أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - راندا شوقى الحمامصى - لماذا كانت هذه الرموز والاستعارات التي يحيطها الغموض موجودة بالكتب السماوية؟ وما الحكمة في صياغة كثير من الآيات في هذا القالب المجازي من التشبيهات؟-(3)















المزيد.....


لماذا كانت هذه الرموز والاستعارات التي يحيطها الغموض موجودة بالكتب السماوية؟ وما الحكمة في صياغة كثير من الآيات في هذا القالب المجازي من التشبيهات؟-(3)


راندا شوقى الحمامصى

الحوار المتمدن-العدد: 2349 - 2008 / 7 / 21 - 05:14
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


اقرأ من الكتاب الآية 14 من سورة الاسراء تجد امراً موجهاً إليك ان تقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا وتجد بعدها من كلمات السماء مايبين لك بأن الله لايحاسب نفساً أو يعذبها إلا اذا كان قد ارسل إليها رسولاً لهدايتها وتبصيرها بما سيحل بها من احدى النتيجتين الواضحتين لنا الآن
ويقول تعالى شأنه العظمة والاقتدار في كلماته المكنونة
يَا ابْنَ الإِنْسانِ
لا تَحْزَنْ إِلاّ فِي بُعْدِكَ عَنَّا، وَلا تَفْرَحْ إِلاّ فِي قُرْبِكَ بِنا وَالرُّجُوعِ إِلَيْنا.

يَا ابْنَ الوُجُودِ
حاسِبْ نَفْسَكَ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُحَاسَبَ، لأَِنَّ الْمَوْتَ يَأْتِيكَ بَغْتَةً وَتَقُومُ عَلَى الْحِسابِ فِي نَفْسِكَ.

يَا ابْنَ الإِنْسانِ
قَدْ مَضى عَلَيْكَ أَيَّامٌ، وَاشْتَغَلْتَ فِيها بِمَا تَهْوى بِهِ نَفْسُكَ مِنَ الظُّنُونِ وَالأَوْهَامِ. إِلى مَتى تَكُونُ راقِداً عَلَى بِساطِكَ. ارْفَعْ رَأْسَكَ عَنِ النَّوْمِ؛ إِنَّ الشَّمْسَ ارْتَفَعَتْ فِي وَسَطِ الزَّوالِ، لَعَلَّ تُشْرِقُ عَلَيْكَ بِأَنْوارِ الْجَمالِ.

فاذا رغبت في اعادة التأمل والتفكير في مضمون آية سورة الاسراء ادركت أنها إذا حدثتك بضرورة الرجوع إلى كتابك-اليوم-لقراءته وكفى بنفسك عليك حسيبًا كانت هذه إحدى الاجراس المدويات القارعات لإفاقتك (عسى يبعثك ربك مقاما محمودا)الاسراء79
كما أنك اذا رغبت في العودة إلى نفس الأية لتتملى من عيونها المزيد لأملت عليك من اعماق مدلولها بانها تحدثك عن حالتك عندما تستعرض اعمالك بمجرد الوفاة وانها تنبئك بانك سوف تقرأ كتابك وكفى بنفسك-في ذلك اليوم-عليك حسيبا
ولقد اثبتنا انه ليس هناك من كتاب في اوراق ولا قراءة من ذات مطالعة وانما هي حالة اطلاع شاملة على احداث الماضي وحقيقة الموقف وادراك مقام نفسك بالنسبة للسابقين من اهل عليين(ان كتاب الابرار لفي عليين)المطففين18
واقرأ ماقبلها وبعدها تشاهد الأوصاف الحسية التي لم يكن من المستطاع لاهل تلك الازمنة أن يدركوا الحقائق المكنونة بغير هذا الاسلوب الحسي ومازال المتخلفون من أهل هذا العصر متعلقون بخيوط هزيلة من الاصرار على التمسك بذات المدلول الحرفي
فالجنة اذا ليست مكاناً-مما تقاس بالحس والابعاد- انما هي حالة من الشعور الكلي الجامع-يعتمل في قرارة النفس المطمئنة فتبتهج له وتفرح وتنعم به.
ان حياة الروح في عالمها الخالدة لتختلف كثيرا جدا عما يحيط بنا ونحسه في هذا العالم ولعل في اشارة سيدنا المسيح عن الجنة مايفي بالغرض الذي اردنا التعبير عنه(هنالك مالاعين رأت ولاأذن سمعت ولاخطر على قلب بشر)
وهذا الحديث بالنص هو احد احاديث المصطفى
(اذا فالحقيقة الخالصة للجنة هي ممالايوصف بكلمات مهما حاولنا ذلك ولن يبلغ ادراك هذه الحقيقة إلا من شفت مفاهيمه الى درجة من النقاء رائعة حتى تخترق لما لها من رفيع المستويات وشامل الاحاطة فتنفذ إلى فلك العوالم الخفية البعيدة عن متناول النظر السطحي فتتجلى حقائق تلك العوالم الغيبية مشرقة بهية للفؤاد.
ان حواس الجسم الخمس هي وسائل انتقال المعلومات الى رحاب العقل وبتعبير اقرب لتحديد وظيفة الحواس نقول أنها المنافذ التي يمر خلالها المعلومات إلى وعاء العقل-سواء في ذلك كانت معلومات صحيحة أو كانت على النقيض- فانها على أي حال تتلاقى في رحاب العقل وتتفاعل وتظل قائمة به. ولايقتصر تفاعل المرئيات والمسموعات والملموسات وخلافها على حيز العقل فقط بل انها تتفاعل مباشرة مع مقتضيات الجسم ورغباته وكذلك مع مشاعر العاطفة.
*ومن الناحية البناءة الخلاقة: كم من عبارات تخلق في المرء حسنات لم توجدها فيه يد الطبيعة فيظل اسيرا لهذه الروح الخلاقة مدى الحياة بل قل انها من العوامل التي تدفعه علوا وترفعه سموا الى مافوق مستويات البشر ويكون ذلك من دواعي استمراره في الارتقاء حتى فيما بعد الوفاة –كما سنبينه.
*ومن الناحية الهدامة المدمرة : كم من مشهد مفاجئ يذهب بعقل المشاهد فورا ويقضي على توازنه العقلي بل على انسانيته بأجمعها.
وبين هاتين الناحيتين تقع مراتب بقية التفاعلات في المجتمع الانساني فما المرئيات التي تشاهدها أو التي نستمع اليها أو التي نلمسها فتتفاعل فينا ونفتعل بها إلا نتيجة الصلة المباشرة التي تربطنا حتماً بمن يحيطون بنا من قريب أو بعيد وبهذا يتم التفاعل المشترك في المجتمع الانساني بكل مقوماته.
ومن محصول هذا كله تتشكل صفات النفس البشرية نتيجة لهذا الترابط المستمر والاكتساب ودوافعه المتباينة. فكل هذا العالم بمشتملاته من ماديات ومعنويات خلق لهدف واحد وغاية واحدة وهي:صنع الانسان00وصياغته ثم إن الانسان في نهاية المطاف تؤدي به تلك السبل إلى غرض موحد آخر وهو اجتناء ماحصله واكتسبت حصيلته في مرحلة الحياة كلها00وذلك بقيامه بتلك الرحلة الأبدية الخالدة وان لحظة الوفاة هي بداية قيامه برحلته في عالم الخلود وهذه الرحلة هي حياته الحقيقية التي يظل فيها دائماً ابداً.
اننا إذا تأملنا ببصيرتنا في روية وهدوء واستعرضنا جانباً من حياة الرسل الكرام وماتعرضوا له من انواع الاضطهاد وألوان الاذى المرير والاهانات التي لاترتضيها نفس ولاعقل معا بحيث بلغت الحالة بأغلبهم إلى درجة القتل وكل منهم صامداً امام ذلك التعسف والتعنت ثابت قائم على نشر انوار الهداية بين هؤلاء المعارضين له بكل سماحة وحكمة لاينحرف عن هدفه لحظة واحدة ولايهدأ بال حتى يلقي بمرساة النجاة للسفينة التي تحمل ذلك الخضم الزاخر من مراتب النفوس المتباينة التي تنهش بعضها كأحط مايكون عليه الوحوش المفترسة الضارية تتخبط في ظلمات الجهل والقسوة والظلم والغدر والرسول لايحيد عن تناول كل منها-سواء فرادى أو جماعات- ويتلمس عوامل القسوة والانحطاط فيلمسها بذلك البلسم السماوي الشافي فيهدى من غليانها ويكبح جماحها وجموحها ويروضها على اتباع كل ماهو كريم نبيل ويزكي فيها ماقد يكن في قرارة فطرتها من استعداد للسمو والرقي في مراتب الانسانية. فاذا بتلك الجموع المتحاربة المتباغضة تفئ اخيرا إلى ظله وتتبع هداه وتقتفي مارسمه لها من صراط يؤدي بها الى رضوان الله.
يتأمل العقل كل هذه الجهود الجبارة وهو يستعرض تواريخ الرسل تباعاً فيجد أن العملية تتكرر وتتوالى متشابهة المعالم متسمة بنفس السمة في كل يوم من ايام الله التي اشرقت فيه احدى شموسه الخالقات رغم تباعد الازمنة وتعدد الامكنة والبيئات، ثم لعل العقل يسأل عن السبب في اصرار هؤلاء الانبياء والرسل على الصعود لتلك القوى الجارفة والسيول من الاهانات؟
ثم لعله يقول ماكان أغناهم من اجتياز تلك المصاعب الهائلة والخوض في تلك المصائب الشائكة المليئة بالعذاب والهوان وماذا كان يضيرهم لو انهم عاشوا بين قومهم راضين بالامن والهدوء والاستقرار.
اذا تجول العقل الراجح في المسار والنتائج التي تسفر عنها جهود كل رسول لوضع يده على مفاتيح الاجابة ولمس الهدف الأوحد ببصيرته وهي: أنها الارادة الالهية التي ترغب في أن يقوم كل رسول بتبصير الناس بما يتدرج بهم في خطوات نحو الرقي الانساني على مراحل لبلوغ البشرية كمالها الانساني وهذه هي وسيلة الرسل وغايتهم معا من ناحية-ومن ناحية اخرى ضرورة تبصيرهم للعباد بمصائرهم التي سوف ينتهون اليها حتماً في عالم الخلود أي خلودهم، وهذا هو هدف الخليقة: ( صياغة الانسان في الحياة الدنيا وتبصيره بحاله في الحياة الاخرى) ولايهم اطلاقا بعد ان يتم ارساء قواعد الرسالة ان يقتل الرسول او يعذب حتى الوفاة أو أي مآل آخر يؤول إليه جسده طالما أنه أعلم العالمين بالمآل الحقيقي الذي سيصعد الى اوجه العلا وطالما هو اعرف العارفين بقيمة الروح وانها هي التي لها كل الاعتبار. تأمل كثيرا في دقة العبارات التي تضفي على هذه النقطة تكاملا وروعة:
كم من مرة نصف الاشياء الجميلة وشعورنا بالسعادة والهناء بانها(النعيم00الجنة) وعندما ينتابنا العذاب من الألم المبرح نصفه بلفظ( الجحيم)، ان كلاهما في دخيلة نفوسنا فنحن لانذهب اليها بل نأخذهما معنا:

يَا ابْنَ الوُجُودِ
لا تَشْتَغِل بِالدُّنْيا؛ لأَِنَّ بِالنَّارِ نَمْتَحِنُ الذَّهَبَ، وَبِالذَّهَبِ نَمْتَحِنُ العِبادَ.
يَا ابْنَ العَماءِ
أَدْعُوكَ إِلى الْبَقَاءِ وَأَنْتَ تَبْتَغِي الْفَنَاءَ، بِمَ أَعْرَضْتَ عَمَّا نُحِبُّ وَأَقْبَلْتَ إِلى ما تُحِبُّ.
يَا ابْنَ المَنْظَرِ الأَعْلى
أَوْدَعْتُ فِيكَ رُوحاً مِنِّي لِتَكُونَ حَبِيباً لِي؛ لِمَ تَرَكْتَنِي وَطَلَبْتَ مَحْبُوباً سِوائِي.
يَا ابْنَ الرُّوحِ
خَلَقْتُكَ عَالِياً، جَعَلْتَ نَفْسَكَ دانِيَةً؛ فَاصْعَدْ إِلى ما خُلِقْتَ لَهُ.
يَا ابْنَ الوُجُودِ
اعْمَلْ حُدُودِي حُبّاً لِي، ثُمَّ انْهِ نَفْسَكَ عَمّا تَهْوى طَلَباً لِرِضائِي.
يَا ابْنَ البَشَرِ
هَيْكَلُ الْوُجُودِ عَرْشي، نَظِّفْهُ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ لاِسْتِوائِي بِهِ وَاسْتِقْرارِي عَلَيْهِ.
يَا ابْنَ الوُجُودِ
فُؤادُكَ مَنْزِلِي قَدِّسْهُ لِنُزُولِي، وَرُوحُكَ مَنْظَرِي طَهِّرْها لِظُهُوري.
هذه قطرات من غيث الرحمن أفاض بها على من في الامكان بعد استنشاق هذه العطور التي هبت علينا من نسائم الرحمن.
ولست اقرر شيئا جديدا اذا قلت ان اغلب التعبيرات السماوية فيما عدا مايختص منها بالتشريع هي ذات كلمات لمحسوسات ولكنها صيغت في هذا الاسلوب الشامخ العبقري، ثم نلتفت بعد ذلك نحو ماجاء ببقية المحاضرة التي ألقاها (البروفسور هكسلي)نظراً لأنه قد عرج في حديثه إلى بعض النقاط الدقيقة من حيث الوجود والدين والفلاسفة فقال ضمن محاضرته:
(00وطبيعي انني لا اقطع برأي في مسألة هي اخطر ماطرحت الإنسانية من مسائل على الاطلاق ولكنني لااستطيع كذلك أن اتهرب منها وهي من أين آتينا؟ وماذا نعمل ها هنا على هذه الأرض؟ وإلى أين المصير؟
واستطرد يقول إذا كان صحيحاً أن ليس لدى الفلاسفة والفلسفة ماتجيب به على هذه الاسئلة الحيوية الهامة أو كانت غير قادرة على توضيحها بالتدرج كما توضح مسألة بيولوجية أو تاريخية أي إذا كانت لاتستطيع أن تجعلها تستفيد من تجربة ما تنفك تتسع وملاحظة لاتفتأ تدق لابد لنا ان نقول ماقاله باسكال أن الفلسفة كلها لاتستحق عناء ساعة ولكن إذا كان لايمكن أن يبرهن عليه برهنة تجريبيه لأن كل تجربة انما تتناول مدة محدودة ولأن الدين حين يتحدث عن الخلود انما يعتمد على الوحي المنزل فأنه على جانب عظيم من الأهمية أن تستطيع أن نقرر من الآن تجريبيًا أن البقاء إلى زمن ما ممكن بل محتمل وندع لغير الفلسفة أمر القطع بأن هذا الزمن محدود واعتقد أن المسالة الفلسفية المتعلقة بمصير النفس قابلة لأن تجد لها حلا0
هانحن نرى كيف أن العلماء الطبيعيين ومن ورائهم اتباعهم اجمعين يحارون في تعليل نشأة الانسان ويلحون في معرفة ماوراء ذلك من اسباب لوجوده على هذه الارض ثم أنهم يتطاولون إلى معرفة مصيرة وماسيؤل اليه00
هاهو نموذج من صيحات من يصرخون طلباً للنجدة الحقيقية وهم متلهفون الى المعرفة بمعناها الصحيح وقد اعيته فروضه كما أنه يتجنب الاعتماد على الدين لانه يعتمد على الوحي وهو مايشك فيه صراحة هذا الى جانب ماصرح به من ضجر نحو دوران الفلاسفة حول الاجابة على هذه الاسئلة التي يصفها بانها(اخطر ماطرحت الانسانية من مسائل حيوية هامة) فاعيته هذه الفروض المتخبطة التي لا مرشد لها بكل مافي معنى الارشاد الصحيح من انارة وهدى. ترى ماذا ينقص هؤلاء العلماء التوابع؟
ان الشئ الوحيد الذي ينقصهم هو(قبس من الايمان بالله ايماناً رشيداً واعياً يتفق مع عقولهم الجبارة المتطلعة الى الحقائق التي لاغموض فيها ولا التواء أو بعبارة اخرى ينقصهم(بعث الايمان في نفوسهم)، ونقول بعث الايمان لانه لم يغب عن ادراكنا ان كلا من علماء الطبيعة العباقرة قد نشأ في اسرة تدين بدين سماوي وهذا احدهم وقد نشأ في اسرة مسيحية وان كلا منهم قد تشرب منذ نعومة اظفاره من تلك المعلومات ماازحم به ذهنه البسيط منذ صغره فلما اكتمل نضوج ملكات عقله واصبح قادرا على التميز بين الخطأ والصواب وبين المعقول وغيره من الناحية العلمية التي تربط بما نشأ عليه وهو يؤمن بأنه الدين وجد اكثر ماتلقنه صغيراً يتعارض تماماً مع الحقائق العلمية فلم يجد له من سبيل الا أن يلوذ بالعلم ويتباعد عن تلك المعلومات الشوهاء الفاسدة الى أن كفر اخيرا بكتب الله ورسله ثم كفر بالله سبحانه وتعالى شأنه. ان علماء الطبيعة ومن يلوذون بهم اقرب الناس إلى الايمان الصحيح الواعي الذي يدعم احد اركانه المنطق السليم ويؤيدنا في هذا الاتجاه قوله تعالى
( انما يخشى الله من عباده العلماء)فاطر28
وفي هذه الآية يكون(العلماء) في موضع (الفاعل) والله في موضع(المفعول) ولتوضيح المدلول السليم لتعبير هذه الآية نضعها في صيغة مبسطة(ان العلماء من عباد الله هم الذين يخشونه) لأن الصيغة التي انزلت بها هذه الآية يحتمل معها سوء الفهم وانما يعتمد النص على تشكيل الفاعل بالرفع00وهم العلماء والمقصودون هنا هم(غير المعممين) فلايكفل عودة مثل هؤلاء العلماء وكل من نفر وابتعد عن طريق الايمان الواعي الامثل هذا البحث الذي يعيد إليهم الطمأنينة والثقة بامتزاج الحقائق العلمية والسماوية ويبعث فيهم تلك الفطرة النقية التي انطمست معالمها فترة من العمر.
ومن مفارقات اللحظات التاريخية بين الحياة والموت مايحدثنا عن وقوع هذه الحالة فعلا –مع احد الذين اعتبرهم بعض الافاضل انهم عداد المتصوفين الواصلين، وانني انقل العبارات كما هي عن كتاب(في التصوف) للدكتور محمد مصطفى حلمي وقد جاء به مايلي من القصص التي من هذا القبيل القصة التي تروى عن (عمر بن الفارض) عند احتضاره والتي لخصها في أن :
(برهان الدين ابراهيم الجعبري) وهو أحد الاولياء المعاصرين لابن الفارض قد كان مرافقا له وقت احتضاره وحكى ماوقع لابن الفارض في لحظات احتضاره من أن الجنة قد تمثلت له ومااثاره هذا التمثيل في نفس المحتضر فقال برهان الدين:رأيت الجنة قد تمثلت له فقال:آه! وصرخ صرخة عظيمة وبكى بكاء شديداً وتغير لونه وقال:
ان كان منزلتي في الحب عندكم ماقد رأيت فقد ضيعت ايامي
امنية ظفرت روحي بها زمنا واليوم احسبها اضغاث احلام
فقلت له: ياسيدي هذا مقام كبير
فقال: ياابراهيم ان رابعة العدوية تقول وهي امراة:(وعزتك وماعبدتك خوفاً من نارك ولارغبة في جنتك بل كرامة لوجهك الكريم ومحبة فيك) وليس هذا المقام الذي اطلبه وقضيت عمري في السلوك اليه00!
وانتهى بذلك بعض ماحدثنا به برهان الدين ثم اخذت القصة اتجاها ينحو الى ان المحتضر قد انبسطت اساريره00وانتهى!
ويضيف المؤلف الدكتور محمد مصطفى قوله: ان لكل من الحلاج وابن الفارض وغيرهما من المحبين شطحات غير تلك التي ذكرناها كانت مثارا للقيل والقال ومن شطحات الحلاج اقواله التي لقى من اجلها حتفه ومنها:(انكم لاترون في هذه الجنة غير الله) وقوله(انا الحق).
ونعود الى الحديث عن هدفنا من تعبيرات ابن الفارض حيث نبين فيه دون عناء تلك الصورة ذات الاوصاف الحسية للجنة ومشتملاتها واطماع اكبر المتخيلين فيها فلما تكشفت لروحه كل الحقيقة في تلك اللحظة الحاسمة صرخ وبكى وتغير لونه، ولقد توارثت الاجيال تلك الصورة الحرفية للجنة وانك لن تجد في العالم الاسلامي إلا أقل من النادر ممن يعرفون هذا الجانب الذي اشرنا اليه من حقيقة الجنة.
وهاقد تبين لنا ذلك الذعر الذي انتاب ابن الفارض حيث كانت لديه صورة معينة المعالم والاوصاف للجنة ظلت تلازمه في خياله واعتقاده طيلة عمره فلما انكشفت له الحقيقة فجأة(ودون مهل) صعق منها وذهل لها فكان ضمن تعبيره الصريح:(قد ضيعت ايامي واليوم احسب ان الامنية التي لازمت روحي وظفرت بها زمنا ماهي الا اضغاث احلام)
فما علينا إلا ان نلفت نظر الراغبين في معرفة الحقائق المجردة إلى الاهمية البالغة التي تعود عليهم من التعمق في دراسة الحقائق الكلية التي وردت وجاء بها مايهدم كثيرا من الخيالات والاوهام التي هي اقرب إلى الاصنام تدور حولها العبادات والاعتقادات المتأصلة بحيث يحق القول انه من العسير جدا اقتلاعها لكي نضع بدلا عنها الحقائق الالهية الرائعة ام نقول ان كان من الافضل ان تظل تلك المعلومات الموروثة سائدة بين الاذهان ومسيطرة على العقائد إلى أن تصعقها الحقيقة المجردة فجأة كما صعقت ابن الفارض وامثاله؟
نعود إلى استئناف الحديث في موضوعنا الاصيل
(واعرض عما تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا) النجم29
ولو ان الانسان يفكر قليلا في حقيقة الوفاة وفي طبيعة مايستتبع انتقاله من هذه الدنيا من تغييرات كبرى لما عاش بكيفية مغايرة فحسب بل لتغيرت وجهته في هذه الحياة بالكلية ولاتسمت حياة الناس بقسط اكبر من الرزانة والهدوء والاطمئنان. لقد وهبنا الله منذ ولادتنا نعمة لا تقدر بثمن وهي (احترامنا لانفسنا ومعرفتنا قدرها) كما أنه لايمكن لاحد في الواقع أن يمتلكنا أو يفرض سلطانه على مغاليق ارواحنا ونفوسنا. والانسان في مقدوره اختيار السبيل الذي يسلكه وله مطلق الحرية في التصرف بمختلف الوسائل للوصول إلى مايهدف اليه في حياته وهو في ذلك الصدد إما ان يسلك سبيلا صاعدا على الدوام إلى ماهو ارقى وافضل فهو إذاً ثابر على هذا التدرج في السمو في حياته ثم وافته المنية وبلغ اجله المحتوم سوف يستمر تدرجه في مراحل الرقي والسمو ببقائه في ذلك الهيكل الروحاني الذي لايعتريه القرون والاعصار حيث لاوجود هنالك للمركبات الكيماوية من العناصر الطبيعية المعروفة في تركيب اجسامنا بل هي جواهر مفردة غير قابلة للتحلل او التبدل فلاتتأثر بعوامل الزمن بل من شأنها الخلود ويستمر هذا لكل من انتقل الى عالم الخلود وكان من المداومين على العمل في سبيل دائم الارتقاء والصعود إلى ماهو أرقى فتتحقق ملازمته لمن هم في مرتبته ولهم نفس اتجاهاته مكرمين برضاء الله عنهم فيرفع لهم من شأنهم في واسع رحمته بدوام رقيهم في جناته العليا وفردوسه الاسنى.
ولايفوتنا القول بأنه مما يزكي رفعة ارواحهم ودوام سموها في عالمها صلوات الذين احبوهم سواء كانوا في هذا العالم أم انتقلت ارواحهم إلى جوار ربهم كل هذا مما يساعد على استمرار الرفعة ودوامها في معارج القرب الإلهي لان هذا دوام الترقي وسبله مفتوحة دائماً لكل من في الامكان ولايتحقق هذا إلا بأن يبدأ الانسان بنفسه أولاً وتتركز لديه النية الصادقة في العروج إلى هذا السبيل الأقوم الأبدع. وعلى النقيض من يكون قد اتخذ سبيل منحدرا في درك إلى ماهو اسفل منه ثم واتاه الاجل المحتوم فهو بلا ريب مستمر في انحداره إلى دركات من الظلمات والبعد ودوام الحرمان وفي هذه المناسبة يعرفنا تعالى بقوله:
(من كان في هذه أعمى فهو في الآخره أعمى وأضل سبيلا)الاسراء72
ويتضح لنا ان المقصود من كلمة(هذه)هو هذه الحياة الدنيا.
وهناك من مراتب النفس المظلمة مايتنبه إلى حقيقة موضعه ومرتبته في ذلك العالم ويشاهد مايتنعم به المقربون المكرمون ويدرك ماهو عليه من مقام ادنى وحرمان يلهب الأفئدة فيتمنى لو أنه حظى بجانب من ألطاف الله وغفرانه وشأنه حينئذ لاشك متروك لارادة الله وربما تشفع له صلوات الاقربين اليه والمحيطين له ولله القول والفصل يفعل بعباده ماشاء
(يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء)
ولكن مثل هذا الانسان ممن لايجد مايجنيه من خير في آخرته لأنه لم يزرع شيئاً في دنياه سوف يجد الطريق شاقاً مرهقاً وسوف يكون مايلقاه من خير في هذا السبيل هو من قبيل الاحسان مما يتصدق به الاقربون عليه فيبقى في حال اشبه مايكون بما يعيش عليه فقراء الدنيا من الصدقات فهو من فقراء النفس أو المعدمين وهذا هو الفقر الحقيقي
وأن من أهل النار من يلحون في طلب الصدقات والاستجداء وهيهات، (ونادى اصحاب النار اصحاب الجنة ان افيضوا علينا00) هذه هي ضمن الأيات التي جئناك بها مبصرة وتبصرة ثم سألنا ذلك السؤال الذي كأنه يبدو من متخبط(هل الجنة والنار قائمتان؟) ثم اخذنا في التدرج معك إلى ان اثبتنا وجودهما وهاهما تسعيان أمامك بسلطان مبين. ثم ان هناك من النفوس مايظل جامداً متحجراً عنيداً فيكون خلوده في هذا الاغلاق كما كان في حياته الدنيا
أما ونحن الآن قريبون من النهاية نهاية الموضوع فيجمل بنا ان نتلفت حولنا بنظرة من الفكر شاملة، وموضوعنا هذا الذي القى في سبيلك باكثر الاضواء روعة ليس هو في الواقع اكثر من ثغرة لتفكير العقل تستشف به الروح بما يفتح جانبا من مغاليق الغيب لتطلع من خلالها على جواهر الحقائق التي افاض علينا بها الرحمن من كنوز علمه اللامتناهي عسى ان نكرس جانبا من حياتنا ووقتنا في التأمل العميق في موقفنا ونضع انفسنا في موضعها الصحيح من حقيقة الحياة الشاملة بكل من فطر بها(في الحياة الدنيا والحياة الاخره) بأن نعطي ما لأرواحنا علينا من حقوق ونستجيب إلى مطالبها(انما يستجيب الذين يسمعون)، فلقد طال ماقضينا من عمل وجهد ومال في العناية بأجسادنا الفانية وكثيرا ماتغاضينا عن حقوق ارواحنا ورغباتها، ولسوف يشعر الانسان بالرضى غاية الرضى بمجرد أن يعتزم صادقا على تعديل اتجاهاته صوب مطالب الروح التي فطرها الله عليها بعد ان اطلع على ماينتظر روحه من رضوان الله في نعيمه وجناته التي سوف تلازمه إلى الابد بل أبد الابدين
*والخلود من شأن الروح
*والخلود هو مالايحده زمان ولامكان
*والروح عند انطلاقها اثناء النوم ترى اشياء عديدة وتشاهد أحداثا تستغرق ساعات ولقد اثبت العلم ان كل هذا يحدث في ثانيه وفي خلال تلك الثانيه أو اللمحة تحدث حلقات طويلة من المتعة والهناء أو تحدث سلسلة مريرة من الألم والعذاب المهين ولايشعر الجسم النائم بهذا أو ذاك.
*والروح عند انطلاقها الكلي_ بالوفاة تنعم بشعورها بالراحة والسعادة الخالدة أو تشقى في اللحظة الواحدة شقاء مريرا طويلا ولايشعر الجسد الميت بهذا أو ذاك
واقول: ترى00هل جاء امر ربك حتى نتحدث عن الروح بهذا التفصيل؟





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,358,687,364
- لماذا كانت هذه الرموز والاستعارات التي يحيطها الغموض موجودة ...
- لماذا كانت هذه الرموز والاستعارات التي يحيطها الغموض موجودة ...
- لماذا كانت هذه الرموز والاستعارات التي يحيطها الغموض موجودة ...
- ما هو معنى يوم القيامة فى البهائية ومفهومها وما معنى الجنة و ...
- قد قامت القيامة- فأخلعوا عنكم أثواب الغفلة وأصنام الظنون وال ...
- هدف الأمر الإلهى-2
- هدف الأمر الإلهى-1
- القصاص الإلهي
- تبيّنوا كى لا تصيبوا ولا تُصَابوا
- انتهت اليهودية والمسيحية والإسلام وحل أجل الله
- عفواً يا أمة الإسلام قد انتهى حكم ما بينكم وجاء خبر ما بعدكم ...
- عفواً يا أمة الإسلام قد انتهى حكم ما بينكم وجاء خبر ما بعدكم ...
- عفواً يا أمة الإسلام قد انتهى حكم ما بينكم وجاء خبر ما بعدكم ...
- عفواً يا أمة الإسلام قد انتهى حكم ما بينكم وجاء خبر ما بعدكم ...
- عفواً يا أمة الإسلام قد انتهى حكم ما بينكم وجاء خبر ما بعدكم ...
- عفواً يا أمة الإسلام قد انتهى حكم ما بينكم وجاء خبر ما بعدكم ...
- عفواً يا أمة الإسلام قد انتهى حكم ما بينكم وجاء خبر ما بعدكم ...
- عفواً يا أمة الإسلام قد انتهى حكم ما بينكم وجاء خبر ما بعدكم ...
- عفواً يا أمة الإسلام قد انتهى حكم ما بينكم وجاء خبر ما بعدكم ...
- عفواً يا أمة الإسلام قد انتهى حكم ما بينكم وجاء خبر ما بعدكم ...


المزيد.....




- الأسد يهاجم الوهابية ويصف الإخوان بـ-الشياطين-.. ويعطي -دروس ...
- أيها المسلمون لا أتمنى لكم رمضانا كريما
- نيوزيلندا توجه تهمة جديدة لمنفذ مذبحة المسجدين
- رسميا.. سفاح المسجدين في نيوزيلندا يواجه تهمة الإرهاب
- تاريخ: المسجد العباسي بمدينة شبين الكوم بمحافظة المنوفية
- نيوزيلندا توجه تهمة جديدة لمنفذ مذبحة المسجدين
- الأسد يشن هجوما حادا على -الإخوان المسلمين- ويصفهم بـ -الشيا ...
- الأمن المصري يقتل 12 عنصرا من -الإخوان المسلمين-
- شرطة شيكاغو تعزز حماية المنشآت اليهودية بعد سلسلة من -جرائم ...
- الصحوة الإسلامية.. البداية والنهاية


المزيد.....

- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق
- المعتزلة أو فرسان العقلانية في الحضارة الاسلامية / غازي الصوراني
- الجزء الأول من كتاب: ( دعنا نتخيل : حوارا حدث بين النبى محمد ... / أحمد صبحى منصور
- كتاب الإسلام السياسي وتجربته في السودان / تاج السر عثمان


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - راندا شوقى الحمامصى - لماذا كانت هذه الرموز والاستعارات التي يحيطها الغموض موجودة بالكتب السماوية؟ وما الحكمة في صياغة كثير من الآيات في هذا القالب المجازي من التشبيهات؟-(3)