أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محمود جديد - التيار الصدري والآفاق المحتملة لصيرورة جديدة 1/2















المزيد.....


التيار الصدري والآفاق المحتملة لصيرورة جديدة 1/2


محمود جديد

الحوار المتمدن-العدد: 2250 - 2008 / 4 / 13 - 07:37
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    



"مقاومة –استهداف – احتواء – تخبّط – تصحيح "

- لقد شكّل التراث الفكري للشهيد : محمد صادق الصدر ، ومواقفه المبدئية ، وتعلّقه بعراقه ، وعروبته وإسلامه ، وبحمله هموم الفقراء والكادحين البذور الحقيقية لولادة التيار الصدري ، وغزّى هذه الظاهرة بعد الاحتلال الأمريكي الغاشم للعراق ،ونمّاها التربة الخصبة للشعب العراقي الأبي ، ومعاناته ، والمخاطر التي تحيق به نتيجة هذا الاحتلال ، وما ينجم عن هذا كلّه من مشاعر وطنية عفوية صادقة في نفوس الشباب العراقي ، ومن ضمنهم السيد : مقتدى الصدر نفسه الذي يحمل مشاعر والده الوطنية الطيّبة الصادقة ، وما ألقته الظروف على كاهله من أحمال ومسؤوليات ثقيلة وموروثة ،أو مفروضة ، إضافة إلى الانعكاسات الإيجابية لنجاح تجربة المقاومة اللبنانية في تحرير الأرض عام 2000 ، وصمود وكفاح الشعب الفلسطيني وفصائله المقاومة ....وفي منتصف عام 2003 أعلن مقتدى الصدر عن تشكيل "جيش المهدي" ، وقد أسرع آلاف الشباب العراقي من الكادحين والفقراء والعاطلين عن العمل ، والمهمّشين بالانضمام إليه ، لأنّ الثقة بآل الصدر ، والتعاطف معهم نتيجة المآسي التي حلّت بهم ، والاحترام الخاص الذي يشعرون به تجاههم ، وجاذبية شعار مقاومة المحتل وتحرير العراق ، ومشروعيته وصوابيته ، والتزام قيادة شابّة مثلهم به يتلمسون فيها الصدق والشجاعة في الموقف جعلهم ينضمّون إليه بحماسة فائقة ، حيث يشكّل بالنسبة إليهم إطاراً وطنيّاً ودينيّاً للتعبير عن مشاعرهم الفيّاضة ، وتفريغ شحنات حماسهم المتدفق ... ومن هنا أصبح هذا الجيش والتيار أكثر التنظيمات حضوراً في الشارع العراقي ، وأكثرهم سرعة في التفاعل مع الأحداث ، وفي الاستجابة لردود الأفعال تجاهها ، بالرغم من المخاطر التي تعرّض إليها ، أو الأخطاء التي وقع فيها أثناء مسيرته خلال الأعوام المنصرمة ، وما تعرّض له من اختراق وتشويه واستهداف ،ولهذا وجدت من المفيد إلقاء الضوء ،وبموضوعية على ظاهرة التيار الصدري التي رصدت الكثير من جوانب مسيرته ، وتصريحات قادته ، والمطبّات التي سقط فيها نتيجة أخطاء سياسية ذاتية ، أو بمؤثرات خارجية ، واختراقات وانحرافات بعض الأفراد والمجموعات التي التصقت به ، أو انشقت عنه ...
ا – إيجابيات التيار الصدري :
- ارتكازه على منطلقات إرث فكر وطني وديني معاد للاستعمار ، ولكل أشكال الاحتلال والتدخلات الإقليمية والدولية في شؤون العراق ، وفي الوقت نفسه اعتماد مبادئ إسلامية تنادي بالتآخي بين الشيعة والسنة ، وإزالة الكثير من الحدود والترسبات السلبية الموروثة بينهما ، وقد جسّد المرحوم : محمد صادق الصدر قسماً منها قبل اغتياله ، وكلّ المنصفين من أبناء الشعب العراقي يعترفون بذلك ...
- يُعتبَر التيار الصدري أوّل فصيل عراقي نزل إلى الشارع ،ورفع شعار الوحدة الوطنية بعد الغزو الأمريكي للعراق واحتلاله عام 2003 ، وطالب بخروج المحتل ، ولذلك كان أوّل المستهدفين من قبل قوات قوات الاحتلال ، والمتعرّض لممارساتها الإجرامية من قصف وتدمير واعتقال وقتل ...
- العلاقة الإيجابية التي كانت قائمة في البدء بين التيار الصدري وهيئة علماء المسلمين ، والتفاعل الأخوي والنضالي والإنساني مع أهالي الفلوجة البطلة عند تعرّضها للاجتياح الغادر على أيدي القوات الأمريكية ووحدات المرتزقة من الشركات الأمنية( بلاك ووتر) ، وقد بقيت هذه العلاقة الطيبة مستمرة حتى تدمير مرقدي الإمامين في سامراء على أيدي عملاء ومرتزقة قوات الاحتلال ، والتي كانت تستهدف بث وزرع الفتنة بين صفوف ونفوس أبناء الشعب العراقي الواحد .
- ثبات التيار الصدري على المطالبة بخروج المحتل بالرغم من الضربات الموجعة التي تلقاها أبناؤه في مناطق عديدة ، وتدمير مكاتب " الشهيد الصدر" في معظم أماكن تواجدها فوق الأرض العراقية ، كما رفض إقامة قواعدأمريكية في العراق وعقد أيّة اتفاقيات أمنية معها ، و وقف بشدّة ضدّ قانون النفط الذي يمهّد لنهب ثروة العراق النفطية من قبل الشركات الأمريكية والبريطانية ...
- الوقوف بحزم ضد "فدرلة" العراق ، وخاصة في الجنوب ، والوقوف بوجه مطالبات /آل الحكيم / بذلك ، والتمسّك الدائم والثابت بوحدة العراق وعروبته ،والتآخي بين مكوّناته .
- رفض قرار الكونغرس الأمريكي الذي اعتمد تقسيم العراق وفق أسس طائفية وقومية ...
- كل هذه المواقف المعلنة ،وبوضوح من التيار الصدري شكّلت دافعاً قويّاً لاستهداف هذا التيار وتشويهه ، وما كانت معركة النجف التي صمد فيها "جيش المهدي" ما يزيد عن عشرين يوماً إلاّ شاهداً حيّاً على ذلك ...
- لقد تحمّلت / مدينة الصدر/ المعقل الأساسي لهذا التيار ( بالرغم من بؤسها الموروث والراهن ) حملا ت وضربات وغارات وتفجيرات إجرامية متعاقبة لم تتحمّلها أيّة بقعة أخرى في العراق من حيث استمرارية استهدافها وتتابعه، والخسائر التي نجمت عن ذلك ، ولم يثنها هذا كلّه عن بقاء عدائها للاحتلال وعملائه ثابتاً وراسخاً ...
- اتخذ السيّد: مقتدى الصدر مواقف مهدّئة للمشاعر عند حدوث الكثير من التفجيرات الإجرامية في مناطق التجمعات الشيعية ، وذلك منعاً للانجرار وراء الغرائز الطائفية الكريهة التي تقود للفتنة ، وهنالك الكثير من التصريحات الصادرة عن الصدر ومعاونيه ما يثبت ذلك ...
يقول البعض :إنّ مقتدى الصدر لايمتلك الخبرة السياسية الكافية التي تؤهّله لقيادة تيار بهذا الحجم ، وهذا صحيح في بعض جوانبه ، ولكنّ حسّه الوطني العفوي الصادق ، ونشوءه في تربة العراق هو وتياره ، والتصاقه بجماهير العراق الفقيرة ، والدفاع عن مصالحها خلق له رصيداً يعوّض الكثير من نواقصه ، وحمته من "فيروسات" المخابر الأمنية للدول الإقليمية والأجنبية ، وصانته من رفاهية اولئك الذين ( ناضلوا) في طهران وأوربا وأمريكا ، وتنعّموا بفنادقها ، وبأموال أجهزتها ، وجنّبته الارتباط بأجندتها السياسية والأمنية ...وهذا كلّه يفسّر لنا الالتفاف الجماهيري الواسع لهذا التيار في الأوساط الشعبية المحرومة والمقهورة والمهمّشة ....وعلى كل حال يمكن القول إنّ مقتدى الصدر استطاع أن يحافظ على الخط الوطني والديني المقاوم ،وأن يتمتع بمصداقية عند ما يتحدّث عن وجهة نظره السياسية سواء وافق المرء عليها ،أم رفضها ، وبذلك فهو أفضل من أولئك الذين امتهنوا التعامل مع الخارج ومخططاته ، ولديهم الاستعداد في كلّ حين للتفريط بثوابت العراق الوطنية من أجل تحقيق مصالحهم الخاصة ...وهذه شواهد ،وأمثلة موثقة من أقواله وبياناته : " ونحن لن نقبل العيش بين حفر الاحتلال ، وسندفع كلّ ما يوجبه علينا واجبنا الديني والوطني من أجل نيل مطالبنا بكل ما نقدر عليه ...وأعتقد أنّ كلّ حرّ في العالم يؤمن أن لا أغلى من الاستقلال والتحرّر من الاحتلال ...وإنّ مَن يرضى بالاحتلال فهو ليس بعراقي ، ولايمكن أن نسمع لغير العراقيين قولاً ....وقد قرّرت أن أتخذ طريق أجدادي وفق عقيدة الإسلام الأبيّ الحرّ الذي لايقبل بالضيم والظلم والاستكبار والاستعمار ، وطّنت نفسي ومعي العديد من العراقيين أنّنا علينا أن نفكّر بديننا وشعبنا أولاً ، ومن ثمّ نفكّر بمصيرنا .." وفي بيان له قال :" إنّنا عازمون على المضي بمطالبنا العادلة حتى تتحقق بجلاء جميع قوات الاحتلال .. من أراضينا ، وتسليم السلطة إلى مؤتمر وطني يشمل جميع القوى الشريفة ، والتي لم يثبت عمالته لأمريكا وإسرائيل ، وليس لنا بعد ذلك إلاّ تحقيق مطالبنا أو الشهادة في سبيل الله ...لقد عزمنا على مكافحة الاستعمار ومضادّة الاحتلال حتى يأذن الله تعالى بهزيمته ،أو برحيله، أو أن نهلك دونه ..."كما قال مخاطباً أنصاره :" لاتستخدموا موتي أو اعتقالي ذريعة لكي لا تكملوا ما بدأتم ..." وفي مناسبة أخرى صرّح أنّه مستعدّ للدفاع عن أيّ مقاوم عراقي ضدّ الاحتلال من أيّة طائفة أو مذهب ،أو قومية كان .. وبالرغم من اتهام البعض بعلاقته مع إيران ،ومبالغتهم في تصويرها إلاّ أنّه كان واضحاً كلّ الوضوح في رفضه لأيّ تدخّل إيراني مباشر في شؤون العراق ، وهذا الموقف وثّقه في معرض الإجابة على سؤال وجهّه إليه السيّد أحمد الشمّري بتاريخ 21/5/2007 مستفسراً فيه عن موقفه من قبول جلوس الجانب الإيراني مع الجانب الأمريكي المحتل للتفاوض حول شؤون العراق ، حيث قال السيد الصدر :" أنا أرفض التدخّل الأمريكي والإيراني بالشأن العراقي ،بل مطلقاً : وليعلم الجميع أنّ العراق للعراقيين لاغيره ، وأنّ وجود ممثّل عن الحكومة العراقية في مثل هذه المفاوضات لايعطي غطاءً شرعيّاً ولا قانونيّاً لها ..." الوثيقة موقعة من قبل السيّد مقتدى ،ومختومة بختمه الخاص ومؤرّخة بتاريخ 11 جمادى الأولى 1428 هجرية ، ونُشرَت أكثر من مرّة في موقع البديل العراقي ...وكانت آخر إشارة إلى حرص التيار الصدري على استقلاليته عن أيّة دولة هو ماورد في رسالة له إلى طارق الهاشمي بتاريخ 10/4/2008 بقوله: " إنّ التيّار الصدري لم ولن يقبل أن يكون امتداداً لأيّة دولة أخرى .."
ب – أخطاء التيار الصدري ،وسلبياته :
- قبوله بالدخول في الإئتلاف الشيعي ،ممّا أساء إلى نفسه ، وإلى الشعارات الوطنية التي نادى بها ، وطبعه بطابع المذهبية الضيّقة ، وفسحت المجال واسعاً لمحاولة تدجينه ، والانخراط في العملية السياسية في ظل الاحتلال التي رفضها سابقاً ،وانتقد الذين مارسوها ...
- المراهنة لاحقاً على إمكانية الإصلاح في ظلّ الاحتلال ، ومن خلال الدستور والقوانين التي أفرزها ، والتي ثبت فشلها ، وهاهو يكتوي بنارها في هذه الأيام الصعبة التي يعيشها الآن ..
- اعتماد موقف ثأري انتقامي من " البعث" كلّ البعث قيادة وقواعد ، فهذا الحزب بسلبياته وإيجابياته يشكّل مع أنصاره ربع عدد سكان العراق ، وهم مواطنون عراقيون لهم كلّ الحق في العمل السياسي الديمقراطي في ظلّ أيّ نظام وطنيّ عراقي مقبل ، ولا يجوز أن نحمّل كل البعثيين مسؤولية وتبعات أعمال وإساءات ، وجرائم البعض منهم ، وهنا لاأتغاضى عن مشروعية كره مقتدى الصدر وأتباعه للمتهمين باغتيال عمّه وعمّته ، وأبيه ،وأخويه ، وحبّ الثأر والانتقام منهم ، ولكنّ عظمة المرء تتضاعف عنما يتسامى عن ذلك الشعور في سبيل الوحدة الوطنية ، وتلاحم وتكامل مقاومة الشعب العراقي بكافة أطرافها لإلحاق الهزيمة بالعدو المحتلّ وتحرير العراق من براثنه ...وهنا لا أعطي صكّ براءة لأولئك الذين اقترفوا جرائم بحق أيّ مواطن عراقي آخر ...وينسحب كره التيار الصدري على قوى يسارية ودينية أخرى ، ولكن با لمقابل يجب الإقرار بأنّ الأطراف الأخرى بادلته الشعور نفسه ، وشنّت عليه حرباً شعواء ، واتهمته ظلماً بكثير من الصفات التي تعمّق الكره المتبادل الذي يلحق أشّد الأذى بالمصلحة الوطنية العليا ...
- بالرغم من دعوات مقتدى الصدر للتهدئة بعد تدمير مرقدي الإمامين في سامرّاء ، وغيرها من الأعمال التفجيرية الإجرامية ، إلاّ أنّ الحقبة التالية شهدت تصاعداً في ردّ الفعل الجاهلي الخاطئ الذي نجم عن جريمة ماوقع ، إذ أقدمت بعض عناصر "جيش المهدي" ، او المجموعات التي انشقت عنه بجرائم مماثلة مدانة أيضاً ،وكان من واجب قيادة التيار الصدري الإسراع في كشف وفرز هؤلاء الذين أساؤوا إلى أفكار المدرسة الصدرية ، وإلى مقتدى الصدر نفسه ، ومنطلقاته العقائدية التي يؤمن بها ، والعمل على محاسبتهم ،وطردهم من "جيش المهدي" بأسرع وقت ممكن ...
الدوافع المحتملة لتجميد نشاط "جيش المهدي "،وخروج مقتدى الصدر:
بعد انخراط التيار الصدري في مستنقع العملية السياسية في ظلّ الاحتلال ،وجد نفسه خلال ممارسته العملية لها أنّه يسير بالاتجاه الخاطئ ، فابتدأ في تصحيح وترشيد خطواته السياسية بعد تخبّط واضح ، ولذلك اتخذ قرارات صائبة أخرجته من حكومة المالكي ،ومن الإئتلاف الشيعي ، والآن يهدّد بالاستقالة من البرلمان العراقي ، ومن مظاهر التخبّط الأخرى ،أو التي تبدو كذلك ، كان قرار تجميد نشاط "جيش المهدي " ضد قوات الاحتلال لمدّة ستة أشهر في العام الماضي ، وبدا الأمر للمراقبين السياسيين وكأنّه نوع من المهادنة للأمريكان ..ومن خلال رصد وتحليل نشاط المقاومة في الجنوب ، ومجمل الضغوط المتعدّدة الأطراف على قيادة التيار الصدري وجدت أنّ هذا التجميد كان يستهدف بالدرجة الولى امتصاص تلك الضغوط ، وكسب المزيد من الوقت ، حيث كما يعلم الجميع أن وقوف التيار الصدري وراء ترشيح المالكي لرئاسة الحكومة هو الذي رجّح كفّته أمام منافسه عادل عبد المهدي مرشح المجلس الأعلى ، وبالتالي فإنّ المالكي أصبح مديناً لهذا التيار ، ولا يستطيع التنكّر لهذا الدعم بالسرعة التي يطلبها الأمريكان منه لحلّ "جيش المهدي " الذين يعتبرون إنشاءه من الأساس يستهدف عرقلة الوجود الأمريكي في العراق ، ولهذا حاول المالكي جاهداً وبالحاح إقناع مقتدى الصدر بحلّ هذا الجيش تنفيذاً لخطة فرض القانون المعتمدة ، والانخراط بشكل كامل داخل العملية السياسية كبقية الأحزاب المشاركة في الحكومة ، وكحلّ وسط بينهما جاءت فكرة تجميد نشاط جيش المهدي لمدّة ستة أشهر ، وذلك بحجة إعادة تنظيم صفوفه ،وفرز الذين أساؤوا إليه مع الاحتفاظ بحقه في الدفاع عن النفس عند الضرورة ،يبدو أنّ المالكي أقنع الأمريكان بأنّ قرار التجميد سيكون مدخلاً لحلّ هذا الجيش ، ومن هنا جاء ترحيب الإدارة الأمريكية بهذه الخطوة على أن لا تكون نهاية المطاف ...غير أنّ المرحلة التي أعقبت هذا القرار اتسمت بتصاعد المقاومة في الجنوب دون ضجيج إعلامي ( أو بتعتيم إعلامي ) ، وفي الوقت نفسه كثّف المالكي والحكيم تآمرهما المنسّق على " جيش المهدي" ، وتضييقهما الخناق عليه تمهيداً لجولة ثانية ...وكانت أحداث كربلاء في الصيف الماضي بين التيار الصدري وتحالف حزبي : الدعوة والمجلس الأعلى القشة التي قصمت ظهر بعير الثقة بين التيار الصدري والمالكي بسبب عدم اهتمامه بمتابعة الشكاوى الموثقة التي قدّمها له التيار الصدري ، ومنها تصفية كوادر من "جيش المهدي" أثناء التحقيق حتى يدلوا باعترافات تدين هذا الجيش ، وبعد مماطلة واضحة من المالكي رضخ أخيراً لإلحاح التيار الصدري على إجرائه ،ولكنّه حاول التكتّم على نتائجه التي أدانت عناصر أمنية مقرّبة منه ، ولم يحاسبهم ، كما لم يكترث بالمطالبات والاحتجاجات الموجهة إليه من بعض قيادات التيار لاستثناء معتقليهم دون مبرّر قانوني من قرار العفو العام الذي أصدره ، وعدم الاهتمام بالوثائق المقدّمة له ، والتي تدين المجلس الأعلى وقوات بدره بالعديد من الاعتداءات على عناصر "جيش المهدي" في عدّة مدن عراقية ، وقد عرض الصدريون خلال مؤتمر صحفي وثيقة قالوا أنّها صادرة من وزارة الدفاع إلى مديرية الاستخبارات العسكرية" توصي بتشكيل لجنة أمنية خاصة للقضاء على الجناح المسلّح للتيار الصدري " ...يُضاف إلى هذا كلّه استمرار قوات الاحتلال في استهدافها "لجيش المهدي" والمدنيين الأبرياء من التيار الصدري في العديد من أحياء العاصمة ، وفي الحلّة والديوانية وغيرها بالرغم من تجميد نشاطه ... وقد رافق هذا كلّه نشر وتداول إشاعات عن محاولة اغتيال الصدر ،وأخرى عن تسميمه ، وكأنّ هنالك مَن يمهّد لاغتياله ، ثمّ جاء تطوّر سياسي هام وخطير وهو الإعلان عن تفاهم رباعي يضمّ : المجلس الأعلى ، حزب الدعوة ، الحزبين الكرديين ، والحزب الإسلامي ، أي (الفرسان) الأساسيين في مجلس الحكم السابق "البريمري" ، ممّا يضمن أكثرية في البرلمان العراقي يؤهّلها لارتكاب المزيد من الموبقات السياسية ،مثل : قانون النفط ، وعقد اتفاقية أمنية مع الأمريكان تسمح بإقامة قواعد أمريكية دائمة في العراق، ولحل المسائل المترتبة عن المادة /140/ من الدستور العراقي الخاصة ب/ كركوك/ ، هذه المدينة التي يجب أن تبقى موّحدة ضمن إطار العراق ، و رمزاً حيّاً للإخاء العربي – الكردي - التركماني ....الخ ولكنّ هذه الأمور من الصعب إمرارها قبل (تأديب) المعارضين والمشاغبين ، والتي تتجاوب مع إلحاح الإدارة الأمريكية على حكومة المالكي لإثبات وجودها وسيطرتها وفعاليتها ، وقد وزّع أعضاؤها الأدوار فيما بينهم ، البعض يوجّه نقداً لاذعاً له لتلكّئه في ضرب الميليشيات ، ويحمّله مسؤولية فشل الخطة الأمنية ، والبعض الآخر يجدّد دعمه ومساندته وإعطائه المزيد من الوقت ، ومن الطبيعي والمعروف أنّ " جيش المهدي " كان موضوعاً ضمن دائرة الاستهداف الثابتة لقوات الاحتلال ، وخاصة بعد أن نجحت جزئياً في جذب أطراف عراقية في المناطق ( السنية) أمثال عناصر الصحوة التي موّلتها ودفعتها لمواجهة أطراف أخرى ، وكان المالكي كلّما تعرّض لضغوط أمرييكية يعود بدوره ليرفع وتيرة ضغوطه على التيار الصدري من أجل نزع سلاح "جيش المهدي "..
وهكذا ، وفي ظلّ مجمل الظروف يبدو أنّ مقتدى الصدر ومعاونيه وصلوا إلى قناعة أن الطلاق مع المالكي قد وقع ،وأنّ معركة استهداف تيارهم أصبحت قريبة ، وبالتالي لابدّ من اتخاذ خطوات جديدة لامتصاصها وكسب الوقت لمواجهتها عند الضرورة ، وفي هذا السياق جاء التمديد الثاني لتجميد "جيش المهدي" ،وللتمويه على خروج الصدر إلى قم بحجة الدراسة ... وقد ترك ذلك انعكاسات سلبية على بعض كوادر وقواعد التيار الصدري الذين كانوا يرغبون بإنهاء التجميد وليس تجديده ، ولولا معركة البصرة التي فرضها المالكي لشهدنا احتجاجات ، ولربّما انشقاقات داخل صفوف ّ جيش المهدي " ،لأنّ هذه المعركة وضّحت الرؤيا بشكل جليّ ،ووحّدت التيار كما سنرى في الحلقة الثانية من هذا المقال .....
وعلى كلّ حال ، لقد كان خروج مقتدى الصدر من العراق قراراً صائباً ،لأنّه سيتحرّر من ضغوط وحسابات أمنية سبق أن تركت آثاراً سلبية على بعض قراراته بعد معركة النجف ،ووصول القوات الأمريكية إلى مقربة من مقر إقامته قرب الصحن الحيدري ، ووقوعه تحت الخطر الدائم بسبب الرغبة الأمريكية بتصفيته جسدياً ، وحسب تقديري لولا السيستاني لتمّ تنفيذ ذلك ، مع العلم أنّ حكومة العلاّوي والأمريكان حصلوا على الضوء الأخضر من المرجعية لدخول النجف لإخراج " جيش المهدي" منها ، ولكن على مايبدو ، كان شرط السيستاني عدم المس بحياة مقتدى ، وبعد ذلك الاستهداف الدموي الإجرامي " لجيش المهدي "، وإشعار الصدر بأنّه موضوع في دائرة الاستهداف الأمريكية ،انطلق أتباع وعملاء أمريكا ،وسماسرة المرجعيات في استغلالها سياسياً لدى القيادات الصدرية ، وقد شكّلت مدخلاً أساسيّاً ودافعاً قويّاً لاحتوائه ،وتوريطه في الاشتراك في العملية السياسية تحت حراب المحتل ،والتي كانت مرفوضة من قبل هذا التيار قبل معركة النجف ...وترتكز صوابية خروج مقتدى الصدر من العراق على الاعتبارات التالية :
1 – إنّ المحافظة على حياته ضمانة هامة لاستمرار تياره الواسع الانتشار ،والمناهض للاحتلال ، لأنّ التيارات الشعبية التي تلعب فيها شخصية الفرد دوراً جامعاً ومستقطباً لها ستصاب بضرر كبير في حال تغييبه جسديّاً عن الساحة السياسية ، كما أنّ بقاء الواقع كما هو من حيث جدلية الاستهداف ، والحماية والاحتواء ، ستقيّد قرارات التيار الصدري ، وتجعلها متردّدة في استكمال تصحيح مسارها ، وخروجها من تخبّطها ، والتخلّي عن أوهام الإصلاح في ظل الاحتلال ، وفي انسجامها بشكل أفضل مع خيار المقاومة وشروطها ومتطلباتها الحقيقية ...
2 – إنّ مقتدى الصدر ليس قائداً ميدانياُ ، وبالتالي فإنّ ابتعاده الجغرافي لايشكّل فراغاً لقيادة النضال اليومي لأتباعه في ساحات تواجدهم ، بينما يضعه في ظروف أفضل لاتخاذ القرات الصحيحة بعيداً عن الضغوط الأمنية المباشرة ...
3 - إنّ خروج الصدر من العراق ستنقله من دائرة العمل السري إلى العلنية وتتيح له إمكانية الاتصال المتبادل والتفاعل مع تيارات وأحزاب وفصائل أخرى داخل العراق وخارجه ، إضافة إلى وسائل الإعلام المختلفة ، ممّا يسرّع في نضجه السياسي ،ويطوّر أداءه ،ويشرح مواقفه، ويؤمّن الوقت والظروف المناسبة لمراجعة مسيرة "جيش المهدي" وتياره السياسي ، ويفسح المجال للحوار لإقامة تحالفات جديدة داخل الساحة العراقية ، ولكنّ هذا كلّه بشرط أن لايقع ، أو يقبل أن يقع تحت رحمة ضغوط إيرانية يمكن أن تؤثر سلباً على مسيرته المقاومة ، أو تحتويها لتجعلها ورقة مساومة مع جهات أخرى .....





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,648,664,326
- - إعلان دمشق بين مطرقة النظام وسندان أزمته الداخلية - 3/3
- - إعلان دمشق بين مطرقة النظام وسندان أزمته الداخلية - 2/3
- - إعلان دمشق بين مطرقة النظام وسندان أزمته الداخلية - 1/3
- من صفرو الى بومال دادس...لا لتجريم النضال الاجتماعي ! ولا لإ ...
- واجب ُنصرة صفرو المناضلة المحكمة تقرر السراح المؤقت ل 42 معت ...
- لقاء أنابولس ملهاة استعراضية جديدة لكسب الوقت لمزيد من الاست ...
- تنامي حركة مقاومة الغلاء: تظاهر أكثر من 2000 مواطن بمدينة صف ...
- على ضوء خطاب الولاية الثانية في سورية ، وما ورد بخصوص الإصلا ...
- من تاريخ قمع النقابة العمالية بالفصل 288 من القانون الجنائي


المزيد.....




- لمحاربة مقاطعة اسرائيل.. ترامب يوقع أمراً يعتبر اليهودية -عر ...
- الإخوان المسلمون يطالبوت باستجلاب قوات تركية لدحر حفتر والسي ...
- الشرطة الدنماركية تعتقل 20 شخصا... والمخابرات: لهم دوافع إسل ...
- المنظمات اليهودية الأمريكية منقسمة حول قرار سيوقعه ترامب
- الزعيمة البورمية سو تشي تصف مذكرة اتهام سلطات بلادها بإبادة ...
- دعوة الحاخام الصهيوني للبحرين استفزاز للبحرينيين والأمة الاس ...
- الأردن يدين استمرار الانتهاكات الإسرائيلية ضد المسجد الأقصى ...
- الأردن يدين استمرار انتهاكات الاحتلال بحق المسجد الأقصى
- جابر عصفور لـ «الأهالي»:السادات عمل على تحويل مصر من مجتمع م ...
- عدد المسيحيين في الشرق الأوسط آخذ في الانخفاض


المزيد.....

- العلمانية في شعر أحمد شوقي / صلاح الدين محسن
- ارتعاشات تنويرية - ودعوة لعهد تنويري جديد / صلاح الدين محسن
- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محمود جديد - التيار الصدري والآفاق المحتملة لصيرورة جديدة 1/2