أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - دحام هزاع التكريتي - علام هذا التشبث بممارسات وتقاليد عهد فاسد















المزيد.....


علام هذا التشبث بممارسات وتقاليد عهد فاسد


دحام هزاع التكريتي
الحوار المتمدن-العدد: 2182 - 2008 / 2 / 5 - 10:18
المحور: اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
    


خلّف لنا نظام صدام حسين إرثاً بالياً وممارسات مدمرة ترسّخت في عقول وأخلاق جمهرة من العراقيين وبشكل إرادي أو لاإرادي، بحيث غدت الآن عائقاً جدياً أمام أي مسعى لخروج العراق من الجب الذي وقع فيه. لقد توقع المواطنون العراقيون بعد أن انهالوا بالضرب على تمثال الطاغية في التاسع من نيسان عام 2003 أن يتهاوى هذا التراث المشين كي ينعموا بتقاليد وممارسات عقلانية وسليمة لتسود الحكمة والمنطق في هذا المجتمع الذي عاني من تشويهات خطيرة. بالطبع لم يكن من المعقول أن يزال كل هذا التراث البالي بين ليلة وضحاها في سلوك وممارسات من تربى وعاش في أحضان هذه التقاليد الضارة.
كل ذلك مفهوم، باعتبار أن هذه التشويهات لا يمكن أن تعالج إلاّ بشكل تدريجي وليس بضربة ساحر. إلاّ أنه من غير المعقول ولا المقبول أن يجري التشبث بعين تلك الممارسات وإشاعتها واعادة انتاجها من قبل من وقف وعارض النظام السابق وقدم أنصاره الكثير والكثير من الضحايا. وهذا هو بيت قصيدنا، وهي الكارثة التي تعم بلادنا بعد أن ولّى نظام الفساد السابق. كان جميع المعارضين للنظام السابق ينتقدونه بسبب سياسة "التبعيث" التي حولت الدولة العراقية إلى دولة البعث. فقد تم صبغ جميع مؤسسات الدولة بصبغتها. فلكي يعثر المواطن العراقي على وظيفة أو القبول في كلية معينة أو أن يخدم في الجيش والشرطة أو أن يحصل حتى على إذن بالزواج فما ينبغي عليه إلاّ أن يرفع شعار البعث الصامد ويهلهل في ذكرى ميلاد الرئيس. كل ذلك أشاع في المجتمع ظاهرة الانتهازية والرياء والنفاق والكذب، فالحاكم يكذب على الناس، وترد العامة بالكذب على الحاكم كي تمرر مصالحها. هذا النمط من الممارسة هدد أركان الدولة، ولم يؤسس لنا إلا دولة هشة. لقد شهدنا هشاشتها عند أول تحرك معارض لها في انتفاضة عام 1991، حيث انهارت دولة البعث أو دولة صدام حسين في غالبية المحافظات، ولم تسعف الكثير من أنصار ذلك الحكم صبغة "البعث القائد والصامد"، حيث لم تنقذهم من مصيرهم المحتوم. ولا نريد أن نتطرق إلى ذلك الانهيار المشين المعيب والعار الذي لحق بهذه "الدولة الفاشوشية" خلال الغزو الأمريكي في عام 2003.
إن عدداً ممن شغل مقاعد المسؤولية ولهث ورائها في هذه الزاوية أو تلك بعد سقوط النظام، عاد وأحيا هذه الممارسة الضارة. فبدلاً من "التبعيث" واجه العراقيون نفس العقلية، ولكن بمسميات واعلام جديدة لا تختلف من حيث الجوهر عن تلك الممارسة الاحتكارية للسلطة والإقصائية للآخرين. فحيثما سيطر هذا الحزب أو ذاك على هذه المحافظة أو على هذا الحي والزقاق أو تلك الوزارة حتى تتحول ساحتها الى مرتع لأنصاره وترفع صوره ولافتاته وتُطبّع بقيمه، بما في ذلك اللحى وتسويد الجباه والملابس والحجاب وشكل العمامة التي يفضلها هذا المسؤول وحزبه، ليفقد أي مرفق طابعه العراقي الوطني العام. هذا المنحى لا يعني الاّ نتيجة واحدة هي أن لا يتم التعيين في أي موقع رسمي على اساس الكفاءة، بل على أساس الولاء الحزبي أو الإنحدار الطائفي، وهذا ما بدد خلال السنوات الخمس الماضية كل فرص معالجة المشاكل الخطيرة المتراكمة على المواطن العراقي. هذا المنحى الضار أذكى بدوره حمى تزوير الشهادات العلمية لبعض الأتباع كي يحتلوا مواقع المسؤولية بدون حق ولا عن استحقاق. وأدى ذلك إلى تطور "صناعة التزوير" في بلادنا، كما أدى بدوره الى تسلق عدد لا يستهان به من المريدين الأميين الى اشغال مناصب حساسة في الدولة العراقية، بما في ذلك منصب ممثل الشعب في مجلس النواب العراقي أو عضوية مجالس المحافظات، مما أضاف عبئأ جديداً على المجتمع العراقي يضاف إلى العبء والممارسة التي ورثناها من حكم البعث. إن أية دولة تسعى الى الاستقرار، تبني مرافقها على اساس الكفاءة وليس على اساس الموالاة التي لا تحل ولا تربط، بل تزرع الإنتهازية والكراهية والحساسيات والتزوير وتقيم دولة هشة غير مستقرة.
ومن بين أكثر ماورثناه سوءاً من الحكم السابق، ويجري اعادة انتاجه هو السعي لتجاوز الضوابط القانونية التي ترسي دعائم دولة القانون. لنأخذ مثلاً ما يجري بين الحين والآخر من نثر "المكرمات"، والتي يستغرب المرء من أن يقوم بتوزيعها السيد رئيس الجمهورية ونوابه أو السيد رئيس الوزراء الذين لهم ماض وثقافات تتعارض مع هذه العادة التي تسيء الى شخصية المواطن العراقي. الحديث هنا لا يدور عن استحقاق من يستلم مثل هذه المكرمات، بل الحديث يدور حول ضرورة ان تلغى هذه الكلمة المعيبة من قاموسنا وتقبر هذه الممارسة الموروثة من النظام السابق أولاً، ثم ثانياً، لماذا لا تقدم هذه المعونات بقرار من مؤسسة رسمية وليس من فرد مهما كان موقعه. فلماذا لا يصدر قرار بذلك إما من قبل مجلس النواب وبقانون او من قبل مجلس الوزراء وبمرسوم وليس من "جيب" أو "مكرمة" أية شخصية رسمية. إن هذه "المكرمات" لا توحي إلاّ وكأنها ملك شخصي لهذا المسؤول أو ذاك، ويتصدقون بها على المنكوبين الذين تحولهم هذه المكرمات إلى شحاذين. إن هذه الأموال هي من المال العراقي العام الذي يعود إلى الشعب، والذي يجب أن يُصرف بقرارات رسمية قانونية، وبذلك سنقلب صفحة على هذه الممارسة الشاذة والمعيبة التي كانت تتم في العهد السابق عندما كان صدام حسين يقوم بتوزيع "مكرماته" وكأنها صدقة من ماله الخاص. ومن الأفانين التي اعتاد النظام السابق عليه هو اختراع تشكيل مناصب استشارية لشخصيات يُراد التزلف لها أو تجميد معارضتها دون أن تقوم بعمل محدد، وبشكل يؤدي إلى تجنّب التعويل على المؤسسات الرسمية القائمة. فالمسؤولون عندنا الآن وللأسف يحيون ظاهرة "المستشارين" الفضفاضة والشكلية التي سار عليها النظام السابق. فرئيس جمهوريتنا الحالي ونوابه ورئيس وزرائنا محاطون بجمهرة من المستشارين بمختلف الاختصاصات، ويتسلمون رواتب ضخمة تثقل كاهل الخزينة دون أن يؤدي هؤلاء أية اعمال ملموسة. فالقرار في نهاية الأمر بيد مجلس النواب وبيد مجلس الوزراء الذي يضم مختلف الاختصاصات، وعليهم تقع مسؤولية بلورة القرارات واعطاء الصورة عن واقع حالنا. فما الحاجة مثلاً الى مستشار للأمن القومي أو إلى مستشارين في الفنون والآداب والسياسة وغيرها، في حين ان هناك حكومة لها برنامجها ومؤسسات تديرها في كل هذه الميادين الأمنية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها. من الممكن تعيين هؤلاء المستشارين في الوزارات حسب كفاءاتهم دون الحاجة إلى تجمعهم وبدون عمل جدي حول الشخصيات الرسمية. وبذلك نقضي على ممارسات النظام السابق في تنصيب هذا القدر من المستشارين الاقدم منهم الى الادنى؟. ينبغي علينا أيها السادة الكرام أن نسعى لبناء دولة مؤسسات وليس دولة اشخاص وبطانات فاشلة ومدمرة.
ولعل اخطر ماورثناه بؤساً وتدميراً هو العنف وثقافة السلاح كوسيلة وحيدة لحل المشاكل والحوار وفرض الرأي الواحد، بل وحتى الاحتفال بالزواج. عشنا في ظل النظام السابق تحت وطأة الجيش الشعبي وتهديدات فدائيي صدام والحرس الخاص والحرس الجمهوري وميليشيات حزب البعث على حساب المؤسسات الرسمية المعنية بمعالجة الأمن والدفاع عن حقوق المواطن العراقي...فماذا كانت النتيجة؟ المزيد من خرق القوانين واستباحة حقوق الفرد العراقي والنهب المنظم للمال العام والخاص والتستر على الجريمة وإلصاقها بالابرياء، وتحوّل القضاء الى مفسدة يخرج البرئ منها مجرماً والمجرم بريئاً.

السلاح والعنف خطر يهدد العراق
والآن يتكرر المشهد نفسه وبنسب متفاوتة وبأسماء وعناوين متنوعة. فلدينا الآن فلول مسلحة للنظام السابق ولكن بعناوين دينية متمثلة بالجيوش والكتائب التي فاقت بعددها ما كان لدينا في ظل النظام السابق. وتزداد خطورة هذه الظاهرة عندما تلبس هذه المجاميع المسلحة لباس الدين والطائفة والقومية لتتحول الى أداة تدمير اودت بحياة عشرات الآلاف من العراقيين منذ سقوط النظام ولحد الآن. إن البعض من العراقيين وبعض التيارات السياسية المتطرفة لا تترك أية فرصة دون أن تجمع الأسلحة وتعرض مشاهدها العنفية بمناسبة وغير مناسبة. فمناسبة الوفاة أو الميلاد أو نتائج لعبة كرة القدم أو الزواج أو المظاهرات أو الطقوس الدينية واستذكار ملحمة الحسين التاريخية تختطف، وتتحول كلها دون إذن من أحد وبدون مبرر إلى مشاهد للعنف وبشكل يتعارض مع كل المشاعر الانسانية والعرف الديني المتسامح، بل ومخل بالدين، ويخالف حتى ما يبشر به أصحاب الحكمة من رجال الدين. فما معنى أن يعلن الكثير من كبار رجال الدين تحريم العنف المتمثل في التطبير واللطم في المناسبات الدينية، في حين يصّر نفر من المتطرفين، و بتشجيع من أوساط حكومية واعلامية، في ترويج مظاهر العنف في هذه المناسبة المقدسة؟ إنها ثقافة العنف التي تطحن ضمائر البعض وتبلدهم ولا تريد الاستقرار لهذا البلد المعذب.
هذا الحال من العنف وفرض الرأي الواحد والاستبداد المبطن يعرقل الآن تطور عناصر الديمقراطية وثقافتها، ومنها ابداء الرأي وحرية الصحافة وفي كل المجالات.

نماذج من التطرف والاستبداد الديني في بعض مدن العراق
إن غالبية من المواطنين العراقيين الآن وحتى أحزاب سياسية، على غرار ما كانوا عليه في ظل النظام السابق، يخشون من التعبير عن آرائهم أو انتقاد هذه الجهة السياسية أو تلك خوفاً من التكفير أو الاتهام بالعداء للدين والرموز الدينية أو الاقصاءأو الغدر أو السجن في أحسن الأحوال في بعض محافظات العراق. ففصائل الغدر التكفيرية المصدّرة لنا من الخارج تصول وتجول في العديد من مناطق العراق، وهي تتربص بالعراقيين وبالصحفيين تحت يافطات دولتهم الإسلامية البائسة، وآخرون بـ "مهديهم وجند سمائهم المزيفين". وإذا ما بادر أحد الصحفيين مثلاً إلى انتقاد السيد عدنان الدليمي ومقتدى الصدر أو السيد العامري وغيرهم لاحتفاظهم بمفخخات وبجيوش وفيالق ومسلحين بشكل يتناقض مع بنود الدستور العراقي الذي صوّتوا عليه، فما على هذا الصحفي إلاّ أن يشتري كفناً له قبل أن يجف حبر قلمه وهو ينتقد الظواهر السلبية. أما إذا ما تجرأ احد الصحفيين على كتابة مقالة ينتقد الفساد أو ممارسات سلبية لأحد الأحزاب أو المسؤولين في محافظة السليمانية أو أربيل، فعندها سيتحول أما إلى شوفيني أو مرتد، و سيكون مصيره أما السجن أو محاربته برزقه في ظل الديمقراطية التي يُكال لها المديح في تلك المحافظات. ففي ظل هذه الظروف التي ما هي إلاّ إعادة إنتاج لسلوكيات العهد السابق، كيف يمكن لنا أن ننهض ونرسي قواعد الديمقراطية على أنقاض الاستبداد الصدامي، وكيف لنا أن نحارب الفساد ونستأصل جذوره بدون توفر الحدود المناسبة من النقد المسؤول والشفاف؟ إنه لمن غير المعقول أن يستمر قهر الصحفيين وهم يمثلون أحد أركان العملية الديمقراطية في أي مجتمع، فالصحافة وسيلة هامة لا يمكن بدونها اشاعة النزاهة وقهر الفساد في المجتمع حتى دون الحاجة الى تشكيل هيئة للنزاهة وصرف الرواتب على منتسبيها.
تأسس حزب البعث في العراق في بداية الخمسينيات من قبل فريق من القوميين العراقيين العرب. وللتاريخ لم تكن هوية هذا الحزب طائفية ولا مناطقية ولا عائلية أوعشائرية في البداية، حيث ضم أشخاص منحدرون من مختلف المحافظات العربية في العراق وتحديداً من المناطق الجنوبية. وترأس هذا الحزب آنذاك المرحوم فؤاد الركابي الذي غدر به صدام حسين في بداية السبعينيات على شاكلة من غدر بهم من قادة حزب البعث. ولكن بُعيد انتصار ثورة تموز، اعتمد هذا الحزب نهج التطرف القومي الاقصائي أزاء كل من يخالفه. وبعد انقلاب 8 شباط المشؤوم في عام 1963، طغت على الحزب العناصر الهامشية المتخلفة بحيث تحول تدريجياً الى حزب طائفي عشائري ثم تحوّل في آواخر حكمه إلى حزب عائلي، حيث أوكلت مهام الحزب والدولة الى عائلة متخلفة من حاشية الرئيس السابق وأولاده وأولاد عمومته والحبل على الجرار، ومن أتباع متخلفين. وأقصي وقتل من لديه قدر من الوعي والحكمة. وهكذ ساد نمط التخلف والفساد في العمل السياسي. ويبدو أن بعض السياسيين لا يتعظون من مصير هذا الحزب والنمط المتخلف والمشوه الذي اعتمده في العمل السياسي ونتائجه. لقد أخذت بعض الأحزاب التي كانت معارضة للحكم السابق بنفس هذه الأسس المخلة بقواعد الديمقراطية. فالمجلس الاسلامي الأعلى يتناوب على زعامته حصراً أبناء عائلة الحكيم، وكذا الحال بالنسبة لجماعة مقتدى الصدر والحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي تحتكر كل المواقع الرئيسية فيه بيد أفراد العائلة البارزانية. ويقلد هذا المثل وبدرجة أقل الإتحاد الوطني الكردستاني، رغم تنامي عدد غير قليل من الكوادر المؤهلة ومن ذوي الكفاءات في إقليم كردستان. هذا السبيل لا يضع "الشخص المناسب في المكان المناسب"، بل يُشيع الانتهازية في داخل هذه الأحزاب وخارجها، ولا يُحقق الديمقراطية والحياة الداخلية السليمة فيها، ناهيك عن أنه يلحق الاضرار بالتربية الديمقراطية في المجتمع ككل. فإذا لا قدر الله أن أصاب هذه العوائل قَدَرُ غير محسوب، فستنهار هذه الأحزاب أو يحل النزاع الداخلي فيها وتجر الأجواء السياسية في البلاد إلى مأزق معقد بل وخطير وإلى دائرة مقفلة. لقد رأينا بأم أعيننا كيف صار مصير الدولة العراقية مع اللحظة الأولى لاختفاء صدام حسين.
وترتبط بهذا الأمر تقاليد غير مقبولة تستلهمها الآن بعض الحركات السياسية وخاصة الدينية منها، وهي في الأساس من ابداعات النظام السابق المنهار. ففي ذلك العهد كان المواطن يكاد يُصاب بالهلوسة والهلع والتقزز من كثرة النصب والتماثيل والصور التي تصوّر الحاكم السابق بأزياء وبطلاّت وطلعات متنوعة تفوق تلك التي تنشرها دور السينما لنجومها. وبلغت هذه الصرعة حداً أن اضطر المواطن العراقي الى تعليق صور "القائد" حتى في غرف النوم درءاً للبطش أو رياءاً أوتملقاً، بل وحتى في الثلاجات بعد أن شرع هذا القائد بزيارات مفاجئة للبيوت وفتح الثلاجات والقاء نظرة على محتوياتها. ولا يمكن أن نضع هذه الظاهرة إلاّ في إطار تأليه الفرد وكأنه موجود أزلي أبدي لا يموت، وليس من باب فرض الاحترام أو الهيبة أو اثارة الرعب فقط لدى المواطن العراقي. وللأسف فبدلاً من أن تقلب بعض الحركات السياسية صفحة على هذا التراث البالي وتدينه وتعالج تركاته النفسية على المواطن العراقي، فإنها ربما راحت تبالغ أكثر في ممارسة هذا النهج المرفوض. فأعيد بناء الجداريات "الصدامية" التي حطمها العراقيون في نيسان عام 2003، لتحلّ محلها رموز دينية في الغالب وغير دينية بالنادر، وهُدرت طاقات وأموال كان الأجدر بها أن تصرف على نظافة المدن وخاصة المقدسة منها، والتي ما زالت غارقة في دوامة الاهمال وانعدام الحدود المقبولة من الخدمات والنظافة والمؤسسات التعليمية والصحية.
ويبقى ماورثناه من من العهد السابق من أساليب التهريج وإثارة العواطف القومية المتطرفة والممزوجة لاحقاً بعواطف ومزايدات دينية، تلقي بظلالها على واقع حالنا اليوم أيضاً، بل وأصبح تقليداً في ممارسات عدد غير قليل من الحركات السياسية التي
ظهرت على السطح بعد زوال استبداد البعث المنهار لقد تغلفت هذه الأساليب فيما بعد التاسع من نيسان عام 2003 بغلاف الدين المتطرف برشاشاته وملثميه وسياراته المفخخة وذبّاحيه وبلغته الطائفية المذهبية والتكفيرية المدمرة لنسيجنا الوطني. وتبعاً لذلك كثرت الفتاوى لرجال دين ظهروا على السطح ولا تعرف هوياتهم ولا درجة معلوماتهم الدينية بحيث اختلط الحابل بالنابل، وإلتزم الصمت من يُعوّل عليهم في ابداء الرأي السديد.

نموذج من ملصقات التضليل في مدن العراق الجنوبية
وهكذا شهد العراقيون انتقالاً في التطرف وتجلياته من التطرف القومي إلى التطرف الديني وبأبشع صوره. ورافق كل ذلك طغيان لغة الأساطير والخرافات والغيبيات في بلادنا، وتلقف الجمهور هذه الثقافة كتعبير عن معاناته وشعوره باليأس وحجم الكارثة التي حلت به خلال سنوات "الحزب القائد". وانتقلت هذه الثقافة حتى الى دور الاعلام التي راحت تتوسل بالمنجمين تارة وبالغيبيين تارة لتلون برامجها. قبل أيام عرضت القناة الفضائية العراقية تحقيقاً مصوراً عن مقام السيد إدريس في الكرادة الشرقية في العاصمة بغداد. وطلع علينا متولي هذا المقام ليعلن عن اكتشاف بئر في المقام باستطاعته جلب الشفاء لكل الأمراض؟؟ فإذا كان لهذا البئر هذه القدرة في علاج المرضى، فلماذا يطالب العراقيون إذن بتحسين الخدمات الصحية وبناء المستشفيات وزيادة فتح الفروع الطبية في الجامعات العراقية؟ إن هذا التخريف بُثّ من قناتنا العراقية الرسمية التي يموّلها الشعب العراقي وليس من أقنية أخرى مشبوهة معلومة التمويل والهدف. فإذا كانت قناة رسمية تبث مثل هذه الهرطقات، فلماذا تتم محاسبة أتباع جند السماء والمهدويين وإتهامهم بالفئات الضالة. إن دعاة الغيبيات والخرافات يكررون نفس ما لجأ إليه "العارف" عزت الدوري عندما بادر الى إحياء التكايا والدروشة وخرافاتها وأصبح هو الآخر "درويشاً" في الحزب القائد. فإذا لم يجر فضح هذه الثقافة ومعالجتها ووقف الترويج لها، فعلى العراقيون أن يستعدوا لاستقبال عدد جديد من المهديين المزيفين و"علماء " الدولة الإسلامية الضالين الذين يدفعون الشباب إلى تفجير أنفسهم من أجل الوصول بأسرع ما يمكن إلى حورياتهم الجميلات في دنياهم الأخرى. وعندها سيبقى الخاسر الأكبر في هذه الأضاليل هو العراق الذي سيدفع الكثير نتيجة لذلك التطرف والخرافات والغيبيات والمزيد من الوقوع في دائرة التخلف والدمار والركود الاقتصادي والاجتماعي والفكري والنزاع العبثي.
ولعل أكثر ماورثناه من سلوكيات النظام السابق هو موقفه من الثقافة والمثقفين. لقد أتبع النظام السابق طريقين في التعامل مع الثقافة والمثقفين. فقد أضطهد وألقى ستار من التعتيم على كل ما لا يصب في تعزيز جبروته وقسوته وكل ما يعزز مسيرة الأبداع والتنوير في بلادنا الغنية بالعقول النيرة والأبداعية من ناحية، ومن ناحية شراء ذمم مثقفين آخرين عراقيين وعرب من الذين تحوّلوا إلى ببغاوات تردد ما يطلبه ذلك النظام الفاسد. إن ذلك النظام لم يكتف بتصفية المثقفين والفنانين وتحريم تداول نتاجات غالبية المبدعين فحسب، بل وصل به الأمر إلى إسقاط الجنسية عن رمز ثقافتنا العراقية الخلاقة الجواهري الكبير ببلاغته وغناه اللغوي وأناشيده الفريدة. ولم يتحمل هذا النظام حتى من أراد أن يسلك طريق التفكير المستقل من أفراد حزبه حيث لم يتردد في الغائهم من الوجود من أمثال الكمالي وعزيز السيد جاسم وشاذل طاقة. كما لم يتردد النظام في دفع أزلامه لاقتحام مرسم المرحوم الفنان فائق حسن الذي ضاق ذرعاً برسم صورة الطاغية ورفض أن يرسم المزيد منها. فتحوّل العراق حاضن الثقافة وسوق الكتاب ومكتبة القراء في عالمنا العربي إلى واحة جرداء لا تسمع إلا أشعاراً مبتذلة تكيل المديح للطاغية ومثقفين يعملون بالقطعة للتهليل لحكم هزيل ظلامي يخشى الثقافة والمثقفين، وقام بتسفيه الثقافة في أعين الناس. وأضطر الكثرة من رموز الثقافة والفن والعلوم إلى الهجرة، وحرم البلد من ركن أساسي من أركان وجوده؛ أي الثقافة والمثقفين.
وما أن انهار النظام حتى قام أزلامه والفئات الهامشية المتخلفة وفلول التطرف الديني والحواسم بصب كل جام غضبها على ما تبقى من دور الثقافة في بلادنا. فحرقت المكتبات ودور العرض ودمرت المسارح، وبدأت حركة منظمة تحت لافتات دينية بتصفية كل ما بقي من ملامح الثقافة ومطاردة المثقفين وأساتذة الجامعات وعمداء الكليات والأطباء وكل شخص متعلم وأديب وفنان في مسعى لمنع أية محاولة لأحياء الثقافة وتحريرها من الركام الذي عاشته في ظل النظام السابق. ويتم ذلك الآن بسلسلة من التحريمات وفتاوى المعادين للحياة من المتطرفين الدينيين الذين يريدون أن يحوّلوا حياتنا إلى ميدان للبكائيات والنكد والقهر ومحو أية بسمة وضحكة على وجوه العراقيين وسلب إرادتهم في العيش حياة حرة وسعيدة ومفعمة بالأبداع.
أن من تقع على عاتقهم المسؤولية الآن وتحديداً مجلس الرئاسة ومجلس الوزراء ورئيسه ومجلس النواب أن يراجعوا هذه المظاهر الخطيرة التي ورثناها من النظام السابق، ويريدها البعض أن تبقى قدراً للعراقيين لفرض إرادتهم، ويجندوا كل إمكانياتهم لمعالجتها.

ملصق يتناوله المواطن العراقي الآن ولا يحتاج إلى تعليق
فالنجاحات الواضحة التي تحققت وستتحقق في الأيام المقبلة في ميدان مكافحة الأرهاب والمجاميع المسلحة وشرورها بالطرق الأمنية لا يمكن أن تتحول إلى معادلة ثابتة في حياة العراقيين دون معالجة تلك المظاهر الخطيرة ومشاكل اجتماعية واقتصادية ودينية عرقية معقدة. فمهما بذلت قواتنا المسلحة من جهود وما قدمت من تضحيات فإنها بحاجة إلى دعم معنوي عبر معالجة وجدان الناس وعقولهم ودفعه إلى جادة المنطق والحكمة والرحمة. وإن لم يتم ذلك فسيدفع المواطن العراقي إلى فخ الترحم على جلاده السابق، كما يشير الكاريكاتير المنشور أعلاه.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- القناة الفضائية العراقية وهموم العراقيين
- على حسقيل قوچمان!! الإعتذار للشعب العراقي والكف عن الإساءة ل ...
- هل يحرق أياد علاوي مراكبه؟
- الى السيدة سعاد خيري : لطفاً حذاري من لوي عنق الحقيقة
- عندما يتحول الاجتهاد الى تخريف، يتحول هتلر وموسليني وصدام ال ...


المزيد.....




- الولايات المتحدة: تصاعد كراهية الإسلام
- هجوم “الروضة” بسيناء.. بأعين مصريين
- صحيفة: ترامب استثمر مصيبة مصر 100%
- سلاح روسي -يلدغ- حاملات الطائرات ويختفي!
- لأول مرة..  الأمريكيون دخلوا مخ الإنسان لتنظيم مزاجه
- ترامب يرفض عرض مجلة التايم ليكون شخصية العام 2017
- واشنطن: مكتب منظمة التحرير الفلسطينية سيبقى مفتوحا ولكن بشرو ...
- كليك: روبوت تويوتا الجديد و محاكاة اطلاق النار في المدارس ال ...
- السيسي يتوعد بالثأر والقصاص انتقاما لضحايا هجوم مسجد بئر الع ...
- ترامب يرفض عرض مجلة التايم ليكون شخصية العام 2017


المزيد.....

- قراءات في ذاكرة عزيز محمد السكرتير السابق للحزب الشيوعي العر ... / عزيز محمد
- رؤية الحزب لمشروع التغيير .. نحو دولة مدنية ديمقراطية اتحادي ... / الحزب الشيوعي العراقي
- نقاش مفتوح حول اللبرالية واللبرالية الجديدة وواقع العراق؟ ال ... / كاظم حبيب
- مبادرة «التغيير نحو الإصلاح الشامل» في العراق / اللجنة التحضيرية للمبادرة
- القبائل العربية وتطور العراق / عصمت موجد الشعلان
- تحليل الواقع السياسي والإجتماعي والثقافي في العراق ضمن إطار ... / كامل كاظم العضاض
- الأزمة العراقية الراهنة: الطائفية، الأقاليم، الدولة / عبد الحسين شعبان
- من تاريخ الكفاح المسلح لانصار الحزب الشيوعي العراقي (١ ... / فيصل الفوادي
- عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي - الجزء الاول / عزيز سباهي
- الأمن والدين ونوع الجنس في محافظة نينوى، العراق / ئالا علي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - دحام هزاع التكريتي - علام هذا التشبث بممارسات وتقاليد عهد فاسد