياته الموجود اليوم بينما ينقص هولندا 39 دونم للمحافظة على نمط حياه سكانها.

المعدل العالمي لأثر القدم البيئي هو 22 دونم للفرد بينما المساحة المتوفرة على الكرة الأرضية هي 18 دونم للفرد. من هنا فنحن نحتاج الى ما يقارب 4 كرات أرضية أضافية لكي يستطيع كلٌ منا الحفاظ على نمط حياته الموجود اليوم. في هذا السلم تقع الصين تحت المعدل العام حيث أن أثر القدم البيئية في الصين هي 15 دونم للفرد بينما تتصدر الولايات المتحدة هذا السلم وتكون أثر القدم البيئية فيها 95 دونم للفرد تليها كندا 64 دونم للفرد وفي المرتبة الثالثة اسرائيل 53 دونم للفرد. وبينما ينقص الولايات المتحدة 46 دونم للفرد ينقص أسرائيل 49 دونم للفرد وبهذا تكون هذه أكبر فجوة عالمية بين المطلوب والموجود بينما تكون الصين في أدنى هذا السلم مع نقص 7 دونمات للفرد.

غالبا ما نسمع الادعاء بأن التضخم السكاني هو أعوص القضايا البيئية الا أنه يمكننا القول بأن هذا الادعاء فقد مصداقيته بالرغم من أنه ما زال يستعمل بسطحية من قبل بعض المغرضين. فقد يكون التضخم السكاني مشكلة بيئية الا ان المشكلة الأعوص هي نمط الحياة فأن أرد كافة سكان العالم الحياة بنمط حياة أمريكي لاحتجنا الى 16 كوكباً موازيا للكرة الارضية، لكن في تحولنا الى أنماط حياة مختلفة ودودة للكرة الأرضية قد تستطيع الكرة الأرضية تحمل عدد السكان الموجود اليوم وربما أكثر بدون أي مشكلة.

والسؤال الذي يطرح هو: لماذا اذاً لا نغير انماط حياتنا؟! طبعاً أحد الأسباب كما ذكرت سابقاُ هو ان تغيير انماط الحياة سيغير قواعد اللعبة وموازين القوة، بينما كل من الدول "العظمى" تريد المحافظة على مكانتها في هذه اللعبة. فالأمر أشبه بطفلين كل منهم يمسك بخناق الأخر وكل ما تسمعه هو "فلت بفلت" "أنت أول، لا أنت أول"!!! وهكذا هي للأسف الشديد صورة الوضع المنبثقة عن المفاوضات في قمة كوبنهاجن.

ومن مراوغات دول الشمال انها تحاول استبدال البروتوكول باتفاقية أخرى تحدد فيها نسب أنبعاثات أخرى وفقاً للسيناريو المتفائل أو نسبة لسنوات اخرى لاحقة لسنة 1990 وهي سنوات قامت بها هذة الدول بزيادة وتكثيف انتاجها الصناعي علماً انها ستحد منه مستقبلا بشكل نسبي، بينما تود دول الجنوب تمديد اتفاقية كيوتو كما هي الى عام 2020 وهي اليوم سارية المفعول حتى 2012 الا اذا تم ابطالها. أضافة الى ذلك فيوجد التباس في موضوع صندوق التكييف لدول الجنوب حيث قامت دول الشمال بأعطاء وعود لدفع مبالغ معينة مقابل حصص التلويث الا أنها تعتمد التمويه حول هذة المبالغ وحول كونها بديلة أو جزءا من التزامات أخرى بين هذة الدول. ومن الجانب الأخر تقوم بعض دول الجنوب بسبب الفساد المتفشي بها بالتصرف بهذة الميزانيات بشكل مخالف بتاتاً للأتفاقيات ناهيك عن ان بعض منها قد لا تجد له أثر بتاتاً.

وان تكلمت سابقاً عن أسرائيل فأن أحدى المفارقات أن أسرائيل بتقنياتها المتقدمة وبصناعتها المتطورة وبنمط حياتها المبذر للكرة الأرضية تُعد دولة نامية وبهذا لا تحد الأتفاقية من كمية الغاز التي تقوم أسرائيل بأنتاجها، ومما يميز مفاوضات المناخ عامة وهذة القمة بالذات هو وجود عدة مجموعات وائتلافات تقوم كل منها باجتماعاتها الخاصة بالاضافة الى الاجتماعات العامة. الا أن أسرائيل لم تجد لها مكان بين هذة الائتلافات حتى اليوم. فدول الجنوب ترفض وجودها في أي من ائتلافاتها بينما انضمامها الى دول الشمال سيفرض عليها التزامات هي في غنى عنها. وبينما تنخفض نسبة الأشجار في كافة دول العالم، وهي احد العوامل الهامة في ارتفاع نسبة الكربون في الجو، تتباهى أسرائيل بالأضافة الى تقنيتها المتقدمة، بكونها الدولة الوحيدة التي تزيد فيها نسبة الأشجار سنوياً متجاهلة وغافلاً عن عيون الاخرين أستعمال أسرائيل للأشجار والتشجير كأدة للسيطرة على الأرض ولتشديد القيود على الأقلية الفلسطينية وعلى البلدات العربية فيها. في ذات الوقت لا يمكنني تجاهل العمل البيئي النشط للجمعيات البيئية الأسرائيلية ومشاركتها الفعالة في المؤتمر وجهودهم اليومية الكبيرة لتطوير أجندة بيئية محلية والدفع بها قدماً.

وأخيراً تقع على عاتق الفلسطينين في الداخل كغيرهم من سكان العالم مسؤولية بيئية اخلاقية، فنحن مشابهون لدولة أسرائيل في مكانتنا الحدية (liminal) التي لا تخلو من الأزدواجية والثنائية: ننعم بنمط الحياة الاستهلاكي المبذر للكرة الأرضية وفي الوقت ذاته نشكل أقلية قومية مقموعة سياسياً أقتصادياً ومضطهدة بيئياً. وبالرغم من النقاش السياسي الطويل حول ديمقراطية الدولة وعلاقة المواطن الفلسطيني بها ومعنى المواطنة أو شرعيتها ألا ان هذا ليس بذريعة للتنصل من المسؤولية الأخلاقية ومن دورنا في عملية قمع الأخرين ومن هنا تقع على عاتقنا مسؤولية المواطن في "الدولة الديمقراطية"، وهي التوعية والمشاركة السياسية بتوافق مع الرؤيا الأصلانية والتأثير على متخذي القرار بكل الطرق الممكنة للحد من الاحتباس الحراري ومن عمليات تغير المناخ وللدفع قدماً بأجندات بيئية محلية وعالمية تعتمد خطاب العدل البيئي ومبادئ التطوير المستدام.






كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,520,452,073





- بالصور.. من داخل محطات لندن المنسية؟
- ما عليك معرفته عن الأسلحة التي اخترقت دفاعات السعودية بهجوم ...
- التحالف يعلن قصف مواقع شمالي الحديدة
- خيارات الرد العسكري على هجوم -أرامكو- على طاولة ترامب
- شاهد: ماذا قال التونسيون عن رئيسهم المخلوع زين العابدين بن ع ...
- كيم كارداشيان تكشف تفاصيل مرضها الخطير... صور
- ردا على تصريحات بومبيو بشأن -الحل السلمي-… ظريف يحصي مبادرات ...
- خطوة مهمة في تعزيز مكانتها الدولية… السعودية تنضم إلى معيار ...
- الحريري: فرنسا وافقت على منح لبنان قرض بقيمة 400 مليون يورو ...
- موسكو حول التحالف الأمريكي في منطقة الخليج : إجراءات واشنطن ...


المزيد.....

- الدولة المدنية والدولة العلمانية والفرق بينهما / شابا أيوب شابا
- حول دور البروليتاريا المنحدرة من الريف في ثقافة المدن. -3- ا ... / فلاح علوان
- اقتصاد قطاع غزة تحت الحصار والانقسام الحلقة الرابعة: القطاع ... / غازي الصوراني
- إيران والخليج ..تحديات وعقبات / سامح عسكر
- رواية " المعتزِل الرهباني " / السعيد عبدالغني
- الردة في الإسلام / حسن خليل غريب
- انواع الشخصيات السردية / د. جعفر جمعة زبون علي
- الغاء الهوية المحلية في الرواية / د. جعفر جمعة زبون علي
- الابعاد الفلسفية في قصة حي بن يقظان / د. جعفر جمعة زبون علي
- مصطفى الهود/اعلام على ضفاف ديالى الجزء الأول / مصطفى الهود


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - نسرين مزّاوي - قمة كوبنهاجن – القصة وما فيها