أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عدنان حسين أحمد - تمظهرات الجانب الديونيسي في تجربة الفنان علي طالب: وجوه تتفادى المجابهة، وتحتفي بالإنكفاء على الذات المُستوحدة















المزيد.....

تمظهرات الجانب الديونيسي في تجربة الفنان علي طالب: وجوه تتفادى المجابهة، وتحتفي بالإنكفاء على الذات المُستوحدة


عدنان حسين أحمد

الحوار المتمدن-العدد: 680 - 2003 / 12 / 12 - 02:50
المحور: الادب والفن
    


يحتاج المنجز التشكيلي للفنان علي طالب إلى مقاربة نقدية جديدة ومغايرة لأغلب الطروحات السابقة التي تناولت تجربته الفنية على مدى أربعة عقود تقريباً. فليس صحيحاً القول بأن لوحات الفنان علي طالب تشير من طرف خفي إلى وجود النزعة التصميمية في العمل الفني، وأكثر من ذلك فإن هذا الجانب التصميمي يوحي بأنه إفراز لعميلة عقلانية لا علاقة لها بالحدوس الثاوية، أو الإنفجارات الناجمة عن زخم الحاجات الروحية الراكسة في أعماق النفس البشرية. إن المتمعِّن في المنجز الفني لعلي طالب منذ أواسط الستينات من القرن الماضي وحتى معرضه الأخير الذي إنضوى تحت عنوان " الحب والموت " والذي أُقيم في 14-10-2003 في قاعة "De Vrije Academie  " في مدينة لاهاي الهولندية سيكتشف من دون لأْي أن " التصميم " في تجربة علي طالب هو ناتج عرضي للخبرة الفنية المتراكمة خلال مسيرته الفنية الطويلة التي تجاوزت السائد والمألوف منذ معرض " جماعة المجددين " الأول الذي أُقيم في قاعة " متحف الفن الحديث " عام 1965. وبالرغم من أهمية المقاربة النقدية التي طرحها جبرا إبراهيم جبرا مُستعيناً بنظرية سيجموند فرويد التي كانت منهمكة آنذاك في البحث عن تأويلات منطقية مُقنعة للسلوك البشري الغامض الذي كان يتأرجح بين غريزتين أساسيتين وهما " إيروس " و " ثاناتوس " أو " غريزة الضم والتوحيد " و " غريزة التدمير أو تقطيع الصلات " وإذا صحَّت هذه الخلاصة العلمية القائلة بأن " إيروس وثاناتوس هما عنصرا الكينونة، وأن كل عملية في الحياة هي مظهر من مظاهر الطاقة، وإن ما من طاقة إلا وتصدر عن توتر الأضداد، وبخاصة التوتر بين إيروس وثاناتوس. " (1) وإذا صحَّ هذا الإستنتاج فإنه يظل بمنأى عن التفاصيل الدقيقة التي كشف عنها فردريك نيتشه الذي كان يرى أن الحياة البشرية تتأرجح بين مرحلتين، أو عنصرين من عناصر الكينونة وهما الديونيسية والأبولونية، وما ينطويان على تضاد وتناقض واضحين. وهذا ما عزّزه الناقد السوري حنّا عبّود في كتابه القيِّم " الحداثة عبر التاريخ " والذي يقول توكيداً على كلام نيتشه في نظرية " العود الأبدي " بأن الحياة هي تكرار لظاهرتي الديونيسية والأبولونية، آخذين بنظر الإعتبار أن الديونيسية " تمثل " الشهوانية الجامحة " وأن الأبولونية تمثل " الروحانية المتسامية "، ويخضع كل من الديونيسية والأبولونية، لتكرار أبدي، فحين تصل إحداهما إلى أبعد مدى لها تأخذ الثانية بالظهور تدريجياً، حتى إذا ما أتمّت دورتها ووصلت إلى مرحلة النضج، تخلت هي الأخرى لنقيضها بالظهور والسيادة، وضمن الديونيسية والأبولونية، تنحصر جميع النشاطات الأدبية والفنية والموسيقية. " (2) وخشية من إلتباس القصد ينبغي التأكيد على أن الديونيسية تمثل " الأخلاق والآداب الإرستقراطية " بينما تمثل الأبولونية " الغوغاء والدهماء "، بعبارة أخرى أنهما " وجهان للسادة والعبيد ". فـ " الروحانية المتسامية " حسب مفهوم نيتشه ناجمة عن أخلاق العبد، المغلوب على أمره الذي " يريد الإنتقام من سيده، لكنه غير قادر فيلجأ إلى أدب الأخلاق المبتذلة الذي ينادي بالمحبة والأخوة والمساواة وغيرها من الشعارات الزائفة التي تخفي ضغائن كامنة سرعان ما تظهر وتفصح عن نفسها حالما يغدو العبد سيداً، والعبد لا يغدو سيداً إلا إذا تمرّد، فالتمرد بداية أخلاق السادة، والإستكانة بداية أخلاق العبيد. " (3) نخلص إلى القول إن الديونيسية كظاهرة إبداعية مرتبطة على الدوام باللاوعي، ومنبثقة في الوقت ذاته من أعماق النفس البشرية المتمردة، والمنفلتة من عقالها، والثائرة على أخلاق القطيع. خلافاً للأبولونية التي هي نتاج الوعي، وخلاصة العقل " المتحجر " الذي يقمع الغرائز، ولا يمس جوهر العاطفة الإنسانية، وهو قائم على الكذب والنفاق والمراوغة، ومحاولة كبح التشظيات المستمرة لمنجم " اللاوعي " غير المحدود. بإختصار شديد أن الجزء الأعظم من المنجز الفني لعلي طالب هو منجز ديونيسي يمكن تقصي ومضاته الذهبية النابعة من عوالمة السرّية المبهمة وشيفراته الغامضة التي تحتاج إلى رؤية نقدية صافية كي تمسك بتلابيبها، وتفك طلاسمها كي تتحقق المتعة الفنية الخالصة التي يتعذر الإمساك بها ما لم يقترن إكتشاف الشكل العصي في علاقته الجوانية المعقدة بالمضمون المراوغ. وإذا كانت الحداثة في الأدب والفن تحديداً تنحصر بالديونيسية فذلك لأنها مرتبطة بأعماق النفس البشرية، ونابعة من العواطف الإنسانية الصادقة، ومتفجرة من أقانيم اللاوعي الفردي والجمعي في آنٍ معاً. وهي بعيدة كل البعد عن القيود العقلانية الصارمة التي أفسدت العالم. من هنا نستطيع القول إن تجربة علي طالب الفنية تجد تمظهراتها في الجانب الديونيسيي. فهو يمتَّحْ أغلب ثيماته وأشكاله من خزينه اللاوعي، أو ربما من الأنماط الأولية الكامنة في هذا الخزين، ناهيك عن إفادته من الميثات والأساطير، وما ينطويان عليه من مشاعر حقيقية قد تنتمي إلى طفولة البشرية ذاتها.
• ثنائية الحب والموت، وكشف المحجوب عن منجم اللاوعي

لا يمكن دراسة التجربة الفنية لعلي طالب، أو التوقف عند معرض من معارضه الشخصية، أو حتى دراسة أي لوحة من لوحاته على إنفراد ما لم يستعن الناقد بأدوات نقدية تكشف عن ثلاثة جوانب في آنٍ معاً، وهذه الجوانب هي الجانب الجمالي، والجانب الفلسفي، والجانب النفسي. ولابد من الأخذ بعين الإعتبار أن لوحة علي طالب لا تتعامل مع موضوعة عابرة، ولا تتناول ثيمة ما عفو الخاطر، فجلَّ موضوعاته هي موضوعات كونية كبيرة على الرغم من أن بعضها ينطلق من هاجس ذاتي. ففي أي لوحة من لوحاته ثمة قيمة جمالية ناجمة عن العلاقات الداخلية التي تكوِّن متن اللوحة، بدءاً من الخطوط والألوان، ومروراً بالكتل والفراغات، وإنتهاءً باللمسات الذهبية التي تغلِّف الرموز الصريحة والمبهمة التي تكتنف عمله الفني. وإذا كان " الإنسان مقياس الأشياء " كما قال دافنشي مردِّداً  مقولة الفيلسوف اليوناني بروتاغوراس الذي يرى في الإنسان " مركزاً للكون " فإن علي طالب يجعل من " رأس الإنسان، تحديداً، مركزاً لعمله الفني " وأكثر من ذلك فإنه يشحن هذا الرأس بطاقة تعبيرية هائلة تحاول جهد إمكانها أن تحتوي على العديد من " الإنفعالات المختلطة " التي يقبع تحت هيمنتها هذا الرأس الذي وصفناه قبل قليل بأنه المحور الذي تدور حوله جزء من التجربة الفنية لعلي طالب. غير أن التلافيف البيولوجية للرأس والتي تحتوي على منطقتي الوعي واللاوعي، وما بينهما من صمّام أمان يشبه في تأدية دوره إلى حد كبير دور الحارس غير الأمين الذي يسقط في أحايين كثيرة في الغفلة أو القيلولة ليترك المجالَ واسعاً أمام إنثيالات اللاوعي وإندياحاته الصريحة، الصادقة، التي تكمن في طياتها الحقيقة الناصعة التي لا تحتاج إلى رتوش. خلاصة هذا الكلام أن اللاوعي هو مركز اللوحة عند علي طالب، لأنه بالأساس " أي اللاوعي " هو مركز الميثات والأساطير والمشاعر الحقيقية الأولى لطفولة البشرية. وبالرغم من عظمة المشاريع الكبيرة التي يتبناها الفنان علي طالب والتي تُوحي بتشبثه بموضوعات أساسية تؤطر عمله الفني إلا أن هناك إنعطافاتٍ واضحةً يمكن ملاحظتها وتتبعها في رؤيته وأسلوبه في آنٍ معاً. ولو عدنا إلى بواكير تجربته الفنية، وتتبعنا مسارها الطويل نسبياً لأكتشفنا أن هذه التجربة الثرة تعوّل على أربعة تيارات فنية معروفة. وبالرغم من أن المذاهب الفنية الأربعة التي يتبناها علي طالب في صياغة عمله الفني وهي التعبيرية، والرمزية، والسريالية، والتجريدية إلا أن أفق تجربته أوسع مدىً من أطر هذه التيارات الأربعة على أهميتها الكبيرة. أن لوحة علي طالب لا تخلو من التشخيص كما في لوحة " ثلاثة أشخاص " التي أنجزها عام 1964، ولا تتفادى المشهد الواقعي كما في لوحة " طريق " التي رسمها عام 1964 أيضاً. في عام 1965 بدأت أولى ملامح تجربته الفنية في الظهور على اللوحة، وبدأ أسلوبة يتبلور في لوحتي " ممثلان " و " طائر وعائلة ". وقبل أن ينتقل إلى التجريد هناك ثلاثة أعمال مهمة ينبغي التوقف عندها. ففي عام 1967 رسم علي طالب لوحة " حلم مهاجر فلسطيني "2×2م برز فيها الرأس الذي سيشكل لازمة تتكرر في أغلب أعماله الفنية. هذه اللوحة كانت تجسد إنطباعاً لنكسة حزيران من خلال هذا الرأس الذي ينطوي على مضامين فنية وجماليه تحمل سؤالها المعرفي، فضلاً عن تجسيد المعاناة الحقيقية للفنان نفسه الذي هاجر إلى الكويت، ولم يحتمل فكرة الهجرة أكثر من سنة واحدة فقفل عائداً إلى العراق.. أما اللوحة الأكثر أهمية بالنسبة للفنان ولتجربته الفنية هي لوحة " القافلة " التي أنجزها عام 1969 والتي عرضها في المعرض الأول لجماعة " الظل " والتي أصبح فيها الرأس أشبه بلازمة تتكرر في مجمل أعماله الفنية اللاحقة. وفي عام 1972 رسم علي طالب لوحة أسماها " النرجسية " وهي عبارة عن رأس وردة تنبثق خارجة من الفم. طوال فترة الستينات وحتى بدايات النصف الثاني من السبعينات. وبالتحديد عام 1977 حينما ذهب لمواصلة دراسته في كلية الفنون التطبيقية في مصر، تخلص من اللون الواحد ومشتقاته إلى الألوان المتعددة كما في لوحة " إنسان يغرق ". وربما بلغ التلوين ذروته في لوحة " رجل وإمرأة " عام 1978 وهي مستوحاة من النقوش الملونة لأقدام النسوة السودانيات. في تلك الفترة رسم  لوحات متعددة تصور أجواء مصرية مثل لوحة " عائلة " التي تعالج موضوع إنهيار العمارات السكنية على ساكنيها. كما رسم لوحة " عائلة أمام هرم خوفو "، وقد بدأت الملامح الفرعونية تتجلى في العديد من لوحاته الفنية خلال فترة دراسته في مصر حتى تخرجه عام 1980. في فترة الثمانينات إستمر علي طالب في رسم شخوصه وأحلامه وكوابيسه، كما رسم رؤوساً عديدة، وبروفيلات لنسوة عديدات، وهي من الموضوعات المحببة إلى نفسه. في منتصف الثمانينات عادت موضوعاته الواقعية إلى الظهور، لكنها منفَّذة بطريقة سريالية مثل لوحة " عاشقان " حيث تكرر ظهور الجبل، والطائر، وخيال المآتة وما إلى ذلك من موضوعات واقعية مثل " نخل السيبة " الذي إستحال إلى جذوع سوداء لكن ثمة سعفة صغيرة خضراء تشرئب برأسها وكأنها تتحدى الموت، وتقاومه بقوة لا مثيل لها.. لاحقاً رسم " الشهيد " و " بقايا إنسان " كما رسم بشكل متكرر لوحات " رجل وإمرأة " و " الزمن المصلوب " و " ذاكرة مهمشمة ". وفي تلك الفترة عاد إهتمامه بالمادة من جديد. إذاً، تظل ثنائية الحياة والموت، والحب والكراهية، والعقل والعاطفة، الروح والجسد، القداسة والدناسة وما إلى ذلك من أضداد كبيرة هي المحاور الأساسية في تجربة علي طالب الفنية. في كل معرض لعلي طالب ثمة لوحة تسترعي الإنتباه، وهذا لا ينفي بالضرورة أهمية الأعمال الفنية الأخرى. ففي معرض " الحب والموت " 2003 تركَّز الإهتمام على العمل الفني المعنون " أي حلم سيتحقق " فهذا العمل حمل صورة بروشور المعرض، كما أنه أحتل موضع القلب من الصالة، ناهيك عن كونه العمل الأول الذي يجابه المشاهد وجهاً لوجه وهو يلج قاعة " De Vrije Acadamie ". في هذه اللوحة ثمة أسطورة من الأساطير التي يمكن تلّمس أثرها في " تحوّلات أوفيد " حيث تحل روح العاشق في شجرة، وتتماهى فيها. فهذه المرأة ذات القوام الفارع، والملامح البصْرية " إلا من سحنة وجهها وكفها الأيمن " جاءت لتزور ذكرى حبيبها الذي حلَّت روحه في شجرة طرفاء كانا يلتقيان تحت ظلالها الوارفة. ربما تنتظر هذه الفتاة البصْرية في لحظة فنتازية أن ينبجس وجهه البشري الغائب من بين أغصان هذه الشجرة التي أصاخت السمع للواعج الحب التي كانا يبثانها في أويقات الخلوة والصفاء الروحي. وبالرغم من إندغام الموقف الواقعي بالرمزي، وتماهي المشهد الفنتازي بالتعبيري إلا أن اللعبة الدرامية لعلي طالب ما تزال كما هي، فالوجه لم يظهر منه إلا الجانب الأيمن " البروفيل " الذي أحبه الفنان، وإنقطع إليه لمدة زمنية طويلة. التعاطي مع الحدث الدرامي الذي وصل ذروته، هو جانب من اللعبة الفنية، أو رغبة الفنان في الإيحاء للمشاهد وكأنه يعرف تفاصيل هذه الزيارة، ناهيك عن الأجواء اللونية المعتمة التي تذكِّرنا بطقوسه السابقة. أما الطقس اللوني في هذه اللوحة فهو طقس مقدس بالنسبة للفنان علي طالب الذي يبجّل فكرة الحب النقي، الخالص، لهذا ظلت هذه اللوحة معتمة الأجواء، ومحتفية بخصوصيتها، وسرّيتها، فليس غريباً إن لم يسلّط عليها الأضواء الكشّافة التي تفضح قدسية هذا الطقس الملّفع بالحنين والرغبة في التماهي " ربما " في الشجرة ذاتها التي حلّت فيها روح المحبوب. كل هذه التفاصيل، آنفة الذكر، تحيل إلى مشروعه الفني العميق الذي يتعاطى مع الإشكالات الكونية الكبيرة. ثمة لوحات عديدة في هذا المعرض ما تزال تشيح بوجهها عن المشاهد، وتتفادى النظر إليه، وكأنها محتفية بعزلتها، أو بإنكفائها على قوقعة الذات. لابد من الإشارة هنا إلى العناوين التي أغدقها علي طالب على الكثير من لوحاته هي عناوين مراوغة وبالذات اللوحات التي أسماها الفنان " منظر طبيعي " وهي ليست كذلك، وربما هو يمتحن ذهن المشاهد، ويختبر ذاكرته البصَرية، أو يحوّل إنتباهه إلى زاوية ما بعيداً عن مركز اللوحة، وبؤرتها الحقيقية. وربما تكون اللوحات المعنونة بعبارة " بلا عنوان " أكثر دلالة، وأقل مراوغة لأنها تترك مخيلة المشاهد أمام إحتمالات أقل غموضاً من وقع التناقض الصارخ بين اللوحة وعنوانها. وثمة إشكال آخر وهو أن لوحة علي طالب قد تستغرق زمناً طويلاً يمتد في كثير من الأحيان إلى سنتين أو ثلاث سنوات، الأمر الذي يضعنا في حيرة التاريخ الذي أُنجزت فيه هذه اللوحة أو تلك. فهل يجوز للفنان أن يؤرخ لوحته عند الشروع برسمها، أم عند وضع اللمسات الأخيرة عليها بعد سنتين أو ثلاث سنوات من البدء برسم الملامح الجنينية لها كما في لوحات بروفيل، أثر، إمرأة(1)، إمرأة (2) وغيرها من الأعمال الفنية التي رُسمت في سنة 2000 لكنه عرضها عام 2003 ؟ على أية حال، لو أخذنا لوحة " القناع الذهبي " مثالاً لموضوعة " الرأس والقناع " التي تناولها الفنان من قبل، لكنه مايزال يجد فيها ضالته الفنية. فالرأس الذي لا يريد أن يتطلع إلى عيني المشاهد هو دليل على القطيعة الأبدية التي يراها علي طالب قائمة بين الناس، بل أنه يعمّقها أكثر حينما يضع هذا القناع على وجه الرأس الغارق في عزلته، والمتوحد في ذاته، وربما يرى الآخرين مُقنَّعين مثله. وليست هناك صلة، أو محاولة للتواصل. وإذا أراد هذا الرأس، أو الفيكر عموماً، أن يتطلع إلى الجمهور فأنه يجابههم بجسد منفجر، ومتشظىٍ كما في لوحة " إنفجار ". تأكيداً للحس الفجائعي الذي يهيمن على عقل الفنان، وقلبه، وذاكرته، ومشاعره الداخلية العميقة المُستفَزة. ولوحة " إنفجار " لا تشذ عن هذا التأويل، بالرغم من أن الفنان قد رسم يديها وقدميها بطريقة مُشبّعة بالحميمية والدفء والمحبة الغامضة التي لا تُفسَّر بسهولة إلا أن ملامح الوجه المتخيلة ضمن الجسد المتفجِّر لا يخرج عن إطار الوجوه المأزومة، المُنهَكة، الذاهلة التي تستسلم لقدَرها الخفي وكأنها " كائنات مُسيَّرة " أو دُمى عاجزة عن الإتيان بأي فعل، ولا تمتلك زمام أمورها كما في لوحات " حصار " ، " عزلة " 1 ، " عزلة " 2 ، " رجل وإمرأة " 2 ، " زيارة بائسة " ، " بورتريه شخصي " أو " ذاكرة مهشمة " حيث تبدو أغلب الوجوه مختنقة، مشوّهة، ممسوخة، أو محاصرة، ومسكونة بالرعب وهي تنتظر الفجيعة المرتقبة، أو أنها في أفضل الأحوال تتطلع إلى بعضها البعض من خلال نظّارة سوداء لا تكشف لها سوى العتمة الدامسة كما في لوحة " عاشقان ". العمل الصادم الذي قدّمه الفنان علي طالب في هذا المعرض هو " المقبرة الجماعية " إذ نفّذ منحوتةً متخيلةً لرأس يمثل ضحيةً من ضحايا المقابر الجماعية " الناجمة عن السياسية الوحشية للنظام المُباد، فضلاً عن الحروب الكونية التي إتخذت من العراق مسرحاً لجنونها وتصفية حساباتها الشخصية" ثم إستنسخ ( 35 ) رأساً، غرزها بشكل عشوائي في منضدة مستطيلة من الرمل توحي ببشاعة المقبرة الجماعية. وقد لفت هذا العمل أنظار الكثير من المشاهدين الذين زاروا المعرض، وظلوا يبحلقون بعيون مذهولة تكاد تطفر من محاجرها. وللتنويه فقط لابد من الإشارة إلى أن الفنان علي طالب يزاول عملية النحت خلال فترات متباعدة، فقد نحَتَ في الكويت عام 1966، وفي بغداد عام 1981، وفي إربد عام 1991، وفي لاهاي عام 2003. وهو لا يذهب إلى الرسم أو النحت إلا تلبية لحاجة روحية مُلِّحة يلبّي فيها رغبته في الإصغاء إلى نداءاته الداخلية المُبهَمة كي يصوِّر إنفعالاته المختطلة تجاه هذا العالم الذي تنتظره الفجيعة حسب توصيف الفنان علي طالب الذي يجد في معاناته الفنية بعضاً من التوازن القلِق!

إحالات
1- جبرا إبراهيم جبرا، مجلة الناقد، العدد الثاني عشر، حزيران ( يونيو ) 1989.
2- حنّا عبّود، الحداثة عبر التاريخ: مدخل إلى نظرية، منشورات إتحاد الكتّاب العرب 1989 ص32.
3- المصدر نفسه، ص32 ص33.




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
http://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,860,700,042
- الفنان ستار كاووش في معرضة الشخصي الثالث عشر: بين التكعيبية ...
- علامات - في عددها الأول . . شجرة واحدة لا تصنع ربيعاً، ونجمة ...
- ما مصير النساء الكرديات اللواتي أُجْبِرنَ من قبل النظام البا ...
- ندوة ثقافية عن مجلة - أحداق - في إطلالتها الأولى
- أحداق - فضاء للمخيلة المجنّحة، ومنبر لصياغة الخطاب الجمالي م ...
- مهرجان روتردام للفيلم العربي
- اجتماع الناصرية وردود فعل الشارع العراقي
- تداعيات إشهار الورقة الصفراء بوجه اللاعب السوري
- مساقط ضوئية تعري الوجوه المشتعلة بالرغبات السريّة
- العراقيون مع الحرب وضدها في آنٍ معاً
- عبادة الآلهة المزيفة
- سقوط النمر الورقي
- الدعاية والدعاية المضادة في الحرب على العراق
- سيئول ستشترك في الحرب ضد العراقمن أجل تعزيز علاقاتها بواشنطن
- مسرحية - المتشائل - في لاهاي
- حفل فني لمارسيل خليفة في هولندا
- منتدى الصحفيين العراقيين في ملتقاه الثاني. . توصيات، وميثاق ...
- هولندية مرشحة للبرلمان تتطاول علي شخصية الرسول (ص) - أمستردا ...


المزيد.....




- فيلم -جزائرهم- للينا سوليم.. صرخة جيل صامت لسد ثغرات الذاكرة ...
- الإعلان عن شروط التقدم لمهرجان أفلام المقاومة الـ16
- حفيدة الفنانه المصرية -رجاء الجداوي- تخاطب جدتها في رسالة مؤ ...
- الشرطة الماليزية تستجوب صحافيين من شبكة الجزيرة حول فيلم وثا ...
- دعوى قضائية في ليبيا لمقاضاة منتجي فيلم -عمر المختار-
- -بسبب فستان وحاجات تانية-.. فنانة مصرية توضح سبب نشرها صور - ...
- هكذا يدافع فنان سوري عن وطنه ويرد على من يتهموه بشبيح(شاهد) ...
- الفنان المصري محمد رمضان يعلق على قصة الـ 125 دبوسا!
- فوز فيلم -الأرميتاج- الوثائقي على جائزة إيطالية
- كاريكاتير -القدس- لليوم السبت


المزيد.....

- المسرح الشعبي المغربي الإرهاصات والتأسيس: الحلقة والأشكال ما ... / محمد الرحالي
- الترجمة تقنياتها ودورها في المثاقفة. / محمد الرحالي
- ( قراءات في شعر الفصحى في أسيوط ) من 2007- 2017م ، دراسة نقد ... / ممدوح مكرم
- دراسات فنية في الأدب العربب / عبد الكريم اليافي
- العنفوان / أحمد غريب
- العنفوان / أحمد غريب
- السيرة الذاتية لميساء البشيتي / ميساء البشيتي
- السيرة الذاتية للكاتبة ميساء البشيتي / ميساء البشيتي
- الوجه الآخر لي / ميساء البشيتي
- لغز إنجيل برنابا / محمد السالك ولد إبراهيم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عدنان حسين أحمد - تمظهرات الجانب الديونيسي في تجربة الفنان علي طالب: وجوه تتفادى المجابهة، وتحتفي بالإنكفاء على الذات المُستوحدة