أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم - مسعد عربيد - الانتفاضة الساباتية بعد عشرة اعوام: مرحلة جديدة أم خيار بين البندقية وغصن الزيتون؟















المزيد.....



الانتفاضة الساباتية بعد عشرة اعوام: مرحلة جديدة أم خيار بين البندقية وغصن الزيتون؟


مسعد عربيد
الحوار المتمدن-العدد: 706 - 2004 / 1 / 7 - 04:15
المحور: اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم
    


 [1]
 "كل ما نريده هو عالم من نوع جديد:
عالم كبير يتسع لكل العوالم المتنوعة التي
 يحتاجها هذا العالم حتى يصبح، حقا، عالما"
 
الزعيم الساباتي ماركوس
 
بعد عشرة اعوام من إنطلاقة الانتفاضة الساباتية من أدغال ولاية تشيابس المكسيكية تحوم اليوم أسئلة عديدة:  أين هم هؤلاء الرجال والنساء المقنعون؟ ما لهم وما عليهم؟ وماذا انجزوا وأين اخفقوا؟ هل انطفـأت جذوة إنتفاضتهم التي، على مدى عقد من الزمن، أنارت النفق المظلم في حياة ونضال السكان الاصليين في الاميركيتين: الوسطى والجنوبية؟
 
لا تدّعي هذه المقالة تقديم الاجابة على هذه الاسئلة، بل تسعي الى تجليس الحركة الساباتية  في سياقها التاريخي في نضال الشعوب الهندية الاصلية في المكسيك والاميركيتين ورسم ملامح المستقبل من خلال عرض لخلفية الانتفاضة الساباتية ومراجعة التجربة ووقفة عند التطورات الاخيرة.
 
في خلفية الانتفاضة الساباتية
 
كان الدكتور مارجيل يانس Margil Yanez، أحد قادة اليسار المكسيكي المسلح في المناطق الشمالية للمكسيك[2]، قد أنشأ نواة ثورية سرية في الضواحي الصناعية لمدينة مونتريMonterey . وقد أتسمت هذه المدينة وضواحيها بنهضة صناعية ولّدت بطبيعتها تفاوتات طبقية حادة وما ينتج عنها من اشكال الصراع الاجتماعي والسياسي. كانت تلك النواة تسترشد في تلك الآونة بتعاليم الزعيم الصيني ماو والثورة الكوبية[3]، كما انها كانت قد اتخذت من خندق اقيم تحت احد البيوت مخبأ لاسلحتهم وملاذا لمناضليهم الملاحقين من قبل النظام المكسيكي. تنامت هذه النواة الثورية لتشكل لاحقا قوّات التحرير الوطني  Furezas de Liberacion Nacional (FLN)  وهي التشكيلة التنظيمية التي تطورت لاحقا لتصبح جيش التحرير الوطني الساباتي  Ejercito Zapatista de Liberacion Nacional (EZLN)الذي يقود اليوم نضال هنود قبائل المايا في ولاية تشيابس المكسيكية.
 
ومع إطلالة ثمانينيات القرن المنصرم، أخذت قوّات التحرير الوطني تغذي ولاية تشيابس بالكوادر الحزبية والسياسية؟ وأخذت هذه الولاية، منذئذ، تغلي بالكوادر الحزبية والراديكالية وآلاف الغاضبين والمتمردين من الهنود الاصليين. وكان ماركوس، زعيم الحركة الساباتية والمتحدث الرسمي باسمها منذ انطلاقتها، احد كوادر الكتيبة التي استقرت في تشيابس منذ عام 1983.
 
وصل ألاب الكاثوليكي صاموئيل رويس [4]Samuel Ruiz  عام 1960 الى ولاية تشيابس حيث عيّن اسقفا لتلك الولاية. وما أن حلّ عام 1968 حتى كان فكره في ثيولوجية (لاهوت) التحرير قد تبلور واخذ مع أعوانه في بناء جسور التعاون والعمل المشترك مع المناضلين الساباتيين.
 
 انطلقت الانتفاضة الساباتية[5]، كما نعرفها اليوم، في الاول من يناير عام 1994 في ولاية تشيابس الواقعة في الجنوب الشرقي للمكسيك والمحاذية لغواتيمالا حيث تقطن قبائل المايا من الهنود الاصليين في المكسيك والتي قدمت الى هذه المناطق وبنت حضارتها العريقة منذ بضعة آلاف من السنين. وقد قاد جيش التحرير الوطني الساباتي هذه الانتفاضة متخذا اسمه نسبة الى زعيم الثورة المكسيكية عام (1910)، اميليانو ساباتا  Emiliano Zapata .
 
يجمع المحللون على أن توقيت إنطلاقة الانتفاضة والعصيان المسلح تزامنا تماما مع شروع دول النافتا North America Free Trade Agreement (NAFTA)  الثلاث (الولايات المتحدة وكندا والمكسيك) في مناقشة اسعار وكوتا الذرة تخوفا من ازاحة المزارعين الهنود الاصليين من اسواقهم المحلية وفقدانهم لمصدر دخلهم الرئيسي.  ويمكن القول بان اعلان الكفاح المسلح الساباتي كان في الحقيقة استراتيجية للحفاظ على الذات من الشركات العملاقة مثل (Cargill and Anchor Daniels Midland) والتي أخذت تحكم الخناق على هنود المايا، "شعب الذرة".[6]    
 
وجاء رد النظام المكسيكي وجيشه على هذه الانتفاضة عنيفا وكاد أن يسحقها بعد شهر من تلك الانطلاقة، لولا دعم ووقوف المجتمع المدني وعشرات الالاف من المؤيدن والمناصرين الذين اعتصموا في الساحة الرئيسية في مكسيكو سيتي وارغموا كاروس ساليناس، الرئيس المكسكي آنذاك، على سحب قوات الجيش المكسيكي وإعلان وقف إطلاق النار.
 
إتفاقيات سان أندروس
 
بعد مفاوضات كرّ وفرّ استمرت إثنين وعشرين شهرا بين الحركة الساباتية والنظام المكسيكي، تم التوصل الى الاتفاقيات حول الحقوق الثقافية والانسانية للهنود الاصليين والتي عرفت فيما بعد "باتفاقيات سان اندرس حول حقوق الهنود وثقافتهم" ( 16 شبّاط/فبراير 1996). وقد احتلت هذه الاتفاقيات موقعا مركزيا في نضال الشعوب الهندية الاصلية واصبحت مثالا وانجازا تتطلع اليه جماعاتهم السكّانية في القارتين الاميركيتين "وشكلت بنية لحكم ذاتي قادر على إدارة كافة شؤون الحكومة المحلية والتعليم الثنائي ـ اللغة [اللغة الاسبانية واللغات المحلية للسكان الهنود الاصليين] وشؤون إستثمار الموارد الطبيعية والسياسات الزراعية الجماعية".[7]  وبالرغم من توقيع الحكومة المكسيكية على هذه الاتفاقيات، حنث الرئيس المكسيكي السابق سدييوErnesto Cedillo بوعده وإستخدم حق النقض (الفيتو) ضد تنفيذ اي من بنودها بحجة "انها ستسمح للهنود المكسيكيين بالانفصال عن الشعب المكسيكي".
 
حاول الساباتيون مرارا منذ توقيع هذه الاتفاقيات وعبر السنوات الثمان الاخيرة على حمل الحكومة المكسيكية على تنفيذ بنودها. الاّ أن النجاح لم يحالفهم في هذا المسعى. فارسلوا وفودا عديدة الى العاصمة المكسيكية للضغط والمطالبة بان توضع هذه الاتفاقيات الموقعة من قبل الطرفين موضع التنفيذ وأن تصبح "القانون السائد في البلاد". [8] وتمثلت آخر هذه المحاولات في المسيرة الكبرى التي اطلق عليها إسم "مسيرة الناس الذين يشبه لونهم لون الارض". ففي شباط/فبراير ـ آذار/مارس 2001 ترجل آلاف الساباتيين من جبال ومرتفعات الشرق الجنوبي من المكسيك، حيث تمترسوا منذ سنوات، ممتطيين الفرسان والحافلات والسير على الاقدام عبر 12 ولاية مكسيكية في مسيرة شهيرة متجهين نحو العاصمة المكسيكية لطرح مطالبهم امام البرلمان المكسيكي. وقد استحوذت هذه المسيرة على دعم وتهليل عشرات الألاف من جموع الشعب المكسيكي اضافة الى دعم عالمي لا نظير له. وحضر قادة الحركة الساباتية اجتماع الكونغرس المكسيكي وطرحوا قضاياهم ومعاناتهم ومطالبهم أمام ممثلي الشعب. وما أن اداروا ظهورهم مغادرين العاصمة عودة الى مرتفعاتهم وحقول الذرة، حتى صوت هذا الكونغرس ضد اتفاقيات سان أندرس بكل جوانبها وضد تنفيذ اي من بنودها.  وقد تسبب فشل هذه المحاولة المخلصة وعودة الساباتيين الى حقولهم بخفي حنيّن في خيبة امالهم  وشكلت احدى خلفيات التطورات اللاحقة التي نشهدها اليوم.
 
 
 
 
الصمت: سلاح الهنود الاصليين
 
يحتل الصمت موقعا مركزيا في ثقافة ونمط حياة قبائل المايا الهندية. وقد إختار الساباتيون، عبر نضالهم، أن يلتزموا الصمت لفترات زمنية طالت وتعددت. ويرى بعض المحللين[9] أن العالم الذي أخذ يغلي بسبب تداعيات احداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، لم يلتفت الى صمت الهنود الاصليين ولم يعد ينصت الكثيرون الى صمتهم. وفي حين لا يخلو هذا التفسير من بعض الحقيقة، الاّ ان حجة "عالم ما بعد احداث سبتمبر 2001 " هذه لا تنفي ولا تخفي حقيقة النظام العالمي الراهن. ان هذا "العالم" لم يلتفت أو يأبه بالشعوب الصامتة، وهي حقيقة تؤكدها تجارب الشعوب المقهورة ونضالاتها. فاذا ما ضمن الراسمالي الجشع استمرار قدرته على النهب وتعاظم ارباحه، فان عولمة راس المال، التي نعيش في كنفها في هذه الحقبة، لا ترى في هذه الشعوب الاّ ارقاما متراكمة من الاحياء/الاموات. [10] 
 
 عاد الساباتيون الهنود الى مرتفعاتهم في كانون الثاني/يناير 1997 ولاذوا بالصمت حتى تموز/يوليو 1998 ولم يدلوا خلال تلك الفترة باي تصريح خارج معسكراتهم ومناطق تجمعاتهم. ثم كرروا صمتهم الغاضب عندما انسحبوا مجددا الى مرتفعاتهم بعد ربيع 2001 ومسيرتهم الكبيرة وغابوا في صمت دام ما يقارب ثمانية عشر شهرا (ايّار/مايو 2001 الى كانون الأول/ديسمبر 2002)، بعد ان أجهض الكونغرس المكسيكي كل مساعيهم في ايصال صوتهم الى الشعب المكسيكي ومطالبتهم بتنفيذ بنود اتفاقيات سا اندرس. وانقطعت، منذ ذلك الحين، كافة الاتصالات والمحادثات بين قيادة جيش التحرير الوطني الساباتي واللجنة الثورية السرية للسكان الاصليين (CCRI) من جهة والنظام المسيكي وحكومة الرئيس فوكس من جهة اخرى. 
 
الحكومة الجيدة والحكومة السيئة:
ملامح المرحلة الجديدة
 
أقام جيش التحرير الوطني الساباتي مهرجانا شعبيا كبيرا (9 ـ 11 اب/اغسطس 2003) في مدينة اوفينتيك في ولاية تشايابس ضم الالاف من الساباتيين ومناصريهم، وأعلن عن قرارات سياسية وإجراءات إدارية تضمنت تغييرات هامة وعميقة في برنامج عمل هذه الحركة.
 
ومن وراء اقنعتهم المتميزة[11]، اعلن الساباتيون، للمرة الاولى، عن تشكيل "سلطات إقليمية للحكم الذاتي"  أي مجالس حكم داخل الولاية ذاتها (regional autonomy) في حين اقتصر التقسيم الاداري لولاية تشيابس (والولايات المكسيكية الاخرى) حتى الان على "سلطات بلدية للحكم الذاتي".[12]  وقد عملت الحركة الساباتية على مدى عقد من الزمن على تنظيم اوضاع سكانها ضمن ما اسمته "بلديات الحكم الذاتي" والتي وفرت للسكان خدمات افضل بكثير من الحكومة المكسيكية في مجالات الرعاية الصحية والتعليم وتعزيز دور المرأة وتحسين اوضاعها وبناء البنية التحتية للاقتصاد المحلي. اما "الحكومة الصالحة" التي اقرت في صيف 2003، فقد جاءت لمعالجة اشكاليات الادارة الداخلية وعملية اتخاذ القرارات الدمقراطية داخل المجالس المحلية.
 
تتسم هذه الخطوة بتغييرات جذرية تمس برنامج هذه الانتفاضة واسلوب نضالها وتومئ بتحول في المسيرة الساباتية قد يستطيع المرء ان يستشرفه من تصريحات القيادة الساباتية والقرارات والاجراءات الاخيرة. وقد شملت هذه التغييرات إضافة الى مجالس لادارة شؤون المدن والقرى، إنسحاب القوات العسكرية من نقاط التفتيش وغيرها من التفاصيل الهامة (انظر المحلق أ). وأكد المتحدثون والمتحدثات[13] باسم اللجنة الثورية السرية للسكان الاصليين والناطقين باسم EZLN  ان هذه الاجراءات لا تعني تنازلهم عن حقوقهم ومطالبهم، بل"ان سلاحنا الرئيسي الآن هو المقاومة وتنظيم جماهيرنا. ولهذا السبب فاننا نتعلم كيف نبني الحكم الذاتي. فبعد ان قمنا ببناء بلديات الحكم الذاتي في كل مكان، لدينا الآن "الحكومة الصالحة" [أي الحكومة الساباتية] التي تدير شؤوننا حين اختارت "الحكومة السيئة" [أي النظام المكسيكي الحاكم] ان تتجاهلنا".[14] جاءت مجالس " الحكومة الصالحة" لمعالجة القضايا والاشكاليات الادارية ولتمييزها عن "الحكومة السيئة" اي ادارة وسلطات الحكومة المكسيكية. وفي حين تقوم هذه المجالس برعاية الشؤون المحلية الاّ ان جزء كبيرا من شؤون وسلطات الحكم سيظل تحت السيطرة الكاملة وضمن مهام "قيادة الانتفاضة الساباتية" و"اللجان الثورية السرية للسكان الاصليين" مثل شؤون القضاء والصحة العامة والتربية والاسكان والاراضي والعمل والغذاء والتجارة والثقافة والاعلام وشؤون الحكومات المحلية.  
 
كما اكدوا ان الحركة الساباتية الان أكبر واقوى "ولم يحدث في تاريخنا ان امتلكنا القوة التي نمتلكها اليوم. فقد تجاوزنا حدود تشيابس واستطعنا السيطرة على مناطق تقع تحت سيطرة الجيش المكسيكي الفيدرالي وضمن قبضة الثكنات العسكرية لقوى الامن العام".
 
اولت هذه التطورات، كما اعتادت عليه الحركة الساباتية منذ انطلاقتها، وضع المرأة ودورها إهتماما بالغا فطالبت الذكور في المكسيك باحترام النساء واكدت ان نساء الانتفاضة الساباتية لن يكتفين بهذه المطالب من "باب الصدقة" بل "سنفرضها  بالقوة". ودعت النساء في المكسيك والعالم اجمع الى دعم نضال المرأة الساباتية وانهاء كافة اشكال استغلالهن واساءة معاملتهن واحتقارهن. [15]
 
وكرد على سياسة النظام المكسيكي التي تقوم على تكريس التفاوت الطبقي وتفتيت المجتمع على اسس طبقية وفئوية، قدمت الحركة الساباتية الى الشعب المكسيكي اقتراح معاهدة تقوم على سبعة بنود وسبع مطالب وطنية عالجت شؤون الرعاية الصحية والتعليم والغذاء والمرأة والتجارة والدفاع..الخ (انظرالملحق ب).  
 
 
 
 
تفسيرات وتأويلات
 
اخذ الساباتيون على عاتقهم اذن، وبشكل احادي الطرف، تنفيذ اتفاقيات سان اندرس لعام 1996 بعد ان ادارت الحكومة المكسيكية ظهرها لها وعطلت المفاوضات ومنعت تنفيذ الاتفاقيات الموقعة بينهما.
 
وقد فسّر بعضهم هذه القرارات الساباتية الاخيرة  على انها اعادة تنظيم الاوضاع التي سادت عبر السنوات التسع الماضية حيث قام ثلاثون مجلسا للحكم الذاتي بادارة شؤون 1111 قرية ساباتية تحت امرة الجناح المدني لجيش التحرير الوطني الساباتي. أما الان فهناك خمسة مجالس حكومية مكونة من المدنيين الساباتيين، يقومون بالادارة على اسس ومستويات محلية اي انهم سيكونون وسيطا بين مجالس الحكم الذاتي والبلديات من جهة والحكومات المحلية من جهة اخرى. كما انهم سيقومون بحل النزاعات وضبط والاشراف على مشاريع ونشاطات المنظمات غير الحكومية والالتزام بمبدأ "الحكم بالطاعة" اي الحكم طبقا لرغبة وإرادة الجماهير.
 
كانت وظيفة الجيش سابقا وما تزال توفير الحماية لهذه البلديات والمجموعات السكّانية اذا ما دعت الحاجة لذلك. كما قال ماركوس:" سنكون متأهبين للدفاع عن الحكومات لأن وظيفة الجيش هي الدفاع وليست الحكم".
 
ولعله من باب التشويه الاعلامي وصف هذه القرارات بانها تشكل انحرافا أو ابتعادا عن الكفاح المسلح وباتجاة طاولة المفاوضات أو القول بان هذه "الاستراتيجية الجديدة" تهدف الى تسهيل التعامل مع العالم الخارجي كخطوة اضافية في الابتعاد عن الاصول العسكرية والسرية للحركة الساباتية. فالحقيقة ان القتال المسلح قد توقف قبل تسعة أعوام ولم يدم أكثر من الايام القليلة الاولى (ما يقرب من اسبوع واحد) في اوائل يناير 1994.
 
ومن بين التأويلات التي قدمتها وسائل الاعلام لهذه الخطوة بانها فتحت الباب من جديد امام المفاوضات مع الحكومة المكسيكية بعد ان توقفت منذ 19 يوليو 2003. (صرّح وزير الداخلية المكسيكي بان انسحاب القوات العسكرية الساباتية من نقاط التفتيش والتوقف عن جباية الضرائب من الزوار والسياح، "سوف يفتح الباب مجددا من اجل استئناف محادثات السلام مع الساباتيين").
 
وحول غياب الزعيم ماركوس عن المشاركة في هذا التجمع، فقد ذهبت بعض وسائل الاعلام الى الادعاء بانه " اشارة الى تدني موقع نفوذه في سلم قيادة الحركة الساباتية" واشارة الى ان مؤيديه من السكان الاصليين قد اصبحوا اكثر استقلالية عن سلطتة.[16] لعل غياب ماركوس يشكل بحد ذاته مراجعة نقدية ذاتيه لتنبيه الرأي العام العالمي بان ماركوس ليس هو الحركة الساباتية باسرها.
 
 
 
ماذا يريد النظام الحاكم في المكسيك؟
 
يقوم موقف الحكومة المكسيكية على الركائز التالية:
 
1)       التشكيك بمصداقية الحركة الساباتية:" من اين لهذه المجموعة من السكّان الاصليين ان تدّعي انها تمثل البلاد باسرها؟  لم يقم احد منا بانتخابهم كما أن احدا منا لم يطلب منهم تمثيلنا".
2)       ان الساباتيين لا يمثلوا السكان الاصليين ولا المجموعات السكّانية والبلديات التي يديرون شؤونها.[17]
3)       تنكر الحكومة المكسيكية لمصداقية هذه الحركة ولزعيمها ماركوس "المقنع والذي يدخن الغليون".
 
وتجدر الملاحظة انه في خلفية مواقف وممارسات هذا النظام تكمن ايديولوحية عنصرية شوفينية تفوقية معادية للسكان الاصليين تنحدر بالاصل من جذورها الاوروبية البيضاء. على انه يمكن القول، بشكل عام، بان النظام المكسيكي قد استقبل الخبر بالترحيب والتهليل. فاعتبره انجازا كبيرا وانفراجا للجمود الذي  اصاب المفاوضات مع الساباتيين. فصرح موفد الحكومة المكسيكية الى تلك المفاوضات:"بانها خطوة ايجابية جدا ونأمل ان يعود EZLN الى طاولة المفاوضات في المستقبل".[18] أما وزير الداخلية المكسيكي فقد حث، في حديث اذاعي، على "تحويل هذا الحدث الى فرصة لاعادة المبادرات بذهنية مفتوحة"، مؤكدا بان الحكومة المكسيكية "ستحترم هذة الاجراءات والتشكيلات الادارية [أي مجالس الحكم الذاتي]" وستعمل على اساس الدستور المكسيكي والمعاهدات الدولية التي تلتزم بها المكسيك.
 
لعل اهم ما التقطة النظام الحاكم في المكسيك من بين هذه القرارات  والاجراءات، هو انسحاب القوات الساباتية المسلحة من نقاط التفتيش. وليس هذا الامر محض صدفة. فقد صرح مساعد الرئيس المكسيكي والمفوض في شؤون الحوار مع الثوار الساباتيين ان هذه القرارت تمثل أهم حدث في السنوات العشر الاخيرة، "هذه خطوة ايجابية جدا ويحدونا الامل بان يعود جيش التحرير الى طاولة المفاوضات في المستقبل". اما وزير الداخلية المكسيكي سانتياغو كرييل  Santiago Creel، فقد اعرب عن امله:" لجعل هذا الحدث فرصة لاطلاق المبادرات الجديدة بعقلية منفتحة وبطرق اخرى للتقارب وخوض المحادثات". وقال في مؤتمر صحفي يوم 11 اغسطس 2003 ان هذا الحدث يعني اعادة البنية الداخلية للحركة الساباتية  وعبر عن امله في تحسين احتمالات الحوار "شريطة اننا نتحدث الان عن حركة مدنية لا عسكرية" و"اننا نحتفل بنزع السلاح من "لجان الحكومة الجيدة". [19] كما صرّح حاكم ولاية تشياباس (التابع للحكومة المكسيكية) بأن:"جيش التحرير يتحرك بعيدا عن احتمال الحرب ويضع نفسه بثبات ضمن الحلبة السياسية. اننا نلمح في الافق القريب احتمالا للعودة الى الحوار، بل انهم سيرسلون لنا مؤشرات سياسية".
 
ماذا عن الاعلام الرأسمالي؟
 
تناقلت وسائل الاعلام الراسمالية هذه التطورات بالقليل من الاهتمام الجدير بجسامة الحدث وآثاره السياسية على نضال الشعوب الهندية الاصلية في المكسيك والقارتين الاميركيتين، ولكن بكثير من التشويه والدعاية المغرضة. فقد عمد هذا الاعلام  على مدى العقد الفائت الى تهميش الانتفاضة الساباتية والتطورات التي اعترت ولاية تشيابس منذ اطلاقة انتفاضها في اوائل عام 1994.  واستغل هذا الحدث لذر الرماد في العيون وتصويره على انه "بداية النهاية" لهذه الحركة وانحراف في المسيرة الساباتية حيث اخذت تتراجع عن اهدافها الوطنية وتتخلى عن الكفاح المسلح. كما عمد هذا الاعلام الى طمس نضال الشعوب الهندية الاصلية التي تمثل الاغلبية الساحقة من السكان الاصليين في هذه المناطق المكسيكية وفي ارجاء اخرى من القارتين الاميركيتين الوسطى والجنوبية.[20]
 
اما الهدف الآخر من تهميش العالم الرابع فهو التعتيم الكامل على المعاناة والفقر والبؤس الذي تعاني منه ملايين السكان الاصليين في هاتين القارتين، والتعتيم على نضال يعتبر من انصع صفحات نضال الانسانية في سبيل الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والتخلص من ابشع اشكال الاستغلال والبؤس والابادة الثقافية والجسدية وضد السياسيات النيوليبرالية للانظمة الحاكمة واسيادها في البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. وتعبيرا عن هذه المعاناة، يطلق شعوب هذه المناطق على تاريخهم الحديث تعبير "خمسمائة عام من الدموع".  وان كان في هذا التعبير اشارة الى عهود الاستيطان الاوروبي الابيض والابادة الجسدية للسكان الاصليين منذ سقوط غرناطة (1492) وتوجه الابيض الى شواطئ العالم الجديد بحثا عن السوق والموارد والايدي العاملة الرخيصة (السمراء)، فان حقبة العولمة وسياسياتها النيوليبرالية وتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على ملايين من شعوب هذه المناطق الاصليين لم تترك من مرافق حياتهم ما لم تعبث به تخريبا وتدميرا. ضمن هذا السياق جاءت انطلاقة الانتفاضة الساباتية متزامنة مع توقيع اتفاقية NAFTA بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك في مطلع عام 1994.
 
المنظمات غير الحكومية: فردة الحذاء التي لم تصل بعد
 
سرعان ما استقطبت الانتفاضة الساباتية، منذ اطلاقتها، دعما عالميا وشعبيا لا يضاهي. فانتظم العديد من مؤسسات "المجتمع المدني" والحركات اليسارية والتقدمية والمناهضة للعولمة لتقديم الدعم المادي والمعنوي لهذه الحركة، كما قام الآلاف من المناصرين من شتّى انحاء العالم بزيارة الولاية للطلاع مباشرة على اوضاع السكان المحللين وليقدموا جهودهم التطوعية في خدمتهم. ويعزو الكثير من الحليين هذا القدر من الدعم والتأييد الى اسباب عديدة يجدر ان نذكر أهمها:
1)     المطالب الساباتية الاساسية والتي تناضل من أجل الحقوق الانسانية والثقافية والاثنية للشعوب الهندية الاصلية وما أجل القضاء على استغلال وقهر داما قرونا طويلة. وفي هذا الصدد شكّلت هذه الحركة صرخة ايقظت ضمير العالم الذي غفى في سبات عميق متناسيا الظلم الذي احاق بهذه الشعوب واستطاعت ان تعولم التضامن معها.
2)     المواقف  الساباتية المعارضة للسياسات الليبرالية واتفاقية NAFTA مما اجتذب العديد من القوى اليسارية والتقدمية والمناهضة للعولمة لدعم هذه الانتفاضة.
3)     الادبيات الساباتية وكاريزما الزعيم ماركوس ومهارته في التواصل مع الرأي العام العالمي.
4)     كما يجدر اضافة عامل آخر ساهم الى حد كبير في توسيع رقعة الدعم الدولي والشعبي وهو مبادرة الحركة الساباتية لاستخدام تنكولوجيا الاتصالات الحديثة وخاصة شبكة الانترنت ببراعة خلاّقة ونادرة مما وفر لها سبل التواصل المستمر مع العالم الخارجي واختراق الحصار المادي والاعلامي وتوطيد العلاقات مع المنظمات والحركات المناصرة لها وضمانة كافة اشكال الدعم الخارجي والمحلي. وقد ساهم شبكة الانترنت في تنظيم تجمعات عالمية دورية عقدت في اوروبا وتشيابس ادت الى تكاثر المنظمات غير الحكومية الاجنبية  في هذه الولاية.
 
ظلت اشكاليات العلاقة مع هذه المنظمات وتقييم تجربة التضامن والدعم هذه احد الهموم المقلقة للحركة الساباتية على مدى السنوات الاخيرة. وقد حظيت هذه العلاقة بقسط هام من النقاش في صيف 2003 حيث تم إتخاذ العديد من الاجراءات التي تعمل على تنظيم وضبط العلاقة مع هذه المنظمات بما يتفق ومبادئ وسياسات الحركة الساباتية المنطلقة من فهم اصيل لمصالح جماهيرها الحقيقية وليست تلك التي تخدم أجندة هذه المنظمات الاجنبية. 
 
إضافة الى ذلك جاءت لتعبر عن خيبة الامل والاحباط اللذان المّا  بالحركة الساباتية من بعض اشكال التضامن العالمي وممارسات المنظمات غير الحكومية الاجنبية ووضع الضوابط للعلاقة معها. ويعبر الزعيم ماركوس عن هذا الاحباط بسرد حكاية الهدية التي استلمها تعبيرا عن "المعونات الانسانية" لشعب تشيابس والتي تمثلت في فردة حذاء نسائي واحدة ذات كعب ارجواني. اما الفردة الثانية، ورغم طول إنتظاره، فانها لم تصل بعد. والمقصود هنا، بالطبع، التدليل على المهانة والمذلة التي يشعر بها ماركوس من جرّاء هذه "المعونات الانسانية" وليعبر عن غضبه الممزوج بالمرارة حيث يردد:" كيف يتسنى لنا ان نوضح لاولئك باننا لن نستطيع الاستمرار بالعيش في المكسيك في ظل هذا العار...".  كما يعيد ماركوس الى الاذهان دور وممارسات المنظمات غير الحكومية الاجنبية في "تحديد حاجات السكّان دون استشارتهم وفرض العديد من المشاريع القسرية عليهم، اضافة الى امور اخرى تتعلق بتوقيت واساليب تنفيذ هذه المشاريع". ويذكر بحزن، كمثال على ذلك، إصرار المنظمات غير الحكومية على تنظيم "دورات تعليمية حول الاعشاب" في حين لا تتوفر لنا "الماء الصالحة للشرب".
 
وعلية فقد جاءت هذه التغبيرات لتضع في صلب مهامها رسم قواعد جديدة لقبول التبرعات والهبات من منظمات المجتمع الدولي وضمانة التوزيع العادل لها اضافة الى ضبط وتنظيم العلاقة بين منظمات المجتمع المدني المحلية وهيئات الدفاع عن حقوق الانسان الدولية. كما يتوجب على المنظمات غير الحكومية، كما صرع زعيم ساباتي آخر(الزعيم تاكو)، والتي تقدم الدعم والتبرعات للشعوب الهندية، ان تعمل مع المجالس الحكومية الجديدة حتى تتمكن البلديات النائية من الحصول على حصيها من هذه المساعدات.
 
خاتمة: "دعونا نكون ما نريد ان نكونه"
 
يتطلب التقويم الموضوعي للتطورات الراهنة التي تمر بها الانتفاضة الساباتية فهما ماديا يرتكز على الظروف الذاتية والموضوعية لهذه الحركة ضمن سياق صراعها مع النظام الحاكم في المكسيك. فالتناقضات ما زالت قائمة ومتناحرة: الساباتيون يناضلون من اجل بناء حكم ذاتي في حين تستمر السلطات المكسيكية في حملتها العدوانية  وهجمتها الوحشية وحشد قوات الجيش (ما يقارب من 60 – 70 ألف جندي مكسيكي يرابطون على حدود هذه الولاية) ضد اهالي تشيابس الاصليين ورفضها لتنفيذ المعاهدات الموقعة معها.
 
صحيح ان الهنود الفقراء والمهمّشين في ولاية تشيابس، وفي المكسيك بشكل عام،ما زالوا يعانون من الفقر والمرض والعوز. الاّ انه من المبكّر ومن باب الاستعجال اطلاق الاحكام النهائية على التجربة الساباتية وانجازاتها وهفواتها. فما زالت هذه التجربة شابة ومتنامية وتمتد جذورها عميقة في معضلات ونضالات وهوية هذه الشعوب. الاّ انه وإن كان من المبكّر كتابة تاريخ هذه التجربة، الاّ انه ليس من المبكر الشروع بتمحص دروس وعبر التاريخ الذي تسجلّه.
 
وبعيدا عن "تطاول" بعض القوى اليسارية والتقدمية الغربية (والذي لا يخلو من النزعة التفوقية)، وبعيدا عن رغائبيتها في صياغة سياسة (وربما مستقبل) هذه الحركة على "صورتها ومثالها"، فان الخطوة الاولى في هذا التقييم تكون في الفهم الامين وضمن السياق الاصيل لهذه الحركة من خلال برامجها واهداف نضالها.
 
ودون الولوج في نقاش المفاهيم الفكرية واساليب الممارسة السياسية للحركة الساباتية (المعروفة بظاهرة الساباتية Zapatismo )، والتي ستخرج بنا عن موضوع هذه الدراسة، يظل من الضروري أن نتلمس، بشكل خاطف، بعض الملامح الفكرية والسياسية لهذه التجربة:
 
1)     الاستماع اولا: منذ أن وطئت اقدام الكوادر الطلائعية للحركة الساباتية ارض تشيابس في اوائل ثمانينيات القرن الماضي، التزمت هذه الكوادر، في عملها السياسي والتنظيمي والجماهيري، باسلوب متميز يرتكز اساسا على الاستماع للجماهير والتعلم منها، ثم تحديد الاهداف السياسية واسلوب تحقيقها. وقد استلهم هؤلاء المناضلون وابتكروا اساليبهم وطرق نضالها من قيم  وفلسفات وثقافة شعوب المايا الهندية. وعليه فقد جاءت ظاهرة الساباتية منبثقة من ومتناسقة مع نمط حياة وتقاليد هذه الشعوب.
2)     القيادة هي الجماهير: واكبت الكوادر الساباتية في نضالها عمل الجماهير وتنامت معه و كانت جزءا لا يتجزء منه. أما القيادة فقد جاءت نتيجة السير المتزامن مع حركة الجماهير والتنامي معها "من الاسفل" لتقود نضالها ولم تأتي "من الاعلى" لتكون الطليعة الثورية او قيادة لحزب الثورة. وهي في هذا النهج تختلف الحركة الساباتية عن تجارب العديد من ثورات وحركات التحرر الوطني في القرن العشرين.
3)     التعددية السياسية والاثنية: لعل اهم ما يمييز الحركة الساباتية انها لا تسعى الى إقامة "الحزب الحاكم" أو سيادة فكر سياسي واحد على مجمل فئات واثنيات المجتمع. وتعبر ادبياتها عن هذه التعددية الاصيلة من خلال "القبول" والتعايش المشترك لوجهات النظر الاخرى والمختلفة وانماط الحياة المتنوعة، ولا تسعى الى صهر هذه التعددية في نمط فكري أو حياتي واحد ولا تطمح الى سيادة نظام سياسي معين على كافة الانظمة الاخرى.    
4)     الالتحام بالارض:  فالارض هي الام وهي الاصل وهي غاية النضال. ومن هنا نفهم تمسك الساباتيين بحقول الذرة والقهوة وكافة الموارد الطبيعية التي تنتجها ارضهم. ويشكل هذه اول الثوابت في النضال الساباتي: فلا تنازل عن ولا مهادنة في الملكية (الجمعية لا الفردية ولا الملكية الخاصة) للارض والانتاج (الجمعي ومن اجل المجتمع) لمواردها.
5)     الاكتفاء الذاتي: استطاع الساباتيون ان يؤمنوا معظم حاجاتهم اليومية والحياتية (رغم الحصار الذي يفرضة النظام والجيش المكسيكيان) من خلال الانتاج المحلي وانجاز البنية التحتية واشكال التنمية المستديمة محليا بجهد انتاجي محلي جماعي، لا مكان فيه للملكية الخاصة، تقوم به وتحميه الجماهير العاملة: أي الاعتماد اولا وأخيرا على السوق المحلية والانتاج المحلي وصولا الى الاكتفاء الذاتي والتنمية المستديمة مهما كلف الامر من حرمان وتضحيات.
6) والصمود والمقاومة اولا ثم التحرير الوطني: قبل الانتقال الى مرحلة التحرير الوطني، ترى الحركة الساباتية، انه لا بد من الصمود والمقاومة واقامة البنية التحية والاكتفاء الذاتي والتدرج في الادارة والحكم الذاتي.
 
 
         
الكفاح المسلح:
 
هل تعني هذه القرارت التخلي عن الكفاح المسلح؟ هل اعلنت الحركة الساباتية: وداعا يا سلاح؟ ام هي نقطة تحول جذرية في النضال واساليبه والانتقال من الثورة الى ساحة العمل السياسي؟
 
على خلاف انطلاقة الانتفاضة وسمتها العسكرية، فان التطورات الاخيرة شكلت حدثا سلميا. الاّ ان المطالب السياسية والاجتماعية لم تتغير من حيث الجوهر. كما قال ماركوس عام 2001:" نحن لا نطالب بالاستقلال عن المكسيك، بل نريد أن نكون جزءا منهـا وان نكون سكّانا اصليين في المكسيك. لقد عاملونا حتى الآن كمواطنين من الدرجة الثانية أو كحجر عثرة في هذا البلد. نريد ان نكون مواطنين من الدرجة الاولى وان نصبح جزءا من تنمية هذا البلد، الاّ اننا نريد ذلك دون ان نتوقف عن كوننا من نحن: سكان اصليون".
 
لم ينوي الساباتيون، إذن منذ انطلاقتهم، كما أنهم لم يضعوا ضمن برامجهم السياسية، الاستيلاء على السلطة بل اعلنوا على الملأ في بيانهم الاول[21] (2  كانون الثاني/يناير 1994) بانهم لا يسعوا الى قلب النظام الحاكم او الاستيلاء على السلطة في المكسيك. وبالاضافة الى ذلك، فان الحركة الساباتية لم تطرح نفسها كطليعة، كما يحلو لبعض القوى اليسارية،  وكثيرا ما اكتفى الزعيم ماركوس بالقول:" ما نريده هو ان نكون جزءا من تغيير ديموقراطي". ويمكن القول بشكل عام ان الساباتيين معنيون بزراعة الذرة والقهوة وتنمية جماعاتهم ضمن رؤيتهم الهندية وثقافة قبائل المايا "كشعب الذرة".
 
الديمقراطية المشاركة:
 
تميّزت التجربة الساباتية في نضالها وتنفيذ برامجها بالالتزام بالديمقراطية المشاركة(participatory democracy)  بدلا عن الديقراطية التمثيلية ولا يستطيع احد ان ينكر دور هذه الحركة في تعزيز وتطوير هذه المفاهيم رغم قصر عمر هذه التجربة. وتصبح مفاهيم الديمقراطية المشاركة اكثر أهمية في وقتنا هذا حيث فضحت حرب العراق واحتلالها حقيقة الشرخ العميق بين الشعوب في المجتمعات الغربية وموقف ملايينها من هذه الحرب من جهة، وانظمتها "الديمقراطية المنتخبة" وسياساتها المتناقضة تماما من جهة اخرى والتي عبّرت عن الطلاق الفاضح بين هذه الانظمة وشعوبها التي من المفترض "أنها تمثلها".
 
مؤثراتها على نضال الشعوب الهندية:
 
يقول صاموئيل رويس، اسقف تشيابس المتقاعد:" لا بد من القول بوضوح ان الحركة الساباتية، رغم تمركزها في ولاية تشايبس، ذات اصول قومية". ورغم ان الاعلام يحاول الادعاء بان المشكلة محصورة في ولاية تشيابس، فان حقيقة الامر ان هذه المشاكل هي مشاكل تعاني منها ملايين من السكّان الاصليين الهنود في الامريكيتين الوسطى والجنوبية. ويعود الفضل الاكبر في التعبيرعن هموم ومعاناة وطموحات السكان الهنود الاصليين في المكسيك واميركا الوسطى والجنوبية وتسليط الضوء على الاستغلال والتمييز ضدهم على مدى خمسة قرون، الى الحركة الساباتية. ان ما يحدث في المكسيك ليس الاّ جزء يسيرا من الوعي المتنامي عبر الاميركيتين والعالم باسره حول اوضاع ونضال السكان الاصليين. ولا يمكن التقليل من أهمية بناء وتنامي هذا الوعي ودوره في خلق الظروف الذاتية لاحدات التغيير الاجتماعي والسياسي.
 
يذهب بعض المحللين الى أن عدد السكان الهنود المكسيكيين قد تضاعف خلال السنوات العشر الاخيرة من عشرة الى ما يقارب عشرين مليون (خمس الشعب المكسيكي) ويعزون سبب ذلك الى  الفخر والاعتزار بمواقف وإنجازات الحركة الساباتية مما دفع الكثيرين من المهجنين mestizo (اي الذين ينحدرون من والد اوروبي وآخر هندي اميركي) الى التمسك باصولهم الهندية الاصلية وإعتناقها كهوية ثقافية وإثنية.
 
اشكالية العلاقة مع النظام المكسيكي:
 
يشكل تعنت وغطرسة وعنصرية النظام الحاكم في المكسيك احد التحديات الكبيرة التي تواجه النضال الساباتي وما زالت المطالب الساباتية بعيدة عن اي أمل في التنفيذ: (1) اطلاق سراح المعتقلين الساباتيين، (2) تنفيذ اتفاقيات سان اندرس الموقعة مع الحكومة المكسيكية منذ عام 1996، و (3) سحب القوات العسكرية المكسيكية المحاصرة لاولاية تشيابس. ويحول تعنت النظام المكسيكي هذا دون إتمام البنى (الاجتماعية والسياسية والادارية) التى تتوخى هذه الحركة انجازها والتي عبّر عنها السكان من خلال الاستفتاءات الشعبية المتكررة.
 
ورغم دعم العديد من قوى  اليسار المكسيكي والجماعات الاثنية المكسيكية التي تبنت قانون حقوق الهنود من أجل معالجة وادارة شؤون جماعاتها، الاّ أن الحراك الاجتماعي والسياسي للسكان الهنود الاصليين في المكسيك بقي محاصرا ومقتصرا على المستويات المحلية معتمدا بالاساس على إستثمار الارض والموارد ولم يساهم في بناء منظمات دائمة على المستوى الوطني المكسيكي.
 
يظل الساباتيون، بعد عقد من الزمن ورغم غياب البنادق عن المظاهر العامة والعلنية، مشحونين بمقومات الصمود والاصرار على المقاومة والصمود والانتصار على وحشية العولمة. ربما لم ينجحوا في إنقاذ العالم، الاّ انهم قد انقذوا ذاتهم. ألم يكن الحفاظ على الذات والبقاء على قيد الحياة هو ما إنتفض الساباتيون من اجله بالمقام الاول؟
 
 
ملحق أ
 
موجز القرارات والاجراءات الساباتية الجديدة
 
يمكن ايجاز القرارات التي اتخذتها الحركة الساباتية بما يلي:
 
1)  تشكيل 30 مجلسا بلديا (مجلس حكم ذاتي)  لادارة القرى والمدن التابعة له والسهر على شؤون سكانها.
2) انسحاب كافة القوات المسلحة الساباتية من مواقع ونقاط التفتيش على الطرقات والتوقف عن جباية الضرائب والرسوم من الزوار والسوّاح في المناطق المحررة في ولاية تشيياباس.
3) الامتناع عن جباية الضرائب والرسوم.
4) معاقبة من يخالف هذه الاوامر والتعليمات.
5) وبناء على اوامر وتعليمات القيادة النسائية للحركة الساباتية فانه يمنع منعا باتا ادخال المشروبات الروحية الى اماكن تجمع السكان الهنود الاصليين.
 
 
ملحق ب
 
اقتراح معاهدة البنود السبعة مع الحكومة المكسيكية
 
1) الاحترام المتبادل لاستقلالية المنظمات الاجتماعية (العمال، الفلاحون، النساء، الطلاب، السكان الاصليون، المسنون، المثليون والسحاقيون، عمال الجنس، الاطفال، المعلمون، اصحاب الحرف والمهن الصغيرة، الفنانون، المثقفون، رجال الدين...الخ) في صناعة القرارات واختيار ممثليهم الشرعيين والتعبير عن طموحاتهم ومطالبهم والمعاهدات التي تم التوصل اليها مع الاطراف المعارضة.
2) تعزيز كافة اشكال الادارة الذاتية والحكم الذاتي في البلاد كل على قدر امكانياته.
3) تعزيز الانتفاضة المدنية والسلمية والمقاومة كرد على انظمة "الحكومة الرديئة" والاحزاب السياسية.
4) التضامن التام وغير المشروط مع المهاجمين (بفتح الجيم) وضد المعتدين .
5) تشكيل شبكة للتبادل التجاري بين التجمعات السكانية والعمل على توفير الغذاء في الحوانيت ومنح الافضلية لاصحاب الاعمال الصغار وذوي الحجم المتوسط.
6) الدفاع المشترك والمنسق عن السيادة الوطنية والمعارضة الجذرية والمباشرة لخصخصة الطاقة الكهربائية والنفط وغيرهما من الموارد الطبيعية.
7) تشكيل شبكة للتبادل المعلوماتي والثقافي والمطالبة حيث توفّر وسائل الاعلام معلومات صادقة وكاملة وفورية والعمل على خلق وسائل وشبكات اعلام على المستويات المحلية والوطنية للدفاع عن وتعزيز الثقافة المحلية والعلوم والفنون المحلية في المناطق والبلاد.
 
أما المطالب السبع فهي:
 
1) الارض ملك لمن يعمل عليها. الدفاع عن الملكية العامة للاراضي وحماية الموارد الطبيعية والدفاع عنها على الاّ يتم اتخاذ اية قرارات ضد رغبة ودون الموافقة المسبقة للسكان اينما تواجدوا.
2) ضمان العمل بكرامة وباجر عادل للجميع.
3) توفير السكن اللائق للجميع.
4) توفير الرعاية الصحية المجانية لجميع المواطنين.
5) توفير الغذاء والملبس ذي التكلفة المتدنية لكل المواطنين.
6) توفير التعليم المجاني العلماني لكل الاطفال والشباب.
7) احترام كرامة المرأة والاطفال والمسنين.


[1]  أود ان اشكر الصديق الدكتور هوسى فاديDr. Jose Vadi ، استاذ العلوم الساسية في جامعة كال بولي بولاية كاليفورنيا، الولايات المتحدة على مساعدته في توفير بعض مراجع  هذه المقالة.
 
[2]  يتابع ابنه اليوم القائد خيرمان Comandante German  مسيرة والده كأحد قادة الحركة الساباتية.
 
[3] John Ross, The Zapatistas At Ten, North America Congress on Latin America (NACLA), Vol VVVVII, No. 3, November/December 2003, p 13.  
 
[4]  اصطدم الاسقف، عبر مسيرته السياسية، مع سياسية الفاتيكان اكثر من مرة  بسبب مواقفه ونشاطاته السياسية. الاّ ان هذه التهديدات  لم تثنه  عن عزمه  فتابع نضاله ونصرته لنضال الهنود الاصليين واصبح الأب الروحي المدافع عن حقوقهم الانسانية والاثنية والثقافية لما يزيد عن اربعة عقود. وبعد تقاعده، ما زال الاسقف يقيم في تلك الولاية  في العقد الثامن من عمره دون أن تبدو عليه اية من  علامات الكلل أو الاحباط.
 
[5]  للاستفاضة راجع مسعد عربيد: "الملامح الأولية للانتفاضة الساباتية في المكسيك"، "كنعان"، عدد 104، كانون الثاني/يناير 2001، ص 36- 61.
 
[6] John Ross, The War Against Oblivion, The Zapatistas Chronicles, Chapter: Winter 1994, Common Courage Press, USA, 2000, pp. 18-56.
[7]  جون روس، مرجع  هامش 2، ص 13.
 
[8]  جاءت المحاولة الاولى في تشرين الاول/اكتوبر 1996 تلتها المحاولة الثانية عام 1997 بعد فوز حزب الثورة الديمقراطية (PDR) باننتخابات بلدية العاصمة مكسيكو سيتي حيث حشدوا (1111) موفدا وصلوا الى العاصمة بباصات ملأت المدينة خلال إحتفالات العيد الوطني المكسيكي. أما المحاولة الثالثة فقد جاءت في مسيرة شعبية هائلة في فبراير/ مارس 2001.
 
[9]  انظر مقالة جون روس الواردة في هامش رقم 2.
 
[10]  طالب بنك تشيس مانهاتون Chase Manhattan Bank   في تقرير له اصدره في كانون الثاني/يناير 1995، طالب فيه الحكومة المكسيكية "سحق الساباتيين" وكان عددهم في تلك الآونة يقارب خمسين الف ساباتيا.
 
[11]  يرفض مناضلو الحركة الساباتية اماطة هذه الاقنعة عن وجوههم تعبيرا عن التهميش الذي حلّ بهم لقرون طويلة وما زال قائما حتى يومنا هذا. ويصرون على ابقاء هذه الاقنعة لتستر وجوهمم واسمائهم وهويتهم  حتى تزول كافة اشكال الاستغلال والتمييز ضدهم.
 
[12]  يقرّ الدستور المكسيكي بثلاث مستويات من الحكومات: الفيدرالية والولاية والبلدية. وواضح ان إعلان الحركة الساباتية عند تأسيس "سلطات إقليمية" داخل ولاية تشايابس إنما هو تحد صريح للحكومة الفيدرالية المكسيكية (المعروفة في ألادبيات الساباتية بالحكومة السيئة) مما قد ينذر باشعال بؤر للنزاع في المستقبل.
 
[13]  تغيبب الزعيم ماركوس عن حضور هذا التجمع الكبير. انظر الملحق ج لمزيد من التفاصيل حول أهمية هذه المسألة.
 
[14]  من خطاب القائدة السالباتية روزاليندا في التجمع المذكور يوم 9 أب 2003 ـ وكالات الانباء.
 
[15]  من خطاب القائدة السالباتية فيديليا  في ذات التجمع  ـ وكالات الانباء.
 
[16]  إستعاض ماركوس عن حضوره بخطاب مسجل دعا فيه الى تفعيل خمسة مجالس "للحكومة الجديدة الصالحة" للاشراف على خمس مناطق للحكم الذاتي حيث يقوم المدنيون بادارة هذه المجالس ولا يكون للجناح العسكري لجيش التحرير الوطني الساباتي اي دور في اتخاذ القرارت الادارية. بل تقتصر القوات العسكرية الثورية على حماية هذه المجالس والدفاع عن انجازاتها. واضاف:" وعليه فانني منذ هذه اللحظة اتوقف عن كوني المتحدث الرسمي باسم البلديات الساباتية حيث ستقوم تلك بتعيين من يتكلم باسمها" وسيتابع مهامه كمتحدث رسمي باسم جيش التحرير الوطني الساباتي.
 
[17]  اشارت عدة استطلاعات الى ان 96% من المكسيكيين يعتقدون بانه لا بد للهنود الاصليين ان يلعبوا دورا فعّالا في تنمية المكسيك وانه لا بد من الاعتراف بحقوقهم في دستور البلاد.
[18]  The Guardian, August 12, 2003.
 
[19]  لاحظ التركيز والاهتمام المكسيكي الرسمي بنزع السمة العسكرية عن نضال الساباتيين والاصرار على تفسير توجهات الساباتيين الجديدة  على انها تخلي عن خيار الكفاح المسلّح.
 
[20]  يمثل الهنود من السكان الاصليين في المكسيك ما يقارب 10-12 مليون نسمة أو ما يعادل 10% من سكان المكسيك البالغ عددهم خمسة وتسعين مليونا.
 
[21]  انظر" بيان إعلان الحرب: اليوم نقول كفى" في مقالة مسعد عربيد: "الملامح الأولية للانتفاضة الساباتية في المكسيك"، "كنعان"، عدد 104، كانون الثاني/يناير 2001، ص 59 – 61.
 
 





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,932,812,551
- في رحيل إدوارد سعيد مفكراً وإنساناً
- الهيمنة المطلقة...خواطر في اسلحة الدمار -الاشمل
- تشى غيفارا ... والحضور الدائم خواطر في الغيفارية في زمن العو ...
- مستقبل الاشتراكية في كوبا: اشكاليات الحاضر وتحديات المستقبل


المزيد.....




- مقص نباتات يبلغ سعره أكثر من 32 ألف دولار.. ما قصّته؟
- فاطمة آل علي..لاعبة هوكي جليد إماراتية تضع بصمتها محلياً وعا ...
- دراسة: فطام الطفل مبكراً يزيد من احتمال سمنته مستقبلاً
- ترامب لا ينوى لقاء روحاني على هامش فعاليات الجمعية العامة
- قطر: قرارات العدل الدولية ضد الإمارات ملزمة وترفع لمجلس الأم ...
- نتنياهو: إسرائيل ستواصل تنفيذ عمليات في سوريا لمنع التوغل ال ...
- شاهد: سائقة حافلة مدرسية في أمريكا تسمح للأطفال بقيادتها
- شاهد: بركان المكسيك الثائر وتحذيرات للسكان من الاقتراب
- أوروبا تنشئ كيانا قانونيا للالتفاف على العقوبات ضد إيران
- كيف ترون تعامل السلطات السودانية مع الحمى في كسلا؟


المزيد.....

- المنظمات غير الحكومية في خدمة الامبريالية / عالية محمد الروسان
- صعود وسقوط التنمية العربية..قراءة في أطروحات علي القادري / مجدى عبد الهادى
- أهمية مفهوم الكونية في فكر اليسار - فيفيك شِبير ترجمة حنان ق ... / حنان قصبي
- ما يمكن القيام به في أوقات العجز* / دعونا ندخل مدرسة لينين / رشيد غويلب
- أناركيون / مازن كم الماز
- مناقشات بشأن استراتيجية اليسار/ يسار الوسط ..الوحدة المطلوبة ... / رشيد غويلب
- قراءة وكالة المخابرات المركزية للنظرية الفرنسية / علي عامر
- مراجعة في أوراق عام 2016 / اليسار العالمي .. محطات مهمة ونجا ... / رشيد غويلب
- هل يمكننا تغيير العالم من دون الاستيلاء على السلطة ؟ جون هول ... / مازن كم الماز
- موسكو تعرف الدموع / الدكتور احمد الخميسي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم - مسعد عربيد - الانتفاضة الساباتية بعد عشرة اعوام: مرحلة جديدة أم خيار بين البندقية وغصن الزيتون؟