أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ملف: الدولة الديمقراطية العلمانية في فلسطين - نعيم الأشهب - حول شعار الدولة الديموقراطية أو ثنائية القومية















المزيد.....



حول شعار الدولة الديموقراطية أو ثنائية القومية


نعيم الأشهب
الحوار المتمدن-العدد: 2422 - 2008 / 10 / 2 - 09:14
المحور: ملف: الدولة الديمقراطية العلمانية في فلسطين
    


في ظروف التعقيدات والجمود السائد في مجال تسوية النزاع الاسرائيلي – الفلسطيني، حيث يبدو الأفق مسدوداً في هذا المجال، تعود شعارات الدولة الديمقراطية أو الدولة ثنائية القومية للتداول من جديد من قبل بعض المثقفين .
والسؤال الأساسي الذي يطرح نفسه، في الوضع الملموس الذي تمرّ فيه القضية الوطنية الفلسطينية هو: ما مدى جدية وواقعية هذه الشعارات؟ بمعنى آخر:هل حقاً ان خيار الدولة الديمقراطية او الدولة ثنائية القومية خيار قائم، في المرحلة التاريخية التي نعيشها، ويمكن اعتماده، باعتباره قابلاً للتحقيق اذا فشل خيار الدولتين؟ هذا أولاً، وثانياً: هل حقاً ان الأمر يتوقف على تحولنا من خيار الدولتين الى خيار الدولة الديمقراطية او الثنائية القومية، حتى يغدو الأخير خياراً واقعياً قابلاً للتحقيق؟
في البدء، هناك ملاحظة أولية، وهي أن الذين نادوا بشعار الدولة الديمقراطية او الثنائية القومية، ما بعد حزيران 1967، لم يطرحوا آليات حول كيفية تحقيقه، مما يشي بأن طروحاتهم لا تتجاوز الرغبات والأماني .
***
شعار الدولة الديمقراطية او الدولة ثنائية القومية
متى كان ظهورهما على الساحة الفلسطينية وما الفرق بينهما؟

هناك من يعتقد ان شعار الدولة الديمقراطية، جاء لأول مرة، على لسان حركة فتح عام 1968 ، وأغلب الظن انه جاء من فتح في معرض درء تهمة العداء لليهود، التي يتوارى خلفها حكام اسرائيل في عدائهم للشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة. لكن الحقيقة، ان مصطلحي الدولة الديمقراطية والدولة ثنائية القومية ظهرا في الأدب السياسي الفلسطيني أواخر ثلاثينات وبداية اربعينات القرن الماضي. في تلك الفترة تشكل في فلسطين تجمع سكاني يهودي، مثّل ثلث سكان البلاد، وذلك نتيجة تدفق الهجرة اليهودية من اوروبا، بخاصة عقب صعود النازية في المانيا. وقد أقام هذا التجمع، بدعم من سلطات الانتداب البريطانية، اقتصاداً مزدهراً، عماده صناعة وزراعة عصريتين، منفصل، في الوقت ذاته، عن الاقتصاد العربي الفلسطيني، وكانت سني الثورة الفلسطينية 1936 – 1939 قد عمقت هذا الانفصال.
في ضوء هذه المعطيات، راح يتشكل داخل الحزب الشيوعي الفلسطيني – المنظمة السياسية الوحيدة في فلسطين التي كانت تضم في صفوفها عرباً ويهود – تصوران مختلفان، من بعض الوجوه، في معالجة القضية الفلسطينية، احدهما للعضوية العربية والآخر للعضوية اليهودية، مع استمرار تطابقهما فيما يتعلق بضرورة انهاء الانتداب البريطاني وجلاء جيوشه، ورفض تقسيم فلسطين، وتحقيق استقلالها.
العضوية العربية تطالب بدولة ديمقراطية لجميع سكان فلسطين دون تمييز، على اساس الصوت الواحد للشخص الواحد. وكان هذا الطرح يختلف ويتعارض، في الوقت ذاته، مع طرح القيادة الوطنية الفلسطينية التقليدية، التي كانت تنادي بقيام دولة عربية في فلسطين يحق لليهود الذين كانوا في فلسطين، قبل عام 1918، هم وذراريهم العيش فيها. وكان هذا الطرح الأخير يتجاهل كل التطورات النوعية التي وقعت في فلسطين، منذ ذلك التاريخ.
اما العضوية اليهودية في الحزب الشيوعي الفلسطيني، فكانت ترى ان التجمع اليهودي في فلسطين قد تبلور اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً على نحوٍ اصبح يشكل قومية في دور التكوين، لها حق تقرير المصير. لكن هذه العضوية كانت تحصر هذا الحق في اطار دولة ثنائية القومية، وترفض وتعارض طرح الحركة الصهيونية التي تصرّ على اقامة دولة يهودية منفصلة في فلسطين، حتى ولو فوق جزء منها.
وقد تطوّر هذا التباين بين العضوية العربية والعضوية اليهودية حتى أدى في ايار 1943 الى تفكك الحزب الشيوعي الفلسطيني العربي – اليهودي ، حيث وقع فرز العضوية العربية عن العضوية اليهودية.
وحين تشكلت عصبة التحرر الوطني في فلسطين، خريف 1943، من معظم العضوية العربية التي كانت في الحزب الشيوعي الفلسطيني قبل تفككه، ومن عناصر يسارية اخرى، ورثت العصبة تصور الدولة الديمقراطية لمعالجة القضية الفلسطينية، وبقيت تنادي به حتى كونفرنس الناصرة الذي عقدته العصبة في شباط 1948، أي بعد ثلاثة شهور تقريباً على صدور قرار التقسيم.
بينما بقي الحزب الشيوعي الفلسطيني (العضوية اليهودية) يدعو لإقامة الدولة ثنائية القومية لمعالجة القضية الفلسطينية، حتى صدور قرار تقسيم فلسطين في 29/11/1947، مع ان الطرفين: عصبة التحرر الوطني والحزب الشيوعي الفلسطيني (العضوية اليهودية) بقيا متطابقان، طيلة تلك المرحلة الحاسمة، في الدعوة لإنهاء الانتداب البريطاني وجلاء جيوشه ومعارضة تقسيم فلسطين.
وفي الشهادة التي قدمها وفد الحزب الشيوعي الفلسطيني (العضوية اليهودية) امام لجنة التحقيق الدولية في تموز 1947، هذه اللجنة التي اوفدتها الدورة الخاصة للجمعية العمومية للأمم المتحدة التي انعقدت في نيسان 1947 لبحث القضية الفلسطينية، اوضح هذا الوفد امام هذه اللجنة بعض المقومات الدستورية للدولة ثنائية القومية والتي تميزها عن الدولة الديمقراطية – الأمر الذي ربما يجهله اليوم، بعض المنادين بهذين الشعارين – فقد اقترح هذا الوفد قيام مجلسين تشريعيين مشتركين في الدولة ثنائية القومية، الاول – مجلس نواب ، على اساس الصوت الواحد للشخص الواحد. والثاني مجلس قوميات، فيه تمثيل متساوٍ للطرفين العربي واليهودي.
وعلى كل حال، لو قدر لقرار التقسيم ان ينفذ، بحيث تقوم دولة فلسطينية مستقلة على قرابة نصف مساحة فلسطين الانتدابية، ولم يتشرد أكثر من نصف الشعب الفلسطيني، لبقي الأفق الواقعي مفتوحاً امام احتمال قيام الدولة الديمقراطية او الثنائية القومية ، مأخوذ في الحسبان ان قرار التقسيم نص على الوحدة الاقتصادية والعملة الواحدة للدولتين.
لكن نجاح الصهيونية، التي تريد، ومنذ البدء، دولة يهودية ولا شيء آخر، بالتعاون مع القوى الامبريالية وتواطؤ بعض الدوائر العربية الرجعية، في منع اقامة الدولة العربية الفلسطينية، وبدل ذلك تشريد اقسام اساسية من الشعب الفلسطيني وتدمير اقتصاده، نقل هذين الخيارين: الدولة الديمقراطية، والدولة ثنائية القومية، من خانة الامكانية الواقعية الى خانة اليوتوبيا (الحلم)، على الأقل في الأفق المرئي للعين.
***


عودة ظهور شعاري الدولة الديمقراطية والدولة ثنائية القومية
بعد الاحتلال الاسرائيلي لبقية الأرض الفلسطينية 1967

منذ النكبة 1948 وحتى الاحتلال الاسرائيلي لبقية الأرض الفلسطينية في عدوان حزيران 1967، اختفى هذان الشعاران، ليعودا للظهور، ولو من بعض الأفراد، وبين حين وآخر. على سبيل المثال، وليس الحصر، حدث عقب احتلال الاسرائيليين لبقية الأرض الفلسطينية في حزيران 1967 مباشرة، ان صاغ الدكتور خليل البديري، الماركسي المخضرم، والمستقل، تصوراً في هذا الاطار، وخلاصته ان فلسطين عادت وتوحدت (ولو تحت الاحتلال) وبالتالي: فهذا الواقع الجديد فتح الطريق امام العودة لحل النزاع الاسرائيلي – الفلسطيني على اساس دولة ديمقراطية لجميع سكانها، كما كانت تنادي عصبة التحرر الوطني حتى صدور قرار التقسيم في 29/11/1947. وعقب اغتيال رابين واجهاض اتفاقات اوسلو، ومجيء نتنياهو، الذي اطلق موجة جديدة من الاستيطان الكولونيالي في الأراضي الفلسطينية، رأى المفكر الفلسطيني المعروف، البروفسور ادوارد السعيد، في تداخل وتشابك هذا الاستيطان مع الواقع الفلسطيني امراً يصعب، ان لم يستحل فرزه وتفكيكه، فطرح شعار الدولة ثنائية القومية لحل الصراع الاسرائيلي – الفلسطيني. وقد نشر في حينه، مقالاً في صحيفة "الحياة" التي تصدر في لندن، ونقلته عنها، وفي يوم واحد، صحيفتا "الايام" و "القدس" الصادرتان في الاراضي الفلسطينية، وذلك في الثاني من شباط 1999، تحت عنوان :"خيار الدولة ثنائية القومية" . وقد استهل البروفسور السعيد مقاله بالفقرة التالية :"حان الوقت مرة أخرى، آخذين في الاعتبار انهيار حكومة نتنياهو بسبب اتفاق السلام في "واي" للتساؤل عما اذا كانت عملية السلام برمتها التي بدأت في اوسلو 1993 تمثل الاداة السليمة لتحقيق السلام بين الفلسطينيين والاسرائيليين، واتبنى وجهة النظر القائلة بأن عملية السلام أدت في الواقع الى تأجيل المصالحة الحقيقية التي يجب ان تتم اذا كان لحرب المئة سنة بين الصهيونية والشعب الفلسطيني ان تنتهي. لقد مهد اتفاق اوسلو للانفصال، لكن لا يمكن للسلام الحقيقي ان يتحقق الا بدولة اسرائيلية – فلسطينية ثنائية القومية". وعاد الى نفس الموضوع في مقال بعنوان "ماذا يمكن ان يعني الانفصال" والذي أعيد نشره بتاريخ 8/11/1999.
بينما ظهر، مؤخرا، اجتهاد آخر في هذا المضمار، من دعاته احمد سعدات، أمين عام الجبهة الشعبية، حيث يقول في مقال له في 30/7/2008، منشور على موقع "الحوار المتمدن"، ما يلي: ".. واعتقد أن مفتاح تحقيق وانجاز ترتيب بيتنا الداخلي على أساس متين وثابت يتمثل بتنفيذ اتفاق القاهرة الذي أصبح جزءاً رئيسياً من ثوابت التوافق الوطني وجسر للربط بين حقنا الوطني في الاستقلال وتقرير المصير وحقوقنا التاريخية في فلسطين، ومدخل لبناء دولة ديمقراطية واحدة كحل ديمقراطي شامل للصراع في فلسطين وحول فلسطين".
ويبدو لي أن سعدات كان، سيكون أكثر توفيقاً لو أكد وأبرز حق اللاجئين في العودة، باعتباره العنصر الأول والأساس في حقوقنا التاريخية. فهذا الحق مدعوم بالشرعية الدولية، بدءاً بالقرار 194، خلافا لمشاريع الدولة الديمقراطية أو الثنائية القومية، التي تفتقر الى هذا السند القانوني الدولي.
وبهذا المعنى، يغدو العمل من أجل عودة اللاجئين الفلسطينيين، المدعوم بالشرعية الدولية، هو المعبر الرئيسي نحو الدولة الديمقراطية أو الثنائية القومية. لكن يبرز السؤال: ما هي امكانات عودة اللاجئين، في الظروف الاقليمية والدولية القائمة؟ مأخوذ في الحسبان أن الصهيونية، بمختلف تلاوينها، ومن أقصى يمينها حتى أقصى يسارها تجمع على الرفض القاطع لعودة اللاجئين، وتعتبر ذلك مساويا للقضاء على دولة اسرائيل. والشيء ذاته ينطبق على موقف الولايات المتحدة، التي ستفتقد، بتحول اسرائيل الى دولة ديمقراطية أو ثنائية القومية، جراء عودة اللاجئين الفلسطينيين، حليفاً استراتيجياً متميزاً لا يمكن تعويضه، في قلب الشرق الأوسط.
ومعروف انه حتى القذافي أدلى بدلوه في مجال الدولة الديمقراطية حيث جاء في كتابه "الأبيض" أن المساحة بين النهر والبحر لا تتسع لدولتين ، ثم تبرع لنا باسم الدولة "الموعودة"، "اسراطين"!
عدا ذلك، فشعار الدولة الديمقراطية او الثنائية القومية ينادي به ايضاً بعض المثقفين الاسرائيليين اليهود المعادين للصهيونية، على تواضع عددهم الشديد. قال البروفسور ايلان بابيه، في مقابلة مع محطة الجزيرة الفضائية بالانكليزية، اوائل نيسان 2007، وهو يعلن قراره بترك اسرائيل، بسبب الضغوط الصهيونية المتفاقمة ضده بسبب ارائه.. قال :"ان الحل الوحيد للنزاع الفلسطيني – الاسرائيلي هو ايجاد دولة واحدة، يشارك فيها اليهود والعرب وآخرون" وأضاف:"ان دولتين مستقلتين في ارض فلسطين لا يمكن ان تتعايشا".
ربما كان بابيه يتميز عن بقية الذين طرحوا شعاري الدولة الديمقراطية او الثنائية القومية بأنه طرح، في ندوة لاحقة، في بلعين، آلية لتحقيق اقامة مثل هذه الدولة، ولو ان هذه الآلية غير مقنعة وغير قابلة للتحقيق ، على نحوٍ يحقق الهدف المنشود ، فهو يرى هذه الآلية في فرض مقاطعة دولية على اسرائيل، كما جرى مع نظام الفصل العنصري في جنوب افريقيا.
لكن هذه الآلية التي يقترحها بابيه تتجاهل ثلاثة امور اساسية:
الاول: موقع اسرائيل في الاستراتيجية الاميركية الكونية للسيطرة على العالم. ولعل كلمات وزيرة الخارجية الاميركية كونداليسا رايس التالية تلخص هذا الأمر:" هذه الادارة تعتقد ان أمن اسرائيل هو المفتاح المطلق ليس فقط لأمن المنطقة، وانما لأمن العالم كله . اسرائيل ستكون دولة يهودية وستكون محمية"(1) (وطبعا، لم يكن الأمر كذلك مع نظام الفصل العنصري في جنوب افريقيا) ويلاحظ التأكيد للحفاظ على اسرائيل ليس كدولة وحسب، بل كدولة يهودية. وفي هذا الصدد، يمكننا القول بثقة ان جميع الدول الامبريالية التي لها مصالح في منطقتنا، وعلى رأسها الولايات المتحدة، لن تسمح بفرض هذه المقاطعة. وقد شهد العالم الجهود التي بذلتها هذه الدول لإلغاء قرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة الذي يدين الصهيونية بالعنصرية. واذا كانت الدول الاوروبية، او بعضها، تختلف، اليوم، مع اسرائيل حول معالجة القضية الفلسطينية، فهي تفعل ذلك ليس من منطلق العداء لإسرائيل وانتصاراً للحق الفلسطيني في المقام الأول، وانما حرصاً على مصالح هذه الدول الاوروبية في منطقة الشرق الأوسط، خشية ان تتعرض للهزات والمخاطر نتيجة استمرار وتفاقم النزاع الاسرائيلي – العربي وجوهره القضية الفلسطينية. عدا ذلك، فإن جميع هذه الدول ترى في وجود اسرائيل، بحد ذاته ، خدمة لهدف استراتيجي من الدرجة الاولى، وهو عرقلة وحدة العالم العربي، وتطوره وازدهاره، بحيث يضع حداً، آخر المطاف، لنهب ثرواته الطائلة. كذلك، يرون في اسرائيل، كدولة يهودية، قوة عدوان ضاربة، يمكن تحريكها عند الحاجة ضد هذا العالم العربي، او أي من دوله، كما جرى بالفعل، اكثر من مرة.
أما الأمر الثاني، الذي يتجاهله طرح البروفسور بابيه، حول سلاح المقاطعة الدولية لفرض الدولة التي ينادي بها، فهو التوازن الديموغرافي في الحالتين. في حالة جنوب افريقيا، كانت المعادلة بين خمسة عشر بالمئة – في احسن الأحوال – من البيض مقابل خمسة وثمانون بالمئة من السود. واذا كانت الأقلية البيضاء تمارس التمييز العنصري ضد الأغلبية السوداء، لكنها لم تكن تستطيع الاستغناء عن العمالة السوداء لتشغيل اقتصاد البلاد. اما المعادلة، اليوم، بين الوجودين الاسرائيلي والفلسطيني، على طرفي الخندق، فتختلف كلياً عن ذلك، مرفوقة بتفوق اسرائيلي كاسح في المجالات الأساسية والمقررة: الاقتصادية والعسكرية والعلمية وبمستوى دخل الفرد. علاوة على عدم اعتماد الاقتصاد الاسرائيلي على العمالة الفلسطينية، وهذا أمر حاسم.
بينما الأمر الثالث الذي يتجاهله طرح البروفسور بابيه حول سلاح مقاطعة اسرائيل، فيتجسد في أن نقطة الضعف الأساسية في هذا المجال، هي في موقف النظام العربي الحالي من الصراع الفلسطيني – الاسرائيلي. فهذا النظام يمتلك مقومات فاعلة وقادرة على احداث تغيير حقيقي في موقف الولايات المتحدة والدول الغربية الأخرى من هذا الصراع، لكنه يمتنع عن تحريكها. لقد حافظت بعض الدول العربية على علاقات طبيعية مع اسرائيل بدعوى الالتزام باتفاقات السلام معها، حتى حين كان شارون يجتاح كالاعصار المدمر الضفة الغربية بجيشه ويقترف جرائم حرب ضد المدنيين الفلسطينيين. وفي الوقت ذاته كانت دول عربية اخرى في الخليج وشمال افريقية، تعزز علاقاتها باسرائيل وترفع مستواها، بدعوى ان مثل هذه العلاقات تمنحها امكانية التأثير على سياسة حكام اسرائيل تجاه القضية الفلسطينية.
اما سلاح النفط، الحاسم والمقرر، في مثل هذه المعارك، فقد حسم وزير الخارجية السعودي، سعود الفيصل، النقاش حوله بالقول: النفط للتنمية وليس للعقوبات!
وعلى المرء ان يقارن هذا الموقف السلبي من النظام العربي القائم وبين موقف الدول الافريقية ومنظمة الوحدة الافريقية الذين دعموا بلا تردد مقاطعة نظام جنوب افريقيا العنصري الى ان انهار. حتى السود في الولايات المتحدة، بمن في ذلك رأسماليين كبار منهم، اتخذوا نفس الموقف. وكذلك فعلت الكنيسة التي امتنعت عن التعاون مع الشركات التي كانت تتعامل مع نظام الفصل العنصري في جنوب افريقيا، مما أثر، آخرالأمر، على موقف الادارة الاميركية في هذا الشأن.
عدا كل ذلك، فما يتجاهله طرح البروفيسور بابيه، هو أنه لم يكن، يوماً، في جنوب افريقيا دولتين منفصلتين، واحدة للأقلية البيضاء وأخرى للأكثرية السوداء. كما لم يتطلع هذان الطرفان في صراعهما الى دولتين منفصلتين. واذا كان نظام الفصل العنصري في جنوب افريقيا، قد أثار نفور الرأي العام العالمي، منذ الحرب العالمية الثانية وقبلها، لعلاقته وتعاطفه مع النازية الألمانية، فإن حكام اسرائيل الصهاينة أفلحوا، بالمقابل ، في تجيير قسم اساسي من عطف هذا الرأي العام العالمي، على ضحايا النازية من اليهود ، لصالح دولة اسرائيل.
الا ان عدم واقعية نسخ تجربة جنوب افريقيا، وعدم امكانية فرض مقاطعة شاملة على اسرائيل، كما جرى مع الأولى، لا يعني ولا بحال، الاستخفاف بقيمة ودور الرأي العام العالمي، الذي يزداد دوره وتاثيره في الحياة الدولية، وضرورة السعي المتواصل لتجنيده لصالح القضية الفلسطينية العادلة، وضد الاحتلال الاسرائيلي وجرائمه وممارساته ضد الشعب الفلسطيني، بما في ذلك فرض المقاطعة ولو جزئياً او بشكل انتقائي على دوائر ومؤسسات وقوى اسرائيلية معينة، وتوسيع دائرة المقاطعة، بالمدى الذي يقتنع به هذا الرأي العام العالمي ويكون مستعداً لممارسته.
لقد تحدث وزير الاستخبارات الافريقي الجنوبي، روني كاسرليس، بحماس في زيارته، الأخيرة، للأراضي الفلسطينية، حول سلاح المقاطعة، متأثراً بتجربة بلاده، التي لها خصوصيتها، لكنه كان يتحدث عن ممارسة هذا السلاح لإرغام حكام اسرائيل على القبول بحل الدولتين، وليس من اجل اقامة الدولة الديمقراطية او الثنائية القومية.
وعلى أي حال، فإن اختيار البروفسور ايلان بابيه لآلية خارجية من اجل تحقيق حلم الدولة الديمقراطية او الثنائية القومية، ان هذا الاختيار ، هو اقرار واضح بعدم وجود قوى اسرائيلية – يهودية ذات شأن تقبل بهذا الحل وتتبناه.
***

الدولة اليهودية تجسيد للمشروع الصهيوني

من المعلوم ان المشروع الصهيوني جرت صياغته منذ البداية على اساس اقامة دولة يهودية، وليس دولة مختلطة او أي شيء آخر. ومقولة هرتسل المعروفة "أرض بلا شعب لشعب بلا ارض"، لا تنكر فقط وجود الشعب الفلسطيني، بل وتحدد طبيعة الدولة المعنية وهو انها دولة يهودية. وقبل قيام دولة اسرائيل كانت القيادة الصهيونية ترفض أية تسوية للقضية الفلسطينية لا تسلم بقيام دولة يهودية، ان لم يكن في فلسطين كلها، فعلى جزء منها.
وعلى هذا الأساس كانت التعهدات التي قطعتها قيادة الحركة الصهيونية، آنذاك، لبريطانيا التي كانت منتدبة على فلسطين، بأن تكون الدولة اليهودية الموعودة في خدمة المصالح البريطانية في المنطقة، ولا سيما حراسة قناة السويس ، علاوة على منع وحدة العالم العربي . ويقول هرتسل في كتابه "الدولة اليهودية" :"ستكون (أي الدولة اليهودية) جزءاً من السور ضد آسيا .. وستكون الطلائع الثقافية ضد البربرية ". بمعنى أخر : اذا لم تكن اسرائيل دولة يهودية فلن تستطيع الوفاء بهذه الالتزامات. واذا كانت هذه الالتزامات قد تضاعفت عشرات المرات، منذئذٍ ، وغدت في خدمة الولايات المتحدة في الأساس ، بدل بريطانيا، فإن المبدأ يظل قائماً وبقوة أكبر، وهو ان اسرائيل، فقط كدولة يهودية، تستطيع الوفاء بهذه الالتزامات.
ومعلوم، انه في اطار هذه الالتزامات شنت اسرائيل منذ قيامها سلسلة حروب ضد البلدان العربية المجاورة. كانت سنان الرمح في العدوان الثلاثي، مع بريطانيا وفرنسا، خريف 1956 رداً على تأميم عبد الناصر لشركة قناة السويس، وشنت في حزيران 1967 عدواناً، بالتنسيق والدعم الكاملين من الولايات المتحدة، كانت حصيلته ضربة قاصمة لحركة التحرر القومية العربية لم تنهض هذه الحركة، حتى بعد أربعة عقود، من آثارها المدمرة. وعام 1982، قامت بغزو لبنان، مما اسفر عن خروج حركة المقاومة الفلسطينية من هناك، وكررت العدوان على لبنان صيف 2006. هذا عدا الغارات العدوانية التي لم تكن تنقطع على اراضي البلدان العربية المجاورة، بخاصة كلما ارادت الدوائر الامبريالية، ولا سيما الاميركية، ممارسة الضغوط على هذا البلد العربي او ذاك. كل هذا، الى جانب خدمات اخرى كالتجسس والتخريب، على غرار ما تقوم به اجهزة المخابرات الاسرائيلية ، اليوم، في العراق، بما في ذلك زرع وتحريك الفتن الطائفية والاثنية لمنع قيام وحدة وطنية عراقية ضد الاحتلال الاميركي، ولتمهيد الارض لتقسيم العراق، اذا اقتضت ضرورات الاحتلال والمصالح الاميركية ذلك. والحقيقة، ان نشاطات التجسس والتخريب التي تقوم بها اسرائيل في خدمة مصالح الدول الامبريالية، وبخاصة الاميركية، تجاوزت منذ امد طويل حدود منطقة الشرق الاوسط، لتشمل مواقع اخرى في العالم.
وغني عن القول، ان هذه الحروب وأعمال التخريب التي قامت وتقوم بها اسرائيل بالوكالة عن الدول الامبريالية المعنية، ما كان باستطاعة هذه الدول، او يصعب عليها، القيام بها مباشرة ، لأسباب داخلية ودولية، بخاصة زمن النظام الدولي ثنائي القطبية السابق. لذلك، فقضية يهودية دولة اسرائيل ليست، ومنذ البدء، قضية اسرائيلية داخلية. فالدول الامبريالية ذات المصالح في منطقة الشرق الأوسط، وبخاصة الولايات المتحدة، تتمسك بيهودية دولة اسرائيل لا اقل من حكام اسرائيل الصهاينة انفسهم. وليس من باب الصدف، في هذا السياق، تأكيد وترديد الادارات الاميركية المتعاقبة، الالتزام بالحفاظ على تفوق اسرائيل العسكري على جميع جيرانها.
هذا علاوة على الالتزامات والاتفاقات الاستراتيجية معها، والدعم المتعدد الاشكال، بما في ذلك المالي والبالغ السخاء، حيث تحتل اسرائيل الصغيرة بحجمها وعدد سكانها، المكان الاول ومنذ سنين طويلة في قائمة المساعدات الاميركية الخارجية، والبالغة لاسرائيل المليارات سنوياً. وغني عن القول ان كل هذا الدعم ليس وليد حوافز ايديولوجية او اخلاقية.
من جانب آخر، يدرك حكام اسرائيل الصهاينة ان تحول اسرائيل من دولة يهودية الى دولة ديمقراطية او ثنائية القومية ليس فقط سيفقدها القدرة على القيام بما درجت بجدارة على القيام به في خدمة المصالح الامبريالية في المنطقة وشن الحروب بالوكالة عن هذه المصالح، بل ان تحول اسرائيل عن كونها دولة يهودية، سيكون بمثابة اعلان افلاس ونهاية المشروع الصهيوني السياسي، بعد اكثر من قرن على تاسيسه.
ان تاريخ دولة اسرائيل، منذ انشائها، يؤكد عداء حكامها المتعاقبين لتحقيق اية تسوية سياسية مع المحيط العربي،وبخاصة مع الشعب العربي الفلسطيني، على اساس قرارات الشرعية الدولية، بل يؤكد حرصهم في الحفاظ على جذوة هذا الصراع حية لتأجيجها عند الحاجة. كما يؤكد هذا التاريخ بأن مجرد التفكير بالخروج عن هذا المسار كان يجري قمعه بحسم. كان الأمر كذلك حين حاول رئيس الوزراء، آنذاك، موشيه شاريت تفحص آفاق التسوية مع عبد الناصر، عام 1955، حيث جرى التطويح به في مؤامرة سميت "فضيحة لافون". اما اسحق رابين الذي وقع اتفاقات اوسلو مع منظمة التحرير الفلسطينية، فكان مصيره التصفية الجسدية، رغم ان احداً لا يستطيع ان يتكهن الى أي مدى كان رابين سيذهب في مساعي التسوية مع الفلسطينيين.
بمعنى آخر، كان هدف نشاط حكام اسرائيل منذ قيامها ليس تسوية هذا النزاع، بل مجرد ادارته، على نحوٍ تبدو فيه اسرائيل بمظهر الضحية، بينما الضحية الحقيقية ، في مظهر المعتدي . لكن هذا النهج راح يواجه تحدياً حقيقياً منذ تبنت منظمة التحرير، عام 1988، قرارات الشرعية الدولية. ومنذئذٍ، دخلت السياسة الخارجية الاسرائيلية في ازمة دائمة، تتحايل للافلات منها بمختلف المناورات التي تستهدف كسب الوقت وخلق المزيد من الوقائع على الأرض.
و"لتحصين" المجتمع الاسرائيلي اليهودي ضد "خطر" الاندماج في المنطقة وشعوبها، حرص حكام اسرائيل ، ومنذ البدء، على زرع القناعة في هذا المجتمع، ان اسرائيل ومجتمعها اليهودي هما جزء من الغرب. وقد اسهم اسهاماً اساسياً في انجاح هذا المسعى كون صياغة الوعي العام، منذ بدء الهجرة الى فلسطين قبل قيام دولة اسرائيل وبعد قيامها وحتى الآن، هو حكر بأيدي عناصر يهودية غربية (اشكناز).
وفي هذا السياق، يؤكد بنيامين نتنياهو، في كتابه "مكان تحت الشمس" على كون اسرائيل جزء من الغرب. حتى الفرق الرياضية الاسرائيلية ينسبونها للفرق الرياضية الغربية. كل ذلك رغم ان اسرائيل، جغرافياً، جزء من الشرق.
في هذا المضمار، تحتل المحافظة على بذور الكراهية والشكوك دوراً مهماً، لتبرير الابقاء على جذوة الصراع وعدم حله وفق قرارات الشرعية الدولية. وفي هذا المنحى، يلتقي حكام اسرائيل الصهاينة مع السياسة الاميركية بالأمس واليوم. لقد كانت السياسة الاميركية، في هذا الصدد، سبباً اساسياً في عرقلة تسوية القضية الفلسطينية منذ النكبة عام 1948 وحتى اليوم. بل ان السياسة الاميركية حولت القضية الفلسطينية الى احدى ساحات الحرب الباردة منذ وقت مبكر وحتى نهاية تلك الحرب. وينسحب هذا الموقف الاميركي على اطراف عربية اخرى في نزاع مع اسرائيل. وانه لذو مغزى خاص، في هذا الصدد، ما قالته وزيرة الخارجية الاميركية، كونداليسا رايس، بحدة لمسؤولين اسرائيليين، خلال زيارتها لاسرائيل في كانون ثاني 2007، "لا تحاولوا مجرد تحري" حقيقة المقترحات السورية لبدء محادثات سلام. (Don’t even explore) (1)وكانت القيادة السورية قد دعت علناً الى بدء مفاوضات سلام مع اسرائيل بدون شروط مسبقة، وكان بعض المسؤولين الاسرائيليين، ومنهم عمير بيرتس، وزير الدفاع آنذاك، قد ابدى ميلاً لمجرد اكتشاف جدية هذه المقترحات، دون ان يعني ذلك بالضرورة انه جاد في الوصول الى تسوية للنزاع مع سوريا.
ومع ذلك، فقد عادت الادارة الأميركية، في تحول عن هذا الموقف، وأعطت الضوء الأخضر لحكام اسرائيل بالدخول في مفاوضات مع السوريين على الترتيبات الأمنية الخاصة بالطرفين وحول هضبة الجولان السورية المحتلة (1) مما يشي بتطلع واشنطن لعقد صفقة مع النظام السوري، بخاصة حول مستقبل العراق، الذي تعتبر واشنطن إحكام سيطرتها عليه هدفاً استراتيجياً من الدرجة الاولى لسياستها في المنطقة.
ان مغزى هذا ببساطة، انه من غير المتوقع حدوث تقدم حقيقي نحو تسوية النزاع الفلسطيني – الاسرائيلي على وجه الخصوص، والاسرائيلي – العربي، على وجه العموم، على أساس قرارات الشرعية الدولية طالما بقي التفرد الاميركي في الامساك بمفاتيح هذا الصراع. فواشنطن تستفيد من بقاء جذوة هذا النزاع مشتعلة لتحولها الى حريق متى تطلبت مصالحها في المنطقة ذلك. واذا سمحت "بتسوية" أي جانب من هذا النزاع (على غرار كامب ديفيد المصرية – الاسرائيلية) ، فذلك وفق شروطها وبمقدار ما يتيح لها ذلك من احكام سيطرتها على الطرف المعني وعلى المنطقة كذلك. وهذا بالضبط ما جرى مع مصر السادات، حيث احكمت الولايات المتحدة ربط مصر بعجلتها، وبذلك خطت خطوات نوعية على طريق بسط هيمنتها على المنطقة.
***



المأزق التاريخي للصهيونية

يتفاقم مأزق الصهيونية مع مرور الزمن، في الميدانين الايديولوجي والعملي. ويتجلى هذا المأزق اليوم، على شكل ازمتين رئيسيتين، تبدوان منفصلتين، رغم ترابطهما العضوي بحبل الرحم.
الاولى – الأزمة الديموغرافية. فاذا كان حكام اسرائيل الصهاينة قد افلحوا ، بنسبة كبيرة، في تحقيق تطهير عرقي ضد الشعب العربي الفلسطيني لدى اقامة دولة اسرائيل عام 1948 وما بعدها مباشرة، فإن البقية الباقية من ابناء هذا الشعب التي افلحت في الافلات من هذا التطهير والبقاء في وطنها حافظت، بعد ستة عقود على قيام دولة اسرائيل، على نسبتها في التركيبة الديموغرافية لدولة اسرائيل، رغم مختلف صنوف الاضطهاد والتضييق والتمييز الصارخ ضدها، وبرغم عدم السماح بعودة لاجيء فلسطيني واحد الى دياره. ليس هذا وحسب، بل وبرغم تدفق ملايين المهاجرين اليهود على اسرائيل من الخارج منذ قيامها.
ومعلوم، ان هؤلاء الفلسطينيين العرب يمثلون، اليوم، قرابة العشرين بالمئة من مجموع سكان اسرائيل، ولا يقل اهمية عن حجمهم ونسبتهم المئوية في المجتمع الاسرائيلي، تحولهم النوعي، حيث غدوا يشكلون اقلية قومية مناضلة بلا كلل، من اجل المساواة والديمقراطية الحقيقية ، وفي سبيل السلام العادل مع الشعب الفلسطيني.
وجدير بالتنويه، هنا، انه حين راحت تجف مصادر الهجرة اليهودية من الخارج، بعد موجة المليون مهاجر، من بلدان الاتحاد السوفياتي السابق، في التسعينات، سمح حكام اسرائيل الصهاينة لهجرة غير يهود من هناك، ليكونوا جزءاً من خزان الأمان في الحفاظ على يهودية دولة اسرائيل، من خلال صهرهم في بوتقة العنصرية، المعادية للشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة، بما في ذلك حق العودة بموجب قرارات الشرعية الدولية. وبموجب مكتب الاحصاء المركزي الاسرائيلي، هناك 300 الف مهاجر من بلدان الاتحاد السوفياتي السابق ليسوا يهوداً.(1) بينما كان وزير الداخلية الاسبق ، نتان شيرانسكي، قد اعترف، في رده على سؤال بهذا الصدد في الكنيست، ان مجموع غير اليهود – وفقاً للشريعة اليهودية – من المهاجرين الجدد، في عقد التسعينات بلغ 208 الاف، وهو ما يساوي 7ر24% من مجموع هؤلاء المهاجرين. الا أن نسبة غير اليهود ارتفعت بين مجموع مهاجري العام 1999، لتبلغ 50%.(1)
لكن نجاح حكام اسرائيل بعد احتلالهم لبقية الارض الفلسطينية – الضفة والقطاع – في عدوان 1967، في تكرار عملية التطهير العرقي، كان اقل بشكل واضح مما كان عليه في المرة الاولى عام 1948. ويعود ذلك لسببين اساسيين:
الاول – الخبرة المريرة التي استخلصها الفلسطينيون من تجربة اللجوء عام 1948، واستعداد الاغلبية الساحقة منهم لأية تضحية تجنبهم تكرارها.
والثاني : ان المجتمع الدولي ما عاد يتقبل تكرار تلك العملية من التطهير العرقي.مأخوذ في الحسبان ان اسرائيل غدت عضواً في الأمم المتحدة.
ولكن منذ اليوم الأول لاحتلال بقية الارض الفلسطينية في حزيران 1967، حاول حكام اسرائيل الصهاينة، على اختلاف تلاوين الطيف السياسي الصهيوني، ايجاد مخرج من مأزقهم، حيث يريدون الاستيلاء على بقية الأرض الفلسطينية وضمها، ولكن دون سكانها، حفاظاً على يهودية دولة اسرائيل. وكانت آخر محاولات الخروج من هذا المأزق باللجوء الى القوة، حين قام اليمين الاسرائيلي بزعامة شارون بالاجتياح العسكري الشامل للضفة الغربية ، عام 2002، وما تميز به هذا الاجتياح من وحشية مفرطة، وما رافقه واعقبه من قيود غير عادية حولت الحياة في تلك الاراضي الى نوع من المعجزة. لكن كل ذلك لم يزعزع ارادة صمود الفلسطينيين وتمسكهم بالبقاء في ارض وطنهم.
بعد فشل هذا الاجتياح في تحقيق اهدافه السياسية، سواء باكراه اعداد ذات شأن على الرحيل، او فرض رضوخ الفلسطينيين لشروط التسوية الاسرائيلية الاستسلامية، والتي تستهدف بدورها التوسع على حساب الارض الفلسطينية، بدون سكان تقريباً، جرى التحول نحو خيارات أخرى وصولاً الى نفس الهدف. فكانت محاولة رسم الحدود من طرف واحد. وفي هذا الاطار كان الانسحاب من قطاع غزة، الذي قاده شارون، كخطوة اولى، في هذا الاتجاه. علماً بأن اياً من حكام اسرائيل المتعاقبين لم يفكر يوماً بضم قطاع غزة، لكثافته السكانية العالية.وكانت الخطوة الثانية على طريق رسم الحدود من طرف واحد، البدء ببناء جدار الفصل العنصري، والذي تواصل حكومة اولمرت، من بعد شارون، عملية استكماله، والاعلان عن العزم على تحديد حدود دولة اسرائيل، بموافقة الطرف الفلسطيني او بدونها.
عدا هذا الخيار الذي تجري محاولة تطبيقه على الارض، جرى ويجري طرح خيارات اخرى لا تخرج في اهدافها عن طموح التوسع على حساب الارض الفلسطينية، شريطة الحفاظ على يهودية دولة اسرائيل. من ضمن هذه الخيارات الترانسفير "الاختياري" او تبادل مناطق جغرافية مأهولة بالعرب الفلسطينيين من داخل اسرائيل، مثل بلدة ام الفحم وغيرها، مقابل المناطق التي يتمركز فيها الاستيطان الكولونيالي الصهيوني في الاراضي الفلسطينية المحتلة.
ان عرض تبادل مناطق مأهولة من الطرفين يشكل بحد ذاته برهاناً قاطعاً على انه اذا تعارضت الجغرافيا مع الديموغرافيا، فالتحيز الصهيوني هو بلا تردد، الى جانب الديموغرافيا، حرصاً على يهودية دولة اسرائيل. فعقب قيام دولة اسرائيل مباشرة، انتقدت كتلة حيروت اليمينية في الكنيست بن غوريون لعدم اجتياح بقية الارض الفلسطينية، والسماح بضمها للاردن، وكان رده:"كل البلاد من دون دولة يهودية، مقابل دولة يهودية من دون كل البلاد".(1) حتى القدس العربية التي اعلن حكام اسرائيل عن ضمها الى دولتهم، بعد احتلالها بأيام، يصرح مسؤولون اسرائيليون، بمن فيهم يمينيون عن امكانية اخراج العديد من أحيائها من حدود دولتهم، بعد ان لم يفلحوا في اكراه سكانها على الرحيل عنها.
بل يمكن القول بأنه اذا فرض على حكام اسرائيل الصهاينة الخيار بين الدولة الديمقراطية او الدولة ثنائية القومية وبين العودة الى حدود التقسيم لعام 1947، فلن يترددوا في قبول الخيار الثاني، للحفاظ على يهودية دولة اسرائيل.
لكن هذه الخطوات والمقترحات، من رسم الحدود من طرف واحد الى تبادل مناطق مأهولة وغيرها، تعكس بوضوح اموراً ثلاثة:
الأول: الفشل في افراغ المزيد من الارض الفلسطينية من سكانها، على غرار ما جرى عام 1948.
والثاني: الاحجام عن ضم مناطق ذات كثافة سكانية، وبالمقابل – محاولة التخلص من قسم من الأقلية القومية العربية داخل اسرائيل، ولو مع ارضهم عند الضرورة.
والثالث: ان هذه الخطوات والمقترحات هي بمثابة اقرار ضمني بفشل تحقيق الحلم الصهيوني في الاستيلاء على كل فلسطين الانتدابية. وهذا الفشل تلخصه كلمات دان مريدور، الذي كان احد امراء الليكود ومن قبله حيروت، بقوله :"علينا ان نتقبل الحقيقة بان حلم اسرائيل الكبرى، من البحر الى النهر وحتى الاردن تحت السيادة الاسرائيلية، ذهبت وانتهت من العالم".
وينعكس عمق الازمة الديموغرافية – وجوهرها الحفاظ على يهودية دولة اسرائيل – في كثافة الابحاث التي تقوم بها المعاهد الاسرائيلية المختصة في هذا الشأن، ولا سيما مؤتمرات هرتسليا، التي راحت تنعقد سنوياً، منذ اواخر عام الألفين، وتشارك فيها النخبة الاسرائيلية المتنفذة في مختلف التخصصات السياسية والعسكرية والأمنية والعلمية وغيرها.
واذا كانت قضية التوازن الديموغرافي تحتل، في هذه المؤتمرات، موقع الصدارة، فإنه يلاحظ ان الدوائر الصهيونية المعنية تغالي وتهول عن عمد حول اخطار تداعيات هذا التوازن، على يهودية دولة اسرائيل، كما تتظاهر بالفزع على مصير يهودية اسرائيل لمجرد مطالبة البعض من ابناء الأقلية القومية العربية في اسرائيل بأن تكون دولة جميع مواطنيها، لمعالجة التمييز التاريخي ضدهم، وذلك رغم ان اليهود يمثلون أكثر من 80% من عدد سكان اسرائيل. كل ذلك بهدف تسعير وتأجيج العداء في الوسط اليهودي الاسرائيلي ضد الجمهور العربي داخل اسرائيل، وضد الجمهور العربي في الاراضي الفلسطينية المحتلة، لتهيئة الاذهان، في حال القيام باجراء عدائي ضد هؤلاء او اولئك، ولسد الطريق على أي افق للتصالح والتطبيع، وللحفاظ على العقل اليهودي في اسرائيل اسير الغيتو الصهيوني. ولا يخلو من مغزى في هذا الصدد ما تشير اليه استطلاعات الرأي العام في اسرائيل من ان 58% من الشباب اليهودي في اسرائيل، ما بين سن الثامنة عشر والثانية والعشرين، يؤيدون فكرة ترحيل العرب من اسرائيل.(1) كما لا تخلو من مغزى نتائج استطلاعات الرأي العام في اسرائيل التي تشير الى ان ثلثي اليهود فيها يرفضون ان يكون جيرانهم من العرب !
***
الصهيونية وعملية اندماج اليهود في مجتمعاتهم

اما الجزء الآخر من المأزق التاريخي للصهيونية، فيتمثل في مسيرة الاندماج الطبيعية لليهود في مجتمعاتهم. وقد عبر اكثر من مسؤول سياسي اسرائيلي عن القلق من آفاق هذه العملية الجارية والتي لا مرد لها، كما عبر عن مثل هذا القلق رجال دين يهود متعصبون. وفي هذا السياق، دعا شارون في آخر خطاب له في نيويورك ، امام ممثلي المنظمات اليهودية في الولايات المتحدة الى تعزيز العلاقة بين اسرائيل، ويهود "الشتات"، وقال :"ان حياة اليهود في الشتات لم تعد في خطر، لكن وجودهم كيهود نعم"، (أي في خطر) واضاف: "الاندماج هو الآن الخطر الأكبر،ا كثر من أي وقت مضى".(2)
واذا كان شارون وامثاله يخشون على يهود الخارج، او ما يسمونه "الشتات" من الاندماج في مجتمعاتهم (بخاصة عبر الزواج المختلط الذي يقضي على هوية اليهودي وفق المعايير الدينية اليهودية)، في ظروف الليبرالية والانفتاح والعولمة، فهم اكثر قلقاً على يهود اسرائيل ذاتها من خطر الاندماج في محيطها العربي، اذا ما ساد سلام حقيقي. وفي مواجهة هذا الاحتمال يعزز حكام اسرائيل من رفع اسوار الغيتو اليهودي حول اسرائيل، التي بقيت اليوم آخر غيتو يهودي في العالم، وأهم مواد اسوار الغيتو هذه، هي مشاعر الشك والكراهية والاحساس بالغربة عن المحيط وسكانه والانتماء الى عالم الغرب البعيد، وهي مفارقة لا مثيل لها في عالم اليوم.
وفي اللحظة التي تبدأ اسوار هذا الغيتو بالتداعي، ستكون هي لحظة بدء افلاس الصهيونية كأيديولوجيا وكمشروع كولونيالي.
لقد ظهرت الصهيونية السياسية، أواخر القرن التاسع عشر، في فترة تحول تاريخية، جاء بها التطور الرأسمالي، وتحمل معها بداية انهيار نظام الغيتو اليهودي ومعه سياسة العداء لليهود لصالح الليبرالية. وقد جاء ظهور الصهيونية السياسية كظاهرة اعتراضية لقطع الطريق على هذه العملية التاريخية وتحويل تأثيراتها ومفاعيلها لصالح مشروع دولة كولونيالية للراسمال اليهودي العالمي، مرتبطة ومتداخلة عضوياً بالامبريالية العالمية، لتشارك من موقعها الخاص، في عملية نهب الشعوب المتخلفة. وغني عن القول ان صعود النازية في المانيا، الذي بدا كظاهرة في الاتجاه المعاكس للعملية التاريخية في اندماج اليهود في مجتمعاتهم، جاء هذا الصعود خروجا عن القاعدة لأسباب معينة. لكنه مثل، في الوقت ذاته خير عون للصهيونية، في استكمال مشروعها الكولونيالي.
***
وعلى أي حال، فإن تحقيق أي من شعاري الدولة الديمقراطية او الثنائية القومية يفترض، بالبداهة، الموافقة الحرة من الأطراف المعنية. وفي حالتنا الملموسة، المطلوب موافقة الطرفين الاسرائيلي – والفلسطيني على هذا الخيار، الذي هو اشبه بالزواج العصري، الذي يشترط ليس فقط الموافقة الحرة للطرفين، بل ومساهمتهما المشتركة في تكوين البيت الجديد. في مثل هذه الحالة، ما هي مساهمة الجانب الفلسطيني في تحقيق هذه الشراكة، في وقتٍ لا يمتلك حتى مصيره نفسه. لو كان لديه دولة مستقلة ومزدهرة، على الأقل، لكان هذا اسهاماً ضاغطاً على الطرف الآخر لقبول مثل هذه الشراكة. أكثر من ذلك، اذا كانت هذه الشراكة المصيرية تشترط موافقة الطرفين الحرة، فما حيلة الطرف الضعيف لتحقيق هذه الشراكة اذا كان الطرف الآخر، وهو الأقوى، بل والمسيطر ، يرفضها؟!
إلا يغدو شعار الدولة الديمقراطية او الثنائية القومية، والحالة هذه، أشبه بالحب الرومانسي من طرف واحد، بحيث لا يعدو ان يكون حلماً مخدراً للذين يرون الأفق السياسي مسدوداً أمامهم، فيلجأون الى القفز من فوق الوقائع الصلدة، والهروب الى الامام، جراء نفاذ صبرهم على طول المعركة وتعقدها، واحساسهم بالعجز عن مواصلتها.
لكن كل هذا لا يعني ان شعار الدولة الديمقراطية او الثنائية القومية، لن يتحول الى امكانية واقعية في الافق البعيد، بعد ان يغدو للشعب الفلسطيني دولته المستقلة والمزدهرة . الا ان هذه الامكانية رهينة المستقبل وليست قطعاً من قضايا الساعة.
واذا أخذنا بنظرية الفرضيات، فإن هذا الشعار، ان كان له ان يتحقق اليوم، فمن خلال احد الفرضيات الثلاثة التالية:
الفرضية الأولى – وقوع تحول راديكالي عاصف في المجتمع الاسرائيلي يخرجه من عالم الصهيونية ونفوذها، الذي ترسخ منذ قيام دولة اسرائيل، بشكل خاص،بمنجزات داخلية وانتصارات عسكرية، هذا النفوذ الذي يسيطر، اليوم، على جميع سكانها اليهود تقريباً، عدا الوف معدودة في احسن الاحوال يقعون خارج هذا العالم الصهيوني .. وبهذا ينفتح افق واقعي امام تحقيق هذا الشعار. ومن الواضح ان حدوث مثل هذا التحول، في الأفق المرئي للعين، يبدو شبيهاً بالمعجزة.
أما الفرضية الثانية، فذلك بأن يجري فرض هذا الشعار من الخارج كبديل للصهيونية بالقوة. واذا تجاوزنا عن ان هذه الفرضية تنفي مضمون الدولة الديمقراطية او الثنائية القومية، بنفيها للخيار الحر والديمقراطي ، لاقامة مثل هذه الدولة، فإن القوة المطلوبة لتحقيق هذه الفرضية ليست فقط غير قائمة، بل وليست هناك مؤشرات، حتى الآن، على توفرها في الأفق المرئي للعين.
بمعنى آخر: فالرافعة الثورية المطلوبة لتحقيق هذه الفرضية هي عشرة اضعاف، ان لم يكن اكثر، مما هو مطلوب لإقامة دولة فلسطينية مستقلة في حدود الرابع من حزيران 1967. ببساطة لأن الصهيونية تعتبر تحول اسرائيل من دولة يهودية الى دولة ديمقراطية او ثنائية القومية مساوٍ تماماً لتدمير هذه الدولة – أي اسرائيل.
بينما الفرضية الثالثة تقضي بأن يأتي خيار الدولة الديمقراطية او الثنائية القومية كتحصيل حاصل – كما يقال – حيث تغدو الضفة الغربية تحديداً جزءاً من اسرائيل . حينها، يتحول نضال سكانها – دون شعارات مسبقة – من هدف الاستقلال الى هدف المساواة المدنية والقومية، في اطار ذات الدولة، ويلتحم هذا النضال، في هذه الحالة مع نضال الأقلية القومية العربية داخل اسرائيل اليوم. لكن لو اراد حكام اسرائيل ضم الضفة الغربية مع سكانها لفعلوا ذلك، منذ حزيران 1967. اما اذا افلحوا في افراغها من سكانها، فليس هناك مجال للحديث عن دولة ديمقراطية او ثنائية القومية، بل عن اسرائيل اليهودية على مساحة أوسع.
ان محاولة تحويل هدف النضال الفلسطيني، من الآن، نحو هدف الدولة الديمقراطية، او الثنائية القومية، هي كمحاولة التصفيق بيد واحدة، او كمحاربة طواحين الهواء. وفي الوقت ذاته تمثل ارباكاً للشعب وللقوى الدولية المتضامنة مع قضيته واستنزافاً اضافياً لطاقاته المستنزفة اصلاً، ليس بسبب ممارسات الاحتلال وجرائمه وحسب، بل ومن الصراعات الداخلية الفلسطينية. وستكون المحصلة الفعلية لذلك تسهيل مهمة الاحتلال في تمرير مشاريعه الكولونيالية، التي يسعى، منذ اربعة عقود، على وجه الخصوص ، لفرضها على شعبنا.
من جانب آخر، يعتقد البعض ممن يطرحون شعار الدولة الديمقراطية او الدولة ثنائية القومية، ان رفع هذا الشعار يمكن ان يشكل اداة ضغط على حكام اسرائيل لصالح حل الدولتين. لكن هذا الاعتقاد فيه من السطحية بمقدار ما فيه من السذاجة . فحكام اسرائيل ما داموا يستندون الى موقف جمهورهم الرافض في شبه اجماع لهذا الشعار، والى دعم واشنطن الراسخ لهذا الرفض، فإنهم ليس فقط لن يعيروا هذا الطرح أي اهتمام، بل انهم يرغبونه، لأنهم يرون فيه اثارة للبلبلة واضاعة الهدف لدى الشعب الفلسطيني نفسه، كما انه يربك المتضامنين الدوليين مع قضية هذا الشعب العادلة. فالمجتمع الدولي اصبح مقتنعاً، اكثر من أي وقت مضى ، بحل الدولتين المستقلتين. بينما لا يعرف شيئاً عن الدولة الديمقراطية او الثنائية القومية. ومن غير الوارد ان يؤيد هذا المجتمع الشعارات الداعية لأي منهما طالما الطرف الآخر يرفض مثل هذه الشراكة، التي تقرر مصير الطرفين وليس الطرف الفلسطيني وحده. ولعله اجدى للذين يرفعون هذاالشعار كفزاعة وهمية أن يرفعوا، بدلاً منه ، سلاحاً حقيقياً، كالمطالبة بحل قضية اللاجئين الفلسطينيين وفقاً لقرارات الشرعية الدولية. فهذا يمثل ضغطاً فعلياً على حكام اسرائيل .
بمعنى آخر: فالبديل ، في ظل موازين القوى القائمة لحل الدولتين ، ليس الدولة الديمقراطية أو الثنائية القومية ، بل فقط المواجهة والمزيد من المواجهة العنيفة غير المتكافئة، مما قد يخلق الظروف لعمليات تطهير عرقي جديدة
حقاً، ان الشعب الفلسطيني لم يحرر ، حتى الآن شبر ارض واحد، تحريراً حقيقياً. لكنه حقق مكاسب معنوية هامة بنضاله وتضحياته، ينبغي عدم الاستخفاف بها، بل اتخاذها منطلقات جديدة في النضال الفلسطيني ضد الاحتلال. فاذا كانت غولدا مئير، حتى العام 1973 تتساءل باستخفاف : اين هو الشعب الفلسطيني، واذا كان من يرفع العلم الفلسطيني يغامر بحياته خلال الانتفاضة الاولى ، فإنه حتى بوش وشارون ومن بعده اولمرت يضطرون اليوم للاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في دولة مستقلة، بالرغم من نواياهم لمحاولة افراغها من مضمونها الفعلي. وغني عن القول ان ذلك لم يأت من عبث، بل بتضحيات الشعب الفلسطيني السخية وصموده في ارض وطنه، وقناعة المجتمع الدولي المتزايدة بذلك.
إن المأزق التاريخي للصهيونية عموماً وأزمات حكام اسرائيل خصوصاً، تشير للفلسطينيين بالبنان الى نقطة ضعفهم ومصدر قوة الشعب الفلسطيني، بمعنى آخر: ان مفتاح الموقف في حسم المعركة آخر المطاف، هو صمود الشعب الفلسطيني في أرض وطنه. هذه هي الحلقة المركزية التي تجر وراءها جميع حلقات الصراع الفلسطيني – الاسرائيلي.
وطبعاً، لا يدور الحديث عن صمود سلبي، بل صمود فاعل ومقاوم، وبمختلف وسائل المقاومة لشعب تحت الاحتلال. ولما كانت اشكال المقاومة هذه هي وسائل وليست غايات، فإن تبديلها وتغييرها خاضع لظروف المعركة، في الزمان والمكان المعين. وفي الحالة الفلسطينية الملموسة فإن اشكال المقاومة ينبغي ان تخضع، قبل كل شيء، لخدمة هدف الصمود، وليس العكس. فالأشكال التي تلحق الضرر بهذا الصمود وتبرر للاحتلال جرائمه امام المجتمع الدولي، كالتفجيرات الانتحارية ضد المدنيين داخل الخط الأخضر، ناهيك عن الصواريخ العبثية ، لا يمكن ان تخدم هدف تعزيز الصمود. لقد جرت عمليات عسكرية شجاعة ضد جنود الاحتلال ومستوطنيه، ليس فقط عززت معنويات الشعب الفلسطيني وصموده، بل وتفهمها الرأي العام العالمي، وحرم اسرائيل من اتخاذها غطاء لمزيد من التنكيل بالشعب الفلسطيني.
واذا كان الصمود فوق ارض الوطن هو سلاح الفلسطينيين الاستراتيجي الأول والمقرر، بل والقادر في الافق التاريخي على هزيمة المشروع الصهيوني ، فإلى أي مدى عمل ويعمل المسؤولون في الساحة الفلسطينية : منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية، على تعزيزه والسهر عليه؟ هذه قضية أخرى.






غياب البعد الاستراتيجي

إن النقص الأساسي، في رؤيا الذين يتحدثون، هذه الأيام، عن التحول عن حل الدولتين الى شعار الدولة الديمقراطية أو الثنائية القومية، أنهم لا يرون من طريق المعركة إلا نصفه، إن لم يكن أقل من ذلك، لهذا، فعندما يصلون الى نهاية هذا الطريق المجتزأ، دون تحقيق نتائج ملموسة، يصابون بالاحباط ، ويتجه بعضهم الى الرهان على حلول وهمية، في اطار المعطيات الراهنة.
ولامتلاك، القدرة على تحديد الطريق بكامله، والعقبات الرئيسية القائمة عليه، لا بد من العودة الى الأسباب الرئيسية لنشوء اسرائيل. فعندما عقدت الامبريالية البريطانية الصفقة مع قيادة الحركة الصهيونية لاقامة وطن قومي لليهود في فلسطين ، كانت الأولى تتوخى من وراء ذلك تحقيق أمور رئيسية ثلاثية:
الأول – وهو الأهم والأساس، أن يحول هذا الوطن القومي اليهودي دون وحدة العالم العربي، ليبقى ممزقاً وضعيفاً، وبالتالي، سهلاً على السيطرة الامبريالية، وبالمناسبة، فهذا التفكير لدى البريطانيين يعود الى أيام حملة ابراهيم باشا، ثلاثينيات القرن التاسع عشر، بل وسبقهم الى هذا التفكير نابليون الفرنسي، الذي ارتد عند أسوار عكا عام 1799.
أما السببان الآخران، فكانا: حراسة قناة السويس التي افتتحت عام 1869، وتامين طريق الهند، درة التاج البريطاني آنذاك. ومعلوم أن هذين السببين سقطا، فالقناة أممها عبد الناصر، والهند استقلت.
أما العامل الأول، فقد تضاعفت أهميته وغدا نقطة تلاقي الدعم من جميع الدول الامبريالية التي لها مصالح أو حتى التي تطمح أن يكون لها مصالح في الشرق الأوسط. وقد بدا ذلك مجدداً وعلى نحوٍ استعراضي، في احتفالات الستين على قيام دولة اسرائيل، حيث هرول قادة هذه الدول الامبريالية وعلى رأسهم رئيس الولايات المتحدة، لتجديد التزامهم بالحفاظ على سلامة اسرائيل. وطبعاً، فليس مردّ هذا الالتزام اعتبارات ايديولوجية أو أخلاقية، فأغلبية هذه الدول لها سجل حافل في اضطهاد اليهود في ماضيها.
وبهذا المعنى، فالمشروع الصهيوني، ومنذ لحظة التخطيط له، كان جزءاً لا يتجزأ من مشروع امبريالي، هذا أولاً وثانياً، انه لم يكن يستهدف الشعب الفلسطيني وحده، بل كان موجها ضد مجموع الشعوب العربية، ولا سيما الشرق أوسطية.
وتغيير زعماء الصهيونية قبلة ولائهم الأولى من بريطانيا الى الولايات المتحدة، لم يغير مطلقا من هدف إقامة اسرائيل وسط العالم العربي، بل ضاعف من طبيعة المهام العدوانية المنوطة بها في هذا الوسط .
لذلك، فقوى هذا التحالف الصهيوني – الامبريالي أكبر بكثير من أن يتمكن الشعب الفلسطيني وحده، من إرغامها على التراجع والتسليم بحقوقه المشروعة. ولكن ما دامت البلاد العربية، وخصوصا المحيطة بفلسطين، مستهدفة دوماً من هذا التحالف، فهي مدعوة، شأنها شأن الشعب الفلسطيني للمشاركة، يداً بيد، مع هذا الشعب، في مواجهة هذا التحالف المعادي. وحقيقة أنها مستهدفة من هذا التحالف ليست قضية نظرية، بل تأكدت منذ قيام دولة اسرائيل، بسلسلة من أعمال الغزو والعدوان، التي لم يكن لها صلة مباشرة بالقضية الفلسطينية ، كما سبق الاشارة.
وقد ثبت أن لا سبيل للتعامل مع هذا التحالف الامبريالي – الصهيوني إلا بالاستسلام لارادته وشروطه – كما ارتضت بعض الدول العربية – أو الوقوف بحزم في وجهه.
على صعيد آخر، يتضح من التجربة العملية، على مدى أكثر من أربعين عاماً، منذ احتلال اسرائيل لبقية الأرض الفلسطينية، أن الحركة الوطنية الفلسطينية، بمفردها، وبرغم ممارستها لمختلف أشكال المقاومة، لم تستطع أن تنتزع من التحالف الاسرائيلي – الاميركي أي من حقوق شعبها، وأن اسرائيل بالاستناد الى هذا التحالف، ترفض بعناد اية تسوية للقضية الفلسطينية، على أساس قرارات الشرعية الدولية. وهذا ما أسفر عن الوضع الحالي، حيث تأكد إفلاس نهج المفاوضات، التي حددت واشنطن شروطها وبرنامجها، وانفردت في الاشراف عليها. ومن الجانب الآخر، اتضحت نتائج ممارسات حماس العبثية، في قطاع غزة، والتي تمخضت عن سيطرتها على القطاع، واتفاقها مع اسرائيل على تهدئة مفتوحة، مما يكرس تقسيم الأرض والشعب والقضية الفلسطينية لصالح التحالف الاسرائيلي – الاميركي، والى أن يتشكل على أرض الواقع أحد أسوأ أشكال الحكم الذاتي، حيث يتحكم الاحتلال الاسرائيلي في حركة أي مواطن، في الضفة والقطاع، ويتصرف بأرض الضفة الغربية كما يحلو له.
إن المحصلة الأساسية لعلاقة الحركة الوطنية الفلسطينية بالنظام العربي على مدى تاريخها تؤكد، أن هذه الحركة تضررت أكثر مما استفادت، فهذا النظام كان موقفه، في معظم الحالات والأوقات، أقرب الى التحالف الامبريالي – الصهيوني منه الى موقف الشعب الفلسطيني وحركته الوطنية.
لقد سعى هذا النظام العربي، ومنذ البدء، لاحتواء القيادة المعاصرة للحركة الوطنية الفلسطينية وجعلها على صورته، كما فعل مع القيادة السابقة، أي فرض وصايته على القضية الفلسطينية، وفي مسعاه هذا لجأ الى مختلف الوسائل ومنها المال. ومع احتدام معارك الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال الاسرائيلي، والاصطدام بموقف النظام العربي السلبي، برز شعار "استقلالية القرار الوطني الفلسطيني"، الذي طغى في مراحل معينة على غيره من الشعارات الأخرى للحركة الوطنية الفلسطينية.
لكن هذه العلاقة المختلة بين النظام العربي والقيادة الوطنية الفلسطينية، حرمت هذه القيادة من حق مخاطبة الشعوب العربية مباشرة، لأخذ دورها في المعركة خصوصا في المواقف الحاسمة، كما كان خلال حصار بيروت عام 1982، هذا الحصار الذي امتد أكثر من ثمانين يوما، لم يحرك النظام العربي، خلالها ساكناً، ومن بعده حصار عرفات في المقاطعة، وأخيرا حصار قطاع غزة بسكانه .
ولكن برغم ذلك، فإن هذا لا يعني ، ولا بأي حال، أن الشعب الفلسطيني في غنى عن المشاركة العربية الفعالة، لتحقيق أهدافه الوطنية المشروعة، هذه المشاركة التي لا أمل في تحقيقها في ظل النظام العربي القائم.
والى أن تتوفر هذه المشاركة العربية الفعالة، التي هي في حقيقتها التزام في المعركة المشتركة، التي تستهدف الجميع، وليس تبرعاً للشعب الفلسطيني، الذي يتحمل اليوم عبء هذه المعركة منفرداً... الى ذلك الحين تنتصب أمام الشعب الفلسطيني مهمتان استراتيجيتان من الدرجة الأولى، مستقلتان، لكنهما، في الوقت نفسه، متصلتان، وتكمل إحداهما الأخرى.
الأولى – وهي وطنية فلسطينية، وتتمثل في تعزيز صمود سكان الأرض المحتلة، فمن المعروف أن المشروع الصهيوني هدفه الأساسي، كان ولا يزال، الاستيلاء على بقية الأرض الفلسطينية أو أكبر قسم مما تبقى منها، دون سكانها، مما يجعل من مهمة الصمود الحلقة المركزية في التصدي لهذا الهدف الاسرائيلي التوسعي. وفي الحقيقة، مثّل هذا الصمود أزمة الاحتلال الأساسية منذ وقوعه عام 1967. وبالتالي، يجب إخضاع حلقات العمل الوطني الفلسطيني الأخرى لخدمة هدف الصمود. حتى الحديث عن العدالة الاجتماعية تحت الاحتلال، ينبغي أن تكون ترجمتها الفعلية توزيع أعباء معركة الصمود، وعدم تحميلها للطبقات الكادحة والفقيرة، والتي هي حجر الأساس في هذه المعركة، بينما الشرائح والفئات الثرية لا تتحمل نصيبها العادل من هذه المعركة، بل وأقسام منها تزداد ثراءً. أما طابع هذا الصمود، فليس بالقطع سالباً، كما سبق الاشارة .
أما المدى الزمني لمعركة الصمود، فمرتبط، في الأساس، بحدوث تغييرات فعلية في المحيط العربي، تحول هذا المحيط من حالة المتفرج الى حالة المشارك الفعال في المعركة المشتركة ضد التحالف الامبريالي – الصهيوني. وعلى كل حال، يجب مصارحة الشعب بأن الحل للقضية الفلسطينية ليس وراء الباب. وباستمرار مكاشفة هذا الشعب بالحقائق، مهما كانت سلبية، ليكون مهيأً لتحمل طول المعركة وأعبائها، لا سيما وقد أثبت حتى الآن قدرة أسطورية على ذلك.
وغني عن القول أن المحركات الأساسية لمثل هذه التغييرات المطلوبة في العالم العربي، ليست القضية الفلسطينية ومتطلباتها، بل الأزمات الداخلية المتفاقمة في كل بلد، وعلى مختلف الصُعُد. لكن القضية الفلسطينية مستفيد أساسي من مثل هذا التغيير. إن نظرة فاحصة على العالم العربي، اليوم، تنبيء أنه ناضج، موضوعياً للتغيير. وما ينقصه من أجل التغيير هو القيادة الثورية، التي تحدد الهدف، وتسير على رأس الجماهير الطامحة للتغيير. وبمعنى آخر، فبقاء النظام العربي الحالي، حتى اليوم، يعود، في الأساس، الى غياب القيادة الثورية المنوط بها تحقيق التغيير. فهذا النظام العربي، المعزول والمكروه من الشعوب العربية، يحكم بقوى القمع البوليسي، واستناداً الى دعم وحماية التحالف الامبريالي – الصهيوني، ليس إلاّ.
وإذا كانت الأهمية الأولى، خارج الساحة الفلسطينية، تعود الى تغيير الأوضاع في العالم العربي الى أوضاع معادية للتحالف الامبريالي – الصهيوني، وديمقراطية، فهذا لا ينفي الأهمية القصوى لأية تغيرات عالمية، تسقط نظام القطب الدولي الواحد، الذي تتشبث به الولايات المتحدة وتعمل المستحيل لتأبيده، أن أحد تجليات هذا الدور الاميركي، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، هو في منع أية تسوية لا ترضى عنها اسرائيل. لكن التحديات لهذا الدور الاميركي المهيمن، راحت تتسارع وتتعاظم، وذلك الى جانب تفاقم أزمة النظام الامبريالي الاميركي الداخلية، وقد جاءت نتائج أزمة جورجيا، في آب 2008، كمؤشر بعيد المغزى على أن دور الهيمنة الاميركي المتفرد قد تجاوز نقطة صعوده، وراح ينحدر لصالح عالم متعدد الأقطاب.
ثانيا – المهمة الاستراتيجية الثانية أمام الشعب الفلسطيني، هي الاسهام الفعال في تحريك الساحة العربية في اتجاه التغيير المطلوب، طالما أن الشعب الفلسطيني يتحمل أعباء المواجهة، مع التحالف الامبريالي – الاسرائيلي ، ليس دفاعا عن نفسه وحقوقه فقط ، وانما عن الشعوب العربية وبخاصة المحيطة. وبهذا، لا يمثل اسهامه هذا تدخل في شؤون هذه الشعوب الداخلية. ويبدو أنه غدا ضرورياً تأسيس جبهة جماهيرية، على نطاق العالم العربي، تتفاعل حلقاتها الوطنية مع بعضها البعض، في اطار مهام مشتركة تخدم مهمة التغيير في العالم العربي، بحيث إذا بدأت عملية تغيير في بلدٍ أو آخر، تهب حلقات هذه الجبهة الجماهيرية لمساندة ودعم تلك العملية وحمايتها من تدخل بقية الأنظمة العربية، هذا التدخل الذي بقي حتى اليوم، حكرا على مكوّنات النظام العربي الرسمي.
إن مثل هذه المهام ذات البُعد القومي العربي، لا تتعارض مع الالتزامات الوطنية – الداخلية – لحلقات الجبهة الجماهيرية العربية، ولا تمس استقلاليتها. علاوة على ذلك، فان تشكيل مثل هذه الجبهة الجماهيرية العربية وطبيعة نشاطها تمثل – في أحد جوانبها – الرد العملي على مساعي التحالف الامبريالي – الصهيوني الذي يجهد اليوم ليس فقط لتكريس وتعميق التجزئة للشعوب العربية، هذه التجزئة التي تشكلت منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، بل ويسعى الى مزيد من تجزئتها، على أسس طائفية ومذهبية واثنية.
وحتى وقوع هذا التغيير في العالم العربي، فإنه إذا واصل التحالف الاميركي – الاسرائيلي عرقلة تسوية القضية الفلسطينية على أساس دولة فلسطينية مستقلة في الضفة والقطاع وعاصمتها القدس العربية، وحل قضية اللاجئين الفلسطينيين وفقاً لقرار الأمم المتحدة 194، وإذا حدث أن جاء هذا التغيير في العالم العربي راديكالياً، فإن هذا قد يطرح بدائل أخرى لحل الصراع الاسرائيلي – الفلسطيني، بما في ذلك العودة الى قرار التقسيم لعام 1947، الذي قامت اسرائيل على أساسه، والذي ما زال قائماً ولم يجرِ الغاؤه أو استقاطه.
وفيما يتعلق باسرائيل، وبغض النظر عن أية اتفاقات أو معاهدات عقدتها أو تعقدها مع أطراف عربية وفلسطينية، فستبقى تمثل، موضوعياً، كيانياً كولونيالياً، في المنطقة، ما لم تتحوّل في ثلاث ميادين اساسية:
الأول – تحقيق تسوية عادلة للقضية الوطنية الفلسطينية.
والثاني – التخلي نهائيا عن دورها في خدمة مصالح الدول الامبريالية، ولا سيما الاميركية وأداتها للعدوان في المنطقة وضد شعوبها.
والثالث: التحوّل لتغدو جزءاً من المنطقة، والكف عن اعتبار نفسها جزءاً من الغرب، بحيث تتماثل مع طموحات وهموم المنطقة وشعوبها.
ولكن اذا ما واصلت اسرائيل نفس النهج الذي صارت عليه منذ قيامها وحتى اليوم ، فان مصيرها خاضع لكل الاحتمالات .






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- هل- الماركسية- مستقبل في عالم متغير؟ تعقيب على مقال د.ماهر ا ...
- تعقيب على مقال د.ماهر الشريف-هل للماركسية مستقبل في عالم متغ ...
- امارة حماس
- حول شعار الدولة الديمقراطية أو الدولة ثنائية القومية
- الذكرى الخمسون لقيام الحزب الشيوعي الأردني


المزيد.....




- السعودية تدعو إلى محاسبة النظام الإيراني على أعماله "ال ...
- طوكيو تعلن إجراء تدريبات عسكرية مشتركة مع بريطانيا قريبا
- السعودية تشيد بالموقف الأمريكي من إيران في مجلس الأمن الدولي ...
- الرئاسة التركية: الولايات المتحدة في عزلة بعد قرار ترامب
- تركيا: تصريحات أرمينيا بشأن بروتوكولات التطبيع مضللة وباطلة ...
- الدفاع الروسية تنفي اعتراض مقاتلات أمريكية لطائرتين روسيتين ...
- إيران أم السعودية.. من يساعد الفلسطينيين في انتفاضتهم؟
- لماذا لم يقدم المصورون الطعام لدب كان يتضور جوعا؟
- حماس تحتفل بذكرى انطلاقتها الثلاثين على وقع الغضب الفلسطيني ...
- الموصل تشهد أول استعراض عسكري بعد تحرير نينوى


المزيد.....

- -دولتان أم دولة واحدة؟- - مناظرة بين إيلان بابه وأوري أفنيري / رجاء زعبي عمري
- رد عادل سمارة ومسعد عربيد على مداخلة سلامة كيلة حول الدولة ا ... / عادل سمارة ومسعد عربيد
- الدولة الديمقراطية العلمانية والحل الاشتراكي - مناقشة الصديق ... / سلامة كيلة
- مناقشة نقدية في حل -الدولة الديمقراطية العلمانية- / عادل سمارة ومسعد عربيد
- ماركس وحده لا يكفي لكنه ضروري - تعقيب على رد الصديقين عادل و ... / سلامة كيلة


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - ملف: الدولة الديمقراطية العلمانية في فلسطين - نعيم الأشهب - حول شعار الدولة الديموقراطية أو ثنائية القومية