أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - محمد الفاتح عبد الوهاب العتيبي - أثر الأزمة المالية العالمية على الاقتصاد السوداني






















المزيد.....

أثر الأزمة المالية العالمية على الاقتصاد السوداني



محمد الفاتح عبد الوهاب العتيبي
الحوار المتمدن-العدد: 2487 - 2008 / 12 / 6 - 05:56
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


التداعيات والمعالجات المطلوبة
الأزمة المالية هي التداعيات الناجمة عن أزمة الرهون العقارية التي ظهرت على السطح في العام 2007 بسبب فشل ملايين المقترضين لشراء مساكن وعقارات في الولايات المتحدة في تسديد ديونهم للبنوك. وأدى ذلك إلى حدوث هزة قوية للاقتصاد الأميركي، ووصلت تبعاتها إلى اقتصادات أوروبا وآسيا مطيحة في طريقها بعدد كبير من كبريات البنوك والمؤسسات المالية العالمية. ولم تفلح مئات مليارات الدولارات التي ضخت في أسواق المال العالمية في وضع حد لأزمة الرهون العقارية التي ظلت تعتمل تحت السطح حتى تطورت إلى أزمة مالية عالمية، لم يخف الكثير من المسؤولين خشيتهم من أن تطيح بنظم اقتصادية عالمية وأن تصل تداعياتها إلى الكثير من أنحاء العالم.
استمرت الأزمة المالية التي عصفت بالولايات المتحدة في تداعيتها في ظل عدم تمكن المسؤولين الأميركيين من الاتفاق على خطة الإنقاذ التي طرحتها الحكومة الأميركية. وأحد آثار الأزمة أميركيا إفلاس بنك واشنطن ميوتشوال الذي يعد أحد أكبر مصارف التوفير والقروض في الولايات المتحدة، إذ أعلن مصرف جي بي مورغن تشايس شراء الأنشطة المصرفية لميوتشوال بـ 1.9 مليار دولار، سيجعل منه أكبر مصرف أميركي من حيث قيمة الودائع. كما تأثر ميوتشوال -الذي يعتبر سادس مصرف في الولايات المتحدة من حيث الأصول- بالأزمة العقارية وتدهورت أسهمه في البورصة إلى الحد الأقصى. ويعتبر المصرف أحدث مؤسسة عملاقة في عالم المال الأميركي ينهار بسبب الأزمة في أقل من أسبوعين بعد مصرفي الأعمال ليمان براذرز وميريل لينش إضافة الى مجموعة التأمين أي آي جي.
لقد ولدت الأزمة المالية العالمية الأخيرة نتيجة ما أطلق عليه أزمة الرهون العقارية، فالعقارات في أمريكا هي أكبر مصدر للإقراض والاقتراض، فالحلم الأمريكي لكل مواطن هو أن يملك بيته، ولذلك فهو يشتري عقاره بالدين من البنك مقابل رهن هذا العقار، والأزمة بدأت فيما عرف بالرهون العقارية الأقل جودة subprime. فالمواطن يشتري بيته بالدين مقابل رهن هذا العقار، ثم ترتفع قيمة العقار، فيحاول صاحب العقار الحصول علي قرض جديد نتيجة ارتفاع سعر العقار، وذلك مقابل رهن جديد من الدرجة الثانية، ومن هنا التسمية بأنها الرهون الأقل جودة، لأنها رهونات من الدرجة الثانية، وبالتالي فإنها معرضة أكثر للمخاطر إذا انخفضت قيمة العقارات، ولكن البنوك لم تكتف بالتوسع في هذه القروض الأقل جودة، بل استخدمت «المشتقات المالية» لتوليد مصادر جديدة للتمويل، وبالتالي للتوسع في الإقراض. والذي حدث هو تجمع محفظة كبيرة من الرهونات العقارية لدي البنك ، فإنه يلجأ إلي استخدام هذه «المحفظة من الرهونات العقارية» لإصدار أوراق مالية جديدة يقترض بها من المؤسسات المالية الأخري بضمان هذه المحفظة، وهو ما يطلق عليه التوريق securitization، فكأن البنك لم يكتف بالإقراض الأولي بضمان هذه العقارات. بل أصدر موجة ثانية من الأصول المالية بضمان هذه الرهون العقارية فالبنك يقدم محفظته من الرهونات العقارية كضمان للاقتراض الجديد من السوق عن طريق إصدار سندات أو أوراق مالية مضمونة بالمحفظة العقارية، وهكذا فإن العقار الواحد يعطي مالكه الحق في الاقتراض من البنك، ولكن البنك يعيد استخدام نفس العقار ضمن محفظة أكبر، للاقتراض بموجبها من جديد من المؤسسات المالية الأخري. هذه هي المشتقات المالية، وتستمر العملية في موجة بعد موجة، بحيث يولد العقار طبقات متتابعة من الإقراض بأسماء المؤسسات المالية واحدة بعد الأخري، هكذا أدي تركز الإقراض في قطاع واحد «العقارات» علي زيادة المخاطر، وساعدت الأدوات المالية الجديدة «المشتقات» علي تفاقم هذا الخطر بزيادة أحجام الإقراض موجة تلو الموجة. ويأتي العنصر الثالث والأخير وهو نقص أو انعدام الرقابة أو الإشراف الكافي علي المؤسسات المالية الوسيطة. حقاً تخضع البنوك التجارية في معظم الدول لرقابة دقيقة من البنوك المركزية. ولكن هذه الرقابة تضعف أو حتي تنعدم بالنسبة لمؤسسات مالية أخري مثل بنوك الاستثمار وسماسرة الرهون العقارية أو الرقابة علي المنتجات المالية الجديدة مثل المشتقات المالية أو الرقابة علي الهيئات المالية التي تصدر شهادات الجدارة الائتمانية، وبالتالي تشجع المستثمرين علي الإقبال علي الأوراق المالية.

تفجر الأزمة
يمكن القول إن منتصف شهر سبتمبر 2008 الماضي شهد تفجر الأزمة المالية في الولايات المتحدة لدرجة أن المحللين الاقتصاديين والسياسيين اعتبروا بداية الأسبوع الثالث في هذا الشهر "أسبوعا داميا" وتاريخيا للاقتصاد الأميركي انهارت فيه مؤسسات مالية ضخمة، بعد سنوات طويلة من النجاح، واضطرت مؤسسات أخرى للاندماج خشية السقوط، في حين تواصل المد الزلزالي الاقتصادي ليطال مؤسسات مالية كبرى في أوروبا وآسيا باعتباره نتيجة محتومة لارتباطها الاستثماري بالسوق المالية الأميركية. وقد تكاتفت الكثير من الأسباب لخلق هذه الأزمة المالية، ولم يقتصر أثرها علي التأثير علي القطاع المالي بزيادة حجم المخاطر نتيجة للتوسع المحموم في الأصول المالية، بل إنه هدد أحد أهم عناصر هذا القطاع وهو «الثقة»، فرغم أن العناصر الثلاثة المشار إليها ـ زيادة الاقتراض، وتركيز المخاطر، ونقص الرقابة والإشراف ـ كافية لإحداث أزمة عميقة. فإن الأمور تصبح أكثر خطورة إذا فقدت الثقة أو ضعفت في النظام المالي الذي يقوم علي ثقة الأفراد، ويزداد الأمر تعقيداً نتيجة للتداخل بين المؤسسات المالية في مختلف الدول، فجميع المؤسسات المالية ـ وبلا استثناء ـ تتعامل مع بعضها البعض، وأي مشكلة عويصة تصيب إحدي هذه المؤسسات، لابد أن تنعكس بشكل مضاعف علي بقية النظام المالي العالمي «العولمة».

وهكذا نجد أن الأزمة المالية الحالية هي نتيجة للتوسع غير المنضبط في القطاع المالي في الولايات المتحدة ومن ورائه في بقية دول العالم المتقدم، ودول العالم الثالث ومن ضمنها السودان.

تحرك ... وإهتمام ... وقلق عالمي
الأزمة المالية التي ألقت بظلالها على كل المجالت الإقتصادية خاصة أسواق النفط حيث هبطت أسعاره نتيجة لتراجع النمو، من حوالي 120دولارا الي حوالي 55 دولارا للبرميل، قد هيمنت الأزمة المالية العالمية على خطابات زعماء العالم في الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الـ63 بنيويورك، وعلي جميع المحافل العامية والدولية والإقليمية الأخري. ولقد أدت الأزمة المالية المستفحلة الي قلق عظيم عبر عنه أكبر القادة في العالم، وتعليقا على الإعصار المالي الذي تجاوز أميركا ليؤثر على اقتصادات العالم، وصف رئيس الوزراء الفرنسي فرنسوا فيون الوضع بـ"الأزمة الكبرى التي تدفع النظام الاقتصادي العالمي برمته إلى شفير الهاوية"، مشيرا إلى أنها أزمة "تحدث مرة فقط كل قرن أو قرنين". من جهته ناشد رئيس مجموعة منطقة اليورو جان كلود يونكر المسؤولين الأميركيين الاتفاق "في أسرع وقت ممكن"، وأضاف أن "المصارف الأوروبية التي بدأت تغوص في المياه العكرة تعاني من هذا الغموض".
و قال الرئيس الأميركي جورج بوش إن "الاقتصاد الأميركي في خطر، وقطاعات رئيسية في النظام المالي الأميركي مهددة بالإغلاق"، أما الرئيس الروسي السابق فلاديمير بوتين ذكر إن "هذا لم يعد انعداما للإحساس بالمسؤولية من جانب بعض الأفراد، بل عدم إحساس بالمسؤولية لدى النظام كله الذي يتباهى بالزعامة العالمية". وفي نفس الإتجاه عبر رئيس الوزراء البريطاني غوردون براون قائلا: "الاستهتار داخل الولايات المتحدة بالنظام المالي هو الذي أدى إلى أزمة الائتمان المالي التي يعاني منها العالم". الرئيس السابق للاحتياطي الفدرالي الأميركي آلان غرينسبان قال إن "الأزمة هي الأخطر منذ قرن، ولم تنته بعد وستستغرق مزيدا من الوقت، وأتوقع انهيار العديد من المؤسسات المالية الكبرى بسبب القسوة الاستثنائية لهذه الأزمة". أما الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون فقد أوضح أن : "الأزمة المالية تهدد معيشة مليارات الأشخاص عبر العالم خصوصا الأكثر فقرا". وهو نفس ما ذهب اليه رئيس البنك الدولي روبرت زوليك من أن "الأزمة ستؤثر سلبا على الدول النامية، التي تواجه بالفعل ضغوطا على ميزانيات المدفوعات، لأن الأسعار المرتفعة تؤدي إلى تضخم فواتير الواردات". وأعرب رئيس البنك الدولي روبرت زوليك أيضا عن قلقه من الضرر الاقتصادي الذي قد يلحق الدول النامية جراء الأزمة المالية التي تعصف بالعالم، خاصة أن هذه الدول تعاني بالفعل من ارتفاع أسعار المواد الغذائية والوقود.

وكان الأمين العام للأمم المتحدة قد قال في وقت سابق من شهر سبتمبر 2008 الماضي إنه يمكن القضاء على الفقر إذا قدمت الدول الغنية 72 مليار دولار سنويا. ولكنه حذر من أن الأزمة المالية تهدد معيشة مليارات الأشخاص عبر العالم وخصوصا الأكثر فقرا، في حين حث عدد من القادة على ضرورة اتخاذ إجراءات قوية للحد من الفقر في العالم لمواجهة تداعيات الأزمة المالية. وقال لدى افتتاح قمة مكافحة الفقر في مقر الأمم المتحدة في نيويورك إن الأزمة تزيد من تفاقم الأضرار الناجمة عن ارتفاع أسعار المواد الغذائية والطاقة. وحث بان كي مون أمام عدد من قادة العالم وممثلي القطاع الخاص والمجتمع المدني، المجتمع الدولي على التحرك الفوري ليكون في مستوى هذه التحديات، وعلى إعطاء دفعة جديدة للشراكة العالمية من أجل التنمية. كما ركز وزير المالية الألماني بير شتاينبروك، علي أن "الولايات المتحدة تتحمل مسؤولية الأزمة المالية العالمية الراهنة بسبب الحملة الأنغلوساكسونية التي تهدف لتحقيق أرباح كبيرة، ومكافآت هائلة للمصرفيين وكبار مديري الشركات، والأزمة ستخلف أثارا عميقة وستحدث تحولات في النظام المالي العالمي". في السياق ذاته أكد الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي أن الأزمة الاقتصادية والمالية سيكون لها انعكاسات سلبية في الأشهر القادمة على النمو والبطالة والقدرة الشرائية للفرنسيين.

نتائج وآثلر الأزمة
1- بيعت مؤسسة واشنطن ميوتشوال للخدمات المالية -أكبر الصناديق الأميركية العاملة في مجال الادخار والإقراض- لمجموعة جي بي مورغان المصرفية العملاقة بـ 1.9 مليار دولار.

2- بنك الاستثمار الأميركي (ليمان برذارز) يعلن عن إفلاسه بعد فشل جهود المسؤولين الأميركيين في وزارة الخزانة والاحتياطي الاتحادي الأميركي لإنقاذ البنك.

3- بنك ميريل لينش أحد البنوك الاستثمارية الكبرى في الولايات المتحدة يضطر لقبول عرض شراء من "بنك أوف أميركا" خشية تعرضه للإفلاس.

4- الحكومة الأميركية تعمل على تأميم الجزء الأكبر من نشاط شركة "أي آي جي" العملاقة وأكبر شركة تأمين في العالم، وذلك بعد شرائها ديون الشركة المتعثرة بمبلغ 85 مليار دولار.

5- انخفاض حاد في الأسواق المالية العالمية.

6- الحكومة البريطانية تضطر للتدخل لإنقاذ بنك "أتش بي أو أس" عن طريق قيام بنك لويدز بشرائه بمبلغ 12 مليار جنية إسترليني.
7- عشرات الآلاف من موظفي البنوك والمؤسسات المالية في أميركا وبريطانيا يفقدون وظائفهم.

8- انهيار سعر المجموعة المصرفية والتأمين البلجيكية الهولندية (فورتيس) في البورصة بسبب شكوك بشأن قدرتها على الوفاء بالتزاماتها.

9- بنك واكوفيا -رابع أكبر مصرف في الولايات المتحدة- بيع لمؤسسة سيتي غروب المصرفية الأميركية ضمن موجة الاندماجات في السوق الأميركية لمواجهة تبعات الأزمة المالية.

تصاعد حدة الازمة الاقتصادية عالميا
أثارت أزمة القروض العقارية عالية المخاطر في الولايات المتحدة وتداعياتها التي تفاقمت في شهر سبتمبر 2008 الماضي فزعاً داخل أسواق المال العالمية ، وسط مخاوف من تكرار الأزمة المالية الآسيوية عام 1997م وآثارها السيئة على الإقتصاد العالمي . ولأن مصدر الأزمة هو أقوى إقتصاد في العالم ، فقد بادرت البنوك المركزية في العالم خاصةً في أوروبا وآسيا بضخ آلاف المليارات من الدولارات لمواجهة لمواجهة نقص السيولة الناجم عن خسائر المؤسسات المالية المقرضة ، إضافةً إلى تدخل الإحتياطي الفدرالي الأمريكي بخفض سعر الخصم الأساسي . ومازال الإضطراب والقلق يعمان دول العالم من تداعيات أزمة القروض مع إمكانية إنتشارها وإتساع دائرة المتضررين منها، ويتفق معظم خبراء الإقتصاد على أن حجم تداعيات الأزمة في المستقبل لم يتضح بعد . فرغم الهدوء الظاهري لتداعيات أزمة القروض العقارية الأميركية العالية المخاطر على اقتصاد الولايات المتحدة وعلى أسواق العالم، فإن المخاوف لا تزال بادية لدى المراقبين والمستثمرين لأن آثار الأزمة لم تنجل بعد لمعرفة حجمها. ودفع ذلك وزير الخزانة الأميركي السابق لاري سامرز إلى التأكيد أنه من المبكر جدا الإعلان عن انتهاء الأزمة المالية المتعلقة بالقروض العقارية، مشيرا إلى احتمالات تراجع اقتصادي حاد في الولايات المتحدة. ولم يستبعد خبراء أمريكيون خطر حدوث انكماش سيكون الأعلى منذ المرحلة التي تلت هجمات 11 سبتمبر 2001 رغم تدخل الاحتياطي الفدرالي الأميركي عدة مرات للتعويض عن ضغط عمليات البيع الكبيرة إثر انهيار سوق الرهن العقاري.
فقد اعلنت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية انها خفضت توقعاتها للنمو في كل من الولايات المتحدة واليابان ومنطقة اليورو، وانها تتوقع دخول الاقتصادات الثلاثة في دورة كساد. وتوقعت المنظمة ان الاقتصاد الامريكي، اكبر اقتصاد في العالم، سينكمش بنسبة 2.8% خلال الربع الاخير من عام 2008، وسيواصل انكماشه بنسبة 0.9% خلال عام 2009. غير ان توقعاتها بالنسبة للاقتصاد الياباني، وهي ثاني اكبر اقتصادات العالم، كانت افضل، اذ توقعت ان يبدأ في الانكماش مع نهاية العام الحالي، وان يواصل تراجعه بنسبة محدودة وهي 0.1% خلال عام 2009. واعلن مكتب رئيس الوزراء الياباني تارو آسو ان اليابان تعتزم تقديم قروض بقيمة 100 مليار دولار لمساعدة الدول النامية التي تضررت من الازمة الاقتصادية. وكانت المانيا اعلنت الخميس ان اقتصادها، وهو الاكبر في اوروبا، يعاني من الكساد بعد ان تراجع الناتج المحلي الاجمالي بنسبة 0.5% خلال الربع الثالث من العام الحالي. وسبق ذلك اعلان رئيس بنك انجلترا دخول بريطانيا في كساد منذ منتصف عام 2008. ورغم التوقعات المتشائمة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية خلال عامي 2008 و2009، الا انها تتوقع ان تبدأ الاقتصادات الرئيسية في النمو بشكل افضل في عام 2010. قمة واشنطن
ويأتي ذلك في الوقت الذي إجتمع فيه زعماء عشرين دولة، وهي الدول الصناعية السبع الكبرى وعدد من الدول ذات الاقتصادات الصاعدة في واشنطن يوم السبت 15 نوفمبر 2008 الماضي لبحث تداعيات الازمة المالية العالمية. حيث حاول القادة المشاركين في قمة واشنطن وضع اسس الاصلاح اللازمة والحلول المناسبة لحل الأزمة، الا ان المهمة "اكبر كثيرا"، على حد وصف الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش، من ان يتم معالجتها في قمة واحدة.
ودخل الاقتصاد الياباني وهو ثاني اكبر اقتصاد في العالم، مرحلة الركود رسميا. واظهرت الارقام الرسمية إن الاقتصاد الياباني انكمش بمعدل 0.1 بالمائة على مدى الاشهر الثلاث الماضية، كما تراجع الناتج القومي الياباني بمعدل 0.4 بالمئة خلال الفترة نفسها. وكان الاقتصاد الياباني قد انكمش بواقع 0,9 في المئة في الفترة بين شهري ابريل/نيسان ويونيو/حزيران الماضيين. وقال وزير الاقتصاد الياباني كاورو يوسانو إن "الاقتصاد سيواصل تباطؤه في المستقبل المنظور بسبب انحسار النمو في العالم بشكل عام."
وكانت منطقة اليورو قد دخلت مرحلة الركود رسميا في الاسبوع الماضي، بينما يتوقع ان يعلن رسميا عن دخول الولايات المتحدة المرحلة ذاتها قريبا. واضاف يوسانو: "علينا ان نضع في حسابنا ان الوضع قد يزداد سوءا اذا ما زادت الازمة في الولايات المتحدة واوروبا عمقا، واذا زادت المخاوف من تدهور الاقتصاد العالمي، واذا شهدت اسواق العملة واسواق الاسهم تذبذبات كبيرة." وكان مؤشر نيكاي قد شهد هبوطا بعد الاعلان عن الارقام الاخيرة، الا انه سرعان ما استعاد عافيته وانهى تعاملات على ارتفاع بلغ 0,7 في المئة. يذكر ان النمو الاقتصادي في اليابان قد تأثر سلبا بالتباطؤ الذي اصاب الاقتصاد العالمي الذي ادى بدوره الى انحسار الطلب على المنتجات الصناعية اليابانية.
وتمددت الآثار السالبة للأزمة الي الدول الأوروبية حيث أعلن رسميا أن دول منطقة اليورو دخلت مرحلة الركود الاقتصادي بعد أن أظهرت بيانات رسمية حدوث انكماش اقتصادي بنسبة 0.2% في الربع الثالث من العام الحالي. ويأتي ذلك استمرارا لحالة التراجع التي شهدتها دول المنطقة ال15 في الربع الثاني من أبريل- إلى يونيو الماضيين حيث قدر الانكماش أيضا بنسبة 0.2%. وكان هذا الإعلان متوقعا بعد التأكيد رسميا على دخول الاقتصادين الألماني والإيطالي وهما ضمن أكبر اقتصادات منطقة اليورو مرحلة الركود، وجاء ذلك مع تراجع نسبته نحو 0.5% في نمو اجمالي ناتجهما المحلي في الربع الثالث من هذا العام. ويقول ستيف روزنبرج مراسل بي بي سي في ألمانيا إن هذا البلد هو محرك الاقتصاد الأوروبي فإذا عانى الاقتصاد الألماني من مشكلات فذلك يؤثر سلبا على بقية دول المنطقة. كما عانت إسبانيا من انكماش في الربع الثالث هو الأول من نوعه منذ عام 1993، ويقول محللون إن ازمة الرهن العقاري تدفع الاقتصاد الإسباني باتجاه الركود في الربع الأخير من هذا العام. ولكن اللافت أن فرنسا أفلتت حتى الآن من هذا التراجع بل وسجل الاقتصاد الفرنسي نموا بنحو 0.1% في الفترة من يونيو إلى سبتمبر الماضيين. ولكن المحللين يتوقعون الأسوأ في الفترة القادمة بالنسبة لدول منطقة اليورو بصفة خاصة، كما يرجح الخبراء أن تقدم البنوك المركزية الأوروبية على إجراء المزيد من التخفيضات في أسعار الفائدة لتنخفض عن مستوى اثنين في المائة. ويتوقع جيليس مويس الخبير الاقتصادي في بنك أمريكا المزيد من البيانات السلبية بشأن نمو الناتج القومي حتى الربع الثالث من عام 2009 مؤكدا أن الأرقام المعلنة حتى الآن لا تمثل التأثير الحقيقي للأزمة المالية العالمية على بيانات الناتج القومي.
الأزمة المالية العالمية وأفريقيا
حذرت منظمات إغاثة ومسؤولون دوليون من أن ضخ مليارات الدولارات لإنقاذ الصناعة المالية في العالم سيؤدى إلى تخفيض حاد للمعونات الإنسانية التي تقدمها الدول الكبرى في إطار الجهود لمحاربة الأمراض والفقر وإيواء اللاجئين، خاصة في دول العالم الثالث ومنها الدول الأفريقية. وقالت سيلين تشارفيريات المسؤولة الكبيرة بمنظمة أوكسفام الخيرية -ومقرها لندن- في تصريح لوكالة رويترز العالمية: إن "عواقب كارثية" تنتظر البلدان الفقيرة إذا أدت أزمة المصارف العالمية والمشاكل الاقتصادية المرتبطة بها والتقشف الفوري للجهات المانحة إلى قطع المساعدات التي تقدمها الدول الغنية حاليا والتي لا تتجاوز 104 مليارات دولار سنويا، وهو ما يتوقعه الكثيرون. وأكدت أن "المساعدات الخارجية هي الضحية الأولى للأزمات الاقتصادية". وأشارت المسؤولة إلى أن التبرعات الدولية وتدفق المساعدات الخارجية ربما تتقلص بشكل كبير، في وقت ينهار فيه الاقتصاد العالمي وترتفع فيه معدلات البطالة والتضخم، مما يؤدي إلى إنهاك ميزانيات الأسر المعوزة أصلا، وذلك في وقت تدفع فيه محاولات إنقاذ الشركات الكبرى الحكومات إلى حافة الإفلاس. وقال ستيف رادليت -وهو باحث كبير في مركز التنمية العالمية- إن واشنطن ستكون تحت ضغط شديد لتخفض تدريجيا إنفاقها على المساعدات الخارجية بعد أن وافقت على ضخ سبعمائة مليار دولار في إطار خطة لإنقاذ نظامها المالي المنهار. وحذر من أن انسحاب الولايات المتحدة يمكن أن يدفع غيرها من الجهات المانحة الغربية إلى خفض مساهماتها كذلك، أو تأخير تسليم الأموال التي تعهدت بدفعها. وأضاف رادليت –وهو مسؤول سابق في وزارة الخزانة الأميركية- إن من المرجح أن تستأثر "الكوارث المالية" بنصيب كبير في الاجتماعات المقبلة لقمة الثمانية الكبار، التي كانت حتى وقت قريب تركز على مكافحة الفقر وعلى التعهدات بدفع مساعدات. ونبه إلى أن "المساعدة الخارجية لن يكون لها الدور البارز الذي كانت تتمتع به في السنوات الماضية". وأعلن أنطونيو جوتيريس مفوض الأمم المتحدة السامي لشؤون اللاجئين أن وكالات الأمم المتحدة تستعد لفترة صعبة. وعندما سئل المسؤول الدولي عما إذا كان يتوقع أن يكون للأزمة الاقتصادية الحالية تأثير على جهود منظمته قال "طبعا من المرجح جدا أننا سنواجه فترة من القيود المالية". وتقود منظمة الصحة العالمية حملات لمكافحة أمراض مثل شلل الأطفال والملاريا والسل والإيدز، وتمول من جانب الحكومات والمؤسسات الخيرية. لقد بدأت بوادر كساد عالمي أكدته تقارير المنظمات الدولية محذرةً من أن معاناة الدول الفقيرة ستتضاعف خلال الفترة القادمة مما يستوجب إتخاذ تدابير إحترازية لتفادي الآثار السالبة للأزمة الحالية. إن كثيراً من الاقتصاديين والمؤسسات الدولية وعلى رأسها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي يرون إن هذه الأزمة قد تستمر ولن يتعافى منها الاقتصاد العالمي قبل سنتين، وإنها ستولد ركوداً عالمياً سيعاني منه العالم بدرجات متفاوتة، وسينتج عن هذا الركود انخفاض معدلات النمو في العالم، وربما يصل معدله في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا إلى الصفر. سينتج عن هذا الركود انخفاض حجم المساعدات الدولية إلى الدول الفقيرة ومن ثم ستعاني هذه الدول من صعوبات مالية جمة، بالإضافة الي انخفاض الطلب العالمي على السلع والخدمات، وسينتج عنه انخفاض أسعار النفط، ومعنى ذلك أن الدول التي تعتمد موازناتها العامة على إنتاج النفط سوف تتأثر بشكل كبير خاصة في مجال تمويل المشروعات القائمة أو المشروعات المستقبلية.
لقد أظهرت الأزمة بوضوح أن ارتباط الدول النامية بالاقتصاد الغربي سيسبب لها متاعب جمة قد لا تستطيع تحملها، وأن العلاج الجماعي للأزمات قد فشل، وأن الدول بدأت تنكفئ على ذاتها في علاج الأزمة، وأكبر مثل على ذلك أوروبا الموحدة سياسياً واقتصادياً لم تستطع أن تعالج الأزمة جماعياً، فاضطرت كل دولة أن تتعامل مع الأزمة بمفردها.
تلك الملاحظات تظهر بوضوح أن الدول الأفريقية عليها أن تتحمل بمفردها هذه الآثار ومن ثم ينبغي معرفة حجم أثر الأزمة ونوعه، وكيفية اتخاذ المعالجات اللازمة. لذلك حذر قادة الدول الإفريقية من احتمال تقليص المساعدات الاقتصادية التي تقدمها الدول الغنية والمؤسسات الدولية إلى الدول الفقيرة نتيجة الأزمة المالية العالمية الراهنة. وقال القادة المشاركون في المؤتمر الدولي عن التنمية الإفريقية بمقر الأمم المتحدة في نوفمبر 2008 الماضي إن دول القارة لن تتمكن من تحقيق أهدافها التنموية بدون المساعدات الدولية. ونقلت وكالة الأنباء السعودية قول بان كي مون, الأمين العام للأمم المتحدة في افتتاح المؤتمر إن إفريقيا في حاجة إلى 72 مليار دولار سنويا للوصول إلى أهداف الألفية التنموية التي تم وضعها منذ 8 سنوات وأن التكلفة ربما تبدو مفزعة لكنها مازالت محتملة وتقع في إطار تعهدات المانحين. وأكد بان كي مون أمام المؤتمر الذي إستمر يوما واحدا أنه لا توجد دولة إفريقية واحدة تسير في الطريق الصحيح لتحقيق أهداف الألفية التنموية الخاصة بمكافحة الفقر. وأضاف مون أن تقديم المساعدات إلى الدول الإفريقية أمر ملح لمواجهة الأزمة الغذائية ومكافحة تداعيات ظاهرة الاحتباس الحراري وإخراج ملايين الأفارقة من دائرة الفقر.
وأكد رئيس تنزانيا ورئيس الاتحاد الإفريقي جاكايا كيكويتي مطالبته للدول الغنية في الوفاء بتعهداتها بزيادة المساعدات , محذرا من أن استمرار الأزمة المالية سيكون لها تداعيات خطيرة متوقعا تراجع حدة هذه الأزمة خلال الشهور القليلة المقبلة. ومن جهة أخري قدر تقرير عربي إجمالي المساعدات الميسرة المقدمة من الدول العربية إلى الدول النامية خلال الفترة من 1970 وحتى 2006 بنحو 128.3 مليار دولار. وتضمن التقرير الصادر عن مجلس الوحدة الاقتصادية العربية المساعدات المقدمة إلي الدول العربية الأقل نموا والتي تعاني من اقتصادات ضعيفة . وأوضح التقرير أن دول الخليج قدمت نحو 121.2 مليار دولار بنسبة 94.6% من إجمالي المساعدات العربية.
الأزمة المالية العالمية والعالم العربي
انعكست الأزمة المالية الأميركية على معظم اقتصادات دول العالم حتى إنها أصبحت تلقب بالأزمة المالية العالمية. وبما أن الدول العربية جزء من منظومة الاقتصاد العالمي فإنها سوف تتأثر سلبا بهذه الأزمة، بل في واقع الأمر قد تأثرت بالفعل. ومدى تأثر الدول العربية يعتمد على حجم العلاقات الاقتصادية المالية بين الدول العربية والعالم الخارجي. في هذا الإطار يمكننا تقسيم الدول العربية إلى ثلاث مجموعات من حيث مدى تأثرها بالأزمة. المجموعة الأولى هي الدول العربية ذات درجة الانفتاح الاقتصادي والمالي المرتفعة وتشمل دول مجلس التعاون الخليجي العربية. المجموعة الثانية وهي الدول العربية ذات درجة الانفتاح المتوسطة أو وفق المتوسطة ومنها مصر والأردن وتونس. المجموعة الثالثة وهي الدول العربية ذات درجة الانفتاح المنخفضة ومنها السودان وليبيا.
لقد خسرت السوق العربية 200 مليار دولار منذ بداية الأزمة ، إذ تقدر الاموال العربية فى الولايات المتحدة الامريكية اكثر من تريليون دولار . وقد تأثرت اسواق الخليج العربى بالأزمة لارتباطها بالاقتصاد الرأسمالي الامريكي . وقد لوحظ جراء تداعيات الأزمة انخفاض أسعار النفط بالنسبة للدول التي يعتبر النفط هو المصدر الرئيسي للدخل القومي من حوالي 150 دولارا للبرميل إلى حوالي 55 دولارا للبرميل حاليا، أي بانخفاض بنسبة 60%. ومما لا شك فيه أن هذا الانخفاض الحاد سيؤثر على وضع الموازنات العامة القادمة وعلى معدلات النمو الاقتصادي، إذ إن معدلات النمو في النصف الثاني من العام 2008 والعام 2009 ستنخفض مقارنة بمعدلات عام 2007 والنصف الأول من العام 2008. وكلما كانت تلك الجهة تتميز بدرجة عالية من المخاطر، فإن درجة التعرض إلى خسائر تكون أكبر، ومما لا شك فإن هناك بعض الخسائر ولكن غير معلن عنها.
لقد عبرت العديد من الدول العربية علي تفاوت فيما بينها عن هذه الأزمة من خلال اعمال الدوره "‪ ۸۸"‬ الوزاريه لمجلس الوحده الاقتصاديه العربيه، في 29 نوفمبر 2008 الماضي، بالقاهرة برئاسه مصر وحضور الامين العام للمجلس احمد جويلي ومشاركه وزراء الاقتصاد والماليه والتجاره بالدول الاعضاء في المجلس او من يمثلونهم. وقد برز هناك إتجاه قوي لإتخاذ اجراء‌ات محدده لامتصاص تاثيرات الازمه الماليه علي الاقتصاد العربي من بينها انشاء هيئه تمويل عربيه براس مال قدره مليار دولار لتمويل مشروعات القطاع الخاص يتبعها صندوقان لتمويل المشروعات الصغيره والحد من الفقر، وايضا انشاء صندوق طواري‌ء عربي براس مال ‪۷۰‬ مليار دولار لتثبيت الدعائم الماليه لاي دوله عربيه يتعرض نظامها المالي للخطر واتخاذ اجراء‌ات لمساعده الاقتصاد من الانزلاق لانكماش اقتصادي وذلك بمضاعفه حجم الطلب علي السلع العربيه التي يتوقع انخفاض الطلب الخارجي عليها.
وإتضح ان حجم الخسائر المتوقعه للاقتصاد العربي نتيجه الازمه الماليه العالميه يبلغ نحو ‪۵‬ر‪ ۲‬تريليون دولار اميركي ، كما ان معدل النمو بالاقتصاد سينخفض من ‪5% المائه الي ‪ ۳% ، مع توقعات بتزايد العجز في ميزانيات الدول العربيه خاصه غير البتروليه بسبب انخفاض سعر برميل البترول من ‪ ۱۴۰‬دولارا الي ‪ ۵۵‬دولارا موخرا.
تم في هذه الدوره "‪۸۸ "‬ الوزاريه للمجلس نقاش تقريرا عن الازمه الماليه العالميه وآثارها المتوقعه علي الدول العربيه في العديد من القطاعات الاقتصاديه الاكثر تاثرا بالازمه وهي الصادرات والنفط والقطاع المالي والبورصات والمعونات الاقتصاديه والاستثمارات الاجنبيه المباشره الوافده والسياحه والقطاع العقاري . وفي هذا الاطار ، تأكد ان الدول العربيه تحتاج الي العمل مع بعضها البعض للحد من اضرار الازمه العالميه وتبني سياسات هامه لمواجهه آثار الازمه الاقتصاديه علي دولها. من هذه السياسات: دعم الموسسات الماليه ومنع انهيارها وضمان حصول المصارف وغيرها من الموسسات الماليه علي السيوله النقديه التي تحتاجها للحفاظ علي الثقه فيها ، وضمان سلامه الودائع لاشاعه جو من الثقه في اوساط المودعين وتفعيل الاسواق الثانويه للرهون العقاريه وغيرها من القروض المضمونه. هذا الي جانب ضرور الرقابه علي الاقراض ومتابعه انشطه البنوك والموسسات الماليه ومراجعه كافه انواع الاقراض ، وتنظيم قبول الاراضي والعقارات كضمان للقروض وذلك حتي لاتتضخم محافظ الاصول الثابته لديها وتوثر علي السيوله التي تحتاجها السوق ، والعمل علي ضبط الاسواق الماليه " البورصات" والاتجاه نحو الواقعيه في تحديد اسعار الاسهم بعيدا عن المضاربه. وكانت هناك مطالبات باعاده النظر في السياسات المتبعه في كل من صندوق النقد والبنك الدوليين والتي انشغلت بالمراقبه الصارمه للاصلاحات الاقتصاديه المطلوب ان تقوم بها الدول الناميه وفرطت في نفس الوقت في مراقبه الممارسات الماليه التي تقوم بها الدول المتقدمه والتي ادت بشكل مباشر الي حدوث هذه الازمه .

الأزمة المالية العالمية وآثارها السالبة على السودان
ألقت الأزمة المالية العالمية وتداعياتها بظلال سالبة على اقتصاديات الكثير من الدول بصورة مباشرة وعلى دول أخرى بصورة غير مباشرة ، ومن المؤكد إستمرار تداععياتها لفترة طويلة من الزمن . وسوف تكون إنعكاسات الأزمة المالية العالمية على دول العالم الثالث ومنها السودان سالبة ومدمرة، مما يتطلب التحليل الواقعي والشجاع ومواجهة الحقائق وصولاً إلى رؤية مستقبلية لتجاوز هذه الأزمة وتداعياتها . ففي الوقت الذي تخطط فيه الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا إجراءات مواجهة تداعيات الأزمة المالية يتخبط المسؤولون السودانيون في تقدير انعكاسات الأزمة على السودان ففي الوقت الذي برز فيه تيار يقول بأن السودان لن يتأثر بالأزمة لأن الأنظمة الإقتصادية والمالية السودانية محمية وقد استفادت من الحظر الأمريكي في السابق على الإقتصاد السوداني وبنك السودان المركزي بعدم تداخله مع مؤسسات مالية ومصارف عالمية وبالتالي عدم دخول بنك السودان المركزي في تمويل مشاريع استثمارية خارجية تستدعي نزيف في القطع الأجنبي.
وعلي الرغم من تشكيل بنك السودان مع وزارة المالية السودانية لجنة مشتركة بهدف متابعة تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية، بإعتبار ظهور توقعات – علي حسب زعم بعض المسئولين - بأن تسهم بشكل إيجابي في الاقتصاد السوداني ينجم عن تحول المستثمرين الأجانب لاستثمار أموالهم في السودان، فإننا نجزم بأن تداعيات الأزمة لها تأثير كبير على السودان علي الرغم من التشكيك من البعض خاصة الجهات الرسمية، بنك السودان ووزارة المالي في ذلك.
لقد قلل وزير المالية والاقتصاد الوطني السوداني من انعكاسات الازمة العالمية المالية على الاقتصاد المحلي، وقال أن المقاطعة الأمريكية الاقتصادية للسودان شكلت حماية له بسبب عدم ارتباط الاقتصاد السوداني والتجارة مع الدول الغربية أوالاقتصاد الأمريكي، وأن الدروس المستفادة من هذه الأزمة تتمثل في تقوية الإنتاج والعمل على جذب الاستثمار المباشر وتقوية القطاع المصرفي والمالي والعمل على تهيئة مناخ الإستثمار في المجالات الانتاجية. وفي نفس الإتجاه ذكر السيد أزهري الطيب الفكي أحمد الناطق الرسمى باسم بنك السودان ان المؤشرات المبدئية للأزمة في مرحلتها الحالية تظهر بوضوح عدم الارتباط الوثيق للاقتصاد السوداني بالاقتصاد الأمريكي ومؤسساته المالية، اضافة الى أن تحول السودان الى عملات أخرى خلاف الدولار يقلل كثيرا من تاثير هذه الأزمة على الاقتصاد الوطني, الا ان تشابك الاقتصاد الدولي لا يستثني دولة من وصول هذه التأثيرات اليها مما دعا الى تكوين هذه اللجنة لرصد أية تأثيرات والتحسب لأي طاريء لا سيما أن الاقتصاد السوداني مفتوح للاستثمار الخارجي وبما أن للعديد من المستثمرين بالسودان ارتباطات بمؤسسات خارجية فقد ينتج عن ذلك تأثير غير مباشر. ومن ناحية اخرى يتوقع أن تؤثر هذه الأزمة ايجابا على الاقتصاد الوطني بفعل تحول المزيد من المستثمرين الاجانب الى استثمار اموالهم في مشروعات انتاجية بالسودان عوضا عن اسواق المال بعد الهزة التي تعرضت لها.
في رأي الكثير من الخبراء والإقتصاديين السودانيين إن هذا حديث مجاف للواقع الذي يشهد بالإخفاق والتدهور المريع للقطاع الزراعي خاصة الزراعة التقليدية في القطاع المطري، و الشلل الذي أصاب قطاع الإستثمارات المحلية والقادمة من الخارج والتي لم توجه لخدمة التنمية وإستفادة السودان منها، وحدث العكس إذ وجهت جل الأموال الأجنبية والخارجية الي مشاريع إستهلاكية بذخية وإستفزازية بعيدة عن إحتياجات وهموم المواطن السوداني. والواقع أكبر دليل علي ذلك حيث بدأت مظاهر سوق سوداء للدولار في السودان والذي قفزت أسعاره الي 2 جنيه وخمسون قرشا، في ظل تراجع سعر اليورو والذي يساوي حوالي 2 جنيه وسبعة وتسعون قرشا.
وعلي الرغم من تنبه عدد من نواب البرلمان السوداني ودعوتهما إلى ضرورة اتخاذ تدابير للتقليل من آثار الأزمة المالية التي تجتاح العالم، مؤكدين أن السودان يجب أن يعمل بصورة جادة في هذا الجانب خاصة في جانب الإعداد بالسياسات المالية والنقدية الداعمة للعمل على تلافي أية آثار سالبة على البلاد، ليس هناك تجاوب جاد من الحكومة.
عضو المجلس الوطني حسن هلال قال إن هنالك أولويات تم التطرق إليها فيما تم إرجاء أخرى للمستقبل، وأشار إلى أن عدم الاستقرار بالبلاد انعكس على مجمل النشاط الاقتصادي للبلاد وأضاف أن الانهيار الذي يعاني منه القطاع الخاص الآن وحملة الاعتقالات لكبار رجال القطاع الخاص أدت إلى نتائج سلبية على الاقتصاد الوطني وأكد على ضرورة أن يكون هناك عمل سريع وفعال في هذا الجانب للعمل على استقرار الأوضاع . وأكد أن تراجع الاقتصاد السوداني في جانب الإنتاج حيث أصبح بعيدا عن الإنتاج وبعيدا عن الصناعة الوطنية والزراعة مطالبا بضرورة مراجعة هذا للعمل على رفع الصناعة الوطنية وزيادة المنافسة لها . من جانبه قال رئيس لجنة النقل والطرق الدكتور صديق الهندي إن السودان ليس في معزل عن العالم في جانب الأزمة المالية العالمية ونوه بأن أي حديث عن عدم تأثرنا بهذه الأزمة هو أمر خطير ويجب على المسؤولين العمل على تلافي هذه المشكلة بصورة جادة . وأوضح أن السودان سيتأثر لا محالة خاصة أننا جزء من هذا العالم ولا توجد حدود للتأثيرات، وأشار إلى أن ذلك ظهر في أسعار البترول التي تشهد انخفاضا كبيرا منذ بداية الأزمة الحالية وألمح إلى أن ميزانية العام الحالية مبنية على أساس 65 دولارا للبرميل . وأفاد بأن البترول الآن أصبح أقل من 80 دولارا للبرميل وإلى أن يتم إعداد الميزانية فإن الأسعار ستشهد انخفاضا أكثر . وأكد أن هذا أكبر تحد يواجه ميزانية العام القادم 2008 إلى جانب التأثير في الاستيراد وفي سعر العملة الوطنية وقال إن الميزانية تعتبر أرقاما حقيقية تعكس بنود صرف من الواقع الاقتصادي للبلاد وأشار إلى أن مجال الاستثمار سيشهد تأثرا بهذه الأزمة وألمح الهندي إلى أن المستثمر الأجنبي الذي يرغب في دخول مجال الاستثمار في البلاد بمبلغ كبير فإنه يقوم بالاقتراض من مؤسسات تمويلية خارجية ومن الأسواق المالية المختلفة التي تعيش الآن حالة ارتباك نتيجة الوضع العالمي الحالي .

وفي جهة اخرى فإن رد الفعل كان بعيدا عن واقع الأزمة، فقد وجه محافظ البنك المركزي مديري عموم المصارف التجارية بضرورة توظيف فائض السيولة وتوجيهه للقطاعات الإنتاجية تحسبا لآية آثار قد تنجم من جراء تراكم السيولة لدى الأجهزة المصرفية. وأكد مصدر مصرفي أن هناك تخوفا واضحا من جانب البنوك التجارية من جراء تقديم تمويل للعملاء بسبب تزايد مشاكل التعثر وتراكم مديونيات طائلة لدى البنوك التجارية بسبب عدم وفاء بعض العملاء وسداد ما عليهم من التزامات مالية حيث أصبحت بعض البنوك تتردد في تقديم تمويل بعد أن طال التعثر رجال أعمال كباراً، وشدد المصدر على ضرورة أن يقوم البنك المركزي بدراسة وافية للمشاكل التي ظهرت مؤخرا وأدت لارتفاع التعثر. وقال الأمين عبد المجيد مدير عام البنك الإسلامي إن البنوك لا تعاني من شح السيولة بل لديها فائض وقال إن هناك عملاء جادين يتم تمويلهم وفق الإجراءات المتبعة كما أن هناك نسبة محددة ب25% من حجم الودائع المتوافرة لدى البنوك وفق توصيات البنك المركزي على البنوك أن لا تتجاوزها وأن قضايا التعثر والمشاكل التي ظهرت مؤخرا سببت هلعا بين الأوساط المصرفية والمواطنين. الى ذلك، كشف بيان للسودان أمام أعمال اللجنة الثانية بالجمعية العامة للأمم المتحدة أن ديون البلاد بلغت بنهاية العام الماضي 9 .31 مليار دولار، وذكر البيان أن الديون الخارجية تمثل أكثر من 65% من الناتج القومي والمحلي أي حوالي 486% من الصادرات وحذر البيان من أن تعرض السودان لأية صدمات اقتصادية خارجية من شأنه الحد من قدرته على الوفاء بالتزامات تنفيذ اتفاقيات السلام. من كل ذلك يتضح الإتضراب الواضح من المسئولين في مواجهة ما يمكن أن يتعرض له السودان في مقبل أيامه من جراء هذه الأزمة العالمية المخيفة.

موازنة 2009م وعمق الأزمة
مصاعب جمة تكالبت على موازنة 2009م، باعتبارها موازنة إدارة الأزمة وهي مواجهة بتحديات في ظل ايرادات محدودة ومعتمدة بشكل كبير على النفط، فالتدهور والتراجع المستمر لاسعار النفط عالمياً جعل القائمين على أمر الموازنة العامة يتحوطون لمفاجآت المستقبل على المديين القصير أو طويل لأن السودان ليس بمعزل عن العالم والآثار السالبة للأزمة المالية العالمية الذي طال السودان، وجاء ذلك في عمق موارده التي يعتمد عليها وهو البترول، تلك السلعة الناضبة، كما يراها خبراء الاقتصاد وعلى الرغم من البدائل والخيارات التي كان من المنتظر ان تتضمنها الموازنة الجديدة وهي عدم فرض اعباء اضافية على المواطنين مراعاة لأجور العاملين الشحيحة والتي «لا تسمن ولا تغني من جوع» وتحسباً إذ ان القروض والمنح من المؤسسات المالية والدولية والوفاء بها في علم الغيب لأن الازمة المالية العالمية لا تزال تلقي بظلالها، ويخيم الغموض على مسار المنح والقروض التي كان يمكن الاستفادة منها في تمويل البرامج التنموية.

تفاصيل الموازنة وما تضمنه خطاب د. عوض الجاز وزير المالية، لم يواكب المرحلة الراهنة وجائت الميزانية كسابقاتها "ميزانية حرب"، وظهر ذلك من خلال العرض الذي قدمه الوزير امام المجلس الوطني لمعرفة كيفية الخروج من تحديات المرحلة الراهنة في موازنة تقابلها العديد من الالتزامات والاعباء الاضافية الجديدة ومتطلبات السلام والصرف على التنمية وبرامج الاعمار والصرف على الانتخابات وغيرها في ظل حالة من الافلاس والتعثر اصابت اغنى الدول الكبرى. ومن الواضح عدم مقدرة الموازنة الجديدة من تخطي الصعاب وتنفيذ الخطط والبرامج المرصودة بها دون اللجوء لفرض المزيد من الاعباء الضرائبية على المواطنين، وهذا يعبر تعبيرا واعيا وصادقا عن أثر الأزمة المالية العالمية علي السودان.

فالتحدي الاكبر هو كيفية ادارة الاقتصاد في الفترة القادمة فالأثر المباشر الذي ينعكس سلباً على الموازنة هو انخفاض اسعار البترول عالمياً، واعتماد الموازنة بشكل كبير في ايراداتها على النفط وهناك آثار على الجمارك والانتاج وتوفير التمويل خاصة القروض، والمنح الخارجية وكذلك الاستثمار لان هناك تخوفاً من قبل المؤسسات الدولية والاقليمية من امتداد وتواصل الأزمة لذلك سيكون هناك حذر من تقديم أي تمويل سواء أكان منحاً أو قروضاً واضاف: لذلك كان على الموازنة البحث عن البدائل وخيارات حتى لا يؤثر ذلك على تمويل المشروعات التنموية خاصة البرامج الاسعافية من تعليم وصحة ومياه خاصة بالمناطق الريفية، بالإضافة الي ان هناك آثاراً داخلية ستطال الانشطة الانتاجية لان زيادة الرسوم على الواردات ستحدث اضراراً.

ولعل أنسب تعليق لهذه الموازنة المختله ما ذكره سليمان حامد عضو المجلس الوطني الذي اعتبر ان الموازنة لم تأت بجديد فهي كالموازنات السابقة ونسبة لظروف الازمة العالمية وتداعياتها فالبرامج التنموية سوف تتأثر لاعتمادها على القروض والمنح، وهناك تخوف من تراجعها بسبب التطورات الحالية للازمة العالمية ولشروط المانحين باحلال السلام بدارفور، كما ان الموازنة لازالت تعمد في ايراداتها بشكل كبير على البترول وزادت من الاعباء الضريبية وهذا سيؤثر بشكل مباشر على المواطن لاننا مازلنا بلداً غير منتج على الرغم من توافر الامكانيات الهائلة من الموارد، كما ان مشروعات وبرامج النهضة الزراعية التي اعدتها الدولة نتائجها غير ملموسة ولازلنا بلداً مستورداً للعديد من السلع والمنتجات الاستهلاكية ، واضاف سليمان لا يوجد افق أو رؤية محددة لصرف الموارد على البرامج التنموية كما ان اعتمادنا على البترول وهو ثروة ناضبة من اكبر المخاطر التي لا بد من تداركها فالأمر يتطلب الكثير من المتغيرات من خلال وضع رؤى واضحة وتحديد الاولويات والصرف على برامج تنموية فاعلة تعود بالفائدة على الاقتصاد.

وفي تصورنا لقد جاءت الموازنة بمؤشراتها محبطة وخلت من أي مكاسب خاصة للعمال والذين كانوا يتوقعون ان تزيد نسبة مرتباتهم بصورة واضحة، حيث عبر عن ذلك آدم فضل مسؤول شؤون الولايات باتحاد العمال وقال ان العمال لم تتم استشارتهم في الموازنة العامة خلافاً لاستشارتهم في موازنة ولاية الخرطوم قبل ايداعها للمجلس الوطني. ان مشروع الموازنة خلا من أية زيادة في اجور العاملين بالدولة على الرغم من رفع توصية بزيادة الأجور من المجلس الأعلى للأجور واعتبر عدم وضع أية نسبة لزيادة الاجور سالبة في الميزانية وسينعكس اثرها على العمال مبيناً ان الاجور الحالية لا تمثل سوى نسبة «43%» من الاحتياجات المعيشية للمواطنين.
في ذات السياق انتقد محمد الامين العطايا الامين العام السابق لاتحاد الغرف التجارية زيادة رسوم الوارد والجمارك في موازنة العام 2009. وقال العطايا ان زيادة رسوم الوارد والجمارك ستنسحب على زيادة اسعار السلع والخدمات وستؤثر سلباً على الاسواق بتفاقم الكساد الذي يخيم على الاسواق المحلية وزيادة اسعار السلع الى جانب تعطيل حركة تبادل السلع والخدمات، ويظهر ذلك الآن في المعاناة من الازمة المالية وشح السيولة والتي ادت الى الكساد بالاسواق وضعف القوة الشرائية وبزيادة رسوم الوارد ستزداد معاناة المواطنين والتجار على حد السواء بارتفاع الاسعار وتفاقم الكساد. وطالب بضرورة وضع عدد من الاجراءات الداخلية وبذل الجهود لتقليل الانفاق خاصة الانفاق الحكومي، والتركيز على الاولويات الضرورية وحذر من حدوث انتكاسة في أية لحظة ما لم يكن هنالك تغيير في اسعار النفط وشدد على ضرورة وضع معالجات واحتياطات لتفادي أي آثار سالبة. وقال لا بد من وضع خطة واجراءات لجذب الاستثمارات في الفترة المقبلة لزيادة الانتاج.

تأثير الأزمة على السودان
يرى كثير من الخبراء والمراقبين أن الأزمة الحالية ستتصاعد وستتحول إلى أزمة إقتصادية شاملة تلقي بتداعياتها وتأثيراتها على كل دول العالم خاصةً الفقيرة منها ، وبينما يرى البعض بأن السودان لن يتأثر بالأزمة الحالية لأنها لا تتعامل مع أمريكا وأن هناك مقاطعة معلنة من قبل الولايات المتحدة تجاه السودان منذ زمن ليس بالقصير وأن الحراك الإقتصادي السوداني يدور بعيداً عن أمريكا ، يرى آخرون أن السودان ليس بعيد عن تلك التداعيات التي انتشرت لتعم آسيا وأوروبا وتهدد الإقتصاد العالمي بأسره .
نتيجة لتباطؤ نمو الإقتصاد العالمي بسبب الأزمة متوقع أن يقل استهلاك الوقود خاصةً في الولايات المتحدة الأمر الذي سيؤدي إلى إنخفاض في أسعار البترول ، وستتأثر المالية العامة للسودان لأنها تعتمد على العائد من صادر البترول بنسبة 55 من الإيرادات العامة، وتشكل أكثر من 90% من عائد الصادرات. فمن المتوقع أن ترتفع كلفة التأمين على كافة أنواع البضائع بما يعني المزيد من ارتفاع الأسعار لدى المستهلك الأخير الذي مازال يعاني من ارتفاع أسعار المواد الغذائية. ومن المتوقع أن تخرج عدد من الإستثمارات التي تعتمد في تمويلها على مصارف غربية كالإستثمارات الخليجية ، أما استثمارات الدول في قطاع البترول كالصين وماليزيا والهند فستستمر. سوف تعرقل الأزمة إعفاء السودان من ديونه وتسهيلات القروض وبرامج مكافحة الفقر العالمية خاصة من الدول الصناعية الغنية (8G). أما جنوب السودان سوف يتأثر بالأزمة المالية الحالية لاعتماده على البترول اعتماداً كلياً , كما يعتمد على الغرب والولايات المتحدة الامريكية والأثر يكون كالاتي:-
1) المعونات الامريكية بجنوب السودان والمناطق الاخرى المختارة سوف تتقلص وربما تقف .
2) المعونات الاوروبية أيضاً سوف تتقلص الى حد كبير .
3) يعتمد الجنوب على الدولار بشكل كبير مما يعنى فقدان القوة الشرائية للدولار وسوف يؤثر ذلك على اقتصاد الجنوب بمحاوره المختلفة.
4) صادرات وواردات الجنوب سوف تتأثر خاصة مع الغرب.
5) أموال الجنوب المودعه فى الغرب ايضاً سوف تتأثر .
6) بنوك الجنوب تحتاج للمزيد من المراقبة والضبط خاصة فى ظل الاقتصاد الرأسالي الربوي الذي ليس له ضابط شرعي مما يعنى تسرب الازمة عبر البنوك بغسيل الاموال والقروض المختلفة وغيرها
بصورة عامة هناك ثلاث محاور ستؤثر سلباً على الإقتصاد السوداني تتمثل في:-
1. أصبح الإقتصاد السوداني في الفترة الأخيرة يعتمد بشكل أساسي على عائدات البترول ، ولاشك أن هذا الإعتماد له مخاطر كارثية كبيرة ، فالصادرات غير البترولية ظلت في تدني مستمر ، وكان يتوقع أن تسخَّر العائدات البترولية لخدمة القطاع الزراعي باعتباره القطاع الذي يستوعب غالبية نشاط المجتمع السوداني .
2. الكساد العالمي سيؤثر على شروط التجارة الخارجية وعلى أسعار السلع والمواد الأولية التي تنتجها دول العالم الثالث ولذلك فإن عائدات تلك الدول من هذه السلع قد ينخفض ، وبالتالي لا يتوقع زيادة تذكر في حصيلة صادرات السودان غير البترولية في ظل الكساد الماثل والمتزايد ، هذا إذا نجحت الجهود الرامية إلى زيادة الرقعة المزروعة .
3. عائدات السودان من مساهمات المانحين في مشاريع إعادة التعمير وفي العون الإنساني الذي يقدم لبعض المناطق المحتاجة ، يتوقع أن تنخفض كثيراً ، خاصةً في ظل إنشغال الدول الغنية بتوفير الأموال اللازمة لإنقاذ أسواقها . وهذا بدوره يلقي على عاتق الإقتصاد السوداني مسؤوليات فوق طاقته .
• تلك المحاور تفرض على القائمين على أمر النشاط الإقتصادي إجراء دراسات متعمقة للموقف في ضوء التطورات العالمية ، والوقوف على الخيارات والبدائل والمعالجات المتاحة والممكنة في ظل الظروف المحلية الماثلة ، ومن ثم اتخاذ إجراءات عاجلة لحماية الإقتصاد السوداني ، وللحيلولة دون أن تؤدي الأزمة الحالية إلى تأثيرات سالبة ومدمرة.

تصور للحلول والمعالجات
إن عمق الأزمة قد جعل دول العالم؛ وخاصة أمريكا والدول الأوروبية وروسيا تتداعى لإيجاد علاج للأزمة بل إن اللافت للنظر أن التداعي لحل الأزمة قد أخذ أعلى مستوى إداري لدى الدول، وهو على مستوى الرؤساء مما يدل على عمق الأزمة وأهمية المعالجة المطلوبة. لقد تبنى العالم مجموعة من المعالجات الآتية التي قد يتم بها وقف التدهور الحاصل في الأسواق الدولية والتخفيف من أثرها.

الحلول والمعالجات المقترحة
(1) ضرورة تقليل الصرف الحكومي وتوجيه الصرف للانتاج والانتاجية، حيث ان الموازنة بها العديد من التحديات وان هنالك تضخماً ركودياً بدأ ظهوره نتيجة للكساد الأمر الذي يتطلب وضع معالجات عاجلة تبدأ منذ الآن لتفادي أي آثار كبيرة تحدث في المستقبل، وذلك يتطلب التنسق مع كافة الجهات ذات الصلة في القطاعين العام والخاص، مع الإهتمام بالقطاع التعاوني خاصة الزراعي والإنتاجي.

(2) ضرورة تخفيض الصرف السياسي بمختلف اشكاله لاحداث نوع من التوازن ما بين الايرادات والانفاق، كوسيلة لمواجهة التحديات والظروف الصعبة خاصة انخفاض الايرادات الأمر الذي يتطلب ضبط المصروفات في كافة المجالات، مع ضرورة التركيز والاهتمام بزيادة الانتاج والانتاجية من خلال توجيه دعم مباشر للمشاريع الانتاجية.
(3) على الدولة إيقاف برامج الخصخصة المتعلقة بالمشروعات الإنتاجية الزراعية والحيوانية ، وعدم بيع أسهمها في المشاريع الزراعية. يتطلب ذلك تفعيل الدور الإعلامي لتوضيح عدم وجود تأثير على المودعين الذين بدأوا فى سحب اموالهم لقلة المعلومات عن الأزمة ، وبث تطمينات للقطاعات المختلفة التي تعاني من فجوة معلوماتية تتعلق بالأزمة وتداعياتها .
(4) التنسيق بين الدول الأفريقية والعربية للتعامل مع الأزمة والإستفادة من الإستثمارات المتاحة في مشاريع تنموية حقيقية ، والعمل على جذب نسبة مقدرة منها ، وذلك من خلال إعداد خطط لمشاريع مشتركة لأن ذلك مدعاةً لتأمين العلاقات حتى تقف في وجه التحديات الماثلة.
(5) عدم الركون الى المانحيين والمساعدات والهبات العالمية لابد ان يلعب البنك المركزى دور محوري فى تخطى هذه الأزمة من خلال حلول غير تقليدية وذلك بالإستفادة من كل الخبرات بغض النظر عن الإتجاهات السياسية وغيرها، وضبط مخالفات السياسيين البنكية والتشديد فى تطبيق القانون والضمانات
(6) تخفيض الإنفاق العسكري وزيادة الانفاق على الزراعة والصناعة، والصرامة فى تطبيق القوانيين واللوائح على كل الأفراد فيما يتعلق بتعاملات النظام المصرفي والتخلص من التأثيرات السياسية والإجتماعية على ذلك النظام.
(7) تفعيل دور الأمن الإقتصادي والإستعانه بالخبراء فى المجالات المختلفة لإكتشاف الثغرات والتجاوزات قبل إستفحالها، مراجعة سياسات وضوابط منح الإئتمان والتشدد فى ذلك دون إعتبار للجوانب السياسية أو الإجتماعية أو غيرها، خفض سعر الفائدة لجذب الأموال الهاربه من الخارج.
(8) تشكيل لجنة لجذب الأموال التى تهرب من مكان الأزمات وتوجيهها الى القطاعات المنتجة الزراعية أو الصناعية ، خاصةً أن الأموال العربية بدأت تهرب من الولايات المتحدة لمناطق أكثر أمنا.






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,529,021,121
- المحاصيل والمنتجات المعدلة جينياً وانتهاك حقوق البشر في الغذ ...
- النهوض بالمرأة وإشراكها ضمان لأمن وسلام دارفور
- التضخم !!!
- نظام الكوته والتمثيل النسبي ضمان مشاركة منصفة للمرأة في الان ...
- مفهوم الديمقراطية والتجربة السودانية
- التعاونيات وسيلة مثلي لاستغلال التمويل الأصغر في التنمية ومك ...
- قانون الانتخابات والأنظمة الانتخابية
- أثر الممارسة الانتخابية للمرأة من خلال التعاونيات في تفعيل م ...
- محو الأمية التعاونية ضرورة لتحقيق التنمية الزراعية والريفية
- الديمقراطية، الأحزاب السياسية والانتخابات
- الطريق نحو إصلاح تعاوني عاجل -تطوير وتنمية الجهاز الإداري وا ...
- التعاونيات مشاركة مع القطاع الخاص وليس منافسة
- أعيدوا النظر في أسس وسياسات التمويل الأصغر
- الذرة ... بنك السودان والقرار القاصر
- التنمية الزراعية والتنمية الريفية في توفيرالغذاء والرعاية ال ...
- موازنة العام 2008م هل تساهم في بناء أمة سودانية؟
- منظمات المجتمع المدني... والعقد الاجتماعي
- النمو الاقتصادي من أجل التنمية الإقتصادية وعلاج مشاكل البطال ...
- ‏الآثار البيئية السالبة لمحطات التوليد الكهربائي(الخرطوم - ا ...
- التمويل الاصغر مرة أخري...!!!


المزيد.....


- نقص المعروض الغذائي . . لماذا؟ / اميل قسطندي خوري
- عراقيون تحت مستوى الفقر! / جاسم الحلفي
- الصناديق السيادية .. العرب و طموحاتهم إلى أين الاقتصاد أم ال ... / معتز محمد
- لا دور رقابياً.. في ظل الفساد الاداري / ابراهيم زيدان
- حرية التجارة وتحرير التجارة والازمة المالية / محمد نبيل الشيمي
- كيف أصبحت السيدة -يسرى- صاحبة عمارة / ابراهيم علاء الدين
- هل أخفق مجلس محافظة بغداد في تنظيم عمل المولدات الأهلية؟ / ابراهيم زيدان
- حول مفهوم الدعم والاغراق والوقاية وكيفية الحد منها حماية للص ... / محمد نبيل الشيمي
- الخطوط الجوية العراقية في دمشق واقع الحال أم عبث -فارس-؟! / جاسم محمد الحافظ
- اقتصاد السوق وخرافة الكفاءة / رمضان متولي


المزيد.....

- اقتصاديون : العقوبات الغربية الجديدة تضرب القطاعات الحيوية ل ...
- تدهور الاقتصاد الاسرائيلي وتوسعات داعش والمبادرة البحرينية
- ازدياد العقوبات الاوروبية الاقتصادية على روسيا
- التضخم والبطالة ينخفضان في منطقة اليورو إلى أدنى مستوياتهما ...
- البورصة تقفز لأعلى مستوياتها بـ6 سنوات في أولى جلساتها بعد ا ...
- داعش: ندعم حماس -اقتصادياً وعسكرياً-
- بين الصقر والحصان والغزال.. أي من الرموز تناسب المستهلك الخل ...
- قيادة محافظة عدن تبارك الإجراءات الحكومية في مجالات الإصلاح ...
- المستثمرون الصينيون ينطلقون في موجة شراء للعقارات في الخارج ...
- اقتصاديون : العقوبات الغربية الجديدة تضرب القطاعات الحيوية ل ...


المزيد.....

- الاقتصاد كما يجب أن يكون / حسن عطا الرضيع
- دراسة بعنوان الأثار الاقتصادية والاجتماعية للبطالة في الأراض ... / حسن عطا الرضيع
- سيرورة الأزمة وتداعياتها على الحركة العمالية (الجزء الأول) / عبد السلام أديب
- الاقتصاد المصرى / محمد عادل زكى
- التبعية مقياس التخلف / محمد عادل زكى
- حقيقة التفاوت الصارخ في توزيع الثروة العالمية / حسام عامر
- مخطط ماكنزي وصيرورة المسألة الزراعية في المغرب / عبد السلام أديب
- جرائم تحت ستار البيزنس / نوخوفيتش ..دار التقدم
- الأسس المادية للهيمنة الامبريالية في افريقيا / عبد السلام أديب
- إقتصاد أميركا العالمثالثي - بول كريج روبرتس / مجدى عبد الهادى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - محمد الفاتح عبد الوهاب العتيبي - أثر الأزمة المالية العالمية على الاقتصاد السوداني