أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عزو محمد عبد القادر ناجي - العوامل الخارجية المؤثرة على الاستقرار السياسي






















المزيد.....

العوامل الخارجية المؤثرة على الاستقرار السياسي



عزو محمد عبد القادر ناجي
الحوار المتمدن-العدد: 2202 - 2008 / 2 / 25 - 01:49
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


للعوامل الخارجية تأثيراً كبيراً على الاستقرار السياسي في المجتمع والدولة ، وخاصة الدول المتخلفة التابعة لأحد المعسكرين -خلال فترة الحرب الباردة- فقد استمر عدم الاستقرار السياسي الطبيعي فيها جنبا إلى جنب مع سباق التسلح والاستقطاب ، وتهددت النظم المعتدلة ، وانهارت المستويات الاجتماعية والاقتصادية للشعوب بنتيجة ذلك ، فكانت الحرب الباردة وما صاحبها من دعاية حديثة ، وشبكات تجسس متشعبة ، ومناصرة سلطة دولة ما ، ودعم إرهابها للعناصر غير الموالية ، من خلال معسكرات الاعتقال التابعة للجيش الذي يقوم بخدمة المصالح الخارجية لدول المراكز في أغلب الأحيان، ولن يكون هناك أي تغيير في هذه المجتمعات إلا من خلال عناصر خارجية توافقت مع عوامل داخلية ، إلا في النادر القليل فلا تسقط هذه الأنظمة إلا من خلال العوامل الخارجية كهزيمة عسكرية ، كالتي حلت بنظامي هتلر وموسليني، إبان الحرب العالمية الثانية عام 1945 ، ونظام البعث في العراق عام 2003 ، فالهزيمة العسكرية تهدد النظام بالانهيار ، لأن الحروب الخارجية ، حسب رأي تشارلز تيلي تزعزع الاستقرار الداخلي ، كونها تؤدي إلى حدوث ثورات فمعظم ثورات العالم ، حدثت بعد حروب مباشرة مثل الثورة الروسية 1917 بعد الحرب العالمية الأولى والثورة الصينية 1959، والجزائرية 1954 و كليهما بعد الحرب العالمية الثانية ، وتفسير ذلك أن التعبئة العامة التي تلازم حالة الحرب سواءاً من وجهة النظر المادية أو المعنوية ، والانعكاسات الشعورية التي تصاحب ذلك تندمج كلها لتحدث هزات في الاستقرار الداخلي حسب الإمكانيات التي تتيحها ظروف الحياة في المجتمع ، كما أن الحرب ترفع من مكانة الجماعات الاجتماعية قليلة الشأن سابقا ، مما يتيح الفرصة لنشوء أنواع أخرى من الصراع ، مع الأنساق الاجتماعية الأخرى .
وبالرغم من التأثيرات المباشرة للدول الإمبريالية، بنوعيها الرأسمالية البروليتارية والرأسمالية الإمبريالية لدول المركز ، لم تكن وليدة الحرب الباردة ، كما يرى البعض لكنها ولدت منذ وجود الدولة التسلطية ، التي أول ما نشأت في إيطاليا عام 1928 بعد فترة الكساد الكبير ، ثم انتقلت إلى ألمانيا ثم أسبانيا والبرتغال، وكانت كل هذه الدول تمثل دول الحزب الواحد ، و التي ولدت عشية عصر التنوير في أوربا فاتخذت الشكل السياسي في فرنسا ، والشكل الأيديولوجي في ألمانيا ، حيث اتبعت الدول القومية النموذج الإيديولوجي الذي يقوم على المبادئ التالية :
1- إن هناك أمة محددة ذات شخصية متميزة .
2- مصالح هذه الأمة وقيمها لها الأسبقية على كل القيم والمصالح الأخرى .
3- إن هذه الأمة يجب أن تكون مستقلة قدر المستطاع، ولها السيادة السياسية الكاملة على مواطنيها .
ولم يستطع الاتجاه الآخر الذي يمثل النموذج البيروقراطي الدستوري الليبرالي الاستمرار في دول الهلال الخصيب بعد الحرب العالمية الثانية وبعد استقلال هذه الأقطار ، فتبنت هذه الدول النظرية الوظيفية في التنمية السياسية ، التي ترى أنه من الأفضل والأنسب للدول المتخلفة أتباع الخط الليبرالية في بناء مؤسساتها السياسية ، على أساس أفضليتها من النموذج الشيوعي المظلم خاصة في عهد ستالين، لكن في منتصف الستينات برزت مدرسة التبعية على يد أندريه جندر فرانك مؤكدة أن ما يتعرض له العالم المتخلف من تدهور سياسي واجتماعي واقتصادي هو بسبب العالم المتقدم ، ثم ظهرت مدرسة أخرى في السبعينات ، ترى أن التنمية يمكن تحقيقها من خلال عملية محلية وبطيئة ، يتم تغذيتها من الداخل بدلا من خلقها فوراً وبسرعة ، واعتماداً على الخارج مما حذا بالراديكاليين الذين سموا بالماركسيين الجدد إلى تطوير نظرية التبعية ، ثم ظهر تيار معتدل يوفق بين المدرستين ، لكن تبقي نظرية التبعية أكثر النظريات واقعية في تفسير عدم الاستقرار في الدول المتخلفة ، حيث ترى هذه الدول تابعة للرأسمالية الغربية ومخترقة من قبل إمبريالية الدول العظمى ، وسطوة الشركات الكبرى المتعددة الجنسيات والمفتقدة للقيود والضوابط الدستورية الديمقراطية ، و يكون نظامها الاقتصادي تابع لدول المركز الرأسمالية، وتستمد استبدادها من خلال احتكارها للحكم والسلطة ، وقدرتها على تنسيق البنى التحتية للمجتمع ، واختراق المجتمع المدني ، على مختلف مستوياته ومؤسساته ، وتكون حضارتها هي حضارة استهلاكية متشعبة في كل المجتمع ، ولا وجود للتقدمية أو الاشتراكية في هذه الدول ، رغم ادعائها ذلك ، فولاءها للمعسكر الشيوعي وفي مقدمته الاتحاد السوفيتي سابقا، الذي يخلط بين التخطيط المركزي البيروقراطي التسلطي ، والاشتراكية كنمط للإنتاج .
أما بالنسبة لارتباط هذه الدول بالإمبريالية الغربية فقد بدأت في دول الهلال الخصب منذ قيام نظام الملة العثماني عام 1840 ، حيث استثمرت ما أسفر عنه هذا النظام من تسامح ديني بين جميع الأديان والمذاهب ، لتبدأ الدول الأوربية تدخلها الاقتصادي من خلاله ، ومن ثم لتستفيد من التناقضات الداخلية وتحولها إلى أداة للتجزئة بغية إضعاف الدولة العثمانية ، مما حذا بدعاة الطورانية إلى استخدام سلاح القومية للرد على هذه المشكلة التي أحدثتها الدول الغربية ، من خلال إرساليات التبشير التي عملت على نشر لغة دولها وعقائدها في هذه المنطقة ، وعند ما هزمت الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى عام 1914، لم تشعر الدول الغربية بأية غربة في تلك الدول ، لأنها وجدت قطاعا مثقفا بثقافتها ومتحمس لرموزها ، إضافة لما أحدثته التأثيرات الاجتماعية والاقتصادية بنتيجة التبادل التجاري مع أوربا ، ومعاملة التجار الأوربيين وجالياتهم وأعوانهم معاملة متميزة ، مما أدى لظهور برجوازية المدن التي يتمتع أفرادها بمواقع مختارة في السلطة السياسية ويدينون بالولاء للقوى الاستعمارية، وأكثرهم من الأقليات الدينية، فزادت شقة الخلاف بينهم وبين مواطنيهم المسلمين، الذي يشكلون الأكثرية، ثم أخذت هذه الدول تضغط على الباب العالي من أجل إجراء إصلاحات لصالح هذه الأقليات، كما أخذوا يستثيرون النزعات الانفصالية لديهم مستغلين مفهوم القومية ، مما كان له أثر سيئ عليهم ، فكانت مذابح 1860 في دمشق ولبنان ، وتمردات الأكراد في أعوام 1830 – 1842 – 1856 – 1880 – 1908 ، كما أوعزت روسيا للآشوريين بالتمرد لإضعاف الدولة العثمانية ، ثم أسهمت فرنسا وبريطانيا في تغذية تمردهم ، وغذت روسيا اليهود وشجعتهم على الهجرة لفلسطين ، فكانت أول مستعمره ، يهودية في فلسطين عام 1881 وهي ( ريشون له زيون ) من خلال اليهود الروس ، ثم ساهمت هذه الدول بتشجيع الأفكار القومية والعلمانية والماسونية ، لتفتيت الوحدة الوطنية في هذه الدول ، فكان تعاون روسيا مع الأكراد قبل الحرب العالمية الثانية، على أمل وصولها إلى المياه الدافئة ، حيث شكلوا حزب البارتي الشيوعي على يده مصطفي البرزاني ثم جمعية القوى بون ، وانتسبوا للأحزاب الشيوعية على أساس أن هدفهم الإصلاح الاقتصادي والتنمية في المجتمع ، رغم أن التنمية في الدول المتخلفة لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال الجهود العالمية للدول الغربية ، والمنظمات العالمية المختصة ، وتغيير علاقات القوى العالمية ونظام السيطرة والهيمنة العالمية أي نظام الغلبة ، الذي يضمن إعادة توزيع القوى وأشكالها ، فحسب نظرية التبعية ، تعمل القوى الاقتصادية الرأسمالية من خلال نمط إنتاجها الرأسمالية العالمي ، على خلق نمط إنتاج تابع لها في الدول المتخلفة ، فيتحدد نمط إنتاج هذه الدول بحاجة نمط الإنتاج الرأسمالي العالمي ، الذي يسعى لخلق شروط رأسمالية مناسبة من أجل إعادة إنتاجه في بلدان تقع خارج نطاقه الخاص ، ولا تتوافر فيها ظروف مناسبة لتحويلها إلى نمط رأسمالي مستقل النمو والانتشار ، لأنه يتعين بعوامل خارجية هي حاجة الرأسمالية الدولية، وقال عن هذا النمط سمير أمين بأنه نمط إنتاج كمبرادوري ، طبقته السياسية هي المهيمنة على الدول وهي نفسها الدول المرتبطة بالخارج بشكل جذري ، وهذا النمط من الإنتاج سيعيد إنتاج نفسه ، مادامت الرأسمالية الدولية بحاجة إليه ، ومادامت آلية إعادة إنتاجه موجودة خارجه، بصورة أساسية وخاضعة لاعتبارات سياسية بالدرجة الأولي ، أما دور القوانين الاقتصادية الرأسمالية فهو دور ثانوي فقط ، والميزان التجاري لهذه الدول يعتمد كليا على ما تريده هذه الدول الصناعية الكبرى التي تستورد منها، لأن صادراتها إلى الدول المتقدمة ( المراكز ) هي الصادرات التي تدر عليها عملة صعبة وسلع تكنولوجية عليا، وغيرها مما تتطلبه عملية التنمية فيها ، أيضا حكمت دول المركز وثاق دول المحيط المتخلفة من خلال المديونية وعن طريق النظام النقدي العالمي ، ونظم هذه الدول (المحيط)هي نظم شمولية من خلال الحزب الواحد أو المهيمن أو النظام الثيوقراطي أو الملكي أو الفاشي .. الخ ، ويرى صموئيل هننتغتون أن النظام الشمولي هو أكثر فائدة للغرب من دول المؤسسات التي تستطيع ممارسة وفرض سلطتها، من جميع أنحاء المجتمع ، لأن النظام الأوتوقراطي المطلق لا ينشئ دولاً قوية بالضرورة تلك القادرة على حشد وتعبئة السكان وفرض القانون وتقديم الخدمات وتقوم سياسة هذه الدول على فرض الرقابة على الأفكار ، ومنع التواصل الثقافي مع الحضارات المختلفة على أساس ترسيخ الثقافة الوطنية والسيادة الهشة للدول القطرية القومية ، رغم أن هذه السياسة ستهدد وجود ثقافة تلك الدول القطرية ، فلا تستطيع مواجهة تحديات العصر الثقافية ، وراء شعارات قومية ، لأن الثقافات لا تعيش معزولة عن بعضها البعض ، فيجب أن تتفاعل فيما بينها ، لأن التقوقع والجمود وحرمان المجتمع من تجديد قدراته ، سيؤدي إلى تفكيك الحقل الثقافي وإبادته، ومن ثم غزوه في عقر داره – كما حدث للدولة العثمانية- ، وأيضا تأييد القوى الغربية للقمع الحكومي في الدول المختلفة ، بشكل مباشر أو غير مباشر سيدفع المعتدلين والبرجماتيين الإسلاميين إلى التطرف ، ويحول الإصلاحيين إلى ثوريين عنيفين ، يستهدفون الحكومة وحلفاءها الأجانب، وكلما حالت الحكومة دون مشاركة الأحزاب المعارضة في الانتخابات وتقييد حق تقرير المصير، والزج بالناشطين السياسيين في السجون ، كلما هيأت الأجواء لاعتبار العنف والثورة دفاعاً مشروعاً عن النفس، كما تعمل الدول الرأسمالية على عدم إتاحة المجال للدول المتخلفة في نمو البرجوازية الصناعية ، لاستكمال تطورها من خلال وقوفها في وجه الحركات التصنيعية والوطنية فيها ، مستفيدة من المعوقات الاجتماعية والتبعية وعدم التكامل والتناسق في تقدم القطاعات المختلفة في تلك البلدان فالنمط الرأسمالي للدول المتقدمة ، الذي تكون الغلبة فيه للاقتصاد ، هو نمط اقتصادي كوني يشمل العالم، ويسيطر على اقتصاديات الدول الخراجية التي تكون الغلبة فيها للأيدولوجيا، وتكون الاقتصاديات المركزية المهيمنة في هذا النظام متمحورة على ذاتها، أي مكتملة، أما اقتصاديات الأطراف الخاضعة فهي متجهة كلياً إلى المركز ، وغير مكتملة ومتأخرة ، حيث تظل ملجومة من خلال الهيمنة الاقتصادية ، التي تحول بينها وبين التقدم الذي سببه هذا المركز .
وتتخذ دول المركز موقف اللامبالاة إزاء الحروب التي تشنها الدول المتخلفة مع بعضها ، باعتبارها لا يمكن أن تتعدى الخط الذي لا تستطيع الدول المتقدمة السيطرة عليه ، فهي تتيح لهذه الدول أن تبيح لنفسها الجريمة المنظمة باعتبارها أفضل من العنف الفوضوي ، وهي امتداداً للنظام ، كما أنها تتوافق مع استراتيجية النظام نفسه للحفاظ على بقائه ، وفي ذلك أكد جان بودان أن أفضل وسيلة للحفاظ على الدولة ، وضمان سلامتها من الفتنة والعصيان والحرب الأهلية ، هي الحفاظ على الألفة بين الرعايا ، ويتحقق ذلك بإيجاد عدو خارجي تخلق مواجهته قضية عامة ، فالحاجة الماسة للحرب ضد الخارجين هي التي تسبب الأمن في الداخل خشية أن يؤدي النزاع الداخلي إلى إضعاف الجماعة في الحرب ، فهناك علاقة وثيقة بين الصراع الداخلي سواءاً أكان قومياً أم طائفياً أم غير ذلك وبين الصراع العالمي، لأن الاشتراك في الصراع الخارجي ، في أي صورة كانت حربية أو سياسية ، يزيد من التماسك الداخلي ، والتكامل داخل الدولة والمنخرط فيها ، وتصبح الدولة هدفاً للتدخل وعندها يصاب المجتمع بالضعف والاضطراب الداخلي ، مثل التمرد والعصيان ، والصراع الداخلي السلبي.
كما أن وجود منشآت اقتصادية ودبلوماسية وعسكرية تابعة لدولة ما داخل دولة أخرى يجعلها تتدخل في شؤونها الداخلية ، ففي الدول المرتبطة بسوق اقتصادية مشتركة ، فإن عدم الاستقرار يتعلق بمستوى التغيير الحضاري في كل منها والمرحلة المؤقتة من عملية التكامل ، والأساس الطبقي لكل منها ومستوى التبعية الموجود داخل السوق بدوله المتخلفة، وتتأثر الدول التابعة بالأحداث الخارجية أكثر من الدول غير التابعة أي المتبوعة ، ولابد أن ذلك يجعلها -الدول التابعة- عرضه لعدم الاستقرار السياسي أكثر من الدول المتبوعة، إضافة إلى أن الدول المتبوعة تعمل على استخدام الخلافات الأثنية والعرقية والدينية .. الخ ، كما فعلت ذلك الدول الاستعمارية في إفريقيا ، إبان استعمارها لها .
وقد أثر التناقض بين المعسكرين -إبان الحرب البادرة بينها - على استقرار البلدان المتخلفة بشكل سلبي ، فقد حدثت انقلابات كثيرة بسبب ذلك ، في معظم دول العالم المتخلف ، وخاصة في إفريقيا ، بسبب الأيديولوجيات اليسارية ، أو الليبرالية، أو الحرب بين المعسكرين على مناطق النفوذ، فالاستقلال السياسي وحده لم يمكن سوريا مثلا من الفكاك من الدائرة المفرغة للتخلف والتبعية التي خلفها الاستعمار ، فكانت الدوافع الإمبريالية فيها كما سيتضح في الفصول القادمة ، سبباً في الإطاحة بالحكومات المدنية، حيث كان ميول حكومة ما للغرب يعتبر دليلاً على أن للغرب يداً وتأثيراً في وجود هذه الحكومة أو هذا النظام ، كما أن ميولها للشيوعية يدل على أن للشيوعية الدولية ( الكومتيرن ) دوراً في وجودها ، إضافة لما أثرته الحرب الباردة على الحركات القومية وأيديولوجياتها في الدول المتخلفة، فقد أرسلت بعض هذه أنظمة هذه الدول وفوداً إلى الاتحاد السوفيتي السابق لدراسة وسائل السيطرة على الشعب ، في أماكن السكن والعمل ، كما تأثرت هذه الأنظمة بالفاشية كنظامي فرانكو و ساليزار وغيرهما ،في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية ، كما عملت الدوائر الشيوعية والغربية على محاولة خلق التوترات السياسية وإذكاء حدة الصراعات الإقليمية، بهدف فتح أسواق لتصريف الأسلحة التي تنتجها ، واستنزاف الأرصدة النقدية للدول المتخلفة ، من خلال التوسع في الإنفاق العسكري ، ولهذا السبب نجد في النسق الدولي ثنائي القطبية ، الذي كانت تهيمن عليه الدولتان القطبيتان ، أنه لم يكن من صالح أي من الدولتين، بروز أي قوة عملاقة قادرة على أن تعبر، عن استقلالية معينة ، تسمح لها بقلب موازين القوى ، و ذلك بالانضمام إلى إحدى الدولتين العظميين، أو التحكم في علاقات التوازن ، حتى لا تصل إلى مرحلة تقف فيها من كلا هاتين الدولتين موقف الحياد ، فموسكو و واشنطن لم تسمحا للحزب الشيوعي الفرنسي أن يتسلم السلطة، لأن موقع فرنسا هو داخل منطقة النفوذ الغربي ، وذلك تبعاً لعملية تقسيم أوربا التي أتفق عليها في اتفاقيات طهران ، يالطا ، بوتسدام ، ومنذ تاريخ هذه الاتفاقيات، كان التقسيم موضع احترام من قبل الطرفين ، و كان خرقها كان يعني قيام حرب عالمية ثالثة ، فلم يكن في العالم أجمع خلال فترة الحرب الباردة وما بعدها شيئاً اسمه الحياد ، فكانت جميع الدول في العالم تابعة، ولو بشكل غير مباشر لأحد المعسكرين ، وتتبدل السيطرة على هذه الدول المتخلفة، رغم ادعائها على أنها في حالة حياد أو حياد إيجابي، على افتراض استفادتها من تصارع المعسكرين قدر الإمكان .
لكن قضية السيطرة على العالم لم تكن وليدة الصراع بين المعسكرين الشيوعي والرأسمالي ، أو بين الفاشية والديمقراطية ، بل إن جذورها قديمة تصل إلى مرحلة الحروب الصليبية في القرون الوسطى ،بيد أنه عندما ضعفت الدولة العثمانية في القرن الثامن عشر ، عمدت سيدة البحار "بريطانيا العظمى" والتي كانت آنئذ في أوج عظمتها ، إلى إرسال لجنة بنرمان للاضطلاع على المنطقة العربية الممتدة من الخليج إلى المحيط، وذلك تمهيداً للسيطرة عليها ، بعد تقويض الإمبراطورية العثمانية ، وقد أكد تقرير اللجنة أن هذه المنطقة تمثل منطقة مهمة في العالم ، وإن من يتحكم بها سيتمكن من السيطرة على العالم ، ففيها أمة يجمعها التاريخ والدين واللغة والآمال ، وكل شيء فيها يؤكد على مقومات الوحدة والترابط ، وإن الخوف من أن تدخلها التكنولوجيا الأوربية والثورة الصناعية والتعليم وسيطرة ثرواتها من قبل أهلها ، واتحادها في دولة واحدة ، لذلك يجب على الإمبراطوريات الأوربية أن تحول دون تحقيق ذلك ، من خلال استمرار وضع المنطقة المجزأ المتأخر كما هو، وإبقاء شعبها على ما هو عليه من جهل وتفكك وتأخر ، ومحاربة اتحاد شعب هذه المنطقة، ومنع ترابطها بأي نوع من الترابط الفكري أو الروحي أو التاريخي ، من خلال الوسائل والدراسات العلمية لذلك ، وأهمها إقامة كيان غريب فيها ، ومعاد لها لفصل الجزء الآسيوي عن الإفريقي، فقررت بناءاً على ذلك المقررات التالية :
1. على الاستعمار الأوربي أن يحول دون اتحاد الجماهير الشعبية في البلاد العربية .
2. منعها من تبادل الأفكار التحريرية .
3. إثارة الخلافات فيما بينها .
4. فصل جزئها الآسيوي عن الإفريقي بإقامة كيان معاد لها .
وقد استطاعت هذه الاستراتيجية تحقيق أهدافها وستوضح الفصول القادمة كيف كانت الخلافات بين دول المنطقة درعاً واقياً للحيلولة دون وحدتها ، و تحقق قيام الكيان المعادي للمنطقة وهو قيام دولة إسرائيل ، وعمل على فصل جزأي المنطقة في أسيا و إفريقيا ، كما أن كل دولة من هذه المنطقة عملت على التقوقع حول نفسها في الأفكار التحريرية ، كما عملت الدول الأوربية على الحيلولة دون وحدتها إلى أقصى مدى ممكن ، بل عملت على زيادة تقسيمها بما يضمن استمرار ضعفها ، لكن الترابط بين أجزاء هذه المنطقة لا تستطيع معاهدات أو اتفاقات استعمارية أن تفصل بينها، أو تحول دون الاتصال بينها بحيث تبعدها عن أصولها التاريخية وتراثها المشترك ، فأي تحول ديمقراطي في أي جزء من مشرق هذه المنطقة ، على أساس أن الكيان الغريب أصبح أمراً واقعاً ، سيقود إلى انفراج في كل المشرق العربي ، وبالتالي ستؤدي إلى إطلاق العنان لقوى كانت حبيسة السياسات التسلطية والخانقة ، مثل القبلية السياسية أو الطائفية والتعصب الديني ، ومطالب الانفصال و التمثيل السياسي بالحصص والأنصبة وغيرها من القوى التي فقدت الثقة بنفسها وبنظام الحكم وبالآخرين ، لذلك فالتأثيرات السابقة التي وضعتها هذه الدوائر الاستعمارية ستخلق تأثيرات لاحقة تؤدي إلى انهيار الولاء المجتمعي للدولة ، وبالتالي سيكون الولاء القبلي أو الطائفي أو العرقي هو أساس ولاء الفرد ، ومما لاشك فيه أن التأثيرات التي تصيب المشرق العربي ستتعداه إلى مغربه ، لأنه أيضاً يحتوي تناقضات عرقية أو قبيلة .. الخ فما لعبته الدوائر الاستعمارية في هذه المنطقة استناداً إلى لجنة بنرمان كان كبيراً ، حيث عملت بريطانيا بعد الحرب العالمية الأولى على تقسيم الهلال الخصيب إلى منطقتي نفوذ بريطانية وفرنسية، وعملت كل واحدة منهما على استغلال تناقضات كل منطقة موجودة فيها ، كما عملت بريطانيا في العراق على لعب ورقة كردي عربي ، وورقة سني شيعي ، حتى أن أحد الأكراد هو عزيز الحاج قال : " لقد عملت بريطانيا ، منذ ما قبل احتلالها للعراق ، وإبان احتلالها للعراق وإيران على استغلال الورقة الكردية "، إضافة لما عملته على تقوية الولاء للقبلية ، في مواجهة الولاءات الأخرى ، أيضا عملت فرنسا في سوريا ولبنان ، على تنمية الولاء الطائفي للأقليات المارونية ، و النصيرية ، و الدروز ، و الإسماعيلية ، و الأكراد ، والشركس .. الخ ، وعملت تركيا على إنشاء نظام الملل قبل ذلك والذي أدى إلى تمسك الأقليات بهويتها الطائفية والعرقية .
فللدول الغربية الدور الأكبر والأساسي في صياغة الهوية في المجتمعات المتخلفة ، حيث لم تكن هذه الهوية باختيارها وبملء إرادتها وحريتها ، فالطورانية على سبيل المثال أثارت ردة فعل القوميات التي كانت خاضعة للإمبراطورية العثمانية، رغم ما كان بينها من تعايش عبر مئات السنين ، وعلى ذلك فأي تأكيد للهوية الفرعية سيؤدي إلى تأكيد للهويات الفرعية الأخرى ، بحكم نظرية "الفعل ورد الفعل" ، أما في المغرب العربي فقد مارست فرنسا المحاباة للأقليات الزنجية في موريتانيا مثلا ، على حساب الأغلبية العربية ، ففتحوا لهم أبواب التعليم في المدارس الفرنسية ، و التي أهلتهم لتسلم المناصب الإدارية في الدولة والخدمية العامة ، حتى أصبحت نسبتهم في الوظائف السياسية والاقتصادية عشية الاستقلال أكثر من نسبتهم العددية ، كما مارست فرنسا التفرقة بين البربر ( الشلحة ) ، والعرب ، في المغرب والجزائر ، وعملت بريطانيا على التفرقة بين المسلمين والأقباط في مصر ، وبين العرب والزنوج في السودان ، أيضا عملت إيطاليا على استثارة القبائل في ليبيا ضد بعضها إبان الحكم الفاشي لها ، وعملت الدوائر الشيوعية التي كانت مركزها موسكو منذ ثورة أكتوبر الاشتراكية 1917 ، على محاولة السيطرة على العالم من خلال عملائها منتسبي الأحزاب الشيوعية التي كانت عبارة عن فروع للكومترن ، وقد أكد جدانوف منذ عام 1926 عن وجود معسكرين لا ثالث لهما في العالم ، وإن على الدول الأخرى أن تسودها الأيديولوجية الشيوعية ، لكن في مؤتمر الحزب الشيوعي العشرين 1956 رحب خروشوف ، بظهور منظمة مسالمة تتألف من البلدان التي لا تتبع أحد المعسكرين والتي أعلنت حيادها عنها ، لكن كان حياداً اسميا وغير واقعي ، رغم ادعاها ذلك فواقعياً عمل الاتحاد السوفيتي سابقاً، على استمالة حكومات هذه الدول تمهيداً لنشر أيديولوجيته، من خلال الأحزاب الشيوعية الموجودة في هذه الدول ، حتى أنه قد دعم حكوماتها الوطنية ، في المواقف التي لا تتعارض مع سياسته الخارجية ، بحيث يمهد الطريق لحكومات مولية له ، ثم ظهر الخلاف بين موسكو وبكين حول دعم هذه الأنظمة ، فرأى الاتحاد السوفيتي التضحية بالأحزاب الشيوعية لصالح الأحزاب القومية في البلدان المتخلفة ، لصالح سياسته الخارجية، بينما رأت بكين ضرورة الصراع الطبقي بالطرق الديكتاتورية التوليتارية لتحقيق المبادئ الماركسية، رغم أن النموذجين الصيني والسوفيتي يعتبران الأكثر إغراءاً لأنظمة الدول المتخلفة ، لأنه يضع مثقفيهم في القيادة ويعطيهم السلطة المطلقة في الحكم ، كما أن هذين النموذجين يحملان التخلف والمجاعة وانعدام الحقوق الإنسانية، فوصولهما إلى السلطة يعني انهيار الاقتصاد وتدني مستوى المعيشة ، وسلب الحقوق المدنية ، وأما المساعدات التي تقدمها الحكومات الشيوعية للحركات المناوئة للحكومات المتقاربة مع الغرب ، باسم مساعدات حركات التحرر العالمية ، ليست سوى هدفاً لإقامة حكومات موالية لها في بلدان تلك الحركات ، فتغلغل جهاز المخابرات السوفيتية كي جي بي في كل سفارات الاتحاد السوفيتي و الدول التابعة له ، دليلاً أن هدفه الأساسي هو جعل الحكومات الموجودة فيها تلك السفارات تسير في فلكه ، ففي عام 1977 كان عدد دبلوماسيي السوفيت في السفارة السوفيتية في طهران خمسين دبلوماسيا، بينهم خمسة عشرة من الكي جي بي ، واثني عشر من المخابرات العسكرية ، وثلاث وعشرون دبلوماسي أصلي فقط ، كما أن علاقات هذه السفارات أكثر ما تكون متناسقة مع الأحزاب الشيوعية للقيام بالعمليات السرية وتبرز أهم أعمالها وعملياتها السرية في المناطق المهمة من العالم ، والتي تشكل له مناطق استراتيجية ، وقد حاول السيطرة عليها إبان حربه الباردة مع العالم الغربي الرأسمالي ، فتكمن أهمية منطقة الشرق الأوسط بالنسبة له:
1- الأهمية الجيوبوليتكية : أي أهمية الموقع الجغرافي لتلك المنطقة بالنسبة للمناطق الأخرى من العالم ، فأكد هالفورد ماكيندر أن الشرق الأوسط يمثل قلب العالم ومن يسيطر على هذه المنطقة ، لابد له من السيطرة على العالم ، وتعتبر هذه النظرية تأكيدا لمقررات لجنة بنرمان البريطانية حول الشرق الأوسط.
2- الأهمية الاستراتيجية ، من طرق المواصلات ، وقوة بشرية والاكتفاء الذاتي في مصادر الطاقة والوقود اللازمة للعمليات الحربية .
3- الأهمية الاقتصادية ، من البترول و الغاز الطبيعي ، كون الشرق الأوسط يحتوي على 63 % من احتياطي البترول العالمي ، فتنتج منطقة الخليج فقط ، ثمانية ملايين برميل يومياً ، وهذا يعادل 20% من الإنتاج العالمي ، وقرب هذه المنطقة من السوق الأوربية، وانخفاض تكاليف الإنتاج وأسعاره وميزته النوعية سواء كان خفيف أو متوسط أو ثقيل .
لذلك عمل السوفييت على إذكاء التوترات الإقليمية، والحروب الأهلية بهدف فتح أسواق لتصريف أسلحتهم المنسقة ، منذ الحرب العالمية الثانية ، واستنزاف الأرصدة النقدية لهذه الدول من خلال الاتفاقيات العسكرية معها ، حيث شملت مصالح وأهداف الاستراتيجية السوفيتية على النطاق العالمي خلال فترة الحرب الباردة ما يلي:
1- الوصول للمياه الدافئة ، وفك الحصار الغربي للمضايق الاستراتيجية .
2- تأمين وجود عسكري سوفيتي دائم في المنطقة .
1- تحطيم الحزام الشمالي ، لإبعاد مصادر التهديد الغربي عنهم من خلال إقامة مناطق نفوذ سوفيتية على امتداد حدودهم .
2- محاولة تطويق حلف شمال الأطلسي ( الناتو ) من خلال أحكام سيطرتهم على بعض المناطق في إفريقيا وآسيا .
3- إتباع استراتيجية الحرمان للدول الغربية من الموارد النفطية في الشرق الأوسط ، بما يضمن سيطرة السوفييت على عصب الحياة والصناعة التكنولوجيا الغربية .
4- فتح أسواق جديدة لهم في تلك الدول للحصول على العملة الصعبة .
5- محاولة ربط النظم الاقتصادية في هذه المناطق بالنظام الاقتصادي الشيوعي ، من خلال إبرام اتفاقيات ومشاريع اقتصادية في المنطقة .
6- إقامة نظم حكم موالية لهم ، في المنطقة ، بهدف توسيع دائرة النفوذ السوفيتي فيها ، وإثبات وجوده كقوة عظمى مؤثرة على المنطقة .
7- الحيلولة دون إقامة أي قوة استراتيجية كبرى على حدودهم أو قريبة منهم ، وهذا ما يفسر معاداتهم لجميع المشاريع الوحدوية العربية ، خاصة مشروعي الهلال الخصيب أو سوريا الكبرى .
10-العمل على نشر أيديولوجيتهم الشيوعية ، من خلال الأحزاب الشيوعية وتقويتها أو بالانخراط في أجهزة الدولة من قبل أعضاء شيوعيين ، حيث يعتبر أي حزب شيوعي في العالم ، عميل للاتحاد السوفيتي سابقا ، وكانت تستخدمه الحكومة السوفيتية في أعمال التجسس ، إضافة إلى سفاراتها وسفارات حلفائها التي تتغلغل فيها ال كي جي بي ، التي هي وريثة الجهاز السري تشيكا المنشأ منذ عام 1917 وكان قوة أمن إرهابية متشددة ، قام بعمليات تصفية جسدية متسمة بالقسوة ضد المدنيين ، وكانت تستخدم 20% من الشعب الروسي في عهد ستالين ، لتزويدها بالتقارير ، وخلال الحرب العالمية الثانية انقسمت إلى جهازين هما ال KGB التي اختصت بعمليات التجسس والأمن على المستوي العالمي ،وMFD المتعلقة بأمن الدولة على المستويات العليا ، وقد استخدمت السياسة السوفيتية عدة مصطلحات في وصف سياستها مثل إذابة الجليد،سياسة التعايش، الأزمات الحكومية
ولتنفيذ الاستراتيجية السوفيتية اتبع الاتحاد السوفياتي عدة خطوط لإنجاح سياسته وتمثلت بـ:
1- تعزيز الأنظمة المعادية للغرب .
2- الحصول من هذه الأنظمة على تسهيلات عسكرية .
3- استغلال أخطاء ومعضلات السياسة الأمريكية في المنطقة .
4- العمل للعب دور الحكم في الصدمات الإقليمية .
5- تشجيع الحركات التحررية الوطنية للقوى اليسارية الراديكالية ، بهدف إضعاف الحكومات الموالية للغرب .
6- الوقوف في وجه محاولات الولايات المتحدة الهادفة إلى فرض ، صيغ تتلاءم مع المصالح الاستراتيجية الأمريكية ، كحلول للصراعات الإقليمية المختلفة .
ثم عمل الاتحاد السوفياتي على دعم هذه الخطوات من خلال بعض الإجراءات التي كان أهمها :
1. المعونات العسكرية والمساعدات الاقتصادية للدول التي تتبني سياسته .
2. عقده لعدد من المعاهدات مثل معاهدات الصداقة والتعاون وغيرها بحيث تكون طويلة الأمد.
3. الدعم الدبلوماسي في المنتديات الدولية مثل الأمم المتحدة أو مؤتمر جنيف لتسوية النزاع العربي الإسرائيلي .
فالشيوعية السوفيتية لها تاريخ طويل في العمليات القذرة في الدول خارج نطاقها ، منذ ثورتها عام 1917 وحتى سقوطها عام 1989 ، حيث عملت على تنصيب حكومات موالية لها سواءاً كانت شيوعية أم فاشية ، ففي أوربا كان الماريشال منرهاليم الموالي لها ، في فنلندا ، وبلسودسكي في بولندا ، والأدميرال هورثي في المجر ، والجنرال ساليزار في البرتغال ، والجنرال فرانكو في أسبانيا والفاشية في إيطاليا عام 1922 والحكم العسكري في اليونان 1967 ، وكاسترو في كوبا عام 1962 ، وغيرها من دول العالم ، وكل ذلك من خلال استراتيجيتها وخطواتها السالفة الذكر ،وتتمثل العلاقة بين الأحزاب الشيوعية في دول العالم مع الحزب الشيوعي في موسكو ، باللقاءات الدائمة والدورية ، وتلقى الأوامر من فوق أي من الحزب الشيوعي السوفياتي ، حيث كان يتم استقبال وفودهم في الاتحاد السوفياتي سابقا بوصفهم من كبار الضيوف ، فيحصلون على تقارير خاصة، حيث شهد المؤتمر الحادي والعشرين الذي انعقد عام 1949 اهتماما خاصا ، فطلب منهم التقليل من شأن الماركسية والشيوعية وعلاقتهم بموسكو ، ودعم صفوفهم بالدعوة للوعي القومي ، مع استخدام الشعارات المناهضة للولايات المتحدة ، وذلك لتضليل العالم ، رغم أن الشعارات والدعاية التي كانوا يقومون بها منذ ما قبل ثورة أكتوبر 1917، لم تجعل أي من شعوب العالم تقبل بأيديولوجيتهم باستثناء كمونة باريس 1848 ، والتي لم تكن سوى أقلية قام بها مؤيدو نظرية ماركس ، وسحقت على الفور ، ومما يدل على أن الشعب الروسي كان رافضا لهذه الأيديولوجية وأنها فرضت عليه بالقوة والإكراه ، أن الانتخابات الروسية التي جرت قبيل ثورة أكتوبر عام 1917 ، وكانت قبل أشهر من قيام الثورة أسفرت عن 36 مليون ناخب صوتوا لهذه الانتخابات، ولم يحصل البلشفيك سوى على أقل من ربع المقاعد ، فاحتلوا ( 175 ) مقعدا ًمن مقاعد الجمعية البالغ عددهم (707) مقعد ، و على ذلك فإن أيديولوجية البلشفيك مرفوضة حتى ضمن البلاد التي دعت لنشرها، وحتى داخل البلاد التي ولدت فيها وهي ألمانيا ، حيث دفع الشعب الروسي عشرات الملايين من الضحايا بسببها ، ودفع العالم أيضا عشرات الملايين أيضا،وفي ذلك يقول أنتوني إيدن: " مع الديكتاتوريات يتعين على الشعب دائماً دفع ثمن أعلى في وقت لاحق لأن شهيتهم تزداد مع الأكل " .

أما تأثير الولايات المتحدة على الأحداث في العالم فيفوق تأثير الاتحاد السوفياتي ، كونها تقود عدداً من الأحلاف في مناطق مختلفة من العالم ، خلال فترة الحرب الباردة ، خاصة أنها وحلفاءها يعتبرون الأغنى في العالم ، فرغم خروج الولايات المتحدة من الحرب العالمية الثانية فاقدة الانفراد بالهيمنة الصناعية والمالية، بعد أن وصلت ميزانيتها في أعقاب الحرب العالمية الأولى إلى نصف ميزانية العالم بأجمعه ، ولهذا السبب عملت الولايات المتحدة بعد خروجها منتصرة من الحرب العالمية الثانية على العمل لتحقيق واستمرار تفوقها التكنولوجي العسكري ، و على سيطرتها على موارد الطاقة و النفط في العالم ، كونها عصب الصناعة في العالم الرأسمالي ، فكانت استراتيجيتها، إن أي تهديد لهذين المجالين سيدفعها لحرب إقليمية أو عالمية ، فكانت أهم مصالحها خلال الحرب الباردة ما يلي:
1- احتواء امتداد النفوذ السوفيتي في المنطقة .
2- دعم سيادة إسرائيل و أمنها .
3- الحصول على النفط بأسعار معقولة من الخليج وشمال إفريقيا .
4- استقرار الدول العربية وغيرها من الدول الإقليمية الصديقة ، التي كانت تسهيلاتها العسكرية ، ودعمها السياسي أمرين ضروريين لاحتواء الاتحاد السوفياتي .
5- الوصول إلى المنطقة العربية لضمان التجارة العالمية .
لذلك عملت الولايات المتحدة من خلال مؤامراتها السرية أي عملياتها القذرة على ضمان تحقيق هذه الأهداف ، ففي قضية الشرق الأوسط مثلا تمتزج فعاليات وكالة المخابرات الأمريكية السي أي إيه ، مع الموساد الإسرائيلي ، مع تسخير النظام الأردني والنظام السعودي لتحقيق هذه المصالح ، فقد كان بعض أركان النظام الأردني لهم مرتبا ثابتا من الوكالة ، التي تعتبر إحدى وسائل تحقيق السياسة الخارجية للولايات المتحدة ، فأكد فيكتور مارشتيني وجون ماركس في كتابهما "وكالة المخابرات المركزية وعبادة المخابرات" عام 1974 أن العمليات المغطاة في الدول الأخرى تشمل :
1- تقديم النصح والمشورة السياسية .
2- تقديم الدعم لأفراد بعينهم .
3- توفير المعاونة المالية والفنية لجماعات بعينها .
4- نشر الدعاية الخفية والسرية .
5- التدريب الخاص للأفراد على عمليات معينة .
6- ترتيب عمليات اقتصادية ومالية.
7- دعم المنظمات الخاصة الموالية من نقابات أو شركات أو اتحادات أو تعاونيات ..
8- القيام بعمليات سياسية وشبه عسكرية لإسقاط نظام ما .
9- دعم نظام آخر .
وقد تشكلت لجنة من الكونجرس الأمريكي، في منتصف السبعينات لدراسة الأنشطة السرية التي تقوم بها الوكالة المركزية السي أي إيه ، حيث عرفت هذه اللجنة العمليات المغطاة بأنها : " النشاط الذي يجري بصورة سرية ، بهدف التأثير على الحكومات أو الأحداث أو المنظمات أو الأفراد ، في دولة أجنبية ، أو الأفراد ، في دولة أجنبية ، لصالح السياسة الخارجية للولايات المتحدة ، بحيث لا يكون تورط الحكومة الأمريكية ، في دولة أجنبية ، لصالح السياسة الخارجية للولايات المتحدة، بحيث لا يكون تورط الحكومة الأمريكية ظاهراًً للعيان " ، فالوكالة تقدم للعملاء المحليين الأموال والتعليمات والمعدات والمعلومات ليتمكنوا من إنجاز المهمة دون ظهور أي أصابع للوكالة حيال هذه العمليات التي تشمل ما يلي :
1- خطاب مسموم أو رسالة ناسفة لشخص ما .
2- حشد الجيوش في ميدان القتال .
3- التلاعب بالأحزاب السياسية لدعم بعضها وشق صفوف البعض الآخر .
4- التأثير على النقابات العمالية والمهنية والأكاديمية والاتحادات الطلابية .
5- دعم حكومة ما .
6- تفويض حكومات أخرى وإسقاطها .
7- اغتيالات سياسية .
8- إضعاف أو تقوية الأفراد والمؤسسات ، سواءاً كانت حكومات أم مؤسسات خاصة ، لتحقيق مصالح يتصورها قادة الوكالة .
وهذه المهمات ينجزها عملاءها الذين تحركهم من خلال سفاراتها وقنصلياتها ومكاتبها وأشخاصها في الخارج، فيتم التجسس من خلال عملائها على حكومة البلد المعني ، والمؤسسات المحلية كالنقابات وأجهزة الإعلام والتجسس على سفارات الدول الأخرى ، واختراق الأجهزة الأمنية والعسكرية ، وتجنيد العملاء فيها ،
فلا أهمية لمبادئ الحرية والديمقراطية في البلدان المتخلفة أو المحافظة عليها من وجهة النظر الأمريكية ، لأن المهم ارتباط هذه الدول بالولايات المتحدة وحلفاءها فقط ، وعند هذه الحالة تعمل الولايات المتحدة على تحقيق استقرار هذا البلد ، فقد تعمد الوكالة على استخدام ممثلين لتمثيل أدوار فاضحة ، من أجل إسقاط الزعماء على أساس أن هؤلاء الزعماء الذين يثق بهم شعبهم، ليسوا سوى شخصيات مشبوهة ومتورطة وفاسدة ، ثم يوزعون هذه الصور والأقلام على هذه الشعوب ، وقد يتعاونون مع رجال المافيا وعصابات الجريمة المنظمة ، مستخدمين التضليل والتلاعب بالأنباء والأخبار الصحفية والإعلام والدعاية السوداء ، بسبب سيطرتهم على العديد من الصحف ووكالات الأنباء والمحطات الفضائية ، والمجلات ، والوكالات التابعة لها في منتصف السبعينات وصلت إلى 200 وحدة ، كما يكون لها عملاء داخل الوكالات والصحف الأخرى ، فعلى سبيل المثال ، كان دور الوكالة في دول المغرب العربي ، هو إضعاف التوجه الوحدوي ، وانحسار المد الثوري بين الجماهير وإضعافه ، والتعاون مع الاحتلال الفرنسي في مجال ترسيخ الانقسامات في هذه البلدان ، واستخدام الضغوط الاقتصادية كأداة سياسية رئيسية من خلال البنك الدولي ، وصندوق النقد الدولي ، والدول المانحة للمعونات ، التي تمارس ، تأثيرها لضمان أن يسير التطور في هذه البلدان في خطوط منفصلة عن بعضها البعض ، بحيث يبقى اقتصاد إقليم هذه الدول في حالة من التفتيت والضعف ، وفي ذلك يقول البروفسور لامارشان( )أستاذ العلوم السياسية بجامعة فلوريدا : " أن وكالة المخابرات المركزية ليست مجرد مصنع للجواسيس ، بل إنها مؤسسة سياسية تترك من خلال أنشطتها وأساليبها ، وبدرجات متفاوتة ، تأثيراً سلبياً على مسيرة تطور بلدان العالم الثالث " .
لذلك عملت الولايات المتحدة ( ) على تقوية التناقضات والنزاعات بين الأجيال من خلال إضعاف التعليم والاتصالات الثقافية والعلمية في الدول المتخلفة، ذلك لأنها تخلق الطموحات بين أفراد هذه الدول فالإستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط مثلاً ، يوضحها زبغينيو برجنسكي بقوله :
" إن مصر والساحل السوري لا يدخلان ضمن إطار العروبة ، فالعروبة تشمل فقط الداخل السوري، إضافة إلى الجزيرة العربية، وما الشرق الأوسط سوى جماعات عرقية ودينية مختلفة ، يجمعها إطار إقليمي ، لذلك فيجب أن تتحول إلى كانتونات طائفية ، وعرقية ، يجمعها ، إطار إقليمي ( كونفدرالية ) وهذا الإطار سيسمح للكانتون الإسرائيلي اليهودي في العيش في المنطقة ، بعد أن تصفى فكرة القومية والوحدة العربية، وما يتطلب تحقيقهما من ضرورة تحرير الأرض ، وتحقيق الاستقلال ".

وهذا ما يفسر تركيز الولايات المتحدة على مسألة الأقليات لجعلها تتسبب في عدم استقرار الشرق الأوسط، فعلى سبيل المثال ، الانتماء الطائفي للنظام السوري بعد 1971 يجعل أن هناك هوة كبيرة بين الحاكم والمحكوم ، فتصبح العلاقة بين تابع مسيطر عليه ، ومتبوع مسيطر ، مما يؤثر سلباً على الاستقرار السياسي في سوريا، كما عمدت الولايات المتحدة في ظل الحرب الباردة على تأسيس جهاز السافاك
الإيراني ، باعتبار أن الشاه محمد رضا بهلوي كان مواليا للولايات المتحدة، فكان هذا الجهاز الذي يمثل جهاز المخابرات الإيراني قد دمج عمله منذ تأسيسه عام 1956 مع المجموعة الدولية ( ترايدنت ) ، التي تضم في عضويتها الموساد والسي أي إيه والمخابرات التركية ، فكان تأسيس جهاز السافاك ومن ثم مجموعة ترايدنت بسبب ما أصاب مصالح الولايات المتحدة عقب انقلاب الدكتور محمد مصدق في إيران عام 1951 ، حيث أسقطته بعد ذلك في انقلاب مضاد متعاون مع السي أي إيه عام 1953 ، وأعيد بموجب ذلك الشاه الموالي للولايات المتحدة إلى حكم إيران ، وعند ما انتهت الأوراق التي يلعب بها الشاه انتهي بالتالي دوره بالنسبة للولايات المتحدة ، فعملت على إسقاطه من خلال انقلاب روح الله الخميني عام 1978 ، و كان معظم أتباع الخميني يعيشون في الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا ، كما شجع الرئيس الأمريكي جيمي كارتر المعارضة بشكل غير مباشر ، ومنع الشاه من استخدام القوة ضد المعارضة ، بحجة الحقوق الإنسانية ، وأعادت السي أي إيه ، العناصر الموالية للخميني من الولايات المتحدة إلى إيران ، فكانت الولايات المتحدة تلعب بورقتي الشاه من جهة والخميني من جهة أخرى ، وقد أبقى الخميني بعد ذلك جهاز السافاك كما هو، بعد أن أعدم عدداً من قياداته ، وأحل محلهم أتباع النظام الجديد ، وكان الإعلام الغربي قد لجأ إبان انقلاب الخميني إلى نشر أخبار الخميني ولجوءه إلى فرنسا من خلال إذاعة البي بي سي وإذاعة صوت أمريكا ، كما عملت الشركات الغربية على توزيع الأشرطة لخطبه ، حتى أصبح الرأي العام العالمي مؤيداً للخميني ، مع عدم إتاحة المجال للشاه للرد على الاتهامات الموجهة إليه ، وفي 5 نوفمبر 1978 عندما أعلن الخميني الثورة على الشاه من منفاه في فرنسا ، واندلعت المظاهرات وأعمال الشغب ، لم يتحرك الجيش أو الأمن لقمع المظاهرات، بل على العكس من ذلك فقد أيدت بعض قطاعات الجيش الانقلاب ضد الشاه ، وهذا النموذج لتدخل الولايات المتحدة في انقلاب الخميني ، لم يكن النموذج الوحيد ، فقد كانت دول أمريكا اللاتينية مسرحا للكثير من الانقلابات ، و ذلك خلال مراحل نشوء هذه الدول ، خاصة في النصف الثاني من القرن العشرين ، فكان الانقلاب الفاشي ضد الرئيس الليندي وحكومي الوحدة الشعبية في تشيلي ، والانقلاب ضد الرئيس أربيز في غواتيمالا أيضا والكثير من الانقلابات في آسيا ، مثل الانقلاب ضد سيهانوك في كمبوديا ، أيضا في أوربا مثل انقلاب الكولونيلات في اليونان ، فكانت هذه الانقلابات وكثير غيرها ، ومن صنع السي أي إيه ، ووكلائها وعملائها وكانت بياناتها كلها قريبة من المعني نفسه ، فأعلنت جميعها أنها سوف تقضى على مواقع الامبريإلية والاحتكارات الأجنبية الكبرى، وستقوم بإصلاحات اجتماعية واقتصادية تقدمية ، لكن التطورات اللاحقة برهنت عكس ذلك .
ولا يمكن لانقلاب تدعمه السي أي إيه ، بدون أن تكون له عوامل داخلية تسخرها الوكالة وتستفيد منها لتحقيق الانقلاب وأهم هذه العوامل هي :
1- الظروف المحيطة بانقلاب مثل التذمر الشعبي ، وأعمال الشغب .. الخ
2- ما الذي خلق الوضع الذي اعتبر فيه الانقلاب ضروريا ؟ ( سياسة تحريرية، محاولة اندماج مع دولة أخرى ... الخ )
3- ما هي العوامل المسهلة للانقلاب ؟ ( معارضة سياسية ، أزمة اقتصادية )
4- ما هي أهداف الانقلاب ومن هي الفئات والطبقات المستفيدة منه ؟ .
وتقوم الوكالة في بعض الحالات باصطناع أزمات داخلية أو خارجية لإفساح المجال أمام التغيير في الدولة المفترض قيام التغيير فيها ، فقد أكد هيدربك سميث أن السي أي إيه قد خططت لاغتيال الرئيس الفيتتامي الجنوبي دييم الموالي لها ، بسبب إخفاقاته وعزلته السياسية ، فضحت به ، من خلال تعاونها مع الجنرالات الذين قاموا ضده، و زودتهم بمعلومات حيوية عن أسلحة ومعسكرات القوات الموالية له ، وأكد هذه العملية بوثائق رسمية موثوقة ، وقد بررت الولايات المتحدة الانقلابات التي قامت بها السي أي إيه ، من خلال أحد أعضائها في فترة منتصف الخمسينات وهو مايلز كوبلاند(2)، الذي رأى بأنها جاءت لاستبدال إطارات السلطة التقليدية المتخلفة والضعيفة ، من خلال حكام سلطويين ديكتاتوريين يدعون شعارات ثورية وتقدميه ، للجم الحركات الشعبية وإقامة مؤسسات ديماغوغية على الصعيد السياسي ، مدعومين بأجهزة القمع والمخابرات بما يحقق مخططات الإمبريالية الأمريكية ، بشكل غير مباشر يتسم بالذكاء، وهذا ما يفسر استدراجهم للضباط الذين يوفدون للخارج من البلدان المتخلفة ، وغسل أدمغتهم بحيث يؤيدون سياستها ، وأي عمل أو اقتراح لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية السي أي إيه مثل الإعانات للقادة السياسيين الأجانب ، والأحزاب السياسية والمطبوعات والتدخل في الانتخابات ، ونشاطات الدعاية الرئيسية ، والعمليات شبه العسكرية ، كل ذلك يجب موافقة الرئيس الأمريكي عليه أو لجنة الأربعين التي يرأسها هنري كيسنجر ، ويرى البعض أن منطق الانقلابات العسكرية جاء ثمرة لنظرية أمريكية نشأت بسبب يأس الولايات المتحدة في جنوب شرق أسيا وفيتنام ، حيث تقول نظريتهم حول ذلك: " إن العالم الثالث متخلف إلى حد أن الديمقراطية فيه فاشلة حتما ، وان الحكم الوحيد الذي يمكن أن يكافح الفساد ويوقف المد اليساري، هو حكم الجيوش ، لأن الجيش هو المؤسسة النظيفة الوحيدة في هذه الدول ، وهو القادر على أن يبقي وحدة الأمم بنظامه الصارم " ، وهذا ما حذا بماركيني وجون ماركس إلى القول في ذلك : " إن وكالة المخابرات المركزية ليست محور منظومة المخابرات الواسعة للولايات المتحدة ، ولا مديرها هو الرأس ، فالوكالة التي تبدو فاتنة وسرية بشكل لا سبيل لتغييره هي جزء من اتحاد متكامل أكبر بكثير ، عليه البنتاغون ، مثل وكالة الأمن القومي (NSA ) ووكالة مخابرات الدفاع ( DIA ) ، والمكتب الفيدرالي للتحقيق .. الخ وأن المهمة الرئيسية لوكالة المخابرات ، هي أن تدير سياسة الحكومة الخارجية السرية " .
وتتشابه السي أي إيه مع الكي جي بي، في أنها أيضا ولدت من منظمة أخرى، وهي مكتب الخدمات الاستراتيجي ( USS )، التي انقسمت إلى جزأين عام 1947 هما السي أي إيه ومهمتها مكافحة المخابرات خارج الولايات المتحدة، وال ( FBI ) ، وهو مكتب التحقيقات الفيدرالي الذي يراقب الأنشطة المعادية للولايات المتحدة في الداخل ، ولا يقتصر تجسس الولايات المتحدة على أعدائها بل يشمل أصدقائها وحلفاءها أيضا ، لأن السياسة الخارجية متبدلة ، فقد يصبح العدو صديقا ، والصديق عدواً في مراحل تالية ، وأيضا لا يقتصر تجسس الولايات المتحدة على أجهزتها بل تتعداه إلى جمع المعلومات من خلال سفارات الدول المؤيدة والحليفة لها ، وقد زار الرئيس الأمريكي جون كنيدي في نوفمبر 1961 مقرها الجديد ، لافتتاحه وتوديع ألن فوستر دلاس كمدير لها ، فقال فيها : " إن نجاحكم لا يسمع به أحد ، أما فشلكم فتقرع له الطبول ، وهذا يعود لسبب واضح، وهو أنه لا يمكن الكشف عن العمليات الناجحة أما العمليات الفاشلة ، فهي عادة ما تفضح نفسها " ، وتجدر الإشارة إلى أن مكاتب الأمن في كافة الهيئات مثل وزارة الدفاع البنتاغون، والخارجية ، والقوات المسلحة ، ووكالة الأمن القومي ، وهيئة الطاقة الذرية والسي أي إيه ، تعمل جميعها على التشاور وتبادل الخبرات لتحقيق أهداف السياسة الخارجية للولايات المتحدة .
فالتدخلات الخارجية ، وتغيرات البيئة الدولية مثل علاقة المعسكرين ببعضها ، ساهمت إلى حد بعيد، بعدم استقرار الدول المتخلفة ، وخاصة التي كانت خاضعة للاستعمار التقليدي قبل الحرب العالمية الثانية ، لكنها بعد الحرب العالمية الثانية نالت استقلالها لكن في ظل هيمنة دول المعسكر الشيوعي أو الرأسمالي ، فكان استقرار هذه الدول المتخلفة رهين تصارع هذين القطبين ، إضافة إلى التدخلات الإقليمية بين الدول المجاورة نفسها بحكم مصالحها .

مراجع البحث :

•أمين هويدي ،" العسكرة والأمن في الشرق الأوسط،تأثيراتها على التنمية والديمقراطية "،بيروت، دار الشروق،1991، ص21 . ص 103 .
•اسحق دويتشر،" روسيا بعد ستالين "، ترجمة مصطفي الفقير ، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، 1979 ، ص 13 .
•جاك ووديز ، "الجيوش والسياسة"، ترجمة : عبد الحميد عبد الله، (بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، 1982).، ص 55 – 57 . ص 13 . ص 11 ، ص 59 .ص 62 ، ص 67 .
•عبد الرحمن خليفة ، "أيديولوجية الصراع السياسي"، (القاهرة: دار المعرفة الجامعية، 1999).ص 19-20 ، ص 229 ، ص 235 . ص 173 .ص ص 244 – 246 .
•خلدون حسن النقيب ، "الدولة التسلطية في المشرق العربي المعاصر" ، ، ط2، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1996).، ص 19-20 ، ص 29 – 33. ص 345 .
•محمد زاهي المغيربي ، " التنمية السياسية والسياسة المقارنة : قراءات مختارة ، " بنغازي، منشورات جامعة قاريونس،1998 ، ص 15 . ص 115 .

•خلدون حسن النقيب ، "في البدء كان الصراع"، (بيروت: دار الساقي، 1997).ص 185 ، ص 349 ص 352 .

•نيفين عبد المنعم مسعد " الأقليات و الاستقرار السياسي في الوطن العربي " ، (القاهرة: مركز البحوث والدراسات السياسية في جامعة القاهرة، 1988).، ص 44 – 45 .
•محمد طلب هلال ، " دراسة عن محافظة الجزيرة من النواحي القومية والاجتماعية والسياسية ( وثيقة ) ، بيروت ، دار كاوا للنشر والتوزيع ، 2001 ، ص 28 – 29 .
•برهان غليون، "نظام الطائفية من الدولة إلى القبيلة "، مصدر سابق ذكره ، ص 117 .
•محمود صادق ، " حوار حول سوريا " لندن ، دار عكاظ ، 1993 ، ص 14 .
•برهان غليون ، " نظام الطائفية من الدولة إلى القبيلة " ، (بيروت: المركز الثقافي العربي، 1990).، ص 132 .
•فيبي ماروو ليم لويس ( تحرير ) ، "امتطاء النمر: تحدي الشرق الأوسط بعد الحرب الباردة"، ترجمة : عبد الله جمعة الحاج، (أبو ظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية، 1995).، ص 251 . ص 12 –13 .
•طيب تيزيني ، " حول مشكلات الثورة والثقافة في العالم الثالث " ، دمشق ، دار دمشق للطباعة والنشر ، ص 5 . ص 26 – 27 .
•سمير أمين ، " الطبقة والأمة في التاريخ وفي المرحلة الإمبريالية، ترجمة هنري عبودي، (بيروت، دار الطليعة للطباعة والنشر، 1980).، ص 20 .
•منيف الرزاز ، "الحرية ومشكلاتها في البلدان المتخلفة" ، بيروت، دار العلم للملايين ، 1969 ، ص 50 – 51 .
•ممدوح محمود مصطفي منصور ، " الصراع الأمريكي، السوفياتي في الشرق الأوسط ، " ، القاهرة ، مكتبة مدبولي ، 1995 ، ص 49 – 62 . ص 49 – 62 .ص 97 – 102 .
•موريس دوفرحية ، "في الديكتاتورية"، ترجمة: هشام متولي، (بيروت: منشورات عويدات، 1989). ص 75 .
•محمود حسين ، "الصراع الطبقي في مصر من 1945 إلى 1970"، (بيروت: دار الطليعة، 1971).ص 250 .
•أمين مصطفي ، "العلاقات الأمريكية، الصهيونية "، بيروت ، دار الهادي ، 1993 ، ص 15-17 .
•عزيز الحاج ، "القضية الكردية في العشرينات"، بيروت ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، 1984 ، ص 36 ، ص 47
•غسان سلامة ، "المجتمع والدولة في المشرق العربي"، ط2 ، بيروت ، مركز دراسات الوحدة العربية ، 1996 ، ص 67 .
•أديث وائي ، إيف ، بينروز، " العراق ، دراسة في علاقاته الخارجية وتطوراته الداخلية ، 1915 – 1975 ، " ترجمة عبد المجيد حسيب القيسي ، ج ، بيروت 1989 ، ص 25 .
•عبد السلام إبراهيم بغدادي ، " الوحدة الوطنية ومشكلة الأقليات في إفريقيا " ، مصدر سابق ذكره، ص 199 .
•جون كاوتسكي، التحولات السياسية في البلدان المتخلفة ، مصدر سابق ذكره ، ص 115 ، ص 120 ، ص 121 ، 109 .
•فلاديميركوزيشكن ، " المخابرات السوفياتية من الداخل " ، ترجمة ونشر شركة اورينتال هاوس للخدمات الإعلامية ، قبرص ، 1991 ، ص 48 ، ص 135 .ص 151.
•ألن دلاس،" كنت رئيساً للسي أي أيه،"ترجمة علاء الأعصر، بيروت، دار الشروق للنشر والتوزيع،1990 ، ص 81، ص199، ص 104 ، ص 15 ، ص 31 ، ص 53 . ص 207 . ص 104 ، ص 54 .ص 335 .ص 235 . ص 27 .
•قاسم محمد جعفر ، "سوريا والاتحاد السوفياتي"، " لندن ،منشورات رياض الريس للكتب والنشر " ، 1986 ، ص 15 – 17 .
•بوب ودوارد ، " الهدف : الشرق الأوسط : الحروب السرية للمخابرات المركزية الأمريكية ،" ترجمة : سامي الرزاز ، القاهرة ، 1990 ، ص 77 – 82 ، ص 105 – 106 ، 119 – 157 .ص 154 – 163 .ص 171 .
•زبغينيو برجنسكي "بين عصرين، أمريكا والعصر التكنتروني"، ترجمة : محجوب عمر، (بيروت: دار الطليعة، 1980).، ص 27 .، ص 13 – 14 .
•فولكربرتس ، " نظام الصراع في الشرق الأوسط " ، بيروت ، مركز الدراسات والبحوث والتوثيق ، 1997 ، ص 123 .
•فلاديمير كوزيشكن "المخابرات السوفياتية من الداخل"، ترجمة ونشر: شركة أورينتال هاوس للخدمات الإعلامية، (قبرص،د د ن ، 1991).، ص 181 ،ص 188 .






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,688,167,914
- انقلابات عسكرية فاشلة لكنها أدت لعدم استقرار سياسي في سوريا
- الصراع البريطاني الأيرلندي على أيرلندا الشمالية بين عامي 198 ...
- دور الجيش في عدم الاستقرار السياسي في الدولة
- السيرة الذاتية لحكام السودان منذ المهدية حتى الآن
- مفهوم عدم الاستقرار السياسي
- أثر التمايز الاجتماعي في عدم الاستقرار السياسي في الدولة( ال ...
- مفهوم عدم الاستقرار السياسي في الدولة
- علاقة صندوق النقد الدولي بالمؤساسات الاقتصادية الدولية
- من أجل وحدة الوطنية و استقرار السياسي
- الفقر فى أفريقيا: أبعاده والإستراتيجيات الموضوعة لإختزاله (ا ...


المزيد.....




- نمر "بوتين" يعيث فسادا بالصين في "غارة" ...
- مسيحيو أرتيريا ومأساتهم المغيبة !!
- صباح.. صبوحة لبنان وشحرورة العرب
- الفارك تطالب بوقف العمليات العسكرية في كولومبيا للإفراج عن ج ...
- أرتور ماس : خطة جديدة لتحقيق الانفصال في كاتالونيا
- المجر: مظاهرات احتجاجية ضد إلغاء صناديق المعاشات التقاعدية ا ...
- تمديد مفاوضات النووي الإيراني...نجاح لطهران وفشل للسياسة الأ ...
- تواصل المظاهرات المنددة بمقتل براون في فيرغسون
- لصان يفشلان في سرقة محل - Cartier - وسط باريس
- مظاهرات احتجاجية في البرتغال


المزيد.....

- النظام الأبوي الذكوري وهيمنته على المجتمع والسلطة / إبراهيم الحيدري
- في ذكرى اكتوبر - المآثر التاريخية لثورة اكتوبر الاشتراكية ال ... / سعيد مضيه
- الانتخابات التونسية و مستقبل تونس: قراءة اجتماعية- سياسية و ... / بيرم ناجي
- مساهمة أولية في نقد -الميثاق الوطني للتربية والتكوين- / حسام عزيز
- خارطة اليسار العربي - كتاب / خليل كلفت
- كتاب طرق الحصول على مقالات انجليزية حصرية 100% / اشرف خلف
- الدروس المستخلصة عربيا من مسار التحول الديمقراطي عالميا-مع ا ... / ابراهيم قلواز
- المراكز الإقليمية والفكر السياسي ( لدولة الخلافة الإسلامية ) / لطفي حاتم
-               في الدستورانية العربية الجديدة: أسئلة الهوية،ا ... / حسن طارق
- مأزق نهضة الشعوب العربية والإسلامية--السودان أنموذجاً / الشيخ محمد الشيخ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عزو محمد عبد القادر ناجي - العوامل الخارجية المؤثرة على الاستقرار السياسي