أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الطب , والعلوم - محمد زكريا توفيق - القنبلة الذرية






















المزيد.....

القنبلة الذرية



محمد زكريا توفيق
الحوار المتمدن-العدد: 2634 - 2009 / 5 / 2 - 10:01
المحور: الطب , والعلوم
    


أهم وأخطر تطبيق لمعادلة أينشتين الشهيرة الخاصة بمساوات الكتلة بالطاقة E=mc2, والتى قام بنشرها عام 1905م, هى القنبلة الذرية. ظهور هذه المعادلة مع تأثيث نظرية الكم, جعلت هذا العمل الشيطانى ممكنا.

كيف حول العلماء هذه المعادلة البسيطة الجميلة والتى تبدو عليها ملامح البراءة والطهر, إلى شئ مريع وبشع؟ لم يكن الأمر مقصودا أو سهلا. لم يكن هدف العلماء فى البداية صناعة القنابل أو أدوات الحرب. إنما كان الهدف هو معرفة تركيب المادة وكنهها, وفهم مكونات الذرة, وكيف تعمل القوانين التى تحكم هذا الكون الذى نعيش فيه.

لم تكن أبحاث الذرة جهد فرد واحد, وإنما كانت ثمرة جهود علماء العالم كله. ولقد راعهم وأفزعهم الكم الهائل للطاقة المخزونة فى نواة الذرة. مارد جبار داخل القمقم.

الصياد المسكين قام بنزع الغطاء. فخرج المارد إلى الوجود. شبيك لبيك كل ماتطلب بين إيديك. ماذا تريد؟ بنت السلطان, أم تدمير العالم؟ أأمر تطاع يا مولاى. الأمر متروك لك. مسألة خيار فقط لا غير. سكة سلامة وسكة ندامة.

فى البداية كان الهدف علمى بحت. لوجه الله والمعرفة الخالصة. لكن تدخلت السياسة. وما أدراك ما السياسة. حولت كل الجهود النبيلة إلى ألاعيب شيطانية بهدف تطوير فنون القتل والتدمير والسيطرة. الباقى نعرفه جميعا. هيروشيما وناجازاكى. وأكثر من 300 قنبلة ذرية إسرائيلية. والآن أكثر من نصف علماء الفيزياء فى الولايات المتحدة يعملون فى البحرية الأمريكية لتطوير وتحسين أدوات القتل والتدمير.

لم يشترك أينشتين مباشرة فى عمل القنبلة الذرية. كان يؤمن بالديموقراطية وبالحكومة العالمية ونزع التسلح وإلغاء الجيوش. كان يناهض الحروب بكل أشكالها. ورفض أن يكون رئيسا لدولة إسرائيل عند قيامها. وكانت علاقته عظيمة بالدكتور مصطفى مشرفة باشا العالم المصرى المشهور.

لكن بسبب ظهور النازية فى ألمانيا, والخوف من سيطرة هتلر على أوروبا وتصنيعه للقنبلة الذرية, قام أينشتين بتشجيع حكومة الولايات المتحدة على صناعة القنبلة الذرية. وأرسل خطابا إلى الرئيس فرانكلين روزفلت عام 1939م. محذرا من إحتمال توصل الألمان إلى القنبلة الذرية أولا. فقد كان لدى الألمان أعظم العقول المتخصصة فى الذرة فى ذلك الوقت. لكنه ندم على خطابه هذا أشد الندم, وكان يعتبره أعظم الأخطاء فى حياته.

فى الواقع, أينشتين لم يكتب الخطاب بنفسه. إنما كتبه عالم الذرة ليو سيلارد, وأغرى أينشتين بتوقيعه. فقد كان أينشتين يعيش فى الولايات المتحدة منذ عام 1933م, بعد هروبه من ألمانيا خوفا من النازية. وجاء فى الخطاب:
"سيدى: بعض أبحاث فيرمى وسيلارد التى قمت بمراجعتها, تجعلنى أتوقع أن عنصر اليورانيوم من الممكن أن يتحول إلى مصدر هام جديد للطاقة فى المستقبل القريب".

طاقة القنبلة الذرية تأتى من نواة الذرة. ولذلك تسمى أيضا القنبلة النووية وهو الإسم الأدق, لكن الناس تعودت على الإسم الأول. الكتلة تتحول إلى طاقة حسب معادلة أينشتين E=mc2. هذه الطاقة تعرف بطاقة الربط أوالجذب أو الشد فى النواة. ولتوضيح ذلك ومادمنا نتكلم عن الذرة, فيجب أن نعرف شيئا عن تركيبها وتكونها.

الذرة تتكون من جسيمات صغيرة جدا تعرف بالجزيئيات. وحتى العشرينات من القرن العشرين, كان معروفا أن الذرة تتكون من نواة وإلكترون أو أكثر. الإلكترون له شحنة سالبة ويدور حول النواة. مثل المجموعة الشمسية. فالشمس تشبه النواة, ومجموعة الكواكب التى تدور حولها تمثل الإلكترونات.

نواة الذرة تتكون من نوعين من الجسيمات الصغيرة تسمى بروتونات ونيترونات. البروتون له شحنة موجبة تعادل شحنة الإلكترون. والنيترون متعادل الشحنة. كتلة النيترون تزيد قليلا عن كتلة البروتون. وكتلة البروتون تعادل 1836 ضعف كتلة الإلكترون.

كم عدد البروتونات والنيترونات والإلكترونات فى الذرة؟ هذا يتوقف على نوع العنصر الذى نتكلم عنه. بعض العناصر مثل غاز الهيدروجين, ذرته بسيطة التكوين ومكونة من: بروتون واحد فى النواة, وإلكترون واحد يدور حولها (الأبحاث الحديثة تثبت أن الإلكترون عبارة عن سحابة تغلف النواة). وبعض العناصر معقدة التركيب مثل ذرة اليورانيوم.

اليورانيوم عنصر ثقيل, أثقل من الذهب. يوجد نوعان أو نظيران منه فى الطبيعة. اليورانيوم 235, واليورانيوم 238. اليورانيوم 235, يرمز له بالرمز U-235, وهو مكون من 92 بروتون و143 نيترون و 92 إلكترون. أما اليورانيوم 238, ورمزه U-238, فيتكون من 92 بروتون و146 نيوترون و92 إلكترون.

اليورانيوم مثل البترول, لا يمكن تصنيعة متى نضب. لكنه يوجد فى الطبيعة مختلطا بالصخور بكثرة فى أنحاء متفرقة من العالم. النوع الأول, اليورانيوم 235 موضوعنا هنا, يوجد بنسبة 6 فى الألف مختلطا بالنوع الثانى, اليورانيوم 238. ومن الصعب فصل النوع الأول عن النوع الثانى ويحتاج إلى تكنولوجيا عالية.

نحن فى الواقع نتحدث عن ذرة فى حجم الفيل بالنسبة لباقى الذرات. داخل النواة, 92 بروتون كل منها مشحون بشحنة موجبة. ونحن نعرف أن الشحنات المتشابهة تتنافر. فما الذى يجمع 92 قوة متنافرة مع بعض؟ الذى يجمع البروتونات مع بعضها هى طاقة الربط (Binding Energy). ونعرف أن النيوترونات متعادلة الشحنة. فما الذى يمنعها من التطاير فى الفضاء وترك النواة؟ طاقة الربط أيضا هى التى تمنعها من ترك النواة. طاقة الربط تجعل نواة الذرة متماسكة إلى حد ما, بالرغم من وجود 235 أو 238 جسيم بداخلها تتوق إلى التنافر والهرب.

القوى الطبيعية التى تتحكم فى هذا الكون عددها أربعة:
- الجاذبية
- الكهروماغناطيسية
- القوة الضعيفة
- القوة القوية
القوى الأربعة هذه هى التى تسير هذا الكون منذ بدأ الخليقة.
قوة الجاذبية نعرفها جميعا وتمنعنا من التطاير فى الفضاء. وهى ضعيفة إلى درجة أن مغناطيس صغير يمكنه رفع مسمار صغير والتغلب على جاذبية الأرض.
القوة الكهرومغناطيسية هى المسؤولة عن الضوء وباقى الأشعة.
القوة الضعيفة هى التى تجعل بعض العناصر الثقيل مشعة.
أما القوة القوية, فهى شديدة جدا وتعمل لمسافات قصيرة جدا. وهى التى تكون "طاقة الربط" التى تربط جسيمات النواة مع بعضها.

عندما نحك حبة سبحة بقطعة صوف, فإنها تفقد بعض الإلكترونات وتصبح مشحونة بشحنة موجبة. لأن القوة التى تربط الإلكترون بالذرة تعتبر ضعيفة جدا بالنسبة للقوة التى تربط جسيمات النواة ببعضها. القوة القوية هذه, تعادل ملايين المرات القوة التى تربط الإلكترون بالذرة.

طاقة الربط التى تستخدم لربط جسيمات النواة (البروتونات والنيترونات) ببعضها وتمنعها من الإنفراط, تستهلك جزءا من مجموع كتلة النواة. هكذا يقول أينشتين. وبذلك تكون كتلة مجموع مفردات مكونات النواة, أكبر من كتلة النواة وهى مجمعة. البيع بالجملة أرخص من البيع بالقطاعى.

فى هذه الحالة, الطاقة المخزونة داخل النواة تكون أكبر من طاقة مجموع أجزائها المفردة. وذلك لأن جزءا من الكتلة قد تحول إلى طاقة ربط. هذه الظاهرة معروفة ب "نقص الكتلة".

فى بعض الأحيان, طاقة الربط التى تحافظ على جسيمات النواة مع بعضها, تكون غير كافية. فى عام 1896م, كان الفيزيائى الفرنسى هنرى بيكويريل منبهرا بتجارب الأشعة السينية التى يقوم بها رونتجن فى ألمانيا.

فى معمله بمتحف التاريخ الطبيعى بباريس, بدأ بيكويريل تعريض شرائح فوتوغرافية لضوء الشمس, بعد طلائها بأملاح اليورانيوم. ظانا أن هذا سوف ينتج عنه أشعة إكس. وفى يوم ملبد بالغيوم, وضع بيكويريل الشرائح الفوتوغرافية فى أحد الأدراج مع أملاح اليورانيوم. عندما قام بتحميض الشرائح وهو يعلم أنها لم تعرض للشمس, وجد أنها قد تأثرت بأشعة قوية. هذه الأشعة القوية, لم تكن سوى أشعة أملاح اليورانيوم.

عندما علم بيير ومارى كورى بما حدث لشائح بيكويريل من أملاح اليورانيوم, بدءا فى البحث عن عناصر أخرى لها خاصية الإشعاع. فوجدا أن عنصرى الثوريوم واليورانيوم بنوعيه لهما خاصيتى الإشعاع. وفى عام 1898م, إكتشفا عنصرين آخرين هما البلونيوم (سمى بإسم بلد مارى كورى, بولندا), والراديوم (إسم يدل على نشاطه الإشعاعى Radioactivity).

فى إنجلترا, صمم إيرنست رازرفورد تجربة لفحص خاصية الإشعاع هذه. فوجد أن هذه الأشعة نوعان. أحدهما أكثر إختراقا للأجسام من الأخرى. الأشعة الأقل إختراقا لها شحنة موجبة, أسماها أشعة ألفا, والأخرى لها شحنة سالبة, أطلق عليها أشعة بيتا.

لماذا بعض العناصر لها خاصية الإشعاع هذه دون غيرها من العناصر؟ قوة الربط الموجودة فى نواة الذرة قوية جدا, فكيف لا تبقى على جسيمات هذه الأشعة داخل النواة وتسمح لها بالهرب عن طريق الإشعاع؟

السبب هو أن قوة الربط الموجودة فى النواة تعمل فى مسافات صغيرة جدا. بمعنى أن جسيمات الذرة لابد أن تكون قريبة جدا من بعضها, أى تكاد تتلامس, حتى تبدأ هذه القوة فى العمل. قوة الربط لا تعمل فى المسافات البعيدة. وتترك المجال لقوى التنافر بين شحنات البروتونات الموجبة, لكى تعمل عملها. فيقوم كل بروتون بدفع البروتون القريب منه خارج نواة الذرة وبذلك يحث الإشعاع.

فى الذرة المستقرة, تتعادل قوى الربط بين جسيمات النواة مع قوى التنافر للبروتونات. النيترونات داخل النواة تؤثر عليها قوى الربط فقط. لأنها متعادلة الشحنة ولا تتعرض لقوى التنافر. وإذا كان لدينا عدد كاف منها فإنها تعمل على إستقرار النواة.

المشكلة تأتى من الذرات الكبيرة. فهى مثل الحكومات الكبيرة والشركات الكبيرة. تصبح تحت ظروف معينة غير مستقرة. فمثلا, عندما يزيد عدد البروتونات داخل النواة عن 30 بروتون, تصبح القوى المؤثرة على البروتون الموجود فى قلب النواة, مختلفة عن القوى المؤثرة على البروتون القريب من السطح. وعندما يزيد عدد البروتونات زيادة كبيرة, قد تتغلب قوى التنافر على قوى الربط. وبذلك تصبح الذرة غير مستقرة.

فى هذه الحالة, تبدأ كتل صغيرة من النواة فى الهرب. كل منها عبارة عن 2 بروتون و2 نيترون. وجد أن هذه الكتل, عبارة عن أنوية ذرات الهيليوم. أو ما يسمى بأشعة ألفا.

النيترون المتعادل الشحنة, والذى يعمل على إستقرار نواة الذرة, لما له من قوة ربط هو الآخر, وخصوصا عندما تكثر البروتونات المتنافرة داخلها, له خاصية غريبة. هو لا يعيش طويلا خارج النواة. مثل السمك, يموت بسرعة خارج الماء. النيترون كذلك, إذا ترك النواة, فإنه يعيش فقط لمدة 15 دقيقة. ماذا يحدث له بعد ذلك؟

فى الأنوية الكبيرة للذرات الغير مستقرة, النيترونات داخل النواة تظل كما هى ولا يسمح لها بالتغيير. أما الموجودة على السطح الخارجى للنواة, مثل البرتقال الموجود على وش القفص, يمكنه التحول إلى ثلاثة أشياء فى نفس الوقت. بروتون وإلكترون وشئ جديد لم نسمع عنه من قبل إسمه نيوترينو. ألاعيب شيحة.

البروتون الناتج من التحول, يظل موجودا فى النواة ولا يرغب فى مغادرتها. لماذا؟ لأن النواة تسمح له بالإنضمام إليها مادام البروتون على السطح (العربية مليانة لكن الضيف الجديد يمكن أن يركب فوق السطح).

النواة لا تسمح بخلق بروتونات جديدة داخل قلب النواة, وإلا تحولت كل النيترونات فى قلب النواة إلى الثلاث جسيمات المشار إليها بعد 15 دقيقة هى عمر النيترون الحر. فقط النيترونات التى على السطح الخارجى هى التى تتحول, عندما تكون النواة غير مستقرة. الإلكترون والضيف الجديد النيوترينو, ليس لهما مكان داخل النواة. لذلك يخرجان من غير مطرود إلى رحاب الكون الخارجى. هذا ما يعرف بأشعة بيتا.

النيترينو له خاصية عجيبة لا ينافسه فيها أحد, فهو يستطيع أن يخترق جسمى وجسمك وحتى الكرة الأرضية وينفذ من الناحية الأخرى دون أن يصطدم بشئ.

النوع الثالث من الإشعاع الذى تم إكتشافه, ويأتى من أنوية الذرات الغير مستقرة أيضا, عبارة عن موجات إلكترومغناطيسية مثل الضوء. تسمى أشعة جاما. ليس لها شحنة كهربائية.

فى عام 1930م, عندما كان العلماء يطبقون مبادئ نظرية الكم على الذرة لمعرفة ماذا يحدث هناك, كانوا يبحثون أيضا عن طرق لتحويل النواة العادية إلى نواة مشعة. بهدف المعرفة وحب الإستطلاع فقط لا غير. ولم يكن موضوع القنبلة الذرية فى دماغ أحد منهم.

فى عام 1934م, كان الفيزيائى الإيطالى إنريكو فيرمى يستخدم النيترونات من الذرات المشعة كقذائف موجة إلى أنوية اليورانيوم. وكان يعتقد أن تجربته هذه سوف تنتج عناصر أثقل من اليورانيوم, وليس عناصر جديدة. المعروف أن عدد البروتونات فى النواه هو الذى يحدد نوع العنصر. ويسمى العدد الذرى.

عدد البروتونات يحدد نوع العنصر, أما عدد النيترونات فى النواة فيحدد أنواع النظائر. إذا تغير عدد البروتونات أو العدد الذرى, تغير العنصر. أما إذا تغير عدد النيوترونات, مع بقاء العدد الذرى ثابت, فتسمى الذرة نظير. مثلا هناك اليورانيوم ونظائر اليورانيوم, الكربون ونظائر الكربون. كلها تتساوى فى العدد الذرى ولكن تختلف فى عدد النيوترونات.

إعتقد فيرمى أنه نجح فى تحويل ذرة اليورانيوم إلى ذرة أثقل, أى إلى نظير جديد. ونشر بحثه فى المجلات العلمية. لكن عالمة كيمياء تدعى عايدة نوداك, كتبت مقالا قالت فيه أن فيرمى لم يأت بعنصر جديد, وإنما قام, من حيث لا يدرى, بتفتيت الذرة. تفتيت الذرة جاء عن طريق الخطأ.

قليل من علماء الفيزياء هم الذين قرأوا مقال عايدة نوداك, لأنه نشر فى مجلة علمية تختص بشؤون علوم الكيمياء. الذين قرأوه لم يصدقوا أن فيرمى قد أخطأ فى النتائج. فيرمى نفسه قرأ المقال, وأعاد بعض الحسابات. لكنه قرر أن عايدة مخطئة فى إستنتاجها.

أيهما على صواب؟ فيرمى أم نوداك؟ الإجابة على هذا السؤال أتت بعد عدة سنوات فى منتصف الحرب العالمية الثانية. على أيدى عالمة الذرة النمساوية ليز ميتنر ومجموعة الباحثين الذين يعملون تحت إشرافها. من قال أن المرأة لا تصلح أن تكون عالمة ذرة. مارى كورى وعايدة نوداك وليز ميتنر وسميرة موسى وغيرهن كثيرات.

قامت ليز ميتنر, هى ومجموعتها, بدراسة تجربة فيرمى لمدة أربع سنوات متواصلة. فى نهاية الدراسة, شرحت بالتفصيل ما فعله فيرمى بالضبط. فيرمى إكتشف إنشطار الذرة وهو لا يدرى. إنشطار الذرة هو أول خطوة عملية فى صناعة القنبلة الذرية.

فى عام 1938م, ذهبت ليز ميتنر لزيارة ابن أختها فى كوبنهاجن أوتو فريش الذى كان يعمل باحثا فى معهد نيل بور. أثناء السير على الجليد فى صباح يوم قارس البرد, بدأ الإثنان يناقشان تجربة فيرمى وموضوع إنشطار ذرة اليورانيوم. وقامت ميتنر بحساب معادلة أينشتين فى رأسها E=mc2, فوجدت أن كمية الطاقة الناتجة من الإنشطار هائلة.

الطاقة الناتجة من إنشطار نواة ذرة واحدة من اليورانيوم, صغيرة نسبيا وتبلغ جزء من ترليون(مليون مليون) جزء من الطاقة المستخدمة فى رفع كرة السلة من الأرض إلى صدر إنسان متوسط الطول. لكن هذه الطاقة تصبح مهولة إذا أطلقت من كل الذرات فى وقت واحد. عدم إطلاقها فى نفس الوقت لن يأتى بالنتيجة المرجوة.

عالم واحد كان دائم التفكير فى تصنيع القنبلة الذرية. هو ليو سيلارد, الذى ورط أينشتين وجعله يوقع الخطاب المرسل للرئيس روزفلت. فى عام 1932م, جاء ليو سيلارد بفكرة أن النيوترونات أفضل من أشعة ألفا فى قذف نواة اليورانيوم 235. وجاء سيلارد أيضا بالطريقة التى تجعل كل طاقات الأنوية المنشطرة تنطلق فى آن واحد.

كانت فكرة سيلارد هى أننا نبحث عن عنصر, عندما نقذفه بنيترون واحد, فإنه يطلق إثنين أو أكثر من النيترونات. النيترونات المنطلقة, سوف تقذف أنوية جديدة. فتنطلق أربع إلكترونات أخرى. والأربعة تصبح ثمانية. وهكذا فى سلسلة تفاعل, ينتج عنها كمية هائلة من الطاقة.

سرعان ما بدأ التفكير فى صناعة القنبلة الذرية لزوم الحرب بعد خطاب أينشتين إلى الرئيس روزفلت. كانت فكرة إستخدام النيترونات فى سلسلة التفاعل التى إقترحها سيلارد, هى موضوع الساعة. وعندما فكر فيها سيلارد, لم يكن إنشطار الذرة قد أكتشف بعد. ولم يكن أحد يعرف أن نواة الذرة الكبيرة يمكنها أن تنقسم إلى ذرتين بإستخدام قذائف بطيئة من النيترونات.

فى عام 1942م, إستطاع إينريكو فيرمى فى معمله فى مدينة شيكاجو توليد أول سلسلة تفاعلات نووية. فيرمى كان قد ترك بلده الأصلى إيطاليا هربا من موسولينى والحكم الفاشستى, ولجأ إلى الولايات المتحدة.

فى سلسلة تفاعلات فيرمى, كتلة نواة اليورانيوم 235 قبل التفاعل بالإضافة إلى النيترونات التى نستخدمها كقذائف, كانت أكبر من كتلة الأجزاء المتفتتة بعد سلسلة التفاعل. كل ذرة يورانيوم 235 يتم تفتيتها, تتحول إلى ذرة باريوم + ذرة كربتون + 3 نيوترون. معادلة أينشتين تخبرنا أن الفرق فى الكتلة, ينطلق كطاقة عندما تنشطر نواة اليورانيوم.

فيرمى لم يسمح بالتفاعلات داخل معمله بالإنطلاق بدون حدود. وإلا حدث إنفجار مروع داخل معمله. فقد كان يتحكم فى سلسلة التفاعلات عن طريق إستخدام مواد ماصة للنيترونات مثل قضبان الكربون. لكن داخل القنبلة الذرية, سلسلة التفاعلات تنطلق بدون أى سيطرة أو تحكم.

لكى يحدث الإنفجار, نحتاج إلى كمية كافية من اليورانيوم 235 لمساندة وإستمرار سلسلة التفاعل. ونحتاج إلى تصميم جيد يجعل التفاعل يبدأ فى الوقت المناسب. 52 كيلوجرام من اليورانيوم 235 كاف لبدء التفاعل. لذلك تسمى كمية اليورانيوم هذه بالكتلة الحرجة. اليورانيوم 238 لا يصلح للإنشطار بالرغم من وجوده بكثرة.

إذا كانت لدينا الكتلة الحرجة من اليورانيوم 235, فإنها تبدأ فى الإنفجار من نفسها. أى إلكترون سايب يمكنه أن يشعل التفاعل. داخل القنبلة الذرية, الكتلة الحرجة تتكون فقط عند وقت الإنفجار.

القنبلة التى ألقيت على المدنيين فى هيروشيما فى اليابان فى 6 أغسطس عام 1945م, وهو يوم أسود فى تاريخ الإنسان مهما قيل فى تبريره, كان إسمها الطفل الصغير(منتهى البراءة). وكانت على شكل سيجار سميك. اليورانيوم 235 داخلها منفصل إلى جزئين, كل جزء أقل من الكتلة الحرجة. عندما يلتقى الجزءان, تتكون الكتلة الحرجة وتبدأ سلسلة التفاعل والإنفجار. الإنفجار يحدث فى الجزء العاشر الأخير من الميكروثانية. وهذا ما يجعل قوة الإنفجار مدمرة للغاية. لأن الطاقة تنطلق فى وقت واحد.

بعد عدة سنوات, قامت الولايات المتحدة بتصنيع قنبلة أخرى أقوى آلاف المرات من القنبلة الذرية. هى القنبلة الهيدروجينية. تعمل تماما مثل الشمس. شمسنا العظيمة هذه والتى تعطينا الدفئ والحياة, ما هى إلا قنبلة هيدروجينية ضخمة. يعنى نحن مدينون بحياتنا لقنبلة هيدروجينية.

القنبلة الهيدروجينية لا تعمل بالإنشطار النووى, وإنما تعمل على العكس, بالإلتحام أو الإنصهار النووى. الإنصهار النووى عبارة عن صهر نواتين من عناصر خفيفة من نظائر الهيدروجين.

كما قلنا سابقا أن بعض العناصر لها نظائر. غاز الهيدروجين هو أيضا له نظائر. أحدها يسمى ديوتيريوم له نواة بها بروتون واحد ونيترون واحد. ونظير آخر إسمه ترايتيوم, نواته بها بروتون واحد و2 نيترون. بالطبع الهيدروجين العادى, نواته بها بروتون واحد وبس.

لو صهرنا نواة النظير الأول للهيدروجين مع النظير الثانى, فإن الناتج يكون نواة جديدة لعنصر الهيليوم, التى تتكون من 2 بروتون و2 نيترون. ويتبقى نيترون حر طليق. معادلة أينشتين الشهيرة E=mc2, تخبرنا أن كتلة أنوية نظائر الهيدروجين, أكبر من كتلة الهيليوم مضافا إليها النيترون الطليق. أين الفرق فى الكتلة؟ يتحول إلى طاقة هى طاقة القنبلة الهيدروجينية.

مشكلة التقنية فى القنبلة الهيدروجينية هو كيف نقوم بصهر أنوية نظائر الهيدروجين مع بعضها والتغلب على قوى التنافر الموجودة بين البروتونات, وهى قوى شديدة جدا. مثل قوى التنافر بين أقطاب المغناطيس المتشابه. ولكى نفعل ذلك, لا بد أن نقوم بتقريب الأنوية مع بعضها إلى درجة تقترب من التلامس حتى تبدأ القوة القوية, أى قوة الربط, فى العمل. وكما قلنا سابقا أن القوة القوية, وهى إحدى القوى الأربعة التى تتحكم فى هذا الكون, لا تعمل إلا فى مسافات صغيرة جدا.

الحل هو إحاطة أنوية الهيدروجين المراد صهرها بقنبلة ذرية عادية. وعندما تنفجر القنبلة الذرية العادية, الطاقة المتولدة منها تقوم بدفع أنوية الهيدروجين إلى الداخل فتقترب من بعضها إلى مسافات صغيرة جدا ويحدث الإنصهار. والنتيجة, صناعة شمس أخرى على الكرة الأرضية. الإسم الأصح للقنبلة الهيدروجينية هو القنبلة الشمسية. كارثة أخرى وعمل شيطانى آخر يهدد مستقبل الجنس البشرى.

القنبلة الذرية صنعت خوفا من ألمانيا النازية, لكنها لم تستخدم ضد ألمانيا. لأن الحرب مع ألمانيا كانت قد إنتهت فى مايو عام 1945م. لكن القنبلة أسقطت على المدنيين فى هيروشيما وناجازاكى باليابان لتنهى الحرب العالمية الثانية.

بعد الحرب العالمية الثانية, بدأ النظر إلى أينشتين على أنه أبو القنبلة الذرية. لكنه كان يكرة هذا اللقب بشدة. ورفض الإشتراك مع مجموعة العلماء التى شكلها الرئيس الأمريكى روزفلت لتصنيع القنبلة. وكان أينشتين يقول بإستمرار: "لو كنت أعرف أن المانيا لن تستطيع عمل القنبلة الذرية, لما كنت أيدتها أو أرسلت خطابى إلى الرئيس روزفلت". وسبق فى عام 1921م, أن قال أينشتين: "أنا أرفض وبدون حدود أى عمل, مباشر أو غير مباشر, يخدم أغراض الحرب." ومن أقواله المأثورة: "قتل الناس عمل مقزز".

عندما قام أينشتين بزيارة الولايات المتحدة عام 1930م, جاء فى مقال له نشرته جريدة نيويورك تايمز: "لو 2% من المطلوبين للتجنيد فى كل الدول رفضوا الإلتحاق بالجيش, وطالبوا بأن تحل كل المنازعات الدولية بالطرق السلمية, لأصبحت الحكومات عاجزة عن إشعال الحروب. الحكومات لا تستطيع أن تضع كل هذا العدد من الناس فى المعتقلات".

بعد الحرب وحتى وفاة أينشتين عام 1955م, كان يناهض التسلح النووى, ودائم المطالبة بنزع السلاح وتدمير الأسلحة النووية. تدمير هذا الشيطان الذى خرج من القمقم ولا نعرف كيف نعيده إليه. ويكفى أن نعرف أن الغواصة الحربية العادية فى هذه الأيام, تحمل قوة تدمير نووية تعادل 25 ضعف قوة المتفجرات التى ألقيت فى الحرب العالمية الثانية كلها. فأى مصير ينتظر البشرية ونحن نتسابق فى فنون الأسلحة النووية.










رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,582,555,894
- عجائب وغرائب نظرية الكم
- نظرية النسبية العامة لأينشتين
- أينشتين ونظرية النسبية الخاصة
- كيف نشأت الحياة؟ وما هو مستقبل الإنسان؟
- كوندورسيه - خاتمة فلاسفة التنوير الفرنسية
- توماس بين - رجل بلا وطن
- جمال الدين الأفغاني - رائد حركة الإصلاح فى العصر الحديث
- جان جاك روسو - رائد من رواد فلسفة التنوير
- رفاعة رافع الطهطاوى - رائد من رواد عصر النهضة والفكر الليبرا ...
- بداية اليقظة بعد طول رقاد فى اعالم العربى
- بداية اليقظة بعد طول رقاد فى العالم العربى
- الإنفتاح على الغرب وبداية سقوط الخلافة العثمانية
- ذكريات عن الأقباط من الزمن الجميل
- هل الحجاب سبب تخلف المسلمين؟
- جورج دبليو بوش - كلمة واجبة قبل الرحيل
- الشيخ على عبد الرازق - الإسلام وأصول الحكم
- ساسة إسرائيل والعرب
- تأملات فى المسألة التعليمية
- نحن وفكر التنوير
- علم الرياضيات ورحلة البحث عن الحقيقة


المزيد.....


- ما هو التفكير الجبري؟ / أحمد هيبي
- أنفلونزا الخنازير المكسيكية (2) / محمود سلامة محمود الهايشة
- عالم مغربي مكتشف ومطور لقاح لداء -ألزهايمر- ( (Alzheimer يغر ... / بنعيسى احسينات
- درس في غباء الجسم الانساني / أحمد هيبي
- الذكاء الاصطناعي كمنتج من منتجات الذكاء البشري / ماجد الشيخ
- إنفلونزا الخنازير وباء جديد يدق ناقوس الخطر / محمد مسلم الحسيني
- أنفلونزا الخنازير المكسيكية (1) / محمود سلامة محمود الهايشة
- تجارب سرية لأسلحة بيولوجية,,لاجنون بقر ولاهوس خنازير / سعيد موسى
- عجائب وغرائب نظرية الكم / محمد زكريا توفيق
- راي السيد محمد الصدر في ازلية الكون وقانون الديناميك الحراري ... / علي الفهداوي


المزيد.....

- الأمم المتحدة تدعو للتحرك لمواجهة تهديد الاحترار المناخي
- نصائح لترتيب شريط المواقع المُفضلة في غوغل كروم
- إبتكارات مصرية لترشيد إستهلاك المياه
- بالفيديو.. أمريكية تخضع لعملية تجميلية لزرع ثدي ثالث
- سوريون عبر فيسبوك حول ضرب داعش: تكلفة قتل العنصر الواحد بالت ...
- رئيس لجنة الصيادلة: طالبنا سحب أدوية "الدومبريدون" لأنها تسب ...
- خبير: المغرب ليس بمنأى عن التعرض لخطر -تسونامي-
- آمال وتحديات في مسألة مزامنة البيانات بين الأجهزة المتصلة با ...
- بلاغ للنائب العام يكشف إصابة طفل بالسرطان لتلوث مياه الشرب
- ديالى: إنتهاء أزمة مياه الشرب في بلدروز


المزيد.....

- كوردجين : الظواهر الغامضة التي حيرت العلماء / جكر يوسف
- النظرية النسبية / حامد سيد رمضان
- الدروع الأمنية في الأنترنيت / مشتاق طالب رشيد العامري
- الرياضيات_1 / برتراند راسل
- الرياضيات_2 / برتراند راسل
- سرعة التفاعلات الكيميائية / ظافر شعلان
- مهمة التلسكوب الفضائي بلانك تلقي ضوءاً جديداً على صيرورة الو ... / جواد بشارة
- صيرورة الكون المرئي وماهيته من الأصل إلى الكل الحي / جواد بشارة
- كيف ركب آينشتاين نظرية النسبية ؟ / هشام غصيب
- رحلة الكون عبر الزمن / سامح سعيد عبود


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الطب , والعلوم - محمد زكريا توفيق - القنبلة الذرية