أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - فيصل زوهار - ميشال فوكو















المزيد.....

ميشال فوكو


فيصل زوهار
الحوار المتمدن-العدد: 2223 - 2008 / 3 / 17 - 08:12
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    



إن الدارس للثقافة الغربية المعاصرة لا يستطيع غض الطرف على فيلسوف ومفكر الحداثة وما بعد الحداثة، ألا وهو ميشال فوكو. هذا المفكر ذو تعدد الاهتمامات، وأنماط الاشتغال الفكرية، فهو مؤرخ للأفكار وفيلسوف، وهو كذلك مثقف بالمعنى الحقيقي للكلمة، لاعتبار بسيط وهو قيامه بتغيير رؤية المثقف لذاته وللعالم بدل التعدد الكلاسيكي الذي صاحبه، ونحن هنا لا يفوتنا التذكير بالدور الذي لعبه جيله في الانخراط الاحتجاجي في مقدمة التظاهرات الجماهيرية التي عاشتها فرنسا. إن الإشارة هنا لماي 1968، يقول دولوز في هذا الصدد "إن فوكو أول من كسر مكائن أسر المثقف الايديولوجية والسياسية"، عادة ما تتناول الدراسات النقدية والفلسفية انتاجات فوكو ومشروعه الاركيولجي للمعرفة، وعادة ما تتم دراسة فوكو في القضايا المركزية التي اسست الفكر الفلسفي الكوني منذ بدايته إلى الآن، لكن الدراسة التي نقوم بتقديمها للقارئ تبتعد عن أطروحاتها الأكاديمية لتبحث في موضوعات زئبقية، تروم لاحتلال هوامش الفكر..، نعتقد بذلك موضوعات مبثوثة في كتابات فوكو وإن كانت تشكل عناوين كتب فوكو، لكن موضوعات مثل هذه تخرج من مركزية التفكير الفوكوي الى هوامشه، وهذا ما يشكل بالنسبة لنا جدة ال
كتاب والباحث معاً..
يمكن القول أن فوكو يجيب بشكل جلي على نظام العولمة وخرائطيته المتعددة في تدوين المثقف، وقتل السياسي وفك اواصر الوهم واليتوبيا عبر مساءلة أركيولوجية مدمرة للسياسة والحقيقة والمثقف والايديولوجيا والسلطة.. وغيرها من الموضوعات المجاورة لها، وحين نتساءل نؤزم البراهات التي تتأسس عليها ميتافيزقيا البداهات، ولأجل ذلك يضع الكتاب قارئه في تماس حواري بين الماضي والحاضر، والحاضر والماضي، بين افلاطون ونتشه وبين ماركس وفولتر.. هذه الأسماء العابرة في سطور هذا الكتاب هي ما تضعنا نتوقف عند أهم القضايا التي يطرحها الكتاب سواء على مستوى المتابعة والتحليل والتشخيص، أو على مستوى فتح الأبواب لمساءلة الراهن الثقافي والسياسي الكوني، والمفارقات التي يحدثها، لهذا تعتبر كتابات فوكو عصياناً مدنياً "لأنه وضع مواقفه اليسارية باستمرار موضع تساؤل معيداً التفكير فيها، كما ساءل دور المثقف الملتزم. لقد أفرز نقده نوعاً من العصيان المدني"
.إن الباحث لا يقدم بحثه على أنه إحاطة شاملة بفكر فوكو السياسي وغيره. بقدر ما هو اقتراب من بعض المناطق النظرية البكر التي دشنها، إننا أمام مفكر عابر وزئبقي يصعب على الباحث وبالأحرى القارئ الإحاطة الكلية والشاملة لفكره، إن المناطق التي يكتشفها فوكو بدراساته كظل هي بدورها مناطق لإعادة الاكتشاف والمساءلة والقراءة وإعادة القراءة، وهذا ما يشكل حيوية فكر فوكو. سنتناول هذه الموضوعات من خلال ثلاثة أسئلة تتداخل فيما بينها وتتحاور بحكم تجاورها وهي:
* كيف يتحدث فوكو عن السياسة؟
* كيف يتحدث عن المثقف؟
* كيف يتحدث عن السلطة؟
من القضايا التي دأب التأريخ الفلسفي رسمها هي علاقة الفلسفة بالسياسة وأشكال السلطة منذ صمولون مشرع القانون لمدينة أثينا قديماً. مروراً بروسو وماركس.. وغيرهما من المفكرين الذين يحملون مشاريع سياسية ويرغبون في موقع السلطة للفلسفة بدل السياسة ولعل تصريح افلاطون في جمهوريته ان اسرته كانت تحرص على جعله رجل سياسة، لكن حين موت استاذ سقراط غض الطرف عن المشروع الذي بدأه في الأول. إن التصريح المعلن لافلاطون يخفي في عمقه رغبة رجل الفلسفة في احتلال موقع رجل السياسة، مثل ذلك نجده في الفكر الإسلامي، الفارابي نموذجاً. إن احتلال الموقع كان بعد المواجهة الصريحة والمضرة بين الفلسفة والسياسية، لكن نحن أمام مفكر من عيار ثقيل - نزقٌ - مشاكس ولأنه كذلك فهل يحمل مشروعاً سياسياً؟ أو هل نظر لفلسفة سياسية مغايرة؟ إن قراءة الأعمال الفكرية لفوكو تظهر أنه بعيد عن هذه التصورات وإن كان يحمل فكراً يساريا ويتضامن مع المتهورين في العالم ويبارك في المظاهرات الجماهيرية وله مواقف جريئة، إنه مفكر يبحث في التاريخ ويحفر عن المسكوت عنه في هذا التاريخ من اجل تعريته وتوضيح بعض العتمات في هذا التاريخ، ان فوكو حسب الباحث يتفادى المشكلات الموروثة عن الفلس
فة السياسية الكلاسيكية، "ليركز على ما أهملته المقاربات القانونية الوصفية" ص 3.يتعلق الأمر بالحفر على حواشي السلطة وكيفية استغلالها في فضاءات معددة. إن كتابات فوكو تظهر هذا المنحى بوضوح كتاريخ الجنون والحبس والعقاب.. الخ. إن فوكو إذن يؤرخ بوعي تاريخ السياسة وانظمة المراقبة والانتظامات الاكراهية. إنما تؤسس مراقبة من خلال تقسيم بين الاسوياء والمنحرفين من خلال تاريخ السجن الحديث ومن الاسوياء والمجانين في تاريخ الجنون.. الخ. إن التاريخ كثيراً ما يمحو هويتنا " ستكون الحرية مفهوماً أساسياً وبؤريا في الكفاءات الفوكوية سواء عبر تقلده للتصور التقليدي أو التصور الانتربولوجي وهو بذلك يمارس النقد الاركولوجي على المفهوم. ليس باعتباره ثورة على الحاضر بل حرية متمددة دائمة لا تروم نحو شكلياتها - مثل حرية التعبير وغيرها - بل إن الحرية تنفلت حسبه من كل مؤسسة. تأسس هذا التصور على فعل مضاد للتصور الإنساني لعصر الأنوار الذي يعتبره فوكو في كتابه المراقبة والعقاب "مبدعاً للحريات، لكنها منحها المجتمع الانتظامي الاكرامي الذي لا زلنا متعلقين به لحد الآن"ص 9سيتحدث فوكو عن استراتيجيات الهيمنة وعن الدولة عبر خلخلة الاسطورة التي دأبت على
تحديدها لنفسها كدولة ديمقراطية في تعامل مع السلطة بل سيقوم بخلخلة هذه المفاهيم لاعتبار أن السلطة مثلا ليست منحدرة من أفراد او جماعات او مصالح مشتركة بل "إن السلطة مشتتة ومتعددة البؤر وأنماط الاشتغال - وبلا ذات توحدها" ص 10.ان السلطة اذن تمارس بشكل سري في مواقع ومواقف كثيرة يصعب الامساك بها، أي لم تعد السلطة تشتغل انطلاقا من مركز، سيهتم فوكو إذا بالاشتغال السفلي للسلطة.
ينتقد فوكو الخطاب الطوباوي والخطاب الثوري. وفي انتقادها لا يروم فوكو حسب هو دارسيه، "عزوفه عن تشييد نسق سياسي (....)" لقد اقترح استراتيجية للتمرد يأخذ بعين الاعتبار تعدد بؤر السلطة وتتلاءم مع مواقف سياسية متميزة لينفلت تبعاً لذلك من المأزق التقليدي الذي لا يترك أي خيار بين الاصلاح والثورة" ص 15.هنا يطرح مسألة المثقف موضع سؤال حقيقي في سيرورة هذا الدفق السياسي المتعدد ودوره ومكانته داخل هذا التدفق الهائل.
سيتخلى فوكو شيئاً فشيئاً عن الأيديولوجيا بالشكل الذي اقترحه التوسيد اثناء تحليله للممارسات المشكلة للتاريخ، بل سيتحدث عِوَض ذلك عن "الحقيقة". فالاديولوجيا حسبه عبارة عن وهم وخطأ أو وعي مسلوب او مستلب... وبالتالي سيحدد المعرفة جينيالوجياً على أنها سلطة والحديث عن هذه المفاهيم لا يستقيم الا بحضور المثقف للموضوعة التي أسالت المداد في فترة اكمم مراحل تكوينه وإعادة صياغته سواء في اطروحات بولنتزاس او غرانشي او غيره من المنظرين الذين مارسوا بشكل آخر تأثيرات مختلفة على انتفاضة ماي 1968م بباريس. فالمثقف ليس حارسا للحقيقة، بل كاشغالها - حسب فوكو - في اعادة بريقها اي الحقيقة ووضوحها من مشارب الاكراهات التي خضعت لها. يعيد فوكو اذن النظر والمساءلة في المثقف كموضوعة اساسية في ارتباطها نظرياً بمفاهيم اخرى كالسلطة والتاريخ، سينطلق اذن من خلال ما اخذه عن كانط الذي يعتبر الفلسفة تفكيراً في الآني، وليس في الأبدي... سينتقد فوكو إذن من خلال الراهن والآني مواصفات لفت المثقف كنوع من الادعاء الذاتي بأنه حارس للقيم الكونسية ومروجها. بدل الحديث عن القدر والتجربة الذاتيتين من حيث كونه مثقفا تتقاطعه خيوط متشابكة متضاربة.
لا غرابة إذن من أننا نتحاور مع مثقف زئبقي لا ينضبط لأي تصنيف، فالامريكي مايكل والزر ينعته ب "اليساري الطفولي" أما هابرماز فيعتبره "مضاداً للحداثة والطابع التقديم للانوار وللعقلانية الحديثة" .يدعو فوكو المثقف بعدم اصدار الاحكام والتحفظ عليها وعدم الإدعاء كما لوكان "ضمير الأمة" أو "لسان الجماهير" أو "المعبر عن الحس الشعبي والجماهيري" أو "ممثل طبقة اجتماعية" أو "المنقذ من الضلال"، إن هذه الدعوة تستقيم بدعوة أخرى للمثقف مفادها تخليه عن الخطاب الكوني والشمولي، الذي يشكل فولتر أحد أبرز نماذجه قوة في الفكر الكلاسيكي.. إن المثقف بهذا المعنى الشمولي يتماهى مع "العراف الكبير". كما ان فوكو يسير عكس اتجاه عند انشي الذي يرى أن دور المثقف الخميرة الأساس لبناء الكتلة الثقافية والأخلاقية، إنه رمز طليعي منخرط في حزب سياسي يقود التغيير والثورة.
ويحول الدور الأساسي والمركزي للمثقف الكوني إلى دور ثانوي. ومن المثقف العضوي - الكوني إلى المثقف المتميز كما يسميه. إن المثقف بالشكل الذي يحدد فوكو يرتبط جدلاً بالحقيقة والسلطة، فهو من وجهة النظر التقليدية مالك الحقيقة ومروجها، وما جانب المثقف المتميز محدد هذه الحقيقة، هذا هو القلب الذي مارسه جينالوجيا على موضوعة المثقف. إن الحقيقة حسب فوكو "تشترك مع المؤسسات والخطابات حول العلم ويخضع لتوجهات اقتصادية وسياسية ويتم انجازها تحت مراقبة أجهزة خاصة (الجيش - الجامعة - الكتابة - وسائل الإعلام - النظام التربوي...) التي تتضمن ايضا انتشارها واستهلاكها.." ص 32.سيتمحور دور المثقف حسب فوكو في كيفية كشفه الحقيقة باعتبارها مجالاً للصلح وللتصادمات والصراع والمعارك وهي بالضرورة انتاج حقيقة اخرى. إن الحقائق تتناسل بتناسل الخطابات وتثبت السلطة لذا يكون الرباط الذي يربط المثقف بالصراع حول "الوضع الاعتباري للحقيقة" و"الدور السياسي والاقتصادي الذي تلعبه"ص 33.إن السياق الذي يسير فيه فوكو هو التمرد على الذات المثقفة التي رسمت معالمها منذ القرن 18خلخلة جينيالوجيا للمفاهيم المجاورة له والمرتبطة به، ولكن الغريب عند فوكو هو الانخراط الف
علي في جميع التظاهرات الجماهيرية ومن جهة أخرى رفض المتمرد دورا للتخندق وراء أي خلفية ايديولوجية تروم لفتح الحقيقة لضم ما ترغب فيه. لكن عمقه الراديكالي حد العدمية، كما يحلو لبعض منتقديه هو ما يدفع بالقول "إن المثقف والكاتب صارا قادرين بالتحدث بلغة الحيا بدل لغة الحق" ص
35.تأتي موضوعة السلطة ضمن الاهتمامات الاساسية في فكر الاختلاف، سواء على مستوى القلب الذي مارسه هذا الاخير على الاطروحات السابقة او في المجال المعرفي والسياسي الايديولوجي حولهما، وسيبدأ فوكو بالتركيز على هذه الموضوعة في المحاضرات التي قام بها في الكوليج دوفرانس سنة 1976م في تواز مع اصدار كتاب "إرادة المعرفة". إن أهمية الموضوع وراهنيته عندنا يصح لنا بالتفكير مجدداً بإعادة أطروحات فوكو واستثمارها في سبيل مساءلة العولمة والحرب على العراق وفلسطين ولأن الأمر كذلك فإن فوكو قام بقلب مفهوم السيادة واعتباره مفهوم الهيمنة وهذا التحويل من السيادة إلى الهيمنة هو بالضرورة تصور الجينالوجي الذي مارسه على التاريخ، سواء فيما يتعلق بالسياسة أو السلطة أو الدولة... إن التحويل ذاك يفيد إشارة أساسية وهي فتح الطريق لضبط مفهوم السلطة.. إن الانتقال ذاك هو انتقال من "الشكل القانوني للسيادة إلى الشكل الاستراتيجي للصراعات والمجابهات". يتساءل فوكو إذن "عما إذا كانت الاستراتيجيات قابلة للتحليل داخل الشكل الثنائي والكثيف للهيمنة (مهيمن / مهيمن عليه) وبالتالي داخل علاقة الحرب؟ ما الذي يجعل علاقة المهيمن قابلة للتحليل انطلاقا من علاقة القوة؟
وكيف يمكن النظر إلي هذه العلاقة كعلاقة حرب؟ وما الذي يبرز ذلك" ص 56.إن التوقف عند هذه الأسئلة وغيرها يفيد عدم الارتكان لاجابات لهائية أو تصورات بديهية حول الموضوع ذاك اعتباراً لامكانية استثمار الحرب سواء في بعده الاستراتيجية او في الصراعات للقيام بتحليل السياسة وعلاقات السلطة من حيث كونها تقنيات للهيمنة. يتساءل فوكو في أحد دروسه "هل يتوجب القول بأن الهيمنة ليست سوى شكل مستمر للحرب؟" ص 56.إن الحرب إذن مؤسسة للمجتمع والدولة وناسجة قوانينها وعاداتها وحقها وقيمها بل أكثر من ذلك تتأسس الخطابات حول السلطة والتاريخ، من خلال الحرب، سيربط فوكو إذن العلاقات المفاهيمية تلك (كالقوة والهيمنة والحرب والسلطة...) بالحقيقة ويأخذ مفهوم الاستراتيجية بعدا آخر، عبر تحويل مجاله الأصلي العسكري إلى مجال السلطة وجدّةُ فوكو إذن تنجلي في اعطائه مفهوماً جديداً للسلطة تتعدى حدوده السياسية والعسكرية ليدخل في العلائق الاجتماعية المعقدة، فهي كما يقول فوكو "ليست (السلطة) مؤسسة وليست مبقية وليست نوعاً من القوة التي يتوفر عليها البعض، بل هي الاسم الذي نطلقه على وضع استراتيجي داخل مجتمع ما" ص 60- 61.سيتعلق الأمر إذن ببحث جينالوجي لعلاقات السلط
ة وسيكشف عن ذلك من خلال الحرب وحرب الإبادة العرقية والعنصرية فالحرب في أفقها الاستراتيجي، تفتح المجال للسياسة والسلطة إن لم نقل انه يغذيه باستمرار وتشتغل السلطة السياسية من حيث هي حرب دائم،(...) مما يجعل المعركة تدور باستمرار على مختلف الجبهات أي داخل العادات والاجساد والقوانين، والأخلاق والفنون" ص
64.إن العلاقة بين الحرب والسياسة علاقة حيوية وهذا ما جعل فوكو يرد نظرياً على كلاوسفتيس الذي يعتبر أن الحرب الكبرى تتوافق مع السياسة الكبرى والعكس صحيح، أي التداخل الموجود بينهما بحين أن كلا من الطرفين يحدد الآخر - حسبه - وإن كان فوكو يرد على هذا القول بصحيته في حين أن فوكو يعتبر أن السلطة السياسية تبدأ مع الحرب. سينطلق فوكو إذن من مؤسسي خطاب الحرب والسياسة في القرن 17و19، وبالضبط عند ماكيافيلي وهومز وسيمارس عليها جينا لوجيا الحرب باعتبارها اختراق للسلطة وتمييز بين الصديق والعدو، والهيمن والتمرد...
تشكل "السلطة" إذن محوراً من أهم محاور الفكر الفوكوي وإن كان لم يضعه في كتاب مستقل، ولعل اهتمامه آتٍ من الكيفية التي مارس بها الستالينية والفاشية السلطة سيقطع فوكو أولاً مع المقررات التقليدية سواء ما نتجه فلاسفة الأنوار (هوبن، ماكيافيلي، كانط، هيجل...) أو التصور الماركسي، وسيكون اهتمامه بهذا انطلاقا مما يقوله فوكو نفسه "ليست السلطة بالنسبة لنا - على أي حال - مسألة نظرية فقط، بل شيئاً ما ذا علاقة مع تجربتنا (...) ما نحتاج اليه هو اقتصاد جديد لعلاقات السلطة". ص 90.سيقوم فوكو اذن بتمرير موضوعه من التصورات السابقة، اسوة بما قام به في موضوعات اخرى كالجنس والتاريخ والعقاب والسجن... إلخ. من هنا سيتوقف عند الممارسات التي تمارسها السلطة في اقصى تجلياتها الاخيرة والملموسة، لا يعني ان السلطة تتوقف عند حدودها كمؤسسات لاخضاع المواطن داخلها او داخل الدولة، بل تتعلق من خلال سؤال فوكو الدال وهو: "كيف تمارس السلطة؟". اي لا ينظر إلى السلطة، بالشكل العمودي بل في شكلها الأفقي، أي ان فوكو في هذا التصور يلخص التصور السائل كون السلطة يمارسها مالكها أو فئة حاكمة على محكومين، بل في نمطها باعتباره "جوانِي ومرتبط بنقاط متعددة بلعبة علاق
ات غير متساوية، يتهم الأفراد بشكل تلقائي فيها..." ص 96.إن ما يروم السيد فوكو هو لا ذاتية السلطة اي انها لا مصدر لها كذوات فردية او جماعية وبالتالي فلها أهداف ومرام، وأنها كذلك ليست نابعة من مصالح معينة، بل انها في المجتمعات الغربية مشتتة ولأنها كذلك فإنها لا تستجيب لرغبات الديمقراطيات الغربية، إن هذا التصور خلخلة للتصورات السائلة التي تطرح مالك السلطة وتابعيه وبالتالي عزل علم السياسة باعتباره يدرس السلطة وفق هذا التصور العمودي واستلهام العلوم الاجتماعية والسيكولوجية وعلم الاجرام.. لدراسة السلطة عبر قلب التصور العمودي ذاك، اي كيف تسشتغل السلطة من الأسفل إلى الأعلى في تداخلات أفقية متشابكة، وبالتالي دحض التصور الماركسي المنبني على قياس السلطة وبالصراع الطبقي. ان ما يهم فوكو بالأساس هو الكيفية التي تشتغل بها السلطة في الهوامش والأطراف، تفترض السلطة في انشغالها بذوات حرة "إذ ا توجد السلطة داخل علاقة العبودية" ولانها كذلك فإنها تفترض المنفذ (جلاد) وضحية ولا ينتهي الأمر عند الضحية بل ان الضحية ذاته يمارس سلطة على أخرى، وهكذا إذا كان الافتراض ممكنا فإن المقاومة حاضرة في مواجهة كل سلطة، وشرط كل مقاومة هي الحرية، هنا
تتناسل السلطة حسب فوكو وتشتت المقاومة الخفية والظاهرة - وهذا ما يؤكد عليه في سلسلة كتبه الخاصة بتاريخ الجنس اوالسجن والعقاب، لكن الحديث عن المقاومة هو ما يضعها موضع سؤال.. عن أي مقاومة يتحدث فوكو؟ هل مقاومة محافظة أم تقدمية.. يرد فوكو أن الدولة "ترسم الاطار العام الذي تشتغل داخله المؤسسات الانتظامية والاكراهية ولكنها هي ايضا التي تسمح بنوع من المقاومة المحلية أو أن تقصيها كلية" ص108، سيتوقف منتقدو فوكو، خصوصاً في وظيفة المقاومة ودلالاتها الايجابية والسلبية، لذا يعتبره البعض بأنه عدمي لأنه "يعتبر المجتمع موجها من طرف يد خفية بدل ان توجهه وتحكمه سلطة سياسية مسؤولة وشرعية"





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,054,874,077
- الديمقراطية فى العالم العربى,دراسة في المجال و الحدود
- الادارة الالكترونية
- دور الفكر في الرقي بالاداء السياسي
- الاسطورة في الفكر الجاهلي
- الأسطورة عند كامبل


المزيد.....




- ميلر: ترامب يبحث عن طريق للحفاظ على علاقته مع السعودية وسط أ ...
- الجزائر تسحق توغو برباعية وتحجز مقعدها في كأس الأمم الأفريقي ...
- ميلر لـCNN: ترامب يبحث عن طريق للحفاظ على علاقته مع السعودية ...
- حاكم فلوريدا السابق يفوز بمقعد الولاية في مجلس الشيوخ بفارق ...
- المرزوقي: -الخلاف بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة يهدد الدي ...
- حاكم فلوريدا السابق يفوز بمقعد الولاية في مجلس الشيوخ بفارق ...
- الرئيس السابق للبيرو يطلب اللجوء لدى الأوروغواي
- وكالة: وفد أردني إلى دمشق للقاء الرئيس الأسد
- حاكم فلوريدا المنتهية ولايته يفوز بمقعد في مجلس الشيوخ الأمر ...
- اليمن .. 11 غارة للتحالف على صعدة والحديدة وصنعاء


المزيد.....

- تأثير الفلسفة العربية والإسلامية في الفكر اليهودي – موسوعة س ... / شهد بن رشيد
- الإله الوهم والوجود والأزلية / سامى لبيب
- الطريق إلى الكائن الثالث / معتز نادر
- في محبة الحكمة / عبدالله العتيقي
- البُعدُ النفسي في الشعر الفصيح والعامي : قراءة في الظواهر وا ... / وعد عباس
- التحليل النفسي: خمس قضايا – جيل دولوز / وليام العوطة
- نَـقد الشَّعب / عبد الرحمان النُوضَة
- التوسير والرحلة ما بين أصولية النص وبنيوية النهج / رامي ابوعلي
- مفاهيم خاطئة وأشياء نرددها لا نفطن لها / سامى لبيب
- في علم اجتماع الجماعة- خمسون حديثا عن الانسان والانتماء والا ... / وديع العبيدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - فيصل زوهار - ميشال فوكو