أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ديما احمد صالح - أثر حركة الإصلاح الديني البروتستانتي في عملية التحول السياسي















المزيد.....



أثر حركة الإصلاح الديني البروتستانتي في عملية التحول السياسي


ديما احمد صالح

الحوار المتمدن-العدد: 2355 - 2008 / 7 / 27 - 11:18
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


ان عملية البحث في علاقة الدين بالديمقراطية لا تتم إلا بالعودة إلى التجربة التاريخية التي مرت بها أوروبا خاصة بالقرون الوسطى،فهذه المرحلة تعتبر الأساس.فما نجده اليوم من آراء حول علاقة الدين بالديمقراطية في الفكر الغربي ماهو في الحقيقة إلا ردة فعل تجاه واقع حكومة رجال الدين.ففي بدايات القرون الوسطى منذ إصدار إمبراطور الروم الشرقية «جستنيان» أمره في عام 529م بإغلاق الجامعات وتعطيل المدارس في أثينا والإسكندرية ففر العلماء خوفاً على أرواحهم ولجأ وا إلى مناطق أخرى،ومن الخصائص العامة لهذه المرحلة التي دخلتها أوروبا هو تسلط الكنيسة على المراكز العلمية ومناهج المدارس والجامعات وبالتالي كان رجال الدين يفتحون المجال فقط للأفكار والعقائد التي تتلاءم مع الأفكار المسيحية وكانوا يرفضون الأفكار المخالفة ويحاربونها بشدة.وجرائم رجال الدين ضد المفكرين لا تحصى من حيث الظلم والإستبداد الفكري والإرهاب الديني والذي استطاع أن يجثم على المجتمع الأوروبي ما يقارب الألف سنة.لكن حركةالإصلاح البروتستانتي كانت فاتحة التحول باتجاه رؤية علمانية مسيطرة في الثقافة الأوروبية،حيث مهدت لولادة الحداثة وظهور الذاتية والعقلانية والتاريخية حتى الحداثة السياسية متجسدة في الأنسنة والديمقراطية وحقوق الإنسان.
وما يتمحور حوله هذا الموضوع هو هل هناك اثر ايجابي لحركة الإصلاح الديني البروتستانتي في عملية التحول السياسي نتيجة لسياسة الحركة ورفضها لسلطة الكنيسة ( التشديد على ان علاقة الفرد مع الله لا تحتاج إلى وسيط من كنيسة وبابا..) ودعمها للسلطة الزمنية،مما أثار الجدل حول وجوب أو عدم وجوب طاعة الحاكم، فهل لها دور في عملية التغيير و التطور وظهور الديمقراطية في أوروبا؟ وسيتم الوصول إلى النتائج من خلال محاولة الإجابة على عدة تساؤلات منها:
1) هل عملت البروتستانتية على نقل السلطة الزمنية للناس أم أبقتها في يد الكنيسة؟كيف أثرت في السياسة؟
2) هل يوجد انقسامات واختلافات حول موضوع السلطة الزمنية داخل البروتستانتية؟
3) هل البروتستانتية هي حركة إصلاح ديني،أم أنها أعمق من ذلك؟؟


الوضع قبل وبعد ظهور حركة الإصلاح الديني البروتستانتي


ساد التفاهم بين السلطة الزمنية والروحية في بداية العصور الوسطى،إذ أن المسيحية وضعت حداً للمزج بين السلطتين.ولقد مارست الكنيسة نشاطها ضمن الميدان الروحي والأخلاقي واستطاعت تحقيق النجاح في عصر آباء الكنيسة واجتنبت التدخل بأمور الدولة والتعرض لتفوق سلطة أخرى.ثم قوي رجال الكنيسة من مركز الملك وذلك من أجل الحصول على الدعم والتأييد.ثم اختلف الوضع بعد انتقال المسيحية إلى أوروبا،ولعدم وجود حد فاصل واضح بين السلطتين اندلع نزاع بينهما ونتيجة لذلك برز تياران في الفكر السياسي:تيار ينادي بتفوق السلطة الروحية على السلطة الزمنية وتيار يؤيد السلطة الزمنية.

عند العودة إلى تاريخ العصور الوسطى (الفترة الواقعة بين القرن العاشر والثاني عشر) نجد أن السلطة في تلك الفترة أصبحت متمركزة في الكنيسة وفي يدي البابا خاصة،و التعليم حكراً على رجال الدين و الثقافة مستمدة من ثقافة الكنيسة ومن المعتقدات الدينية المسيحية والبعيدة عن المنطق والتجربة بعكس ما أصبحت عليه في العصور الحديثة من حيث الثقافة العلمانية القائمة على أسس التحليل العلمي.فالتطور الذي وصل إليه الفكر الأوروبي تم نتيجة عاملين،الأول صراع طويل في أواخر القرون الوسطى داخل الكنيسة البابوية للحد من الصلاحيات والامتيازات الدينية والدنيوية التي كان يتمتع بها البابا،ولوضع نظريات جديدة كفيلة لإنشاء برنامج إصلاحي جذري يتناول الكنيسة بأكملها.أما الثاني فهو التطورات الإقتصادية المتراكمة خلال حقبة طويلة من الزمن والتي أدت إلى خلق تشكيل ثوري جديد من المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية السائدة خلال العصور الحديثة ومتميزة بشكل ظاهر عن المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية التي عايشت القرون الوسطى.

فالهجوم على البابوية ومؤسسة الكنيسة،قد أخذ في أواخر العصور الوسطى،أبعاد جديدة من حيث الاتساع والجرأة.ومن الملاحظ أن هذا الهجوم لم يشنه أصحاب الأفكار اللادينية فقط،بل شارك فيه العديد من أهل الرأي والمتدنين الذين حملوا على البابوية ومؤسسات الكنيسة باسم ما اعتبروه انحرافا عن تعاليم المسيح.ولقد تعاظمت حدة النقد الديني داخل الكنيسة إلى أن أدت في القرن السادس عشر إلى تبلور تيار عرف ب حركة الإصلاح الديني.


المحاولات الإصلاحية قبل ظهور حركة البروتستانت:
كما سبق وذكرنا،كانت الكنيسة هي المسيطرة في القرون الوسطى،حيث سيطرت على كافة نواحي الحياة وخاصة التعليم فجعلته حكرا لها،ومع ذلك فإن القرن الخامس عشر والقرن السادس عشر،قرني عصر النهضة بما حوته هذه العلوم من تحرير قضايا العلم والبحث والفلك والفنون والتعليم والرسوم والنحت وكان هذا على حساب الكنيسة.
وكان من أهم العلوم الإغريقية التي بقيت طي الكتب،هو علم الديمقراطية الأثيني،الذي لم ينجح أن يتخطى عَتبات أمراء المدن الإيطالية وبقي هذا العلم حبيساً في مكتبات قصورهم وإن استعملوه على أضيق نطاق ضد الكنيسة،حيث كانوا يطمعون إلى إعادة سلطات الكنيسة إلى داخل أبواب الكنيسة تمهيداً لتقويض نفوذها.بدأت هذه الأفكار العلمية تغزو الكنيسة وتطارد نفوذها،وظهرت توجهات مبكرة تدعو لتقويض نفوذ الكنيسة ومنع تدخلها في الأمور الدنيوية الخاصة بعامة الناس.ولقد شكل التدخل الديني من البابا ورجاله دفعاً قوياً لانتشار الأفكار الإصلاحية،والتي أثرت في الأفكار الاجتماعية والسياسية،وتشكيل الأمم الأوروبية،وتحديد حدودها [الدولة-الأمة]،وهذا رفع من وتيرة الدراسات للمشاركة القومية سياسياً،مما دفع علماء الأنتربولوجيا إلى إعادة النظر في ديمقراطية أثينا ولو على صفحات الأبحاث والدراسات.
وفي أوائل القرن السادس عشر،فإن أفكاراً جديدة لعصر النهضة قادت بعض الناس لتحدي تعاليم الكنيسة الكاثوليكية (روما)،حيث اعتنى رجال الدين الكبار بالحصول على النفوذ و الأموال بوسائل منحطة من أجل الترف والحياة الرغيدة على حساب الدين وتعاليمه.
نتيجة لسياسات الكنيسة وضعف سلطتها،ظهرت الكثير من الكتابات التي انتقدت سياسة الكنيسة،كما وجهت الجدل نحو السلطات البابوية المطلقة في الكنيسة،خاصة وان سلطات الكنيسة ليست دينية فقط وإنما تجاوزتها حيث كان البابا يشرف على منح الإقطاعيات وتحويل المبالغ الضخمة إلى الخزينة البابوية، هذا إلى جانب انتشار الفساد والرشوة في حكومة الكنيسة.ومن أشهر الكتاب،مارسيليو بادوا وويليام آكام.كما كان لكتابات جون ويكليف في إنكلترا وجون هس في بوهيميا قيمة كبرى من حيث التأثير على الكثير من الناس،خاصة مع اعتبارهم أن الكنيسة عبارة عن جميع المسيحيين من العامة والكهنة وأن الكنيسة وليس رجال الدين هي التي تلقت القانون السماوي والسلطة الروحية،وبذلك يكون من حق عموم المؤمنين العضوية في الكنيسة والمشاركة في إصلاحها من فساد رجال الدين.

يظهر مما سبق،أن أفكار الكتاب في تلك الفترة اتجهت إلى اعتبار رجال الدين مجرد وكلاء أو أعضاء يقوم المجتمع عن طريقهم بأداء وظائفه وواجبا ته الدينية،أي أنهم وسيلة مما يضعف من سلطة رجال الدين ومحاولتهم السيطرة على أفراد المجتمع.

وانسجاما مع هذا التوجه،سيطر التساؤل حول مصدر السلطة العليا الحقيقة على كتابات نيكولاس كوسا في معرض دفاعه عن فكرة المجلس العام للكنيسة.وللإجابة عن هذا التساؤل استند في كتاباته على القانون الكنسي الذي ينص على أن رضا المجتمع وموافقته يُعتبران ركناَ جوهريا من أركان القانون.وبما أن رضا المجتمع ينبع من تقاليده وعاداته،يكون المجلس العام للكنيسة الذي يمثل المجتمع المسيحي كله أكثر قدرة من البابا بالتحكم في موضوع السلطة والقوانين،إذ أن كثيراً ما عجزت القرارات البابوية لأن يكون لها قوة القوانين بسبب عدم حيازتها رضا وقبول الناس بها،حيث أن رضا الناس يعتبر شرطاً أساسيا لكي يصبح القانون ملزم.

أما ميكافيللي، فيُمثل أصحاب الأفكار اللادينية.فالوضع السياسي والاجتماعي الفاسد في ايطاليا أثر على أفكاره وأوصله إلى ان سبب التشتت والتناحر في ايطاليا هي البابا والكنيسة.فالبابا بدلاً من أن يبقى حكماً بين المسيحيين في أوروبا بأكملها،جعل من نفسه حاكماً يسعى للسلطة والنفوذ مثله مثل أي حاكم زمني آخر،مما أدى إلى تردي الأوضاع.كما أن ميكافيللي انتقد الدين المسيحي لأن المسيحية لها دور في احتقار الفضائل والقوة العسكرية وتشجيعها على الخنوع والمسكنة مما أدت إلى ضعف الدولة،فالدين الحقيقي يكون العامل الأساسي في تقوية الدولة.
ركز ميكافيللي على الأمير وعلى ضرورة اعتماده على شتى الوسائل حتى لو تجاوزت حدود الأخلاق والدين،لكن ظهر فيما بعد أن ميكافيللي دعا إلى تلك السياسة نتيجة للأوضاع السيئة في ايطاليا.ففي كتاب الخطب،ظهر أن ميكافيللي يفضل الحكم الجمهوري على الحكم الملكي (لكن هذا الحكم لا يصلح إلا للشعوب المتمسكة بالأخلاق والقيم)،لكنه وبسبب فساد الأوضاع في ايطاليا فقد رأى أنها لن تصلح إلا من خلال أمير قاسي وقوي.

يظهر أن ميكافيللي لا يُهمل الدين،لكنه يرى فيه وسيلة من الوسائل التي تتيح للدولة استكمال مصالحها.فمن خلال تسليمه أن الكنيسة مؤسسة من المؤسسات التي يجب أن تكون في خدمة الدولة،يسعى للقضاء ذهنياً على النزاع الذي دام قروناً عديدة بين الدين والدولة،وكان موضوعه تعيين حدود سلطة كل منهما ودائرة صلاحياته ونفوذه.
وما يهمنا في هذا الموضوع هو التيار البروتستانتي و مدى تأثيره في عملية التحول السياسي والدمقرطة.

حركة الإصلاح البروتستانتي
تُعتبر الفترة التي ظهرت فيها حركة الإصلاح الديني (القرنين الخامس عشر والسادس عشر)بالفترة الانتقالية للفكر الديني الغربي من العصور الوسطى إلى العصور الحديثة،فهي فترة كان لها الأثر الكبير في الحياة السياسية والدينية.وما سنركز عليه هو حركة الإصلاح الديني البروتستانتي التي نشأت على يد مارتن لوثر عام 1517في ألمانيا وقد انشقت الكنيسة البروتستانتية عن الكنيسة الكاثوليكية في القرن السادس عشر،لتتفرع منها العديد من الكنائس الأخرى.ومن أهم ميزات البروتستانت عن الطوائف المسيحية :الإيمان بأن الكتاب المقدس فقط (وليس البابوات) هو مصدر المسيحية،إجازة قراءة الكتاب المقدس لكل أحد،كما له الحق بفهمه دون الاعتماد في ذلك على فهم بابوات الكنيسة.عدم الإيمان بـالأسفار الأبوكريفا السبعة، واعتماد التوراة العبرانية بدلاً من اليونانية.عدم الاعتراف بسلطة البابا وحق الغفران وبعض عبادات وطقوس الكنيسة الكاثوليكية.
لقد كانت الحركة الإصلاحية ضرورية لعدة أسباب أهمها: رغبة الأمراء في الاستقلال ببلدانهم عن النفوذ البابوي،معارضة الحكام أنفسهم إعفاء الكنيسة من الضرائب وطمع بعض الحكام في ممتلكات وعقارات الكنيسة، بينما أبدى الأثرياء والمستثمرون ضيقهم ومعارضتهم لقرار الكنيسة في منع الفوائد على القروض الاستثمارية،وعارض الكثيرون من هؤلاء وأولئك وغيرهم خروج ثروات بلدانهم لتذهب إلى روما.كما أثار بعض المثقفين الأوروبيين( نتيجة لأفكار النهضة الأوربية)،الكثير من الشكوك حول شرعية السلطة الكنسية وأبدى البعض استياءه من تراكم أخطاء الكنيسة ورجال الدين،كما أن تدهور المقام الكنسي نفسه وفقدان هيبته السياسية اثر قيام ملوك فرنسا بحبس البابوات على امتداد أكثر 360 سنة بعيدا عن روما،في بلدة «أفينيون» الفرنسية، لتعقبها فترة ثانية امتدت قرابة الأربعين عاما من الصراع على الشرعية البابوية بين بابوات روما بابوات أفينيون (1378-1417).وأخيراً فشل محاولات المصلحيين المسيحيين الكاثوليك إصلاح الكنيسة والمؤسسة البابوية.. من الداخل.

جدلية صحة أم عدم صحة الحق في مقاومة الحاكم
أصبحت النقطة التي دار حولها أكثر الجدل في الفلسفة السياسية،هي السؤال عما إذا كان من حق الرعايا مقاومة حكامهم؟؟أما أنهم مدينون بواجب الطاعة العمياء بحيث أن المقاومة خطأ في جميع الحالات؟؟ومع أن هذه الجدليات في الحقيقة لم تكن جديدة في حد ذاتها،لكن أصبحت في القرن السادس عشر ذات أهمية واعتبرت الأولى نظرية معادية للملكية والثانية نظرية ملكية.


لقد انحاز العديد من الأمراء الألمان لقضية لوثر إما بسبب اهتماماتهم الدينية أو بسبب رغباتهم الخفية بالاستيلاء على الأراضي الكنسية.ونظراً لعدم اكتراث لوثر المزاجي بالسياسة، ولارتباطه بالأمراء واضطراره للتحالف معهم في صراعه ضد روما،فقد كان عليه أن يلح على واجب المسيحيين بالطاعة للسلطة الزمنية لاسيما وأن توجهات فوضوية دينية واجتماعية،في نفس الوقت، كانت قد انبثقت عن الانقلاب الأخلاقي الذي أحدثته تعاليمه التبشيرية.


إن لوثر نتيجة لسياسة الكنيسة يحترم السلطة المدنية والنظام الزمني الذي زوده الله بالقوة وجعل من مهمته استخدامها ويرى أن الشعب يجب أن يكون محكوم بالقوة.كما يجد أنه ليس لأحد الحق في مقاومة السلطة الإلهية بمصدرها ومهمتها،وإن أي تحفظ يمس شرعيتها أو عدالة أعمالها هو أمر غير مقبول،لأنه حيث توجد سلطة ما وحيث تُمارس فإنها تكون وتُمارس لأن الله أسسها.لذلك يعتبر لوثر أن كل مقاومة نشيطة للملك السيد هي بنظر لوثر قدح في الذات الإلهية.

يتحدث لوثر عن المملكتين أو الحكومتين المستوحى من مدينتي القديس أوغسطين،وهما مملكة الله (مملكة العفو والرحمة) ومملكة العالم (مملكة الغضب والشدة،لأنه لا يوجد فيها إلا العقاب والمقاومة والحكم والإدانة لقهر الأشرار وحماية المستقيمين،ولهذا تلقت هذه المملكة السيف وسُمي الأمير في الكتاب المقدس بغضب الله).فيعتبر لوثر أن المزج بين هاتين المملكتين أمراً مفجعاً،لأن الله قد وضع مملكة العالم تحت السيف وتحت القانون باعتبار أن العالم بأسره سيء وأن من بين كل ألف شخص يوجد بالكاد مسيحي واحد لا يرتكب الذنوب ولا يخالف السلطة،وخضوعه للسلطة الزمنية لا يمس مطلقاً الحرية المسيحية.
كما دعا لوثر إلى إطاعة السلطة الزمنية،في كل ما يتعلق بالمسائل الزمنية،وإلى الخروج عن طاعتها ومقاومتها عندما تتدخل في شؤون الإيمان والوجدان.ولئن أعطى لوثر في كتابه "هل خلاص الجندي في يده؟" صورة إيجابية عن خدمة العلم،التي هي واجب على كل مسيحي،فقد أكد أن على هذا الجندي أن يمتنع عن تلبية نداء الوطن فيما لو استدعى لخوض حرب جائرة. وباختصار،لم تهدف اللوثرية إلى أن تجعل من ممثلي السلطة الزمنية قادة الكنيسة.غير أنها بضربها السلطة البابوية،مهدت الطريق أمام انقياد بعض المسؤوليين الزمنيين إلى تنصيب أنفسهم قادة على الكنيسة في بلادهم.


أما كالفن فيرى أن هناك نظاماً مزدوجاً في الإنسان:"النظام الروحي" الذي يهتم بالروح وبالداخل و "النظام السياسي أو المدني أو الزمني" الذي يهتم بالأخلاق الخارجية وبالواجبات الإنسانية والمدنية التي يجب على الناس أن يحافظوا عليها فيما بينهم من أجل أن يعيشوا مع بعض بنزاهة وبعدل وهذين النظامين يكملان بعضهما بالرغم من إختلافهما.لأن الثاني يجلب للبشر،الذين في الأرض،في حين أنهم يتطلعون للسماء بلدهم الحقيقي، مساعدة ثمينة وضرورية. وهكذا يعيد كالفن صراحة للمجتمع المدني وللشرطة أو التنظيم المدني،مهمة إدارة الدين بشكل جيد ومنع قيام فسق غير معاقب بتدنيس علني لهذا الدين الحقيقي المتضمن في قانون الله.
لم يهتم كالفن في تحديد شكل الحكم من ملكية أو أرستقراطية أو ديمقراطية،إنما المهم لديه هو خضوع الحكم لكلام الله.ومع ذلك فقد حصل أن أبدى بعض التفضيل باتجاه ما يسميه بالحرية المعتدلة جداً وهي ناجمة عن نظام يمارس الحكم فيه عدة أشخاص يساعد كل منهم الآخر.. فإذا ارتفع أحدهم عالياً جداً،كان على الآخرين أن يكونوا مراقبين له.وحين اختيار هؤلاء الحكام يكون للشعب رأيه،بالرغم من أنهم هم الأفضل والأكثر تأهيلاً،وعلى هؤلاء الحكام واجب السهر بنشاط على أن لا تقل بين أيديهم الحصانات الشعبية،لأن الله ،باختياره لهم،قد حابى الشعب الذي توفرت له الحرية على أيديهم.

يضيف كالفن،أنه مهما كان شكل الحكم،ومهما كان الرئيس الأعلى المدني الذي اختارته إرادة الله،للسيطرة على المكان الذي يعيش فيه،فإن له الحق،بالطاعة حيث أن سلطته مستمدة من الله.وإذا كان هناك حاجة لتصحيح شئ ما في الدولة،فإن الأفراد العاديين ليس لهم قط أن يتدخلوا في هذا الأمر.ومع ذلك فإن حدوداً (الله هو الذي يفرضها) لطاعتنا للناس الذين يشغلون مركزاً سامياً بالنسبة لنا.فإذا أمروا بشئ ما ضد الله فإن هذا يجب ألا يكون له أي اعتبار لأن طاعة الله قبل طاعة هؤلاء.لكن كالفن مثل لوثر،لا يهدف من هذا للاعتراف بحق مقاومة نشيطة،فهو يحث المؤمن على التحمل والصبر.وبالنسبة للتدخل في ظلم الحاكم،فكالفن يحفظ حق التدخل الشرعي لما يسميهم بالحكام الأدنى.وهنا كالفن يختلف عن لوثر في نقطة الحاكم الأدنى،لكن نقطة الاشتراك بينهما هي إرادة الله وليس إرادة الشعب.

يُلاحظ موقف كل من لوثر وكالفن (المصلحين الأوائل) متشابهة من ناحية المشكلة الأخلاقية الأساسية وهي اعتقادهم أن فكرة مقاومة الحكام شريرة في جميع الظروف.وهذه الحقيقة مهمة،نظراً للتباين الذي ظهر فيما بعد بين الكنيستين اللوثرية الكلفنية.فقد كان الكلفنيون في كل من اسكتلندا وفرنسا مسؤوليين إلى حد كبير عن ابتداع ونشر نظرية أن للمقاومة السياسية ما يبررها باعتبارها وسيلة للإصلاح الديني.أما الأحوال السائدة في ألمانيا فقد مالت إلى جعل الطاعة العمياء جزءاً دائماً من تعاليم الكنيسة اللوثرية.وكان لوثر يكن احتراماً كبيراً للسلطة المدنية ويعارض بشكل ملحوظ العنف والفتن،لذلك أنشأ الكنائس اللوثرية التابعة للدولة والتي تسيطر عليها القوى السياسية مما جعلها تقريبا فروعاً من الدولة.
أما الكنائس الكلفنية،فكانت ترفض استسلام الكنائس اللوثرية المصحوب بما يوحي بنزعة صوفية،حيث أن الكنائس الكلفنية اعتبرت النشاط الدنيوي بل النجاح الدنيوي كأنها واجبات مسيحية.اتخذت الكلفنية في فرنسا واسكتلندا مواقف المعارضة من الحكومات التي لم تتح لها بالفعل فرصة تحويلها إلى مذهبها أو الاستيلاء عليها.

يظهر التناقض في نظرية كالفن،فقد شددت من جهة على سؤ كل مقاومة للسلطة،ولكن من جهة أخرى حاولت فرض تعاليم كنيستها على الحكومة وممارسة رقابة شاملة بتأييد من السلطة الزمنية.

أما جون كنوكس فقد أجرى بعض التغييرات على تعاليم كالفن بسبب الظروف التي مر بها من حيث أنه تم نفيه والحكم عليه بالموت من قِبل حكومة الكنيسة الكاثوليكية في اسكتلندا.
فتخلى كنوكس عن مذهب كلفن في الطاعة العمياء ونادى بأنه من واجبهم تصحيح وقمع أي شئ قد يفعله الملك ويكون مخالفاً لكلمة الله .لكن موقف كنوكس قام على أساس الواجب الديني،لا على أساس الحقوق الشعبية،لكن هذا الموقف وضع جناحاً كبيراً من الكنائس الكلفنية موضع المعارضة للسلطة الملكية وبرر بجسارة استخدام العصيان.وهذه المقاومة والعصيان الذي استخدمه كنوكس في اسكتلندا،سرعان ما انتقل إلى فرنسا التي استمرت الحروب الدينية فيها من 1562- 1595.

في عهد شارل التاسع عام 1572،وقعت مذبحة سان برتيلمي وأدت إلى الحرب الأهلية، إضافة للنشاط المكثف للحركة البروتستانتية مما أدى لظهور مؤلفات متنوعة وعديدة.ولقد كانت القضية بالنسبة للكتاب الكالفنيين هي التي تبنت حق التمرد الإلهي.

بالنسبة لتيودور دوبيز تلميذ كالفن فهو يرى أن سلطة الملك مقيدة من جانبين:من الشعب ومن الله،فإذا انتهك قانون الله يفقد طاعة الشعب.والملك يجب أن يلتزم بالعدل والقانون،والشعب يلتزم بطاعته.يتحدث دوبيز أيضاً عن الحكام الأدنى وهم ضباط التاج أو المملكة (الذين ينبغي تمييزهم عن ضباط الملك).فالأوائل هم الذين يتحملون عبء المملكة بشكل شامل( كالقائد العام والماريشالات وأصحاب الإقطاعيات..) والآخرون هم الذين يحكمون جزء منها ( كالدوق والماركيز وا لكونت والقضاة..). ويرى هنا أن الحكام الأدنى يوجدون في مرتبة متوسطة بين الملك والشعب،والشعب يُمثل من خلالهم.فهؤلاء الحكام الأدنى يجب أن يحفظوا حقوق الشعب ويراقبوا الملك فإذا خالف الملك القانون وتعاليم الله،فإن من واجب الحكام الأدنى أن يُحاكموه، فإذا عاند يجب أن يهجموا عليه بالسلاح.

من وجهة نظر النظرية السياسية،أعطى هذا البناء المناهض للملكية الانطباع بأنه يبشر من خلال بعض السمات بالديمقراطية.فقد زعم الهوغونيون (نسبة إلى البروتستانتي الفرنسي هوغنت) وهذا ما أعُتبر فضيحة في ذلك العصر،أن الملك لا يستمد سلطته إلا من الشعب.

بعض الكاثوليكيين المناهضين للملكية:
تبنى بعض الكاثوليكيين،الذين سميوا بالرابطة،اطروحات البروتستانت المناهضة للملكية.لكن تبنيهم لهذه الاطروحات نتجت كردة فعل على قرار الملك هنري الثالث،بسبب موت دوق ألنسون شقيقه عام 1584،إضافة إلى أن الملك ليس لديه ولد ليرثه في الحكم،فقرر أن يجعل هنري دونافار البروتستانتي هو الوريث المحتمل.
فتبني الرابطة للأفكار المناهضة للملك هي لمساعدتهم في حملتهم ضد الملك هنري الثالث ووريثه البروتستانتي.لذلك أصبحوا يتحدثون عن نظريات الحق الإلهي في التمرد،ومن أشهرهم جان بوشيه وكتابه " التنحية العادلة لهنري الثالث " الذي ظهر عام 1589،حيث تحدث عن أن قتل الطاغية مشروع حسب بعض التمايزات وأنه ليس هناك من حق وراثي مطلق في التاج وأن الشعب الذي أسس الملك يستطيع شرعياً أن يعزله لأنه يشكل القاعدة التي يرتكز الملك ،ولأن الملك من الشعب وليس الشعب من الملك...
لكن في كتابه (DE JUSTA ) اعترف للبابا والشعب بصورة مشتركة بسلطة عزل الملك والتصرف بالتاج،كما أن التطابق الذي نجده لديه بين الكنيسة والرابطة كان أمراً غريباً وله معنى.فقد كتب بأن ما تفكر به الرابطة وتقوله وتفعله ليس شيئاً آخر غير الكنيسة.



التغيرات التي نتجت عن سياسة الحركة وعلاقة ذلك بالديمقراطية


بالرغم من كل ما حدث في أوروبا في القرن السادس عشر من تطورات،إلا أنه عانى من انتشار الحروب الدينية بين أتباع المذهبيين البروتستانتي والكاثوليكي،بسبب الانقلاب الذي قاده مارتن لوثر وجان كالفن في النصف الأول من القرن.وخلال تلك الحروب وبعدها نشطت الكتابات السياسية ضمن اتجاهين:اتجاه يدافع عن قدسية المنصب الملكي ويبرر سلطة الملك المطلقة،واتجاه معادي للملكية ويرى بأن سلطة الملك مستمدة من الشعب وكان يدافع عن حق المقاومة في ظل ظروف معينة.

من أشهر الكتاب الذين كتبوا في ذلك الموضوع بتلك الفترة جان بودان.حيث يفضل بودان نظام الحكم الملكي،لكن سلطة الملك ليست مطلقة وإنما مقيدة بمعطيات القوانين الطبيعية والأخلاق،فهو لم يجز للملك أن يخالف القوانين الإلهية والطبيعية.كما يرى بودان أنه من الممكن لهذا الحكم الملكي أن يتقبل بجانبه هيئات ومؤسسات تلعب دور الوسيط بين الدولة والشعب مثل مجلس الشيوخ ومجلس طبقات العموم والنقابات وغيره.لكن إمكانية وجود هذه المؤسسات تبقى مرهونة بالإذن الممنوح من مالك السيادة في الدولة،أي أن سلطة اتخاذ القرار في الدولة هي حكر على صاحب السيادة وحده فقط!!.
كما قارن بودان بين عدة أنواع من الحكم،وما يهمنا هنا هو نظام الحكم الشعبي.فقد رأى أن من مزاياه أنه يحقق المساواة بين المواطنين،كما أن الديمقراطية تسمح بتأمين تكافؤ الفرص وبفتح الطريق لظهور المزايا والكفاءات وفوق كل شئ تبقى السيادة للقانون.
وبالرغم من هذه الحسنات فإن بودان يسارع للقول بأن هذه المزايا التي يتمتع بها النظام الشعبي ليست سوى مزايا نظرية وظاهرية فقط.فالنظام الشعبي لم يحقق المساواة فعلياً أبداً،كما أنه لم يكفل الحرية التي طالما تغنى بها.


أثر سياسة حركة الإصلاح البروتستانتي
كان لحركة الإصلاح الديني تأثير كبير في كسر هيمنة المنظومة الدينية السائدة،بما في ذلك خلفياتها الأخلاقية والسلوكية،وفي تحرير المجتمع من التسليم تسليماً مطلقاً بالمرجعية البابوية.وعلى نحو ما،ورغم ما استفادت السلطات الملكية في مرحلة أولى،فلقد أسهمت حركة الإصلاح على المستوى التاريخي،في إضعاف القوتين الحاكمتين على المجتمع،الدولة والدين، اللتين كانتا تتحركان أحداهما بموازاة الأخرى،وتؤيدان على نحو ما النظام القائم.وهذا يعتبر منعطفاً حاسماً على مستوى التطور السياسي،كما على مستوى التطور العام إجمالاً.

عندما اتجهت البروتستانتية إلى الإشارة إلى الحكام الزمنيين ودعمهم،ومحاولة جعل وظيفة البابا مجرد وظيفة تهتم فقط بشؤون الدين،بدأت من هنا محاولات لفصل الدين عن الحكم أو السياسة.وهذه تُعد أول خطوات التوجه نحو الديمقراطية،خاصة مع إبرازها لأهمية رأي الشعب وأن الكنيسة تُمثل كل المؤمنين ولا ضرورة لواسطة البابا..و لقد كان لأفكار لوثر الأثر الكبير، حيث أعطى للمواطن حق الاجتهاد الديني،ولم يعد هذا الاجتهاد حكراً على رجال الدين،حيث أن لوثر أعطى قيمة كبيرة للعقل الإنساني الذي كان مقيداً من قبل رجال الدين.

مع كل هذا،يجب الأخذ بعين الاعتبار أن مارتن لوثر هو راهب ولم تكن له تجربة شخصية بالمشكلات السياسية،وإنما مرجعيته الإنجيل والدين المسيحي (أي النصوص الإلهية). وعندما يدافع عن سلطة الحاكم فهو يرجع للدين المسيحي وللسلطة ذات المصدر الإلهي (لا المصدر البشري مثل الديمقراطية).

بالنسبة لنظرية الحكام الأدنى-الذين يمثلون الشعب ويعملون على مراقبة الملك ومحاسبته- التي تحدث عنها تيودور دوبيز،فعند النظر إلى المبدأ الذي تقوم عليه هذه النظرية،نجد أنه يشبه المبدأ الذي تقوم عليه الديمقراطية حيث حكم الشعب.. وكما نعرف فإنه لا يوجد شعب قد حكم في يوم من الأيام،لأن هذا مستحيل وإنما نخبة معينة هي التي حكمت ومثلت الشعب.وحتى في ديمقراطية أثينا المباشرة ظهر أن جزء كبير من الشعب لم يشارك في اتخاذ القرارات مثل النساء والعبيد والعمال الأجانب.
ويوجد شبه في نظرية دوبيز بالنسبة للحكام الأدنى والنواب في البرلمان أو المجلس التشريعي، حيث تقوم كلتاهما على وجود أفراد يمثلون الشعب ويعملون على مراقبة الحاكم ومحاسبته وعزله.لكن الاختلاف يبرز من زاوية عدم توفر عملية الانتخابات في نظرية الحكام الأدنى.
لكن يجب الأخذ بعين الاعتبار أن فكرة الانتخابات هي ليست بالغائرة في جذور التاريخ،إنما هي حديثة التأسيس والصياغة.وأول ما ظهرت في إنكلترا اثر نشوب الخلاف التاريخي بين النبلاء وممثلي المدن،مما أدى إلى قيام ممثلي المدن ان يعقدوا اجتماعاتهم في قاعة منفصلة ومارسوا أولى خطوات الانتخابات باختيارهم رئيس لمجلسهم لإدارة الجلسات والتحدث أمام الملك.

هل البروتستانتية هي حركة إصلاح ديني،أم أنها أعمق من ذلك؟؟
إن البروتستانت حركة إصلاح ديني،لكنها قد اتبعت سُبل وطرق معينة كان لها الأثر الكبير في تطوير واقع الحياة السياسية.فقد اتجهت إلى دعم الأمراء والملوك وجعلت سلطتهم سلطة إلهية،لكن كان الهدف من ذلك ضرب الكنيسة وسلطة البابوات.كما أنها اتجهت لتحرير الفرد من سيطرة الكنيسة مثل الدعوة إلى حق الفرد في تفسير الكتاب المقدس،بالرغم من أنه ليس هدفها الأساسي.كما أنها أثارت جدل ونقاش حاد حول حق الشعب في مقاومة الحاكم أو الملك،أم أنه من الواجب عليهم حق الطاعة العمياء.لكن تصورات دعاة الحركة للمجتمع والحكم،رغم كل شئ كانت تصدر عن نظرياته اللاهوتية لذلك فهي ليست رئيسية،بل وأحياناً ثانوية.

إن حركة الإصلاح البروتستانتي لم تكن حركة جماهيرية في انطلاقتها الأولى (لكي نقول أنها كانت تهدف لدعم الشعب أي أن جوهرها هو الديمقراطية) ولا يبدو أنها كانت تهدف إلى ذلك إلا أن دعم الأمراء والإقطاعيين لها قد حولها من وجهة نظر لاهوتية في أمور العقيدة،إلى دين جديد،عمل إلى إخضاع السلطة الدينية للسلطة السياسية،وهو الصراع الذي تأسست عليه النظريات فيما بعد.

كل ذلك اجتمع مع النهضة الفكرية والتطورات الاقتصادية وبروز الطبقة الوسطى مما أدى لحدوث تغيرات فكرية واجتماعية وسياسية وإلى دعم الديمقراطية.بالإضافة إلى الحروب الدينية التي ظهرت نتيجة لحركة الإصلاح والتي بالرغم من أن نهر من الدماء قد سال بسببها،إلا أنه كان لها الأثر الكبير على الفكر السياسي،حيث أن هذه الحروب قد أدت إلى ظهور الجدليات والاختلافات مما منح الفكر السياسي الحيوية والتطور.

من الملاحظ،أن الديمقراطية ليس هدف الحركة البروتستانتية،فهي حركة إصلاح ديني، تسعى لتغيير الوضع والتخلص من سلطة الكنيسة ومن سياستها التي كانت تعمل على تشويه الدين المسيحي.لكن العوامل والظروف التي اجتمعت معها في تلك الفترة،أدت إلى التأثير على الحياة السياسية وإلى إنعاش الديمقراطية.

هذا ما يجعلنا نجيب على التساؤلات التي تتكرر حول عدم نجاح ديمقراطية أثينا ومحاولات وثيقة الماجناكارتا في دعم حقوق وحريات الأفراد في الاستمرار،حيث أن الظروف اختلفت عن تلك التي مرت بها حركة الإصلاح البروتستانتي.

***

يتبين مما سبق أنه قبل التحدث عن العلاقة بين الديمقراطية والدين،يجب أن ندرك أن جدلية العلاقة بين الدين والسياسة موجودة منذ القدم وأساس الجدل الحقيقي هو الصراع على السلطة والحكم.فمُنذ القدم يوجد صراع بين رجال الدين وبين الحكام الزمنين من ملوك وأمراء وغيره على الحكم والسلطة،وهي ما برزت أكثر في التاريخ الأوروبي وما أدت في النهاية إلى فصل الدين عن الدولة.وحتى الوقت الحالي،لا يزال هناك الكثير من التساؤلات حول العلاقة بين الدين والسياسة وبين سيادة الشعب وسيادة النص..
ويظهر هنا أن الدين المسيحي قد مر بأوضاع سياسية،اقتصادية،اجتماعية،صراعات وانقسامات،مما جعله تحت سيطرة الكثير من الأفكار ووجهات النظر.
كما يظهر،أنه لا يمكن الحديث عن الديمقراطية دون الحديث عن سلطة السياسة وسلطة الدين وسلطة المجتمع.

وبالنسبة لفكرة الديمقراطية فهي ليست وليدة حركة الإصلاح الديني البروتستانتي.فقد ظهرت أول ما ظهرت في أثينا،لكنها كانت تعرف فقط بحكم الشعب.
كما نجد أن فكرة السلطة أو الحكم التي تعود إلى مجموع أفراد المجتمع موجودة في العصر الوسيط أيضاً لدى علماء اللاهوت الكاثوليك،حتى وإن قالوا أن السلطة في ذاتها تأتي من الله ،متبعين في ذلك قول القديس بولس،إلا أنهم اعتبروا السلطة بشكلها الواقعي،الذي تأخذه في المكان والزمان،من صنع البشر،وأنها تأتي من الشعب.
مثلاً،القديس توما الاكويني (1225- 1274) يقول أن السلطة تتكون من ثلاثة عناصر: المبدأ، الكيفية،الاستعمال.ومبدأ السلطة يأتي من الله خالق كل شئ.أما كيفية واستعمال السلطة،فيأتيان من البشر،والمصدر البشري للسلطة هو الشعب.

وقد تم تأكيد سيادة الشعب في مجالس الطبقات الثلاث في فرنسا في ظل الحكم الملكي.كما وردت هذه الفكرة بعد ذلك في قرون في المجلس الذي عقد في مدينة نوُر 1484 حيث كان الملك شارل الثامن قاصراً.لكن بلغت فكرة الديمقراطية أوج تطورها،حين أصبحت أداة صراع بين البروتستانت و الكاثوليك،ومع أن البروتستانت كانوا من أنصار الملكية وذلك بهدف الحصول على حمايتها،إلا أنهم هاجموها بعنف بعد مذبحة "سانت بارتملي" 1572،حيث ظهرت مجموعة من الكتابات بوحي بروتستانتي سُمي كتابها "المعادون للملكية" أكدت بشدة الأصل الشعبي للسلطة ونصت على حق الشعب في إسقاط الأمير الذي يخرق شروط هذا العقد.

يظهر مما سبق،أن المرحلة التاريخية التي ظهرت فيها حركة الإصلاح الديني البروتستانتي هي التي دعمت تطور الديمقراطية،لكن الديمقراطية التي نادت بها الحركة كانت ديمقراطية ذات مضمون ديني،حيث نجد التركيز على طاعة الله وأن الملك أو الحاكم قد تم تعيينه من قبل الله.
حتى وإن حاولت البروتستانتية أن تفصل الحكم الديني عن الحكم الزمني،فيبقى هدفها ديني إلا أن الأوضاع هي التي قد اضطرتها إلى دعم الملوك في فترة من الفترات.

لكن التطور الفكري،الأدبي والعلمي وظهور الجدليات حول موضوع طاعة الحاكم،أدى إلى تطور الديمقراطية ذات المضمون الديني مما أوصلنا إلى ما نحن عليه الآن،أو بالمعنى الأصح أنعش الديمقراطية التي كانت في أثينا وأضاف عليه بعض التعديلات.

يرى عزمي بشارة أنه " لا تقوم بين الديمقراطية والدين علاقة استنباطية تشتق بموجبها الديمقراطية من الدين أو الدين من الديمقراطية.فالمفهومان ينتميان إلى مستويين مختلفين من التجريد.جوهر الدين هو المقدس وجوهر الديمقراطية هو تنظيم عملية السلطة والسيطرة بشكل محدد في الحياة الدنيوية.السؤال حول علاقة الدين بالديمقراطية هو سؤال حول علاقة بين مفهومين ينتميان إلى عالمين مختلفين،ولا فائدة نظرية ترتجى من وراء السؤال".


إنه لمن الصعوبة لكن ليس استحالة،أن يتم الدمج بين الديمقراطية والدين،حيث أن الدين جامد ولا يوجد فيه المرونة الموجودة في الديمقراطية،فكل شئ في الدين يرجع إلى النصوص وإلى الله وما حدده من صح أو خطأ.. أما الديمقراطية ورغم أن حدودها الواسعة ليست مطلقة، لكن فيها مرونة أكثر من الدين،حيث أنها نتاج تجربة بشرية.
وتجربة أوروبا وما مرت به من أحداث تختلف عما مر به باقي العالم،ولا نستطيع أن نعمم هذه التجربة الديمقراطية على باقي الدول.لكن من الأفضل ولتجنب الحروب الأهلية والدينية،أن يتم فصل الدين عن السياسية وذلك لضمان حقوق جميع أفراد المجتمع ولكي نتجنب طغيان الأغلبية على الأقلية.

لذلك يُفضل الفصل لكي يبقى الدين غذاء الروح حيث أن الإنسان إذا كان مقتنعاً بدينه فإنه لن يرتكب المعاصي والمنكرات وأي شئ مخالف لتعاليم الدين،أما الدين المتصل بالحكم فهو دين يركز على السياسة والسيطرة مما قد يفقده قدسيته ويجعل هدفه الأساسي هو احتكار السلطة.



المراجع

الكتب:

- بشارة، عزمي.1993 م. مدخل لمعالجة الديمقراطية وأنماط التدين.ف:حول الخيار الديمقراطي-دراسات نقدية.مواطن:المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية،رام الله.

- توشار،جان.1984 م.تاريخ الأفكار السياسية، الجزء الأول، من الأصول إلى القرن الثامن عشر، ترجمة:الدراوشة،ناجي مراجعة:الخشن،علي،.منشورات وزارة الثقافة،سوريا .

- جورج ه، سباين.1971 م.تطور الفكر السياسي، الكتاب الثالث.ترجمة:البراوي، راشد.تقديم:العمري، احمد سويلم. دار المعارف، مصر.

- حنفي، حسن.2004 م . تطور الفكر الديني الغربي في الأسس والتطبيقات.دار الهادي للطباعة والنشر والتوزيع،بيروت.

- خاتمي، محمد.2000 م.مدينة السياسة "فصول من تطور الفكر السياسي في الغرب. دار الجديد، بيروت.

- الخنساء، سلمى حمزة.1988 م . تاريخ الفكر السياسي في العصور القديمة الوسطى، الطبعة الأولى.

- الشاوي،منذر.2000 م . الدولة الديمقراطية في الفلسفة السياسية والقانونية "الفكرة الديمقراطية".شركة المطبوعات للتوزيع والنشر،بيروت.

- شوفالييه،جان جاك.1998 م .تاريخ الفكر السياسي "من المدينة الدولة إلى الدولة القومية".ترجمة:صاصيلا،محمد عرب. المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع،بيروت.
- غيبة،حيدر.1999 م .هكذا تكلم العقل"المفهوم العقلاني للدين"،دار الطليعة،بيروت.
- فقيه، محمد نعمة.2004 م .فصل الدين عن الدولة "إشكالات الطرح ما بين كونها الحل أو أصل المشكلة". مكتبة الفقيه، بيروت.

- محفوظ،مهدي.1990 م.اتجاهات الفكر السياسي في العصر الحديث.المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع،بيروت.


الانترنت:
- حيدر: خليل على ، تجربة مسيحية كبرى... في الإصلاح،جريدة الوطن،31/5/2005،على شبكة الانترنت: http://newsweek.com.kw/default.aspx?isu=050531&page=5&topic=353128
- شاهين:أبو علي، الديمقراطية .. منبر الشعوب والأمم على درب الحرية السياسية والاجتماعية ،30/3/2006، على شبكة الانترنت: http://www.alsbah.net/alsbah_nuke/modules.php?name=News&file=article&sid=9656

- الفلوجي:حسين شكر، الأنظمة الانتخابية المتعارف عليها عالميا،على شبكة الانترنت: http://www.alhalem.net/derasat/anthimaa.htm





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,519,122,017
- القضايا الجوهرية وثقافة التعود لدى الشعب الفلسطيني


المزيد.....




- بعد.. استهداف معامل تكرير البترول..نائب رئيس الإفتاء بالسويد ...
- وزير الشؤون الإسلامية السعودي يلتقي مبعوث رئيس الوزراء البري ...
- الإيغور: فيديو يثبت استخدام تقنية التعرف على الوجه في المساج ...
- الإخوان المسلمون.. لا يتذكرون شيئا ولا يتعلمون شيئا (1)
- السفير السعودي بالكويت: قادرون على حماية أراضينا والدفاع عن ...
- أمين عام رابطة العالم الإسلامي: الإسلام السياسي يمثل تهديدا ...
- جامعة القرآن الكريم بالسودان تُكرِّم عضوًا بـ”الشئون الإسلام ...
-  وزير الشئون الإسلامية السعودي: الرئيس السيسي “مجاهدا” حافظ ...
- بالصور... ابنة قاديروف تفتتح متجرا للأزياء الإسلامية في موسك ...
- حركة مجتمع السلم الإخوانية بالجزائر: الانتخابات الرئاسية ممر ...


المزيد.....

- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ديما احمد صالح - أثر حركة الإصلاح الديني البروتستانتي في عملية التحول السياسي